فإذا ما نظرنا إليه وقد أخذ بعد ذلك بستة قرون يترنح في مهاوي التدهور والانحطاط، وجدناه يملك أغنى مكتبات العالم آنذاك .. !! ..
لقد انهار تحت ضربات شعوب حديثة العهد بالوجود، كالإسبانيين الذين كان (عالم أفكارهم) لا يزال فقيراً نسبياً. وبذلك نرى أن المكتبات لا تغني من الهزيمة شيئاً.
ففاعملية (الأفكار) تخضع إذن لشبكة العلاقات، أي إننا لا يمكن أن نتصور عملاً متجانساً من الأشخاص والأفكار والأشياء دون هذه العلاقات الضرورية. وكما كانت شبكة العلاقات أوثق، كان العمل فعالاً مؤثراً.
وعليه، فإذا كانت ثروة مجتمع معين يتوقف تقديرها على كمية أفكاره من ناحية، فإنها مرتبطة بأهمية شبكة علاقاته من ناحية أخرى.
والحد المثالي للتطور الاجتماعي الذي يمكن أن يبلغه مجتمع ما، متوقف على الحالة التي يحقق فيها هذا المجتمع أفضل الظروف النفسية الزمنية لأداء نشاطه المشترك.
وهذا يحدث بوجه عام عندما يكون المجتمع في حالة النشوء: كالمجتمع الإسلامي في العهد المدني، وكالمجتمع المسيحي في مغارات روما، إذ إنه في هذه الحالة يحقق أرفع درجات الاندماج والانسجام، فيكون التوتر الأخلاقي قد بلغ ذروة درجاته.
ويبلغ المجتمع الحد النهائي في تطوره عندما يفقد بالتدريج خاصة الانسجام، فيتفرق أفراده ذرات، ويصبح في نهاية تحلله عاجزاً تماماً عن أداء نشاطه المشترك. أي إنه يتوقف عن أن يكون (مجتمعاً) بالمعنى الدقيق الذي نقصد إليه من هذه الكلمة في عرضنا.
وطبيعي أن نجد العناصر الوظيفية في المجتمع تتغير بين هذين الحدين، في
стр. 37
الاتجاه نفسه. ويمكننا أن نمثل هذا التطور بطريقتين: من ناحية الكم بوساطة معادلة تترجم عن عدد العلاقات التي تحتويها شبكة العلاقات الاجتماعية، ومن ناحية الكيف بوساطة معادلة تترجم عن المستوى النفسي الزمني، أو بعبارة أخرى: عن فاعملية هذه الشبكة.
وأساس الترجمة الكمية متمثل في عدد العلاقات التى تربط الفرد بغيره من أعضاء الجماعة، في لحظة معينة من تطور الجماعة.
فإذا كان المجموع الكلي للأفراد أعضاء الجماعة هو (ن)، فإن فرداً واحداً يستطيع أن يحوز عدداً من العلاقات هو (ك)، هكذا:
ك = ن - س
وإذن فالمجموع الكلي للأفراد (ن) الذي يكون الشبكة الاجتماعية في مجموعها، مع اشتمالها على المجموع الكلي للعلاقات هو (ل) هكذا:
ل = ن ك = ن (ن - س)
والعدد (س) هو الذي يمثل- كما نرى- دليل التطور من ناحية الكم. وقيمة هذا العدد تقع بالضرورة بين حدي التطور الاجتماعي الذي أشرنا إليه، كما أنها تدل عليهما. فهي إذن بالضرورة واقعة بين (أ) و (ن)، أو بتعبير الجبر:
ن > س > أ
وعليه فإذا ما بلغ المجتمع ذروة نموه فإن شبكته الاجتماعية تكون:
ل١ = ن (ن - أ)، أعني الحد الأقصى. وهذه هي الحالة التي يشير إليها حديث رسول الله ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً».
وهو قول يعكس حالة المجتمع الإسلامي الأول، حين حقق بالمدينة نموذج
стр. 38
المجتمع المنسجم في طبقة واحدة، وكان كل فرد مرتبطاً ارتباطاً واقعياً بكل الآخرين من أعضاء المجتمع بوساطة علاقات شخصية.
أما حين يبلغ المجتمع نهاية تحلله فإن شبكته الاجتماعية تكون على صورة:
ل٢ = ن (ن - ن) = صفر. أي إن الشبكة الاجتماعية قد بليت، فلم تعد قادرة على مواجهة نشاط مشترك، غدا منذئذ مستحيلاً.
والواقع أن هذا الانتقال من الحالة المثالية إلى الحالة النهائية يحدث في هيئة انفصال داخلي، تنشأ عنه ألوان من التمزق في الجسد الاجتماعي، أو صدوع وثغرات في انسجامه وتوافقه.
والعدد (س) الذي يرمز إلى كمية هذه الثغرات والانفصالات يدل إذن وبصورة ما على الفراغ الاجتماعي، وهو ينطبق من الوجهة العددية على درجة الافتقار في الشبكة بأكملها.
ويمكن التعبير عن هذا التطور بطريقة أخرى، من ناحية الكيف، في الرسم البياني الذي يترجم عن الدورة التطورية التي تمر بها كل حضارة (١).
والمراحل الثلاث في هذه الدورة تعبر عن الأدوار الثلاثة التي يمر بها المجتمع: الحالة الكاملة، فيها تكون جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (الروح)، ومتصلة بالاعتبارات ذات الطابع الميتافيزيقي.
والمرحلة التالية هي المرحلة التي تكون فيها جميع الخصائص والملكات تحت سيطرة (العقل) خاصة، ومتجهة نحو المشكلات المادية. أما المرحلة الثالثة فتصور نهاية تحللها تحت سلطان (الغرائز) المتحررة من وصاية الروح والعقل، وفيها يصبح النشاط المشترك مستحيلاً، ضارباً بأطنابه في أغوار الفوضى
стр. 39
والاضطراب، وهو ما نجده في حالة المجتمع الإسلامي في الأندلس، في العصر المشؤوم المسمى بعصر (ملوك الطوائف).
ومن الممكن أيضاً أن نصف هذه العصور المختلفة للنمو الاجتماعي حين ندل عليها بتخطيط ثقافي، هو الذي أوردنا تحليله في كتابنا (مشكلة الثقافة).
والواقع أن بإمكاننا أن نعد كل مرحلة من مراحل النمو الاجتماعي متميزة بغلبة عنصر ثقافي محدد. وبديهي أن تكون ثقافة أي مجتمع ناشئ ثقافة أخلاقية. وعلى عكس ذلك حالة المجتمع لحظة أفوله، إذ نجده يفرق في نزعة جمالية تبتعد قليلاً قليلاً عن أصول الجمال الحق.
ومن ناحية أخرى ينبغي ان نذكر أن المجتمعات الحديثة تحقق انسجامها وتوافقها حين تنشئ شبكة علاقات حكومية، غير شخصية، وهي شبكة منبسطة وكاملة بقدر الإمكان. وما صناديق التأمينات الاجتماعية في البلاد المتقدمة إلا صورة مادية لهذه الشبكة.
وبديهي أن الدولة التي تحقق في هذا النطاق التقدم الانساني في أعظم أشكاله هي التي تحقق شبكة العلاقات الاجتماعية على أقرب ما تكون من التي نسجها الإسلام في العهد المدني.
***
стр. 40
المرض الاجتماعي
وهكذا الأمر دائماً، فإذا ما تطور مجتمع ما على أية صورة، فإن هذا التطور مسجل كماً وكيفاً في شبكة علاقاته ..
وعندما يرتخي التوتر في خيوط الشبكة، فتصبح عاجزة عن القيام بالنشاط المشترك بصورة فعالة، فذلك أمارة على أن المجتمع مريض، وأنه ماض إلى نهايته.
أما إذا تفككت الشبكة نهائياً، فذلك إيذان بهلاك المجتمع، وحينئذ لا يبقى منه غير ذكرى مدفونة في كتب التاريخ.
ولقد تحين هذه النهاية والمجتمع متخم بالأشخاص والأفكار والأشياء كما كانت حال المجتمع الإسلامي في الشرق، في نهاية العصر العباسي، وفي الغرب، في نهاية عصر الموحدين.
وربما كانت هذه الحالة من التحلل والتمزق في المجتمع الإسلامي- حين أصبح عاجزاً عن أي نشاط مشترك- هي التي أشار إليها قول رسول الله ﷺ :
«يوثك أن تداعى الأمم عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ - قال: لا .. بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب أعدائكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قيل وما الوهن يارسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت».
ولكن هذا ليس خاصاً بالمجتمع الإسلامي، فعندما اختفت الامبراطورية
стр. 41
الآشورية القوية في القرن الخامس قبل الميلاد لم يكن هذا الحدث التاريخي ليعزى إلى صدفة الحرب، ولكن إلى تحلل المجتمع الذي كان يمثل هذه الإمبراطورية، والذي أصبح فجأة عاجزاً عن أي نشاط مشترك. فشبكة علاقته المتمزقة لم تعد تتيح له أن يحافظ على إمبراطورية (آشور بانيبعل) القوية.
