مالك بن نبي
ميلاد مجتمع
شبكة العلاقات الاجتماعية
ترجمة عبد الصبور شاهين
بإشراف ندوة مالك بن نبي
دار الفكر الجزائر
دار الفكر دمشق - سورية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
ميلاد مجتمع
الجزء الأول
شبكة العلاقات الاجتماعية
ترجمة عبد الصبور شاهين
بإشراف ندوة مالك بن نبي
دار الفكر الجزائر
دار الفكر دمشق - سورية
стр. 4
الطبعة الثالثة ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦م
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١م ترك أستاذنا مالك بن نبي- ﵀ في المحكة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١ الموافق ١٠ حزيران ١٩٧١م، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادبية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذا لوصية المؤلف (ندوة مالك بن نبي).
وهي مشروع نطرحه كنواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو غيرها مترجماً من قبل المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني- ﵀ مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان
١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩م
عمر مسقاوي
стр. 6
مقدمة
هذه الدراسة جزء من العمل الذي نقوم بنشره تحت العنوان العام: (ميلاد مجتمع).
ولكن لها بالنسبة إلى هذا العمل صفة خاصة، حبذت لدينا نشرها منفصلة تحت عنوان فرعي هو: (شبكة العلاقات الاجتماعية).
وهي تشمل في الواقع بمقتضى هذا العنوان وبصورة منهجية، المفاهيم النظرية التي ترجع إليها العناصر التاريخية الخاصة بـ (ميلاد مجتمع).
وقد بدا لنا من الضروري أن نفسر أولاً هذه الظاهرة عامة، قبل أن نعرضها بالنسبة للمجتمع الإسلامي خاصة.
وهذا يسمح لنا أن نحدد في هذه الدراسة، شأن ما يحدث في مدخل أية دراسة، المصطلحات المستخدمة، وخاصة مفهوم لفظة (مجتمع) ذاتها. ونعتقد أننا بهذا قد استجبنا لرغبة القارئ العربي والمسلم، في الوقت الذي يحاول فيه أن يدخل إلى مسرح التاريخ، بعد أن تخطى أزمة تاريخه الكبرى، الأزمة التي نعرفها، والتي تتجلى في سباته المتطاول خلال القرون الأخيرة. فهو يحاول أن يؤدي نشاطه المشترك من جديد كما سبق أن فعل يوم كان ممسكاً بمشعل الحضارة.
إننا نريد أن نعطي للقارئ العربي والمسلم فرصة التأمل في هذه المرحلة من تاريخ المجتمع، حين يولد، أو حين ينهض، وذلك بأن نريه أن النهضة الحقة تقع في ظاهرة اجتماعية عبر عنها النبي ﷺ في حديثه المشهور: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".
القاهرة في ١١ من نيسان (إبريل) عام ١٩٦٢ م
م. ب. ن
стр. 7
أوليّات
لم تبلغ العلوم الإنسانية بعد درجة تحديد مصطلحاتها عامة، كما حدث للعلوم الطبيعية، فإن في علم الاجتماع بعض المفاهيم التي تبدو أحياناً غير محددة في ذهن القارئ في البلاد الإسلامية، حيث نجد أن اللغات المحلية لا تتمثل تماماً المصطلحات الحديثة.
وقد يؤدي تعقد المصطلحات إلى مناقشات أقرب إلى الطابع الأدبي منها إلى منطق العلم، كتلك المناقشة التي ثارت وتثور غالباً حول مصطلحي حضارة، ومدنية في البلاد العربية. بيد أن هذه المناقشات لا تعين على جلاء الموضوع، بل تجعله أكثر صعوبة.
فمن المفيد إذن أن ننشئ أولاً الإطار النظري لموضوعنا (ميلاد مجتمع) قبل أن نعالجه من زاويته التاريخية. وهكذا نجد من المناسب أن نذكر في مستهل دراستنا تنوع الظواهر الاجتماعية، التي تنطبق عليها لفظة مجتمع، فنذكر أولاً الفرق الجوهري بين (المجتمع الطبيعي) أو البدائي، وهو الذي لم يعدّل، بطريقة مُحَسَّة، المعالم التي تجدد شخصيته منذ كان، وبين المجتمع التاريخي الذي ولد في ظروف أولية معينة؛ ولكنه عدّل من بعد، صفاته الجذرية ابتداء من هذه الحالة الأولية، طبقاً لقانون تطوره.
وـ[النوع الأول]ـ يحقق نموذج المجتمع الساكن ذي المعالم الثابتة، كالمجتمعات الموجودة في مستعمرة النمل أو النحل. والقبيلة الإفريقية في عصر ما قبل الاستعمار، والقبيلة العربية في العصر الجاهلي تمثلان هذا النموذج.
стр. 8
أما ـ[النوع الثاني]ـ فإنه يحقق النموذج المتحرك، أعني المجتمع الذي يخضع لقانون التغيير، الذي يعدل معالمه هن جذورها.
ومع ذلك فهذا النوع ليس وحيد الصورة، فهو يتنوع من جهة طريقة نشاته، ومن جهة شكل بنائه.
والواقع أن المجتمع التاريخي يمكن أن ينشأ بطريقتين:
فهو إما أن يتركب ابتداء من مواد جديدة، أي من مواد لم تتعرض لأي تغيير تاريخي سابق، فهو يستنفد هذه المواد، في الحالة التي تكون عليها في الطبيعة، وبهذه الطريقة نشأت المجتمعات التاريخية الأولى، إبان الثورة الزراعية في العمر الحجري الجديد.
ولكن هذا النوع قد يتكون أيضاًً من عناصر استخدمت في مجتمع تاريخي سابق، تحولت عناصره المكونة له، بسبب تقادمه أو انبساط رقعته، إلى عناصر مهيأة للاستخدام في مجتمع جديد.
وقد تكون الاستعارة في صورة هجرة تنزع هذه العناصر من المجتمع الأم، كالهجرة التي كونت المجتمع الأمريكي الحالي، وهو المجتمع الذي تكون من عناصر قدمها له مجتمع متحضر في حالة توسعه، هو المجتمع الأوربي في القرن السادس عشر، وكالهجرة التي كونت مجتمع الأسكيمو الذي انتزِعت عناصره المكونة له من المجتمعات المغولية الصينية في الشرق الأقصى.
وقد تكون الاستعارة في صورة أخرى عندما تكون الحالة إعادة تركيب أنقاض مجتمع أو مجتمعات اختفت، ومن أمثلة ذلك أن المجتمع الروماني امتص في جيل بنائه كثيراً من المجتمعات التي اختفت، مثل المجتمع الغالي بعد معركة (أليزيا Alesia) والمجتمع القرطاجني Carthaginoise بعد معركة (زاما)، والمجتمع المصري بعد انتصار القيصر على (يومي) .. الخ.
стр. 9
بيد أنه مهما تكن طريقة البناء فإن ظهور مجتمع تاريخي ليس حدثاً عرضياً، بل هو نتيجة عملية تغيير مطرَدة يشترك فيها المجتمع الذي يستعير، والآخر الذي يقدم العارية، هذه العملية تتم طبقاً لتخطيط نظري عام يشتمل بالضرورة على الجوانب الآتية:
أولاً: المصدر التاريخي لعملية التغيير المطردة.
ثانياً: المواد التي تمر بتأثير هذا التغيير من حالتها قبل الاجتماعية، مروراً يمكن معه أن تحوزها اليد المغيرة إلى حالتها الاجتماعية الجديدة.
ثالثاً: القواعد العامة أو القوانين التي تتحكم في هذا التغيير.
فمن الزاوية الأولى نجد أن النموذج التاريخي من المجتمعات يتعرض أيضاً للتنوع الناشئ عن الظرف التاريخي الذي يتيح له ميلاده. وهناك من هذه الزاوية نوعان من المجتمع:
أ - المجتمع التاريخي الذي يولد، فيكون ميلاده إجابة عن اختيار مفروض، تفرضه الظروف الطبيعية الخاصة بالوسط الذي يولد فيه، سواء تعرض هذا الوسط لتنوع مفاجئ، أم أن العناصر المكونة له قد واجهت فجأة ظروف وسط طبيعي جديد:
ـ[وهذا هو النموذج الجغرافي]ـ.
