← Акыда

Акыда · id 23408

شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود

عبد الكريم الخضير

Полный текст (94 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود]ـ مؤلف الأصل: أبو بكر بن أبي داود، عبد الله بن سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني (المتوفى: ٣١٦هـ) الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير [الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٥ دروس]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود (١) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والسامعين برحمتك يا أرحم الراحمين. حائية ابن أبي داود قال ﵀: تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعياً لعلك تفلحُ ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنج وتربحُ وقل غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال أتباع لجهم وأسجحوا ولا تقل: القرآن خلقٌ قرأته ... فإن كلام الله باللفظ يوضح الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فمن المؤلفات والمصنفات في تقرير عقيدة السلف الصالح قد كثرت وتنوعت، فمنها المطول، ومنها المختصر، ومنها ما كتب بأسانيده، ومنها ما جرد عن الأسانيد، وكتب استنباطاً من النصوص، ومنها المتون المختصرة، ومنها الشروح والحواشي، ومنها ما جاء نظماً، ومنها ما جاء نثراً. فمن المصنفات المختصرة المنظومة هذه الحائية المباركة الجامعة الماتعة النافعة، هذه الحائية محل عناية من أهل العلم منذ تأليفها إلى يومنا هذا. ثبتت بطريق قطعي عن مؤلفها، بحيث رواها جمع من الآخذين عنه، وعنهم جموع إلى أن وصلت إلينا كما كُتبت. هذه الحائية لأهميتها قرأها الشيوخ، وأقرؤوها الطلاب، وحفظوها وحفّظوها، وشرحوها بشروح مكتوبة، وشروح مسموعة، كثير من هذه الشروح لم يصل إلينا، وما وصل إلينا إلا شرح السفاريني (لوائح الأنوار) شرح السفاريني مطبوع في جزأين، وأيضاً من الشروح المكتوبة شرح للشيخ الدكتور عبد الرزاق البدر، وهو على اختصاره شرح جميل ونافع، وأسلوبه سهل، يعني يستفيد منه طالب العلم فائدة تامة، شيوخنا أيضاً لهم عناية بهذه الحائية، ولهم عليها شروح مسجلة موجودة ولله الحمد، استفاد منها طلاب العلم.

стр. 3

هذه الحائية في ثلاثة وثلاثين بيتاً، وهناك مزيد عليها من أبيات كأنها لبعض ... هذا يقول: في مقدمة الشيخ وممن شرحها ابن البناء، ثم قال: وشروحاتهم لا أعلم لها وجوداً، رواها الآجري وصنف لها شرحاً، وأبو عبد الله بن بطة في الإبانة، وممن شرحها ابن البناء، وشروحاتهم لا أعلم لها وجوداً. لكنه يقول في الطبعة الثانية يقول: إنه وقف قريباً على شرح ابن البناء للحائية المخطوطة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وأما شرح السفاريني واسمه: (لوائح الأنوار السَنية ولواقع الأفكار السُنية شرح قصيدة ابن أبي داود الحائية في عقيدة أهل الآثار السلفية) هذا مطبوع يمكن من عشر سنوات. وهذا الشرح أعني شرح الشيخ عبد الرزاق شرح جميل وواضح، وفيه فوائد، يعني شرح متعوب عليه، فحري بطالب العلم أن يُعنى به، وأما بالنسبة لشرحنا فأظن المدة ما تسمح بشرح مفصل، إنما نعلق على الأبيات بقدر ما يسمح به الوقت. هذه الحائية لها نسخ كثيرة، أقول: لها نسخ كثيرة متداولة موجودة في بطون الموسوعات العلمية من كتب التراجم وكتب العقائد. أما طباعتها فقد طُبعت في مطبعة الترقي بدمشق سنة (١٣٥٠هـ) يعني من ستة وسبعين سنة، ضمن مجموع يشمل: (نجاة الخلف في اعتقاد السلف) للشيخ عثمان بن أحمد النجدي و (عقيدة السفاريني) ثم عقيدة أبي بكر بن أبي داود، وطبعت أيضاً في نسخ ضمن مجموع يضم إضافة إلى الحائية عقيدة أبي الخطاب الكلوذاني، وعقيدة أبي الحسن الأشعري، وذم التأويل لابن قدامة، والتحف في مذاهب السلف للشوكاني، وفتوى الشيخ عبد المجيد سليم مفتي الديار المصرية، هذه المجموعة مطبوعة في مطبعة المنار بمصر سنة (١٣٥١هـ) والطبعتان كلاهما فيه شيء من العناية والتحقيق والتصحيح والتصويب، وما فيها من فروق مع الطبعات الجديدة يبين في .. ، كل بيت في وقته -إن شاء الله تعالى-.

стр. 4

هذه المنظومة ناظمها ابن أبي داود صاحب السنن، أبوه أبو داود صاحب السنن، وذُكر من إنصاف المحدثين .. ، يذكر من إنصاف المحدثين أن أبا داود رمى ابنه بالكذب، وأن الإمام علي بن المديني ضعف أباه، هذا مما يذكر في إنصاف المحدثين، والإمام أبي بكر بن أبي داود، أما بالنسبة للكذب في الحديث فهو منه بريء، وأقوال الأئمة وتوثقيهم وتعديلهم له، وإمامته وعلمه وورعه كل هذا يرد هذه التهمة، ولا يمكن أن ينصرف قول أبي داود إن صح عنه في ولده إلى هذا، أما كونه يحمل على أنه بلى عليه الكذب مرة أو مرتين في كلامه العادي فمثل هذا أظن أنه لا يسلم منه أحد. والكذب عند أهل السنة يشمل الخطأ، يشمل الوهم، إذا خالف الكلام الواقع سمي كذباً، ولا يلزم أن يكون مع العمد، هذا على مذهب أهل السنة والجماعة، واشترط المعتزلة في الكذب أن يكون عن عمد، ولو كان الكذب وحقيقته تحتاج إلى قيد العمد لما جاء مقيداً به في حديث من كذب: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) مفهومه أنه يوجد كذب لا عن عمد، المقصود أنه يسمى كذب في العرف الشرعي، وعند أهل السنة والجماعة، المعتزلة أثبتوا الواسطة كذب لكنه لا عن عمد، ومنهم من يثبت كلام ليس بكذب ولا صدق، إن صح ما نقل عن أبي داود في ابنه يحمل على هذا، أنه بلى عليه مخالفة الواقع في حديثه العادي، وقد يكون عن غير قصد، ولا بد أن يقع من الإنسان شيء من التعريض يحتاج إليه، أو شيء في الأمور اليسيرة، أو في الأمور التي تختلف فيها وجهات النظر هل هي من الكذب المباح للحاجة إليه وترتب المصلحة أو لا؟ فمثل هذا يدرأ عنه هذه التهمة، وإلا فهو إمام محقق مصنف على طريقة السلف الصالح ومحدث، وله أسانيد، وسمع الحديث صغيراً، وهو مولود سنة (٢٣٠هـ) وتوفي سنة (٣١٦هـ) في طبقة يعني هو تأخر عن النسائي قليلة، في طبقة ابن خزيمة والطبري ونظرائهم. هذه المنظومة منظومة نافعة ماتعة، مثل ما ذكرنا محل عناية ومحط اهتمام أهل العلم، وطبعت قديماً. يقول ناظمها -رحمه الله تعالى-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5

ابتدأ الناظم -رحمه الله تعالى- منظومته بالبسملة اقتداء بالقرآن الكريم الذي افتتح بها، وخلت المنظومة عن الحمدلة لشدة اختصارها؛ لأنها مختصرة جداً، لا يمكن أن يوجد كتاب في العلم يخلو عن البسملة والحمدلة، فالذي يترجح أنها موجودة، ولو فقدت من بعض النسخ، إلا على رأي الشعبي الذي يقول: لا ينبغي أن تكتب البسملة في الشعر، البسملة لا ينبغي أن تكتب في الشعر؛ لأن الشعر والشعراء جاء ذمهم في القرآن والسنة ﴿وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [(٢٢٤) سورة الشعراء] وجاء في السنة في الحديث الصحيح: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعراً)) ولذا يقول الشعبي: إن الشعر ينبغي أن يجرد عن البسملة، لكن ما دام الشعر والمقرر والمحقق عند أهل العلم أنه كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فهذا من الكلام الحسن الذي يصدر بالبسملة والحمدلة، وهذا جرى عليه أهل العلم في نظمهم للعلوم كلها، يفتتحون بالبسملة والحمدلة، ومنهم من يقتصر على البسملة أو الحمدلة. يقول -رحمه الله تعالى-: "تمسك بحبل الله" تمسك أمر "بحبل الله" يعني حبل الله المتين الذي هو الكتاب القرآن، الذي تركه النبي ﵊ لأمته، وأخبر أنهم لن يضلوا ما داموا متمسكين به ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [(١٠٣) سورة آل عمران] وأهل العلم يعنون بهذا الأمر الذي هو التمسك والاعتصام بالكتاب والسنة، وله أبواب في كتبهم، وقد صدر الناظم -رحمه الله تعالى- منظومته بالأمر به "تمسك بحبل الله" الذي هو القرآن. "واتبع الهدى" الذي هو السنة، وجاء الأمر بالاعتصام بالكتاب والسنة، الاعتصام بالكتاب ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا﴾ [(١٠٣) سورة آل عمران] وإن كان المراد به عند جمع من أهل العلم دينه الشامل للكتاب والسنة. "تمسك بحبل الله" هذا أمر، فهل نقول: إن هذا الأمر إلزام أو التماس؟ إلزام من الله -جل وعلا-، وهذا يحكي ما جاء في الشرع من الأمر به. تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... . . . . . . . . .

стр. 6

الهدى يراد به هنا السنة النبوية؛ ليكون الأمر بالاعتصام بهما معاً، ولن يضل من تمسك بالكتاب والسنة، وبالتمسك بهما العصمة من كل شر وفتنة. وفي خطبه ﵊ ينبه النبي ﵊ كما جاء في صحيح مسلم من أنه ﵊ يقول في خطبته: ((أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد رسول الله)) فينبه على المصدرين الأساسيين من مصادر التلقي في هذا الدين، ولا ثالث لهما يستقل بنفسه، أما القرآن مصدر مستقل، والسنة الأصل فيها أنها موضحة للقرآن، ومبينة له، وشارحة للقرآن على أن فيها من الأحكام ما لم يأتِ في القرآن، ففيها أحكام زائدة على ما في القرآن، وكل من القرآن والسنة وحي من عند الله -جل وعلا-، أما القرآن فظاهر، وأما السنة فدليل كونها وحي قوله -جل وعلا-: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [(٣) سورة النجم] فالوقائع كثيرة يُسأل النبي ﵊ فيسكت، ثم ينزل عليه الوحي مما ليس في القرآن، فدل على أن السنة وحي من عند الله -جل وعلا-.