ومع ذلك فقبل أن يتحلل المجتمع تحللاً كلياً، يحتل المرض جسده الاجتماعي في هيئة انفصالات في شبكته الاجتماعية، للأسباب التي ذكرناها كماً وكيفاً. وهذه الحالة المرضية قد تستمر قليلاً أو كثيراً، قبل أن تبلغ نهايتها في صورة انحلال تام. وتلك هي مرحلة التحلل البطيء الذي يسري في الجسد الاجتماعي.
بيد أن جميع أسباب هذا التحلل كامنة في شبكة العلاقات، فلقد يبدو المجتمع في ظاهره ميسوراً نامياً، بينما شبكة علاقاته مريضة، ويتجلى هذا المرض الاجتماعي في العلاقات بين الأفراد. وأكبر دليل على وجوده يتمثل فيما يصيب (الأنا) عند الفرد من (تضخم) ينتهي إلى تحلل الجسد الاجتماعي لصالح الفردية، عندما يختفي (الشخص) أو خاصة عندما يسترد (الفرد) استقلاله وسلطته في داخل الجسد الاجتماعي.
فالعلاقات الاجتماعية تكون فاسدة عندما تصاب الذوات بالتضخم فيصبح العمل الجماعي المشترك صعباً أو مستحيلاً، إذ يدور النقاش حينئذ لا لإيجاد حلول للمشكلات، بل للعثور على أدلة وبراهين.
في حالة الصحة يكون تناول المشكلات من أجل علاجها هي، أما في الحالة المرضية فإن تناولها يصبح فرصة لتورم (الذات) وانتفاشها، وحينئذ يكون حلها مستحيلاً، لا لفقر في الأفكار أو في الأشياء، ولكن لأن شبكة العلاقات لم تعد أمورها تجري على طبيعتها.
стр. 42
وفي هذه المرحلة أيضاً لا يهتم أحد بالمشكلات الواقعية، كما كان يفعل أئمة الفقه الإسلامي، بل يكون الاهمام منصباً على مشكلات خيالية، على ما كان عليه فقهاء (عصر الانحطاط)، حيث لم يعودوا يكبون على المشكلات التي يثيرها نمو المجتمع، بل على حالات (خيالية محضة) كالبحث في جنس الملائكة، أو كالتوضؤ من وطء البهيمة.
وبوسعنا أن نتخيل ما كان يمكن أن يحدث- في مجتمع مريض- لو أن خليفة من طراز عمر بن الخطاب أراد أن يعزل رجلاً كخالد بن الوليد من قيادة جيش الشام!! إن محاولة كهذه كانت كفيلة بزلزلة العالم الإسلامي لو أنها حدثت بعد ذلك بقرنين أو ثلاثة قرون فحسب.
ولكن (الأنا) الإسلامية كانت في العهد الأول سليمة سوية، فكان (فعل) عمر دون عقدة، وكان (رد فعل) خالد دون عقدة أيضاً. لأن علاقاتهما كانت علاقات سوية منزهة.
ومن الوقت الذي تظهر فيه العقد النفسية على صفحة (الأنا) في مجتمع معين، يغدو عمله الجماعي صعباً أو مستحيلاً. وهنا يحق لنا أن نطلق على هذه الحالة (مأساة اجتماعية Socio-drame) على ما ذهب إليه (مورينو) (١). وهي مأساة اجتماعية في مستوى: ن (ن - س) من علاقات اجتماعية.
وعلى هذا، فإذا ما درسنا أمراض مجتمع معين، من مختلف جوانبه الاقتصادية والسياسية والفنية .. الخ .. فإننا ندرس في الواقع أمراض (الأنا) في هذا المجتمع، وهي الأمراض التي تتجلى في لا فاعملية شبكته الاجتماعية.
وعندما ننسى أو نغفل هذا الاعتبار النفسي فإن حكمنا يكون على ظواهر الأشياء لا على جواهرها.
стр. 43
وهكذا نجد بعض الساسة في بعض البلدان الافريقية والآسيوية يحاولون في الميدان الاقتصادي تطبيق حلول فنية يقترحها بعض الاختصاصيين الأوربيين، على الرغم من أن هذه الحلول قد تكون عديمة الجدوى في تلك البلاد، لأنها لا تتفق مع عناصر (الأنا) فيها، كما سبق أن بينت ذلك في كتابي (فكرة الإفريقية الآسيوية).
فالحلول الفنية ينبغي إذن أن تتكيف مع نفسية البلد الذي تطبق فيه ومع مرحلة تطوره، كما أن (الأنا) ينبغي أن تتكيف طبقاً للحلول الفنية التي يحاول تطبيقها.
ففي الحالة الأولى يكون تناولنا للأشياء من وجهة نظر مرضية، وفي الحالة الثانية يكون تناولنا لها من وجهة علاجية. والجانبان كلاها ينبغي ألا ينفك أحدهما عن الآخر، إذا ما أريد علاج حالة مجتمع يقاسي لوناً من ألوان الاضطراب في شبكة علاقاته الاجتماعية.
وتلك حالة تستوجب أقصى ما يمكن من الاهتمام والعناية، لأن كل علاقة فاسدة بين الأفراد تولد فيما بينهم عقداً كفيلة بأن تحبط أعمالهم الجماعية، إما بتصعيبها أو بإحالتها.
فالعلاقة الفاسدة في (عالم الأشخاص) لها نتائجها السريعة في (عالم الأفكار) وفي (عالم الأشياء). والسقوط الاجتماعي الذي يصيب (عالم الأشخاص) يمتد لا محالة إلى الأفكار وإلى الأشياء، في صورة افتقار وفاقة. فهناك أفكار رأت النور في المجتمع الإسلامي في القرن الرابع عشر الميلادي، كفكرة الدورة الدموية، ومع ذلك ظلت غائبة عن (عالم الأفكار) لأدق شبكة علاقاته كانت قد تمزقت.
وهناك أشياء بسيطة كانت تمد جزءاً من (عالم الأشياء) مثل ما كان يطلق
стр. 44
عليه اسم (الجوَّال) في بغداد، في القرن العاشر الميلادي، لقد اختفى هذا (الشيء) من العاصمة العباسية بعد قرنين من الزمان (١).
تلك هي أمارة (الافتقار) في (عالم الأشياء) في المجتمع الإسلامي، إبان تلك الحقبة.
وطبيعي أن يمتد تأثير هذا الافتقار إلى تكاليف الحياة، كما تدلنا عليه قائمة الأسعار الخاصة بذلك العهد، وسنجد فيها إشارات مفيدة وهامة عن حياة المسلمين اليومية في العصور الوسطى. وقد نقلنا هذه القائمة عن كتاب الأستاذ (علي مزاهيري) الذي استقاها بدوره من الكتاب القيم الذي وضعه (مسيو هنري سوفير) في هذا الموضوع. وحسبنا أن نقبس منها الإشارات التالية الخاصة بسعر الكيلو جرام من الخبز في أسواق بغداد، وقد حسب المسيو (هنري سوفير) هذا السعر بالفرنك الذهبي:
السنة .............................. كمية الخبز ................... السعر
٨١٣ ............................. ١كيلو ........................ ٠،١
٩٤٥ ............................. " .............................. ٠،٣١
٩٩٢ ............................. " ............................. ٠،٥٩
١١٥٢ ........................... " ............................. ٧،٥٠
فنحن نرى أن سعر الخبز قد تغير خلال ثلاثة قرون بنسبة ١ - ٧٥. ولو أننا فسرنا هذه الظاهرة في ضوء قانون العرض والطلب فمعنى ذلك أن المنتج قد قل في سوق بغداد، وهذه القلة لا تأتي إلا من الإنتاج- أي إنها في جوهرها عائدة إلى الأرض والتوزيع- لكن صفات الأرض الطبيعية فيما بين دجلة والفرات لم
стр. 45
يعترها تغير منذ آلاف السنين، فإذا كان الإنتاح قد تغير فما ذلك إلا لأسباب اجتماعية تتصل بتنسيق الأعمال الزراعية والتوزيع، أعني: لاضطراب في شبكة العلاقات.
وطبيعي أن يصيب السقوط الاجتماعي أيضاً (عالم الأفكار) كما قررنا من قبل، وكما نلاحظ خاصة فيما يتصل بتراث ابن خلدون الذي ظل حروفاً ميتة في المجتمع الإسلامي حتى نهاية القرن التاسع عشر.
ومع ذلك فينبغي أن نعلم أنه إذا كان لقائمة أسعار الخبز مثلاً أن تكشف عن سير هذا الانحطاط والتدهور في القرن التاسع حتى القرن الحادي عشر، فإن قائمة من القيم الخلقية المتفشية آنذاك ستكشف لنا من باب أولى عن درجة هذا الانحطاط!! .. فكلا الأمرين يفسر الآخر على حٍّ سواء.
إن فن خداع المشتري قد يعود في تاريخه إلى ذلك العصر، فلقد شهد القرن الثالث عشر الميلادي بداية ظهور حرفة المحاكاة أو تقليد السلع، وذلك قبل أن تعرفها ألمانيا لأغراض أخرى بستة قرون.
والواقع أنه إذا كانت ألمانيا قد اخترعتها كيما تستعيض بمواد صناعية عن المواد الأولية التي لا تجدها في زمن الحرب، فإن العصر العباسي قد لجأ إلى استخدام البدل من أجل خداع المشترين، فكان لديهم سكر بديل، بل لحم بديل. كما وضعت كتب لترشد (الهواة) إلى أسرار هذه التراكيب الكيماوية.
