Полный текст (447 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
((والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة)) جاء في الجمعة: ((من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ومشى ولم يركب، ودنى واستمع من الإمام وأنصت كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها)) لكن كم ممن يسمع مثل هذا الخبر وكأنه خبر جريدة، لا يؤثر فيه شيئاً، لا يبكر، يأتي قرب دخول الإمام، أو بعد دخول الإمام، وتجده من العجلة لا يغتسل ولا يغسل، وتجده يركب ولا يمشي، ويكون بعيداً عن الإمام، وقد لا يوفق للإنصات، وهو يسمع هذا الأجر العظيم، مع أن الحديث فيه كلام لأهل العلم، لكن بعضهم أثبته، أجر سنة صيامها وقيامها، كل خطوة، والخير موجود في أمة محمد إلى قيام الساعة.
نعرف من الشباب من يبعد عن المسجد كيلوات، في أقصى البلد، ويقصد إلى مسجد تصلى فيه على الجنائز، وهذا مقصد حسن، كونه يتجاوز عشرة جوامع إلى هذا الجامع من أجل أن يصلي على الجنائز هذا مقصد شرعي، بكل جنازة قيراط، ويمشي، يتجهز من طلوع الشمس، هو جلس في مسجده الذي صلى فيه الصبح إلى أن ارتفعت الشمس، ثم تجهز لصلاة الجمعة، ومشى ساعة أو ساعتين، كم خطوة في هذا؟ والذهاب والإياب حسابهما سواء، فلا يركب لا في ذهابه ولا في إيابه، أجور عظيمة، والموفق من وفقه الله، ويسر عليه هذا الأمر، وإلا فهو شاق، وتجد كثير من الناس بما في ذلك بعض من ينتسب إلى العلم تجده إنما يحضر إلى الجمعة راكباً مع الإمام أو قبيل الإمام، هذا حرمان بلا شك.
((وتميط الأذى عن الطريق صدقة)) إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، وهي صدقة منك على نفسك، حيث تصدقت عليها، وأيضاً صدقة منك على غيرك الذي قد يتأذى بهذا الأذى، والله المستعان.
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) رواه مسلم.
стр. 387
وعن وابصة بن معبد ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: ((جئت تسأل عن البر والإثم؟ )) قلت: نعم، قال: ((استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) حديث حسن، رويناه في مسندي الإمام أحمد والدارمي بإسناد حسن.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث السابع والعشرين:
عن النواس بن سمعان -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((البر حسن الخلق)) وجاء تفسير البر في آية البقرة ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [(١٧٧) سورة البقرة] يعني جاء تفسيره في القرآن غير التفسير المذكور هنا، فالبر يشتمل على أشياء كثيرة، البر اسم جامع لكل خصال الخير بدأ من الإيمان بالله وبقية أركان الإيمان، وجميع شرائع الإسلام كلها بر، لكن النبي ﵊ حصر البر هنا بحسن الخلق، وحسن الخلق أشمل من أن يكون في التعامل مع المخلوق، فتتلقى الشرائع الإلهية والأوامر والنواهي بصدر رحب، لا مع ضيق النفس، لا مع تأفف، لا مع تذمر، فحسن الخلق يشمل جميع المعاملات، معاملة الإنسان مع ربه، معاملة الإنسان مع نفسه، معاملته مع غيره، حسن الخلق، وما وضع في الميزان أثقل من حسن الخلق.
((البر حسن الخلق)) هذا أسلوب حصر، تعريف جزئي الجملة يدل على الحصر، والحصر هنا إضافي للاهتمام بشأن ما حصر فيه المسند إليه، ليس بحصر حقيقي؛ لأن البر يكون بشرائع من شرائع الإسلام غير حسن الخلق، وإن كان حسن الخلق يمكن أن يدخل في جميع شرائع الإسلام، لكن مع ذلك هذا الحصر إضافي ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ﴾ [(١٤٤) سورة آل عمران] هو رسول ﵊، وهو أيضاً له صفات أخرى بشرية ينتابه فيها ما ينتاب البشر، وما الشاعر إلا حسان، هناك شعراء غير حسان، على كل حال يسمونه في مثل هذه الحالة حصر إضافي.
((البر حسن الخلق، والإثم)) ما يقابل البر ((ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس)) لأنه لا بد أن يكون فيه شيء، إذا كرهت أن يطلع عليه الناس، وتخشى أن ينكر عليك لا بد أن يكون فيه شيء.
стр. 388
قد يقول قائل: يكره الإنسان المخلص أن يطلع الناس على أعماله الصالحة، صلى بالليل، وصام بالنهار، وكره أن يطلع الناس عليه، ليس من هذا الباب؛ لأنه جاء فضل الإخفاء، إخفاء الصلاة، إخفاء العبادة، إخفاء الصدقة ((ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)) مطلوب الإخفاء، ويكره أن يطلع عليه الناس؛ لئلا يخدش إخلاصه، فإذا كان خوفه من اطلاع الناس على عمله أن يتأثر في إخلاصه، وأن ينتابه شيء من الشرك الخفي، فإن هذا شر، لكن إذا خشي أن يطلع الناس على عمله لئلا ينكروا عليه فهو المراد هنا: ((وكرهت أن يطلع عليه الناس)).