ب - المجتمع التاريخي الذي يرى النور تلبية لنداء فكرة:
ـ[وهذا هو النموذج الفكري (الإيديولوجي)]ـ.
وينتمي المجتمع الأمريكي إلى النوع الأول، إذ هو ثمرة هجرة أوربية، اضطرت إلى أن تتكيف مع الظروف الطبيعية في القارة الجديدة. ولقد عرضت على الشاشة قصة الاختبار الذي منح هذا المجتمع ميلاده، في صورة أفلام تناولت
стр. 10
موضوعاتها حياة الناس في أقصى الغرب الأمريكي ( Far-West)، وفي شخص البطل (بوفالوبيل). تلك الأفلام التي غذت خيال الجيل السابق في أوربا، وألهمته أن يختار ملابس رعاة البقر، زياً رسمياً لحركات الكشافة.
أما النموذج الثاني فإليه ينتمي المجتمع الإسلامي، كما ينتمي إليه المجتمع الأوربي الأصلي، وهو الذي يعد بصورة عامة ثمرة للفكرة المسيحية.
ويمكن أن نعد المجتمع السوفييتي اليوم والمجتمع الصيني من هذا النوع.
وفضلاً عن هذا التنوع ذي الطابع التارخي المتصل بمنشأ المجتمع، فإن من الواجب أن نلاحظ أيضاً وجود تنوع ذي طابع تشكيلي يتصل ببناء المجتمع. وينبغي من هذه الوجهة أن نميز المجتمات التي يقوم بناؤها على طوابق كثيرة، عن المجتمعات ذات الحجر الواحد أو الطابق الواحد.
والمجتمع الإسلامي الذي يعد خاصة موضوع دراستنا، هو من النموذج ذي الحجر الواحد، أعني أن بناءه قد اتخذ صورة واحده تتفق كثيراً أو قليلاً مع الحديث المشهور:
«الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا».
وهو الحديث الذي يعطي الصورة الدقيقة التي كان عليها المجتمع الإسلامي في عهد النبي ﷺ .
وهذا التحديد الذي نضعه للمجتمع الإسلامي، لا علاقة له بالحركة المذهبية التي قسمته خلال التاريخ إلى مدارس أو طوائف. فهو تحديد مجتمع ديمقراطي يحتفظ في اتجاهاته، إن لم يكن في مؤسساته، بجوهر الديمقراطية، أعني أنه كان مجتعاً بلا طبقاًت.
والتجربة الراهنة في الجمهورية العربية المتحدة هي في الواقع محاولة لإعادة التعبير عن هذا الجوهر في صورة حديثة.
стр. 11
أما المجتمع البرهمي، فهو على العكس من ذلك، نموذج للمجتمع المبني على طوابق، المجتمع المنقسم إلى طوائف متراكبة، حتى في داخل البناء الاجتماعي في الهند الحديثة، على الرغم من جهود غاندي.
والمجتمع الأوربي في القرن التاسع عشر، يقدم لنا مثالاً آخر للتراكب الاجتماعي بين الطبقاًت المختلفة التي كان يتألف منها.
فهذه إذن طائفة من الأمثلة على التنوع التاريخي أو التشكيلي في المجتمع الذي ندرسه. بيد أن في هذه الأمثلة جميعاً عدداً من الخصائص المشتركة. فالمجتمع - أيا كان نموذجه التاريخي أو التشكيلي- ليس مجرد جمع لعناصر، أو أشخاص، تدعوهم غريزة الجماعة إلى أن يتكتلوا في إطار اجتماعي معين.
هذه الغريزة وسيلة لإنشاء المجتمع، وليست سبباً في إنشائه، إذ يضم المجتمع ما هو أكثر من مجرد مجموعة من الأفراد الذين يؤلفون صورته، يضم عدداً من الثوابت التي يدين لها بدوامه، وبتحديد شخصيته في صورة مستقلة تقريباً عن أفراده.
ويمكن أن نفصل الأمر بطريقتين:
أ - فقد يحدث في بعض الظروف التاريخية أن يفقد مجتمع ما شخصيته ويمحى من التاريخ، ومع ذلك فإن عدد أفراده قد لا يتغير في هذه الحالة، بل يحتفظ كل فرد بغريزة العيش في جماعة، وهي الغريزة التي تحدد معالم الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً، وإنما أصبح الأفراد مجرد أنقاض لمجتمع بائد، أنقاض مهيأة لأن تدخل في بناء جسد اجتماعي جديد.
ففي أعقاب معركة (أليزيا Alésia) اختفى المجتمع الغالي، ولكن الغال أفرادا لم يختفوا، بل تحولوا إلى مواد مهيأة للدخول في بناء جسد اجتماعي آخر، هو المجتمع الروماني.
стр. 12
ب - فإذا حدث أن اختفى الأفراد الذين يكونون مجتمعاً ما في نهاية جيل معين، فإن المجتمع يبقى، ويحتفظ بشخصية لا يمسها شيء، كما يحتفظ بدوره في التاريخ.
بل إنه يفرض على القادمين الجدد أنفسهم- حتى ولو كانوا أجانب- عبقريته وتقاليده وعاداته، وقد رأينا ذلك عندما ابتلع المجتمع الصيني قبائل المانشو والمغول، حين غزوا مملكة الصين.
فالمجتمع يحمل إذن في داخله الصفات الذاتية التي تضمن اسمراره، وتحفظ شخصيته ودوره عبر التاريخ.
وهذا العنصر الثابت هو المضمون الجوهري للكيان الاجتماعي، إذ هو الذي يحدد عمر المجتمع، واستقراره عبر الزمن، ويتيح له أن يواجه ظروف تاريخه جميعاً.
وهو الذي يتجسد في نهاية الأمر في شبكة العلاقات الاجتماعية، التي تربط أفراد المجتمع فيما بينهم، وتوجه ألوان نشاطم المختلفة في اتجاه وظيفة عامة، هي رسالة المجتمع الخاصة به.
فتكوُّن هذه الشبكة، ولو في مرحلة ابتدائية، هو الذي يعبر عن حدث (ميلاد مجتمع) في التاريخ.
***
стр. 13
النوع والمجتمع
حاولنا فيما سبق أن نحدد معنى المصطلح (مجتمع)، على الأقل من الوجهة التاريخية، التي تشمل أصول الكيان الاجتماعي ومن الوجهة التشكيلية التي تتصل ببنائه.
ونريد هنا أن نحدد الأمر من الوجهة الوظيفية، ولعل من نافلة القول أن نذكر أن مصطلح (مجتمع) في معناه البسيط- المعنى الأدبي الذي يعطيه القاموس- يعني: تجمع أفراد ذوي عادات متحدة، يعيشون في ظل قوانين واحدة، ولهم فيما بينهم مصالح مشتركة.
وهذا تحديد خارجي وصفي، لا يعطى أدنى تفسير (للوظيفة) التاريخية التي تناط بتجمع من هذا القبيل، كما أنه لا يفسر تنظيمه الداخلي، الذي قد يكون كفئاً لأداء مثل هذه الوظيفة.
فمن الضروري إذن أن نزيد في تحديد نطاق موضوعنا.
ولذا ينبغي أن نستبدل بالتحديد الوصفي المقدم في الفصل السابق تحديداً جدلياً، وبعبارة أخرى: ينبغي أن نحدد (المجتمع) في نطاق (الزمن).
فتجمعات الأفراد الذين لا يعدل الزمن من علاقاتهم الداخلية، ولا تتغير أشكال نشاطهم خلال المدة، لا تعد من التجمعات الخاصة التي نقصدها بمصطلح (مجتمع).
والجماعات الإنسانية المقصودة منذ (ليفي بريل)، بعبارة (المجتمعات
стр. 14
البدائية) التي لا تتغير صورة حياتها، كما لا تتغير مستعمرات النمل خلال آلاف السنين، هذه الجماعات خارجة عن نطاق التحديد.
فحياة هذه الجماعات الإنسانية تصور لنا حتى الآن مرحلة، مرت بها الإنسانية في عصور ما قبل التاريخ.
