Полный текст (447 стр.). Показаны 421–447 · переход к 426.
стр. 421
((ولا تباغضوا)) يعني لا يبغض بعضكم بعض، لا تبغض أخاك ويبغضك أخوك، اللهم إلا إذا كان البغض في الله، فهذا من أوثق عرى الإيمان، رأيته مصر على معصية، مجاهر بها، تبغضه لمعصيته لا لذاته ((ولا تباغضوا)) يعني لا تبذلوا أسباب البغض وانتشاره بينكم، بل المطلوب بذل أسباب المحبة ((لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا ألا أخبركم)) إلى أن قال: ((أفشوا السلام بينكم)) والهدايا تورث هذه المحبة، فعلى الإنسان أن يبذل الأسباب، يجتهد في بذل أسباب المحبة والمودة بين المسلمين، فضلاً عن أن يسعى في بغض أخيه أو نشر أسباب البغضاء بين المسلمين، ومن أسباب البغضاء نقل الكلام على جهة الإفساد كالنميمة، هذه من أسباب البغضاء، تجد اليوم أخاك يستقبلك بوجه طلق، ثم تراه من الغد كالكلب العقور، لماذا؟ لأنه بلغه، حمل واحد كلام عنك أنك قلت كذا -نسأل الله السلامة والعافية-، هذه هي النميمة التي هي من موجبات عذاب القبر، كان أحدهما لا يستبرئ من بوله، والثاني كان يمشي بالنميمة، وجاء نهي النبي ﵊ الصحابة أن ينقلوا عنه شيئاً عن أصحابه ليخرج إليهم سليماً ﵊.
((ولا تدابروا)) يعني لا يولي كل واحد منكم أخاه دبره، لا حساً ولا معنىً، بل على الإنسان أن يستقبل أخاه بوجهه، وأن يبش في وجهه، وأن يعامله بالحسنى، وأن يسدي له النصيحة والكلمة الطيبة لتحصل المودة بينهم.
стр. 422
((ولا يبع بعضكم على بيع بعض)) وهذا سبب من أسباب التباغض والشحناء والتدابر والتقاطع، تأتي إلى شخص اشترى سلعة بعشرة فتقول: أنا عندي لك أفضل منها بتسعة، فتفسد هذه البيعة، أنت بعت على بيع أخيك، ومثله الشراء على الشراء، باع هذا الشخص هذه السلعة بعشرة، تأتي إلى البائع تقول: أنا أعطيك إحدى عشر، اثنا عشر ليفسخ البيع، وهل يستوي الأمر إذا كان هذا البيع على البيع أو الشراء على الشراء في مدة الخيار أو بعد لزوم البيع؟ من أهل العلم من يقول: إن النهي فيما إذا كان في مدة الخيار؛ لأن المشتري يملك الفسخ، والبائع يملك الفسخ، أما إذا لزم البيع ما يضر، نقول: لا، يضر، وقال بهذا جمع من أهل العلم، أنت إذا قلت: عندي لك سلعة بتسعة أفضل من هذه، أدخلت الغيظ والإساءة إلى قلب أخيك.
ومثله العكس الشراء على الشراء، تدخل في قلبه ما يغيظه، ويكدر عليه، وقد يسعى لإرجاع السلعة، يحرج أخاه في إبطال البيعة من أجلك، فيشمل ما كان في زمن الخيار، وما بعده بعد لزوم البيع، والنص عام.
((ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله)) منادى، كونوا يا عباد الله؛ لأنكم كلكم عبيد لله، هذا الأصل، وأنتم إخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [(١٠) سورة الحجرات] ((كونوا إخواناً)) طيب عباد الله إخوان، يحتاج أن يؤمروا بأن يكونوا إخواناً؟ نعم قد يؤمر الإنسان بملازمة صفة هو يتصف بها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [(١٣٦) سورة النساء] الذين لزموا الصراط المستقيم ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [(٦) سورة الفاتحة] يراد بذلك الاستمرار، ولزوم هذه الصفة، ((وكونوا عباد الله إخواناً)) كونوا إخواناً، من لازم الأخوة التحاب والتوادد وعدم التحاسد ولا التقاطع ولا التدابر، كونوا إخواناً.
((المسلم أخو المسلم)) المسلم أخو المسلم، والمؤمنون إخوة، ويلزم من هذه الأخوة المحبة والمودة، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
стр. 423
((لا يظلمه)) يعني هذا الأصل في المسلم أنه ما دام أخاً له في الإسلام أنه لا يظلمه ((ولا يخذله)) في موطن يحب نصره فيه لا يخذله، بل ينتصر له، وفي بعض الروايات: ((ولا يسلمه)) يعني يتركه بيد من يؤذيه، ((ولا يكذبه)) يعني لا يكذب عليه لا بصريح الكذب ولا بتورية ولا بغيرها إلا عند الحاجة، المقصود أن الكذب ممنوع بجميع صوره، الكذب القولي والكذب العملي.
((ولا يحقره)) بمعنى أنه يزدريه، ويسخر منه، هو أخوك، قد تكون أنت من أذكى الناس وهو عنده شيء من التغفيل، وهذا مع الأسف موجود بين المسلمين، إذا كان هذا ذكي ونبيه والثاني عنده شيء من الغفلة تجده يحقره، ويتطاول عليه، وينكت عليه، ويضحك الناس عليه، ما تدري أيكما أفضل عند الله -جل وعلا-؟ جاء في حديث: ((أكثر أصحاب أهل الجنة البله)) الحديث فيه مقال، لكن سلامة الصدر لها شأن عند الله -جل وعلا-، هذا لا يخطر بباله كثير من الأمور المنكرة التي تدور في بالك أنت، وتخطط لها.
((ولا يحقره)) سواءً كان عنده شيء من النقص في البدن أو في الرأي أو في المال، وعندك شيء من الزيادة في هذه الأمور لا يجوز لك أن تحتقر أخاك.
((ولا يحقره)) سيأتي ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه)) يكفيه من الشر أن يحقر أخاه المسلم، يحتقره ويزدريه، وأيضاً عند الاستطاعة لا يليق بمسلم أن يظهر للناس بمظهر يحتقر فيه ويزدرى فيه؛ لأن بعض التصرفات التي يستطيع الإنسان درأها عن نفسه تجعل بعض الناس يزدرونه ويحتقرونه، تجد عنده الأموال الطائلة ثم يخرج إلى الناس بأسمال من الثياب ثياب خلقة من رآه احتقره وازدراه، أو يركب شيئاً لا يليق به، أو يسكن وهكذا، هذا مظنة لأن يزدرى وأن يحتقر، فأنت كف هذا الأمر عن نفسك ما دمت تستطيع، إذا كنت لا تستطيع يتجه الأمر إلى الآخر.
