Полный текст (94 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وهذا الحديث بالنسبة للمبتدعة شأنه عظيم، يعني لو قيل لك: استقبل فلان بالمطار، هذا مثال لا شيء بالنسبة لما جاء في صفات الله -جل وعلا-، استقبل فلان في المطار، ثم طلعت تستقبله، وسألت الذي قال لك تستقبله: طويل قصير، سمين نحيف؟ تقول: والله ما أدري، طلع للمطار، ونزل الناس من الطائرة، ما يدري من يستقبل؟ ويش اسمه على شان ننادي عليه؟ قال: والله ما أعرف اسمه، واحد يبي يجينا من بلد كذا، كيف يستقبله هذا؟ كيف يعرفه من بين الناس، فإذا كان الله -جل وعلا وتقدس- عرفنا بصفاته في كتابه، وعلى لسان نبيه ﵊، نعرف أن له هذه الصفات، فالذي ينكر هذه الصفات كيف يعرفه بهذه الصفات؟ إذا تجلى بالصفات التي أنزلها في كتابه وعلى لسان نبيه ﵊، والمثال الذي ذكرناه مثال تقريبي وإلا لا نشبه الله بخلقه، لكن هو تشبيه للمعرفة بالمعرفة لا المعروف بالمعروف، هذا الذي طلع للمطار لا يعرف اسمه ولا يعرف لونه ولا طوله ولا حجمه ولا عرضه، ولا أي صفة من صفاته، كيف يستقبله في المطار هذا؟ يستطيع؟ نزلوا الناس أفواجاً من الطائرة، ما يعرف، فيرجع بدونه، وهذا الذي ينكر الصفات إذا تجلى الله -جل وعلا- لعباده يوم القيامة كيف يعرفه، فالمسألة جد خطيرة.
وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... . . . . . . . . .
ينكر الجهمي هذا، ويشترك مع الجهمية في إنكار الرؤية -وهي من عظائم الأمور- المعتزلة والخوارج، الخوارج ينكرون الرؤية، الإباضية يقولون بخلق القرآن، وينفون الرؤية كقول الجهمية والمعتزلة -نسأل الله السلامة والعافية-، وتداخلت المذاهب، وتأثر بعضها ببعض، فالإباضية الخوارج تأثروا بالمعتزلة، الرافضة أيضاً تأثروا بالاعتزال، الزيدية شابهم شيء من الاعتزال، بل وافقوا المعتزلة في كثير من القضايا، وهذه عقوبات لذنوب بعضها يجر بعض، وإلزامات مع التزامات، وقد سلم منها من وفقه الله -جل وعلا- للاعتقاد الصحيح.
"وقد ينكر الجهمي هذا" يعني مسألة الرؤية.
. . . . . . . . . وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصححُ
стр. 37
هذه في نسخة دمشق الطبعة الأولى، وفي نسخة الشيخ رشيد رضا "حديث مصرِح" وهو حديث بالفعل مصحح ومصرَح به أو مصرِح، فالحديث صحيح صريح في الصحيحين وغيرهما.
. . . . . . . . . وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصححُ
أو مصرَح أو مصرِح.
"رواه جرير" جرير بن عبد الله البجلي الصحابي الجليل يوسف هذه الأمة "عن مقال محمد" ﵊ يعني يرويه عن النبي ﵊ ويرفعه إليه.
. . . . . . . . . عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجحُ
يعني من قدوته وأسوته النبي ﵊ فنجاحه وفلاحه مضمون، من كان قدوته فيما يفعل وفيما يذر، وفيما يعمل، وفيما يعتقد، من كان قدوته النبي ﵊، ومن كان هواه تبعاً لما جاء به النبي ﵊ فهو الناجح وهو المفلح، أما من خالف ما جاء عن النبي ﵊ سواءً كانت هذه المخالفة عن معاندة، أو كانت عن تأويل لا مسوغ له ولا دليل عليه، بل هو تحريف للنصوص، تحريف لألفاظها، تحريف لمعانيها، هذا لا ينجح ولا يفلح.
مسألة الكلام النصوص صريحة في القرآن في إثبات كلام الله -جل وعلا-؛ لما أراد الجهمي أن يحرف اللفظ في قول الله -جل وعلا-: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى﴾ [(١٦٤) سورة النساء] قال: "كلم اللهَ" فحرف تحريفاً لفظياً، لكن إذا تسنى له أن يحرف مثل هذا فكيف يستطيع أن يحرف ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [(١٤٣) سورة الأعراف]؟ يستطيع؟ ما يمكن أن يستطيع، وقد رُد عليه بهذا، فهذا من تحريف اللفظ.
وتحريف المعنى في مسألة الكلام نظروا في المادة مادة الكلام، وأن هذه المادة تطلق على عدة معاني، منها: التجريح ((ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة ... )) إلى آخره، يكلم يعني يجرح، فقالوا: نحمل الكلام هنا على التجريح، التكليم ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [(١٦٤) سورة النساء] يعني جرحه، جرحه بإيش؟ قالوا: بأظافير الحكمة، هذا تحريف للمعنى -نسأل الله السلامة والعافية-، فعلى الإنسان أن يعتقد هذا الاعتقاد الصحيح، وأن يلهج بدعاء الله -جل وعلا- أن يثبته عليه إلى أن يتوفاه عليه.
الوقت جاء؟
إيه نقف على هذا، ونستأنف -إن شاء الله-.
стр. 38
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود (٣)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء يا رب العالمين، واغفر لنا أجمعين، أما بعد:
قال ابن أبي داود -رحمه الله تعالى-:
وقل: يتجلى الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضحُ
وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبَحُ
وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح
رواه جرير عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح
وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح
وقل: ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدح
إلى طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح
يقول: ألا مستغفر يلقَ غافراً ... ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح
روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا
وقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجح
ورابعهم خير البرية بعدهم ... علي حليف الخير بالخير منجح
وإنهم للرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس بالنور تسرح
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدح
وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولا تكُ طعاناً تعيب وتجرح
فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح أي للصحابة تمدح
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد:
فقد مضى الكلام في الرؤية في درس الأمس إلا أنه لم يقرأ من قبل القارئ، فقرأه جزاه الله خيراً.
وقفنا على البيت العاشر، وفيه يقول الناظم -رحمه الله تعالى-:
وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفحُ
وفي بعض النسخ: تنضح.
طالب:. . . . . . . . .
رواه جرير؟
طالب:. . . . . . . . .
يقول: إن البيت التاسع الذي فيه الدليل على الرؤية يقول بعض الإخوان: إنه ما شرح، والدليل حديث جرير بن عبد الله البجلي هذا ورد أثناء الشرح، ولا يتضمن أكثر من الدليل.
يقول:
стр. 39
وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرحُ
وفي بعض النسخ: "مصحح" وكلاهما جائز صحيح، فالحديث صحيح، وأيضاً صريح، صحيح من حيث الثبوت، صريح في الدلالة.
"رواه جرير" هو جرير بن عبد الله البجلي يوسف هذه الأمة "عن مقال محمد" ﷺ "فقل مثل ما قد قال" يعني النبي ﵊، ومن قال بقوله ممن يعتقد هذا المعتقد الصحيح "في ذاك تنجحُ" تنجح في الدنيا والآخرة.
ثم قال:
وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرحُ
وفي نسخة: "تنضحُ" في النسخة الدمشقية: "تنضح".
"قد ينكر الجهمي" (قد) هذه معروف أنها إذا دخلت على الماضي فهي حرف تحقيق، وإذا دخلت على المضارع فهي للتقليل أحياناً، وقد تكون للتحقيق، وقد تكون للتكثير، وهنا للتحقيق فالجهمي ينكر تحقيقاً لا ظناً، وليس بقليل من قوله، بل هو المعتمد عنده، الجهمي المنسوب إلى الجهم بن صفوان رأس المعطلة الذي أخذ التعطيل عن الجعد بن درهم إمامهم ومقدمهم في هذا الشأن، إلا أن الجهم هو الذي نشر المذهب وشهره ونظره، واستدل له، ونافح عنه، فنسب المذهب إليه.
стр. 40
قد ينكر الجهمي أيضاً إضافة إلى ما تقدم من أن كلام الله -جل وعلا- صفة من صفاته، وأنه منزل غير مخلوق، قد ينكر أيضاً مثل ما أنكر الرؤية ينكر الصفات الذاتية والفعلية من باب أولى، فينكر الصفات الذاتية ومنها اليمين، ذكر مثالاً لها اليمين، واليمين المراد بها اليد التي هي في جهة اليمين ((وكلتا يديه يمين)) وجاء في بعض النصوص الأخرى، وفي بعضها بشماله، ولا تعارض بين هذه الروايات، فقوله ﵊: ((كلتا يديه يمين)) لئلا يتوهم النقص؛ لأن الشمال بالنسبة للمخلوق أنقص من اليمين؛ فلئلا يتصور أن هناك في يد الباري -جل وعلا- الأخرى نقصاً قال: كلتا يديه يمين من حيث الكمال، ويعبر عنها بالأخرى؛ لأن النسبة على الجهات أمر نسبي، فما يكون عن جهة اليمين يسمى يمين، وما يكون عن جهة الشمال يسمى شمال، فيقال لها: أخرى، ويقال لها أيضاً كما جاء في الحديث: شمال، ولا مانع من إطلاق الشمال باعتبار الموقع، فموقعها مقابل لجهة اليمين، ولا مانع من هذا، وتبقى أنها من حيث الكمال ((كلتا يديه يمين)) يعني كلتاهما كاملة، لا نقص في إحداهما كما في أيدي البشر، والبشر يدهما اليسرى والشمال هذه ناقصة بالنسبة لليمنى، هذا عند كثير من الناس، وعند جل الناس وغالبهم، ليست في القوة بمثابة اليمنى، وأيضاً اليمنى تصان عما لا تصان منه الشمال إلى غير ذلك، فهي محل للنقص، ولذا قال النبي ﵊: ((وكلتا يديه يمين)).
وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... . . . . . . . . .
والمراد بذلك إثبات اليد لله -جل وعملا- على ما يليق بجلاله وعظمته.