وفي هذه المرحلة تتحجر الصفات الاجتماعية، ويندر تنوعها من عصر لآخر: ولو أخذنا قطاعين من حياتها الاجتماعية يفصل بينهما آلاف السنين لوجدناهما متطابقين، على ما لاحظه المختصون في (علم الأجناس)، الذين يدرسون اليوم الحياة الإنسانية في بعض أقطار إفريقية الاستوائية.
وبما أن كل تغيير يطرؤ على الخصائص التشكيلية، أو يحدث في التوجيه الثقافي لجماعة إنسانية معينة، هو نتيجة مباشرة لوظيفتها التاريخية فإن كل جماعة لا تتطور، ولا يعتريها تغيير في حدود الزمن، تخرح بذلك من التحديد الجدلي لكلمة (مجتمع).
وفضلاً عن ذلك فإن الجماعات التي ما زالت في هذه المرحلة الأولى من التطور، تتجه بدورها إلى الاندماج في (المجتمع العالمي)، الذي يتكون في هذه الأيام بفعل العوامل الفنية، تلك التي تدخل في ثقافة القرن العشرين مفهوم (العالمية).
وأياً كان الأمر (فالمجتمع) هو الجماعة الإنسانية، التي تتطور ابتداء من نقطة يمكن أن نطلق عليها مصطلح (ميلاد).
ولكن حين نتحدث عن (ميلاد) معين، فإنا نعرفه ضمناً بوصفه (حدثاً) يسجل ظهور شكل من أشكال الحياة المشتركة، كما يسجل نقطة انطلاق لحركة التغيير التي تتعرض لها الحياة.
ويظهر هذا الشكل في صورة نظام جديد للعلامات بين أفراد جماعة معينة.
стр. 15
ومع ذلك فإن هذه الصورة الجديدة للحياة المشتركة قد تبدأ بفرد واحد، يمثل في هذه الحالة نواة المجتمع الوليد، وذلك بلا شك هو المعنى المقصود من كلمة (أمة)، عندما يطلقها القرآن الكريم على إبراهيم ﵇ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النمل: ١٦/ ١٢٠] ففي هذه الحالة نجد أن المجتمع (الأمة) يتلخص في (إنسان واحد)، أي أنه يتلخص في مجرد احتمال حدوث تغيير في المستقبل، ما زال في حيز القوة، تحمله فكرة يمثلها هذا (الإنسان).
فلكي نعطي لموضوعنا تعريفاً منطقياً، ينبغي ان نربطه بمعامل الزمن، ربطاً نحدد معه لهذا العامل دلالته النفسية والاجتماعية. ومن هذا الوجه يصبح المجتمع هو: الجماعة التي تغير دائماً خصائصها الاجتماعية بإنتاج وسائل التغيير، مع علمها بالهدق الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير.
ومن الحقائق المقررة في علم الكيمياء منذ درس العلماء المركبات المتشابهة الجوهر Isomères، أن الأجسام قد تتماثل في التركيب الكيميائي دون أن تتشابه خصائصها. واستنبط العلماء من هذا أن مجموعة الذرات ليست مجرد كلية من المادة، بل هي تنظيم هذه المادة طبقاً لنظام معين؛ فاختلاف الخصائص في الكيمياء إنما يرجع في الحقيقة إلى اختلاف التنظيم الداخلي، أو بتعبير أوضح اختلاف الهندسة الداخلية.
والأمر كذلك بالنسبة للمجتمع، فهو ليس مجرد مجموعة من الأفراد، بل هو تنظيم معين ذو طابع إنساني يتم طبقاً لنظام معين.
وهذا النظام في خطوطه العريضة يقوم بناء على ما تقدم على عناصر ثلاثة:
" ١ " حركة يتسم بها المجموع الإنساني.
" ٢ " وإنتاح لأسباب هذه الحركة.
" ٣ " وتحديد لاتجاهها.
стр. 16
فهذه هي العوامل الثلاثة التي يدين لها مجموع إنساني معين، بخصائصه الاجتماعية التي تحيله (مجمتعاً) بالمعنى المنطقي للكلمة.
والواقع أن فكرة الحركة، تلك التي تتطابق مع مفهوم التغير والتطور، تعد عنصراً جوهرياً في التعريف في علم الاجتماع.
وهذه الفكرة نفسها قد ساعدتنا في دراسة أخرى، على التفرقة بين فكرة (رأس المال) وفكرة (الثروة)، إذ كان المصطلح الأول يعني المال المتحرك، وكان الثاني يعني المال الساكن.
وفكرة الحركة ستساعدنا هنا على التفرقة بين (المجتمع)، وبين سائر أشكال الجماعات الإنسانية، التي لا تتصف بما سبق أن أشرنا إليه من خصائص اجتماعية.
ومع ذلك فإن الحركة في علم الاجتماع تستتبع فكرة ذات قيمتين: فإن تطور الجماعة يؤدي بها إما إلى شكل راق من أشكال الحياة الاجتماعية، وإما أن يسوقها عل عكس ذلك إلى وضع متخلف.
وعلى أية حال فإن أمام كل مجتمع غاية، فهو يندفع في تقدمه إما إلى الحضارة، وإما إلى الانهيار.
وفي مقابل ذلك نجد أنه حينما تنعدم الحركة، فإن الجماعة الإنسانية تفقد تاريخها: إذ تصبح .. ولا غاية لها.
فهذا هو في نهاية الأمر المقياس الأساسي الذي يساعدنا على أن نواجه مشكلة ميلاد مجتمع معين: تكسب الجماعة الإنسانية صفة (المجتمع) عندما تشرع في الحركة، أي عندما تبدأ في تغيير نفسها من أجل الوصول إلى غايتها. وهذا يتفق من الوجهة التاريخية مع لحظة انبثاق حضارة معينة.
أما الجماعات الساكنة فإن لها حياة اجتماعية دون غاية، فهي تعيش في مرحلة ما قبل الحضارة.
стр. 17
وخلاصة القول: إن الطبيعة توجد النوع، ولكن التاريخ يصنع المجتمع. وهدف الطبيعة هو مجرد المحافظة على البقاء، بينما غاية التاريخ أن يسير بركب التقدم نحو شكل من أشكال الحياة الراقية، هو ما نطلق عليه اسم الحضارة.
***
стр. 18
الآراء المختلفة في تفسير
الحركة التاريخية
هذه الاعتبارات التي أشرنا إليها في الفصل السابق تربط فكرة (المجتمع) بوضع متحرك ذي عناصر ثلاثة:
(أ) حركة مستمرة.
(ب) إنتاج دائم لأسبابها.
(جـ) غايتها.
لكن هذا التخطيط يحبسنا داخل الحلقة المفرغة، حلقة البيضة والدجاجة عندما نريد أن نلهو بتحديد أي منهما كان سبباً في وجود الآخر.
فإذا ما ذهبنا إلى أن ((الحركة هي التي تؤدي إلى أسبابها))، وجدنا انفسنا أمام تعارض ظاهر، فإن تخطيطنا الحركي يعطينا صورة عن المجتمع في حركته، ولكنه لا يفسر الشروط الأولية لهذه الحركه.
وأي وسط (إنساني) ينطوي في الحقيقة على نصيب من الخمود، شأنه في ذلك شأن أي وسط من المادة، ونحن ندل على هذا الخمود في جانب الأفراد بصيغ مختلفة: فنتحدث أحياناً عن الكسل وعن نقص الطاقة، وعن نقص الإرادة .. الخ .. كما أننا ندل عليه في الجانب الجماعي حين نتحدث عن الركود أو الكساد والتخلف .. الخ.
ومعنى هذا أن كل وسط إنساني مندمج في حركته، منتج لأسباب هذه الحركة، ينطوي على عامل أساسي يقهر الخمود الفطري- طبقاً لمبدأ الميكانيكا الكلاسيكي- حين يحيل عناصر الخمود في وسط معين إلى قيم حركية.
стр. 19
لقد فسر كثيرون هذه الظاهرة بصور مختلفة.
فـ (هيجل) يرجع الأسباب التي تحكم كل حركة تاريخية، أعني كل تغيير اجتماعي إلى مبدأ التعارض الذي يتكون من قضية ونقيضها.