على كل حال ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)).
стр. 424
((التقوى ههنا، التقوى ههنا، التقوى ههنا)) يشير النبي ﵊ إلى صدره وإلى جانبه الأيسر الذي فيه القلب، يشير إلى القلب، نعم التقوى والفجور كله في القلب ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) المعول على القلب، والجوارح أعوان لهذا القلب، وجنود له، ينفذ القلب بواسطتها ما يريد، لكن إذا ظهر على الجوارح شيء من المخالفات هل يمكن أن يحتج هذا المخالف بأن التقوى ههنا؟ نقول: لو كان في هذا المخفي شيء، أو أن التقوى موجودة في هذا القلب لظهرت على الجوارح؛ لأن ما ظهر على الجوارح من المخالفات برهان على تكذيب الدعوى التي هي التقوى، لما استدل الصحابي بقوله -جل وعلا-: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ﴾ [(٩٣) سورة المائدة] قال: يشرب الخمر وهو تقي، قال له عمر ﵁: "أخطأت أستك الحفرة، لو اتقيت ما شربت الخمر" وهذا الذي تظهر عليه علامات الفسوق يحلق لحيته، ويشرب ما يشرب علناً، ويسبل ثيابه، أو عنده مخالفات، يقول: التقوى ههنا! هذا لو اتقى الله ما حصلت منه هذه الأمور، فقد كذب دعواه بفعله، وليس في هذا مستمسك للعصاة المعلنين بمعاصيهم أن يقولوا: التقوى ههنا، لو اتقى الله -جل وعلا- ما فعل هذه المعاصي.
((كل المسلم على المسلم حرام)) كل ما يتعلق بالمسلم حرام عليك ((دمه وماله وعرضه)) ((ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) فدم المسلم حرام، لا يجوز أن يسفكه بغير حق، ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث على ما تقدم، وكذلك ماله فهو معصوم الدم والمال ما دام مسلماً، وعرضه كذلك، لا يجوز أن يغتاب، وإن كان عنده شيء من المخالفات، اللهم إلا من باب إذا ترتب على ذلك مصلحة راجحة، يعني من باب التحذير من هذه المعصية، فإن هذه المعصية تذكر ويحذر منها، ولو أدى ذلك إلى معرفة العاصي، ولا يجوز تسميته إذا أمكن أن يتأدى الغرض بغير تسمية.
سم.
وقال المؤلف -عليه رحمة الله-:
стр. 425
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم بهذا اللفظ.
نعم في الحديث السادس والثلاثين يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)).
في بعض الأحاديث: ((من فرج عن مسلم)) ((من نفس)) التنفيس التخفيف، فمن خفف هذه الكربة خفف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن أزال هذه الكربة بالكلية أزال الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل، من نفس عن مؤمن كربة يدخل في هذا المسلم؛ لأن له من الحق على أخيه ما له، لكن كل ما كان الإنسان أكثر استقامة على دين الله وتحقيقاً لوصف الإيمان كان أولى بأن تنفس كربه وتقضى حاجاته.
((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)) جرت العادة الإلهية أن الحسنة بعشر أمثالها، هذا نفس كربة، لماذا لا ينفس عنه عشر كرب من كرب يوم القيامة؟ يقول أهل العلم: إن الكربة من كرب يوم القيامة تعادل العشرات من كرب الدنيا، بل قد لا تقاس كرب الدنيا بكرب القيامة، وحينما قال: ((ستره الله في الدنيا والآخرة)) ما قال هنا: نفس الله عنه كربة من كرب الدنيا والآخرة، لا؛ لأن كرب الدنيا مجتمعة لو اجتمعت كرب الدنيا على شخص ما تعادل كربة واحدة من كرب يوم القيامة، فكونه ينفس عنه كربة من كرب يوم القيامة أعظم بكثير من جميع كرب الدنيا.
стр. 426
((ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)) لك مال، لك حق عند أخ من إخوانك المسلمين، لكنه لما طلبته قال: والله ما عندي شيء، تيسر عليه، تؤجل الطلب ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [(٢٨٠) سورة البقرة] تنظره حتى يجد ما يوفي به دينك، ومن التيسير أيضاً أن تخفف عنه الدين، وتسقط عنه بعضه أو كله، هذا من التيسير.
((ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة)) وكان فيمن قبلنا رجل يداين الناس وكان يعاملهم بالرفق واللين والتيسير والعفو فعفا الله عنه، فالجزاء من جنس العمل.
стр. 427
((ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) رأيت أخاك المسلم في وضع لا يحب أن يعرف الناس عنه أنه يزاول هذا العمل أو يتصف بهذا الوصف تستر عليه ((من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) لكن الستر ليس على إطلاقه كما قرر ذلك أهل العلم، فمن الناس من يستحق الستر، من حصلت منه هفوة أو زلة، وعرف منه أنه لا يعاود ذلك ولا يتكرر منه، مثل هذا يستحق الستر، لكن من عرف بالفواحش والمنكرات هذا لا يستحق الستر، هذا لا بد من إيقاع حد الله عليه، لا بد من ردعه؛ لأننا إذا سترنا مثل هذا عطلنا الحدود، الحدود ما شرعت إلا لردع مثله، فلا يستر عليه حينئذٍ، ونسمع من يطالب بالستر المطلق استدلالاً بمثل هذا الحديث، نقول: الستر المطلق توطئة للإباحية، ما له داعي أن تشرع حدود، وأنت إذا وجدت من يزاول المنكر تركته مطلقاً، هذا توطئة للإباحية، فلا بد من أن يردع مثل هذا، وأن يكف شره عن المجتمع، فيرتدع هو ويرتدع غيره ممن تسول له نفسه ارتكاب مثل هذا المنكر، ولذا شرع إعلان الحدود ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [(٢) سورة النور] ليرتدع بنفسه في إقامة الحد عليه، ويرتدع أيضاً غيره، وبعض الناس يقول: إن عدم الستر من باب إشاعة المنكر، من باب إشاعة الفاحشة، لا، نقول: إن الستر في بعض أحواله هو الذي يحقق شيوع الفاحشة، إذا سترت على فلان وعلان وبدون قيد ولا شرط شاعت الفاحشة بين الناس، لكن إذا أقيم الحد على هذا المرتكب للمنكر امتنع، وقلت الفاحشة، وقد تنتهي الفاحشة من المجتمع، يعني بعض الناس يستعمل النصوص في غير مواردها، فالذي يطالب بالستر المطلق لا شك أن هذا يطالب بإلغاء الحدود، ويطالب أيضاً بانتشار الفاحشة بين الناس؛ لأنه لا يكف عن الفواحش إلا هذه الحدود التي شرعها الشارع الحكيم ((ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة)) مسلم وقعت منه هفوة وزلة وندم عليها، ما له داعي أن يشهر أمره، ويفضح بين الناس؛ لأنه يغلب على الظن أنه لن يتكرر منه، لكن إن تكرر لا يستر عليه.
