← Общие книги

Общие книги · id 23415

ميلاد مجتمع

مالك بن نبي

Полный текст (124 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بدأ هدفيلد بالسؤيل التالي: ((ما هو المنبه المناسب لتنشيط الإرادة؟)) واستطرد يجيب عن سؤاله بقوله: ((إن المثل الأعلى هو أقوى عامل في تقرير خلق الإنسان، وفي تعيين مسلكه، لأنه هو وحده الذي يستطيع تنبيه الإرادة، وتنظيم جميع الغرائز)). فهو هنا يبين لنا أن الطاقة الحيوية الموضوعة تحت تصرف (الأنا)، هي في نهاية الأمر في ظل مراقبة ما أسماه (المثل الأعلى). فقد أعلمنا بصورة عارضة أن تنظيم الغرائز الحيوية ليس هو وحده الواقع تحت المراقبة، وإنما يخضع لها أيضاً توجيه هذا التنظيم داخل النشاط الاجتماعي للفرد، وهو ما عبر عنه بقوله: ((تقرير خلق الإنسان وتعيين مسلكه)). وعلى ذلك فإن مشكلة اختيار المثل الأعلى من أهم المشكلات، التي تصادف الفرد في إطاره الخاص لتنظيم (الطاقة الحيوية)، وفي الإطار الاجتماعي (لتوجيه هذه الطاقة الحيوية). وهنا يأتي سؤال أورده هدفيلد على هذه الصورة: ((هل نترك لكل إنسان إذن اتباع الطريق الذي يبدو له مؤدياً إلى المثل الأعلى؟!)): إننا إن فعلنا ذلك فسوف يجد اللص مثله الأعلى في السرقة، كما سيجده في عبادة القوة. وبديهي أن هذه (الحرية) لا تتفق في النهاية، لا مع مصالح الفرد، ولا مع مصالح الجماعة.

стр. 72

ومن ناحية أخرى، لو أننا حرمنا الفرد من حرية الاختيار فسنجعل منه آلة صماء، أو مخلوقاً صناعياً، أكثر من أن يكون كائناً إنسانياً يتصرف في طاقته الحيوية لغايات يلمحها ضميره لمحاً جلياً. فهناك إذن شرط مزدوج لهذا الاختيار، بينه هدفيلد حين قال: ((لقد أثبتت التجربة أن اختيار الفرد لمثله الأعلى أهدى طريق إلى السعادة)). ولكن هذا الاختيار من ناحية أخرى ((أعظم من أن يكون حكماً خاصاً نتيجة تفكير الفرد))، فهدفيلد يرى إذن أن هناك (مثلاً أعلى موضوعياً) يتفق مع (التقاليد الأخلاقية التي تلخص تجربة الجنس). ولما كانت هذه (التقاليد) معبرة عن القيم الأخلاقية، تلك التي بينا من قبل أهمية العنصر الديني فيها، فإن مشكلة توجيه الطاقة الحيوية ترجع بدورها إلى مشكلة دينية في جوهرها. وهكذا يظهر لنا من وجهة نظر علم النفس أن العنصر الديني يتدخل في تكوين الطاقة النفسية الأساسية لدى الفرد، وفي تنظيم الطاقة الحيوية الواقعة في تصرق (أنا) الفرد، ثم في توجيه هذه الطاقة تبعاً لمقتضيات النشاط الخاص بهذه (الأنا) داخل المجتمع، تبعاً للنشاط المشترك الذي يرديه المجتمع في التاريخ. ***

стр. 73

فكرة التربية الاجتماعية هل يمكن أن نستخرج مما سبق فكرة تربية اجتماعية، أعني: منهجاً يهدي سير مجتع ما؟ لقد رأينا أن عجلة المجتمع تدور بفضل شبكة علاقاته، وأن هذا النشاط هو الذي ينشأ عنه تغير صورته. بيد أننا رأينا نوعاً من التعادل بين شبكة العلاقات في مجتع ما، ونظام الاستجابة أو رد الفعل لدى الفرد المكيف. فالمشكلة على هذا واحدة، ولكنها متصورة بمستويين، أو في نطاقين مختلفين: نطاق النفس الإنسانية من ناحية، ونطاق الزمن الاجتماعي من ناحية أخرى. هذا التعادل هو الذي ترجم عنه مؤرخ مثل جيزو بلغته حين قال- على ما ذكرنا سابقاً-: ((إن شبكة التاريخ يمكن أن تتصور بطريقتين، فإما أن نحلها في نفس الفرد ذاته، ناظرين إلى ما يغير ذاته الإنسانية، وإما أن نحلها في نطاق ما يحيط به، ناظرين إلى ما يغير إطاره الاجتماعي)). فإذا قلنا إن هناك تربية اجتماعية فإن قواعدها العامة ينبغي أن تستقى من علم التاريخ، وعلم الاجتماع، وعلم النفس. ومنهجنا الذي اتبعناه حتى الآن يرجع بالتحديد إلى التاريخ، وذلك لكي نستخرج هذه القواعد في صورتها النظرية والواقعية معاً.

стр. 74

هذه القواعد هي ثوابت التاريخ، تلك التي لا يغيرها الزمن على حين يغير المجتمعات. إن نهضة مجتمع ما تتم في الظروف العامة نفسها التي تم فيها ميلاده، كذلك يخضع بناؤه وإعادة هذا البناء للقانون نفسه. هذا القانون هو الذي عبر عنه حديث رسول الله ﷺ ، ولكن بلغة أخرى حين قال: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها». وهو أيضاً القانون العام الذي حاولنا تصويره في الرسم البياني السابق، ولعلنا نستطيع الآن إدراكه على وجه التحديد. وربما أدركنا خاصة معنى (القيم النفسية- الزمنية) التي أشرنا إليها ببعض أضلاع الرسم المذكور: فهي تمثل درجة النمو في شبكة العلاقات، والمستوى الاجتماعي في نظام الأفعال المنعكسة في مجتمع معين، في لحظة معينة من تاريخه. وكل مرحلة من المراحل الثلاث في الرسم البياني المذكور يمكن الآن أن تستبين في علاقتها بهذين المصطلحين. فمثلاً، المرحلة (الروحية) (وهي المرحلة الأولى في الرسم البياني) يمكن أن نفسر بطريقتين، تفسر أولاً بلغة علم الاجتماع حين نقول: إنها تتفق مع شبكة العلاقات الاجتماعية حين تكون في أكثف حالاتها، لا في أكثرها امتداداً، هذه الكثافة هي ما توحي به عبارة (البنيان المرصوص) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٦١/ ٤]. ويمكننا أيضاً أن نفسر هذه المرحلة بلغة علم النفس حين نقول: إنها تتفق مع المرحلة التي يكون الفرد خلالها في أحسن ظروفه، أعني الظروف التي يكون فيها نظام أفعاله المنعكسة في أقصى فاعليته الاجتماعية، وتكون طاقته الحيوية أيضاً في أتم حالات تنظيمها.

стр. 75

هذا هو العصر الذهي بالنسبة لأي مجتمع، لا من أجل أنه يبلغ آنئذٍ أوج ازدهاره، وإنما لأنه يتمتع بميزتين: فقواه جميعاً في حركة، وهذه الحركة دائمة صاعدة. وهذه هي المرحلة الديناميكية التي يدان فيها كل اتجاه نحو التقاعس أو السكون، وهو ما حدث في تاريخ المجتمع الإسلامي الناشئ في قصة (الثلاثة الذين خلفوا) المشهورة. أما في المرحلة التالية (المرحلة الثانية في الرسم البياني) فإن المجتمع يتمتع بشبكة علاقاته الاجتماعية، حين تكون في أكثر حالاتها سعة وامتداداً، ولكن حين تكون أيضاً بعض الشوائب قد طفت على وجهه، وبعض النقائص قد برزت في صورته: وهذه- مثلاً- هي الحالة التي كان عليها المجتمع العباسي، عندما ظهرت مملكة الأغالبة في المغرب، في إفريقية الشمالية، وحين بدأت النزعة الشعوبية في الظهور في المشرق، في بلاد فارس. ومعنى هذا بلغة علم النفس أن نظام الأفعال المنعكسة في المجتمع الإسلامي قد تعرض لصدمة (صدمة صفين)، تعرّضاً لم يعد معه الفرد المسلم يتصرف في كل طاقاته الحيوية، وهو يباشر وظيفته الاجتماعية، أعني إن جانباً من غرائزه لم يعد تحت رقابة نظام أفعاله المنعكسة. وفي هذه المرحلة يواصل المجتمع نموه بفضل السرعة المكتسبة، ولكن قواه لا تكون جميعها في نطاق الحركة، وما كان منها في حركة قد لا يكون على الطريق الصاعدة: فهناك جانب من الطاقة مضى إلى السكون، وهو ما يمكن أن نمثل له في التخطيط الإسلامي بحركة المرجئة، ومضى جانب آخر إلى الهاوية، كحركة القرامطة: فمجموع من الطاقات لم يعد يعمل، ومجموع آخر يعمل في اتجاه مضاد، وبعبارة أصح: ضد المثل الأعلى للمجتمع. وفي المرحلة الثالثة، تتفكك الغرائز، فلا تعود تعمل بشكل منسجم