стр. 41
الجهمية والمعتزلة الذين ينفون الصفات، والأشاعرة الذين ينفون أكثر الصفات توهموا التشبيه، أول ما وقر في قلوبهم التشبيه، فهم شبهوا أولاً، شبهوا الخالق بالمخلوق، ولا يعقلون من معنى اليد إلا يد المخلوق، وما دامت اليد يد المخلوق، وما يذكر في لفظها مثلها في اللفظ، ما يوافقها في اللفظ، يوافقها في الصفة والكيفية، هذا ما هجم على أذهانهم فجعلهم يزعمون تنزيه الله -جل وعلا- بنفيها، فينفون ما ثبت بالنصوص القطعية، فهم شبهوا أولاً، ثم عطلوا، وغاب عنهم أن المخلوقات وهي تشترك في كونها مخلوقات، والضعف والعجز مناسب لها، لها أيدي، فالإنسان له يد، والحيوان له يد، أنواع الحيوان لها أيدي، الجمل له يد، والثور له يد، والكلب له يد، والقرد له يد، والخنزير له يد، وجميع الحيوانات لها أيدي، لكن هذه الأيدي بالنسبة للحيوان المشتركة في الخلق والضعف هل هي واحدة؟ هل يشبه بعضها بعضاً؟ نعم؟ لا يشبه بعضها بعضاً، فإذا كان هذا التباين بين ما ينسب للمخلوق مع الاشتراك في الخلق والعجز والضعف هذا التباين الشديد يعني هل يد النملة مثل يد البعير؟ يمكن؟ وهل وجه القرد مثل وجه الإنسان؟ أو وجه الجراد مثلاً مثلاً مثل وجه الجمل؟
стр. 42
ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- وهو يقرر إثبات الوجه لله -جل وعلا-، ويرد على المعطلة بذريعة أو شبهة التنزيه لله -جل وعلا-؛ لأنهم إذا اثبتوا الوجه على حد زعمهم، فالله -جل وعلا- يشبه المخلوق من هذه الحيثية، ويرد عليهم بمثل هذا، يقول: المخلوق له وجه، وسائر المخلوقات لها وجه، الإنسان له وجه، والكلب له وجه، والحمار له وجه، فهل تتشابه هذه الوجوه؟ وهذا بين المخلوقات المتشابهة في الخلق والعجز والضعف، فكيف بالتباين الذي بين الخالق والمخلوق؟! فما وصلوا إلى رتبة التعطيل إلى أن مروا بقنطرة التشبيه، ويؤولون اليد أحياناً بالقدرة، وأحياناً بالنعمة، وإذا أمكنهم تأويل ما جاء من ذلك مفرد، فكيف يمكنهم تأويل المثنى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [(٧٥) سورة ص] المثنى لا يمكن تأويله، هل يستطيعون أن يقولوا: بنعمتي؟ ونعم الله لا تعد ولا تحصى، هل يمكن أن يقولوا: بقدرتي، والله على كل شيء قدير؟ قادر على كل شيء؟ وقدرته واحدة، وله من الصفات القدرة، ومن الأسماء القدير.
يقول الناظم:
"وكلتا يديه بالفواضل" في حديث أبي ذر القدسي: ((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، وسألوني وأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً)) فإذا أعطى هؤلاء الخلق كلهم من أولهم إلى آخرهم جنهم وإنسهم أعطى كل واحد ما تبلغه أمانيه، ما نقص ذلك من ملكه شيئاً، ومر بنا حديث آخر من يدخل الجنة، آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة أنه يقال له: تمن، فتعجز به الأماني، وده يتمنى لكن ما يحيط بأعظم شيء يتمناه، فيذكر، فيقال له: تمن ملك أعظم ملك في الدنيا، تمن ملك سليمان وإلا ملك ذي القرنين الذي بلغ المشرق والمغرب فيرضى بذلك، فيقال له: لك وعشرة أمثاله، فنعم الله لا تنفذ ولا تعد ولا تحصى، ويداه مبسوطتان.
"وكلتا يديه بالفواضل" جمع فاضلة، وهي الأمور المحبوبة والمطلوبة للناس "تنفحُ" والنفح الإعطاء، وفي النسخة الأخرى: "تنضحُ" والنضح كذلك.
وقل: ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدحُ
стр. 43
حديث النزول وأن الله -جل وعلا- ينزل في الثلث الأخير من الليل قريباً من ثلاثين صحابياً، وشيخ الإسلام ﵀ أورد هذه النصوص والروايات وأردها غيره، وشرح الحديث في جزء معروف مشهور متداول، ويجيب شيخ الإسلام على سائر الإشكالات .... أولاً: صحته مقطوع بها، صراحته لا خفاء ولا غبش فيها، لكن أورد عليه إشكالات من حيث معارضته لأحاديث لنصوص العلو، فاستدل به من يستدل من أهل العلم على العلو لله -جل وعلا-؛ لأن الذي ينزل هو إيش؟ العالي، الذي ينزل هو من في العلو، من في جهة العلو هو الذي ينزل، قالوا: إن حديث النزول ينافي صفة العلو لله -جل وعلا-، شيخ الإسلام عكس عليهم، والذهبي وغيره عكسوا عليهم مدعاهم، أوردوا أيضاً من الإشكال أن الثلث الأخير من الليل يتباين من بلد إلى بلد، لكن هناك قدر أثبته شيخ الإسلام من الليل يشترك فيه سائر الأقطار، وإذا ثبت لنا الخبر وصح، ودلالته على مراده صريحة فلا مندوحة من إثباته وإثبات ما يدل عليه لهذا الوقت وقت النزول الإلهي، الذي ينزل فيه الرب -جل وعلا- إلى سمائه الدنيا، ويقول: ((هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من سائل فأعطيه؟ )) تتعرض لهذه النفحات في هذا الوقت المحدد، لا تقول: فاتني الثلث الأخير بالنسبة لبلدي، ما استيقظت، نمت ما استيقظت إلا مع طلوع الصبح، أو مع طلوع الشمس، وأنا أدرك الآن الثلث. . . . . . . . .، ما لك إلا أن تتعبد بما أمرت به، وأنت مطالب بالنسبة للثلث الأخير بالنسبة لك، ألا يمكن أن يقال مثل هذا؟ يقول: هذا الثلث الأخير بالنسبة للمغرب، والله -جل وعلا- نازل، شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- أجاب عن هذه الإشكالات، والأولى ألا يوردها الإنسان على نفسه؛ لأن هذه تفتح له أبواب لا يمكن الإجابة عليها إلا بفهم دقيق جداً، يعني أوساط الناس لا يدركون مثل هذه الأمور، ولو قرؤوها في كتب شيخ الإسلام، يعني شيخ الإسلام يقول: إنه ينزل نزول يليق بجلاله وعظمته، ولا يخلو منه العرش. . . . . . . . .، قطع الطريق على من قال: إنه لا يزال نازلاً؛ لأن الثلث الأخير من الليل يتفاوت من بلد إلى بلد، والخطاب ليس لبلد بعينه، المقصود أن مثل هذه الأمور على
стр. 44
الإنسان هذه يغلقها على نفسه إغلاقاً محكماً بحيث لا تتفلت نفسه عليه، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم هو سبب هذه الإيرادات أنهم رأوا أن نزول المخلوق يشبه نزول الخالق، نزول الخالق يشبه نزول المخلوق هو الذي يترتب عليه خلو المكان منه، وهم ما توصلوا إلى النفي والتعطيل إلا بعد أن مروا بقنطرة التشبيه في جميع الصفات.
وقل: ينزل الجبار في كل ليلة ... . . . . . . . . .
نعم شرح حديث النزول، شرح حديث النزول مطبوع في مجلد.
"بلا كيف" نعم لأنك لو تعرضت للكيفية هلكت "بلا كيف" لكن هل المراد من نفي الكيف نفي أصل الكيف أو نفي معرفة الكيف؟ نفي معرفة الكيف، وإلا الكيف لا بد منه، الله -جل وعلا- ينزل على كيفية لا نعرفها،
ولذا قال الإمام مالك وقبله أم سلمة في الجواب: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ما قال: والكيف معدوم، لا هناك كيف، والذي لا كيف له لا وجود له، لكن يبقى أنه لا علم لنا به، ما عندنا إلا ما علمتنا، ما عندنا من العلم شيء إلا ما جاءنا عن الله وعن رسوله ﵊، والعقول لا تبلغ مثل هذه الأشياء، لا تبلغ مثل هذه الأمور.
"بلا كيف جل الواحد المتمدحُ" جل الواحد جل الله -تعالى وعز-، المتمدح الذي مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه من المدح من الله -جل وعلا- والحمد، ولذلك مدح على نفسه وأثنى على نفسه، وحمد نفسه، وطلب من عباده أن يحمدوه، ورغبهم في الحمد.
ينزل الجبار "إلى طبق الدنيا" يعني إلى السماء الدنيا التي هي مطبقة على الأرض، بمعنى أنها سقف لهذه الأرض، الدنيا من السبع "يمن بفضله" يجود بفضله، والمان هو الذي يعطي قبل السؤال، يمن بالنوال قبل السؤال هذا هو المان، يمن بفضله وجوده وكرمه فيعطي كل سائل مسألته، إلا إذا وجد مانع لأن هذه أسباب، التعرض للنفحات في أوقاتها من بذل الأسباب، لكن يبقى أنه إن كان هناك مانع تخلف المسبب.
. . . . . . . . . يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتحُ
تفرج أبواب السماء وتفتح لتصعد الكلمات الطيبة من المخلوقين، وينزل الخير والبركات من الله -جل وعلا-.
стр. 45
"يقول: ألا مستغفر" ألا هذا عرض وتحضيض "ألا مستغفر يلق غافراً" ((ألا مستغفر فأغفر له، ألا من تائب فأتوب عليه)) يقول:
ألا مستغفر يلق غافراً ... ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنحُ
وفي نسخة الشام: فأمنحُ.
حديث النزول يثبت عن النبي ﵊ ثبوتاً قطعياً، لا شك ولا مراء فيه، والنزول مما يجب إثباته لله -جل وعلا-، وهو من الصفات المتعلقة بالمشيئة، ومن الصفات الفعلية بخلاف اليد التي هي من الصفات الذاتية، والفرق بينهما أن ما يتعلق بالمشيئة، وما لا علاقة له بالمشيئة ذاتي، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
ألا من تائب؟ بعضها كذا وبعضها كذا، المقصود أن هذه الصفة وهي النزول لله -جل وعلا- يثبتها أهل السنة قاطبة، لا يختلفون في إثباتها؛ لأن دليلها قطعي في الثبوت، وفي الدلالة أيضاً، فلا مفر ولا محيد، وأهل البدع يشوشون على الناس في مثل هذه الإشكالات إلى أن وصل الحد إلى الفرية.