стр. 7

الهدى ينقسم إلى قسمين: نصوص جاءت بما يفيد بأن من الهدى ما لا يملكه إلا الله -جل وعلا-، ومنه ما يملكه النبي ﵊ ومن تبعه، وسار على هديه من دعاة الحق، فالهدى الخاص والهداية الخاصة بالله -جل وعلا- هي هداية التوفيق والقبول، وجاء نفيها عن أكمل الخلق ﵊ ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [(٥٦) سورة القصص] وأما الهدى بمعنى الدلالة والإرشاد فهذا للنبي ﵊، وجاء فيه قول الله -جل وعلا-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [(٥٢) سورة الشورى] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [(٩) سورة الإسراء] والله -جل وعلا- بالمعنى الثاني الأول خاص به، والثاني أيضاً الله -جل وعلا- يهدي، بمعنى أنه يوفق، ويجعل النفس تقبل وتذعن، وأيضاً بالمعنى الثاني الله -جل وعلا- يهدي ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [(١٧) سورة فصلت] يعني دلالناهم وأرشدناهم، ومنه قول الله -جل وعلا-: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [(١٠) سورة البلد] طريق الحق وطريق الضلال، فمن الناس من يوفق هداية الدلالة والإرشاد للجميع، وقد جاءت في نصوص الكتاب والسنة على أتم وجه وأكمله، لكن من الناس من يوفق للهداية الأخرى، ومنهم من لا يوفق حسبما جرى به القلم السابق، والقضاء من الله -جل وعلا-، فالإنسان تكتب سعادته وشقاوته وهو في بطن أمه، إضافة إلى التقدير السابق الأزلي. تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك. . . . . . . . .

стр. 8

أصلها (ولا تكن) تحذف النون، وإلا يكفي التسكين (تكنْ) "ولا تك بدعياً" بدعياً البدعي المنسوب إلى البدعة، والبدعة في الأصل في اللغة: ما عمل على غير مثال سابق، هذه هي البدعة في اللغة، ما عُمل على غير مثال سابق، وفي الاصطلاح عند أهل العلم العمل الذي يتدين به مما لم يسبق له شرعية من كتاب ولا سنة، فالذي يتدين به يخرج أمور الحياة، فهذه لا تحتاج إلى أن يسبق لها شرعية، فالمستجدات والمستحدثات فيما يتعلق بأمور الدنيا لا تحتاج إلى نص في استعمالها، اللهم إلا إذا كانت مما يندرج فيما نهي عنه، إذا كانت مما يندرج فيما نهي عنه، وأما استعمالها فالأصل فيها الإباحة. أمور الدين التي يُتعبد بها لا بد أن يسبق لها شرعية من كتاب الله وسنة رسوله ﵊، والنبي ﵊ بين لنا ووضح لنا أن كل بدعة ضلالة، فلا يستثنى مما يحدث في الدين مما لا يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة من حد البدعة الداخل في عموم: ((كل بدعة ضلالة)) كل ما يحدث في الدين مما لم يسبق له شرعية في كتاب الله وسنة نبيه ﵊ فهو مذموم، داخل في العموم، ومن أهل العلم من قسم البدع إلى بدع حسنة وبدع سيئة، ومنهم من قسمها على الأحكام التكليفية الخمسة الأحكام التكليفية الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحظور، هذه الأحكام التكليفية الخمسة، فقالوا تبعاً لذلك: هناك بدع واجبة، وهناك بدع مستحبة، وهناك بدع مباحة، وبدع مكروهة، وبدع محرمة، أما البدع المكروهة والمحرمة هذا لا إشكال فيه، لكن هل نستطيع أن نقال: إن هناك بدعة مباحة، والنبي ﵊ يقول: ((كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)) -نسأل الله السلامة والعافية-، والمراد صاحبها، وهل نستطيع بعد هذا أن نقول: إن هناك بدعة واجبة أو بدعة مستحبة؟ هذا تناقض، هذا جمع للنقيضين.

стр. 9

الشاطبي في الاعتصام رد هذا التقسيم وأبطله، وقوض دعائمه، وذكر أنه بدعة، أمر مخترع مبتدع، هذا التقسيم، قد يكون .. ، قد يستدلون بأشياء: من سن سنة حسنة، ومن سن سنة سيئة، ويوجدون بعض الأمور التي وجدت بعد النبي ﵊، وتداولها المسلمون من غير نكير، فهي محدثة، ولم يرد نص فيها بخصوصها، وتداولتها الأمة من غير نكير، فقالوا: الرد على المخالفين هذا واجب، لكنه أمر مبتدع ومخترع، ومثلوا به للبدع الواجبة، بناء المدارس والأربطة قالوا: هذا مبتدع، لكنه مستحب، وأما البدع المباحة عندهم كالتوسعة في التوسع في أمور الدنيا من المأكولات والمشروبات والمركوبات والمساكن وغيرها، والبدع المكروهة والمحرمة مثلوا لها بأمثلة مقبولة. لكن كيف يقول النبي ﵊: ((كل بدعة ضلالة)) ونقول: إن هناك بدعة واجبة، ونمثل لها بالرد على المخالفين؟ القرآن مملوء بالرد على المخالفين، والسنة الصحيحة الصريحة فيها شيء من ذلك فكيف يكون الأصل والعمدة على كتاب الله وسنة نبيه ﵊ ونقول بدعة؟ المخالف الذي يخالف الصراط المستقيم، وما جاء عن الله وعن رسوله، يريد أن ينشر الضلال والبدع والفساد بين المسلمين مثل هذا يرد عليه، وهذا من الجهاد باللسان، وقد جاء الأمر به. . . . . . . . .، وأمر النبي ﵊ حسان أن يرد على المشركين، فكيف بعد هذا أن يقال: إن هناك بدعة واجبة يمثل لها بالرد على المخالفين؟ الرد على المخالفين أصله في الكتاب والسنة فهو مندرج فيها، نعم آحاده كغيرها من المسائل يوجد الأصل في القرآن ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [(٣٨) سورة الأنعام] ويفرع على هذا الأصل ما يندرج تحته، وهذا منها. البدع المستحبة بناء المدارس وبناء الأربطة هذا جاءت النصوص بما يدل على قاعدة شرعية مستمدة من النصوص، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب، والوسائل لها أحكام الغايات، وهكذا، هذه قواعد شرعية مستمدة من النصوص.

стр. 10

من أقوى ما يستدلون به ويتمسكون به قول عمر -رضي الله تعالى عنه- في صلاة التراويح: "نعمت البدعة" أن عمر -رضي الله تعالى عنه- جمع الناس على إمام واحد في صلاة التراويح، ثم خرج إليهم وهم يصلون فأعجبه وضعهم بعد أن كانوا يصلون متفرقين، كل واحد يصلي لنفسه جمعهم، فقال: "نعمت البدعة، والتي ينامون عنها خير منها" يعني صلاة آخر الليل، فقالوا: ما دام عمر يقول: نعمت البدعة فدل على أن من البدع ما يمدح؛ لأن (نعم) حرف مدح، أو فعل على الخلاف بين أهل العلم، وكذلك ضدها (بئس) التي هي للذم، وما دام قال: "نعم" فهو يمدحها، وهو يمدح البدعة، إذاً في البدع ما يمدح، وهو المستحسن منها.

стр. 11

شيخ الإسلام ﵀ يقول: هذه بدعة لغوية، في اقتضاء الصراط، والشاطبي يقول: مجاز وليس بحقيقة، يعني ليس من باب استعمال اللفظ فيما وضع له، هذا ليس بحقيقة؛ لأنه لا يرى من البدع شيئاً يُمدح، بل شدد في هذا الباب ﵀، والتشديد في هذا الباب هو المطلوب؛ لأن التساهل فيه يجر إلى ما لا تحمد عقباه؛ لأن الإنسان إذا تساهل في مسألة دعته إلى ما بعدها، ومن نظر في تاريخ البدع والمبتدعة يجد أن الأصول التي انبثقت عنها هذه البدع أمور يسيرة، تجد خلاف يسير بين اثنين، بين شيخ وطالب من طلابه، بين زميل وزميله، أمور لا تكاد تذكر، ثم بعد ذلك كل واحد منهما ينتصر لنفسه، ثم يلزم أحدهما بلوازم فيلتزم هذه اللوازم، من باب أخذ العزة بالإثم، الانتصار للنفس، وعدم الانهزام أمام الخصم، يلتزم بهذه اللوازم، ثم يضطر أن يقول ما يؤيد به هذه اللوازم، فيشتد أمرها، ثم بعد ذلك يرد عليه مسألة ما حسب لها حساب، فإذا انتقضت، وأذعن بأنها منتقضة نقض أصله الذي بنى عليه، ثم يلتزم هذه المسألة لئلا ينتقض عليه أصله، إلى أن يصل إلى حد بحيث يتكلم بكلام لا يقوله المجانين فضلاً عن عامة الناس، فضلاً عن من ينتسب إلى العلم، فضلاً عن من له عناية بكتاب الله وسنة نبيه ﵊، السيئة تقول: أختي أختي، وإذا تساهل الإنسان في أول الأمر في كلمة أو في مسألة تساهل فيما بعدها، ولا يعني هذا أن الإنسان يشدد ويتشدد على نفسه أو على غيره من غير أصل من كتاب وسنة، لا، الدين يسر، لكن يبقى أن الدين عزيمة، الأصل فيه، لا يتساهل في دينه إلى أن ينسلخ منه ولا يشعر، إذا تساهل في مقدمات تساهل في نتائج، وهناك طوام تفوه بها رؤوس المبتدعة، ما وصلوا إليها إلا بعد مراحل، يعني من بيتصور أن هناك شخص يشهد أن لا إله إلا الله، ويقول: سبحان ربي الأسفل، لكن قال قبلها عشرات الكلمات إلى أن وصل إلى هذا الحد، ومن يبي يتصور أن شخص يقول: "ألا بذكر الله تزداد الذنوبُ" والله -جل وعلا- يقول: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [(٢٨) سورة الرعد] يقول: "وتنطمس البصائر والقلوبُ" -نسأل الله السلامة والعافية-.