стр. 76

متوافق، ولكن بصورة فردية، كل منها يعمل لحسابه الخاص، وهنا يختل نظام الطاقة الحيوية، ويفقد قيمته الاجتماعية حين يهرب من مراقبة نظام الأفعال المنعكسة الناشئ عن عملية التكييف. في هذه المرحلة تسود الفردية تبعاً لتحرر الغرانز، وتتفسخ شبكة العلاقات الاجتماعية نهائياً: وهو ما يطلق عليه في التاريخ عصر الانحطاط، كذلك العصر الذي هيأ في المجتمع الإسلامي ظروف القابلية للاستعمار والاستعمار. وبذلك نرى أن تاريخ مجتمع ما هو تاريخ شبكة علاقات ونظام الأفعال المنعكسة لدى نموذجه، وهو الفرد المكيف. فكل فكرة عن التربية الاجتماعية يجب أن تصدر من هنا: إنه لكي يمكن التأثير في أسلوب الحياة في مجتمع ما، وفي سلوك نموذجه الذي يتكون منه، وبعبارة أخرى: لم يمكن بناء نظام تربوي اجتماعي ينبغي أن تكون لدينا أفكار جد واضحة، عن العلاقات والانعكاسات التي تنطم استخدام الطاقة الحيوية، في مستوى الفرد، وفي مستوى المجتمع. ولقد حاولنا حتى الآن أن نستنبط هذه الأفكار بطريق التحليل، أي بطريقة نظرية. ولكن يحسن في كل عمل من هذا القبيل تحقيق النتائج النظرية التي يسفر عنها التحليل بواسطة اختبار مضاد، أعني: بواسطة التركيب. ومع ذلك، فقد لجأنا خلال بحثنا أحياناً إلى تأكيد الواقع النظري بواقع التاريخ، الذي سقناه شاهداً على ما نذهب إليه. ولربما كان هذا التأكيد غير كاف، إذا ما علمنا أن الواقع التاريخي المقطوع عن سياقه لا يعطي فكرة دقيقة عن نشاط قوى التاريخ، الذي استخلصنا وصفه النظري.

стр. 77

إن من الواجب أن نرى هذا النشاط في حيويته، نراه وهو يمنح الفرد القدرة على التكيف حسبما يعرض له من المواقف، ثم وهو ينتقل تحت رقابة نظام انعكاساته إلى المجتمع الذي يحيله نشاطاً مشتركاً بفضل شبكة علاقاته. وخير طريقة نرى بها دليل التاريخ على الاحتمالات النظرية المتعلقة بمجتمع ما، هي أن نرى التاريخ نفسه في تكونه، أي أن نتتبع العملية المتصلة بتكوين مجتمع ما إبان ولادته. فبهذه الطريقة نستطيع أن نشهد دور الدين في حيويته، وهو يحقق عمله الاجتماعي، بطريقة غير مباشرة، أو غير أساسية، حين يهدف إلى غاياته الخاصة: فالدين حين يخلق الشبكة الروحية التي تربط نفس المجتمع بالإيمان بالله، وهو يخلق بعمله هذا أيضاً- كما بينا- شبكة العلاقات الاجتماعية التي تتيح لهذا المجتمع أن يضطلع بمهمته الأرضية، وأن يؤدي نشاطه المشترك: وهو بذلك يربط أهداف الماء بضرورات الأرض. فإذا قال الدين قوله سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥١/ ٥٧] فإن الله لم يرد بهذا القانون أن يفصل الناس عن الأرض، ولكن أراد أن يفتح لهم طريقاً خيراً ليضطلعوا بعملم الأرضي. والتاريخ يرينا مدى القدرة التي امتاز بها أصحاب الدين، وخاصة المسلمون، حين ساروا في هذه الطريق. بيد أننا نعلم أن أول شيء في هذه الطريق هو تكوين نظام الانعكاسات الذي يغير سلوك الفرد، وهذا التغيير النفسي هو الذي يستهل حياة المجتمع، وهو أيضاً الشرط النفسي في كل تغيير اجتماعي. أليس ذلك وارداً بوضوح في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد ١٣/ ١١].

стр. 78

وهكذا نرى أن كل ما يغير النفس، يغير المجتمع، ومن المعلوم أن أعظم التغييرات وأعمقها في النفس قد وقعت في مراحل التاريخ مع ازدهار فكرة دينية. ولو أننا استطعنا أن نتتبع في دقة عمل الفكرة الدينية إبان ولادتها فربما أصابتنا الدهشة لما نشهد في عملها من جوانب غير متوقعة. بل ينبغي أيضاً أن يمارس المرء بعض التجارب التربوية كما يفهم التغيرات المثيرة التي يمكن أن تتم في كيان الفرد بهذه الطريقة. وذلك هو ما يلاحظ عندما يدخل التعليم وسطاً بدائياً، فإن الأفكار التي يتولى نشرها لا تؤثر في عقلية التلاميذ فحسب، بل يبرز أثرها على ملامحهم أيضاً. إن الفكرة الدينية تحدث تغييرها حتى في سمت الفرد ومظاهره، حين تغير في نفسه، وبذلك يكون لمنهج التربية الاجتماعية أثره في تجميل ملامح الفرد، أي إن مجموعة من الانعكاسات تؤدي إلى خلق صورة جديدة، كأنها تتمثل في وجه جديد. أي إن الرأس لها شكل الأفكار التي تحملها. وإذا أردنا الاختصار قلنا: إن المجتمع يصوغ نموذجه، لا من الناحية العقلية فحسب، بل من الناحية العضوية أيضاً. ولو أن أحداً شهد ميلاد المجتمع الإسلامي فلعله- فيما أظن- كان يشهد موجة التغيير تغمر الذين عاصروا النبي ﷺ ، لا في خصائصهم النفسية فحسب، بل في سماتهم العضوية أيضاً. ولم يدع لنا التاريخ الإسلامي وثيقة عن التغيير ذي الطابع التجميلي الذي

стр. 79

ربما كان قد صحب ميلاد المجتمع الإسلامي، ولكنه أعطانا وثائق يمكن أن تكون تأكيداً لما سبق إيراده من اعتبارات نظرية، تخول لهذه الاعتبارات قيمة تربوية قابلة للتطبيق، لدى نهظة المجتمع الإسلامي وإعادة بنائه. ومع ذلك فلقد عرفنا في ضوء ما سبق ما هي العناصر التي يمكن أن تكون موضوع تربية اجتماعية، إذ يجب أن نغير أساساً الصفات النوعية الخاصة بالفرد، إلى صفات اجتماعية تحدد معالم (الشخص)، أعني تغيير الطاقة الحيوية المنطلقة بواسطة الغرائز إلى طاقة اجتماعية خاضعة لمراقبة نظام الانعكاسات المتكونة لدى الفرد بفضل تكييفه. ومعنى ذلك خلق شبكة العلاقات القادرة على توحيد هذه الطاقات المنطلقة بواسطة الغرائز، توحيدها في صورة نشاط مشترك، يقوم به مجتمع، وظيفته تجميع هذه الطاقات الفردية لمصلحته بفضل هذه الشبكة. وهذا هو موضوع التربية الاجتماعية عامة. ولقد بينا نصيب العنصر الديني في هذا الموضوع، وهو أنه يعمل على تكوين نظام الانعكاسات لدى الفرد المكيف المشروط، كما يعمل على تكوين شبكة العلاقات التي تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك. فبقدر ما تكون هنالك فكرة واضحة تمام الوضوح عن دور هذا العنصر في (ميلاد مجتمع) معين، يمكن أن تكون هنالك فكرة دقيقة تمام الدقة عن دورها الذي يمكن أن تؤديه في (نهضة) هذا المجتمع. وبهذا ندرك معنى قوله ﷺ : ((إنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها)) بمفهومه الاجتماعي الدقيق.

стр. 80

شبكة العلاقات الاجتماعية والاستعمار بينا فيما سبق أن شبكة العلاقات الاجتماعية هي التي تؤمن بقاء المجتمع، وتحفط له شخصيته، وأنها هي التي تنظم طاقته الحيوية لتتيح له أن يؤدي نشاطه المشترك في التايخ. وبديهي أننا لا نستطيع أن نفترض أن الاستعمار يجهل أهمية هذه العوامل في بلد مستعمَر، فهو يطبق بصددها سياسة مناسبة. هذه السياسة تتجلى في ألف صورة، وحسبنا فيما أعتقد، أن نصرب لها مثلاً تلك القصة الصغيرة التي حكاها لي أبي الموظف بأحد المراكز جنوب شرقي الجزائر، حيث كان يعمل في إحدى الوظائف المتواضعة، فقد كان المدير الفرنسي لهذا المركز رجلاً عالماً (١)، ينظم سلوكه وفقاً لما يمليه ضميره، أكثر من أن يكون وفقاً لتقديرات الإدارة العليا. وكانت في هذا المركز عائلتان جزائريتان كبيرتان، ظلتا في شجار دائم، على أثر خلاف نشب بينهما منذ أمد بعيد. ولكن المدير الفرنسي أفلح في إقرار المصالحة يينهما. ولما كان سعيداً بمأثرته في إقرار السلام بين الأسرتين، فقد حكى قصته أمام جمهور كبير لأحد رؤسائه الإداريين، أثناء التفتيش في المنطقة. وانحدرت القصة إلي من طريق أبي. قال: لقد استشاط الرئيس الأعلى غضباً، حتى إنه لم يتمالك أن صاح بأعلى صوته قائلاً للعالم التائه بين دواليب الإدارة الاستعمارية:

стр. 81

سيدي المدير: إننا لم نرسلك هنا قاضي مصالحات، لتهدئة المعارك، التي قد تفيد أحياناً مصلحتنا العليا .. هذه القصة الصغيرة كافية فيما أعتقد لترينا أن الاستعمار يطبق في سياسته إزاء البلد المستعمَر روح الحكمة القائلة: ((فرق تسد)). بيد أنه ينبغي أن ندرك ماذا يعني هذا في الأحداث اليومية لهذه السياسة. ونحن نحمل في كياننا بكل أسف (النظارة) التي تحدد بصورة شاذة مدى بصرنا في هذا الميدان. فنحن ندرك جيداً النشاط الاستعماري عندما يكون مرئياً واضحاً، كأنه لعبة أطفال. ولكنا لا ندرك مجال هذا النشاط ولا وسائله منذ اللحظة التي يصبح فيها دقيقاً ... كلعبة الشيطان. نحن ندرك مثلاً وسائله التي استخدمها لقتل الثورة الجزائرية، كالدبابة والطائرة، وقنابل النابالم ... فذلك شيء مرئي واضح، وهو بهذه الوسائل قد قتل مليوناً من الجزائريين، أعني أنه قضى على جانب كبير من الطاقة الحيوية في بلادنا، وهذا أيضاً شيء مرئي واضح. وقد ندرك أيضاً نشاط الاستعمار في هذا البلد، عندما نجح الشعب الجزائري- في إحدى المراحل الحاسمة من تاريخه- في أن يجمع طاقته الحيوية كلها لخدمة فكرة معينة، وتبلورت هذه الطاقة في شبكة علاقات اجتماعية هائلة، تجلت في أجلى صورها عام ١٩٣٦، في المؤتمر الشعبي الجزائري. إن الاستعمار هذه المرة لم يخرج فرقه العسكرية لتحطيم الطاقة الحيوية في الشعب الجزائري، وهدم شبكة علاقاته الاجتماعية. فقد كان بحسبه أن يغتال رجلاً واحداً حتى يبث الفوضى والاضطراب ... وقد فعل!!