فحينما تنشأ الحركة طبقاً لهذه الأسباب المتعارضة، فإن غايتها تتمثل أمامه في صورة اندماج وتركيب محتوم!
فهذه هي الأحوال الثلاث التي تسيطر على كل حركة تاريخية في رأي هيجل، وبالتالي يتلخص فيها كل تغيير اجتماعي.
فالحالة التي توجد فيها جماعة إنسانية في لحظة معينة من تاريخها هي- في رأيه- قضية.
ولكن قد تظهر خلال هذه الحركات أسباب، ذات طابع اقتصادي أو أخلاقي أو مناخي تهدف إلى تعديل اتجاهها. فبتأثير الأفعال وردود الأفعال المتبادلة يصبح الوسط مجالاً لنزعات السكون المتصلة بخموده الفطري، ونزعات الحركة التي تنشئ حالة مناقضة في طريقها إلى الظهور يتكون عنها نقيض القضية.
وفكرة التعارض هذه هي التي تكون في نظر هيجل القوة المحركة التي تخلق الحركة التاريخية، التي من شأنها أن تخلق أسبابها.
والاندماج أو التركيب هو الغاية المنشودة من هذا الكيان كله، ذلك الكيان الذي يجدد دورته تعارض جديد يزلزل التعادل القائم المستقر.
ويعد تفسير فكرة التعارض هذه هو الميدان الذي اختلفت فيه المذاهب الفكرية الحديثة.
فالفكرة الماركسية ترى أن الأسباب المتعارضة التي تؤدي إلى حدوث
стр. 20
التغييرات الاجتماعية ذات طابع اقتصادي: فميلاد المجتمع وشكل الحضارة الذي يتخذه ناشئان عن التعارض الاقتصادي.
ومع ذلك فلو أننا طبقنا على هذه الفكرة مقياسها الاقتصادي الخاص، فستبرز أمام أعيننا حدود امتدادها على الخريطة الاقتصادية للعالم. فإن تأملنا امتداد الفكرة الماركسية باعتبارها ظاهرة اقتصادية، يدلنا على أنها ترسم منطقة اقتصادية، يقع متوسط دخل الفرد السنوي فيها تقريباً بين مئتي دولار وسبع مئة دولار، وهو المستوى الذي وصلت إليه اليابان من ناحية، وإنجلترا من ناحية أخرى.
وبذلك نستطيع أن نقرر- إلى أن يثبت العكس- أن انتشار الفكرة الشيوعية، محدود داخل هذه الحدود الاقتصادية المطابقة لحدود جغرافية معينة، وأن التفكير الماركسي لم يجد وراء هذه الحدود المزدوجة ظروف تأقلمه، فهو بهذه الصورة لا يستطيع أن يقدم لنا تفسيراً معقولاً للمجالات التي لم ينتشر فيها على الخريطة.
بيد أن هذه الملاحظة ذاتها تؤدي بنا ضمنا إلى نظرية (جون ارنولد توينبي)، تلك التي تحدد بدقة مشكلة الحدود التي يمكن أن يتم فيها تغيير اجتماعي معين، وهي بذلك تفسر لنا: لماذا كان مجال انتشار الفكرة الماركسية على خريطة العالم الاقتصادية واقعاً داخل حدود معينة؟
لقد اتبع المؤرخ الإنجليزي الكبير منهجاً، ينطبق في جانب منه على تخطيط هيجل، وذلك حين شبه فكرة التعارض بعقبة ذات طابع اقتصادي أو فني عبر عنها بكلمة (التحدي).
وفي رأيه أن التحدي يتوجه إلى ضمير الفرد أو الجماعة، وتكون مواجهته له
стр. 21
بالقدر الذي تكون عليه أمية الاستفزاز وخطورته، فهناك تناسب بين طبيعة الاستفزاز وبين الموقف الذي يتخذه الضمير في مواجهته.
وعلى هذا فلو افترضنا ان التحدي كان ضعيفاً ضعفاً لم يصل إلى مستوى معين، فإن (الإجابة) عليه ستكون هي أيضاً ضعيفة، وبعبارة أخرى، لا ضرورة لهذه (الإجابة)، وبذلك يفقد التحدي معناه بوصفه عاملاً في إحداث التغيير الاجتماعي.
فهناك إذن حد يبدأ منه ما أطلق عليه توينبي (التحدي المناسب) الذي يستلزم نشوء (إجابة) كافية لتحريك أسباب التغيير.
ثم إن فاعملية الإجابة تنمو متناسبة مع قيمة التحدي، حتى يصل إلى حد معين، فإن استمر في نموه فإنه يصبح منعدم التأثير، لأنه ينصب أمام الضمير استحالة ليس في طوقه أن يحلها. فالإجابة في مثل هذه الحال تصبح عديمة الجدوى.
وهكذا يضع توينبي التغيير الاجتماعي بين حدين، لا يتم خارج نطاقهما، وذلك في حالة شبيهة بالتفريط تنشأ من نقص في التحدي، أو شبيهة بالإفراط تنشأ عن زيادته على قدر معين.
وبهذه الطريقة يفسر المؤرخ الانجليزي الكبير أهم المراحل في التاريخ الإنساني، فهو يذهب إلى أن العلة في بقاء بعض الجماعات الإنسانية في حالة راكدة، لا تكون (مجتمعاً) بالمعنى المقصود من هذه الكلمة، لا تخرج عن أحد احمالين: فإما أن التحدي لم يكن كافياً لدفع طاقتها إلى إجابته، وإما أن هذه الجماعات قد عمدت إلى الفرار من طريقه؛ ثم إنه يسوق لنا أمثلة على ذلك حين يحدثنا عن الشعوب التي هاجرت إلى أعالي النيل إبان العصر الحجري الجديد، فلم تستطع أن تحدث تغييراً ذا بال في شرائط حياتها منذ ذلك الحين، لأنها قد عمدت
стр. 22
إلى الفرار من قسوة التحدي، أما إخوانهم الذين كانوا يعيشون في الوادي المنخفض فقد آثروا مواجهة التحدي، الذي واجهتهم به الطبيعة والمناخ فغيروا بذلك شرائط حياتهم تغييراً تاماً، ونجحوا في إقامة أول مجتمع متحضر شهده التاريخ.
كذلك يورد المؤرخ الإنجليزي حالة الأسكيمو، الذين يعدون اليوم نموذجاً للجماعة الإنسانية التي لا تغير شرائط وجودها، لأن تحدي الطبيعة لها- وقد أربى على إمكانياتها وقواها- جمدها في شكل من أشكال الحياة الساكنة.
وبهذه الأمثلة يرينا توينبي كيف أن نقص التحدي أو زيادته وعنفه يؤثران بصورة واحدة على قوى التاريخ الإنساني.
ونحن يمكننا إلى حد ما أن نصوغ هذا الرأي الذي ذهب إليه المؤرخ صياغة جديدة في ضوء القرآن الكريم، لقد نستطيع- ما دمنا لم نصل بهذه الطريقة إلى تفسير واضح لمنشأ الحركة التي ولدت المجتمع الإسلامي وغايته التاريخية- أن نفسّر هذه الحركة بالعوامل النفسية التي حفزت القوة الروحية في هذا المجتمع، أعني شروط حركته عبر القرون.
والواقع أن القرآن قد وضع الضمير المسلم بين حدين هما: الوعد والوعيد، ومعنى ذلك أنه قد وضعه في أنسب الظروف التي يتسنى له فيها أن يجيب على تحدٍّ روحي في أساسه.
فالوعيد هو الحد الأدنى الذي لا يوجد دونه جهد مؤثر، والوعد هو الحد الأعلى الذي يصبح الجهد من ورائه مستحيلاً، وذلك حين تطغى قساوة التحدي على القوة الروحية التي منحها الإنسان.
وبذلك نجد أن الضمير المسلم قد وضع بين حدي العمل المؤثر، وهما الحدان اللذان ينطبقاًن على مفهوم الآيتين الكريمتين:
стр. 23
(أ) ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧/ ٩٩].
(ب) ﴿إنه لا ييئس إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ١٢/ ٨٧].
وبين هذين الحدين تقف القوة الروحية متناسبة مع الجهد الفعال، الذي يبذله مجتمع يعمل طبقاً لأوامر رسالة، أعني طبقاً لغايته.