فابن بطوطة في رحلته لما وصل دمشق وصلى في الجامع الأموي ذكر أنه رأى شخصاً كثير العلم قليل العقل، يخطب على المنبر وينزل ويقول: إن الله ينزل كنزولي هذا، يعني شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذه فرية؛ لأن الشيخ في وقت دخول ابن بطوطة دمشق مسجون، في السجن، وهم إذا أعياهم النقض بالحجة، ولا حجج لديهم إلا الشبهات إذا أعيتهم المسالك افتروا، ونقضوا أصولهم وقواعدهم، فتجدهم يمنعون الاحتجاج بخبر الواحد ولو صح في مسائل الاعتقاد، لكنهم إن احتاجوا إليه أثبتوه ولو ضعّف، ولو كان ضعيفاً، فيحتجون بالضعيف إذا كان يؤيد حججهم، دليل هذا على أنهم لا يتعبون النصوص، وإنما يتعبون الهوى -نسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 46
الرحلة هذه رحلة ابن بطوطة هذه مملوءة بالمخالفات العقدية، وينبغي لمن يدرس كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب أن يطلع على هذه الرحلة؛ ليجد الأمثلة في المخالفات لجميع الأبواب من هذه الرحلة، بدءاً من الشرك الأكبر إلى الشرك الأصغر، في أشياء لا تخطر على البال، كيف يتصورها مسلم فضلاً عن أن يعتقدها ويقولها على سبيل الإقرار؟ فهذه الرحلة مشحونة بالخرافات والبدع والشركيات، وهو مغرم أيضاً بتتبع الآثار والأماكن والقبور والمشاهد، وفيها أشياء كثيرة، ومغرم أيضاً بلقاء من يسميهم الأولياء، الذين يدعون ما يدعون من علم الغيب وغيره، ويزعمون أنهم يتصرفون في الكون، ويُزعم لهم ذلك، ورحلته مملوءة بهذا، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه مجلد، متداولة، وقررت في بعض الجهات مقرر دراسي، مقرر يدرس في بعض الجهات هذه الرحلة، ومع ذلك فتنة الناس بكتب الرحلات ظاهرة، ولا أدل على ذلك من غلاء أثمانها، أسعارها غالية جداً، يعني لو قيل: إن أغلى ما يباع الرحلات والذكريات، أغلى ما يباع على مستوى سوق الكتب والوراقين، لا أعني الطبعات الجديدة والأشياء المبذولة، لا، لكن تجد أنفس نسخة من صحيح البخاري لا تعادل شيء بالنسبة لطبعة من طبعات ابن بطوطة التي تسمى طبعة يعني ليعتنى بها، وإلا الموجود المصور تجد الرحلة بعشرة ريال، بعشرين ريال، لكن بيعت الرحلة بخمسة آلاف، نسخة مطبوعة بيعت بخمسة آلاف، وزيد على ذلك بعد، يمكن وصلت إلى عشرة.
стр. 47
المقصود أن هذه الرحلات والذكريات والإنسان بغنية عنها حقيقة، الرحلات والذكريات التي هي أغلى ما يباع، وأغلى ما يقتنى في الأسواق، الآن شيء عجب افتتن الناس بها؛ لأن فيها شيء من التسلية، وفيها شيء من المتعة، وفيها شيء من وصف الأقطار والبلدان، ووصف .. ، وغالباً أن الذي يكتبونها محترفين في الإبداع الإنشائي يجيدون مثل هذا، فهم يستهوون الناس بهذه الأساليب، وقد يذكر في أثنائها فوائد علمية بسبب لقاء هذا الرجل الذي صنف هذه الرحلة بغيره من أهل العلم، ومناقشته لهم، المقصود أن فيها ما ينفع، في رحلات نافعة، يعني رحلة ابن رشيد اسمها: (ملء العيبة بما جُمع بطول الغيبة) هذه رحلة نفيسة، فيها فوائد حديثية لا توجد في الكتب المصنفة في علوم الحديث، في خمسة مجلدات، وهناك رحلات فيها فوائد، لكنها ما تسلم من المخالفات، وفيها فوائد، وفي رحلات هي ما فيها إلا اطلاع على آثار ومعالم ومشاهد، وما فيها فوائد علمية، ومنها رحلة ابن بطوطة هذه، ما فيها فائدة علمية ألبتة، اللهم إلا إن كانت جغرافية وإلا تاريخية، يصف لك معلم وإلا حضارة وإلا شيء ممكن، أما بالنسبة للفوائد العلمية فلا شيء فيها.
روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ... . . . . . . . . .
"روى ذاك قوم" روى ذا يعني النزول، روى ذاك يعني النزول قوم من الصحابة والتابعين ومن تبعهم، جموع غفيرة "لا يرد حديثهم" بل حديثهم بلغ مبلغ التواتر الملزم للنفس بتصديقه؛ لأن المتواتر يفيد العلم عند كافة الطوائف؛ لأنه يلزم بتصديقه بمجرد سماعه.
. . . . . . . . . لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا
خاب وخسر من كذب هؤلاء الثقات الأثبات من الصحابة والتابعين فمن بعدهم ممن تبعهم بإحسان، ثم ذكر الناظم -رحمه الله تعالى- عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة.
وقل: إن خير الناس بعد محمد ... . . . . . . . . .
стр. 48
صلى الله عليه وسلم، بعده في الزمن وإلا في المرتبة؟ نعم؟ إن قلنا: في المرتبة قدمناهم على الأنبياء، وإن قلنا: إنهم بعد محمد بالنسبة لهذه الأمة فهم أفضل الأمة بعد نبيها ﵊، وجاء ما يدل على أنهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، جاء ما يدل على أن الصحابة هؤلاء العشرة بل الصحابة أفضل الناس بعد الأنبياء.
وقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه. . . . . . . . .
أبو بكر وعمر "وزيراه" والوزير المؤازر الذي يعين الملك هذا الأصل فيه، يعينه ويتحمل بعض الأعباء الملقاة على عاتق الملك، هؤلاء على رأسهم وزيراه أبو بكر وعمر -رضي الله تعالى عنه-، وورد في فضائلهم مجتمعين ومنفردين ما لا يمكن حصره، ففضائل أبي بكر -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- لا يمكن حصرها، وألفت فيها المصنفات، وكذلك فضائل عمر الفارق.
"وزيراه قدماً" يعني مؤازرتهم له، ومعاونتهم له متقدمة في أول الأمر، في أول الإسلام، وإن كان أبو بكر قبل عمر.
. . . . . . . . . ... وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجح
ثم عثمان ابن عفان الأرجح على غيره سوى أبي بكر وعمر، فهو أرجح وراجح على من بعده، من علي فمن دونه -رضي الله عن الجميع- "ثم عثمان الأرجح" رجح بما وقر في قلبه من إيمان، وبما صدقه من عمل، من عمل لازم ومتعدٍ، خدمة أبي بكر للدعوة في أول الأمر لا ينكرها من ينتسب إلى هذا الدين، وكذلك قوة عمر في الحق لا ينكرها أحد، وعثمان ﵁ وأرضاه- في بذله ونصره للدعوة بنفسه وماله هذا لا ينكر.
ورابعهم خير البرية بعدهم ... علي حليف الخير. . . . . . . . .
стр. 49
هذا هو الرابع في قول جماهير أهل السنة، والإجماع قائم بين من يُعتد بقوله من أهل القبلة، بين من يُعتد بقوله من أهل القبلة أن المقدم أبو بكر ثم عمر، وأما ما بين عثمان وعلي فجماهير أهل السنة على تقديم عثمان، ومنهم من يرجح علي، ومنهم من يرى التساوي بينهم، لكن النصوص في حق عثمان ﵁ وما جاء في مدحه أكثر، وإن جاء في مدح علي أيضاً الشيء الكثير، وجاء ما يدل على تفرده ببعض المناقب دون غيره، وعرفنا مراراً أن كون الإنسان يتصف بصفة وبفضيلة وبمزية لا يعني هذا التفضيل المطلق، يعني كون علي ابن عم الرسول ﵊ وصهره على بنته، وعثمان عنده بنتان، يعني تزوج ابنتين، ولذا يقال له: ذو النورين، وقال في علي ((يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله)) وقال: "هو منه بمنزله هارون من موسى" وجاء في مدحه أحاديث كثيرة، لكن كونه يفضل على عثمان هذا قول موجود في أهل السنة، لكنه قول مرجوح، وقول جماهير أهل السنة على الترتيب في الخلافة، الترتيب في الفضل مثل الترتيب في الخلافة.
وقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجحُ
ورابعهم خير البرية بعدهم ... . . . . . . . . .
خير الخلق، البرية الخلق.
. . . . . . . . . خير البرية بعدهم ... علي حليف الخير. . . . . . . . .
стр. 50
لكن على الإنسان أن يكون معتدلاً، لا إفراط ولا تفريط، ولا تحمله ردود الأفعال على إنكار ما ثبت، يعني كما يفعل أهل الأهواء إذا فتنوا بأحد حطوا من قدر غيره، فالنواصب يحطون من قدر علي، والروافض يحطون من قدر أبي بكر وعمر، وهذه كلها ردود أفعال، والأتباع عموماً إذا نقص عندهم الدين والعلم تجدهم يوجد عندهم مثل هذا، يعني شخص الآن من الشباب تجدونهم في المجالس خلافهم حول المشايخ فلان أفضل، وفلان أعلم، فلان .. ، ويش الداعي لهذا الكلام كله؟ إنما هي ردود أفعال، وتجدهم أحياناً ينالون من غيره، من غير المفضل عندهم، والأتباع عموماً هم أسباب البلية، وأما الكبار في الغالب ما بينهم خلاف، يعني علي ﵁ يقر بفضل أبي بكر وعمر وعثمان، يفضلهم على نفسه، ثم يأتي من يقول: أبداً علي أفضل منهم، نعم قد يقول الإنسان يفضل الإنسان غيره عليه من باب التواضع، من باب هضم النفس، قد يوجد هذا، لكن هذا القول اتفق عليه الصحابة، كانوا يفضلون على عهد النبي ﵊ كما في حديث ابن عمر، فأفضل الخلق أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، والحسن سأل أباه فقال: من أفضل الناس؟ قال: أبو بكر، قال: ثم من؟ قال: عمر، ثم سكتُ، يقول: ثم سكت خشيت أن يفضل عثمان على نفسه، سكت قلت: ثم أنت؟ قال: أنا واحد من المسلمين -رضي الله عن الجميع وأرضاهم-.