стр. 82

ثم إنه ألقى ببعض المال في ضمير أحد الزعماء السياسيين، الذين كانت تتجسد فيهم في فترة معينة طاقة البلاد الحيوية، وفكرة نضالها. وتكفلت الأحزاب السياسية ببقية العمل، كل منها يريد أن يرث المؤتمر الشعبي الجزائري، وأن يحول لمصلحته الشخصية شبكة العلاقات الاجتماعية، التي تمثلت للمرة الأولى على مستوى قومي. هذا عمل دقيق نوعا ما، ولكنه أيضاً مرئي واضح بقدر كاف. إن عمل الاستعمار يتلاحق كل يوم في صورة أكثر دقة وخفاء، تلاحقاً لا يعود معه في مقدورنا أن ندرك منه شيئاً، فإن لنا أوضاعاً عقلية تحول بيننا وبين أن نتتبع اللعب حين لا يكون مرئياً أو واضحاً، وحين تكون الوسائل المستخدمة في قدر حبات الرمل. ذلك أن حبة رمل واحدة كافية أحياناً لإيقاف محرك، إذا ما تسربت إلى أحد أجهزته. وبعبارة أخرى: قد تكفي لذعة إبرة في مكان مناسب ليحل الشلل بشبكة العلاقات الاجتماعية في بلد مستعمر، كما يكفي (لا شيء) لشل الجهاز العصبي في مكان حي أحياناً. ذلك فن دقيق شبيه بفن زرع اللآلئ الذي أتاح لليابان أن تحقق أرقى طرق الزراعة، زراعة الجواهر. وإنا لندرك جيداً أن الاختصاصيين الذين يعملون لحساب الاستعمار أساتذة في ذلك الفن المطبق على الشبكات الاجتماعية، وعلى الطاقة الحيوية التي يملكها شعب، مستعمر فعلاً، أو مهدد بمؤامرات الاستعمار. ولا ريب أن الأمثلة السابقة ترينا كيف يعمل هؤلاء الفنانون في بلد عربي كالجزائر، لتمزيق شبكة علاقاته السياسية في لحظة معينة، ولشتيت طاقته الحيوية المنظمة، والمتمثلة آنذاك في المؤتمر الشعبي.

стр. 83

ولسوف نبين في الفصل التالي أيضاً كيف يستخدم الاستعمار نوعاً من القوارض المجازة، التي ربيت بعناية في بؤره الثقافية لمهاجمة شبكة العلاقات الثقافية والأخلاقية في بلد معين، وهم أنفسهم الذين يدعون أنهم يمثلون ثقافته. وحسبنا أن ننظر حوالينا لنرى هؤلاء القوارض يعملون في بلادنا، وكيف أنهم مدفوعون دائماً إلى المسرح بيد خفية، ولقد يكون صرحاً دولياً، أعني حيثما وجدت قيم صالحة للقرض يمكن أن تتحول إلى لاقيم. ولا جدوى من القول في كيفية توصل الاستعمار إلى هذا الضرب من المخاتلة: فربما احتجنا أن نقول أشياء تبدو لنا غير محتملة، فإننا بعيدون عن الواقع ... عن واقعنا. ولكن لنذكر بعض الأمثلة في تحفظ: لنفترض أن رجلاً مشهوراً- له مواقف واضحة في توجيه الصراع الفكري، في البلاد العربية هذة الأيام- يريد أن يبرهن على عطفه تجاه مثقف يشترك في هذا الصراع، وهذا المثقف يضطر في بعض الظروف الخاصة أن يستريح بعيداً، في عزلة ضرورية تمليها تلك الظروف. ولنفترض أن هذا الرجل المشهور منحه إقامة شهر في أي مكان على نفقته الخاصة، وأنه أعطاه من أجل ذلك إذناً مطلقاً فيما يتعلق بالنفقات. هذه حالة تعبر طبعاً عن علاقة اجتماعية معينة من الجانبين الأخلاقي والثقافي معاً. وهي تهم أيضاً من هذين الجانبين مجموعة الفنانين الذين نتحدث عنهم. ولا حاجة بنا إلى القول إنهم سوف يحاولون جهدهم أولاً أن يجعلوا الإقامة كريهة ما أمكنهم، فتفقد جدواها من الناحية النفسية والطبية معاً. فنحن هنا نريد أن نظهر الأشياء من زاوية الفاعلية المتوافرة لحبة الرمل فحسب.

стр. 84

كيف سيمضي هؤلاء الفنانون في عملهم .. ؟ ... إن لهم ولا ريب ألف طريقة، ولكن ها هي ذي واحدة من بينها: ففي نهاية الإقامة يطلب الرجل أن يرى قائمة حسابه قبل مغادرة الفندق. وهنا يلاحظ أن جانباً من النفقات قد حمل على بند (بار) .. بينما هو لم يضع رجله في بار الفندق مرة واحدة. وربما كان لدينا من الأسباب ما يدعو إلى الاعتقاد بأن كلمة (بار) هي حبة الرمل الصغيرة المخصصة لتحطيم علاقة ما، في شبكة الصراع الفكري. ولا شك أن الموظف المختص قد وضع كلمة (بار)، حين لم يستطع أن يضع مباشرة كلمة (ويسكي) أو (كونياك)، لأن الكلمتين كلتيهما تلفتا النظر أكثر من كلمة (بار)، وهو يعلم مقدماً أن النزيل سيوقع على القائمة قبل الرحيل. وطبيعي أن يعتذر الموظف وأن يصحح الخطأ، واضعاً مثلاً كلمة (كوكا كولا) مكان كلمة (بار) لو أن النزيل اكتشف الأمر كما حدث فعلاً. ولكن لنفترض أن هذه الكلمة بقيت في القائمة .. فكيف يمكنه استخدامها كحبة الرمل .. ؟ الأمر بكل بساطة هو أن تمضي القائمة إلى هدفها، بطريقة أو بأخرى، حيث يلفت اهتمام رجل الخير إلى كلمة (بار) مع ما تيسر من تعليق موجز. ومن الممكن أن نتخيل حينئذ تأثير هذه الكلمة على مشاعر الرجل الطيب، لا سيما إذا كان التعليق عليها لبقاً. ولقد يتخذ هؤلاء الفنانون في حالة أخرى، الموقف نفسه بطريقة مختلفة. إذ ينفخون في ميزانية الإقامة حتى تتورم بمصروفات عديمة الجدوى، تورّماً تضر معه الضيافة بمن أفاد منها، وبمن أذن بها.

стр. 85

بيد أن المشكلة التي نواجهها في هاتين الحالتين تكمن في أننا لا نكترث بهذه الألاعيب، لدرجة أنها لا تثير اهتمامنا، على حين تشغل آثارها في خسائرنا الاجتماعية اليومية جانباً كبيراً. ولسنا نستطيع، بكل أسف، وبتأثير أوضاعنا العقلية، أن نفهم عمل الاستعمار إلا ريثما يثير ضجيجاً، كضجيج الدبابة والمدفع والطائرة. أما حين يكون من تدبير فنان، أو من عمل قارض فإنه يغيب عن وعينا، لسبب واحد، هو أنه لا يثير ضجيجاً. ولعل أشق الأمور على النفس أن خيرة مثقفينا أنفسهم ليسوا بكل أسى، بريئين من هذا النقص، الذي يعزى- فيما أعتقد- إلى تطور مجتمعنا العام، مجتمعنا الذي لم يكوّن بعد مقاييسه في هذا المجال، أو هو يصوغها على الأقل طبقاً لأصول الأشياء، لا طبقاً لأصول الأفكار. وأوضاعنا العقلية التي نلتزمها لا تقعد بنا عن متابعة عمل الاستعمار فحسب، عمله الذي يمزق به شبكة مجتمنا، بل إنها تستخدم أحياناً معطفاً يختفي تحته استهتارنا وعدم اكتراثنا. لي صديق أعده أكثر من أخ، وهو طيب كبير، ويعد واحداً من خيرة مثقفينا الذين أعرفهم بالجزائر. كنت أتفق معه حين كنا نفكر سوياً، لأن أفكارنا كانت دائماً متماثلة، ولكني كنت أختلف معه وأفترق عنه كلما حتمت الظروف أن نعمل معاً. فتجاربنا تختلف اختلافاً كلياً، فحيثما أريد أن أتخذ بعض الاحتياطات في كفاحنا ضد الاستعمار- وهي احتياطات تعد من وجهة نظر أحد المثقفين الأوربيين مثلاً غير كافية- إذا بصديقي يراها مفرطة إلى درجة الغلو. حتى إن الاستعمار يجد خير حليف في أوضاعنا العقلية ذاتها.