стр. 12

فعلى الإنسان أن يحرص ويتمسك بما جاءه عن الله وعن رسوله، شيخ الإسلام حمل البدعة في قول عمر على البدعة اللغوية، وأما الشاطبي فقال: مجاز، والذي عندي أنه لا هذا ولا هذا؛ لماذا؟ أما المجاز فأمره معروف فلا مجاز على ما قررناه سابقاً، وأما قول شيخ الإسلام أنها بدعة لغوية لو طبقناها على التعريف اللغوي للبدعة وهي: ما عمل على غير مثال سابق لوجدنا أن التعريف لا ينطبق؛ لماذا؟ لأن النبي ﵊ صلاها بأصحابه ثلاث ليالٍ جماعة، صلى التراويح بأصحابه جماعة، ثم بعد ذلك لم يخرج إليهم خشية أن تفرض عليهم، لا نسخاً لها ولا رغبة عنها، فمشروعيتها باقية، فخشية أن تفرض عليهم في وقت التشريع، ثم بعد ذلك يعجزون عنها، لو فرضت احتمال أن يعجزون عنها، فالنبي ﵊ من شفقته ورأفته بأمته لم يخرج لهم في اليوم الرابع أو الثالث على اختلاف الروايات خشية أن تفرض عليهم، إذاً المشروعية باقية، فلها أصل سابق من فعله ﵊، فليست ببدعة لغوية فضلاً عن أن تكون بدعة شرعية، طيب إذا لم تكن بدعة لا لغوية ولا شرعية وعمر -رضي الله تعالى عنه- من أهل اللسان، يعني عربي، ويعي ما يقول، فماذا تكون؟ في علم البديع ما يسمى بالمشاكلة، يعني والمجانسة في التعبير، يطلق اللفظ ولا يراد به إلا مجرد مجانسة لفظ آخر حقيقة أو تقديراً، ففي قول الله -جل وعلا-: ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] السيئة الأولى حقيقة، الجناية حقيقة، جزاؤها ومعاقبة الجاني سيئة وإلا حسنة؟ حسنة، إذاً لماذا أطلق عليها سيئة؟ من باب المشاكلة والمجانسة في التعبير، وهذا موجود في النصوص، وفي لغة العرب. قالوا: اقترح شيئاً نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصاً مشاكلة وإلا الجبة والقميص ما يمكن أن تطبخ، فأسلوب المشاكلة والمجانسة موجود في لغة العرب وفي النصوص، وعلى هذا يحمل قول عمر.

стр. 13

وعلماء البلاغة في البديع يقولون: حقيقة أو تقديراً، يعني كأن قائلاً: "ابتدعت يا عمر" وقد يكون هناك من قال لعمر: ابتدعت يا عمر، فقال مجيباً عن هذا المحقق أو المقدر: "نعمت البدعة" وكأن عمر وهو الخليفة الراشد الذي أمرنا باقتفاء سنته، الملهم المحدث كأنه توقع إن لم يكن واقع أن هناك من سيقول: ابتدعت يا عمر، ووجد من الشراح من يقول: البدعة بدعة ولو كانت من عمر، ولا شك أن هذا سوء أدب مع الخليفة الراشد، والحقيقة أن هذه ليست ببدعة؛ لأنها عملت على مثال سبق من فعله ﵊، وكونه ﷺ يتركها جماعة مع أصحابه خشية أن تفرض عليهم، وهذا من شفقته ﵊ بأمته. "ولا تكُ بدعياً" هنا نسب المبتدع إلى بدعته، فالنسبة إلى البدعة بدعي، والنسبة إلى السنة سني، وهما متقابلان، والابتداع والاختراع في الدين جاء ذمه والتشديد في شأنه في كلام أهل العلم كثير، والمبتدع له معاملة تليق به. لا تلقَ مبتدعاً ولا متزندقاً ... إلا بعبسة مالك الغضبانِ

стр. 14

هذا القحطاني في نونيته، وكلام السلف وأئمة الإسلام في معاملة المبتدع كلام كثير في هذا الباب، والتشديد في النكير عليهم؛ لأن المخالفة في الابتداع أعظم بكثير من المخالفة في المعاصي التي سببها الشهوة، أما ما كانت المخالفة فيه بسبب الشبهة فأمره أشد، هذا الأصل، وإن كان يوجد فيما يسمى بالفروع أو المعاصي من الذنوب الكبائر ما هو أعظم من البدع الخفيفة عند أهل العلم، لكن الكلام إجمالاً البدع أشد من الذنوب عند أهل العلم، لكن يوجد من الذنوب ما هو أشد من بعض البدع، والتفصيل معروف، وأهل العلم يقررون أن توبة العاصي قريبة بخلاف المبتدع قليلة توبة المبتدع، ولا يعرض نفسه للتوبة؛ لأنه يرى أنه على حق، والشيطان يسول له ويملي له أنه هو الذي على الحق؛ لأن مقالته مبنية على شبهة، لوثت تفكيره، وغطت عقله عن سماع الحق، وعن قبول الحق والإذعان للحق، فمثل هذا توبته أبعد ممن أقدم على الذنب وهو يعرف أنه ذنب وأنه مخالف، أما المبتدع فهو يقدم على هذه المخالفة الشنيعة وهو يظن أنه محق، يحسب أنه يحسن صنعاً، فمثل هذا لا يتوب، نعم تاب جمع منهم، لكن المسألة أغلبية، وبعض الفرق عُرف واشتهر وشاع أن الأمل فيهم ضعيف، وبعضها الأمل فيه قوي، والذي في تقديري أن الذي أشاع هذه الإشاعة هم أهل الفرقة أنفسهم، شيوخهم ومراجعهم؛ لماذا؟ لئلا يتصدى أحد لدعوتهم، إذا كان ميئوس من رجوعهم وتوبتهم فدعوتهم إهدار للوقت وإضاعة بدون جدوى، فالذي يغلب على الظن أنها من تلقائهم، من شيوخهم المرتزِقة الذين يستفيدون ويكتسبون من وراء اعتناقهم لهذا المذهب، وإلا فالشواهد تدل على أنهم منهم من يتوب، نعم قليل الذي يتوب، لكن يوجد من يتوب، فالصد عن دعوتهم بهذه الطريقة مكر شيطاني، وخديعة شيطانية، وإلا ما على الإنسان إلا أن يبذل السبب، كونه يعود أو يرجع هذا ليس إليه، يبذل السبب ويحرص على هداية الناس، لكن النتائج بيد الله -جل وعلا- كما تقدم في الهداية ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [(٥٦) سورة القصص] نعم؟ طالب:. . . . . . . . .

стр. 15

إيه، لكن لو طبقنا التعريف اللغوي للبدعة ما انطبق قبل هذا كله، هو توجيه شيخ الإسلام ﵀ توجيه الشيخ -رحمة الله عليه- على أنها بدعة لغوية، تعريف البدعة اللغوية: ما عمل على غير مثال سابق، وهذه عملت على مثال سابق، وسبق لها شرعية من السنة، فليست ببدعة شرعية، لا لغوية ولا شرعية ينتهي الإشكال، ويلزم من قوله ﵀ مع أنه إمام، أقول: يلزم من قوله أن هناك شيء يسمى بدعة لغوية، نعم، وهو ما تفضلت به، لكن ينفى من أصله باعتبار أن التعريف اللغوي لا ينطبق عليه، وعموم المشايخ يقولون بقول شيخ الإسلام من باب: إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام والإنسان وهو يعرض مثل هذا الكلام على خجل واستحياء؛ لأنه كلام إمام، ولا يعني أننا نستدرك عليه، أو نتطاول على علمه أو فضله لا، أبداً، إنما نبين ما نراه حق، وكل يأخذ من قوله ويرد إلا النبي ﵊. "ولا تك بدعياً" يعني منتسباً إلى البدعة "لعلك" (لعل) حرف ترجي "لعلك تفلحُ" إذا تمسكت بحبل الله، واتبعت الهدى، ولم تك مبتدعاً، ما قيمة حرف الترجي بعد هذا كله؟ يعني من تمسك بحبل الله، واتبع الهدى، ولم يكن بدعياً، مفلح جزماً وإلا لعله يفلح؟ نعم؟ يرجى له الفلاح، هو حرف ترجي، لكن من حصل منه ما ذُكر، تمسك بحبل الله، واتبع الهدى، ولم يكن بدعياً، هو مفلح أو لعله يفلح يرجى له الفلاح؟ نعم؟ يعني مسك الجادة، استقام على الصراط المستقيم.

стр. 16

في مطلع سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [(١ - ٤) سورة البقرة] إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [(٥) سورة البقرة] جزم، وهنا يقول: لعلك، هذا يخاطب من نصحه ووجهه إلى التمسك بالكتاب والسنة، يخاطب من نُصح، يقول: ومع ذلك إذا امتثلت هذا الكلام، وتمسكت بحبل الله، واتبعت الهدى، ولم تكن بدعياً، لا تجزم في حكمك على نفسك بالفلاح، بل اتهم نفسك بالتقصير، مع هذا كله احرص على أن تتمسك بحبل الله، وتتبع الهدى الذي جاء عن النبي ﵊، وتجتنب البدع والمبتدعة ولعلك لأن الطريق طويل وشائك، والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، لعلك، والإنسان في هذه الدنيا مثل الغريق يسأل الله النجاة، ويسأل الله -جل وعلا- حسن الخاتمة، والموافاة على الإسلام، ويكون هذا ديدنه، فلا يجزم لنفسه بشيء، بشيء فلا يجزم لنفسه بشيء، أما من استمسك بحبل الله واتبع الهدى ولم يكن من المبتدعة بحق هذا مجزوم بنجاته، لكن متى نعرف أنه تمسك بحق؟ من الذي يحكم له أنه تمسك بحق؟ القلوب ما يدرى، ما يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب، نحن نرجو للمحسن الثواب، ونخشى على المسيء، ولذا عقيدة أهل السنة في هذا الباب أنهم لا يجزمون لأحد بجنة ولا نار، لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار، لكنهم يرجون للمحسن، ويخافون على المسيء، وهنا قال: "لعلك" وهذا من باب الرجاء لهذا المتمسك بالكتاب والسنة، هذا من باب الرجاء لعله يفلح، والفلاح كلمة جامعة تجمع بين خيري الدنيا والآخرة، ولا يوجد في لغة العرب كلمة تقوم مقامها، ومن أراد الفلاح فليستقرئ نصوص الكتاب والسنة التي جاءت فيها هذه اللفظة التي رتبت على أوصاف فيحرص على تطبيق هذه الأوصاف، يعني يستقرئ ما جاء في الكتاب والسنة بهذا اللفظ، وهذا اللفظ مرتب على أوصاف ينظر في هذه الأوصاف، ويطبق هذه الأوصاف، فيحصل له