في هذه الحالة الروحية صبر بلال ﵁ على ما كان يلقاه من عذاب ومحن، فوجدناه وهو في قمة المحنة يرفع إصبعه وهو يكرر إجابته على تحدي قريش: ((أحد ... أحد .. ))، ولم تستطع قوة في الأرض، وما كان لها أن تستطيع أن تخفض إصبعه، إذ أن روحه، في اللحظة التي كانوا يصبون فيها العذاب على بدنه كانت منغمرة في فيض نوراني لا يوصف، هو (وعد) الحق.
وقصة المرأة التي طلبت من الرسول ﷺ إقامة حد الزنا عليها تبرز لنا قيمة الوعيد في توجيه الطاقات النفسية في حالة معينة.
وربما أفدنا من هذه القصة ومن سابقتها، كيف تكون الحركة التاريخية التي تقع بين حدي- الوعد والوعيد- هادفة إلى ما هو أعلى، محلقة فوق ما هو أدنى.
فالقوة الروحية التي تتطابق مع العمل المثمر الفعال تقع إذن بين حالين من أحوال النفس، لا يوجد وراءها إلا الخمول والرخاوة في جانب، واليأس والعجز في جانب آخر.
وإن القرآن الكريم ليعرض لنا صورة أخاذة لهذين الحدين اللذين يضمان العمل المثمر في قوله تعالى:
﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١١/ ٩ و١٠].
стр. 24
التاريخ والعلاقات الاجتماعية
وهكذا تحتمل فكرة (الحركة التاريخية) تفسيرات عدة، فمؤرخ كتوينبي يقدم في تفسيرها تأثير الوسط الطبيعي، وعالم الاجتماع يستطيع إذا هو اعتمد على تعاليم المدرسة الماركسية أن يغلب تأثير العامل الاقتصادي.
ولكنا نجد في التحليل الأخير أن آلية الحركة التاريخية إنما ترجع في حقيقتها إلى مجموع من العوامل النفسية الذي يعد ناتجاً عن بعض القوى الروحية، وهذه القوى الروحية هي التي تجعل من النفس المحرك الجوهري للتاريخ الإنساني.
وهكذا وجدنا في مستهل القرن التاسع عشر أحد كبار المؤرخين (جيزو)، يحلل الحركات التاريخية في أوربا، فيرد المشكلة إلى حدود علم الاجتماع وعلم النفس معاً. فالمؤرخ الفرنسي الكبير يرى أن التاريخ بصفته (علم ما وقع فعلاً) يمكن أن يتناول موضوعه بطريقتين: فإما أن يجد مجال دراسته في الفرد نفسه، في كل ما يؤثر في حياته، وينير من صفات إنسانيته، وإما أن يجده في الوسط الذي يحيط بهذا الفرد، أعني في كل ما يؤثر في حياة المجتمع، ويغير من صفاته، والتاريخ على أية حال ليس سوى هذا التغيير الذي تتعرض له (الذات)، والمجال الذي يحوطها على سواء.
أي إنه على ما ذهب إليه علم الاجتماع: (النشاط المشترك) المستمر الذي تقوم به الكائنات والأفكار والأشياء، مطبوعاً على صفحة الزمان.
стр. 25
وإذا أردنا تعبيراً أدق فإنا نقول: إن صناعة التاريخ تتم تبعاً لتأثير طوائف اجتماعية ثلاث:
أ - تأثير (عالم الأشخاص)
ب - تأثير (عالم الأفكار)
جـ - تأثير (عالم الأشياء)
لكن هذه العوالم الثلاثة لا تعمل متفرقة، بل تتوافق في عمل مشترك تأتي صورته طبقاً لنماذج إيديولوجية من (عالم الأفكار)، يتم تنفيذها بوسائل من (عالم الأشياء)، من أجل غاية يحددها (عالم الأشخاص).
فالعمل التاريخي بالضرورة من صنع الأشخاص والأفكار والأشياء جميعاً، ومعنى هذا أنه لا يمكن أن يتم عمل تاريخي إذا لم تتوافر صلات ضرورية داخل هذه العوالم الثلاثة لتربط أجزاءها في نطاقها الخاص وبين هذه العوالم، لتشكل كيانها العام، من أجل عمل مشترك.
وكما أن وحدة هذا العمل التاريخي ضرورة، فإن توافق هذه الوحدة مع الغاية منها- وهي التي تتجسم في صورة (حضارة) - يعد ضرورة أيضاً. وهذا الشرط يستلزم كنتيجة منطقية وجود (عالم) رابع، هو مجموع العلاقات الاجتماعية الضرورية أو ما نطلق عليه (شبكة العلاقات الاجتماعية).
ولقد أشرنا فيما مضى إلى أن المجتمع ليس مجرد كمية من الأفراد، وإنما هو اشتراك هؤلاء الأفراد في اتجاه واحد، من أجل القيام بوظيفة معينة ذات غاية، ونضيف الآن أن (عمل) المجتمع ليس مجرد اتفاق (عفوي) بين الأشخاص والأفكار والأشياء، بل هو تركيب هذه العوالم الاجتماعية الثلاثة، التركيب الذي يحقق معه ناتجُ هذا التركيب في اتجاهه وفي مداه (تغييرَ) وجوه الحياة، أو بمعنى أصح: تطور هذا المجتمع.
стр. 26
أصل العلاقات الاجتماعية
ومع ذلك فإن شبكة العلاقات الضرورية لأداء العمل الاجتماعي المشترك ليست نتيجة أولية تستحدثها العوالم التي يتكون منها مجتمع معين، بل هي نتيجة لظروف والشروط التي تحدث الحركة التاريخية نفسها.
ولقد رأينا أن هذه الحركة يمكن تفسيرها على أنها ثمرة لتعارض معين طبقاً لمنهج (هيجل)، أو على أنها إجابة على تحدٍّ معين على ما ذهب إليه (توينبي).
والمعلوم أن أول عمل يؤديه مجمتع معين في طريق تغيير نفسه مشروط باكتمال هذه الشبكة من العلاقات. وعلى هذا نستطيع أن نقرر أن شبكة العلاقات هي العمل التاريخي الأول الذي يقوم به المجتمع ساعة ميلاد .. ومن أجل ذلك كان أول عمل قام به المجتمع الإسلامي هو الميثاق الذي يربط بين الأنصار والمهاجرين. وكانت الهجرة نقطة البداية في التاريخ الإسلامي، لا لأنها تتفق مع عمل شخصي قام به النبي ﷺ ، ولكن لأنها تتفق مع أول عمل قام به المجتمع الإسلامي، أي مع تكوين شبكة علاقاته الاجتماعية، حتى قبل أن تتكون تكوناً واضحاً عوالمه الاجتماعية الثلاثة.
فإن التاريخ إنما يبدأ في الواقع قبل أن تتكون هذه العوالم، وذلك واضح في حالة المجتمع الإسلامي ساعة ميلاده. كما أنه قد ينتهي- أحياناً- بينما المجتمع غني بما فيه من (أشخاص) و (أفكار) و (أشياء). كما قد حدث أيضاً للمجتمع الإسلامي إبان أفوله، أي عندما نجم في تطوره مركب القابلية للاستعمار. لقد كان المجتمع الإسلامي آنذاك غنياً، ولكن شبكة علاقاته الاجتماعية قد تمزقت.
стр. 27
وهو ما ألمح إليه النبي ﷺ دون شك- للتربية لا لمجرد الخبر- في قوله: «يوشك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا، بل أنتم كثير، ولكنم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قيل: وما الوهن يا رسول الله .. ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت». لقد كان هذا الحديث ضرباً من التنبؤ والاستحضار: استحضار صورة العالم الإسلامي بعد أن تتمزق شبكة علاقاته الاجتماعية، أي عندما لا يعود مجتمعاً، بل مجرد تجمعات لا هدف لها كغثاء السيل.
ولا ريب أن جيلنا الحاضر يدرك هذا الحديث أكثر مما كان يدركه أصحاب النبي، لأنه يصف في مضمونه العالم المستعمر والقابل للاستعمار، الأمر الذي تعرضنا فيه لتجربة شخصية.