стр. 86

ولنفرض مثلاً أنه يريد أن يعطل بعض المشروعات في إدارة معينة، هنالك يكفيه أن يخلق في أجهزتها فراغاً مؤقتاً، أعني عورة مادية لما أطلقنا عليه من قبل (الفراغ الاجتماعي)، موظف صغير يتغيب في اليوم نفسه، وهنا يتوقف التنفيذ. هذا منهج، ولكن ما يهمنا معرفته هو رد الفعل الصادر عنا إزاء ما يحدث. ولكي تعرف رد الفعل .. اسأل واحداً من رؤساء هذه الإدارة: لماذا توقف التنفيذ؟ .. ولسوف يجيبك: - لأن السيد فلاناً .. الموظف المكلف عمل كذا- غائب. ولو أنك قلت لهم: - السيد فلان .. ؟! ولكن الموظف بإحدى الإدارات إذا غاب أو مات فإن الوظيفة تستمر، وإلا حكمتكم تفاهة أحد الموظفين. ولسوف ترى علائم الاستغراب ترتسم في الحال على وجه محدثك، لأنه يجهل أن هذا الموظف الصغير يمكن أن يؤدي بمهارة دور حبة الرمل التي توقف آلة بأكملها عن الدوران. وفي حالة أخرى، تتحدث مثلاً مع رجل من الطيبين المثقفين تشرح له نقائص المجتمع الإسلامي، طبقاً لمقاييس اهتممت بتمحيصها خلال تجربة طويلة، أعني أنها مستقاة من واقع الأشياء ذاته. لكن محدثك يقاطعك في لحظة معينة قائلاً: - سيدي .. إن أفكارك عظيمة ولكن ينبغي أن نعود إلى الواقع. وعندئذ اسأله: - ما هو هذا الواقع .. أرجوك أن تذكره لي .. ؟!

стр. 87

ولسوف تلاحظ أن الرجل يطلق (الواقع) لا على ما يراه مثلك بعينيه، بل على ما يفكر فيه دون الرجوع لأي مقياس من التاريخ أو الاجتماع، فتكوينه العقلي يمنعه من أن يرى ما هو أمام عينيه بلحمه وعظمه، كما أن هذا التكوين هو الذي يمنع الموظف الكبير في الإدارة من أن يدرك الفرق الضروري بين تفاهة الموظف وضرورات الوظيفة. بيد أن مشكلة الأوضاع العقلية تتصل، عامة، بأمن شبكة العلاقات الاجتماعية، في المجتمع الإسلامي، في بلد مستعمر أو مهدد بمؤامرات الاستعمار. فهذه الشبكة معرضة لضرباته؛ لأن المسلمين لم يطبقوا نظاماً واقعياً فعالاً ضد هذه الضربات، التي تأتي خاصة من القوارض الذين يعدهم لتحقيق هدفه، كما تأتي بوجه عام من جميع أنواع القوارض، التي تُعمِل أسنانها في العلاقات الاجتماعية بالمجتمع الإسلامي. وبعكس ذلك نرى كيف أن المجتمع السوفييتي دافع عن علاقاته ضد كل القوارض، حين اتخذ إجراءات جريئة ضد ما أطلق عليه: (المواطنة العالمية COSMOPOLISME)، كما يدافع عن وحدته الثقافية، وضد ما أطلق عليه: (الانحرافية DEVIATIONNISME) كيما يدافع عن علاقاته الفكرية (الايديولوجية)، وضد ما أطلق عليه (التروتسكية TROTSKYSME) كما يدافع عن علاقاته السياسية. وقد رأينا أخيراً كيف أن خروشوف أنذر نوعاً من القوارض المنبثين في صفوف الشعب، واعداً إياهم بإرسالهم إلى حيث يستروحون هواء سيبيريا، حتى يحول بينهم وبين أن يلتهموا شبكة العلاقات الأخلاقية اولثقافية في المجتمع السوفييتي. فهذا الموقف إزاء مشكلة اجتماعية معينة، لم تزل بعد وليدة، جدير أن يلفت انتباهنا من جانبين، إذ أنه يرينا، في حالة مسحة سرعة الإدراك الواعي

стр. 88

لدى المسؤولين السوفييت إزاء هذه المشكلة التي مازالت في مهدها، كما يرينا الإجراءات الرادعة التي أزمعوا اتخاذها منذ البداية، حتى يعطوا المشكلة حلاً فعالاً. ومن المسلم به أن هذا الحل لم يخرج عن أن يكون مخططاً في صيغة إنذار لخروشوف، الذي يفكر دون شك تفكيراً هادئاً في وسائل أكثر فاعلية من مجرد إرسال القوارض ضد الاجتماعية إلى سيبيريا، إذ أن المشكلة قد طرحت منذئذ على بساط البحث في المجلس السوفييتي الأعلى، شأنها شأن أية مشكلة ذات أهمية بالغة الخطورة. ولكم نتمنى أن يكون لدينا في المجتمع الإسلامي هذا الوعي لمشكلتنا، وأن يطبق عليها الإجراءات التي تناسبها. هذا وإننا لم نفعل في هذا الفصل أكثر من رسمنا الخطوط العامة للمشكلة، كيما ندل على وجودها. وبديهي أن طرق الاستعمار شديدة التنوع في هذا المجال، حيث يقتضيه الأمر أن ينشئ في مجتمعنا أعظم قدر من الفراغ الاجتماعي، مستخدماً جميع الوسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية. والاستعمار لا يطبق سياسة دون أن يقدر آثارها السلبية التي يمكن أن تنشأ عنها بالنسبة لمصلحته، وهو في هذا المجال يتخذ الاحتياطات التي يمليها الفن العسكري، أعني أنه عندما يعد خطة هجوم يجب أن يقدر مقدماً احتمال الانسحاب، وهو يقتضي دفاعاً عن خطوط الرجعة. وربما كان إحداث تخريب في شبكة العلاقات الاجتماعية في قطاع من قطاعات الحياة في بلد ما، كفيلاً بإثارة اهتمام الدولة أو بعض الأفراد، ففي هذه الحالة يجد الاستعمار في أنفسنا ما وضعه للدفاع عن خطته، فهو يجده، في صورة مجموعة من التقاليد ضد الاجتماعية، تؤثر على ضمير الشعب الذي يواجه

стр. 89

الهجوم، فهذه التقاليد هي التي تقدم تفسير الهجوم، بل تمنحه صفة الشرعية، حتى كأنه أمر عادي تماماً، فتؤكد أنه لا يوجد ثمة هجوم، وإنما مجرد وهم وخيال. وهكذا يتم تمويه الإحساس النقدي بالمعركة، وينتهي الموقف بتأثير نوع من التيه العقلي الذي يدعى أنه سعة في العقل وتسامح، ينتهي بالتغاضي عن كل شيء، وبالتفريط في كل شيء، لأن التقاليد ضد الاجتماعية تشلنا من النواحي العقلية والقانونية والإدارية. ومن الواضح مثلاً أن أية رسائل ذات أهمية معينة سياسية أو ثقافية، هي بسبب هذا جزء لا يمكن إهماله من شبكة العلاقات الاجتماعية في بلد ما. وينتج عن هذا أن مثل هذه الرسائل تهم الاستعمار. فلنفترض الآن أنك أبديت دهشتك ذات يوم، سواء لأن بريدك لم يصل إلى من أرسل إليهم أم لأن أي بريد لم يعد يصلك. أتدهش من ذلك؟ .. ، هذا أمر لا يجوز .. وها هو ذا أحدهم يتطوع ليشرح لك أن الأمور تجري بصورة عادية، وأن غير العادي هو أنت!! لأنك تدهش!! ولسوف يتخذ أحد التقاليد ضد الاجتماعية شاهداً على ما يقول، سيقول لك مثلاً: إن شخصية كبيرة معينة لم تتسلم ذات مرة برقية مرسلة إليها، فعادت إلى المرسل مع ذكر أن (العنوان مجهول). ويقول لك إن الصحافة ذكرت هذا. ولسوف تتذكر فجأة أنك قرأته فعلاً في إحدى الصحف الكبرى، فلن تجرؤ بعد ذلك على أن تقول شيئاً. وبهذا لا يكونون قد صادروا بريدك فحسب، بل يكونون قد ألغوا في الوقت ذاته إحساسك النقدي بتفصيل من تفاصيل الحياة اليومية، وهو جدير أن يبحث في ضوء آخر، في نطاق مشروع التخريب الاستعماري.

стр. 90

ففي هذا الضوء الآخر، وفي هذا النطاق، يمكن أن يأخذ هذا العمل تفسيراً مختلفاً: إذ يمكن أن يحدث عمداً، بوساطة موظف ضعيف تختفي المؤامرة وراء ضعفه، أو يكون هو ذاته شريكاً فيها، وكل هذا من أجل خلق تقليد معادٍ للمجتمع، أعني أساساً لتفسير يخلع صفة الشرعية على جميع ضروب التخريب المستقبلية. وفي هذه الحالة، يتمثل التقليد المعادي للمجتمع في سابقة، مجرد تفصيل يومي، يرتفع إلى مستوى مفتاح للتفسير، إذ هو يمثل لنا هذه الألاعيب على أنها أمور عادية كثيرة الوقوع (١). وفي حالات أخرى تستخدم أوضاعنا العقلية مفتاحاً لهذا التفسير، فلو فرضنا مثلاً أن إجراء عاماً لحماية القطن لم ينفذ، فلسوف يفسرون ذلك بكل بساطة على أن مرده إلى (الروتين)، أعني إلى تقليد معادٍ للمجتمع، تقليد مستورد، وأسيء استيراده، إذ أن هذه الكلمة في موطنها تعني من الوجهة الاشتقاقية أن يوضع شيء في (الطريق ROUTE) ، والطريق الإداري العادي يمكن في الواقع أن يشتمل على بعض أشكال البطء، وهو مع هذا يبقى في نطاق توقيت مقدر وإن طال. اما في بلادنا فقد تغير معنى الكلمة، فأصبح مرادفاً لعبارة (الطريق المسدود)، أي الوضع الذي تتجمد فيه الحركة الإدارية تجمداً لا تصبح معه المسألة مسألة توقيت قصير الأجل، أو طويل الأجل.