стр. 17

الفلاح -إن شاء الله تعالى- إن فعل ذلك مخلصاً لله -جل وعلا-، متبعاً في كذلك كله سنة نبيه ﵊، بمعنى أنه جاء بشروط القبول، فالفلاح كلمة وليس لها نظير مما يجمع خير الدنيا والآخرة، كما قالوا في النصيحة لا يوجد كلمة تغني عنها، من حيازة الحض للمنصوح له، لا توجد كلمة تقوم مقامها، فمثلاً لو استعرضنا الصفات التي في مطلع سورة البقرة، والصفات التي في أول سورة المؤمنون: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [(١) سورة المؤمنون] ... إلى آخره، ثم أخذ الإنسان يطبق هذه الأوصاف على نفسه يحرص على أن يطبق هذه الأوصاف يحصل له الفلاح -بإذن الله -جل وعلا-، ومع ذلك لا يجزم لنفسه ولا يُجزم له، إنما يغلب على الظن ويرجى له ذلك، وقلوب العباد كما جاء في الحديث بين إصبعين من أصابع الرحمن ((وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)) نسأل الله السلامة والعافية، والثبات والتثبيت من الله -جل وعلا-، أمر يحتاج إلى أن يكون طلبه ديدناً للمسلم، فحسن الخاتمة وسوء الخاتمة أمر مقلق للإنسان، والسلف يخافون من هذا الباب أشد الخوف، ولذلك ما يعرف عنهم أنهم حملوا المطلق على المقيد في الحديث: ((وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)) فهم كلهم خائفون وجلون من سوء العاقبة وسوء الخاتمة، وما في واحد منهم قال: نحمل المطلق على المقيد، فيما جاء من حديث صحيح: ((وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس)) ما حملوا المطلق على المقيد؛ لماذا؟ لئلا يتراخون في العمل، وصدق الالتجاء إلى الله -جل وعلا-، وينبغي ألا يحملنا هذا على أن نيأس ونقنط من رحمة الله أبداً، بل علينا أن نخاف وعلينا أن نرجو، وإذا كان إبراهيم ﵇، إمام الحنفاء الذي حطم الأصنام وكسّرها بيده، دعا الله -جل وعلا- بقوله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ﴾ [(٣٥) سورة إبراهيم] ولذا يقول إبراهيم التيمي: من يأمن البلاء بعدك يا إبراهيم؟! الزيغ وارد -نسأل الله الثبات-، ابن القيم -رحمه الله

стр. 18

تعالى- يقول: والله ما خوفي الذنوب وإنها ... لعلى سبيل العفو والغفرانِ لكن خوفي أن يزيغ القلب عن ... تحكيم هذا الوحي والقرآنِ ورضاً بآراء الرجال وخرصها ... لا كان ذاك بمنة الرحمنِ فهم يخافون أشد الخوف في هذا الباب، ولذا لا يرتاح الإنسان ما دامت روحه في جسده، ويخشى على نفسه من خدع الشيطان؛ لأن بعض الناس يتوسع في هذا الباب، وأنه بمجرد ما يؤدي هذه الصلوات، وقد يصوم مع الناس يظن أنه ضمن الجنة. جاء في النصوص ما يدل على فضل الصلاة، وأنها تمحو الذنوب، وأنها كفارة لما بينهما، وأن رمضان إلى رمضان، هذا لا إشكال فيه، ولا عندنا فيه ريب ولا تردد، لكن الإنسان يتهم نفسه، ولن يؤتى إلا من قبل نفسه، فبما كسبت أيديكم، ولولا أن الله -جل وعلا- عفو غفور، رحيم رؤوف ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [(٦١) سورة النحل] والله -جل وعلا- يعفو عن كثير، فالإنسان عليه أن يعمل، أن يعمل ويجتهد ويحرص ويجاهد نفسه على الإخلاص، ولا يكون في عمله حظ لأحد، ويتبع النبي ﵊، ولا يبتدع في دينه، فإذا تمسك بالكتاب والسنة على هذه الكيفية يُرجى أن يختم له بخير، ولذا أهل العلم مع خوفهم من سوء العاقبة يقررون أن الفواتح عنوان الخواتم، يعني الذي يغلب على الظن أن من سلك الجادة هذا يقررونه في الكلام النظري، لكن على أنفسهم هل يستطيع شخص مهما بلغ من العلم والعبادة أن يقول: خلاص الفواتح عنوان الخواتم يعني ما عليّ، مضمون أنه يموت على الاستقامة؟ ما هو بمضمون، ليس بمضمون. الناظم -رحمه الله تعالى- ذكر ما ذكر في البيت الأول من التمسك بالقرآن واتباع الهدى الذي هو طريقة النبي ﵊ وسنته، أعقب ذلك بالمصدر الذي تؤخذ منه هذه العلوم عند أهل السنة علومهم وعقائدهم مأخوذة من الكتاب والسنة. ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربحُ (دن) هذا أمر من الديانة، يعني تدين وتعبد لله -جل وعلا- بكتاب الله "والسنن التي" يعني تعبد على ضوء الكتاب والسنة، يعني مثل ما قال: تمسك بالكتاب والسنة، تمسك بحبل الله والهدى التي هو السنن.

стр. 19

ودن بكتاب الله والسنن التي ... . . . . . . . . . يعني تدين بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﵊، ولا تأخذ دينك عن شيء سوى هذين المصدرين، وهما مصدرا التلقي عند أهل السنة، ولا ثالث لهما يستقل بنفسه، وأما ما يُذكر من المصادر من القياس والإجماع فكلها مردها إلى الكتاب والسنة، فالإجماع لا بد أن يستند على أصل من الكتاب أو السنة، والقياس لا بد أن يكون الأصل المقيس عليه له أصل في الكتاب أو السنة، ولا يوجد مصدر ثالث لا عقل كما يقول: المبتدعة، ولا منطق يزعمون أنه يعصم الرأي من الخطأ، ولا مقدمات كلامية ولا منطقية ترتب عليها نتائج وأحكام شرعية كما فعل أهل الكلام، فما عندنا إلا قال الله وقال رسوله. العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة هم ألوا العرفانِ وكلام الصحابة مبني على الكتاب والسنة، إذ لا يمكن أن يأتوا بشيء من كيسهم، فمرد التلقي إلى الكتاب والسنة. ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله. . . . . . . . .

стр. 20

السنن التي أتت وثبت عن الرسول ﵊، فلا يتدين بشيء ولو نسب إلى النبي ﵊ ما لم يكن ثابتاً عنه "أتت عن رسول الله" يعني ثبتت عنه ﵊ بطرق صحيحة أو حسنة "تنجو وتربحُ" يعني في هذا الباب المصدر الكتاب، وهذا أمر متفق عليه، والسنة، آحادها ومتواترها، كلها يجب العمل به في جميع أبواب الدين، يجب العمل بالسنة في جميع أبواب الدين، والسنة تشمل كل ما ثبت عن النبي ﵊، سواءً كان في الصحيحين أو في غيرهما، ولذا الفئة التي خرجت تزعم أنها تقتصر على القرآن، ويسمون أنفسهم القرآنيين، هؤلاء على ضلال بلا شك، وليسوا بقرآنيين لأن القرآن جاء بالأمر بطاعة الرسول ﵊، والفئة الأخرى التي توسعت قليلاً فرأت الاقتصار في مصادر التلقي على القرآن والصحيحين فقط، وهذه ذكرناها في بعض الدروس التي مضت، وهناك جمعية وجماعة سموا أنفسهم جماعة الاقتصار على القرآن والصحيحين، وأشرنا إلى أن هناك مصنف اسمه تيسير الوحيين بالاقتصار على القرآن مع الصحيحين، وهذا لا شك أن في هذا تضييعاً وإهداراً لقدر كبير مما ثبت عن النبي ﵊ خارج الصحيحين، فالتدين على هذه الطريقة ناقص، فقد يكون في غير الصحيحين ما هو ناسخ لما في الصحيحين، وقد يكون في غير الصحيحين ما هو مخصص، وقد يكون ما هو خارج الصحيحين مقيد لما في الصحيحين، وحينئذٍ يكون التدين بهذه الطريقة ناقص، فعلى هذا على المسلم خصوصاً طالب العلم أن يعنى بكتاب الله -جل وعلا- الذي هو المصدر الأول، وجميع ما ثبت عن النبي ﵊ سواءً كان ذلك متواتراً أو آحاد، وسواءً كان من أفراد الآحاد الصحيح والحسن كله مقبول في جميع أبواب الدين، وأما المبتدعة فإنهم لا يقبلون أخبار الآحاد في العقائد؛ لأن أكثر الأخبار جاءت بطريق آحاد، ورسل النبي ﵊ إلى الملوك وغيرهم أفراد، والاستدلال على حجية خبر الواحد وإن كان فرداً واحداً فضلاً عن أن يكون عدد أكثر من أن تحصر، وعلى هذا درج الصحابة بعد أن أرسل النبي ﵊ إلى الآفاق أفراد يعلمونهم الدين، وينقلون لهم

стр. 21

أخبار النبي ﵊، وأرسلهم إلى الملوك ليبلغوهم الدين، ويقيموا عليهم الحجج، وهم أفراد، وهدف المبتدعة حينما ذكروا أن الآحاد لا يحتج به إهدار أكثر الأحاديث النبوية، بل المتواتر لا يبحثه أهل الحديث، لا يبحثونه، ولا يوجد في كتبهم، ولا يوجد في كتبهم لماذا؟ لأنه ليس من صناعتهم، إنما صناعتهم ما يحتمل النفي والإثبات، والمتواتر لا يحتمل النفي، فصناعتهم منصبة على ما يحتمل النفي والإثبات بشروط شرطوها، وقواعد ضبطوها وأتقنوها، فما ثبت على ضوء قواعدهم يجب العمل به سواءً تعددت طرقه أو لم تتعدد، وما لم يثبت لا يعمل به. "أتت عن رسول الله تنجو" إذا دنت بكتاب الله والسنن التي جاءت عن النبي ﵊ تنجو، (تنجو) هذا جواب الطلب الأصل فيه أن يجزم؟ جواب الطلب؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . (تنجُ) لكن نستطيع أن نقول كذا وبعدها وتربحُ، دن هذا أمر وطلب. "بكتاب الله والسنن التي * أتت عن رسول الله تنجو" الأصل أن يكون مجزوماً، وما عطف عليه أيضاً يكون مجزوماً؛ لأنه إما أن يكون جواب طلب على قول بعضهم، أو يكون جواب شرط مقدر: إن تدن بالكتاب والسنة تنجُ وتربح، وهنا "تنجو وتربحُ" كلها مرفوعة، كلها مضمومة؛ لماذا؟ إشباع؟ (إنه من يتقي ويصبر) إشباع؟ "ألم يأتيك والأنباء تنمي" نقول: إشباع؟ هذا فيه مخرج، لا شك أن في مثل هذا مخرج، لكن أحياناً تأتي وليست بحاجة إلى إشباع ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ [(٥) سورة مريم] إيش؟ بعدها على طول؟ يرثْني وإلا يرثُني؟ طالب:. . . . . . . . . لماذا؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . يعني يرثُني هل هي جواب الطلب؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب: في سياق الطلب. لماذا؟ طالب: يرثني.