***
стр. 46
المجتمع والقيمة الخلقية
هذه الاعتبارات التي فرغنا من عرضها يمكن أن تعود إلى ملاحظتين سبق أن أكدناهما، هما:
١ - أن مجتمعاً معيناً لا يمكن أن يؤدي نشاطه المشترك دون أن توجد فيه شبكة العلاقات التي تؤلف عناصره المختلفة؛ النفسية والزمنية.
٢ - وأن كل علاقة هي في جوهرها قيمة ثقافية يمثلها القانون الخلقي، والدستور الجمالي الخاص بالمجتمع.
فمن الطبيعي إذن أن نعد القيمة الخلقية عنصراً جوهرياً في النشاط المشترك الذي يتم بفضل وجود شبكة العلاقات الاجتماعية.
هنا تواجهنا مشكلة ذات طابع تكويني هي: هل ينتج المجتمع تلقائياً القيمة الخلقية التي تدفع تغييره في اتجاه غايته .. ؟.
ليكن مجال بحثنا للإجابة عن هذا السؤال المجتمع العربي الجاهلي، ولنأخذ منه للتجربة عادة وأد البنات، فتلك (حالة) سوف نجد فيها قيمة خلقية تؤثر كقوة من قوى التغيير في نطاق مجتمع، هو المجتمع الجاهلي، في الوقت الذي كان يتهيأ فيه لدخول التاريخ.
ولدينا إلى جانب هذا شهادة مباشرة على العوامل التي كان لها دور مؤثر في هذه الحالة، ففي القرآن الكريم- بوصفه وثيقة تاريخية- شهادة لا ترد على منشأ عادة وأد البنات، فلقد وجه القرآن إلى عرب الجاهلية خطابه في موضعين:
стр. 47
أ - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام ٦/ ١٥٠].
ب - ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء ١٧/ ٣٠].
فإذا تناولنا هذين النصين باعتبارهما وثيقتين من وثائق ذلك العصر، وجدنا أنهما لا تدعان أدنى ريب فيما يتعلق بمنشأ عادة الوأد، فلقد كان للظروف الاقتصادية التي عاشها العصر الجاهلي أكبر الأثر في نشأة تلك العادة الأليمة، إن لم تكن هي العامل الوحيد.
ولكن النصين يعبران في الوقت ذاته عن قيمة خلقية معينة في الوقت الذي تدخل فيه في حياة المجتمع- لا عن طريق الظروف الاقتصادية التي لم تكن تغيرت بعد، ولكن مباشرة، عن طريق النفس- لتحدث تغييره. فنحن إذن أمام مثال مفيد يتيح لنا أن نبحث مشكلة القيمة الخلقية متمثلة في حالة واقعية.
ولنأخذ الآيتين الكريمتين في مجموعهما، على أنهما تشريع لقانون معين، تماماً كما تسن الشرائع الحديثة في زماننا قوانينها.
إن تفسير قانون معين في عصرنا إنما يكون على اعتبار أنه مجرد حدث اجتماعي، أي إن الذي يسنه إنما هو حقائق المجتمع وحدها.
فهل الأمر كذلك بالنسبة للحالة التي ندرسها؟.
ذلك يقتضينا أن ندرس الآيتين اللتين تشرعان (قانون) الموءودة، على أنهما نتيجة للظروف الاقتصادية التي كات تسود المجتمع الجاهلي، تمشياً مع منطق عصرنا في تفسير الأشياء.
لكنا نلاحظ أن هذا التفسير يؤدي بنا تلقائياً إلى تناقض صريح، إذ لا يمكن أن يحمل إثبات واقع اجتماعي معين ونفي هذا الواقع على أسباب واحدة.
стр. 48
فلو قيل إن (الوأد) نشأ في البيئة الجاهلية بتأثير أسباب اقتصادية خاصة بذلك المجتمع، كما تشهد بذلك وثائق العصر، وفي مقدمتها القرآن، فإن من العسر أن ينسب نفي هذا الوأد إلى تأثير العوامل الاقتصادية ذاتها ما دامت لم تتغير.
وإذا كانت الآيتان المذكورتان تعدان من الناحية التاريخية إبطالاً (للوأد) فإننا نجد أنفسنا أمام تناقض صريح إذا ما فسرنا (قانون) الوأد تفسيراً اقتصادياً.
ولقد يؤدينا هذا الموقف إلى أن نفسره تفسيراً نفسياً، حين نعزوه لأسباب تتصل بالتغيير الأخلاقي الذي سبق أو صاحب نزول القرآن في الوسط الجاهلي، ومع ذلك فليس هذا التغيير مقبولاً أيضاً، لأن الذين عاصروا قانون التحريم المذكور قد مارسوا بأنفسهم تلك العادة الأليمة. وحسبنا أن نضيف أن عمر بن الخطاب نفسه كان من بين هؤلاء المعاصرين، حتى يصبح التفسير النفسي التلقائي غير ذي موضوع أو قيمة، شأن التفسير الاقتصادي.
والحق أن عادة وأد البنات كانت ثابتة في عقلية العصر، وأن هذه العقلية في ذاتها لم تتغير عند نزول قانون التحريم، فلقد ذكر مؤلف الأغاني قصة عن جد الفرزدق الشاعر العربي الكبير، الذي لقب (محيي الموءودات) لقاء ما كان يبذله من فضل في هذا السبيل (١).
ولكننا نجد في هذه القصة شهادة غير مباشرة على ما نحن بصدده، فالواقع أنها تضيف أن جد الشاعر الأموي، عندما أقدم على إنقاذ أول ضحية من الموت بأن دفع لأبويها فدية- أراد أن يسوغ لنفسه هذا السلوك فقال: ((هذه مكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب))، فلو أننا لمسنا في هذه القولة معناها التاريخي
стр. 49
لعلمنا أن شيئاً ما لم يكن قد تغير بعد في الوسط وفي العقلية الجاهلية، فيما يتعلق بمسألة الموءودة إبان نزول قانون التحريم.
وعليه، فإن القيمة الخلقية التي عبر عنها هذا القانون لا يمكن أن تكون على أية حال ثمرة من ثمرات المجتمع الجاهلي.
فلكي نعمم هذه النتيجة ينبغي أن نضع السؤال التالي:
هل يمكن لمجتمع معين أن ينتج قيمه الخلقية؟
وهنا ايضاً يستطيع المجتمع الجاهلي ان يعطينا مثالاً نحتذيه في وضع إجابتنا عن هذا السؤال، إن لم يكن له أن يعطينا مفتاحاً للمشكلة في صورتها العامة.
فالحق أن هذا المجتمع قد شهد وجوه حياته تتغير فجأة بتأثير بعض القيم الخلقية التي شهد مولدها.
وهو إلى جانب ذلك يتيح لنا أن نعقد موازنة بين هذه الحقبة من التغيير وبين ما مضى من تاريخه، وهذا التاريخ يمتد في الواقع أكثر من ألفي عام، أبتداء من الجد الأكبر إسماعيل حتى محمد عليهما الصلاة والسلام.
ولقد أثمر هذا التاريخ الطويل فناً شعبياً غنياً، وخلف تراثاً أدبياً لا نظير له بين آداب الأمم الأخرى. وتلك هي القائمة التاريخية للمجتمع الجاهلي خلال تلك الحقبة من الزمان.
ولو استخدمنا لغة علم الاجتماع لقلنا: إن هذا هو كل ما أثمره المجتمع الجاهلي، كثمرة نشاط استقطب حول (الحاجة) و (المنفعة).
وبذلك نلاحظ أولاً أن هذا المجتمع لم ينتج في جلته كثيراً، ما دام نشاطه قد استقطب على تلك الصورة، أي ما دام لم يخضع إلا لاتجاهات الحياة اليومية وقواعدها.
стр. 50
وفي مقابل ذلك نجده وقد هب فجأة لينتج حضارة رائعة منذ بدأ نشاطه يستقطب حول مجموع من القيم الخلقية التي ولدت في نطاقه، والتي لا يمكن أن نفسر سر تخلقها بما كان فيه من الأوضاع الاقتصادية والنفسية، كما وجدنا ذلك واضحاً في الموءودة.
هذه الاعتبارات لا تقدم لنا حتى الآن الإجابة العامة على السؤال الذي قد وضعناه، وإنما تقدم لنا قرائن قوية تزكيها اعتبارات أخرى.
...
فالزواج مثلاً يعد علاقة اجتماعية جوهرية، وهو من الناحية التاريخية يعد أول عقدة في شبكة العلاقات التي تتيح لمجتمع معين أن يؤدي نشاطه المشترك.
ومع ذلك فمن الواضح أنه لو كان أمر الإنسانية يجري تبعاً (لحاجة) النوع و (منفعته) فحسب، فإن مجرد اختلاط الرجل بالمرأة- كما كانت الحال في العصر الجاهلي- يتفق كثيراً مع القواعد البيولوجية التي يخضع لها النوع، علماً بأن عدد الأفراد ستكاثر حتماً، بفعل ما يطلق عليه (الاتصال في نطاق الحرية الجنسية). ييد أننا نجد أن كل مجتمع معاصر، بما في ذلك المجتمعات التي تخلع على نفسها الصفة (المدنية)، لا يتم فيه اتحاد الجنسين إلا على أساس قيمة خلقية معينة، هي الزواج، الذي يبارك اتحادهما بإشهاره طبقاً لخطة دينية رمزية؛ وبهذا الإشهار يأخذ اتحاد الرجل والمرأة كل معناه الاجتماعي باعتباره عقداً يتفق، لا مع حاجة النوع، بل مع غاية المجتمع.