стр. 91

هذا التقليد المعادي للمجتمع يسبب عجزاً اجتاعياً هائلاً كل عام، دون أن يحاول المسؤولون التخلص منه. فأنت تبدي دهشتك مثلاً لأحد الرؤساء الإداريين، لأن إجراء ذا طابع ثقافي- قد يهمك شخصياً- لم ينفذ منذ خمسة أشهر، فيرفع الرجل عينيه ويديه إلى السماء ويقول لك: - سيدي .. هذا هو الروتين. ثم يخفض ذراعيه ليدعك مشلولاً في عملك الشخصي، مادام الأجر الذي تطلبه متصلاً بعمله، قليلاً أو كثيراً. ولكنك لا تستطيع أن تقول له وخاصة إذا كان رجلاً أميناً ذا همة: - لا يا سيدي .. ليس السبب هو الروتين ولكنه التخزين، تخزين العلاقات الاجتماعية في حوزة موظف، سواء أكان عاجزاً وضع قصداً هناك لتجميد الحركة بضعفه وخموده، أم كان متآمراً يقوم عن عمد بدور السدادة ليوقف الحركة. والحق أننا لا ندعي أن جميع التقاليد المعادية للمجتمع من عمل الاستعمار، على الرغم من أن أغلبها من صنعه، ولكننا نقول إن جميع التقاليد تخدم عمله الهدام، وتولد في نشاطنا عجزاً اجتماعياً سنوياً هائلاً. ومهما يكن أمر الوسائل المستخدمة، فإن الهدف المقصود دائماً، تحطيم العلاقات الاجتماعية، ونشر العفونة في الطاقة الحيوية، بقدر ما يبلغه جهد الا ستعمار. والاستعمار فنان في هذا الميدان، فهو يعرف كيف يطلق الغرائز غير الاجتماعية لدى القوارض من كل نوع، يستخدمها جميعاً في هدم شبكة العلاقات الاجتماعية، التي تتيح لمجتعنا أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ. ***

стр. 92

دفاع عن شبكة العلاقات الاجتماعية هناك ظروف يشعر فيها الجسم مباشرة وبطريقة عفوية بالمعنى الأولي لبعض الأشياء، التي لا يدرك مغزاها أحياناً الفكر نفسه، بوساطة الطرق التي يتبعها العقل. وهكذا يمكن أن نتعلم في هذه الظروف المعنى الأولي للحضارة، وأن معنى التحضر: أن يتعلم (الإنسان) كيف يعيش في جماعة، ويدرك في الولت ذاته الأهمية الرئيسية لشبكة العلاقات الاجتماعية، في تنظيم الحياة الإنسانية، من أجل وظيفتها التاريخية. فإذا فهمنا هذا أدركنا في هذه الحالة قيمة نظام الدفاع الذي ينصبه مجتمع بطريقة غريزية حول شبكة علاقاته، كما يحميها من أي مساس بها. فجميع التعاليم المقدسة التي يحيط بها مجتمع ما- ولو كان بدائياً- حياته الاجتماعية، هي في الواقع ترجمة ذات أشكال خاصة عن هذا النظام الدفاعي الذي يحوط شبكته، ولكنها ترجمة ذات حظ متفاوت من التوفيق. وجميع القوانين التي أملتها السماء، أو وضعتها محاولات البشر، هي في حقيقة الأمر إجراءات دفاعية لحماية شبكة العلاقات الاجتماعية، وبدونها لا تستطيع الحياة الإنسانية أن تستمر، لا أخلاقياً، ولا مادياً. فالوصايا العشر الموحاة إلى موسى هي أقوى الصور التي تظهر فيها تلك الإرادة العليا التي تحوط وجودنا من كل جانب بشبكة من الحماية الإلهية، وهي تعلمنا أن نعيش مع أهلينا وأقربائنا: ((أمك وأبوك، وقرهما، لا تقتل، لا تسرق، لا تكذب .. )).

стр. 93

هذا هو أول نظام للدفاع الفعال الذي يحوط شبكة العلاقات الاجتماعية من أجل حمايتها، في أي مجتمع وليد، ذلك المجتمع الذي سيحقق وعد الله لذرية إبراهيم، ويتم هذا في رسالة النبي العربي، وفي النشاط المشترك الذي تضطلع به أمته، تلك الأمة (الوسط) التي يناط بها تحقيق العلاقة بين الإنسانية المتحضرة الممثلة في شخص (سلمان)، والإنسانية العذراء الممثلة في شخص (بلال)، وهي العلاقة التي تمد جذورها البعيدة في أعماق تلك الوصية الإلهية الأولى: ((لا يكن لك من آلهة أمامي)) (١). إن جميع المبادئ الأخلاقية، دينية كانت أو لا دينية إنما تنتهي إلى هذا الأساس المقدس الذي يرتفع فوقه بناء الأنسانية الأخلاقية، كما أنه هو الذي يؤمن نشاطها المشترك. بل إن جميع التعاليم المقدسة التي دانت لها الإنسانية العذراء وجميع المبادئ الأخلاقية التي اتخذتها الإنسانية المتحضرة ليست إلا تطبيقاً متنوعاً لتعاليم أخلاقية مشتركة، يختلف التطبيق فيها تبعاً لتعاقب ظروف التاريخ الإنساني، والهدف الأساسي لهذه التعاليم هو الدفاع عن شبكة العلاقات الاجتماعية، التي يقوم عليها كل مجتمع، كيما يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ. وليست القوانين الحديثة سوى تطبيق لهذه التعاليم في حالات خاصة، ناشئة عن الحياة، وعن التجربة الخاصة لمجتمع يؤدي نشاطه المشترك، في مستوى قومي وعالمي معاً. وكل قانون من هذه القوانين، هو في نهاية الأمر، للإقلال من الآثار المفرقة الطردية، والإكثار من الآثار الموثقة الجذبية في شبكة العلاقات، التي تتيح له جميع أوجه النشاط الاجتماعي، وتشملها جميعاً، ابتداء من أكثرها بساطة، في المجتمعات، إلى أشدها تعقيداً، في المجتمعات التي ارتقت سلم الحضارة صعداً.

стр. 94

وإلا فماذا يقصد بالإقلال من الآثار المفرقة الطردية، والإكثار من الآثار الموثقة الجذبية في العلاقات المتحققة بين أفراد مجتمع معين، إن لم يكن يقصد بها تعليم هؤلاء الأفراد كيف يعيشون معاً، أعني: كيف يتحضرون. لا تصرق .. لا تقتل .. لا تكذب .. ماذا تعني هذه الكلمات .. إنها تعني بلا شك أشياء كثيرة، ولكن أهم هذه الأشياء هو الإقلال من الآثار الطردية في ميول الأفراد الذين يكونون المجتمع. وكلمات مثل: ((تصدق .. أحبب أخاك كما تحب نفسك .. احترم الوعد الذي تبذله .. )) ماذا يقصد بها.؟ أشياء كثيرة ولا شك. ولكن أمها جميعاً هو الإكثار من الآثار الجذبية في الميول الجماعية التي توحد الأفراد في مجتمع. وماذا يقصد بهذه التعاليم الأخلاقية- التي يستخف بها أحياناً أولئك الذين يدعون تحضيرنا، بإطلاق غرائزنا من عقالها- سوى أنها تضعنا على طريق الحضارة، وهي تعلمنا فن الحياة مع أقراننا.؟؟ وبهذا وحده تختلف الثقافة في جوهرها عن العلم. فليست الثقافة سوى تعلم الحضارة، أعني استخدام ملكاتنا الضميرية والعقلية في عالم الأشخاص. وليس العلم سوى بعض نتائج الحضارة، أي إنه مجرد جهد تبذله عقولنا حين تستخدم في عالم الأشياء. فالأولى تحركنا وتقحمنا كلية في موضوعها. وأما الثاني لإنه يقحمنا في مجاله جزئياً. والأولى تخلق علاقات بيننا وبين النظام الإنساني، والآخر يخلق علاقات بيننا وبين نظام الأشياء.