стр. 22

﴿وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ [(٥ - ٦) سورة مريم] هذا وصف، وصف لهذا الولي ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ [(٥ - ٦) سورة مريم] لأنه ليس الهدف من وجود هذا الولي الإرث فقط، لكن من وصفه أنه يرثه، ولهذا رُفع على أساس أنه ليس بجواب للطب، وأما الذي معنا لا شك أنه جواب الطلب أو جواب شرط مقدر تقديره: إن تدن بالكتاب والسنة تنجو وتربح، وهنا يحمل على أنه إشباع، هل يمكن أن يقال: إنه إلغاء لجواب الطلب، أو إلغاء للشرط المتقدم؟ يعني مثل ما جزموا جواب (إذا) جزموا جواب (إذا) هل يلغون جزم جواب (إن) الشرطية؟ نعم؟ (إذا) الأصل أنها لا تجزم، و (إن) تجزم، وجزموا جواب (إذا) "نقبلْه" في درس اليوم في الألفية، ما ذكرنا أن من المذاهب في العربية من يجزم بجواب (إذا) ذكرنا هذا "نقبلْه" فهل يمكن أن يقال: إن جواب (إن) يمكن رفعه والأصل أنه مجزوم. أنا إن شككت وجدتموني جازماً ... وإذا جزمت فإنني لم أجزمِ ما في أحد يمكن يسعف في هذا الباب؟ نعم في أحد؟ قالوا عن "ألم يأتيك" هذا حرف علة "والأنباء تنمي" ويش لون. . . . . . . . .؟ طالب:. . . . . . . . . ألم؟ طالب:. . . . . . . . . لا، الأصل أن يحذف "ألم يأتك" الحركة تشبع، فتنطق بما يشبه الواو. أظننا نقف على هذا. اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (١: ٠٠: ٢٢)

стр. 23

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود (٢) الشيخ: عبد الكريم بن عبد الله الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول الناظم -رحمه الله تعالى-: تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعياً لعلك تفلحُ ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربحُ تقدم شرح هذين البيتين في درس الأمس، وقلنا في مسألة أو في كلمة (تنجو وتربحُ) هل هي جواب الطلب أو جواب شرط مقدر؟ وعلى كلا الاحتمالين الواجب الجزم، وقد تقتضي ضرورة الشعر والوزن أن تشبع الحركة فيتولد عنها هذا، لكنها كيف تشبع وهي ساكنة؟ يعني لو كانت ضمة وأشبعت حتى صارت واواً هذا الإشباع، لكنها ساكنة، الأصل أنها ساكنة؛ لأنها جواب الطلب، بعضهم يقول: لعل .. ، يمكن أن يقدر: لعلك تنجو وتربح، وحينئذٍ يكون لا إشكال، والأمر -إن شاء الله- سهل، والتقدير مألوف في لغة العرب. بعد هذا يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: وقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... . . . . . . . . . نحن الآن بين يدينا ثلاث نسخ، الطبعة الدمشقية التي هي أولى الطبعات، وطبعة المنار التي تليها طبعت بعدها بسنة، الدمشقية سنة ألف وثلاثمائة وخمسين، وطبعة المنار واحد وخمسين، وعندنا طبعة جديدة في مقدمة شرح الشيخ عبد الرزاق البدر، وهي طبعة ضبطها الشيخ، وتعب عليها. بعد هذا يقول: وقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا هكذا في الدمشقية، ونسخة الشيخ التي في مقدمة الشرح، وفي نسخة المنار طبعة الشيخ رشيد رضا يقول: وقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأولياء وأفصحوا الأولياء بدل الأتقياء. وأشار الشيخ رشيد في حاشية النسخة علق عليها قال: وفي نسخةٍ الأتقياء كذا بهامش الأصل، مما يدل على أن الأصل الذي اعتمده فيه الأولياء. يقول: "وقل" مثل قوله: "تمسك" أمر، ولا شك أن الأمر من المخلوق يقصد به امتثال أمر الخالق، لا أمر المخلوق؛ لأنه يتحدث على لسان الشرع؛ لأن المسألة شرعية، ووجوبها معلوم من الشرع.

стр. 24

وقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... . . . . . . . . . كلام الله -جل وعلا- غير مخلوق، الذي هو القرآن، هذا معتقد أهل السنة والجماعة أن صفة الكلام لله -جل وعلا- غير مخلوقة، خلافاً لمن يقول بذلك من الجهمية والمعتزلة، سواءً قالوه صراحة، أو آل كلامهم إليه كالأشاعرة والماتريدية، فالذي عند أهل السنة أن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأن الله -جل وعلا- متصف بهذه الصفة، وأنه -جل وعلا- يتكلم متى شاء إذا شاء، وكلامه -جل وعلا- وإن كان قديم النوع بمعنى أنه تكلم في الأزل، فإنه متجدد الآحاد، يتكلم متى شاء -جل وعلا-. والمعتزلة يقولون: مخلوق، يقولون: كلام الله مخلوق كسائر خلقه، ومثلهم .. ، هم الجهمية والمعتزلة يصرحون بهذا. و"كلام مليكنا" كلام الله -جل وعلا-، من إضافة الصفة إلى الموصوف، والإضافة تقتضي التشريف بلا شك، سواءً كانت من الأوصاف، أو من الأعيان التي تستقل بنفسها، لكنها إن كانت من الأوصاف فليست مخلوقة، وإن كانت من الأعيان التي تستقل بذاتها كبيت الله وناقة الله، وعبد الله كل هذه مخلوقات، والمعتزلة يقولون: كل ما يضاف إلى الله -جل وعلا- مخلوق، سواءً كان صفة أو ذات مستقلة، فيجعلون كلام الله مثل ناقة الله وبيت الله، مثلها كلها مخلوقة؛ لأنها من إضافة المخلوق إلى خالقه، وأهل الحلول والاتحاد يرون العكس، كل ما يضاف إلى الله -جل وعلا- فهو وصف من أوصافه؛ ليصلوا بذلك إلى تقرير مذهبهم الفاسد، وأن الله -جل وعلا- متحد في مخلوقاته، وأنه لا خالق ولا مخلوق، يعني لا فرق بين الخالق والمخلوق، -نسأل الله السلامة والعافية-. وأهل السنة وسط بين المذهبين، بين الطرفين، فهم يرون أن من الإضافات ما هو إضافة وصف من الأمور التي لا تستقل بذاتها، وبين ما هو مخلوق ذات تستقل بنفسها، فهذه مخلوقة. وقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... . . . . . . . . .

стр. 25

المليك والملك والمالك شيء واحد، والله -جل وعلا- مالك الملك في الدنيا والآخرة، ومن ملك من العبيد من الخلق فإنما هو بتمليك الله -جل وعلا- إياه، فالعبد وإن ملك المال إلا أنه مال الله، والمليك فعيل صيغة مبالغة، ومثلها ملك فَعِل، لكن هل ورد المليك في أسماء الله -جل وعلا-؟ ورد مالك الملك ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [(٢٦) سورة آل عمران] وورد ملك ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [(٤) سورة الفاتحة] في القراءة المتواترة، فهل ورد مليك؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . أين؟ طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . قراءة "عند مليك" قراءة من؟ طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . "عند مليك" نعم. طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب:. . . . . . . . . نعم ((رب كل شيء ومليكه)) والقرآن أبلغ وأوضح وأشهر. وقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا بذلك دانوا وتعبدوا واعتقدوا. الأتقياء: جمع تقي، وفي النسخة الأخرى الأولياء جمع ولي، الأتقياء جمع تقي، والتقي من اتصف بصفة التقوى التي هي فعل المأمورات وترك المحظورات، دانوا بذلك، قالوا به، واعتقدوه، وأفصحوا به، وبينوه للناس، ودعوا الناس إليه، وأودعوه في مصنفاتهم، وردوا على مخالفيهم، كل هذا حصل منهم من الأتقياء، ومن الأولياء على النسخة الأخرى، والأولياء جمع ولي، والولي والتقي بمعنىً واحد، كل تقي ولي لله، العامل بطاعة الله -جل وعلا-، والتارك المجتنب للمحظورات هذا ولي. . . . . . . . . . ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلاً ... . . . . . . . . .

стр. 26

عرفنا أن مذهب الجهمية والمعتزلة القول بأن القرآن مخلوق، وقول الماتريدية والأشاعرة وإن لم يفصحوا به إلا أن كلامهم يؤول إليه، فكلامهم يؤول إلى القول بخلق القرآن، فهم يرون أن الكلام النفسي هو وصف معنوي، الكلام النفسي، وأما الكلام اللفظي فهذا عندهم إيش؟ نعم؟ عبارة أو حكاية، وهذا الكلام الملفوظ به واحد، عندهم لا يتغير، لكن إن عُبر عنه بالعربية صار قرآناً، وإن عبر عنه بالسريانية صار إنجيلاً، وإن عبر عنه بالعبرانية صار توراة، هذا كلامهم، ومقتضى هذا أن كل ما يوجد في القرآن يوجد في التوراة والإنجيل إلا أن اللغات تختلف، فعلى هذا لو ترجمت التوراة إلى العربية صارت مصحف مثل ما بأيدينا، والعكس لو ترجم القرآن إلى العبرانية أو السريانية صار توراة أو إنجيلاً، وهذا الكلام لا يمكن أن يوافق عليه عاقل، فحقيقة ما في الكتابين، أو ما في الكتب الثلاثة تختلف، فهل في التوراة والإنجيل سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [(١) سورة الإخلاص] باللغات الأخرى أو سورة تبت مثلاً، أو آيات نزلت لوقائع حصلت لهذه الأمة، لأناس بأعيانهم حصلت لهم هذه الوقائع، نزل بسببها القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [(١) سورة التحريم] يعني هل نقول: لو ترجمناها بالسريانية نجدها موجودة في التوراة أو الإنجيل؟ هل يقول بهذا أحد؟ ما يمكن أن يقول بهذا أحد، لكن هي اللوازم، هي لوازم المذاهب، وإذا التزم القائل بالقول بلوازمه الباطلة من باب تعصب للرأي، وأخذ العزة بالإثم يقع في مثل هذه الأمور، ولذا وقعوا في أشياء لا يمكن أن تصدر ولا عن مجنون، لكنهم لما ألزموا يلزم على كلامك كذا، قال: ويش المانع؟ وإلا فما معنى تقرير الأشعرية في كتبهم، ويكتبون بأيديهم وليس من باب الإلزام هم التزموا، ثم قرروا وكتبوا، عندهم أن الأعمى وهو بالصين يرى بقة الأندلس، يجوز أن يرى الأعمى وهو بالصين بقة الأندلس وهو صغار البعوض، يعني ما هو بتقول عليهم أبداً، هذا كلامهم بأقلامهم كتبوها؛ لماذا؟ قالوا: لأن الأسباب لا أثر لها، وجودها مثل عدمها، فالبصر سبب للإبصار، والإبصار يحصل عنده لا به، فإذا كان مجرد سبب، والسبب لا أثر له عندهم، لا