ومهما يكن من شيء، فإن أحداً من الناس لا يستطيع أن يدعي أن هذه العلاقات مجرد أثر ناتج عن إضافة أشخاص وأفكار وأشياء إلى المجتمع. فالواقع أننا حين نتحدث عن عالم من هذه العوالم الثلاثة، فإنما نقصد إلى الحديث عن المجتمع في مرحلة من مراحل تغييره، أي في مرحلة يعد كل عالم منها- في ذاته- ثمرة هذا التغيير.
(فالشخص) في ذاته ليس مجرد فرد يكون النوع، وإنما هو الكائن المعقد الذي ينتج حضارة. وهذا الكائن هو في ذاته نتاج الحضارة، إذ هو يدين لها بكل ما يملك من أفكار وأشياء.
وبعبارة أخرى كل من العوالم الاجتماعية الثلاثة يتفق مع الصيغة التحليلية التالية:
ناتج حضارة = إنسان + تراب + وقت
стр. 28
هذه العلاقة العضوية التاريخية الأساسية تتجلى في كل عنصر من عناصر المجتمع الثلاثة لتؤكد وحدة تأثيره منفرداً، كما تتجلى في علاقاته بالعنصرين الآخرين لتؤكد وحدة تأثيرها مجتمعة. وهي تتجلى خاصة في الإطار الشخصي للفرد، حين تقدم له بصورة ما جوهر نظام علاقاته الاجتماعية؛ وخلاصة القول إن أصل شبكة العلاقات الاجتماعية- الذي يتيح لمجتمع معين أن يؤدي عمله المشترك في التاريخ- إنما يكمن في تَخلُّقِ تركيبه العضوي التاريخي. وعلى هذا فإن تاريخ هذا التركيب هو الذي يفسر أصله، كما يحدد في الوقت نفسه طبيعة العلاقات الاجتماعية لحظة نشوئها.
***
стр. 29
طبيعة العلاقات
لو أننا وجدنا في مكان معين وفي زمن معين، نشاطاً متآلفاً من الناس والأفكار والأشياء دلنا ذلك على أن الحضارة قد بدأت في هذا المجال، وأن تركيبها قد تم فعلاً (في عالم الأشخاص).
إن العمل الأول في طريق التغيير الاجتماعي هو العمل الذي يغير الفرد من كونه (فرداً) (( Individu)) إلى أن يصبح (شخصاً) (( Personne)) وذلك بتغيير صفاته البدائية التي تربطه بالنوع إلى نزعات اجتماعية تربطه بالمجتمع.
هذه العلاقات الخاصة بعالم (الأشخاص) هي التي تقدم الروابط الضرورية بين الأفكار والأشياء، في نطاق النشاط المشترك الذي يقوم به مجتمع ما.
واجتماع الأشخاص في أي ظرف وفي أي مكان، هو التعبير المرئي عن هذه العلاقات في مجال معين من مجالات النشاط الاجتماعي.
وجميع صور هذا الاجتماع- سواء كانت في هيئة تظاهرة أم مدرسة، أم جيش أم مصنع أم نقابة أم سينما .. هي تعبير عن شبكة هذه العلاقات في صور مختلفة.
فالاجتماع الذي يتمثل فيه أول عمل يؤديه مجتمع إبان ميلاده يترجم ترجمة صادقة وقوية عن شبكة علاقاته.
وأصدق ما يدل على ذلك في المجتمع الإسلامي اجتماع المسلمين في المسجد، في صلاة الجمعة مثلاً، فهذا الاجتماع يحمل في مضونه أكبر المعاني التي تذكره بميلاده: فهو رمزه وتذكاره.
стр. 30
هذه القيمة الرمزية والتذكارية لاجتماع الأشخاص موجودة في جميع المجتمعات ذات النموذج العقيدي، وهي متمثلة في المجتمع المسيحي في اجتماعات الأحد، التي تذكر بعهد المغارات الرومانية الأولى. كما أنها موجودة في المجتمع السوفييتي، حيث يتذكر الناس بمشيتهم العسكرية، وأناشيدهم الوطنية، كل عام في الميدان الأحمر، الاجتماعات العمالية الأولى، قبل السابع عشر من تشرين الأول (أكتوبر) ١٩١٧.
بيد أن جميع العلاقات السائدة بين الناس تعد علاقات ثقافية، أعني أنها خاضعة لأصول ثقافة معينة، على ما ذهبنا إليه في دراسة سابقة، حيث قلنا: إن الثقافة هي المحيط الذي يصوغ كيان الفرد، كما أنها مجموع من القواعد الأخلاقية والجمالية .. إلخ.
فإذا تناولنا مثلاً لوناً من الألوان باعتباره يعطي صبغة معينة في محيط ما، فإنه يعد من هذه الناحية علاقة جمالية.
ومن الأمثلة على ذلك أننا نختار لون ملابسنا كيما ((يروق منظرنا في أعين الآخرين))، أو على الأقل، حتى لا ينفروا منا؛ وبهذا يظهر لنا أن الحديث عما يسمى (اللون المحلي) ليس عديم الجدوى: إذ هو اللون الذي يطبع (المحيط) في وسط معين.
ولو أننا التقطنا صورة جمهور من الناس تعداده مئة ألف مثلاً، فستظهر الصورة لوناً غالباً يشيع خاصة في جو المكان الذي أخذت فيه. فلو كانت الصورة لأحد الأماكن- أينما كان على طول المحور من واشنطن إلى موسكو، فتبدو لعين الناظر قاتمة، لأن السواد هو اللون الخاص بذلك المحيط الثقافي. أما إذا كانت لأحد الأماكن على طول المحور من طنجة إلى جاكرتا- فإنها ولا شك ستكون شاحبة- لأن البياض هو اللون الخاص بذلك المحيط الجديد. وكل ما فعلته الصورة في كلتا الحالين هو أنها أظهرت العلاقة الجمالية الخاصة في وسط معين.
стр. 31
وهناك أيضاً العلاقة الاقتصادية، وهي التي تتجلى في وسط تم فيه تقسيم العمل، نتيجة لاكتمال التركيب العضوي التاريخي لعناصر: الإنسان والتراب والوقت.
وبذلك نستطيع أن نقرر عامة أن كل ما يكون صلة من أي نوع في نطاق العوالم الثلاثة: عوالم الأشخاص والأفكار والأشياء، أو بينها، هو في الحقيقة علاقة مشروطة بوجود ثقافة، وبالتالى تكون جميع أشكال الاتصال الفكري، كالفن أو اللغة- من باب أولى- علاقة اجتماعية.
وجدير بالملاحظة أن نذكر أن المدرسة الماركسية ترجع الشبكة الاجتماعية بأكملها إلى المخطط الاقتصادي، وهي تجعل العلاقات الاقتصادية في المجتمع، أساساً يقوم عليه نشاطه المشترك.
ولا ريب أنه ينبغي أن تدور مناقشة النظرية الماركسية في هذه النقطة، في الاتجاه الذي سلكناه في كتابنا (مشكلة الثقافة) (١).
والواقع أن هناك نقطة مشتركة بيننا وبين المصطلحات الماركسية. فلقد قررنا فيما يتعلق بمفهوم كلمة (ثقافة) أن النظرية الماركسية ليست مخطئة، ولكنها ناقصة بالنسبة إلينا، لأنها بهذه الصورة لا تسمح لنا أن نحقق بناء نموذج الثقافة الخاصة بنا على هذا التعريف.
وليس لدينا- على هذا- فيما يتعلق بالتعريف الماركسي أية مقدرة على التفسير، إلا في حدود تعبير النظرية نفسه، التي تظل بالنسبة إلينا، وفي حدود هذا التعبير، غير مفهومة وغير قابلة للتطبيق، على حين أنها بعكس ذلك تماماً، فهي مفهومة وصالحة للتطبيق بالنسبة للماركسي، على ما تؤكد له تجربته اليومية ذاتها، إذ هو يجد في ذهنه العناصر التي تكمل التعريف، وتمنحه فاعليته عند التطبيق في وسطه.