وهكذا تجري الأمور بصورة عامة فيما يتصل بقضية المجتمع، فإن تنظيمه يجري طبقاً لمقاييس وقواعد، وهي في حقيقتها قيم خلقية لم ينتجها، ولكنها تنظم نشاطه في سبيل غايته.
стр. 51
وكلما حدث إخلال بالقانون الخلقي في مجتمع معين، حدث تمزق في شبكة العلاقات التي تتيح له أن يصنع تاريخه.
بل إن محدثي مثل هذا الإخلال، أولئك الذين يدعون- مثلاً- إلى حرية الأخلاق من أجل التقدم، ليسوا في أعماق نفوسهم سوى أطفال استثارتهم حواسهم، وهم لا يرتابون لحظة فيما يجرونه على المجتمع من أخطار هائلة. فهم يلعبون بحواسهم كما يلعب الأطفال باأعواد الكبريت دون أن يشكوا في أنهم يتركون حيث يلعبون بوادر حريق يلتهم المدينة بأسرها.
***
стр. 52
الدين والعلاقات الاجتماعية
رأينا أن المجتمع لا ينتج القيمة الخلقية التي تنظم حياته، أو بحسب ما اصطلحنا عليه: تنظيم العلاقة التي تتيح له أن يتم نشاطه المشترك.
ورأينا من ناحية أخرى أن هذا العمل يبدأ إذا ما تم تركيب الإنسان والتراب والوقت.
لكن هذا التركيب- الذي يتفق من الوجهة التاريخية مع ظهور حضارة معينة- لا ينتج تلقائياً، إذ أن هناك جماعات بشرية ما زالت تعيش حتى الآن في حالة ما قبل الحضارة.
وإنما يتم هذا التركيب على أثر حدوث (عارض غير عادي)، أو بعبارة أخرى (ظرف استثنائي).
لقد اختلفت آراء المدارس المختلفة فيما بينها في تفسير ماهية هذا (العارض).
فتوينبي يرى أنه يظهر في صورة (تحدٍّ) يخلقه الوسط الطبيعي أو البشري، خلقاً يصبح معه المجتمع ملزماً بمواجهته والإجابة عليه، كما سبق أن رأينا.
وهيجل يرى أن (الظرف الاستثنائي) إنما يظهر في صورة تعارض بين قضية ونقيضها.
والمجتمعات المعاصرة لا تخرج عن إحدى مجموعتين: مجموعة المجتمعات
стр. 53
التاريخية، أعني المجتمعات التي تتفق مع تعريفنا الذي وضعناه فيها سبق لتلك الكلمة، ومجموعة المجتمعات الراكدة التي يطلقون عليها كلمة (بدائية).
فأما المجموعة الأولى- وهي المجموعة التاريخية، التي تتفق مع تعريفنا من ناحية، والتي تكون ٨٠% من مجموع سكان البسيطة من ناحية أخرى- فإن (الظرف الاستثنائي) الذي يسجل نقطة الانطلاق في تاريخ مجتمع معين منها يتفق في الحقيقة مع ظهور فكرة دينية، في فجر حضارة معينة.
ويتمثل تطور هذه الحضارة المعينة حسب التخطيط البياني في دورة ذات مراحل ثلاث:
ـ[تخطيط بياني]ـ
فنقطة الصفر من الدورة تسجل الحالة السابقة على الحضارة، كما تسجل بدء ظهور (الظرق الاستثنائي) اللازم لإحداث التركيب العضوي التاريخي بين العناصر الثلاثة: الإنسان والتراب والوقت، وهو التركيب الذي يتفق مع ميلاد مجتمع معين، كما يتفق بصورة ما مع بداية عمله التاريخي.
فالقيم الاجتماعية في هذه النقطة لم تصبح بعد واقعاً قائماً. وإنما هي مجرد
стр. 54
احتمالات. والمجتمع ذاته ليس حينئذ سوى (احتمال) في ضمير الغيب، و (بذرة) من الإمكانيات في غضون التاريخ.
وفي هذه الحالة يحتمل وجوده أن يكون أو ألا يكون، إذ أن (عالم أشخاصه) و (عالم أشيائه) لم يوجدا بعد، ولكن عالم أفكاره يحتوي على الأقل بذرة إمكانياته، كما تحتوي النطفة كل العناصر العضوية والنفسية المسهمة في تركيب الكائن المقبل. فليس وجوده حينئذ سوى فكرة متجسدة، أحياناً في رجل مثل (إبراهيم) الذي قال فيه القرآن الكريم حقاً: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٦/ ١٢٠].
فسواء كنا بصدد المجتمع الإسلامي أو المجتمع المسيحي، أم كنا بصدد المجتمعات التي تحجرت اليوم أو اختفت تماماً من الوجود، نستطيع أن نقرر أن الفكرة التي غرست بذرتها في حقل التاريخ هي فكرة دينية. ومعنى هذا أن (الظرف الاستثنائي) الذي يلد مجتمعاً يتفق في الواقع مع الفكرة الدينية التي تحمل مقاديره. كما تحمل النطفة جميع عناصر الكائن الذي سيخرج فيما بعد إلى الوجود. ومعنى هذا أيضاً أن شبكة العلاقات بكل ما تحتويه من خيوط وأطراف، والتي سيتسنى للمجتمع بفضلها أن يؤدي عمله التاريخي- هي ذاتها تعد في حيز القوة، داخل البذرة التي تشتمل جميع أقدارها.
إذن فالعلاقة الروحية بين الله وبين الإنسان، هي التي تلد العلاقة الاجتماعية، وهذه بدورها تربط ما بين الإنسان وأخيه الإنسان، ولقد علمنا من حديثنا في الفصل السابق أنها تلدها في صورة القيمة الأخلاقية. فعلى هذا يمكننا أن ننظر إلى العلاقة الاجتماعية والعلاقة الدينية معاً من الوجهة التاريخية على أنهما حدث، ومن الوجهة الكونية على أنهما عنوان على حركة تطور اجتماعي واحد.
فنحن نرى من الوجهة التاريخية أن الحدثين يتوافقان، ونلاحظ من الوجهة
стр. 55
الكونية بناء على ما أسلفنا من اعتبارات أن الحدثين يرتبطان ارتباط الأثر بالسبب في حركة التطور الاجتماعي، فالعلاقة الاجتماعية التي تربط الفرد بالمجتمع هي في الواقع ظل العلاقة الروحية في المجال الزمني.
لكنا قد رأينا في فصل مضى أن عدد العلاقات التي تربط الفرد بمجتمع معين متكون من (ن) من الأفراد هو: (ن - س) من العلاقات.
وبهذا نستطيع أن نقدر بصورة ما درجة الفاعملية الاجتماعية في العلامة الدينية، بأن نقر نسبة حسابية بن عدد العلاقات الدينية في مجتمع معين وعدد العلاقات التي تكون شبكته الاجتماعية.
على أنه من المعلوم أن فرداً ما يحتفظ ب (ن - س) من العلاقات الاجتماعية في مجتمع مكون من (ن) من الأفراد، ولكنه يحتفظ بعلاقة دينية واحدة، ففاعملية هذه العلاقة في المجتمع تتضح إذن في النسبة الإجمالية التالية:
ن (ن - س) / ن = (ن - س)
ومعنى هذا أن الدين يخلق نظاماً اجتماعياً يستحيل فيه الفرد إلى أفراد كثيرين، حين يضرب في العدد (ن - س) من العلاقات الاجتماعية.
وكلما ضعفت العلاقة الدينية تناقص هذا العدد، أي إنه يتناقص كلما تجاوز المجتمع المرحلة التي تنطبق عليه نقطة (أ) من تخطيط تطوره البياني. ومن هنا تزداد درجة الفراغ الاجتماعي بين الأفراد في محيط هذا المجتمع.
وعلى عكس ذلك نجد أنه عندما تقوى العلاقة الدينية، وبقدر ما تقوى هذه العلاقة مثلاً بين نقطتي صفر وأ- فإن درجة الفراغ الاجتماعي تقل، قلة تصبح معها صورة المجتمع بعض ما يوحي به قوله ﷺ : «المؤمن للؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» فتلك صورة المجتمع الذي لا يوجد فيه فراغ اجتماعي.
стр. 56
لكننا نعلم أنه للوصول إلى هذه الدرجة من الكمال ينبغي أن تتوافر في المجتمع شبكة علاقات اجتماعية نامية، كيما تمنح البناء الاجتماعي ما يلزمه من متانة واتساق.
كما نعلم مدى الصعوبة التي تحول دون الوصول إلى تلك الدرجة، وهي المثل الأعلى الذي تستهدفه الشرائع جميعاً، الشرائع التي تحاول بما لديها من وسائل إنسانية خالصة أن تسد الفراغ الاجتماعي.
ذلكم ولا ريب هو الدرس الذي أراد القرآن أن يعلمه النبي ﷺ حين قال له: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. [الأنفال ٨/ ٦٣].
***
стр. 57
شبكة العلاقات والجفرافيا
أتاحت لنا دراسة دورة الحضارة عامة في الفصل السابق أن نستخرج بعض الاعتبارات عن التأثير الاجتماعي للفكرة الدينية. مع أخذنا في الاعتبار عنصر الزمن.