стр. 27

قيمة له، وإنما يحصل المدرك والمبصر عنده لا به، ويش المانع أنه الشخص في أقصى المشرق يرى صغار البعوض في أقصى المغرب؟ لو تعرض هذا على من لا عقل له بالكلية يقر وإلا ما يقر؟ ما يمكن أن يقر، وقال بهذا كبار، يعني عقولهم تزن جبال، أئمة كبار في مذاهبهم، لكن العبرة بالزكاة لا بالذكاء. هؤلاء الذين يقولون: لو ترجم القرآن، يعني الكلام واحد، كلام الله إذا عبر عنه بالعربية صار قرآناً، إذا عبر عنه بالسريانية صار توراة أو إنجيلاً، وبالعكس. ورقة بن نوفل كان يقرأ الكتب السابقة من التوراة والإنجيل وينقلها إلى العربية ويترجم، لما نزلت سورة اقرأ على النبي ﵊، وقص عليه القصة بما في ذلك اقرأ، ذكر عن الملك أنه هو الناموس الذي أنزل على موسى، وما قال: إن سورة اقرأ معروفة عندنا، وكنا نقرأها في التوراة؛ لأنه يترجم التوراة هو، ويترجم الإنجيل، وهل يتصور أن يقول عاقل: إن الآيات التي نزلت بسبب قصص وحوادث لبعض الصحابة هي موجودة بأعيانها في التوراة والإنجيل إلا أنها بلغات أخرى؟ يمكن أن يقال مثل هذا؟ نعم؟ قصة المجادلة في الظهار هل هي نزلت على موسى بلغتهم، وعلى عيسى بلغتهم، وعلى محمد بلغته؟ ما يمكن أن يقول مثل هذا، لكنهم أرادوا أن يلبسوا على الناس؛ لئلا يرموا بما رمي به الجهمية من الكفر، الذين تقلد كفرهم خمسمائة عالم من أجل القول بخلق القرآن. ولقد تقلد كفرهم خمسون في ... عشر من العلماء في البلدانِ وحكى اللالكائي عن هؤلاء الخمسمائة وقبله الطبراني كما قال ابن القيم فهم يريدون أن يفروا من القول الصريح فوقعوا فيه في النهاية. وقل: غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال أتباع لجهم وأسجحُوا أوضح من هذا أنه لماذا ينزل القرآن؟ لماذا ينزل الإنجيل وما فيه موجود في التوراة؟ يعني جميع ما في القرآن موجود في التوراة، وجميع ما في القرآن موجود في الإنجيل والعكس، ويش معنى نسخ الشرائع؟ يبقى لنسخ الشرائع قيمة؟ ومعناه أن الناسخ والمنسوخ في شرعنا موجود ناسخ ومنسوخ بنفسه في شرائعهم. طالب:. . . . . . . . .

стр. 28

لا، كلامهم باطل، لا حظ له من النظر، وبأدنى تأمل يسقط مثل هذا القول، لما كفر السلف الجهمية الذين قالوا بأن القرآن مخلوق، وشبهتهم راجت على بعض الناس، لا سيما وأنها دعمت بسلطة ملزمة، وخشي كثير من الناس من التكفير، يعني مع أن الشبهة راجت ودعمت بقوة، وقد يكون هناك تلبيس من بعض الناس أن هذا من طاعة ولي الأمر الذي تبنى هذه المسألة، يعني راجت هذه الشبهة، ووجدت قبول من بعض الناس، لا سيما الضعاف الذين لا يحتملون العزائم راجت عندهم هذه الشبه، وخشي بعضهم أن يرمى بالكفر لو صرح بأن القرآن مخلوق، فقال: هو يقف لا يقول مخلوق ولا غير مخلوق، يقف، ولذا قال: ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلاً ... . . . . . . . . . يعني لا تصرح كما قالت الجهمية والمعتزلة ولا تقف، بل عليك أن تعتقد وتصرح وتفصح بأن القرآن كلام الله -جل وعلا- منزل غير مخلوق. ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال أتباع لجهم وأسجحُوا حتى الواقفة جهمية، ولذا جاء عن الأئمة: من وقف في القرآن فهو جهمي، ما يعفيهم أنهم وقفوا، بل لا بد أن يُنقض القول الباطل، وأن يعتقد القول الصحيح، وأما الإنسان يقف متردد حائر، لا يترجح عنده الحق، ولا يبين له بأدلته الظاهرة المتكاثرة، هذا لا شك أن الوقف حيرة، هذا إذا أحسنا بهم الظن، وقلنا: إنهم تعارضت عندهم الأدلة فوقفوا، لكن الأدلة غير متكافئة، الأدلة صحيحة صريحة في أن الله -جل وعلا- يتكلم بحرف وصوت يسمع، فالذي يقف لا شك أنه نافٍ لكون القرآن كلام الله الذي نطق به بحرف وصوت، لكنه لا يستطيع أن يصرح بأنه مخلوق لئلا يكفر. . . . . . . . . . ... كما قال أتباع لجهم وأسجحُوا في بعض النسخ: "أسمحوا" المقصود أنه طابت أنفسهم بهذا القول، ولانت له، وتلقوه، وقالوا به، ومثلها في المعنى "أسمحوا" يعني سمحت أنفسهم وجادت وطابت بهذا القول، وأيضاً: ولا تقل القرآن خلق قرأتُه ... . . . . . . . . .

стр. 29

كذا في نسخة الشيخ رشيد؟ لا، طبعة الشيخ رشيد يقول: "ولا تقل القرآن خلق" ما يمكن قراءتها، ولا يستقيم البيت، مرسومة "قرائه" قاف راء ألف همزة على الكرسي على الياء، ثم بعد ذلك الهاء، ولا يمكن أن يستقيم بهذا المعنى، وفي النسخة الدمشقية التي هي أولى الطبعات: ولا تقل القرآن خلق قراءةً ... فإن كلام الله باللفظ يوضحُ وفي نسخة الشيخ عبد الرزاق، وفي كثير من النسخ المطبوعة المتأخرة كذا: ولا تقل القرآن خلق قرأته ... فإن كلام الله باللفظ يوضحُ فالاختلاف في قرأته وقراءةً وقرائه، أما بالنسبة للوزن فسواءً قلنا: قرأتُه أو قراءةً يستقيم -إن شاء الله تعالى-، وأما بالنسبة للمعنى فهو واحد. ولا تقل القرآن خلق قراءةً ... . . . . . . . . . يعني مقروءاً، ملفوظاً به، مخلوق، والمقصود بهذا البيت ... يقول: ولا تكُ في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال أتباع لجهم وأسجحُوا في بعض النسخ بدلاً من قوله: "وأسجحوا" "وصححوا" -هكذا في نسخة الشيخ رشيد نعم وصححوا، وصححوا. يقول: هنا يقول: قال الشيخ صالح الفوزان: بدلاً من خلق -اللي في بيتنا هذا- "ولا تقل القرآن خلق قراءةً" يقول: بدلاً من خلق قرأتُه قال: خلقاً قراءةً. "ولا تقل" هذه أمر بالقول يحتاج إلى مقول، والمقول جملة، القرآن خلق، مبتدأ وخبر، هذه الجملة هي مقول القول، أما ما نسب للشيخ قال: ولا تقل القرآن خلقاً قراءةً، وعلى كل حال المعنى واضح، وما عند الشيخ يحتاج إلى مراجعة، أما "لا تقل: القرآن خلق" هذه جملة هي مقول القول، القرآن خلق هذا مبتدأ وخبر هي الجملة التي هي مقول القول. "وقراءةً" ويش يصير تمييز وإلا حال؟ أما (قائلاً) فهي خبر (تكُ) "ولا تك بالقرآن بالوقف قائلاً" هذه خبر (كان). ولا تقل القرآن خلق قراءةً ... فإن كلام الله باللفظ يوضحُ

стр. 30

المقصود بهذا البيت أنه وجد من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، ووجد من يقول: لفظي بالقرآن غير مخلوق، واللفظ مصدر يطلق ويراد به التلفظ، ويطلق ويراد به الملفوظ، فالمصدر يطلق على اسم المفعول كالحمل بمعنى المحمول، فإذا كان معنى اللفظ الذي هو المصدر بمعنى المفعول الذي هو الملفوظ به وهو القرآن صار هو عين كلام جهم، معناه أن القرآن مخلوق عنده، وإذا كان المقصود به التلفظ الذي هو فعل القارئ فاللفظ من عمل العبد ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [(٩٦) سورة الصافات] فلفظه لفظ القارئ من عمله، وعمله مخلوق، وإذا كان المقصود باللفظ الملفوظ به وهو القرآن، فإذا قال: مخلوق صار حكمه حكم الجهمية الذين صرحوا؛ ولأن هذا اللفظ مجمل يحتاج إلى بيان، فإن إطلاقه على الإجمال ممنوع، ولذا نهى عنه الناظم -رحمه الله تعالى-، ولذا جاء عن الأئمة أنه قال: من قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، وإن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، وعلى كل حال هو موافق للمعتزلة على الحالين، إذا قال: لفظي بالقرآن والمراد به الملفوظ مخلوق وافق الجهمية والمعتزلة باعتبار قولهم أن القرآن مخلوق، وإذا قال: لفظي ويريد به التلفظ غير مخلوق وافق المعتزلة في أن العبد يخلق فعله، وليس بمخلوق لله -جل وعلا-، وعلى كل حال وعلى الاحتمالين اللفظ ممنوع، جاء تشديد الأئمة فيه، ووقع الخلاف القوي والنزاع بين الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- والإمام محمد بن يحيى الذهلي إمام من أئمة المسلمين، لكنه وقع في هذه المسألة، وقع خلاف وشقاق بينهما، فمثل هذا مما لا يجوز التلفظ به، لا لفظي بالقرآن مخلوق، ولا لفظي به غير مخلوق؛ لأنه ما من احتمال إلا ويرد فيه المنع على ما ذكرنا. ولا تقل: القرآن خلق قراءةً ... فإن كلام الله باللفظ يوضحُ كلام الله هو الملفوظ به، وهو المقروء، هو المتلو، وهو كلام الله -جل وعلا-، سواء حفظ في الصدور، أو قرئ وتلفظ به بالألسنة، أو كتب في الصحف، هو كله كلام الله -جل وعلا-، والصوت على ما يقول أهل العلم صوت القارئ، والكلام كلام الباري. . . . . . . . . . ... فإن كلام الله باللفظ يوضحُ