علي -رضي الله تعالى عنه- افترق الناس فيه إلى فرق، كما قال الناظم القحطاني:
. . . . . . . . . ... فعليه تصلى النار طائفتانِ
إحداهما لا ترتضيه خليفةً ... وتنصه الأخرى إلهاً ثاني
طرفي نقيض، وأما أهل السنة فهم وسط، يقرون بفضله وإمامته، وأنه مشهود له بالجنة، وفضائله لا تحصى ولا تحصر، وله مزايا قد لا توجد عند غيره من الشجاعة والكرم، ومع ذلك هو بالنسبة لأبي بكر وعمر وعثمان مفضول، فأهل السنة والجماعة أهل إنصاف.
"علي حليف الخير" يعني محالف له، مرافق له، موافق له، متصف به "بالخير منجحُ" في بعض النسخ: "للخير يمنحُ" عرف بكرمه -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-، وعرف بشجاعته.
стр. 51
"وإنهم للرهط" في بعض النسخ: "والرهط" في الطبعة الدمشقية "فإنهم والرهط" هذا في الدمشقية، وكذلك في طبعة المنار "وإنهم والرهط" وعندكم "وإنهم للرهط" وكأن الواو أرجح، فإنهم يعني الأربعة، والرهط الستة الآتية أسماؤهم "فإنهم والرهط" يعني الستة الآتية أسماؤهم، وإذا قلنا: "وإنهم والرهط لا ريب فيهم" خصصنا الكلام في الأربعة الذين تقدم ذكرهم، أما إذا قلنا: إنهم -يعني الأربعة- والرهط الآتية أسماؤهم؛ لأن الجميع مشهود له بالجنة، صار هذا أرجح ليشمل الجميع، وإنهم والرهط لا ريب فيهم لا شك؛ لأن الحديث صح فيهم أنهم من أهل الجنة، فثبت عن النبي ﵊ أنه قال: ((أبو بكر في الجنة)) وقال: ((عمر في الجنة، عثمان في الجنة، علي في الجنة، سعيد في الجنة، سعد في الجنة ... )) إلى آخره، إلى آخر العشرة.
وإنهم والرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس. . . . . . . . .
"على نجب" جمع نجيبة، نجب من العقيان.
"على نجب الفردوس بالنور" وفي نسخة: "في الخلد تسرحُ" "على نجب الفردوس" هذه النجب جمع نجيبة، وتطلق على الإبل، نجائب الإبل، لكنها من عقيان، ليست من لحم ودم وعظم، لا، على نجب الفردوس، الفردوس أعلى الجنة، وسقفها عرش الرحمن، في الخلد، في جنة الخلد تسرحُ، الخلد الذي لا ينتهي، خالدون مخلدون أبداً سردماً لا انقضاء له، تسرحُ، يعني تذهب وتجيء في الخلد.
ثم ذكر الناظم -رحمه الله تعالى- بقية العشرة، وأجملهم في بيت واحد، فقال:
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدحُ
стр. 52
سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وعامر أبو عبيدة عامر بن الجراح الفهري، والزبير بن العوام الممدح هو ومن معه كلهم ممدحون، ولو لم يكن من محدهم وفضلهم إلا الشهادة لهم بالجنة، وهؤلاء شهد لهم النبي ﵊ بالجنة، فيجزم لهم بما شهد به النبي ﵊ بخلاف غيرهم، فلا يقطع ولا يجزم لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له النبي ﵊، وإن كان من أهل العلم من يرى أن من اتفقت ألسنة الناس على مدحه أنه يشهد له بالجنة، كالأئمة كأحمد والسفيانين ومالك وغيرهم، هذا قول عند بعض أهل العلم، قالوا: هؤلاء اتفقت ألسنة الناس على مدحهم، وفي الحديث: مر بجنازة فقال النبي ﵊: ((وجبت، وجبت وجبت)) ثم مر بأخرى فقال: ((وجبت، وجبت وجبت)) فقالوا له: ما معنى وجبت في الموضعين؟ فقال: ((أثنيتم عليها خيراً، فقلت: وجبت يعني الجنة، وأثنيتم على الأخرى شراً فقلت: وجبت يعني النار)) استدل بهذا من يقول: إن من اتفقت ألسنة الناس على مدحه والثناء عليه فإنه يشهد له، لكن هذا قول مرجوح، فلا يشهد لأحد إلا من شهد له النبي ﵊.
بعد هذا البيت زيادة في النسخة الدمشقية:
وعائش أم المؤمنين وخالنا ... معاوية أكرم به ثم. . . . . . . . .
ثم إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
لا لا، نمشي على النسخة اللي معنا؛ لأن الذي معنا فيها زيادة ثلاثة أبيات.
هذه النسخة -النسخة الدمشقية- فيها زيادة أبيات، فيها يقول:
وعائش أم المؤمنين وخالنا ... . . . . . . . . .
قبل هذا بعد قوله:
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدحُ
стр. 53
"وعائش أم المؤمنين" ويمكن أن تقول: وعائشُ أو وعائشَ؛ لماذا؟ لأن هذا ترخيم، والترخيم يجوز فيه لغة من ينتظر، ولغة من لا ينتظر، لغة من ينتظر الحرف المحذوف فيفتح؛ لأن الشين مفتوح في الأصل عائشة، فهذه لغة من ينتظر الحرف المحذوف "وعائشُ" على لغة من لا ينتظر (أمَ) منصوبة بأعني "أم المؤمنين" ويجوز (أمُ) وصف لها ﵂ "وخالنا معاوية" ما دامت أخته أم حبيبة أم المؤمنين فيكون هو؟ أخو الأم ماذا يكون؟ خال.
. . . . . . . . . وخالنا ... معاوية أكرم به ثم أمنحُ
وأنصاره والهاجرون ديارهم ... . . . . . . . . .
عندكم إيش والمهاجرون؟
طالب:. . . . . . . . .
لا لا.
وأنصاره والهاجرون ديارهم ... بنصرهم عن ظلمة النار زحزحوا
الاختلاف بين النسخ لا بد منه، لكن هذه الطبعة سنة (١٣٥٠هـ) نعم.
. . . . . . . . . ... بنصرهم عن ظلمة النار زحزحوا
ثم قال:
وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولا تكُ طعاناً تعيب وتجرحُ
فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح أي للصحابة تمدحُ
ومن بعدهم والتابعون بحسن ما ... حذوا فعلـ. . . . . . . . .
إيش؟
"حذوا فعلهم" يعني فعل من سبقهم "قولاً وفعلاً فافلحوا" هذه ثلاثة أبيات مزيدة في النسخة، والذي يغلب على الظن أنها ليست من أصل القصيدة، ليست لابن أبي داود، هذه الأبيات مزيدة من بعض من روى هذه القصيدة، وزيد عليها أيضاً أبيات:
وسبطي رسول الله وابني خديجة ... وفاطمة ذات النقاء أمدحُ
ومن بعدهم فالشافعي وأحمد ... إماما هدىً من يتبع الحق يفصحُ
أولئك قوم قد عفا الله عنهم ... وأرضاهم فأحبهم فإنك تفلحُ
هذه أبيات مزيدة ليست من كلام ابن أبي داود، وأما كلامه فما سمعتم، وهي ثلاثة وثلاثون بيتاً، وفي طبعة الشام ستة وثلاثين بيت.
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدحُ
هؤلاء تتمة العشرة.
وقل خير قول في الصحابة كلهم ... . . . . . . . . .
стр. 54
لا يعني أن هؤلاء شهد لهم بالجنة، فمن عداهم حكمه كحكم سائر الناس، لا، أولاً: ثبت أن النبي ﵊ شهد لبعض الصحابة غير العشرة بالجنة، شهد لغير العشرة، شهد للحسن والحسين، وشهد أيضاً لثابت بن قيس بن شماس، نعم وبلال، وعكاشة بن محصن وفاطمة هاه؟ المقصود أنه ثبتت الشهادة لغير واحد من الصحابة غير العشرة، وإذا كان هذا حكم من شهد له النبي ﵊ أنه يشهد له فماذا عن حكم الباقي؟ الباقي وإن لم يشهد له إلا أنهم يقال فيهم خير قول.
وقل خير قول في الصحابة كلهم ... . . . . . . . . .
ولا تطعن في واحد منهم، ولا تفضل عليهم غيرهم، ولا تعرضهم للسانك بسبب ما وقع من بعضهم، إنما تقول خير قول فيهم؛ لأنك إذا طعنت فيهم كما فعل المبتدعة، المبتدعة إنما طعنوا في الأشخاص لا لذواتهم، إنما طعنوا فيهم من أجل أن يطعنوا فيما وصلنا من طريقهم، إذا طعنا في الراوي طعنا في المروي، فمعنى هذا أن الدين كله مطعون فيه؛ لأنه وصلنا عن طريقهم، وهذه هي طريقة الشيطان، وأسلوب الشيطان، لا يواجه الناس بما ينكرونه، لو طعن شخص في الدين مباشرة أنكروا عليه؛ لأن الدين رأس المال بالنسبة للمسلمين، لكن يأتي الشيطان بحيلة بحيث يطعن في الدين وتقبل شبهته، يقبلها من يشعر ومن لا يشعر، فإذا طعن في أبي هريرة ارتاح الأشرار من نصف السنة، ولذا لو سبرتم الأمر ما تجد أحد يطعن في أبيض بن حمال أبداً، ما وجدتهم يطعنون فيه، ما تجده، ليش؟ لأن هذا يتعبهم، ما يروي إلا حديث أو حديثين، وإذا أرادوا أن يتتبعوا أمثال هؤلاء احتاجوا إلى أزمان متطاولة؛ لأنهم مع طعنهم ما يطعنون بكلام مجرد، يجدون شبه، ويتشبثون بأشياء، لكن مع ذلك تجدهم لا يعمدون إلى ما يتعبهم، واحد يكفيهم عن ألف شخص من الصحابة، أبو هريرة وحده يعادل ألف من المقلين، فالذي يطعن في الصحابة لا شك أنه يطعن في الدين، ولذا قال:
"وقل" أيها السني المتبع المقتفي "خير قول في الصحابة كلهم" دون استثناء حتى من حصل منه ما حصل، حتى من حصل منه السرقة، حتى من حصل منه الزنا، حتى من حصل منه الاقتتال.
وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولا تكُ طعاناً تعيب وتجرحُ
стр. 55
يعني لا يكن همك الطعن في الناس، حتى في غير الصحابة لا تكن طعاناً ((ليس المسلم بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش البذيء)) هذا وصف المسلم أنه عفيف متعفف، وهذه صفة خيار الأمة.