стр. 95

ومن هنا يتبين لنا أن الذين عملوا على تحرير غرائزنا، مدعين أنهم يحضروننا بعملهم هذا- يكشفون تماماً عن جهلهم: فهم يعرفون كلمة: (حضارة)، وربما كان مصدر تعلمهم هذه الكلمة معجم لغوي، أو صحيفة سيارة، على حين يجهلون تماماً ماذا تعني في الواقع. هؤلاء الأساتذة المتساهلون في الحضارة هم في الواقع شر أعداء التقدم: إنهم قوارض، يقرضون جوهر الحضارة ذاته، كما تقرض الفئران كومة من القمح، لتحيله غير صالح لشيء. فإذا احتجنا اليوم أن نعد في بلادنا دفاعاً من أجل الحضارة، فمن الواجب أن يكون دفاعاً ضد هذه القوارض. ومن الواجب أن يعد مجتمعنا جائزة كبرى لمن يستطيع أن يكشف عن أحسن مبيد للفئران، دفاعاً عن شبكة علاقاته ضد هذه القوارض. ومع ذلك فليست هذه القوارض وحدها النوع الحيواني الذي يهدم المجتمع، حين يقرض شبكة علاقاته التي تعينه على أداء نشاطه المشترك، بل إن هناك نوعين من خيانة المجتمع: ـ[نوع يهدم روحه، وآخر يهدم وسائله]ـ. والخيانة الأولى تخلق الفراغ الاجتماعي حين تهدم المبادئ والأخلاق والروح، وهي الأمور التي تبقي للمجتمع التوتر الضروري، كيما يواصل نشاطه المشترك في التاريخ. والخيانة الثانية تخلق الفراغ حين توجه جميع الملكات المبدعة وجميع الفضائل الأخلاقية في المجتمع خارج عالم الوقائع والظواهر. فإحدامها تجهل أوامر السماء، والأخرى تجهل مقتضيات الأرض، ولكنهما

стр. 96

تنتهيان بطرق مختلفة، وأحياناً متعارضة إلى نتيجة واحدة هي: الفراغ الاجتماعي، حيث تغور الروح، وتغور معها وسائل الحضارة. وإنما تختان الحضارة إذا ما فارق دعاتها سبيلهم التي يسلكونها لأداء نشاطهم المشترك. واتبعوا سبلاً وطرائق متخالفة، تجعل النشاط مستحيلاً: فسبل تنسل إلى حظيرة التصوف، وأخرى تنحدر إلى عالم العجائب الذي هبت منه الريح ألف ليلة وليلة، وثالثة تختار طريق الرقص والغناء بدعوى أنها تَحَضُّر. وهنا تأتي الساعة التي يقع فيها حكم الله، كأنه شاطور على رأس المجتمع: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٣] فمن الواجب إذن أن نواجه مشكلة الدفاع عن شبكة العلاقات، لا بالنسبة لنوع معين من القوارض الخاصة، أولئك النواتج المجازون من قبل ثقافة أجنبية أساؤوا تمثلها، ولكن بالنسبة لجميع الأنواع التي تخلق بطريقة أو بأخرى حالة الفراغ الاجتماعي. فمبيدات القوارض إذن لا تكفي، تدلنا على ذلك التجربة اليومية، فنحن نرى مثلاً أنه في اللحظة التي تعلن فيها السلطات المختصة في شوارع إحدى العواصم العربية لسائقي السيارات ألا يستخدموا النفير إلا في حالات الضرورة القصوى، في هذه اللحطة بالذات نجد هؤلاء السائقين يلعبون بهذه الآلة بصورة غير معقولة. ذلك واقع صغير ولا شك، ولكنه عرض من أعراض التبطل وانعدام الفاعلية في دفاعنا عن شبكة علاقاتنا الاجتماعية. ومن الممكن بداهة أن نكتب في هذا الموضو كتاباً كاملاً ولكنه لا يساوي هذا القدر من المشقة.

стр. 97

وعلى ذلك ينبغي أن نتصور المشكلة بوجه عام، وأن نصوغها بلغة التربية الاجتماعية، فليس الأمر أن نتصور حلولاً جزئية أثبتت التجربة بعد فوات الأوان عدم جدواها، وأنها ضرب من ضروب العبث والسخرية، عندما نلاحظ مثلاً في مدخل أحد المستشفيات لافتة تدعو الزوار إلى احترام راحة المرضى، على حين نرى مدير المبنى نفسه يربي داخله كلباً ضخماً ينبح طول النهار. هل يجب في هذه الحالة أن نقول للسيد المدير: إنه قد نسي أن يضع هذه اللافتة على مكتبه .. (١)؟ إننا لو اتبعنا هذه اللغة فلربما فقدت التربية الاجتماعية أهميتها وكرامتها. إذ ليس الهدف منها أن نعلم الناس أن يقولوا أو يكتبوا أشياء جميلة، ولكن الهدف أن نعلم كل فرد فن الحياة مع زملائه، أعني: أن نعلمه كيف يتحضر. فإذا ما تصورنا التربية الاجتماعية في نطاق هذه المصطلحات أمكننا أن نلخصها في كلمة واحدة هي: الثقافة. هل هذا يكفي .. ؟. لا لأن هذه الكلمة ذاتها قد تعرضت للتشويه والابتذال نتيجة الاستعمال السيئ، على ما شرحناه في دراسة سابقة (٢). فليست التربية مجموعة من القواعد والمفاهيم النظرية التي لا سلطان لها على الواقع، على عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء. وليست هي من إنتاج المتعالمين وبحار العلوم، الذين يعرفون جميع كلمات

стр. 98

المعاجم، دون أن يلموا بما تترجم عنه هذه الكلمات من وقائع، خيراً كانت أم شراً، أو أولئك الذين يعرفون جميع المبادئ والتعاليم التي جاءت في الإسلام، دون أن يستطيعوا تطبيق مبدأ أو تعليم واحد لتغيير أنفسم، أو تغيير بيئتهم. فكل حقيقة لا تؤثر على الثالوث الاجتماعي: الأشخاص، والأفكار، والأشياء، هي حقيقة ميتة. وكل كلمة لا تحمل جنين نشاط معين، هي كلمة فارغة، كلمة ميتة مدفونة في نوع من المقابر، نسميه: القاموس. وكلمة (تربية اجتماعية) تشترك في هذا المصير العام: فهي لا تعني شيئاً إذا لم تكن- في الواقع وبما تحمل من معنى- وسيلة فعالة لتغيير الإنسان، وتعليمه كيف يعيش مع أقرانه، وكيف يكون معهم مجموعة القوى التي تغير شرائط الوجود نحو الأحسن دائماً، وكيف يكون معهم شبكة العلاقات التي تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ. وكذلك كلمة (ثقافة)، ليست سوى كلمة فارغة رنانة لو لم تخلع على (التربية الاجتماعية) المضمون الضروري، الذي يتيح لها الاضطلاع بوظيفتها المغيرة. ومن الواجب أن نفكر مليا في هذه المصطلحات، لا من طريق الاستعانة بقاموس تمسك به اليد، ولكن من طريق الاستعانة برأس مستقر بين اليدين. فليس الأمر إذن أن تقول: إن الثقالة تحتوي بصفة عامة عدداً من الفصول هي: الأخلاق، والجمال، والمنطق العملي، والصناعة الفنية. ولكن الأمر يقتضينا أن نتساءل: كيف ينبغي أن ندركها في صورة برنامج تربوي يصلح لتغيير الإنسان الذي لم يتحضر بعد، في ظروق نفسية زمنية معينة، أو لإبقاء الانسان المتحضر في مستوى وظيفته الاجتماعية، وفي مستوى أهداف الإنسانية-

стр. 99

أما فيما يتعلق بحالتنا، أعني البلاد العربية والإسلامية، فينبغي أن نفكر في الإنسان الذي لم يتحضر بعد، أو الذي خرج من دورة حضارته في أزمة تاريخية معينة، كيما نحدد- بالنسبة إليه- شروط الفاعلية التي يمكن أن تقوم على منهج للأخلاق أو الجمال مثلاً. أي إنه ينبغي أن نحدد من أجل الإنسان الشروط الأولية التي تحقق له ما يبتغي من ثقافة. ***

стр. 100

الشروط الأولية للتربية الاجتماعية لمشكلات الإنسان طبيعتها الخاصة، فهي تختلف اختلافاً كلياً عن مشكلات المادة، لا يمكن معه أن تطبق عليها دائماً حلول تستقي براهينها من الخارج. ولعلم الاجتماع مناهجه الخاصة، فإذا ما صرفنا النظر عن مناهجه وقعنا أحياناً في ذلك النقص، كمن يداوي بالكي رجلاً من خشب. كما يقول المثل الفرنسي. ويحدث هذا غالباً في البلاد الإسلامية، فالحلول كلها مستعارة من بلاد متحضرة، لا تحدث عندنا التأثير نفسه الذي لها في أوطانها، حتى كأنها تفقد فاعليتها في الطريق، بمجرد انفصالها عن إطارها الاجتماعي. ومجال المجتمع ليس كمجال الميكانيكا، وهو لا يرتضي كل الاستعارات، لأن أي حل ذي طابع اجتماعي يشتمل تقريباً ودائماً على عناصر لا توزن، ولا يمكن تعريفها، ولا يمكن أن تدخل في صيغة التعريف، على حين تعد ضمناً جزءاً منه لا يستغنى عنه، عندما تطبق في ظروف عادية، أي في ظروف البلاد التي نستوردها منها. وبعبارة أدق، هذه العناصر جزء من المحيط الاجتماعي،- في الحالة التي يطبق التعريف خارج هذا المحيط- تطبق تلقائياً في صورة فكرة يفرضها الوسط على سلوكنا. فإن لم توجد يصبح التعريف زائفاً تقريباً، إذ تنقصه بعض الأشياء التي ضاعت حين انفصل عن ظروفه الأصلية. ولقد سبق أن لفتنا اهتمام القارى إلى هذا الجانب في (مشكلة الثقافة)،