ولسوف تتيح لنا دراسة الدورة المسيحية في هذا الفصل، أن نرى تأثير الفكرة الدينية حين ترتبط بعنصر المكان خاصة.
فالفكرة المسيحية لم تتخذ مجالها في الظروف التاريخية نفسها، التي كانت للفكرة الدينية الإسلامية: فلقد أدت هذه في الواقع دورها في مهدها ذاته. فإذا كانت قد استطاعت أن تحقق أهدافها، فما ذلك إلا لأن شبه الجزيرة العربية كانت أرضاً عذراء، تستطيع أية فكرة دينية جديدة أن تمد فيها جذورها. أما الفكرة المسيحية فهي، على العكس من ذلك، قد ولدت على أرض مزدحمة بالثقافات والأديان القديمة، فكان من العسير عليها في هذه الظروف أن تجد عناصر اجتماعية حرة كافية كيما تحدث تركيباً جديداً. وقد كانت الثقافة الإغريقة والرومانية والديانة اليهودية تحتل منذ عهد بعيد مجال عملها.
فلكي تجد المسيحية مجالها المناسب كان عليها إذن أن تغادر مهدها، وهذا هو الذي يفسر لنا كيف أن المسيحية، وقد ولدت قبل الإسلام بستة قرون، لم تبدأ مهمتها التاريخية إلا بعد الإسلام بستة قرون، بعيداً عن مسقط رأسها.
وهذه الحالة ترينا أن تأثير فكرة دينية معينة رهن ببعض شروط الجغرافية الإنسانية، فإذا لم تجدها في موطنها هاجرت لتجدها في مكان آخر.
والبوذية ذاتها قد اضطرت إلى هجرة مسقط رأسها في الهند، بحثا عن ظروف أكثر ملاءمة، هنالك في الصين حيث غرست تعاليمها.
стр. 58
وإذن فقد غادرت الفكرة المسيحية أرض مولدها (فلسطين)، بحثاً عن هذه الظروف في أوربا الغربية، حيث أنهت الحضارة الرومانية دورتها خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين.
وبقدر ما كان مجتمع غربي أوربا يتحلل ويتفكك، وبالمواد المتخلفة عن هذا التحلل ذاتها، استطاعت المسيحية أن تبني المجتمع الجديد خطوة خطوة، وهو المجتمع الذي نطلق عليه في هذه الأيام (المجتمع الغربي).
وبدهي أن هذه المواد، بحكم كونها متخلفة عن عملية تحلل، لم تكن لتشمل على أدق رباط عضوي فيما بينها. ولقد خلف اختفاء الامبراطورية الرومانية في الواقع جميع مكونات المجتمع الروماني من أشخاص وأفكار وأشياء على حال من الفوضى، كانت هي السمة الظاهرة لما يطلق عليه اسم (العصور الوسطى).
وإذن فلكي تستخدم هذه المواد في بناء جديد، كان من المحتم تنظيمها بطريقة أخرى. وكانت الفكرة المسيحية هي التي استخرجت النسق الغربي من غضون الفوضى التي أعقبت الحضارة الرومانية.
ولقد ألمح جيزو إلى تبيان هذه الحالة، وهو المؤرخ الذي يظل- حتى بعد قرن من الزمن- صاحب الكلمة المسموعة بصدد الحضارة الأوربية، فقد حدثنا جيزو عن: كيف أن تركيب هذه الحضارة كان من عمل الفكرة المسيحية. قال:
((تلكم هي السمة العظيمة الأصيلة للحضارة الأوربية، منذ أن تطورت تحت تأثير الإنجيل، تأثيره الظاهر والخفي، المنكر أو المرضي، حيث عاش القهر والحرية وكبرا معاً)).
فإذا ما ترجمنا حكم هذا المؤرخ، إلى لغة علم الاجتماع كان معناه أن الفكرة المسيحية هي التي صاغت شبكة العلاقات الضرورية التي أتاحت للمجتمع الغربي
стр. 59
منذ نشأته أن يسجل نشاطه في التاريخ وهكذا أعطانا جيزو الخيط الموجه الذي يدخلنا إلى صميم الموضوع.
فلقد شكلت الفكرة المسيحية (أنا) الأوربي أو ذاته، كما صاغت (منظر) أوربا الذي نشهده في منتصف هذا القرن العشرين.
ولا ريب أن الناظر المتطلع سوف يذوب دهشة من وحدة هذا المنظر، والشخصية التي تعطيه الحياة وتحركه، فإن أوجه التشابه بين الأشخاص والأفكار والأشياء هناك تعد في الواقع في منتهى الوضوح. وبرغم هذا فإن تلك ظاهرة عامة.
والحق أن تطور الإنسانية هو ما يحدث من نمو في مشاعرها الدينية المسجلة في واقع الأحداث الاجتماعية، تلك التي تطبع حياة الإنسان وعمله على وجه البسيطة.
نشرت المجلة العالمية (ديوجين) في عددها الثاني عام ١٩٥٣ مقالاً هاماً في الموضوع، بقلم بيير دي فونتين Pierre Desfontaines الذي أعطانا لمحة أخاذة عن ((التقسير الديني في الجغرافية الإنسانية)).
وقد أرانا الكاتب تحت هذا العنوان كيف أن الإنسان لم يستخدم ذكاءه في جهات كفاحه ضد عناصر الطبيعة وحدها، فهناك على ما ذهب إليه الكاتب: الإنسان والغابة، والإنسان والريح، والإنسان والماء، والإنسان والقفر .. إلخ .. وهناك أيضاً الإنسان في مواجهة ذاته، بل في صراعه مع عناصر هذه الذات، مع أفكارها، ومع مشاعرها، وهذا العمل (الروحي) قد طبع أيضاً الجفرافية الإنسانية، حين نثر على سطح الأرض الواقع الديني، ونتائجه المرئية في (المنظر)، ولا سيما فيما يتصل بالإعمار والاستيطان والاستثمار والمواصلات.
ونحن نرى اليوم أيضاً في المنظر الأوربي نتائج هذا العمل (الروحي) الذي تم خلال ألفي سنة من تاريخ المسيحية.
стр. 60
وما كان لعمل كهذا أن يتم إلا بفضل شبكة العلاقات الضرورية لوجود النشاط المشترك في المجتمع الأوربي.
بيد أننا إذا أردنا أن نتتبع أداء هذا العمل خلال القرون، فكأننا نتتبع إجمالاً مجرى تاريخ أوربا كله.
وعليه، فإن كتابة تاريخ أوربا، أو وصف عملها (الروحي) هو تعبير عن اطراد واحد بطريقتين مختلفتين: أي إننا إذا ما تحدثنا عن الظاهرة الأوربية أو الظاهرة المسيحية، فإن حديثنا سيكون مخلصاً لشيء واحد، لأن إحداهما متركبة على الأخرى على الخريطة، وهي تتفق معها في الزمن، والظاهرتان كلتاهما ترجع إلى الأخرى، مهما بدا لنا أن بينهما أحياناً تعارضاً ظاهرياً.
ومع ذلك فإن هذا التعارض الظاهري يختفي حين نعود إلى الوراء قرنين أو ثلاثة قرون، لأن كلمة (أوربي) ذاتها تختفي. إذ الواقع أنها لم تدخل في اللغة الدبلوماسية إلا منذ الحروب النابليونية، وعلى وجه التحديد في مؤتمر فيينا عام ١٨١٤.
وعلى الرغم من هذا فقد كانت هناك (ظاهرة أوربية) منذ العصر الوسيط الأول، ونحن مضطرون إلى أن نطلق عليها هذا الوصف لأنها متصلة بالمجال الجغرافي لأوربا.
وإن كان الواقع مرتبطاً بالإطار التاريخي، أي بالفكرة المسيحية، أو إذا شئنا تعبيراً آخر، بالعمل الروحي للفكرة المسيحية، تحت تأثير العامل الزمني خلال رحلتها من مسقط رأسها وتأقلمها بأوربا.
فكل حدث يسجله الزمن في ملحمة من ملاحم التاريخ الأوربي هو في الواقع نوع من التجسيد للفكرة المسيحية.
ومن الممكن أن نتتبع النشاط المشترك الذي قام به المجتمع الأوربي، وأن
стр. 61
نلاحظ خاصة بعض جوانب هذا النشاط حتى نخرج منه باللوحة التالية على سبيل المثال:
الظاهرة الأوروبية:...
:...نهاية الحضارة الرومانية
:...الإقطاع
:...اللاتينية: لغة الكنائس والجامعات
:...الحروب الصليبية
:...النهضة
:...الإصلاح
:...الاستعمار الذي بدأ منذ اكتشاف أميركا
:...ثورة ١٨٤٨، التي أثرت على أوربا كلها
ولو أننا ذهبنا إلى أن الحروب الصليبية وثورة ١٨٤٨ هما تجسيد مختلف لفكرة دينية واحدة، فمن المحتمل أن نتوهم أن في الأمر تناقضاً، لأن الحدث الأول ذو دلالة مباشرة على نشاط الفكرة المسيحية، بينما يترجم الثاني عن نوع من التيار الصادر عن الأفكار الاجتماعية واللادينية التي نمت في الثقافة الأوربية، مع فلسفة لوك Loche، والعلمانيين الفرنسيين.