стр. 31

وإلا ما دام في الصدر فلا يدرك، ولا يعرف الحافظ من غير الحافظ إلا إذا قرأ، وما دام متردداً في النفس فإنه لا يسمى كلاماً أصلاً. . . . . . . . . . ... فإن كلام الله باللفظ يوضحُ ابن حزم له كلام شنيع في هذه المسألة، وذكره ابن القيم في النونية، وهو أنه يرى أن القرآن .. ، أن عندنا أربعة قرآنات، ما هو بواحد، أربعة، المحفوظ قرآن، والمقروء قرآن، والمكتوب قرآن، والمسموع قرآن، ومذهبه في هذه المسألة رديء، وفي بعض مسائل الاعتقاد أيضاً كلامه خطير جداً. وقل: يتجلى الله للخلق جهرة ... . . . . . . . . . يتجلى يتكشف بحيث يُرى الله -جل وعلا- للخلق في الجنة، يراه المؤمنون، ويحجب عنه الكفار، بل رؤية الله -جل وعلا- أعظم ما يتنعم به في الجنة، وأعظم ما يتنعم به في الجنة. "يتجلى الله للخلق جهرة" لكن في الدنيا لا ولا يطيق أحد شيء من مخلوقاته أن يثبت أمام الباري -جل وعلا- ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾ [(١٤٣) سورة الأعراف] والله -جل وعلا- حجابه النور، وفي رواية: النار، ففي الدنيا لا يمكن أن يُرى، ولا يمكن أن يراه أحد حتى يموت، كما جاء في الحديث، والنبي ﵊ قال: ((نور أنى أراه)) والمسألة خلافية بين الصحابة، منهم من يثبت رؤية النبي ﵊ لربه، ومنهم من ينفي، والنفي أكثر، وأقوى في الاستدلال، والصحابة اختلفوا في هذا، وعائشة تقول: "من حدثكم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية" وهو ﵊ يقول: ((نورى أنى أراه)) أما في الآخرة فالمؤمنون يرون ربهم، كما يُرى القمر ليلة البدر، صحواً ليس دونه سحاب. وقل: يتجلى الله للخلق جهرة ... كما البدر. . . . . . . . . يعني كما يُرى البدر لا يخفى، البدر ليلة الست بعد ثمان كما يقول ابن القيم ليلة الرابعة عشر، ليلة كماله يرى إذا لم يوجد قتر ولا سحاب فإنه يرى واضحاً.

стр. 32

"لا يخفى وربك أوضحُ" ففي الحديث الصحيح الذي سوف يشير إليه الناظم -رحمه الله تعالى- من حديث جرير بن عبد الله البجلي، قال: كنا مع النبي ﵊ في ليلة مقمرة، فقال بعد أن رأوا الهلال القمر قال: ((هل تضامون في رؤيته –أو تضارون-؟ )) في أحد يصيبه ضرر أو ضيم، أو زحام، أو يمكن يرى أو لا يرى بالنسبة للقمر ليلة البدر؟ ما يمكن، قال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب)) وفي رواية: الشمس، في حديث آخر: الشمس، وهذا الحديث من أصح الأحاديث، متفق عليه، وله طرق، بل هو أحاديث حديث جرير وحديث أبي هريرة وحديث ابن عمر، وغيرها من الأحاديث، ونص بعضهم على أنه من المتواتر. "كما البدر لا يخفى" إلا أن هذا التشبيه الوارد في الحديث إنما هو تشبيه للرؤية بالرؤية، وليس تشبيهاً للمرئي بالمرئي؛ لأن التشبيه لا يشترط فيه مطابقة المشبه بالمشبه به من كل وجه، لا يشترط في صحته أن يطابقه من كل وجه، قد يكون وجه الشبه من جهة، سواءً كانت من أوضح الجهات أو أدنى الجهات، في وجه الشبه، فأول زمرة تدخل الجنة على صورة البدر، يعني كأنهم البدر، لكن هل هناك مطابقة بين صورة ما يدخل الجنة والبدر؟ يعني في الوضوح والاستدارة والإنارة نعم، لكن هل البدر له أنف، وله عينان، وله فم؟ لا، فوجه الشبه من وجه. أيضاً جاء تشبيه الوحي وهو محمود بالجرس وهو مذموم، إنما جاء التشبيه من وجه دون وجه، والأمثلة على هذا كثيرة، فالتشبيه هنا للرؤية بالرؤية، لا للمرئي بالمرئي. . . . . . . . . . ... كما البدر لا يخفى وربك أوضحُ أوضح من رؤية البدر الآن لو في مكان على وجه الأرض شيء، والناس من حب الاستطلاع، الآن لو وقع حادث مثلاً، واجتمع الناس، وازدحم في الشارع من أجل أن يروا ما حصل، لا شك أنهم يتضامون ويتضارون ويتدافعون، ومنهم من يراه، ومنهم من لا يراه، هذا الحاصل في أماكن الزحام، لكن بالنسبة للبدر كل إنسان وهو في موقعه يراه من غير ضيم ولا ضرر. "وربك أوضحُ" أوضح في الرؤية من القمر ليلة البدر. وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبحُ يعني ارتباط هذا البيت بالذي قبله والذي بعده من أي جهة؟

стр. 33

وليس بمولود وليس بوالد ... . . . . . . . . . هذا البيت لو استقل عما قبله وما بعده ما في إشكال ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [(٣ - ٤) سورة الإخلاص]. وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبحُ لكنه وقع بين بيتين مرتبطين، أولهما في وجوب إثبات الرؤية، والثاني في إنكارها، فهل له ارتباط في مسألة الرؤية؟ نعم؟ . . . . . . . . . ... وليس له شبه تعالى المسبحُ لكن "ليس بمولود وليس بوالد" ما ارتباطها في مسألة الرؤية؟ نعم؟ طالب:. . . . . . . . . تشبيه إيش؟ "كما البدر لا يخفى وربك أوضحُ" هذا تشبيه للرؤية بالرؤية؛ لأن التشبيه دخل على الرؤية كما ترون، فهو تشبيه للرؤية، وبعد ذلك قال: . . . . . . . . . ... وليس له شبه تعالى المسبحُ ارتباط ليس بمولود وليس بوالد، يعني لو جاء البيت متأخر عن المسألة بجميع ما فيها من أبيات سهل يعني ما بحثنا عن ارتباط، لكن البيت وقع بين بيت فيه إثبات الرؤية لله -جل وعلا-، وإنكار الجهمية لها، ودليل ثبوت الرؤية، هو ما بعد عرض لمن ينكر الرؤية، هو الآن قرر وقل يتجلى الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضحُ "وليس بمولود وليس بوالد" نعم؟ طالب:. . . . . . . . . نفي المشابهة وليس بوالد. طالب:. . . . . . . . . نعم. طالب:. . . . . . . . . في كون الوالد والولد يرى، يعني لما وقع التشبيه في الحديث تشبيه رؤية الباري برؤية القمر قد يتخيل أو يتوهم الإنسان أنه ما دام القمر يولد وما دام يرى، فالوالد يُرى ويولد ويلد، فأراد أن ينفي هذا، لكن هذا فيه شيء من البعد، هذا لا يسلم من تكلف، يسلم هذا من تكلف؟ لماذا نص على نفي الولادة مثلاً؟ هنا ما نص على نفي الشبيه، ما نص على نفي النظير، ما نص على .. ، أنا أريد ما يربط هذا البيت بالذي قبله وما بعده، نريد رابط ظاهر، ما نريد شيء فيه تكلف أو تعسف، اللهم إلا إذا لم نستطع؛ لأن النسخ تتفق على أن هذا موضع هذا البيت، يعني ما يظهر ارتباط بين قوله: وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبحُ

стр. 34

يعني مفاد الكلام أن البيت الأول الذي فيه التشبيه تشبيه الرؤية بالرؤية قد يخيل للإنسان أن فيه ضرب من تشبيه الخالق بالمخلوق، قد يتوهم السامع هذا الكلام، فأراد أن ينفي التشبيه من وجه آخر في الولدية والوالدية، ليس بمولود وليس بوالد، كما هو شأن الخلق، فإذا خالف الخلق في هذا أنه ليس بمولود وليس بوالد خالفهم في بقية الصفات، هذا لا شك أن فيه وجه شبه، لكن لو جيء بغير هذا المنفي يكون نفس الكلام الذي نقوله. البيت الأول في إثبات صفة الرؤية، وتشبيه الرؤية بالرؤية، يعني التمثيل، التمثيل لرؤية الباري برؤية القمر تمثيل للرؤية بالرؤية، يعني أراد أن يقرر أنه لا وجه شبه بين المخلوق والخالق بنفي أخص ما للمخلوق من صفات وهي منفية عن الله -جل وعلا-، وهي كونه والد أو مولود، إذ لا ينفك عن ذلك أحد من المخلوقين؛ لأن بقية الصفات قد لا توجد في بعض الناس، نعم بقية الصفات قد لا توجد، لكن صفة يشترك فيها الناس كلهم إما والد وإما مولود، والله -جل وعلا- ليس بمولود وليس بوالد، فإذا انتفت هذه الصفة في جميع الناس فلأن ينتفي الصفات التي لا يشترك فيها جميع الناس من باب أولى، وهذا لا يسلم بعد من شيء من التكلف، وعلى كل حال البيت هكذا وجد. وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبحُ لأنه لما ذكر تشبيه رؤية الباري برؤية القمر أراد أن ينفي التشبيه، وأنه ليس الشبه أو التشبيه للمرئي بالمرئي، لا "وليس له شبه تعالى المسبحُ" والله -جل وعلا- لا يشبهه القمر، تعالى وتعظم وتقدس المسبح المنزه عن كل عيب ونقص بخلاف المخلوق، والتسبيح له شأن في الشرع، ومن الباقيات الصالحات سبحان الله، ومن قال في يوم: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت عنه خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر، وعلى كل حال التسبيح جاء الحث عليه كبقية الأذكار والجمل الأربع المعروفة، لكن التسبيح معناه التنزيه لله -جل وعلا- عن جميع ما لا يليق به. وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... . . . . . . . . .

стр. 35

(قد) وتدخل على الماضي للتحقيق، وتدخل على المضارع وقد تكون للتقليل، وقد تكون للتحقيق أيضاً، وقد تكون للتكثير ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [(١٨) سورة الأحزاب] هذا تحقيق وليس بتقليل، وهنا تحقيق ينكر الجهمي هذا، يعني الرؤية، ينكر رؤية الباري، والذي ينكر الرؤية ولا يستطيع أحد أن يتألى على الله -جل وعلا- لا سيما والمسألة مسألة كبيرة، إنكار الرؤية كُفروا بسببها، كُفر الجهمية بسببها، إضافة إلى تكفيرهم بالقول بخلق القرآن. مثل هذا الذي ينكر الرؤية الذي يغلب على الظن -والعلم عند الله تعالى- أنه يُحجب عنه، ومن ينفي الصفات عموماً على خطر عظيم؛ لأن الله -جل وعلا- في الموقف يتجلى لخلقه بغير صفته التي أنزلها في كتابه وعلى لسان نبيه ﵊ ثم يقولون: لست ربنا، ثم يتجلى لهم بصفته فيسجدون، نعم أنت ربنا، فالذي ينكر الصفات ماذا يصنع في هذا الموقف؟ الذي ينكر الصفات ماذا يصنع؟ كيف يعرف الرب -جل وعلا- وهو لا يعترف بشيء من صفاته؟ إذا كان الجزاء من جنس العمل، الذي يشرب الخمرة في الدنيا لا يشربها في الآخرة، الذي يسمع الغناء في الدنيا لا يسمع غناء الحور العين، وهذه في أمور يسيرة وسهلة بالنسبة لما يتعلق بالله -جل وعلا-، فالذي ينفي رؤية الباري خليق وجدير بأن يحجب عنه، والذي ينكر الصفات كيف يعرف ربه إذا تجلى له في صفاته التي جاءت عنه وعن رسوله ﵊؟ فالمسألة ليست سهلة.