المزني قال بحضرة الشافعي: فلان كذاب، قال: يا أبا إبراهيم اكس ألفاظك أجملها، يعني لا تنطق بهذا الكلام الشنيع القبيح، بإمكانك أن تؤدي الغرض بأسلوب أسهل من هذا، والإمام أحمد لما قيل له عن يزيد بن معاوية وذمه ذماً شديداً، قيل: ألا تلعنه؟ قال: وهل عهدت أباك لعاناً، يتحاشون مثل هذه العبارات.
البخاري ﵀ الراوي شديد الضعف يقول: سكتوا عنه، وفيه نظر، ما يرسلون ألسنتهم في الأشخاص، وفي أعراض الناس، لا بد أن يتأدب طالب العلم بمثل هذا الأدب في سائر الناس، ولا سيما من له فضل على الأمة من الصحابة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولا تكُ طعاناً. . . . . . . . .
صيغة مبالغة من الطعن تطعن في أعراض الناس، فأعراض الناس حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها العلماء والحكام، كما قال ابن دقيق العيد.
. . . . . . . . . ... ولا تكُ طعاناً تعيب وتجرحُ
نعم لأن العلماء والحكام هم أكثر من يقع الناس في أعراضهم، فهم يقفون على شفير هذه الحفرة يرمون الناس فيها الذين يتكلمون في أعراضهم، هذا على أحد التأويلين، والتأويل الثاني: لحاجة العلماء والحكام للكلام في الناس، العلماء يحتاجون للكلام في الناس، الحكام يحتاجون إلى الكلام في الناس، فهؤلاء يقفون على شفيرها، فإن كان كلامهم فيهم بحق سلموا، وإن كان بباطل وقعوا، وهذا فيمن أسند إليه هذا الأمر، الجرح والتعديل، أما من لم يسند إليه هذا الأمر، ومعوله على مجرد التفكه في أعراض الناس فهذا أمره شديد، هذا هو المفلس في الحقيقة.
стр. 56
قد يقول قائل: هل يأتي بعد الصحابة من هو خير منهم؟ ((وأمتي كالغيث -كما جاء في الحديث- لا يدرى خيرها أولها أو آخرها)) وجاء في الحديث في السنن والمسند: ((أنه في آخر الزمان المتمسك بالدين في وقت الفتن له أجر خمسين)) قالوا: منهم؟ قال: ((لا، منكم)) وهل يعني هذا تفضيل من يجيء في آخر الزمان على الصحابة؟ لا، ليس فيه تفضيل، هو تفضيل من هذه الحيثية، العمل الذي يعمل في آخر الزمان يعادل نظيره مما يعمل في أوله خمسين مرة، لكن فضل الصحبة وشرف الصحبة مزية وخصيصة لا ينالها أحد، ولو أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فالصحابة لهم فضلهم ولهم حقهم على الأمة؛ لأنهم نقلوا لنا الدين، ولو لم يكن إلا أن الدين بلغنا بواسطتهم لكفاهم بذلك حقاً عظيماً علينا.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . تعيب وتجرحُ
فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... . . . . . . . . .
القرآن الكريم فيه آيات كثيرة تدل على فضل الصحابة.
. . . . . . . . . ... وفي الفتح آي للصحابة تمدحُ
آيات في سورة الفتح تمدح الصحابة، ولو استعرضنا سورة الفتح لوجدنا فيها آيات كثيرة، ولو لم يكن فيها إلا ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(١٨) سورة الفتح] وفيها ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ [(٢٩) سورة الفتح] ... إلى آخر الآية، هذا مدح وأي مدح لهؤلاء الصحابة، وتعديل لجميعهم، تعديل لجميع الصحابة.
بعد قوله:
ومن بعدهم والتابعين بحسن ما ... حذوا فعلهم قولاً وفعلاً فأفلحوا
في النسخة الشامية، وعرفنا أن هذه الأبيات مزيدة وليست من نظم ابن أبي داود، ونقف على القدر.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 57
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود (٤)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال ابن حجر -رحمه الله تعالى-:
ذكر ما وقع بينه وبين الذهلي في مسألة اللفظ، وما حصل له من المحنة بسبب ذلك، وبراءته مما نسب إليه من ذلك.
قال الحاكم أبو عبد الله في تاريخه:
قدم البخاري نيسابور سنة خمسين ومائتين، فأقام بها مدة يحدث على الدوام، قال: فسمعت محمد بن حامد البزار يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جابر يقول: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم فاسمعوا منه، قال: فذهب الناس إليه فأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل في مجلس محمد بن يحيى، قال: فتكلم فيه بعد ذلك.
وقال حاتم بن أحمد بن محمود: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث.
من مرحلتين يعني ثمانين كيلو استقبلوه، وليست استقبالهم على السيارات والقاطرات أو الطائرات، لا، على الأقدام وعلى الرواحل مسيرة ثلاثة أيام ليست بالسهلة عليهم أو يومين، لكنها عندهم أمر يسير، سهل عليهم؛ لأنهم وطنوا أنفسهم على هذا الأمر.
وفي رحلة ابن بطوطة التي تحدثنا عنها خرجوا من طنجة وبعد عشرة أيام يمشون عشرة أيام توفي القاضي فرجعوا ليدفنوه في طنجة، عشرة أيام، من يتحمل مثل هذا ممن ألف هذه الوسائل المريحة؟ من يتحمل أن يقف أمامه في سيارة عند إشارة ويبي يلف على اليمين؟ وواقف قدامه واحد، يتحملون الناس اليوم؟ ما يتحملون، لكن هم وطنوا أنفسهم على هذا، يسيرون على الأقدام الفراسخ، وكأنها خطوات عندهم، والله المستعان.
طالب:. . . . . . . . .
لا، مرحلتين يعني مسافة قصر، ثمانين كيلو، وثلاث مراحل مائة وعشرين كيلو، نعم مسيرة يومين، مسيرة ثلاثة أيام، نعم.
стр. 58
وقال محمد بن يحيى الذهلي في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً فليستقبله، فإني أستقبله، فاستقبله محمد بن يحيى وعامة علماء نيسابور، فدخل البلد فنزل دار البخاريين، فقال لنا محمد بن يحيى: لا تسألوه عن شيء من الكلام، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه، وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئ بخراسان.
نعم هذه طريقة أهل العلم في مناقشة بعضهم لبعض إلى وقتنا هذا، والمشايخ ينتقد بعضهم بعضاً، لكنهم لا يظهرون ذلك للناس، يتناقشون فيما بينهم، لكن لا يظهرون ذلك للناس، وهكذا ينبغي أن يكون أهل العلم لا يشمت بهم الأعداء، ولا يتفرق بسببهم الجهال.
فقال لنا محمد بن يحيى: لا تسألوه عن شيء من الكلام، فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه، وشمت بنا كل ناصبي ورافضي وجهمي ومرجئ بخراسان، قال: فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأت الدار والسطوح، فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا، قال: فوقع بين الناس اختلاف.
وصار هذا مفتاح شر، هذا الذي سأل هذا السؤال، ويفعله بعض الناس اليوم، يفعله، يشوف يرى الناس مقبلين على شخص فيريد إسقاطه على حد اصطلاحهم، فيسألوه مثل هذا السؤال، ثم بعد ذلك تحصل الفتن، وتحصل المشاكل، ويحصل العداء والتحريشِ، وتزداد الأمور والطلاب يستوشون ويفشون مثل هذا الكلام، لا سيما جهالهم، فتزداد الشقة، وإلا فالأصل أن الخلاف يسير جداً، نعم.
فلما كان اليوم الثاني أو الثالث من يوم قدومه قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن، فقال: أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا، قال: فوقع بين الناس اختلاف، فقال بعضهم: قال: لفظي بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم: لم يقل، فوقع بينهم في ذلك اختلاف، حتى قام بعضهم إلى بعض، قال: فاجتمع أهل الدار فأخرجوهم.
стр. 59
وقال أبو أحمد بن عدي: ذكر لي جماعة من المشايخ أن محمد بن إسماعيل لما ورد نيسابور، واجتمع الناس عنده حسده بعض شيوخ الوقت، فقال لأصحاب الحديث: إن محمد بن إسماعيل يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فلما حضر المجلس قام إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أو غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري، ولم يجبه ثلاثاً، فألح عليه، فقال البخاري: القرآن كلام الله غير مخلوق، وأفعال العباد مخلوقة، والامتحان بدعة، فشغب الرجل، وقال: قد قال: لفظي بالقرآن مخلوق.
إلزام، ما دام قال: أفعالنا مخلوقة، يعني كما نطق بذلك القرآن ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [(٩٦) سورة الصافات] فأفعال العباد مخلوقة، وللإمام البخاري مصنف في هذا (خلق أفعال العباد) لكن ألزموه بأنه ما دام يقول هذا الكلام فلا بد أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، هو ما قال هذا، وهذا اللفظ المجمل لا يقوله البخاري ولا غيره، مسألة اللفظ؛ لأن اللفظ يطلق ويراد به الملفوظ، ويطلق ويراد به التلفظ، نعم.
وقال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن أبي الهيثم حدثنا الفربري قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: إن أفعال العباد مخلوقة، فقد حدثنا علي بن عبد الله قال: حدثنا مروان بن معاوية قال: حدثنا أبو مالك عن ربعي بن حراش عن حذيفة -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : ((أن الله يصنع كل صانع وصنعته)).
قال البخاري: وسمعت عبيد الله بن سعيد يعني أبا قدامة السرخسي يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن أفعال العباد مخلوقة.
قال محمد بن إسماعيل: حركاتهم وأصواتهم وأكسابهم وكتابتهم مخلوقة، فأما القرآن المبين المثبت في المصاحف، الموعى في القلوب، فهو كلام الله غير بمخلوق، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [(٤٩) سورة العنكبوت].
стр. 60
قال: وقال إسحاق بن راهويه: أما الأوعية فمن يشك أنها مخلوقة؟ وقال أبو حامد بن الشرقي: سمعت محمد بن يحيى الذهلي يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن زعم لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، ولا يجالس ولا يكلم، ومن ذهب بعد هذا إلى محمد بن إسماعيل فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه.