فهناك إذن تعارض ظاهر بين ما ينبعث مباشرة عن الفكرة المسيحية وما يأتي عن الأفكار اللادينية. والواقع أن هذين الحدثين نتيجة النشاط المشترك لعالم واحد من الأشخاص والأفكار والأشياء، أعني أنها نتاج النشاط المشترك لمجتمع واحد يفكر ويعمل في صف واحد، بفضل شبكة العلاقات الاجتماعية وحدها.
ومن ناحية أخرى، لو أننا نظرنا إلى أحداث اللوحة السابقة منفصلاً بعضها عن بعض، فربما هدمنا بذلك وحدة التاريخ العضوي. بل على العكس من ذلك نرى أن كل حدث منها يجد تفسيره في الأحداث السابقة عليه:
стр. 62
فثورة ١٨٤٨ قد تخلقت بالصورة نفسها التي تخلقت بها النهضة أو الحروب الصليبية، أعني أنها تمثل نوعاً من تجسيد الفكرة المسيحية.
وبصفة عامة، كل ما ينتسب إلى (عالم أشياء) أوربا، و (عالم أفكارها) أو (عالم أشخاصها) إنما ينتسب بالضرورة إلى تكوين الظاهرة الأوربية، فهو ذاته ظاهرة أوربية، أعني أنه هو ذاته ناتج عن شبكة العلاقات التي أنتجت الحروب الصليبية أو ثورة عام ١٨٤٨.
ولو أننا نظرنا في (عالم أشياء) أوربا مثلاً إلى جهاز الراديو البسيط، وحاولنا أن نرسم على الخريطة العلاقات العقلية التي انتهت إليه، منذ التجارب المتواضعة التي قام بها جلفاني، حتى اختراع ماركوني، مارين بهرتز، وبوبوف وبرانلي، وكثيرين آخرين من مشاهير الرواد، لأنشأ هؤلاء شبكة واحدة.
ولو أننا رسمنا بعد ذلك على الخريطة ذاتها العلاقات التي أنتجت (الإصلاح) أو النهضة، فلسوف نجد أنفسنا أمام الشبكة نفسها، التي تفسر كل ظاهرة أوربية على أنها ظاهرة مسيحية.
***
стр. 63
العلاقات الاجتماعية وعلم النفس
بينا فيما سبق أن الوجود الحقيقي لمجتمع ما يبدأ بتكوين شبكة علاقاته، وحاولنا أن نشرح في أي الظروف والشروط التاريخية تتكون هذه الشبكة، تبعاً لوجهات النظر المختلفة باختلاف المدارس الفكرية.
ولقد تناولت هذه المحاولة في التفسير الأشياء في المستوى الاجتماعي، مستوى العدد، ورأينا الدور الذي يؤديه الدين في هذا المستوى حين يتدخل في التركيب الاجتماعي في شكل قيم أخلاقية، متجسدة في العرف والعادات، والتقاليد والقواعد الإدارية والمبادئ التشريعية، وأحياناً تتجسد في أكثر تشكيلات المجتمع ظهوراً، كما في طوائف المجتمع الهندي.
ونحاول الآن أن نرى في أي الظروف يندمج الفرد في الحياة الاجتاعية. ولئن كانت المشكلة قد صيغت من قبل بلغة الاجتماع، فمن الواجب الآن أن نصوغها قصداً بلغة علم النفس والاجتماع، أي إننا ينبغي أن نلجأ خاصة إلى نظرية الفعل (المنعكس الشرطي) لجوءاً نخلع معه على مصطلح بافلوف تفسيراً اجتماعياً.
ولقد سبق أن قلنا: إن المجتمع ليس مجرد عدد من الأفراد، وينبغي أن نحدد هنا أن وحدة هذا المجتمع ليست الفرد، ولكنها الفرد المشروط (المكيف). فإن الطبيعة تأتي بالفرد في حالة بدائية، ثم يتولى المجتمع تشكيله، ليكيفه طبقاً لأهدافه الخاصة، وهو المعنى الذي يقصد إليه رسول الله! في قوله:
«كل مولود يولد على الفطرة ة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه».
стр. 64
فذلك هو التكييف الذي يجعل الفرد أهلاً لأن يتخذ مكانه، ولأن يقوم بدوره في المجتمع. أي إننا ينبغي إجمالاً أن نحدد العلاقة التي يحتمل أن تكون بين مجموعة من الأفعال المنعكسة المنظمة لسلوك الفرد، وبين شبكة العلاقات التي تتيح لمجتمع ما أن يؤدي نشاطه المشترك.
فكما أن الفرد والمجتمع- في الظروف العادية- يعملان في الاتجاه نفسه، فإن هناك تبادلاً بين الانعكاس الفردي والعلاقة الاجتماعية. وبفضل هذا التبادل ينبغي أن نتوقع تدخل الواقع الديني في هذا الجانب الجديد من المسألة.
ويجب أن نلاحظ مباشرة تأثير الانعكاس في الحياة الاجتماعية، إذ نجد أن هذا التأثير يتطور مع عمر المجتمع.
فإذا وجدنا أن أبا ذر الغفاري يسيء إلى بلال في لحظة من لحظات السأم، كان ذلك أمارة على أن المجتمع الإسلامي لما يزل جنيناً في نفسية المسلم.
ومع ذلك فإن أبا ذر الغفاري تعاوده صحوة ضميره، فينقلب من فوره مرتمياً على قدمي بلال يسترضيه ويعتذر إليه.
وعليه، فالفرد يكتسب مجموعة انعكاساته، كما يكتسب المجتمع شبكة علاقاته، والعلاقة وثيقة بين جانبي المسألة: فهي علاقة كونية تاريخية. إذ أن المجتمع يخلق الانعكاس الفردي، والانعكاس الفردي يقود تطوره.
ويمكننا بفضل هذا التبادل أن نتخذ من المرض الاجتماعي دليلاً على الفساد في شبكة العلاقات، أو أمارة على التحلل في نظام الأفعال المنعكسة.
ولقد بينا فيما سبق، فيما يتصل بالمجتمعات التاريخية المعاصرة- بصرف النظر عن المجتمعات التي خرجت من التاريخ، أو التي تحجرت فأصبحنا نطلق عليها (المجتمعات البدائية)، ولا نستطيع أن نصدر عليها حكماً ما- أن أصول هذه المجتمعات تمتد إلى أعماق غيب ميتافيزيقي.
стр. 65
فإذا ما صغنا الآن المشكلة بلغة علم النفس ننتهي إلى الملاحظة نفسها من طريق أخرى. فالفرد لكي يدخل في شبكة علاقات اجتماعية معينة ينبغي أن يجسد في ذاته واقعاً نفسياً معيناً، وهذا الواقع الذي يعد شرطاً لإقرار الفرد وقبوله داخل الحياة الاجتماعية يمد هو أيضاً جذوره في أعماق غيب ميتافيزيقي.
لقد قررنا من قبل أن وحدة المجتمع لا تتمثل في الفرد، ولكن في الفرد المشروط. ولقد عرف علم النفس التجريي- منذ التجارب التي أجراها بافلوف- الفعل المنعكس الشرطي، حين تناول الأشياء من الناحية الوظيفية لا من ناحية التحليل. ونحن نتناولها هنا من الناحية الاجتماعية. إن إدماج الفرد في شبكة اجتماعية عملية تنحية، وهو في الوقت ذاته عملية انتقاء. وتتم هذه العملية المزدوجة في الظروف المادية، أي في حالة المجتمع المنظم- بوساطة المدرسة- وذلك ما يسمى التربية.
أما إذا كان المجتمع في طريق التكوين فإن العملية تبدأ تلقائياً في الظروف النفسية الزمنية التي تتفق مع ما أطلقنا عليه من قبل: (الظرف الاستثنائي)، الذي يتوافق مع ظهور المجتمع والحضارة.
فجهاز الأفعال المنعكسة لدى رجل كالغزالي قد تكون في المدرسة، ولكنه لدى صحابي كأبي ذر الغفاري تكون تلقائياً.
فالاطراد النفسي في كلتا الحالتين واحد: إذ يجد الفرد نفسه متخلياً عن عدد من الانعكاسات المنافية للنزعة الاجتماعية، ليكسب مكانها أخرى أكثر توافقاً مع الحياة الاجتماعية.
وذلك هو تكييف الفرد: فهو عملية تنحية تجعل الفرد لا يعبأ ببعض المثيرات ذات الطابع البدائي (كتلك الحمية التي كانت تعتري عرب الجاهلية وتدفعهم إلى الأخذ بالثأر)، وهو عملية انتقاء أو إحساس، تجعل الفرد قابلاً لمثيرات ذات طابع أكثر سمواً، طابع أخلاقي أو جمالي مثلاً.
стр. 66
وتعد هذه العملية من الوجهة النفسية المحضة عملية بناء للذات أو (الأنا) أو بعبارة أخرى: عملية تحديد لعناصر الشخصية.
ولقد أوضح (يونج) أن كل بناء شخصي يقوم دائماً على أساس نفسي عام في مجموع النوع، ويتمثل في التجارب المتلاحقة التي خاضتها الإنسانية منذ عهودها الأولى.