стр. 428
((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) إذا كان الإنسان في حاجة أخيه يقضيها له فإن الله -جل وعلا- يعينه على ذلك، ويعينه على سائر أموره؛ لأن الخلق كما جاء في الخبر عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
((ومن سلك طريقاً يلتمس فيه)) فأنت تعين أخاك على كل ما ينوبه من أمور دينه وأمور دنياه، ما تستطيع، ما استطعت من ذلك.
((ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً)) سلك الطريق، بذل السبب، وحضر إلى الدروس، واستمع إلى الدروس العلمية سواءً كانت، وقرأ في الكتب، وسمع ما سجل منها، وبذل السبب، وسلك الطريق الحسي والمعنوي، يعني يحضر إلى الدروس، الأصل في السلوك، سلوك الطريق أنه حسي، لكن أيضاً يدخل فيه الطريق المعنوي، يسلك طريق العلم بالذهاب إلى أماكن الدروس، وإلى القراءة في الكتب، وحفظ المتون، ومزاولة الشروح، وسماع الشروح المسجلة، ومتابعة الدروس من خلال الآلات كل هذا من سلوك الطريق، فبمجرد سلوك الطريق يسهل الله لك به طريقاً إلى الجنة ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريق)) مجرد سلوك الطريق، ما يلزم أن تكون عالماً، حتى لو سلكت الطريق تقول: والله ما فهمت، أنت سلكت الطريق؛ لأنه وجد من يطلب العلم عقود، خمسين سنة، ستين سنة، ومع ذلك ما أراد الله أن يكون من أهل العلم، هذا نقول: سلك الطريق، ويكفيه هذا، وسهل الله له به طريق إلى الجنة، لكن إن كان من أهل العلم فيرفع عند الله -جل وعلا- درجات.
стр. 429
((وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله)) يقرؤون القرآن ((ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة)) ((يتلون كتاب الله)) الذي هو القرآن ((ويتدارسونه بينهم)) في ألفاظه، وفي أحكام هذه الألفاظ، وفي معاني هذه الألفاظ، وفيما يستنبط من هذه الألفاظ من أحكام وآداب وعبر ((يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة)) الطمأنينة ((وغشيتهم الرحمة)) من الله -جل وعلا- ((وحفتهم الملائكة)) وحفتهم الملائكة: يعني احتفت بهم، وصارت حولهم، ومن احتفت به الملائكة هل يحضره الشيطان؟ لا، بخلاف من جلب الأسباب التي تعين الشياطين عليه، الملائكة لا تدخل بيت فيه كلب ولا صورة، والبيت إذا لم تدخله الملائكة دخلته الشياطين، والمكان الذي فيه الملائكة لا تدخله الشياطين، فاختر لنفسك.
((وذكرهم الله فيمن عنده)) الذين يذكرهم الله -جل وعلا- عند ملائكته، يباهيهم بهم، انظروا إلى عبادي، تركوا الراحة، تركوا الأهل، تركوا الأولاد، تركوا الأموال، واجتمعوا يتدارسون كتاب الله في بيت من بيوته، في مسجد من مساجد المسلمين، هؤلاء يذكرهم الله فيمن عنده ذكر مباهاة، و ((من ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، ومن ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ خير منه)).
الناس لتشبثهم بهذه الدنيا، وعدم التفاتهم إلى ما ينفعهم نفعاً حقيقياً تجد الواحد منهم لو قيل له: إن الملك فلان أثنى عليك البارحة في المجلس، أو الأمير فلان، أو الوزير فلان، أو الرئيس، أو المدير، أو الوجيه، ذكرك البارحة في المجلس وأثنى عليك، احتمال ما تنام تلك الليلة، احتمال هذا؛ لأن بعض الناس يؤثر فيه هذا الكلام تأثيراً بالغاً، لكن أين أنت من قوله: ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)) أين ذكر الرب -جل وعلا- الذي بيده كل شيء، هو المعطي وهو المانع، وهو النافع، هو الذي ينفع مدحه، ويضر ذمه، الأعرابي لما قال: يا محمد أعطني، فإن مدحي زين وذمي شين، قال: ((ذاك الله -جل وعلا-)) أما أنت مدحك لا ينفع وذمك لا يضر، لكن كون الإنسان يمدح من قبل الأخيار هذه علامة خير، لكن كونه يمدح من قبل الأشرار هذه ليست بعلامة خير.
стр. 430
((ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) ولنا في أبي لهب وأبي طالب عبرة، أعمام النبي ﵊ في الذروة من جهة بالنسبة للنسب، ومع ذلك بطأت بهم أعمالهم فلم تنفعهم أنسابهم ((وسلمان منا أهل البيت)) كما جاء في الحديث.
((من بطأ به عمله)) يعني تأخر به عمله لو كانت أعماله صالحة لكنه أقل من غيره ممن ليس مثله في النسب غيره يتقدم عليه في النسب، وأهل العلم يبحثون أيهما أفضل العباس عم النبي ﵊ أو بلال مؤذن الرسول ﵊ الحبشي؟ أيهما أفضل؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب: العباس، العباس.
العباس عم النبي ﵊، وهذا مولى يباع ويشترى، أعتقه أبو بكر، منّ عليه أبو بكر بالعتق، أيهما أفضل؟
طالب:. . . . . . . . .
من السابقين، يقول شيخ الإسلام: فرق بين من قاتل في بدر في صف النبي ﵊، ومن قاتل في صف أبي جهل، مع أن العباس يعني عم الرسول ﵊، الرسول أوصى بعترته، وفضائله ومناقبه، لكن المسألة إسلام، والحديث حكم ((من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) نقول: العباس ما بطأ به عمله، أدرك هذا وهذا، لكن المسألة مفاضلة، من أهل العلم من يسكت عن مثل هذا لشرف العباس ومنزلته من النبي ﵊ يقول: لا ينبغي أن يقال مثل هذا الكلام، وله وجه، وإن كان الحديث يعني نص في كون النسب لا ينفع حينما يتأخر العمل، والطعن في الأنساب والفخر في الأحساب من دعاوى الجاهلية، مما يؤثر عن الجاهلية، وهذه لا تنفع في الإسلام شيء، لكن إذا اجتمع النسب، وكون الإنسان من أهل البيت الذين وصى بهم النبي ﵊ لا شك أن لهم حق عظيم على الأمة، شريطة أن يكونوا من أهل البيت بالفعل، يعني من النسب الطاهر والعمل الصالح، أما إذا وجد من الذرية الطاهرة لكنه لوث نفسه بالأدناس والأرجاس، بالمعاصي والمنكرات، هذا لا يمكن أن يسرع به نسبه كما جاء في الحديث الصحيح.