لأن هؤلاء الذين نقلوا له ما فهموه من كلام البخاري، سواء كان عن قصد أو غير قصد، هم فهموا من كلام البخاري أنه يقول: أفعالنا مخلوقة، رووا هذا بالمعنى وقالوا: إنه يقول: لفظنا بالقرآن مخلوق، لفظه مخلوق، وأما مسألة لفظي بالقرآن مخلوق هذه بدعة شنيعة؛ لأنها تحتمل فالتلفظ، وتحتمل الملفوظ، فنقلوا له ما فهموا، نقلوا له -نقلوا للذهلي- ما فهموه، وبعضهم حرف كلامه إلى ما يرد؛ ليوقع بين علماء المسلمين، نعم.
وقال الحاكم: ولما وقع بين البخاري وبين الذهلي في مسألة اللفظ انقطع الناس عن البخاري إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة.
قال الذهلي: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا، فأخذ مسلم رداءه فوق عمامته، وقام على رؤوس الناس، فبعث إلى الذهلي جميع ما كان كتبه عنه على ظهر جمّال، قلت: وقد أنصف مسلم فلم يحدث في كتابه عن هذا ولا عن هذا.
وقال الحاكم أبو عبد الله: سمعت محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أحمد بن سلمة النيسابوري يقول: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله إن هذا رجل مقبول بخراسان خصوصاً في هذه المدينة، وقد لج في هذا الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه، فما ترى؟ قال: فقبض على لحيته، ثم قال: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [(٤٤) سورة غافر] اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا بطراً، ولا طلباً للرياسة، وإنما أبت علي نفسي الرجوع إلى الوطن لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني الله لا غير، ثم قال لي: يا أحمد إني خارج غداً لتخلصوا من حديثه لأجلي.
стр. 61
وقال الحاكم أيضاً عن الحافظ أبي عبد الله بن الأخرم قال: لما قام مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة من مجلس محمد بن يحيى بسبب البخاري قال الذهلي: لا يساكنني هذا الرجل في البلد، فخشي البخاري وسافر.
وقال غنجار في تاريخ بخاري: حدثنا خلف بن محمد قال: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف بنيسابور يقول: كنا يوماً عند أبي إسحاق القرشي، ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله، فقلت له: يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا فأكثروا، فقال: ليس إلا ما أقول لك، قال أبو عمرو: فأتيت البخاري فذاكرته بشيء من الحديث حتى طابت نفسه، فقلت: يا أبا عبد الله ههنا من يحكي عنك إنك تقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: يا أبا عمرو احفظ عنى من زعم من أهل نيسابور -وسمى غيرها من البلدان بلداناً كثيرة- أننى قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة.
وقال الحاكم: سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول: سمعت محمد بن نعيم يقول: سألت محمد بن إسماعيل لما وقع في شأنه ما وقع عن الإيمان، فقال: قول وعمل ويزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وأفضل أصحاب رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي ﵃ على هذا حييت، وعليه أموت، وعليه أبعث -إن شاء الله تعالى-.
كلام الذهبي في المسألة تعقيباً على القصة أوردها بطولها، ثم قال: قلت -الحافظ الذهبي- ...
قال الذهبي -رحمه الله تعالى-: قلت: المسألة هي أن اللفظ مخلوق سئل عنها البخاري، فوقف فيها، فلما وقف واحتج بأن أفعالنا مخلوقة، واستدل لذلك، فهم منه الذهلي أنه يوجه مسألة اللفظ، فتكلم فيه، وأخذه بلازم قوله هو وغيره.
وقد قال البخاري في الحكاية التي رواها غنجار في تاريخه:
стр. 62
حدثنا خلف بن محمد بن إسماعيل، قال: سمعت أبا عمرو أحمد بن نصر النيسابوري الخفاف ببخارى يقول: كنا يوماً عند أبي إسحاق القيسي ومعنا محمد بن نصر المروزي، فجرى ذكر محمد بن إسماعيل البخاري، فقال محمد بن نصر: سمعته يقول: من زعم أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله، فقلت له: يا أبا عبد الله قد خاض الناس في هذا، وأكثروا فيه، فقال: ليس إلا ما أقول.
قال أبو عمرو الخفاف: فأتيت البخاري فناظرته في شيء من الأحاديث حتى طابت نفسه، فقلت: يا أبا عبد الله ها هنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة، فقال: يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله إلا أني قلت: أفعال العباد مخلوقة.
وقال أبو سعيد حاتم بن أحمد الكندي: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت والياً ولا عالماً فعل به أهل نيسابور ما فعلوا به، استقبلوه مرحلتين وثلاثة، فقال محمد بن يحيى في مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غداً فليستقبله، فاستقبله محمد بن يحيى وعامة العلماء، فنزل دار البخاريين، فقال لنا محمد بن يحيى: لا تسألوه عن شيء من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن فيه وقع بيننا وبينه، ثم شمت بنا كل حروري وكل رافضي وكل جهمي وكل مرجئ بخراسان ...
المسألة وضحت يعني كلها من الحساد الذين استوشوا هذه المسألة وهذه القضية وألزموا البخاري بلازم لم يلتزمه، وكلامه حق، أفعال العباد مخلوقة، لكن الحسد، وإرادة التفريق بين العلماء موجودة في كل عصر وفي كل مصر، استغلها بعض المغرضين، وأرادوا أن يفرقوا بين الإمامين، ووجدوا مدخلاً، فاستغلوا هذه الفرصة، فحصل ما حصل.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء، واغفر لنا يا رب العالمين.
قال الناظم -رحمه الله تعالى-:
وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيحُ
ولا تنكرن -جهلاً- نكيراً ومنكراً ... ولا الحوض والميزان إنك تنصح
стр. 63
وقل: يخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجساداً من الفحم تطرح
على النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحب حميل السيل إذ جاء يطفح
وأن رسول الله للخلق شافع ... وقل في عذاب القبر: حق موضح
ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصي وذو العرش يصفح
ولا تعتقد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يردي ويفضح
ولا تك مرجياً لعوباً بدينه ... ألا إنما المرجي بالدين يمزح
وقل: إنما الإيمان قول ونية ... وفعل على قول النبي مصرح
وينقص طوراً بالمعاصي وتارة ... بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح
ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أزكى وأشرح
ولا تكُ من قوم تلهو بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح
إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه ... فأنت على خير تبيت وتصبح
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول الناظم -رحمه الله تعالى- بعد أن أنهى الكلام على عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة ذكر معتقدهم في ركن ركين عظيم من أركان الإيمان، لا يصح الإيمان إلا به، هو الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، وجاء ذكره في آيات كثيرة، وذكره النبي ﵊ في جوابه لجبريل لما سأله عن الإيمان، وذكر فيه: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وهو ركن من أركان الإيمان بإجماع من يعتد بقوله من أهل العلم، والإيمان بالقدر المقدور المقدر من قبل الله -جل وعلا- المقضي منه لا يصح الإيمان إلا به.
ومن ينتسب إلى القبلة اختلفوا إلى طرفين ووسط، طرف نفوا القدر، وقالوا: إن الأمر أنف، وهؤلاء وجدوا في عصر الصحابة، وذكروا لابن عمر ﵁ في أول حديث في صحيح مسلم، وأقسم أن أحدهم لو أنفق ما أنفق ما قبل منه حتى يؤمن بالقدر، واحتج عليهم بحديث جبريل حينما سأل النبي ﵊ عن الإيمان فذكر له أركانه، وفيها الإيمان بالقدر.
стр. 64
هؤلاء قالوا: لا قدر، والأمر أنف، والله -جل وعلا- لا يعلم الشيء حتى يقع، فنفوا العلم السابق، ونفوا الكتابة، ونفوا المشيئة، ونفوا الإيجاد والتكوين، نفوا المراتب كلها، وهؤلاء لا شك في كفرهم؛ لأن من أنكر العلم كفر كما قال أهل العلم، لكن هذا النوع من القدرية يقول أهل العلم: إنهم انقرضوا، فصار النفاة ينفون المشيئة والإيجاد والتكوين، يقرون بالمرتبتين الأولى والثانية، يقرون بالعلم، ويقرون بالكتابة، لكنهم ينفون الثالثة والرابعة التي هي المشيئة والإيجاد والتكوين.
هؤلاء أثبتوا مع الله -جل وعلا- خالقاً، وهذا معتقد المعتزلة الذين زعموا أن العبد يخلق فعله، ولا يوجده الله -جل وعلا- كما أنه لم يشأه، إذ لو شاءه لكان ظالماً لهم.
стр. 65
الطرف الثاني: بالغوا في إثبات القدر، وقالوا: إن العبد مجبور، ولا مشئية له ولا إرادة، يتحرك من غير اختيار، وحركته كحركة أوراق الشجر في مهب الريح، الريح تميلها تبعاً لاتجاهها، ووفق الله -جل وعلا- أهل السنة إلى التوسط في هذا الباب كغيره من أبواب الدين، فهم الوسط من بين الفرق، وأثبتوا القدر بمراتبه الأربع، بالعلم والكتابة والمشيئة والإيجاد والتكوين، أثبتوا المشيئة مطلقة لله -جل وعلا-، والإرادة التامة، وأثبتوا للعبد مشيئة وإرادة فلم يقولوا: إنه مجبور، لكنهم مع ذلكم يقرنون مشيئة العبد بمشيئة الله -جل وعلا- ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ [(٢٩) سورة التكوير] ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [(١٧) سورة الأنفال] ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ هذا نفي للعمل على سبيل الاستقلال ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ إثبات للعمل، ولا يستقيم مع النفي إلا أن يحمل على أنه تابع لإرادة الله -جل وعلا-، ولكن الله -جل وعلا- رمى، يعني وما أصبت، نفوا الإصابة، إذ حذفت، يعني رميت، ولكن الله -جل وعلا- هو الذي أصاب، وهذا ملاحظ، الإنسان بقدرته أن يأخذ الحجر ويرمي الطير، فهذا من فعله، لكن الإصابة بيد الله -جل وعلا-، قد يصيب وقد لا يصيب، وقد يكون من أمهر الناس، ومع ذلكم لا يصيب؛ لأن الله ما أراد له الإصابة، وقل مثل هذا في كل التصرفات، قد يكون الإنسان من أبلغ الناس، ويتكلم في موضوع يتقنه ويحسنه، لكنه إذا لم يرد الله -جل وعلا- إحسانه لا يحسنه، وسائر الأعمال على هذا، العبد له حرية وله اختيار ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [(١٠) سورة البلد] فله حرية واختيار، لكن مع ذلكم هذه الحرية وهذا الاختيار لا يستقل بها العبد، بل هي تابعة لمشيئة الله -جل وعلا-، فالقدرية يقولون: إذا قام العبد مثلاً وذهب إلى المسجد هذا العبد الذي قام على رجليه ومشى الخطوات إلى المسجد كل هذا لا علاقة لله به -جل وعلا-، هذا يخلقه العبد في نفسه، فأثبتوا خالقاً مع الله -جل وعلا-، ولذا سموا مجوس هذه الأمة، وجاء بهم الخبر.