стр. 101

وبوسعنا أن نزيد من إيضاحه بالقياس على مناهج الكيمياء. ولنفترض أن بلداً أياً كان عرف للمرة الأولى الصيغة الكيميائية للماء، وهي التي نعرفها في دراستنا الابتدائية، حيث تعلمنا أن: هيدروجين٢ + أوكسجين١ = ماء فهذه الصيغة صحيحة من حيث التحليل. ولكن لنفزض أن أحداً من الناس قبسها هكذا، ليطبقها في صناعة الماء، فإنه لن يصل إلى شيء، إذ ينقصه عند التطبيق عنصر جوهري هو: المركب الذي لم تعبر عنه الصيغة، ولا يمكن أن تعبر عنه، لأنها من حيث كانت تعبيراً عن علاقات كمية بين عنصري الايدروجين والأكسجين، اللذين يكونان الماء- تعد صحيحة على وجه الدقة. فهي صحيحة، ولكنها غير قابلة للتطبيق في يد من لا يجد في ذهنه ما يكملها. فجميع أنواع الحلول ذات الصيغة الاجتماعية التي نقبسها عن بلاد أخرى ثبتت لها فيها صلاحيتها، تشبه الصيغة الكيميائية المشار إليها، هي صحيحة في هذه البلاد على وجه التأكيد، ولكنها تقتضي عند التطبيق عناصر مكملة لا تأتي معها، ولا يمكن أن تأتي معها، لأنه لا يمكن حصرها. ولا يمكن فصلها عن المحيط الاجتماعي في بلادها، أي لا يمكن فصلها عن (روحها). وإذن، فلكي نواجه بطريقة فنية أية مشكلة اجتماعية، ينبغي ألا يقتصر عملنا على اقتراض الحلول التي تأكدت صحتها خارج بلادنا، إذ أن الصيغة المقتبسة صحيحة بلا أدق شك، ولكن في إطارها الاجتماعي، في محيطها الذي تَخَلَّقَتْ فيه، في نفحة (الروح) التي تخيلتها. هل معنى ذلك أن ندين كل اقتباس؟ .. ليس أوهن ولا أضعف من أن نرفض الاستنارة بتجارب الآخرين،

стр. 102

والإفادة من جهودهم، ولكن بشرط أن نرد الحل المستعار إلى أصول البلد المستعيرة. وبعبارة أخرى، ينبغي أن نهيئ بلادنا المحيط اللازم لتطبيق ما نتصور من حلول لمشكلاتنا الاجتماعية. تلكم هي مشكلة الشروط الأولية، وهي مشكلة تثور أمامنا لا بالنسبة إلى الحلول الجاهزة التي نقبسها من الخارج، بل بالنسبة لجميع الحلول التي نتصورها لحل ما يواجه مجتمعنا من مشكلات، في مرحلته التاريخية الراهنة. وقد يدهش بعض الناس أحياناً في أوساطنا المفكرة، حيث الفكرة الإصلاحية دائماً موضوع الاهتمام، يدهشون من أن الحلول التي أكدت صلاحيتها من قبل في المجتمع الإسلامي الأول لم تعد لها اليوم فاعليتها. ولننظر مثلاً إلى (الزكاة)، وقد كانت الدعامة التي قام عليها بناء الإمبراطورية الإسلامية، بجميع مؤسساتها الدينية والحربية، وجميع إداراتها الثقافية، وأعمالها الاجتماعية. أما الآن، فلقد فقد هذا النظام الإسلامي تقريباً كل فاعليته الاجتماعية. بل لننظر أكثر من ذلك إلى فكرة (إسلام) ذاتها، وهي التي نعرف دويها العميق في ضمير المسلمين الأولين، هذه الفكرة لم يعد لها اليوم الدوي نفسه، وقوة التوجيه لسلوكنا الفردي، ولأعمالنا وأفكارنا ومشاعرنا؟! وبعض المسلمين- الذين ما زالوا يحسون بقلوبهم بالمأساة، ولكن ليس لديهم ما يكفي من الصبر والأناة لدراستها- هؤلاء يترجمون دائماً عن المأساة قائلين: ((إننا لم نعد مسلمين إلا بشهادة الميلاد)). وإنهم ليقرون الحقيقة ولكنهم ربما فعلوا شيئاً أكثر فائدة لو أنهم لاحظوا ملاحظات أولية في وسطنا.

стр. 103

ومع ذلك فمن السهل أن نقوم ببعض الملاحظات لأشياء كثيرة الوقوع، لنوجه خطانا في الموضوع. فيمكن أن نلاحظ مثلاً التأثير العظيم للحقيقة الإسلامية على الحضور الذين يشهدون صلاة الجمعة، وينصتون إلى خطبتها عند قدمي المنبر في المساجد. إن كلمات الإمام التي تهبط من المنبر على هذا المستمع المنصت تزلزل كيانه. وكثيراً ما رأينا في جوانب المسجد أحد المصلين ذائباً في دموعه، بل لقد نرى الإمام نفسه، وقد خنقته شهقاته وانفعالاته. ومع ذلك فإذا ما قضى هذا المستمع صلاته، بقيت (الحقيقة) التي زلزلت كيانه في المسجد، ولم تتبعه إلى الشارع. فالمسلم حين يتخطى عتبة المسجد ينتقل إذن من حال إلى حال أخرى. وهذا يضطرنا إلى أن نسجل ملاحظتنا: إن هناك انفصالاً بين العنصر الروحي والعنصر الاجتماعي، هناك افتراق بين المبدأ والحياة. والمسلم يعيش اليوم هذا الانفصال الذي يمزق شخصه شطرين: شطر ينظم سلوكه في المسجد، وشطر ينظمه في الشارع. إن المسلم يخضع لنظام يشبه إلى حد كبير (الدش الاسكتلندي) (١) فهو يتعرض لأشد التأثيرات النفسية تعارضاً، فإذا ما تخطى عتبة المسجد يوم الجمعة فإنه يشعر بدفء في قلبه، ودفء في نفسه. ولكنه بمجرد أن يضع قدمه في الشارع يعاوده البرد فيحتل قلبه ونفسه. إنه يسمع عند قدمي المنبر مثلاً موعظة في فضائل رمضان، ولكنه منذ يعود إلى بيته يستمع في الراديو إلى العرض الأسبوعي لرئيس إحدى الدول الإسلامية، يحرض خلاله المواطنين في بلاده أن

стр. 104

يفطروا رمضان لمواجهة ضرورات البناء الاجتماعي، كأن هذا البناء يمكن أن تقوم قائمته دون أسس أخلاقية، أو كأنما يمكن في أي بلد فصل الجهد الاجتماعي عن القوى الأخلاقية التي تسانده، دون هدم هذا الجهد ذاته، وطبيعي أن هذا مستحيل. وإن التجربة الحالية في الاتحاد السوفييتي لترينا إلى أي حد يهتم هذا البلد في تخطيط بنائه الاشتراكي بجميع إمكانيات الإيمان الشيوعي، وبجميع القوى الأخلاقية التي يحركها؛ فلو فرض أن قال أحد القادة الشيوعيين أية قولة تضر بوحدة النشاط التي تضم جميع القوى الأخلاقية والمادية في البلد، في عمله المشترك، إذن لاتّهم بالجنون، وفصل فوراً من قيادة الحزب. وهذا كله يبين لنا أن المسلم لا يستطيع أن يحقق وحدة شخصه في هذه الظروف. وتاريخ هذا الانفصال يرجع بلا شك إلى عهد جد بعيد، فقد حدث أولاً بين العنصر الروحي والعنصر السياسي، بين الدولة والفكرة الدينية. ويمكن أن نؤرخ هذا الانفصال الأول بمعركة صفين، ولكن آثاره أخذت تتفشى في العالم الإسلامي كأنها مرض عضال لم يوجد له علاج. واليوم غدا الانفصال بين الروحي والاجتماعي، وآثاره هي ما نلاحظ في سلوك المسلم الحديث في المسجد وفي الشارع. وبعبارة أخرى: يجد المسلم (نفسه) في محيط المسجد، لأن المسجد هو الذي ينشئ بالنسبة لضميره الوسط الأولي الذي تكون فيه، فهو يجد (شخصه). ولكنه على عتبة المسجد يفقد صلته بهذا الوسط الأولي، ويجد نفسه في نطاق الظروق الاجتماعية التي تمحو (شخصه) وتبعث فيه (الفرد) الخام.

стр. 105

ولكي نعطي لهذه المأساة تعبيرها الحديث الروماني نقول: إن المسلم يعيش اليوم تارة في حالة الدكتور جيكل، الذي يجسد تفوق الشخص على (الأنا)، وتارة في حالة مستر هايد الذي يجسد رذائل الفرد (١). فالمجتمع مضطر أن يستعير من الطبيعة، أعني من غرائز الفرد طاقته الحيوية اللازمة لأداء نشاطه المشترك في التاريخ. ولكن الطاقة الحيوية قد تهدم المجتمع ما لم يسبق تكييفها، أعني ما لم تكن خاضعة لنظام دقيق تمليه فكرة عليا، تعيد تنظيم هذه الطاقة، وتعيد توجيهها فتحولها من طاقة ذات وظائف بيولوجية خالصة في المقام الأول - حيث تشترك في حفظ النوع- إلى طاقة ذات وظائف اجتماعية يؤديها الإنسان، حين يسهم في النشاط المشترك لمجتمع ما. فالمشكلة التي نواجهها هنا إذن ذات جانبين: جانب اجتماعي وجانب نفسي. وقد أرتنا أوجه التعارض السالفة أنه لكي نعالجها من كلا جانبيها يجب أن تكون لدينا (فكرة) عليا، تصل ما بين الروحي والاجتماعي، وتجري من جديد تركيب الشخص المسلم تركيباً يجعله يتماثل مع ذاته، في المسجد وفي الشارع. ولقد أكدت الفكرة الإسلامية فيما مضى صلاحيتها في بناء مجتمع استطاع أن يؤدي نشاطه المشترك بطريقة بالغة التوفيق. لقد أخضعت هذه الفكرة الطاقة الحيوية لدى البدوي العربي لنظامها الدقيق، فجعلت منه إنساناً متحضراً ومحضراً. والأمثلة كثيرة على أن هذه الفكرة

стр. 106

أظهرت فاعليتها الكاملة في إعادة تتظيم وتوجيه الطاقة الحيوية التي أسلمتها شبه الجزيرة العربية إلى عصر النبي ﵊. فعندما كان النبي مشغولاً في المدينة بالمطالب المادية للدولة الإسلامية الفتية، من أجل مواجهة ضرورات الحرب، التي ستبدأ بمعركة بدر، كان صحابته يقدمون له عن طيب خاطر جزءاً من أموالهم، ويعقب سعد بن عبادة على عمله بتلك الكلمة المعبرة: ((يا رسول الله: خذ من أموالنا ما شئت، وما أخذته منها أحب إلينا مما تركت)). هذا مثال يرينا كيف أن الطاقة الحيوية في صورة غريزة التملك المطبوعة في الإنسان، تتحول إلى طاقة محكومة منظمة موجهة نحو المهام الاجتماعية. وأياً ما كان الأمر فإن عملية إعادة التنظيم والتوجيه ينبغي أن تكون المهمة الأولى في خطة النهضة الإسلامية، لأن تحقيقها هو الذي يوجد الشرط الأول لتحويل الجهود في نطاق هذه النهضة إلى جهود فعالة. وقد تم هذا العمل في المجتمع الإسلامي الأول بفضل رعاية الفكرة القرآنية، لا على أنها مفاهيم تدرس وتعلم على يد فقهاء الشريعة، ولكن على أنها (حقيقة) عاملة مؤثرة، تجمع في نظامها مباشرة كل ما يقوم به الفرد من أعمال وإشارات، على ما جاء في حديث ابن عمر وحديث جندب ﵄: ((لقد عشنا دهراً طويلاً وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد ﷺ فيتلعم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها)). وقد خططنا في فصل سابق عملية إعادة تنظيم الطاقة الحيوية من الناحية النظرية.