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
стр. 431
عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎ قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة)) ...
سبعِ، سبعِ، إلى سبعِمائة.
((إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة)) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث السابع والثلاثين:
عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎.
تقدم معرفة هذا النوع من الحديث، حديث أبي ذر السابق، وأن أهل العلم يسمونه الحديث القدسي، إضافة إلى الله -جل وعلا- القدوس، ومنهم من يقول: الحديث الإلهي، والحديث القدسي كما تقدم ما يضيفه ويرويه النبي ﵊ عن ربه ﵎.
قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات)) فيما يرويه عن ربه ﵎ قال، من القائل؟
طالب:. . . . . . . . .
هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
يعني اللفظ، الكلام هذا للرسول ((إن الله كتب الحسنات))؟ ويش الفائدة في كونه يرويه عن ربه ﵎؟ هناك قال: ((إني حرمت)) ما قال هنا: إني كتبت، هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
الآن فيما يرويه عن ربه ﵎، وحديث أبي ذر فيما يرويه عن ربه ﵎، هناك قال: ((إني حرمت)) وهنا قال: ((إن الله كتب)).
طالب:. . . . . . . . .
стр. 432
قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات)) يعني هل نقول: فيه التفات، التفات من الخطاب إلى الغيبة، وإلا فالأصل أن يقول: (إني كتبت) مثلما قال: ((إني حرمت)) هنا قال: ((إن الله كتب)) يعني عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله كتب الحسنات)) ما نحتاج إلى قوله: فيما يرويه عن ربه ﵎؛ لأن كل الأحاديث التي يسوقها النبي ﵊ بلفظه هو يرويه عن الله -جل وعلا-، ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، فقوله: فيما يرويه عن ربه ﵎، يعني مقتضى هذه الرواية أن يسند الكلام إلى الله -جل وعلا- كما في حديث أبي ذر السابق، لكن هنا قال: إن الله كتب الحسنات، فإما أن يقال: إن هذا التفات، التفات من الخطاب إلى الغيبة، بدلاً من أن يقول: إني كتبت، قال: إن الله كتب، وفي معاملة المخلوق يمكن أن يسموا مثل هذا تجريد، إيش معنى تجريد؟ المتكلم يجرد من نفسه شخصاً يتحدث عنه، ففي الحديث الصحيح عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ أعطى رهطاً وسعد جالس، ما قال: وأنا جالس، وسعد جالس، قالوا: هذا تجريد، جرد سعد من نفسه شخصاً آخر تحدث عنه.
((إن الله كتب الحسنات والسيئات)) كتبها عنده في اللوح المحفوظ، وأثبتها عنده، فمن هم بحسنة فلم يعملها، كتبها الله حسنة كاملة، همّ الهم مرتبة من مراتب القصد.
مراتب القصد خمس هاجس ذكروا ... يليه هم فعزم كلها رفعت
فخاطر فحديث النفس فاستمعا ... إلا الأخير ففيه الأخذ قد وقعا
الذي هو العزم.
стр. 433
فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، لم يعملها، هم بها فلم يعملها، ما الذي منعه من عملها؟ إن كان ندم على هذا الهم، الداعي لتركها هو الندم، هم ببناء مسجد، هم ثم بعد ذلك قال: ما له داعي نبني مسجد، المساجد كثيرة ولا داعي لذلك، وكان أمضى في تخطيط المسجد مدة وبذل مال في تخطيط المسجد، ثم ندم على بذل هذا المال، وعلى بذل هذه المدة التي يفكر فيها في بناء المسجد، هل نقول: يدخل في هذا الحديث، فمن هم بحسنة؛ لأن تفاصيل هذا الحديث كثرة جداً جداً ((فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة)) وجد مانع من فعل هذه الحسنة، يكتبها حسنة كاملة إذا وجد ما يمنعه من فعلها، أما إذا ندم على التفكير فيها، والهم فيها هذا لولا أن الله -جل وعلا- فضله واسع لقلنا: إنه يعاقب على هذا الندم.
((فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات)) الحسنة بعشر أمثالها، وجاء في ذلك نصوص كثيرة ((إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة)) وهذه المضاعفات تزداد تبعاً لنوع العمل والعامل والزمان والمكان، كل هذه مؤثرات في زيادة المضاعفات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، وجاء في حديث مضعف عند أهل العلم: ((إن الله ليضاعف لبعض عباده الحسنة بألفي ألف حسنة)) لا شك أن فضل الله لا يحد، وخزائنه لا تنفذ، لكن الحديث ضعيف.
((وإن هم بسيئة)) يعني دون العزم، وفوق حديث النفس، هم، ((وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة)) حسنة كاملة لم يعملها لأنه عجز عنها، حاول وعجز؟ لا، لم يعملها لوجود مانع، وهو خوف الله -جل وعلا- إنما تركها من جرائي، يعني من أجلي، نعم، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، إن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة.
ولننظر الفرق بين حسنة كاملة، وبين سيئة واحدة، يعني تعظيم شأن الحسنات، مما يبين فضل الله -جل وعلا-، ويدل له ((إن رحمتي سبقت غضبي)).
رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما بهذه الحروف.
стр. 434
المؤلف ﵀ علق على هذا الحديث، يقول: فانظر يا أخي وفقنا الله وإياك إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ، وقوله: ((عنده)) إشارة إلى الاعتناء بها، هذه حسنة قريبة منه، نعم، إلى الاعتناء بها، وقوله: ((كاملة)) للتأكيد وشدة الاعتناء بها.
وقال في السيئة التي هم بها ثم تركها ((كتبها الله عنده حسنة كاملة)) فأكدها بكاملة، ((وإن عملها كتبها سيئة واحدة)) فأكد تقليلها بواحدة، ولم يؤكدها بكاملة، فلله الحمد والمنة، لا نحصي ثناء عليه وبالله التوفيق، هذا تعليق نفيس من المؤلف -رحمه الله تعالى-، ولفتة إلى دقيقة من دقائق العلم، والله المستعان.
النبي ﵊ هم ولم يفعل، هم أن يحرق البيوت على المتخلفين عن الصلاة، لكنه لم يفعل، ومنعه من ذلك وجود النساء والذرية، هل نقول: إن الهم لا يترتب عليه حكم؟ أو نقول: إن النبي ﵊ لا يهم إلا بما يجوز له فعله كما قرر ذلك أهل العلم؟ وإلا إذا قلنا: إن الهم مثل حديث النفس ما يترتب عليه حكم، قلنا: إن هذا الحديث ليس فيه، يعني مفرغ عن الدلالة.