стр. 66
بالمقابل الجبرية تقول: إن العبد لما قام على رجليه، وتحرك وخطى الخطوات إلى المسجد، يعني هو والمقعد سوى، الله -جل وعلا- هو الذي أمضاه إلى المسجد لا حرية له، إذا كان لا حرية له والله -جل وعلا- هو الذي أمضاه، ما الفرق بين المطيع والعاصي؟ الجبرية فروا من شيء وهو إثبات خالق مع -جل وعلا-، لكنهم مع ذلك أثبتوا أمراً خطيراً جداً، وإذا كان العبد مجبور، والله -جل وعلا- جبره ولم يترك له حرية ولا اختيار في أفعاله كيف يعذبه؟ إن عذبه وقد جبره على الفعل فقد صار ظالماً له.
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك إياك أن تبتل بالماء
يعني المجبور المكره الآن هل هو مكلف؟ المكره من قبل البشر هل يكلف؟ فكيف إذا أكره من قبل الله -جل وعلا- على هذا العمل وجبر عليه؟ يعني من باب أولى، إذا أجبره الذي كلفه وطالبه بالعمل لا شك أن هذا ضلال -نسأل الله السلامة والعافية-، والذي له مراجعات في تفسير الرازي يكن على حذر شديد من مسألة الجبر، فالرجل جبري، إضافة إلى المسائل الأخرى التي ضل فيها، وأورد فيها من الشبه ما لا يستطاع دفعه.
أنا أقول: ينتبه طالب العلم لهذه المسألة في هذا الكتاب؛ لأنه يورد شبهة قد يكون طالب العلم المتوسط لا يتخلص منها، فمن السلامة ألا يقرأ في هذا الكتاب، لكن إذا دخل طالب العلم البصير على علم بهذا الكتاب وما يحتوي هذا الكتاب خف الأمر، يعني يصير عنده تصور، بخلاف ما لو دخل على جهل، ما يعرف واقع الكتاب، ويسمع هذه الشبهة القوية عنده؛ لأنه بارع في إلقاء الشبه، لكن الإجابة عن هذه الشبه ضعيف جداً، حتى قال القائل: إنه يورد الشبهة نقد ويجيب عنها نسيئة، فليكن طالب العلم على حذر شديد من هذا الكتاب، ومسألة الجبر قد يشترك معه غيره في تقرير مسائل الاعتقاد على مذهب الأشعرية، وبعضها فيها شوب اعتزال، لكن يشاركه غيره، أما مسألة الجبر هذه عنده مشكلة، مشكلة كبيرة جداً، تجعل طالب العلم المتوسط لا ينظر في مثل هذا الكتاب.
стр. 67
عرفنا أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، لا يصح إلا به، وأنه له مراتب، وأن مذهب أهل السنة يثبتون المشيئة التامة لله -جل وعلا- مع بقية المراتب، ويثبتون للعبد حرية واختيار وإرادة، لكنه لا يستقل بها.
"وبالقدر المقدور" مقدور وإلا مقدر؟ على كل حال هو اسم مفعول، إن كان من الثلاثي فهو مقدور، وإن كان من الرباعي فهو مقدر، والقدر أصل المادة المصدر مصدر إيش؟ مصدر ثلاثي وإلا رباعي؟ ثلاثي، المصدر الثلاثي، وإلا فالمصدر الرباعي قدر يقدر تقديراً.
طالب:. . . . . . . . .
وين؟
طالب:. . . . . . . . .
المصدر الرباعي قدر يقدر تقديراً، والمصدر الثلاثي قدر يقدر قدراً، المقدور اسم المفعول من الثلاثي (أيقن) لا بد من اليقين، الإيمان بالقدر معناه اليقين، يعني هل يكفي غلبة ظن؟ لا يكفي، بل لا بد من اليقين، فلا يكفي غلبة ظن، ولا يكفي من باب أولى شك ولا وهم، فهذه الأمور العقدية لا بد أن يعقد عليها القلب، لا بد بحيث لا تقبل النقيض ولا التردد.
وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... . . . . . . . . .
على أنه قد يأتي الظن ويراد به اليقين، قد يأتي الظن في النصوص ويراد به اليقين ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ﴾ [(٤٦) سورة البقرة] الإيمان بالبعث ركن، نعم الإيمان بالبعث ركن، والظن لا يكفي فيه الظن الاصطلاحي، إذاً الظن الذي هو اليقيني وارد في النصوص.
وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيحُ
стр. 68
ويش الفائدة من الإيمان بالقدر؟ الفائدة الراحة التامة ((واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت الأمة على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء إلا بشيء كتبه الله عليك)) فإذا آمن الإنسان وأيقن بالقدر خيره وشره، وعلم أن حلوه ومره من الله -جل وعلا- ارتاح، ولذا لما سأل الصحابة النبي ﵊ لما ذكر أن كل شيء مكتوب ومقدر، ومكتوب على الإنسان قبل أن يخلق، وقبل أن يوجد، قالوا: ففيم العمل؟ فقال: ((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) دلهم على العمل مع اعتقاد أن كل ميسر لما خلق له، فلا بد من العمل مع الاعتقاد، والذي يؤمن بالقدر خيره وشره على مراد الله -جل وعلا- يرتاح راحة تامة في هذه الدنيا، والذي يختل إيمانه بالقدر لا شك أنه يشقى، ولن يحصل له إلا ما كُتب له، لن يحصل له إلا ما كتب الله له، فتجد الهلع والجزع عند المصائب سببه عدم اليقين، وعدم الرضا بما قدر الرحمن.
وكن صابراً للفقر وادرع الرضا ... بما قدر الرحمن واشكره واحمدِ
لا بد من هذا ليرتاح الإنسان؛ لأنه ماذا سيصنع إذا لم يؤمن بالقدر ما الذي بيده؟ ما بيده إلا الشقاء هذه شبهة المشركين ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [(١٤٨) سورة الأنعام] هذه شبهة المشركين، هذا أمر قدره الله عليك وكتب لكن النبي ﵊ قال: افعل، اعمل، أنت وما يدريك عن العاقبة، أنت اعمل فكل ميسر لما خلق له.
طالب:. . . . . . . . .
وين؟
طالب:. . . . . . . . .
شبهة المشركين ﴿لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [(١٤٨) سورة الأنعام].
"فإنه دعامة عقد الدين" دعامة، الدعائم والأركان بمعنى واحد، دعامة للشيء الذي لولاه لسقط، قاعدة، لولا هذا الركن الركين وهذه الدعامة لسقط المبني عليه.
. . . . . . . . . ... دعامة عقد الدين والدين أفيحُ
стр. 69
الدين واسع، الدين الذي ارتضاه الله للناس ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ [(١٩) سورة آل عمران] ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [(٣) سورة المائدة] هذا الدين المعهود الذي جاء في فضله، وأن الله لا يقبل سواه، هو المراد هنا، ويطلق الدين ويراد به الجزاء ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [(٤) سورة الفاتحة] يعني يوم الجزاء، لكن المقصود به الدين الذي هو الإسلام الذي ارتضاه الله بعد إكماله ولا يقبل الله من أحد سواه.
стр. 70
"والدين" هذا الدين الواسع "أفيح" فيه سعة في شموله لجميع نواحي الحياة، الدين أفيح يسع جميع التصرفات، فما من تصرف يتصرفه المكلف إلا وللدين فيه حكم، وغير المكلف أيضاً حتى جنايات البهائم في الشرع لها أحكام، الدين أفيح واسع، فهو يشمل جميع نواحي الحياة، ومن الضلال أن يزعم بعض الناس أن شيئاً من مناحي الحياة يمكن أن يستفاد من غير الدين، ويمكن أن يُستغنى عن الدين في هذه الجهة، لا يا أخي الدين شامل لكل شيء، لكل ما يحتاجه الناس، الدين أفيح، أفيح في عباداته، في المعاملات، في جميع نواحي الحياة، ومن نعم الله -جل وعلا- أن الأعمال متنوعة فيه، لا سيما ما يربط المخلوق بالخالق، وما تحقق به العبودية التي من أجلها خلق الإنس والجن من نعم الله -جل وعلا- أن تنوعت هذه العبادات، يعني ما صارت العبادة بالصلاة فقط، ولا بالصيام فقط، ولا بالحج فقط، ولا بالذكر، ولا بتلاوة القرآن فقط، تنوعت؛ لأن الله ركب في بني آدم غرائز يتفاوت فيها بعضهم عن بعض، فمن الناس لو أن الله -جل وعلا- جعل العبادات كلها مالية، من الناس عنده استعداد يصلي ألف ركعة ولا ينفق درهم، مثل هذا ويش تصير حياته لو أن الدين -لأن الذي اضطرنا أن هذا الدين أفيح واسع- لو أن الدين جاء بالإنفاق فقط، ما في عبادات بدنية، كيف يعيش مثل هذا؟ وفي المقابل بعض الناس عنده استعداد ينفق الأموال الطائلة ولا يصلي ركعتين، مثل هذا كيف يعيش لو كانت العبادات كلها بدنية؟ فالله -جل وعلا- نوع العبادات لحكم عظيمة وشيخ الإسلام له رسالة في تنوع العبادات ليتكامل الناس، بعض الناس يتمنى .. ، مو الأنظمة تضع على المخالفات ضرائب، أحياناً بعض الضرائب ثلاثمائة ريال، ستمائة ريال، تسعمائة ريال، وبعض الناس يتمنى أن تكون تسعمائة جلدة ولا تسعمائة ريال، فمثل هذا لو كانت العبادات مالية يمكن ما يستطيع أن يعيش، فالله -جل وعلا- ركب فيهم هذه الغرائز، ونوع العبادات لكي يصل إلى مراده بإذن الله -جل وعلا- من خلال هذه العبادة التي يسرت له وسهلت عليه، على أن القدر المشترك الواجب من كل نوع لا يعفى منه أحد.