стр. 36

وهذا الحديث بالنسبة للمبتدعة شأنه عظيم، يعني لو قيل لك: استقبل فلان بالمطار، هذا مثال لا شيء بالنسبة لما جاء في صفات الله -جل وعلا-، استقبل فلان في المطار، ثم طلعت تستقبله، وسألت الذي قال لك تستقبله: طويل قصير، سمين نحيف؟ تقول: والله ما أدري، طلع للمطار، ونزل الناس من الطائرة، ما يدري من يستقبل؟ ويش اسمه على شان ننادي عليه؟ قال: والله ما أعرف اسمه، واحد يبي يجينا من بلد كذا، كيف يستقبله هذا؟ كيف يعرفه من بين الناس، فإذا كان الله -جل وعلا وتقدس- عرفنا بصفاته في كتابه، وعلى لسان نبيه ﵊، نعرف أن له هذه الصفات، فالذي ينكر هذه الصفات كيف يعرفه بهذه الصفات؟ إذا تجلى بالصفات التي أنزلها في كتابه وعلى لسان نبيه ﵊، والمثال الذي ذكرناه مثال تقريبي وإلا لا نشبه الله بخلقه، لكن هو تشبيه للمعرفة بالمعرفة لا المعروف بالمعروف، هذا الذي طلع للمطار لا يعرف اسمه ولا يعرف لونه ولا طوله ولا حجمه ولا عرضه، ولا أي صفة من صفاته، كيف يستقبله في المطار هذا؟ يستطيع؟ نزلوا الناس أفواجاً من الطائرة، ما يعرف، فيرجع بدونه، وهذا الذي ينكر الصفات إذا تجلى الله -جل وعلا- لعباده يوم القيامة كيف يعرفه، فالمسألة جد خطيرة. وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... . . . . . . . . . ينكر الجهمي هذا، ويشترك مع الجهمية في إنكار الرؤية -وهي من عظائم الأمور- المعتزلة والخوارج، الخوارج ينكرون الرؤية، الإباضية يقولون بخلق القرآن، وينفون الرؤية كقول الجهمية والمعتزلة -نسأل الله السلامة والعافية-، وتداخلت المذاهب، وتأثر بعضها ببعض، فالإباضية الخوارج تأثروا بالمعتزلة، الرافضة أيضاً تأثروا بالاعتزال، الزيدية شابهم شيء من الاعتزال، بل وافقوا المعتزلة في كثير من القضايا، وهذه عقوبات لذنوب بعضها يجر بعض، وإلزامات مع التزامات، وقد سلم منها من وفقه الله -جل وعلا- للاعتقاد الصحيح. "وقد ينكر الجهمي هذا" يعني مسألة الرؤية. . . . . . . . . . وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصححُ

стр. 37

هذه في نسخة دمشق الطبعة الأولى، وفي نسخة الشيخ رشيد رضا "حديث مصرِح" وهو حديث بالفعل مصحح ومصرَح به أو مصرِح، فالحديث صحيح صريح في الصحيحين وغيرهما. . . . . . . . . . وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصححُ أو مصرَح أو مصرِح. "رواه جرير" جرير بن عبد الله البجلي الصحابي الجليل يوسف هذه الأمة "عن مقال محمد" ﵊ يعني يرويه عن النبي ﵊ ويرفعه إليه. . . . . . . . . . عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجحُ يعني من قدوته وأسوته النبي ﵊ فنجاحه وفلاحه مضمون، من كان قدوته فيما يفعل وفيما يذر، وفيما يعمل، وفيما يعتقد، من كان قدوته النبي ﵊، ومن كان هواه تبعاً لما جاء به النبي ﵊ فهو الناجح وهو المفلح، أما من خالف ما جاء عن النبي ﵊ سواءً كانت هذه المخالفة عن معاندة، أو كانت عن تأويل لا مسوغ له ولا دليل عليه، بل هو تحريف للنصوص، تحريف لألفاظها، تحريف لمعانيها، هذا لا ينجح ولا يفلح. مسألة الكلام النصوص صريحة في القرآن في إثبات كلام الله -جل وعلا-؛ لما أراد الجهمي أن يحرف اللفظ في قول الله -جل وعلا-: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى﴾ [(١٦٤) سورة النساء] قال: "كلم اللهَ" فحرف تحريفاً لفظياً، لكن إذا تسنى له أن يحرف مثل هذا فكيف يستطيع أن يحرف ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [(١٤٣) سورة الأعراف]؟ يستطيع؟ ما يمكن أن يستطيع، وقد رُد عليه بهذا، فهذا من تحريف اللفظ. وتحريف المعنى في مسألة الكلام نظروا في المادة مادة الكلام، وأن هذه المادة تطلق على عدة معاني، منها: التجريح ((ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة ... )) إلى آخره، يكلم يعني يجرح، فقالوا: نحمل الكلام هنا على التجريح، التكليم ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [(١٦٤) سورة النساء] يعني جرحه، جرحه بإيش؟ قالوا: بأظافير الحكمة، هذا تحريف للمعنى -نسأل الله السلامة والعافية-، فعلى الإنسان أن يعتقد هذا الاعتقاد الصحيح، وأن يلهج بدعاء الله -جل وعلا- أن يثبته عليه إلى أن يتوفاه عليه. الوقت جاء؟ إيه نقف على هذا، ونستأنف -إن شاء الله-.

стр. 38

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود (٣) الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء يا رب العالمين، واغفر لنا أجمعين، أما بعد: قال ابن أبي داود -رحمه الله تعالى-: وقل: يتجلى الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضحُ وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبَحُ وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح رواه جرير عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح وقل: ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول: ألا مستغفر يلقَ غافراً ... ومستمنح خيراً ورزقاً فيمنح روى ذاك قوم لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقبحوا وقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قدماً ثم عثمان الأرجح ورابعهم خير البرية بعدهم ... علي حليف الخير بالخير منجح وإنهم للرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس بالنور تسرح سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدح وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولا تكُ طعاناً تعيب وتجرح فقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح أي للصحابة تمدح الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فقد مضى الكلام في الرؤية في درس الأمس إلا أنه لم يقرأ من قبل القارئ، فقرأه جزاه الله خيراً. وقفنا على البيت العاشر، وفيه يقول الناظم -رحمه الله تعالى-: وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفحُ وفي بعض النسخ: تنضح. طالب:. . . . . . . . . رواه جرير؟ طالب:. . . . . . . . . يقول: إن البيت التاسع الذي فيه الدليل على الرؤية يقول بعض الإخوان: إنه ما شرح، والدليل حديث جرير بن عبد الله البجلي هذا ورد أثناء الشرح، ولا يتضمن أكثر من الدليل. يقول:

стр. 39

وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرحُ وفي بعض النسخ: "مصحح" وكلاهما جائز صحيح، فالحديث صحيح، وأيضاً صريح، صحيح من حيث الثبوت، صريح في الدلالة. "رواه جرير" هو جرير بن عبد الله البجلي يوسف هذه الأمة "عن مقال محمد" ﷺ "فقل مثل ما قد قال" يعني النبي ﵊، ومن قال بقوله ممن يعتقد هذا المعتقد الصحيح "في ذاك تنجحُ" تنجح في الدنيا والآخرة. ثم قال: وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرحُ وفي نسخة: "تنضحُ" في النسخة الدمشقية: "تنضح". "قد ينكر الجهمي" (قد) هذه معروف أنها إذا دخلت على الماضي فهي حرف تحقيق، وإذا دخلت على المضارع فهي للتقليل أحياناً، وقد تكون للتحقيق، وقد تكون للتكثير، وهنا للتحقيق فالجهمي ينكر تحقيقاً لا ظناً، وليس بقليل من قوله، بل هو المعتمد عنده، الجهمي المنسوب إلى الجهم بن صفوان رأس المعطلة الذي أخذ التعطيل عن الجعد بن درهم إمامهم ومقدمهم في هذا الشأن، إلا أن الجهم هو الذي نشر المذهب وشهره ونظره، واستدل له، ونافح عنه، فنسب المذهب إليه.

стр. 40

قد ينكر الجهمي أيضاً إضافة إلى ما تقدم من أن كلام الله -جل وعلا- صفة من صفاته، وأنه منزل غير مخلوق، قد ينكر أيضاً مثل ما أنكر الرؤية ينكر الصفات الذاتية والفعلية من باب أولى، فينكر الصفات الذاتية ومنها اليمين، ذكر مثالاً لها اليمين، واليمين المراد بها اليد التي هي في جهة اليمين ((وكلتا يديه يمين)) وجاء في بعض النصوص الأخرى، وفي بعضها بشماله، ولا تعارض بين هذه الروايات، فقوله ﵊: ((كلتا يديه يمين)) لئلا يتوهم النقص؛ لأن الشمال بالنسبة للمخلوق أنقص من اليمين؛ فلئلا يتصور أن هناك في يد الباري -جل وعلا- الأخرى نقصاً قال: كلتا يديه يمين من حيث الكمال، ويعبر عنها بالأخرى؛ لأن النسبة على الجهات أمر نسبي، فما يكون عن جهة اليمين يسمى يمين، وما يكون عن جهة الشمال يسمى شمال، فيقال لها: أخرى، ويقال لها أيضاً كما جاء في الحديث: شمال، ولا مانع من إطلاق الشمال باعتبار الموقع، فموقعها مقابل لجهة اليمين، ولا مانع من هذا، وتبقى أنها من حيث الكمال ((كلتا يديه يمين)) يعني كلتاهما كاملة، لا نقص في إحداهما كما في أيدي البشر، والبشر يدهما اليسرى والشمال هذه ناقصة بالنسبة لليمنى، هذا عند كثير من الناس، وعند جل الناس وغالبهم، ليست في القوة بمثابة اليمنى، وأيضاً اليمنى تصان عما لا تصان منه الشمال إلى غير ذلك، فهي محل للنقص، ولذا قال النبي ﵊: ((وكلتا يديه يمين)). وقد ينكر الجهمي أيضاً يمينه ... . . . . . . . . . والمراد بذلك إثبات اليد لله -جل وعملا- على ما يليق بجلاله وعظمته.
следующие страницы →