عرفنا أن المقاصد كلها أربع مراتب منها: لا مؤاخذة فيه؛ لأنه إذا هم بسيئة ولم يعملها لا يؤاخذ عليها، لكن لو عزم عليها ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار)) قيل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قيل: ((إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)) عازم على قتله.
سم.
وقال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته)) رواه البخاري.
التكملة هذه عندك؟ وما ترددت؟
طالب: زيادة هنا.
هاه؟
طالب: نعم.
ليست في الأصل، ((ولئن استعاذني لأعيذنه)) رواه البخاري.
طالب:. . . . . . . . .
стр. 435
ما وجد طبعة واحدة، الطبعات متعددة.
طالب:. . . . . . . . .
من أين؟ في أصل الأربعين ليست موجودة.
طالب:. . . . . . . . .
على كل حال هي موجودة في الحديث الصحيح.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثامن والثلاثين:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى قال)) هذا أيضاً حديث قدسي، وهذه صيغة من صيغ الرواية في الحديث القدسي فيما يرويه عن ربه ، فيما يرفعه إلى ربه "إن الله تعالى قال: ((من عادى لي ولياً)) " المعاداة نقيض الموالاة، الذي ينصب العداء لأولياء الله، فمن أولياء الله؟ ((من عادى لي ولياً)) ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [(٢٥٧) سورة البقرة] ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ [(٦٢ - ٦٣) سورة يونس] هؤلاء هم أولياء الله، فمن عادى من اتصف بالإيمان والتقوى ((فقد آذنته بالحرب)) وهل لأحد بحرب الله يد؟! هل يستطيع أن يبارز الله بالحرب؟! كما هو شأن أكلة الربا؟ هل للإنسان المسكين الضعيف الذي لو اعتراه أدنى ما يعتري البشر لأعلن العجز والضعف؟ هل له يد وطاقة في حرب الله -جل وعلا-؟ ومع ذلك نجد كثير من المسلمين يتعاملون بهذه المعاملة المتضمنة لحرب الله ورسوله، وهنا تجده يعادي أولياء الله، ويبغضهم ويكرههم ((من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)) يعني أعلمته بالحرب، أنذرته بالحرب.
((وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)) التقرب بالفرائض لا شك أنه أقرب من التقرب بالنوافل؛ لأن الفرائض أفضل، وهي التي يأثم بتركها بخلاف النوافل التي لا يأثم بتركها، والفرائض أولى بالاهتمام من النوافل ((وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)) يعني أحب الأعمال إلى الله -جل وعلا- هذه الفرائض، فإذا أداها الإنسان وبرئ من عهدتها سلم، مثلما تقدم في حديث الذي لا يزيد على ما افترض الله عليه، الذي يفعل الواجبات ويترك المحرمات، يدخل الجنة، وهذا هو المقتصد، لكن إذا زاد على ذلك النوافل لا شك أنه كلما زاد كان أقرب إلى تحقيق الولاية.
стр. 436
((وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل)) الفرائض ما فيها مسوامة، لكن النوافل هي التي تقبل الزيادة والنقص ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) ((ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه)) ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)) هل يقال: إن الغسل أفضل من الوضوء؟ وهو مندوب والوضوء واجب شرط لصحة الصلاة؟ أو أن نقول: الغسل المشتمل على الوضوء كما هو معلوم وإلا ما يكفي غسل لا يشتمل على وضوء؟ نقول: إذا اجتمع النفل مع الفرض صار أفضل من الفرض وحده، قال: ((ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)) نعم، الإكثار من النوافل سبب لمحبة الله -جل وعلا- للعبد، والإخلال بالفرائض سبب لبغض الله -جل وعلا- للعبد ((فإذا أحببته)) يعني تحقق هذا الوصف بكثرة نوافل هذا الشخص ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها)) يعني وفقه الله -جل وعلا- ويسر له استعمال هذه النعم فيما يرضيه -جل وعلا-، فلا يزاول بها ما يكرهه الله ويسخطه، إنما يستعملها فيما يحب الله -جل وعلا-.
стр. 437
((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به)) فلا تجد مثل هذا يسمع إلا الطيب من الكلام، ما تجده يسمع المحرمات ((وبصره الذي يبصر به)) لا تجد يرى ويشاهد في هذه النعمة التي هي نعمة البصر ما يكرهه الله -جل وعلا- ويبغضه، وما أخل عبد بشيء من هذين المنفذين وغيرهما السمع والبصر يعني تجد بعض الناس طالب علم، لكن قد تغلبه نفسه على سماع محرم غيبة وإلا غناء وإلا مزامير وإلا شيء، سببه الإخلال بالسبب الموجود في هذا الحديث بالنوافل، أخل بالنوافل فاختل الوعد ((كنت سمعه الذي يسمع به)) لكن لو حافظ على النوافل وأكثر من النوافل ما وجد هذا الخلل عنده، كيف يشاهد قنوات إباحية تعرض صور عارية، تعرض صور مومسات، وتعرض أفلام فاحشة، وتعرض شبهات؟ كيف تسمح نفسه بهذا وهو من يتقرب إلى الله -جل وعلا-؟ لا بد أن يوجد الخلل في هذه النوافل التي هي سبب الوعد بحفظ السمع والبصر، فإذا تساهل بهذه النوافل، والنوافل لا شك أنها سياج واحتياط يمنع الإنسان من الإخلال بالواجبات والوقوع في المحرمات.
((وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها)) تجده لا يستعمل هذه اليد إلا فيما يرضي الله، تجده ما يكتب شيء يبغض الله -جل وعلا-، تجده ما يزاول شيء بيده يغضب الله -جل وعلا- إلا إذا أخل بالسبب.
((ورجله التي يمشي بها)) تجده يمشي إلى المساجد، يمشي إلى الدروس، يمشي إلى صلة الأرحام، يمشي إلى زيارة المرضى، وتشييع الجنائز، وما أشبه ذلك، يوفق لهذا كله، وتكون نوافله التي تقرب بها سياج ومانع له من أن يبطش بيده شيئاً مما لا يجوز، أو يمشي برجله إلى شيء لا يجوز.
((ولئن سألني لأعطينه)) إذا وصل إلى هذه المرتبة ما ترد دعوته ((ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني)) مما يكره، سألني شيئاً يطلبه مما ينفعه في دينه أو دنياه لأعطينه، ((وإن استعاذني)) مما يكرهه في دينه أو دنياه ((لأعيذنه)) رواه البخاري.