стр. 32
وتلك مع ذلك حالة خاصة لمشكلة عامة، وهي تترجم عن الفرق بين الفكرة المعروضة، ذات الطابع الشخصي الذي ينسبها إلى واضعها، بوصفها كانت نتاج عقله، وصورة خاصة لرؤيته الأشياء، وبين الفكرة المفروضة، ذات الطابع غير الشخصي، لأنها تنبثق عن اتجاه في الفلسفة خاص بوسط اجتماعي بأكمله، انبثاقاً يمكننا معه تعريفه بأنه صورة الفكر العام في هذا الوسط، أو بحسب تعبير (والترشوبارت Walter Shubart) روحه الموهوبة التي تنتسب إلى الخلود.
هذا الروح الماركسي لا يظهر في براهين الماركسية، وإن كانت هي التي تجعلها مفهومة قابلة للتطيق في المجتمع الماركسي.
فإذا قال ماركسي: إن من الممكن تطوير مجتمع معين بالتأثير في ظروفه الاقتصادية، كانت هذه العبارة كاملة في عقله، صادقة في تجربته اليومية.
أما بالنسبة لنا فهي عبارة جوفاء، لا تثبت تجربتنا الشخصية أو الاجتماعية منها شيئاً.
وأنا أرى مثلاً تأثير عامل اقتصادي قوي كالبترول، على تطور بعض البلاد العربية، منذ ربع قرن، وأراني مضطراً في ضوء هذه التجربة وغيرها إلى رفض الفكرة الماركسية: فإن البترول لم يعجز عن رفع المستوى الاجتماعي في هذه البلاد فحسب، بل لقد هبط بهذا المستوى، بما في ذلك القيم الأخلاقية. حتى إنه في بلد يعتمد على البترول كالعربية السعودية، دوى فيه منذ حوالى ثلاثين عاماً نفير الفكرة الوهابية، وهي التي كان جيلنا ينظر إليها على أنها خميرة البعث العربي والنهضة الإسلامية، في مثل هذا البلد لم يكن للبترول- من وجهة نظر التاريخ- سوى نتيجة واحدة هي: أنه أحرق الفكرة الوهابية (١).
стр. 33
اللهم إلا إذا قررنا أن للحركة الرجعية والحركة التقدمية في نظرة الماركسي المعنى نفسه، فنحن مضطرون إلى القول أخيراً: إن المجتمع لا يخضع في تطوره لحكم العوامل الاقتصادية وحدها.
بيد أننا نبادر إلى القول: إن البرهان الماركسي صحيح، مؤكد لفاعليته في واقع الحياة العملية، لأنه مكمل في هذا الواقع بالروح الذي يحرك الأشخاص والأفكار والأشياء، وهي العناصر التي تؤدي (النشاط المشترك) في البلاد الشيوعية وغيرها.
ولا شك أن هذا (الروح) الماركسي هو الذي يخلق بين الأشخاص العلاقات الفردية التي تدفعهم إلى المشاركة في هذا النشاط.
فإذا حدث في لحظة معينة أن زادت فاعملية هذا النشاط المشترك- صانع التاريخ- أو نقصت فإن المؤرخ يستطيع أن يعبر بطرق كثيرة عن هذه الظاهرة الاجتماعية، فمثلاً يمكنه أن يعزوها إلى تغيير في الظروف الاقتصادية، حين ينظر إلى الأمور من وجهة النظر الماركسية.
ويمكن أيضاً أن يعزوها إلى تغيير في الظروف الثقافية عامة، حين ينظر إليها من وجهة نظر مادية دون أن يبالغ في هذه المادية.
فهذان التحديدان مختلفان متقابلان، يعبر كل منهما عن جانب خاص من الظاهرة، وما لا يتضمنان تعبيراً عن التغيير الأساسي في (الروح)، الذي يعد كل تغييرآخر بالنسبة إليه مظهراً جزئياً من مظاهره، وعرضاً من أعراضه.
وهكذا يترجح لدينا أن نعزو الظاهرة المذكورة إلى تغيير في (شبكة العلاقات الاجتماعية). وبهذه الطريقة نتناول التغيير في مجموعه حين نعبر عنه تعبيراً جذرياً فنقول إن: (شبكة العلاقات الاجتماعية) تغيرت، فكانت هذه هي النتيجة الأولى الرئيسية لـ (روح) المجتمع.
стр. 34
وإن الطبيعة لتمدنا في هذا الصدد بمثال رائع، فهي لا تجري التغييرات الحيوية في الكائن الحي، تلك التغييرات التي تحفظ حياته، حين تقدم إليه المنتجات العضوية، في صورة كميات من المادة، إذ الواقع أن هذه المادة لا تتغير طبيعتها خلال العمليات الحيوية، فالإيدروجين يظل كما هو عند تمثيل عناصر الغذاء في خلايا الجسم، والكربون يظل كربوناً.
فليست العناصر إذن- أعني المادة- هي التي تتغير في عملية التمثيل، ولكنها العلاقات الكائنة بين هذه العناصر وحدها.
والحياة الحيوانية والنباتية هي الأخرى خاضعة لهذه العلاقات، فضلاً عن مادة العناصر العضوية ذاتها، وبذلك يمكننا أن نرى في النظام الحيوي (البيولوجي)، أعني في عمل الطبيعة ذي الأهمية البالغة، كيف يجري تغيير الطاقة إلى مادة، بواسطة الكائن الحي، تماماً كما يحدث في نطاق النظام الطبيعي، طبقاً لنظرية (انشتين).
كذلك الأمر في الحياة الاجتماعية: فإن التغييرات التي تتم فيها لا يصح أن تعزى ابتداء إلى (المادة الاجتماعية) أعني: الاقتصاد وكل ما يتصل بالعمل الحسي، وإنما تعزى إلى (العلاقات) التي تحول الشروط السابقة للظاهرة الاقتصادية ذاتها، حين توحد عناصرها في خلق حياة إنسانية منظمة، من أجل الاضطلاع ببعض الوظائف الاجتماعية، في نطاق (العمل المشترك) الذي يصنع التاريخ.
***
стр. 35
الثروة الاجتماعية
لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من (أشياء)، بل بمقدار ما فيه من أفكار.
ولقد يحدث أن تلم بالمجتمع ظروف أليمة، كأن يحدث فيضان أو تقع حرب، فتمحو منه (عالم الأشياء) محواً كاملاً، أو تفقده إلى حين ميزة السيطرة عليه، فإذا حدث في الوقت ذاته أن فقد المجتمع السيطرة على (عالم الأفكار) كان الخراب ماحقاً. أما إذا استطاع أن ينقذ (أفكاره) فإنه يكون قد أنقذ كل شيء، إذ أنه يستطيع أن يعيد بناء (عالم الأشياء).
لقد مرت ألمانيا بتلك الظروف ذاتها، كما تعرضت روسيا لبعضها، إبان الحرب العالمية الأخيرة. ولقد رأت الدولتان- وخاصة ألمانيا- الحرب تدمر (عالم الأشياء) فيهما. حتى أتت على كل شيء تقريباً. ولكنهما سرعان ما أعادتا بناء كل شيء، بفضل رصيدهما من الأفكار.
هذا البناء هو في ذاته نوع من العمل المشترك الذي يقوم به مجتمع معين، ولقد رأينا فيما تقدم أن تمام هذا العمل ضرب من المستحيل، ما لم تكن هناك شبكة العلاقات التي تنظمه، وتجعله سبيلاً إلى غاية معينة. وبذلك نستنتج أن ثروة الأفكار وحدها ليست بكافية، كما دلنا على ذلك تاريخ المجتمع الإسلامي في موقفين.
فعندما بدأ هذا المجتمع دخوله حلبة التاريخ في القرن السابع الميلادي كان (عالم أفكاره) ما زال جنيناً غامضاً، إذا ما قيس بالمجتمعات المتحضرة التي غزاها وهزمها في مصر وفي فارس وفي الشام.
стр. 36
فإذا ما نظرنا إليه وقد أخذ بعد ذلك بستة قرون يترنح في مهاوي التدهور والانحطاط، وجدناه يملك أغنى مكتبات العالم آنذاك .. !! ..
لقد انهار تحت ضربات شعوب حديثة العهد بالوجود، كالإسبانيين الذين كان (عالم أفكارهم) لا يزال فقيراً نسبياً. وبذلك نرى أن المكتبات لا تغني من الهزيمة شيئاً.