ثم قال الناظم -رحمه الله تعالى-:
стр. 71
"ولا تنكرن جهلاً" وفي طبعة الشيخ رشد رضا: "جهراً"
ولا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً ... ولا الحوض والميزان إنك تنصحُ
"ولا تنكرن" (لا) هذه ناهية، والنون نون التوكيد الخفيفة "جهلاً نكيراً ومنكراً" جهلاً بعض الناس لا يلزم لإنكاره الشيء أن يكون جاهلاً، لكنه إذا أنكره عومل معاملة الجاهل، كما أن من عصى الله جاهل ولو كان عالماً بالحكم، فمن أنكر شيئاً بعد أن استيقنته نفسه فهو جاهل؛ لأنه قد يفهم بعضهم من قوله: "ولا تنكرن جهلاً" أنك إذا أنكرته عن علم فلا شيء عليك، نعم من أنكر التسمية لأن الخبر الوارد بها لم يثبت عنده هذه مسألة، لكن الملكين اللذين يسألان العبد إذا دفن وأنه ليسمع قرع نعالهم يأتيه ملكان هذا لا إشكال في ثبوته، ثبوته قطعي، أما التسمية فجاءت في حديث عند الترمذي يأتيه ملكان أحدهما المنكر والآخر النكير، جاء التسمية في حديث عند الترمذي، وصححه بعض أهل العلم، فإنكاره لعدم ثبوت الخبر فيه، يعني إذا كان من أهل النظر ولم يثبت الخبر عنده هذه مسألة أخرى، فيكون الإنكار عن علم، أما الإنكار عن جهل لثبوت الخبر عنده، أو لعدم بلوغه إياه، هذا جهل على الحالين، لكن خبر ثابت عنده، وينكر ذلك يكون جاهل من باب أن من عصى الله جاهل، وإذا لم يبلغه الخبر فهو جاهل، وقد يعذر بجهله، لا سيما ما يتعلق بالتسمية، والحديث عند الترمذي، وهو مصحح من قبل بعض أهل العلم.
ولا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً ... ولا الحوض. . . . . . . . .
стр. 72
نكير ومنكر إذا سألا العبد عن الأصول الثلاثة من ربك؟ وما دينك؟ ومن هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فالمؤمن يقول: ربي الله، وديني الإسلام، والنبي الذي بعث فينا هو محمد بن عبد الله ﵊، فينبغي أن يعنى طالب العلم بهذه الأسئلة الثلاثة، ويعد لها جواباً، قد يقول أحد مثلاً: كل الناس يجيبون على هذه الأسئلة، كل الناس يجيبون، الأطفال في الصف الأول الابتدائي، وبعض الناس يلقنها الأولاد من سن الثالثة، وبعضهم قبل ذلك، وبعضهم بعد ذلك، والمسألة مسألة توفيق، لكن قد يقول: كل الناس يجيبون، الجواب ما هو بيدك، المسألة مسألة اعتقاد صحيح يصدقه العمل، أما مجرد الدعاوى فلا تنفع، وقد لا يجيب ولو كان من أكثر الناس قراءة للكتب، لكنه لم يعتقد الاعتقاد الصحيح، هذا على خطر عظيم، إذا كان عنده شك أو ارتياب فيما يقرأ وفيما يعتقد لا شك أنه لن يجيب؛ لأن المنافق أو المرتاب يكون جوابه: هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فالمسألة تثبيت من الله -جل وعلا- في الدنيا وفي الآخرة، والتثبيت في الآخرة مترتب على الثبات في الدنيا، وعلى الإنسان أن يعمل ويسعى جاهداً في هذه الدنيا مخلصاً لله -جل وعلا-، ليثبت في الآخرة.
"نكيراً ومنكراً" وهذان الاسمان يدلان على أن هذين الملكين في صورة قبيحة منكرة، يستنكرها الإنسان، وليسا على صفة حسنة جميلة، يرغبها الإنسان، وهذا مأخوذ من التسمية، وجاءت أوصافهما في الأحاديث.
ولا تنكرن جهلاً نكيراً ومنكراً ... ولا الحوض. . . . . . . . .
стр. 73
الحوض حوض النبي ﵊ من معتقد أهل السنة والجماعة الإيمان بعذاب القبر بعد السؤال من منكر ونكير، إما أن ينعم في قبره، ولذا يقول شيخ الإسلام في الواسطية: "ثم بعد هذه الفتنة" فتنة السؤال "ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب" فالذي يجيب بالأجوبة الصحيحة يقال له: نم، فينام كنومة العروس، يفتح له باب إلى الجنة، ويأتيه من روحها ... إلى آخره، وأما بالنسبة للذي لا يجيب هذا -نسأل الله العافية- يضرب بمرزبة من حديد، ويفتح له باب من نار، ويعذب في قبره ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [(٤٦) سورة غافر] إلى يوم القيامة ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [(٤٦) سورة غافر] فالقبر فيه نعيم وفيه عذاب، فعلى المسلم لا سيما طالب العلم أن يعد العدة.
"ولا الحوض" حوض النبي ﵊ الذي جاء وصفه ووصف مائه، وعدل آنيته، وأنه يذاد عنه أقوام يعرفهم النبي ﵊ بأوصافهم وبأشكالهم، فمن ارتد بعده وكان قد آمن به يعرفه بعينه، وأما من لم يدركه من أمته يعرفه في الآثار التي تدل عليه؛ لأنه ارتد على عقبيه، فهؤلاء الذين ارتدوا على أعقابهم هؤلاء يذادون عن الحوض، والنبي ﵊ يقول: ((أصحابي أصحابي)) ((أصيحابي)) في بعض الروايات، فيقال: ((إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك)) فلينتبه الإنسان إلى هذه المحدثات، ويلزم الجادة؛ لأن هذه المحدثات قد تكون في أول الأمر يسيرة، لكنها تشريع، مشاركة لله -جل وعلا- في التشريع، ينتبه لهذه المحدثات التي لا تزال تكبر شيئاً فشيئاً إلى أن يخرج بسببها من دينه فيرتد على عقبيه، ويذاد عن الحوض.
стр. 74
وبعض الطوائف كالرافضة يزعمون أن النص في الصحابة لأنهم ارتدوا، لكن من الذي ارتد على عقبيه والذي أحدث في الدين الحدث؟ من الأولى بهذا الوصف صحابة النبي ﵊ الذين حفظ الله بهم الدين، وحملوا الدين، وبلغوه إلى أقاصي الدنيا، أو الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، فعبدوا من دون الله، عبدوا المشاهد والقبور ودعوا الأولياء، وحرفوا كتاب الله -جل وعلا-، وكذبوا الله في تبرئته لعائشة؟ أمور كثيرة -نسأل الله العافية- هذا الإحداث في الدين، إن لم يكن هذا هو الإحداث في الدين، فما معنى الإحداث؟ -نسأل الله السلامة والعافية-.
"والميزان" الميزان وله كفتان، وجاءت في ذلك الأخبار الصحيحة، وله لسان، لسان الميزان ما يضبط به الرجحان من عدمه، وأما خبر اللسان ففيه كلام، أما الكفتان فثابتتان، والميزان الذي توزن به الحسنات والسيئات لكل إنسان، ويوضع في الميزان في كفة، عندنا كِفة وعندنا كُفة، فماذا نقول هنا بالكسر وإلا بالضم؟ يقولون: كل مستدير كِفة، وكل مستطيل كُفة، كفة الثوب، توضع الأعمال الصالحة في كفة الحسنات، والأعمال المقابلة لها السيئة في كفة السيئات، فيوزن هذا وهذا، وأهل العلم يقولون: خاب من غلبت آحاده عشراته، كيف؟ الحسنة بعشر أمثالها والسيئة مثلها، فمن طول عمره آحاده تغلب عشراته هذا لا شك أنه خائب، خيبة وحرمان وخسران، وغبن أن تغلب الآحاد العشرات.
стр. 75
هذه الميزان الله -جل وعلا- لا يحتاج إليه؛ لأنه يعلم ما سيكون، وما يؤول إليه الأمر من رجحان الحسنات على السيئات أو العكس، لكنه من باب خروج أو باب ظهور الأمر من الغيب إلى الشهادة؛ لأنه لو اكتفي بعلم الله -جل وعلا- لادعى من يدعي أنه مظلوم، لكن إذا رأى أمام عينيه، شاف الميزان وقيل له: هذه حسناتك بقي منها شيء؟ يقول: لا، هذه سيئاتك؟ يقول: لا، لكنه بعد ذلك إذا رجحت الحسنات وقرر بسيئاته، عملت كذا يوم كذا نعم عملت، عملت كذا، فإذا رجحت كفة الحسنات وبدلت السيئات، وغفرها الله -جل وعلا- وتجاوز عنها، قال: لا، لي سيئات غير هذه، يطمع، المقصود أن الأعمال توزن، وصاحب العمل جاء ما يدل على وزنه أيضاً، يؤتى بالرجل السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة، هذا يدل على أن الإنسان قد يوزن.
"والميزان إنك تنصحُ" تنصح بأن تعتقد هذه الأمور، ولذا قوله: "وقل" "ولا تنكرن" هذه أوامر ونواهي من مساوٍ، لكنه يتحدث بها على لسان الشرع الذي جاء بوجوب التزامها واعتقادها، وأما بالنسبة لمن يألف مثل الناظم ويأمر وينهى هذا مجرد ناصح، مبين للناس.
. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . إنك تنصحُ
وقل: يخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجساداً من الفحم تطرحُ
على النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحب حميل السيل إذ جاء يطفحُ
جاء أن العصاة الذين ليس معهم من الإيمان إلا الشيء اليسير جداً يعذبون على قدر معاصيهم وذنوبهم إلى أن يصيروا حمماً، فحم، ثم بعد ذلك هذه الأجساد التي صارت فحم تطرح على النهر، يقال له: نهر الحياة في الفردوس في الجنة، تحيا به، تحيا بمائه، ينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، الحبة ما هي بحبة، الحبة نوع من النبات، حتى لما قالها النبي ﵊ قال بعض الحاضرين كأنه من أهل البادية؛ لأن هذا النوع ما يعرفه كل الناس، كما تنبت الحبة في حميل السيل، ولذا قال:
على النهر في الفردوس تحيا بمائه ... كحب حميل السيل إذ جاء يطفحُ
السيل إذا جاء .. ، التي تنبت على جنب الوادي، فإذا جاء السيل ومشى مع الوادي نبتت، فهؤلاء الذين يخرجون.
وقل: يخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجساداً. . . . . . . . .
следующие страницы →