فالفرد على هذا يحمل في نفسه لدى مجيئه إلى الدنيا ملخصاً لهذه التجارب: فهو يستقبل عند ولادته ميراثاً نفسياً معيناً، كما يستقبل تراثاً حيوياً. هذا الميراث هو الذي يكون مجال اللاشعور ويمثل رصيد العقائد والخرافات التي كدستها الإنسانية في نفسيتها منذ بدء التاريخ.
والماضي الديني للإنسانية في نظر يونج حاضر في نفسية الفرد، وهو يظهر هنا وهناك في ألوان نشاطه النفسي، ويتجلى في أحلامه في هيئة رموز، أو في أفكاره في صورة مجازات لا شعورية.
بل إن رجعة التاريخ الديني على هذه الصورة تتجلى أيضاً لدى الملحد في صورة مجازات.
وهذه عبارة على سبيل المثال: ((منذ أكثر من ثلاثين عاماً طبقت فلسفة تقوم على أساس فكرة أن الحياة الإنسانية لا معنى لها- على طول الزمن- إلا أن تكون في خدمة الخلود)) (١).
ولقد يتساءل القارئ عن الصوفي أو القديس الذي كتب هذا النص، ومع ذلك فهي فكرة ملحد أرسلها إلى صديقه تروتسكي- ملحد آخر- قبيل إقدامه على الانتحار.
стр. 67
لقد انطلقت العبارة على هذه الصورة من لا شعور الرجل، كأنه يجدها في رصيد حركاته الفطرية، ولكن سرعان ما تتدخل جدليته المادية كأنما لتطمس الانعكاس الذي خطه قلمه على الورق، فإذا به يختم حديثه قائلاً: ((وبالنسبة لنا .. الوحدة هي الخلود)).
فالرجل قد عاش لحظة حماسة، لم يستطع فيها أن يلتزم فكره المشروط، ولكنه بعد هذه اللحظة لم يرد أن يترك لدى محدثه- تروتسكي- شكاً في تعصبه الماركسي.
ومع ذلك فهذا المثال لا يعطينا صورة كاملة للظاهرة التي نشير إليها، ولكن يرينا كيف أن الماضي الديني- وهو هنا ماض جد قريب- يتجلى في صورة انعكاس، صادر عن فكر ملحد.
فنفسية الفرد في المجتمعات التاريخية على الأقل مفعمة بالنزعة الدينية، تلك التي تعد جزءاً من طبيعته، وهو ما جعل علم الاجتماع يقول في تعريف الإنسان بأنه (حيوان ديني)، وهو بذلك يحدد جانباً من الأساس النفسي العام في أفراد النوع، وكل فرد يبني شخصيته الخاصة على هذا الأساس.
ومعنى ذلك أن الدين يتدخل أيضاً في هذا البناء؛ أعني في تحديد العناصر الشخصية للفرد، أو (الأنا).
وهو هنا يتدخل مباشرة في عملية التكييف، التي عرفناها على أنها عملية ترشيح أو تنحية من جانب، وعملية انتقاء أو بعث للإحساس من جانب آخر.
ولكي نحدد أهميته الاجتماعية تحديداً دقيقاً ينبغي أن نقول إن العملية هنا عملية تخالُفٍ من ناحية، وتَوافُقٍ من ناحية أخرى. فالفرد المشروط أو المكيف يختلف عمن ليس كذلك، وهو من جانب آخر لا بد أن يتفق مع نموذج يحتويه المجتمع الذي يكيفه ليدخل في شبكة علاقاته.
стр. 68
فالاطراد النفسي يفسر بطرق مختلفة. ويذهب يونج الى التمييز بين جانبين في الفرد القناع la Persona (١) وما وراء القناع، وأطلق عليه كلمة الظل ( l'ombre) ، ويقصد بالقناع الجانب المتجه ناحية المجتمع. ويقصد بالظل الجانب المتجه نحو الطبيعة والغريزة، أي نحو ما هو حيوي.
والظل هو مجال الطاقة الحيوية في حالة البدائية غير المكيفة، بالنسبة للحالة الاجتماعية، هو مجال الغرائز الناشطة فردياً، كل غريزة من أجل إشباع ذاتها، دون أي قانون آخر سوى هذا الإشباع.
والقناع هو المجال الذي تتم فيه عملية تكييف هذه الطاقة الحيوية الخام، من أجل تحويلها إلى طاقة قابلة للاستخدام اجتماعياً.
وهو المجال الذي يصبح فيه الأفراد المهذبون المثقفون وسائل في خدمة ضمير، كما يتم اتصالهم بالحياة عن طريق الضمير، لا عن طريق الغريزة مباشرة.
إنها عملية إدماج رئيسية تمنح نشاط الغرائز كل فاعليته الاجتماعية، حين تضع طاقاتها في خدمة الأفكار والمبادئ.
فالإنسان يجب أن يشرب ويأكل وينسل ويملك، ويكافح من أجل استمرار النوع. ولكنه يجب أن يراقب هذه الأعمال الأولية جميعها، وأن يوجهها لغايات تتفق وتقدم النوع.
وهو بهذه الطريقة يشترك واقعياً في عمل الله ، ومع ذلك فهو محكوم- إذا ما نظرنا إلى الأمر من الوجهة الدينية- تبعاً لهذا الاشتراك المنوط بتكليفه الديني، أعني تبعاً لخضوعه لقانون التقدم الأخلاقي، فإذا ما حملته طبيعته على العمل فإن ضميره هو الذي يعطي لعمله معنى تاريخياً وأخلاقياً.
стр. 69
وهكذا يعمل الإنسان بداعٍ من طبيعته من أجل الحفاظ على النوع، وبوحي من ضميره من أجل تقدمه، فهو إذن مزود بسلطة مزدوجة، لكن التكليف هو الذي ينظم العلاقة الداخلية لهذه السلطة المزدوجة، تنظيماً يكون معه عمل الغرائز واندماجها مطابقاً لرسالته الاجتماعية.
ومن هذا التركيب ينتج نظام الأفعال الاجتماعية المنعكسة، تلك التي تتفق مراحلها مع عمليات البناء الأولية، والتي قد تكون أحياناً ذات طابع مرضي كما في حالة الكبت.
لقد تحدث علماء النفس بإفاضة عن هذه العمليات التي تماثل ما أطلقنا عليه من قبل: التنحية والانتقاء، والتي تحدد في نهاية المطاف السلوك الاجتماعي للفرد.
ولو أننا تتبعنا مثلاً تفسير (هدفيلد Z.A. Hodfield)، فسوف ندرك دور الأفكار والمبادئ في هذه العمليات وهو في الواقع دور العنصر الديني في بناء الأنا. وبعض هذه العمليات بنائي، بمعنى أنها تنظيم للغرائز في علاقتها بالتوازن الأساسي داخل الفرد، وبعضها- على العكس - مرضي، لأنه يعارض جانباً من الطاقة الحيوية، أعني حين يكبت جانباً من الغرائز.
فدور العنصر الديني بوصفه عامل تنظيم نفسي دور رئيسي، لا من حيث إنه يعمل في صورة مبادئ موجهة تنطبع في ذاتية (الأنا) لتصبح دوافع وقواعد للسلوك فحسب، ولكن لأنها تستطيع أن تتجلى في صورة تحريم مانع في بعض الظروف المرضية، كما في حالة الكبت.
فتأثير الدين على (الأنا) هو إذن تأثير عام سواء كان ذلك لتحديد عناصر الشخصية الأساسية، أم كان لأنه في بعض الحالات الشاذة يؤدي إلى نشأة جوانب
стр. 70
مرضية، إذا بدا هذا التأثير في صورة يتحلل فيها العنصر الديني أو يفسد وفق ما ستشير إليه الفقرة التالية.
فالعنصر الديني عامة- فضلاً عن أنه يغذي الجذور النفسية العامة على ما بينا- يتدخل مباشرة في الشخصية التي تكون (الأنا) الواعية في الفرد، وفي تنظيم الطاقة الحيوية التي تضعها الغرائز في خدمة هذه (الأنا).
ولما كانت هذه الطاقة الحيوية المنظمة تتحول إلى نشاط اجتماعي لدى الفرد، وكان هذا النشاط لدى الفرد سبباً في وجود النشاط المشترك للمجتمع خلال التاريخ، فإن ذلك يرينا بصورة واضحة أهمية دور العنصر الديني، بطريقتين مختلفتين.
ومن ناحية أخرى فإن الآلية النفسية- أكثر من أي شيء آخر- هي التي تولد (الحركة الدائمة): إذ أن نشاطها يبدأ بعمليات متكررة.
والطاقة الحيوية الصادرة عن الغرائز والمنظمة بفعل التكيف، والموضوعة تحت تصرف (الأنا)، هذه الطاقة إنما تتصرف فيها الإرادة. أي إن الإرادة هي التي ستتصرف في توزيع تلك الطاقة الحيوية في مختلف قطاعات النشاط الاجتماعي لدى الفرد، وبالتالي تتحكم في توزيع النشاط المشترك للجماعة.
فالإرادة هي التي تتحكم في هذا التوزيع، ولكن حركتها الخاصة تخضع هي ذاتها لاطراد نفسي.
ومن هنا تأتي مشكلة توجيه الطاقة الحيوية الخاضعة لتصرف (الأنا).