نعم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه)) حديث حسن، رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث التاسع والثلاثين:
стр. 438
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تجاوز)) وعفا ((لي)) يعني بسببي ولأجلي، هذا من شرف هذه الأمة بسبب شرف نبيها ﵊ ((إن الله تجاوز لي عن أمتي)) عفا عنهم، وتجاوز عن أمتي ثلاثة أشياء: ((الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي.
على كل حال الحديث فيه كلام لأهل العلم، لكن شواهده في القرآن والسنة أيضاً.
((إن الله تجاوز لي عن أمتي)) ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [(١٠٦) سورة النحل].
стр. 439
((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) فلا إثم بسبب الخطأ ولا النسيان ولا بسبب الإكراه، الإثم مرتفع، ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] قال: قد فعلت، يقول الله -جل وعلا-: قد فعلت، فلا مؤاخذة، وكذلك الإكراه، وهو الإلجاء وليس كل ما يدعيه الناس إكراهاً هو في الحقيقة إكراه، لا، وهناك أمور لا يمكن أن يكره عليها الإنسان، الخطأ والنسيان، ومثلهما الجهل ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [(١٥) سورة الإسراء] فالجهل يعذر به الإنسان لا يؤاخذ، وإذا أخطأ أو نسي فإنه لا يؤاخذ، أخطأ فعمل شيئاً لا يعرف حكمه، أو نسي ما يعرف حكمه وفعله أو تركه، وأكره على ما يعرف حكمه بدءاً من كلمة الإشراك إلى ما دونها، فإذا أكره على ذلك إكراهاً معتبراً شرعاً فإنه لا مؤاخذة عليه، أخطأ ففعل محظوراً، نسي ففعل محظوراً لا شيء عليه، لكن أخطأ في حق آدمي نسي فتناول شيئاً لمخلوق فإنه لا يؤاخذ بالنسبة لحق الله، فلا إثم عليه، لكنه يضمن حق المخلوق، وعند أهل العلم النسيان والخطأ ومثله الجهل ينزل الموجود منزلة المعدوم، ولا ينزل المعدوم منزلة الموجود، نسي فصلى بدون طهارة، نقول: صلاته صحيحة؛ لأن الله -جل وعلا- يقول: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] قال: قد فعلت؟ تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان؟ النسيان لا ينزل المعدوم منزلة الموجود، فلا بد أن يتوضأ ويصلي، ونسيانه لا يعفيه، لكن النسيان ينزل الموجود منزلة المعدوم، نسي فصلى الظهر خمس ركعات، نقول: يعيد؟ لا، لا يعيد؛ لأن هذه الركعة في حكم المعدوم؛ لأنه ما قصدها ولا تعمدها، لو تعمدها لأبطلت صلاته، وقل مثل هذا في المحرمات وترك الواجبات، نسي فترك واجباً لا بد أن يأتي به؛ لأنه لا ينزل المعدوم منزلة الموجود، نسي ففعل محرماً ارتكب محرماً نقول: يعفى عنه؛ لأن النسيان ينزل الموجود منزلة المعدوم، ما استكرهوا عليه، يعني الإكراه إلجاء ممن يقدر على التنفيذ، لكن لو أكره على إتلاف مال فإنه يضمن، لو أكره على قتل فإنه لا يجوز الإقدام على القتل؛ لأنه ليست روحه ونفسه
стр. 440
أولى بالصيانة من روح غيره، فإذا قتل ولو كان مكرهاً يقتل، أهل العلم يقولون: إن الرجل لا يتصور إكراهه على الزنا بخلاف المرأة، لا يتصور إكراه الرجل على الزنا، لماذا؟ لأنه إذا أكره لا ينتشر، ما يستطيع أن يزاول بخلاف المرأة، بعضهم يتساهل في هذا الباب تساهلاً شديداً، امرأة تسأل فقالت: إنها أحرمت مع زوجها بعمرة، فلما طافوا قال: خلاص لا تسعي، اذهبي إلى البيت تجهزي وأنا أسعى وأجي، أفتاها من أفتاها بأنها مكرهة لا شيء عليها، هذا تفريط، هذا تساهل في الفتوى، هذه الفتوى لا قيمة لها، ما دام مكنها من الإحرام، وأذن لها أن تحرم، يلزمه ويلزمها الإتمام ولا التفات إلى قوله لها: لا تسعي، لا يملك أصلاً، هو ملزم بالإتمام، وهي ملزمة بالإتمام، ما دام أذن لها، لكن لو قبل الإحرام والعمرة ليست الواجبة قال: لا تحرمين، يملك يمنعها، لكن لما طاف طواف العمرة وبدلاً من أن تسعى معه تذهب لتجهز له ما يريد أثناء سعيه، هذا لا يملك هو مثل هذا، وهي لا تملك بل عليها أن تسعى، فالإكراه له حد شرعي، إذا وصل إليه نعم يعذر إذا لم يصل إليه لا يعذر، نعم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" رواه البخاري.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الأربعين:
стр. 441
ومقتضى تسمية الكتاب بالأربعين أن يكون هذا آخر حديث، واستدلاله بحديث: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً)) مقتضى ذلك أن يكون هذا آخر الأحاديث، لكنه زاد حديثين، والزيادة اليسيرة لا تخرج الشيء عن مسماه، ولذا كثيراً ما نجد في الألفيات زيادة بيت أو بيتين أو ثلاثة أو نقص بيت أو بيتين في الألفية؛ لأن الحكم للغالب، هذا زاد حديثين، رأى أن الحاجة داعية وماسة لهما، وإلا فالأصل أن يكون الحديث الأربعون هو آخر الكتاب، وهو مقتضى التسمية؛ لأن بعض الناس يستغرب يقول: أربعين حديث، الاثنين هذه من أين جابها؟ هي من أصل التأليف، يعني من المؤلف، رأى الحاجة داعية إلى هذين الحديثين، ولما جاء الحافظ ابن رجب فزادها ثمانية فصارت خمسين، ولا يمتنع أن يأتي من يزيدها عشرة فتصير ستين، إلى أكثر من ذلك، ومعروف عند أهل العلم الزيادات والزوائد معروفة عند أهل العلم.
يقول: الحديث الأربعون:
"عن ابن عمر ﵄ قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي" طرف الكتف، المنكب ملتقى العاتق مع العضد "بمنكبي فقال" من باب التنبيه؛ لأنه أيضاً بعد يمكن أخذ بمنكبه وشده من أجل أن ينتبه، هذا أسلوب مستعمل إلى الآن، نعم.