стр. 107

ويمكن أن نزيد في إيضاحها هنا من حيث هي عمل فكرة (الإسلام) ذاتها في الوسط المسلم، ونريد أن نبين كيف يتم تكييف الفكرة الدينية للطاقة الحيوية، وإخضاعها لنظامها. ولذا يتعين علينا اللجوء إلى لغة التحليل النفسي بغية تتبع اطراد الحضارة، باعتباره صورة زمنية للأفعال وردود الأفعال المتبادلة، والتي تتولد منذ بداية هذا الاطراد بين الفرد والفكرة الدينية التي تثير فيه الحركة والنشاط. فعندما نعد الفرد عند نقطة الصفر في الصورة التخطيطية التي قدمناها، نجده في الحالة التي يطلق عليها بعض المؤرخين المسلمين كلمة: (الفطرة) أي مع جميع غرائزه كما وهبته إياها الطبيعة، فالفرد في هذه الحالة ليس في أساسه إلا (الإنسان الطبيعي). غير أن الفكرة الدينية سوف تتولى إخضاع غرائزه لعملية تكييف تمثل ما يعرف في علم النفس (الفرويدي) بـ (الكبت). وليس من شأن هذه العملية القضاء على الغرائز، ولكنها تتولى تنظيمها في علاقة وظيفية مع مقتضيات الفكرة الدينية، فالحيوية الحيوانية الممثلة في الغرائز بصورة محسة لم تلغ، ولكنها خضعت لقواعد نظام معين. في هذه الحالة يتحرر الفرد جزئياً من قانون الطبيعة المفطور في ذاته، ويخضع وجوده كله للمقتضيات الروحية التي أوجدتها الفكرة الدينية في نفسه، إيجاداً يمارس معه حياته في هذه الحالة الجديدة طبقاً لقانون الروح. وهذا القانون عينه هو الذي كان يحكم بلالاً تحت سياط العذاب، فيرفع سبابته وهو يقول: ((أحد! أحد!)). ومن الواضح أن هذه القولة لا تمثل صيحة الغريزة، فموت الغريزة قد صمت، ولكنه لا يمكن أن يكون قد ألغي بوساطة التعذيب، كما أنها لا تمثل نداء العقل فالألم لا يتعقل الأمور.

стр. 108

إنها صيحة الروح تحررت من إسار الغرائز بعد ما تمت سيطرة العقيدة عليها نهائياً في ذات (بلال بن رباح). كذلك كان المجتمع الإسلامي يحكمه هذا التغيير ذاته، إذ كان شأنه شأن (بلال)، لا يتحدث بلغة اللحم والدم، كما أن صوت العقل كان لا يزال صامتاً في المجتمع الوليد. فكل لغة هذا العصر كانت روحية المنطق، إذ هي بنت الروح أولاً وقبل كل شيء. ذلكم هو الطور الأول من أطوار حضارة معينة، الطور الذي تروض فيه الغرائز وتلك في نظام خاص يكبح جماحها، ويقيد انطلاقها. الروح في صوت بلال هي التي تتكلم، وتتحدى بلغتها اللحم والدم، وكأنما كان يتحدى هو أيضاً بسبابته المرفوعة طبيعة البشر، ويرفع بها في لحظة معينة مصير الدين الجديد. والروح أيضاً هي التي كانت تتحدث بصوت (الزانية) حين أقبلت على رسول الله ﷺ ، تعلن عن خطيئتها، وتطلب إقامة حد الزنا عليها. فهذه الوقائع جميعها تخرج عن معايير الطبيعة، وتدل على أن الغريزة قد كبتت، غير أنها ظلت محتفظة بنزوعها إلى التحرير. وهنا ينشب الصراع المحتدم بين هذا النزوع وسيطرة الروح. وفي الوقت نفسه يواصل المجتمع، ربيب الفكرة الدينية، طريق تطوره، وتكتمل شبكة علاقاته الداخلية، بقدر امتداد إشعاع هذه الفكرة في العالم، فتنشأ المشكلات المادية لهذا المجتمع الوليد، نتيجة توسعه، كما تتولد ضرورات جديدة نتيجة اكتماله. وحتى تتفق تلك الحضارة مع المقاييس المستجدة تسلك منعطفاً جديداً، يتطابق مع (النهضة)، كما نراها بالنسبة إلى الدورة الأوربية، ومع استيلاء الأمويين على الخلافة بالنسبة للدورة الإسلامية.

стр. 109

وفي الحالتين كلتيهما فإن المنعطف هو منعطف العقل. غير أن هذا العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز، وحينئذ تشرع الغرائز في التحرر من قيودها بالتدريج على الصورة التي عرفناها عن عهد بني أمية، إذ أخذت الروح تفقد نفوذها، كما كف المجتمع عن ممارسة ضغطه على الفرد. وطبيعي ألا تنطلق الغرائز دفعة واحدة، وإنما تتحرر بقدر ما يضعف سلطان الروح. وكلما واصل التاريخ سيره، واصل التطور عمله في نفسية الفرد، وفي البناء الأخلاقي للمجتمع، الذي يكف عن تعديل سلوك الأفراد. وبقدر ما تتحرر هذه النزعة من قيودها في المجتمع، ينكمش التحرز الأخلاقي في أفعال الفرد الخاصة شيئاً فشيئاً. ولو استطعنا مراقبة هذه الظروف النفسية بوسيلة دقيقة، بغية تتبع نتائجها- كما هو الشأن في معامل الطبيعة- لأمكننا أن نلاحظ انخفاضاً في مستوى أخلاق المجتمع. وبعبارة أخرى: نلاحظ نقصاً في الفاعلية الاجتماعية للفكرة الدينية، وإن هذه الفكرة تتناقص دائماً، منذ أن دخلت الحضارة منعطف العقل. فأوج الحضارة، وأعني به ازدهار العلوم والفنون فيها، يلتقي من وجهة نظر (علم العلل Ethiologie) مع بدء مرض اجتماعي معين لا يلفت انتباه المؤرخين وعلماء الاجتماع، لأن آثارها المحسة لا تزال بعيدة، وبهذا تواصل الغريزة- المكبوحة الجماح بيد الفكرة الدينية- سعيها إلى الانطلاق والتحرر، وتستعيد الطبيعة سيطرتها على الفرد، وعلى المجتمع، شيئاً فشيئاً. فإذا ما بلغ هذا التحرر تمامه، عادت الغرائز إلى سيطرتها على مصير الإنسان، وبدأ التطور الثالث من أطوار الحضارة، بظهور الغريزة التي تسفر

стр. 110

عن وجهها تماماً. وهنا تنتهي الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية، وتعود الأشياء كما كانت في مجتمع منحل، ضرب نهائياً في ليل التاريخ، وبذلك تتم دورة في الحضارة. هذه الدورة الكاملة تضيء لنا جميع المراحل التي تمر بها الطاقة الحيوية خلال حضارة، ولكنها تضيء خاصة المرحلة الأولى، عندما تخضع خضوعاً تاماً لنظام فكرة دينية. وهي ترينا في أي الظروف تتم عملية التنظيم لتلك الطاقة الحيوية، في ظل سيطرة الفكرة الدينية. وهذه النظرة أساسية في أي مشروع يستهدف إعادة تنظيم الطاقة، بغية إعادة بناء شبكة علاقات معينة. فإعادة التنظيم تستلزم الظروف نفسها، أعني فكرة دينية جديدة. ولقد برهنت تجربتنا اليومية على أمرين: ١ - إن الفكرة الاسلامية لم يعد لها في سلوك الفرد ما كان لها من فاعلية على عهد النبي ﷺ . ٢ - وأنها تستعيد خلقها بصورة تلقائية عند قدمي المنبر، في محيط المسجد. ونستخلص من الملاحظة الأولى أن المسلم لا يحتفظ باستقلاله الأخلاقي، ابتداء من اللحظة التي يغادر فيها المسجد، فهو يسقط تحت سطوة قانون العدد. وبدلاً من أن يؤثر على الوسط طبقاً لمثله الأعلى ومبادئه، نجد أن الوسط هو الذي يؤثر عليه، فيجرده من مثله الأعلى، ويهدم مبادئه. وقد تبرز هذه الملاحظة أحياناً بصورة روائية مؤسية، عندما نجد أحد قادة الحركة الإصلاحية في بلد إسلامي، كالشيخ العقبي بالجزائر، يبذل جهده في دفع حركة كهذه خلال أعوام طويلة، ثم إنه يفقد استقلاله الأخلاقي ليصبح نهائياً
следующие страницы →