ولنعد الآن إلى ما كتبه (هدفيلد) تفسيراً لهذه المشكلة من بين التفسيرات التي ضمنها بالتحديد كتابه (علم النفس والأخلاق) فهي تفيدنا في هذا المجال، فهو ينظر إلى الأشياء نظرة طبيب، أعني من جانبها المرضي.
стр. 71
بدأ هدفيلد بالسؤيل التالي:
((ما هو المنبه المناسب لتنشيط الإرادة؟))
واستطرد يجيب عن سؤاله بقوله:
((إن المثل الأعلى هو أقوى عامل في تقرير خلق الإنسان، وفي تعيين مسلكه، لأنه هو وحده الذي يستطيع تنبيه الإرادة، وتنظيم جميع الغرائز)).
فهو هنا يبين لنا أن الطاقة الحيوية الموضوعة تحت تصرف (الأنا)، هي في نهاية الأمر في ظل مراقبة ما أسماه (المثل الأعلى).
فقد أعلمنا بصورة عارضة أن تنظيم الغرائز الحيوية ليس هو وحده الواقع تحت المراقبة، وإنما يخضع لها أيضاً توجيه هذا التنظيم داخل النشاط الاجتماعي للفرد، وهو ما عبر عنه بقوله: ((تقرير خلق الإنسان وتعيين مسلكه)).
وعلى ذلك فإن مشكلة اختيار المثل الأعلى من أهم المشكلات، التي تصادف الفرد في إطاره الخاص لتنظيم (الطاقة الحيوية)، وفي الإطار الاجتماعي (لتوجيه هذه الطاقة الحيوية).
وهنا يأتي سؤال أورده هدفيلد على هذه الصورة:
((هل نترك لكل إنسان إذن اتباع الطريق الذي يبدو له مؤدياً إلى المثل الأعلى؟!)):
إننا إن فعلنا ذلك فسوف يجد اللص مثله الأعلى في السرقة، كما سيجده في عبادة القوة.
وبديهي أن هذه (الحرية) لا تتفق في النهاية، لا مع مصالح الفرد، ولا مع مصالح الجماعة.
стр. 72
ومن ناحية أخرى، لو أننا حرمنا الفرد من حرية الاختيار فسنجعل منه آلة صماء، أو مخلوقاً صناعياً، أكثر من أن يكون كائناً إنسانياً يتصرف في طاقته الحيوية لغايات يلمحها ضميره لمحاً جلياً.
فهناك إذن شرط مزدوج لهذا الاختيار، بينه هدفيلد حين قال:
((لقد أثبتت التجربة أن اختيار الفرد لمثله الأعلى أهدى طريق إلى السعادة)). ولكن هذا الاختيار من ناحية أخرى ((أعظم من أن يكون حكماً خاصاً نتيجة تفكير الفرد))، فهدفيلد يرى إذن أن هناك (مثلاً أعلى موضوعياً) يتفق مع (التقاليد الأخلاقية التي تلخص تجربة الجنس).
ولما كانت هذه (التقاليد) معبرة عن القيم الأخلاقية، تلك التي بينا من قبل أهمية العنصر الديني فيها، فإن مشكلة توجيه الطاقة الحيوية ترجع بدورها إلى مشكلة دينية في جوهرها.
وهكذا يظهر لنا من وجهة نظر علم النفس أن العنصر الديني يتدخل في تكوين الطاقة النفسية الأساسية لدى الفرد، وفي تنظيم الطاقة الحيوية الواقعة في تصرق (أنا) الفرد، ثم في توجيه هذه الطاقة تبعاً لمقتضيات النشاط الخاص بهذه (الأنا) داخل المجتمع، تبعاً للنشاط المشترك الذي يرديه المجتمع في التاريخ.
***
стр. 73
فكرة التربية الاجتماعية
هل يمكن أن نستخرج مما سبق فكرة تربية اجتماعية، أعني: منهجاً يهدي سير مجتع ما؟
لقد رأينا أن عجلة المجتمع تدور بفضل شبكة علاقاته، وأن هذا النشاط هو الذي ينشأ عنه تغير صورته.
بيد أننا رأينا نوعاً من التعادل بين شبكة العلاقات في مجتع ما، ونظام الاستجابة أو رد الفعل لدى الفرد المكيف.
فالمشكلة على هذا واحدة، ولكنها متصورة بمستويين، أو في نطاقين مختلفين: نطاق النفس الإنسانية من ناحية، ونطاق الزمن الاجتماعي من ناحية أخرى.
هذا التعادل هو الذي ترجم عنه مؤرخ مثل جيزو بلغته حين قال- على ما ذكرنا سابقاً-: ((إن شبكة التاريخ يمكن أن تتصور بطريقتين، فإما أن نحلها في نفس الفرد ذاته، ناظرين إلى ما يغير ذاته الإنسانية، وإما أن نحلها في نطاق ما يحيط به، ناظرين إلى ما يغير إطاره الاجتماعي)).
فإذا قلنا إن هناك تربية اجتماعية فإن قواعدها العامة ينبغي أن تستقى من علم التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم النفس.
ومنهجنا الذي اتبعناه حتى الآن يرجع بالتحديد إلى التاريخ، وذلك لكي نستخرج هذه القواعد في صورتها النظرية والواقعية معاً.
стр. 74
هذه القواعد هي ثوابت التاريخ، تلك التي لا يغيرها الزمن على حين يغير المجتمعات. إن نهضة مجتمع ما تتم في الظروف العامة نفسها التي تم فيها ميلاده، كذلك يخضع بناؤه وإعادة هذا البناء للقانون نفسه.
هذا القانون هو الذي عبر عنه حديث رسول الله ﷺ ، ولكن بلغة أخرى حين قال: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».
وهو أيضاً القانون العام الذي حاولنا تصويره في الرسم البياني السابق، ولعلنا نستطيع الآن إدراكه على وجه التحديد.
وربما أدركنا خاصة معنى (القيم النفسية- الزمنية) التي أشرنا إليها ببعض أضلاع الرسم المذكور: فهي تمثل درجة النمو في شبكة العلاقات، والمستوى الاجتماعي في نظام الأفعال المنعكسة في مجتمع معين، في لحظة معينة من تاريخه.
وكل مرحلة من المراحل الثلاث في الرسم البياني المذكور يمكن الآن أن تستبين في علاقتها بهذين المصطلحين.
فمثلاً، المرحلة (الروحية) (وهي المرحلة الأولى في الرسم البياني) يمكن أن نفسر بطريقتين، تفسر أولاً بلغة علم الاجتماع حين نقول: إنها تتفق مع شبكة العلاقات الاجتماعية حين تكون في أكثف حالاتها، لا في أكثرها امتداداً، هذه الكثافة هي ما توحي به عبارة (البنيان المرصوص) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٦١/ ٤].
ويمكننا أيضاً أن نفسر هذه المرحلة بلغة علم النفس حين نقول: إنها تتفق مع المرحلة التي يكون الفرد خلالها في أحسن ظروفه، أعني الظروف التي يكون فيها نظام أفعاله المنعكسة في أقصى فاعليته الاجتماعية، وتكون طاقته الحيوية أيضاً في أتم حالات تنظيمها.
стр. 75
هذا هو العصر الذهي بالنسبة لأي مجتمع، لا من أجل أنه يبلغ آنئذٍ أوج ازدهاره، وإنما لأنه يتمتع بميزتين: فقواه جميعاً في حركة، وهذه الحركة دائمة صاعدة.
وهذه هي المرحلة الديناميكية التي يدان فيها كل اتجاه نحو التقاعس أو السكون، وهو ما حدث في تاريخ المجتمع الإسلامي الناشئ في قصة (الثلاثة الذين خلفوا) المشهورة.
أما في المرحلة التالية (المرحلة الثانية في الرسم البياني) فإن المجتمع يتمتع بشبكة علاقاته الاجتماعية، حين تكون في أكثر حالاتها سعة وامتداداً، ولكن حين تكون أيضاً بعض الشوائب قد طفت على وجهه، وبعض النقائص قد برزت في صورته: وهذه- مثلاً- هي الحالة التي كان عليها المجتمع العباسي، عندما ظهرت مملكة الأغالبة في المغرب، في إفريقية الشمالية، وحين بدأت النزعة الشعوبية في الظهور في المشرق، في بلاد فارس.
ومعنى هذا بلغة علم النفس أن نظام الأفعال المنعكسة في المجتمع الإسلامي قد تعرض لصدمة (صدمة صفين)، تعرّضاً لم يعد معه الفرد المسلم يتصرف في كل طاقاته الحيوية، وهو يباشر وظيفته الاجتماعية، أعني إن جانباً من غرائزه لم يعد تحت رقابة نظام أفعاله المنعكسة.
وفي هذه المرحلة يواصل المجتمع نموه بفضل السرعة المكتسبة، ولكن قواه لا تكون جميعها في نطاق الحركة، وما كان منها في حركة قد لا يكون على الطريق الصاعدة: فهناك جانب من الطاقة مضى إلى السكون، وهو ما يمكن أن نمثل له في التخطيط الإسلامي بحركة المرجئة، ومضى جانب آخر إلى الهاوية، كحركة القرامطة: فمجموع من الطاقات لم يعد يعمل، ومجموع آخر يعمل في اتجاه مضاد، وبعبارة أصح: ضد المثل الأعلى للمجتمع.
وفي المرحلة الثالثة، تتفكك الغرائز، فلا تعود تعمل بشكل منسجم