"قال: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) " كوافد على هذا البلد لا تعرف ولا تعرف، والغريب ينبسط في بلد لا يعرف ولا يعرف فيه؟ ((أو عابر سبيل)) مررت بهذا البلد وأنت ماشي في طريقك، ومقتضى ذلك أن تأخذ الأهبة للغربة والسبيل الذي ينتظرك، فتأهب لما أمامك، والدنيا سفر يقطعه الإنسان يقطع منه في كل يوم مرحلة تقربه إلى الدار الحقيقية، الدار الآخرة ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) يعني استعد لما أمامك، أما غير الغريب صاحب البلد والمقيم فيه غير عابر السبيل، هذا عنده بيت، وعنده أهل، وعنده عشيرة، وعنده متاع، فما شبه السائر إلى الله -جل وعلا- بالمقيم؛ لأن هذه الدنيا وهي المشبه ليست دار إقامة، وإنما هي ممر، كأنك عابر سبيل، ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) وابن عمر وهو المعروف بالمبادرة بالامتثال ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)) فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلاً، يبادر.
стр. 442
"يقول: كان ابن عمر ﵄ يقول" لما سمع هذا الكلام "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" يعني قصر الأمل، ومن لازم تقصير الأمل المبادرة بكل ما يستطيع المبادرة به "وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء" بخلاف حال كثير من الناس الذين آمالهم تطول فتجد الإنسان وهو طالب يخطط لما بعد التقاعد، لا يخطط لما بعد التخرج لا، لما بعد التقاعد، الله المستعان، وما يدري أنه يقوم من مجلسه أو لا يقوم، وكم من شخص عمر وشيد وأسس ولا سكن، وأكثر من قضية يتزوج وفي صباح الغد وهو يتناول الإفطار مع عرسه يموت بين يديها أو تموت بين يديه، وموت الفجأة يكثر، وبسبب حوادث السيارات التي تخترم الناس وهم في عنفوان الشباب، يعني أمور مهولة، فعلى الإنسان أن يهتم بهذا الأمر.
"إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح" وليس معنى هذا أنك تقصر نظرك وعملك على هذه المدة بحيث لا تفكر فيما تفعله في الغد أو بعد غد، لا مانع أن تعمل، لكن تجعل نصب عينيك أن المنية أقرب إليك من شراك نعلك لتتأهب، ولا تتمادى في التسويف والمماطلة بفعل الصالحات، أو عدم الإسراع في إبراء الذمة من الحقوق، بادر سارع.
стр. 443
الآن يجلس بعض الناس سنوات يشيد المسكن، ويحمل ذمته من الديون بما يجزم عليه أنه يموت ما سدده، يشيد بيت بمليون وهو ما يحتاج ولا عشر هذا البيت، وديون المليون يصير عليه بسبب التأخير والآجال مليونين أو ثلاثة، ثم بعد ذلك يبقى محسوراً ملوماً، مفرط، ابن عمر شيد بيته بيده، عمر بيته، ويومين ثلاث وينتهي البيت، يومين ثلاث وينتهي البيت، الآن الملاحق في البيوت تحتاج إلى وقت طويل ولأموال، وتحتاج إلى أشياء فضلاً عن البيوت، ابن عمر يومين أو ثلاث وشيد بيته وسكن، الأمر ميسور، يعني قبل أن تنفتح الدنيا، ويتباهى الناس في البنيان، يتطاولون فيه، يقف الإنسان عند باب المسجد يقول: أعان الله من يعين، وهذا لبنة، وهذا طينة، وهذا يجيب ماء، وهذا كذا، ومدة يسيرة وينتهي البيت؛ لأنهم ينظرون إلى حقيقة هذه الدنيا أنها ممر، عابر سبيل، غريب، ينتقل عنها اليوم أو غداً، لكن الآن صارت غاية، إذا ما شيد البيت، ووسع البيت، يعني لو نظرنا في تسلسل البيوت بالنسبة للناس يعني كانت الأسر تسكن في بيت واحد، ثم توسعوا قليلاً فصارت كل أسرة تسكن في بيت، يعني الولد عنده خمسة من الأولاد مزوجين كلهم في بيت واحد، هؤلاء توسعوا قليلاً وصار كل واحد في بيت، لكن كم مساحة هذا البيت؟ رأينا من بيوت في الرياض وفي غيره ستين متر البيت، ثم بعد ذلك رأينا حمام في بيت ستين متر، يعني التوسع في أمور الدنيا هذه مشكلة، يدل على طول في الأمل واغترار بإمهال الله -جل وعلا- للناس، لكن إذا حضر الأجل ما نفعت هذه الأمور، يعني كانت البيوت خمسين ستين متر، التجار يمكن قد يصل إلى مائة، ورأينا بعض القرى التي هدمت السيول بيوتهم يعني القرية كلها ما تجي خمسة آلاف متر، وفيها خمسين ستين بيت، والدليل على ذلك أن الأماكن التي يوضع فيها التمر هذه لا تهدمها السيول باعتبار أنها حصى، يعني تشيد من حصى، وآجر وجص فهي قوية، وجدناها في بعض القرى ما بين الواحدة والثانية إلا خمسة أمتار عشرة أمتار، هذه في بيت وهذه في بيت، فالناس كانوا ينظرون إلى حقيقة الدنيا ما توسعوا، توسعوا خرجوا إلى المئات، قالوا: هذه قبورهم ما هذه ببيوت، توسعوا، خرجوا إلى. . . . . . . . . بعد ذلك، بدؤوا
стр. 444
يشيدون القصور من الآلاف، ما تكفي مئات، يبي مساحة للمشي، ومساحة للزراعة، ومساحة لما أدري إيش؟ وكأنه في قرارة نفسه أنه لن يموت.
ابن عمر في أيام يسيرة شيد البيت وسكن، بيت يكنه هو وزوجته خلاص ينتهي الإشكال من الحر والقر، وما وراء ذلك يحاسب عليه، ترى في الزائد يحاسب عليه الإنسان فضلاً عن كونه يحتاج إلى أن يحمل ذمته الديون، يتكلم الإنسان مثل هذا الكلام، ومن يسمع الكلام يقول: هذا بيته أكيد أنه خمسين متر أو ستين متر، لا هو مثل الناس، الإنسان ابن بيئته، لكن الكلام في الجملة يعني، كان الناس على وضع ثم اختلف هذا الوضع، والله المستعان.
"وخذ من صحتك لمرضك" خذ استعد لما أمامك في وقت الصحة ((نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)) مغبون، صحة تضيع بدون عمل صالح، أو فراغ يضيع بدون عمل! كثير من الناس يضيع هذه الصحة من دون عمل، وإذا علم الإنسان أنه يكتب له إذا مرض مثل ما كان يعمله صحيحاً استغل وقت الصحة من أجل أنه إذا مرض يكتب له نفس العمل.