ففاعملية (الأفكار) تخضع إذن لشبكة العلاقات، أي إننا لا يمكن أن نتصور عملاً متجانساً من الأشخاص والأفكار والأشياء دون هذه العلاقات الضرورية. وكما كانت شبكة العلاقات أوثق، كان العمل فعالاً مؤثراً.
وعليه، فإذا كانت ثروة مجتمع معين يتوقف تقديرها على كمية أفكاره من ناحية، فإنها مرتبطة بأهمية شبكة علاقاته من ناحية أخرى.
والحد المثالي للتطور الاجتماعي الذي يمكن أن يبلغه مجتمع ما، متوقف على الحالة التي يحقق فيها هذا المجتمع أفضل الظروف النفسية الزمنية لأداء نشاطه المشترك.
وهذا يحدث بوجه عام عندما يكون المجتمع في حالة النشوء: كالمجتمع الإسلامي في العهد المدني، وكالمجتمع المسيحي في مغارات روما، إذ إنه في هذه الحالة يحقق أرفع درجات الاندماج والانسجام، فيكون التوتر الأخلاقي قد بلغ ذروة درجاته.
ويبلغ المجتمع الحد النهائي في تطوره عندما يفقد بالتدريج خاصة الانسجام، فيتفرق أفراده ذرات، ويصبح في نهاية تحلله عاجزاً تماماً عن أداء نشاطه المشترك. أي إنه يتوقف عن أن يكون (مجتمعاً) بالمعنى الدقيق الذي نقصد إليه من هذه الكلمة في عرضنا.
وطبيعي أن نجد العناصر الوظيفية في المجتمع تتغير بين هذين الحدين، في
стр. 37
الاتجاه نفسه. ويمكننا أن نمثل هذا التطور بطريقتين: من ناحية الكم بوساطة معادلة تترجم عن عدد العلاقات التي تحتويها شبكة العلاقات الاجتماعية، ومن ناحية الكيف بوساطة معادلة تترجم عن المستوى النفسي الزمني، أو بعبارة أخرى: عن فاعملية هذه الشبكة.
وأساس الترجمة الكمية متمثل في عدد العلاقات التى تربط الفرد بغيره من أعضاء الجماعة، في لحظة معينة من تطور الجماعة.
فإذا كان المجموع الكلي للأفراد أعضاء الجماعة هو (ن)، فإن فرداً واحداً يستطيع أن يحوز عدداً من العلاقات هو (ك)، هكذا:
ك = ن - س
وإذن فالمجموع الكلي للأفراد (ن) الذي يكون الشبكة الاجتماعية في مجموعها، مع اشتمالها على المجموع الكلي للعلاقات هو (ل) هكذا:
ل = ن ك = ن (ن - س)
والعدد (س) هو الذي يمثل- كما نرى- دليل التطور من ناحية الكم. وقيمة هذا العدد تقع بالضرورة بين حدي التطور الاجتماعي الذي أشرنا إليه، كما أنها تدل عليهما. فهي إذن بالضرورة واقعة بين (أ) و (ن)، أو بتعبير الجبر:
ن > س > أ
وعليه فإذا ما بلغ المجتمع ذروة نموه فإن شبكته الاجتماعية تكون:
ل١ = ن (ن - أ)، أعني الحد الأقصى. وهذه هي الحالة التي يشير إليها حديث رسول الله ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
وهو قول يعكس حالة المجتمع الإسلامي الأول، حين حقق بالمدينة نموذج
стр. 38
المجتمع المنسجم في طبقة واحدة، وكان كل فرد مرتبطاً ارتباطاً واقعياً بكل الآخرين من أعضاء المجتمع بوساطة علاقات شخصية.
أما حين يبلغ المجتمع نهاية تحلله فإن شبكته الاجتماعية تكون على صورة:
ل٢ = ن (ن - ن) = صفر. أي إن الشبكة الاجتماعية قد بليت، فلم تعد قادرة على مواجهة نشاط مشترك، غدا منذئذ مستحيلاً.
والواقع أن هذا الانتقال من الحالة المثالية إلى الحالة النهائية يحدث في هيئة انفصال داخلي، تنشأ عنه ألوان من التمزق في الجسد الاجتماعي، أو صدوع وثغرات في انسجامه وتوافقه.
والعدد (س) الذي يرمز إلى كمية هذه الثغرات والانفصالات يدل إذن وبصورة ما على الفراغ الاجتماعي، وهو ينطبق من الوجهة العددية على درجة الافتقار في الشبكة بأكملها.
ويمكن التعبير عن هذا التطور بطريقة أخرى، من ناحية الكيف، في الرسم البياني الذي يترجم عن الدورة التطورية التي تمر بها كل حضارة (١).
والمراحل الثلاث في هذه الدورة تعبر عن الأدوار الثلاثة التي يمر بها المجتمع: الحالة الكاملة، فيها تكون جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (الروح)، ومتصلة بالاعتبارات ذات الطابع الميتافيزيقي.
والمرحلة التالية هي المرحلة التي تكون فيها جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (العقل) خاصة، ومتجهة نحو المشكلات المادية. أما المرحلة الثالثة فتصور نهاية تحللها تحت سلطان (الغرائز) المتحررة من وصاية الروح والعقل، وفيها يصبح النشاط المشترك مستحيلاً، ضارباً بأطنابه في أغوار الفوضى
стр. 39
والاضطراب، وهو ما نجده في حالة المجتمع الإسلامي في الأندلس، في العصر المشؤوم المسمى بعصر (ملوك الطوائف).
ومن الممكن أيضاً أن نصف هذه العصور المختلفة للنمو الاجتماعي حين ندل عليها بتخطيط ثقافي، هو الذي أوردنا تحليله في كتابنا (مشكلة الثقافة).
والواقع أن بإمكاننا أن نعد كل مرحلة من مراحل النمو الاجتماعي متميزة بغلبة عنصر ثقافي محدد. وبديهي أن تكون ثقافة أي مجتمع ناشئ ثقافة أخلاقية. وعلى عكس ذلك حالة المجتمع لحظة أفوله، إذ نجده يفرق في نزعة جمالية تبتعد قليلاً قليلاً عن أصول الجمال الحق.
ومن ناحية أخرى ينبغي ان نذكر أن المجتمعات الحديثة تحقق انسجامها وتوافقها حين تنشئ شبكة علاقات حكومية، غير شخصية، وهي شبكة منبسطة وكاملة بقدر الإمكان. وما صناديق التأمينات الاجتماعية في البلاد المتقدمة إلا صورة مادية لهذه الشبكة.
وبديهي أن الدولة التي تحقق في هذا النطاق التقدم الانساني في أعظم أشكاله هي التي تحقق شبكة العلاقات الاجتماعية على أقرب ما تكون من التي نسجها الإسلام في العهد المدني.
***
стр. 40
المرض الاجتماعي
وهكذا الأمر دائماً، فإذا ما تطور مجتمع ما على أية صورة، فإن هذا التطور مسجل كماً وكيفاً في شبكة علاقاته ..
وعندما يرتخي التوتر في خيوط الشبكة، فتصبح عاجزة عن القيام بالنشاط المشترك بصورة فعالة، فذلك أمارة على أن المجتمع مريض، وأنه ماض إلى نهايته.
أما إذا تفككت الشبكة نهائياً، فذلك إيذان بهلاك المجتمع، وحينئذ لا يبقى منه غير ذكرى مدفونة في كتب التاريخ.
ولقد تحين هذه النهاية والمجتمع متخم بالأشخاص والأفكار والأشياء كما كانت حال المجتمع الإسلامي في الشرق، في نهاية العصر العباسي، وفي الغرب، في نهاية عصر الموحدين.
وربما كانت هذه الحالة من التحلل والتمزق في المجتمع الإسلامي- حين أصبح عاجزاً عن أي نشاط مشترك- هي التي أشار إليها قول رسول الله ﷺ :
«يوثك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ - قال: لا .. بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل وما الوهن يارسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت».
ولكن هذا ليس خاصاً بالمجتمع الإسلامي، فعندما اختفت الامبراطورية