"ومن حياتك لموتك" تحتاج إلى العمل الصالح الذي يبقى معك بعد الموت، يبقى معك يؤنسك في قبرك، ويكون سبباً في دخولك الجنة، ونجاتك من النار، إذا مات الإنسان وهو مقصر ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [(٩٩ - ١٠٠) سورة المؤمنون] لا، ما في، تنتهي أيام المهلة بالغرغرة، إذا تغرغر الإنسان انتهى، التوبة لا تقبل، والعمل الصالح انتهى لا يقبل، فعلى الإنسان أن يبادر باستغلال أيام الصحة، أيام الفراغ، يأتي في يوم من الأيام يقول: يا ليت، كنت أنام الساعات الآن ما يتيسر، ليت هذه الساعات قسمتها نصفين، نصف للنوم ونصف عمل، ركعتان في جوف الليل، أو صيام في يوم شديد الحر ما يمدي، يندم ولات ساعة مندم.
"ومن حياتك لموتك" تزود، وخير الزاد التقوى، نعم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) حديث صحيح رويناه.
حسن، حسن صحيح وإلا صحيح؟
طالب:. . . . . . . . .
كل النسخ كذا؟
طالب:. . . . . . . . .
حسن صحيح.
стр. 445
حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح.
يقول المؤلف -رحمة الله عليه- في الحديث الحادي والأربعين:
"عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ " أولاً الحديث فيه كلام طويل لأهل العلم، وابن رجب ﵀ في شرح الأربعين بين علل لهذا الحديث، وإن كان معناه يمكن حمله على وجه صحيح.
يقول: "قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم)) " المراد به الإيمان الكامل ((حتى يكون هواه)) ورغبته النفسية تدور تبعاً لما جاء به النبي ﵊، فإذا حس تجد النفس الرغبة لما حث عليه النبي ﵊، إذا منع تجد النفس إذا منع النبي ﵊ من شيء تجد نفسك تدور تبعاً للحث والمنع.
((لا يؤمن أحدكم)) يعني الإيمان الكامل ((حتى يكون هواه تبعاً لما)) من صيغ العموم ((لما جئت به)) يعني لجميع ما جئت به، لكن إذا كان هواه تبعاً لما أوجبه الله عليه وما حرمه الله عليه لا يستثني بذلك شيئاً، أما بالنسبة لما حث عليه من غير إيجاب، أو منع منه من غير كراهة فمثل هذا لا يخدش في الإيمان، ولا يؤثر فيه؛ لأن للإنسان أن يترك المستحب ولا يأثم، وله أن يرتكب المكروه لأدنى حاجة ولا يأثم، و (ما) من صيغ العموم، لكن إذا كان الهوى تبعاً لما جاء به النبي ﵊ من واجبات ومستحبات، وتاركاً لجميع ما جاء عنه من محرمات ومكروهات هذا هو الإيمان الكامل.
((حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)) حديث حسن صحيح ... إلى آخره.
وعرفنا أن الحافظ ابن رجب بين له بعض العلل، نعم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في آخر الأحاديث:
стр. 446
"عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ " وهذا آخر ما في الكتاب من الأحاديث، يقول: ((قال الله تعالى: يا ابن آدم)) وإذا أضيف الابن إلى جنس يشترك فيه الناس أو فئام من الناس فإنه يشمل الذكور والإناث، فيشمل الذكور والإناث وإلا فالأصل أن الابن خاص بالذكر، والبنت بالأنثى، فإذا قيل: ابن زيد، فالمراد ولده الذكر، بخلاف ما يقال: ابن آدم، فإنه يشمل، كما أذا أوصي إلى بني تميم مثلاً، فإنه يشمل الرجال والنساء، لكن إذا أوصي إلى بني فلان فإنه يختص بالأبناء دون الإناث، وهنا يقول: يا ابن آدم مما يشمل الذكور والإناث، والإناث في عموم خطابات الشرع تدخل في خطاب الرجال.
((يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني)) يعني الدعاء ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [(٦٠) سورة غافر] عرفنا فيما تقدم أن الدعاء له أسباب للقبول، أسباب وهناك موانع، فلا بد من توافر الأسباب، وانتفاء الموانع، ومع ذلك من الأسباب اقتران الدعوة بالرجاء، ما يدعو الإنسان وقلبه غافل ساهي، فإنه حري ألا يستجاب له إذا غفل، لكن إذا اقترن مع الدعاء الرجاء وحضور القلب ((غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي)) الله -جل وعلا- يقبل التوبة ويغفر لمن استغفر له، ((ولا أبالي)) يعني لا أهتم بذلك؛ لأن هذا لا يثقله -جل وعلا-، ولا يكرثه، ولو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد واستغفروا غفر لهم، لو طلبوا أعطاهم، ولا ينقص ذلك من ملكه شيئاً كما تقدم.
стр. 447
((يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء)) أذنبت الذنوب الكثيرة العظيمة التي ملأت الأرض وارتفعت إلى عنان السماء، إلى السحاب، إلى الأفق فإنك يقول: لو بلغت ذنوبك كثرة إلى عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، لكن بالشروط المعروفة، مع انتفاء الموانع المعروفة، غفرت لك ((يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض)) يعني بملء الأرض أو بما يقارب ملئها ((خطايا، ثم لقيتني)) بشرط ((لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)) لا تشرك بي شيئاً نكرة يشمل قليل الشرك وكثيره، صغيره وكبيره، وبهذا يستدل جمع من أهل العلم أن الشرك الأصغر لا يغفر ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [(٤٨) سورة النساء] الكبائر كلها تحت المشيئة، لكن الشرك لا يقبل المغفرة، لكن الفرق بين الشرك الأصغر والذنوب أنه لا بد من أن يعذب عليها، والفرق بينه وبين الأكبر أن صاحب الشرك الأكبر مخلد في النار، لكن صاحب الشرك الأصغر إذا عذب مآله إلى الجنة.
((لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
وهذا يبين عظمة التوحيد، وتحقيق التوحيد، وتصفية التوحيد من شوائب الشرك صغيره وكبيره، من البدع من المعاصي ليدخل الجنة وينجو من النار، وهنا أيضاً وعيد لمن لا يشرك بالله شيئاً، يعني جميع صور الشرك كفيلة بأن يغفر للإنسان ما اقترفه من ذنوب، قد يقول قائل: إما أنه قد لا يكون مشرك، لكنه يرتكب محرمات قد يترك الصلاة ولا يشرك، نقول: لا، إذا ترك الصلاة فهو مشرك، لماذا؟ لأنه اتخذ إلهه هواه، ولذا جاء في الحديث: ((بين الكفر وبين الشرك ترك الصلاة)) فلا يرد على هذا أنه إذا كان لا يشرك لكن لا يصلي أنه يغفر له عند من يقول بكفر تارك الصلاة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
طالب:. . . . . . . . .
ما في شيء خلاص انتهينا.