أحياناً يكون العمل صالح، والأفضل أن يخفيه عن الناس؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص، قد يكون الأفضل له أن يظهره للناس من أجل أن يقتدى به، عمل صالح يقتدى به، فيكون له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة، وصلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة، وقد تكون في المسجد أفضل منها في البيت إذا رأى الناس يتساهلون في النوافل أو يتهمونه بأنه لا يصلي النوافل وهو ممن يقتدى به، إذا أظهر ذلك أحياناً كان أفضل، يكون في حقه أفضل.
стр. 389
((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) هذا الحديث حسن مخرج في سنن أبي داود وغيره ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)) هل المراد بالجاهر والمسر الذي يقرأ عند الناس في المسجد، يقرأ بين الناس إما برفع صوت أو بخفض صوت، أو أن يقرأ بين الناس في المسجد أو يقرأ في بيته؟ الجهر والإسرار كما يكون في الصوت يكون أيضاً في الظهور والخفاء، والمطابقة إنما تتم بين الجهر والإسرار بالقرآن، مع الجهر والإسرار بالصدقة أن تكون القراءة على الملأ، أو في الخلوة؛ لأنه لا يتصور أن يتصدق بصوت أو بعدم صوت، إنما يتصدق والناس ينظرون إليه، أو يتصدق فيخفي صدقته عن الناس، ومثل هذا قراءة القرآن، إذا قرأ بين الناس ولو أسر بصوته صار حكمه حكم المعلن بالصدقة، لكن قد يعتري رفع الصوت بالقرآن بين الناس ما يعتريه بخلاف الإسرار بالقراءة ولو كانت بين الناس؛ لأنه إذا قرأ بصوت يستحسنه الناس ويمدحونه به، ويثنون عليه، قد يتأثر بهذا المدح بخلاف ما إذا قرأ سراً، لا سيما إذا كان هناك من يتشوش بقراءته، فلا شك أن الإسرار أفضل.
((وكرهت أن يطلع عليه الناس)) رواه مسلم.
"وعن وابصة بن معبد -رضي الله تعالى عنه- قال: أتيت رسول الله ﷺ " فبادره النبي ﵊ وأخبره عما في نفسه؛ لأن الله -جل وعلا- أطلع نبيه على ما في نفسه، أو يكون بلغه بواسطة شخص تحدث إليه الواسطة، وإلا فما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، النبي ﵊ لا يعلم الغيب، لا يعلم الغيب إلا الله -جل وعلا-.
قال: ((جئت تسأل عن البر؟ )) قلت: نعم، قال: ((استفت قلبك)) القلب السليم يدرك البر والإثم، القلب السليم لا القلوب المدخولة المنحرفة والفطر المتغيرة لا، هذا لا تدرك بذاتها.
стр. 390
((استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب)) إذا كنت ترتاح لهذا العمل وأنت قلبك سليم، وفطرتك مستقيمة ما اجتالتك الشياطين فالبر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب ((والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر)) يعني سألت عن حكم مسألة وارتحت واطمأن قلبك إلى جواب من أفتاك هذا البر، لكن إذا كنت سألت هذا العالم وأفتاك بكلام لم ترتح له، لا سيما إذا كان يوافق هواك، ارتكبت شيئاً في حج أو عمرة ثم سألت من تثق بعلمه، وقال: ما عليك شيء، وأنت ما زال في قلبك شيء، احتمال أن يكون عليك دم، فأنت إذا ترددت في هذا اسأل غيره، اسأل غير هذا العالم لتطمئن، فإذا أفتاك ثاني خلاص انتهت المشكلة، وأما إذا أفتاك بما يخالف هواك الأول قال: عليك دم، تقول: والله أنا ما أنا مرتاح لهذا الجواب، ليش ما أنت مرتاح؟ لأنه لا يوافق هواك، لا لأن صدرك مرتاح وقلبك مطمئن، فمثل هذا الذي يغلب على الظن أنك تبحث عن رخص.
((والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)) يعني مهما أفتوك وأنت في تردد من هذا، فلو قدر أن شخصاً على مذهب لا يرى أكل مثل هذا الحيوان، ثم ذهب يستفتي من يرى حل هذا الحيوان، بيرتاح لهذه الفتوى وإلا ما يرتاح؟ حنبلي سأل شافعي مثلاً أو مالكي عن الثعلب يؤكل وإلا ما يؤكل؟ قال: يؤكل، هذا السائل بيرتاح لهذه الفتوى؟ إلا لهوى في نفسه، هو محتاج للأكل، قد يكون محتاج للأكل فيوافق هواه، حينئذٍ لا يرتاح، وإن أفتاه من أفتاه، لو أفتاه الإمام الشافعي برأسه، والإمام مالك نجم السنن، فإنه حينئذٍ لا يرتاح؛ لأنه شب على كراهية مثل هذا اللحم أو تحريم هذا اللحم.
((وإن أفتاك الناس وأفتوك)) حديث حسن، رويناه، وعلى اصطلاح ابن الصلاح يقول: "رويّناه في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن.
والحديث فيه انقطاع، ولكن له شواهد، شواهد منها حديث النواس بن سمعان الذي قبله.
стр. 391
رويّناه في مسندي الإمامين أحمد، المسند يطلق ويراد به الكتاب الذي تروى فيه الأحاديث بالأسانيد، والبخاري الجامع الصحيح المسند؛ لأنه تروى فيه الأحاديث بالأسانيد، والاصطلاح عند أهل العلم الذي استقر عليه أن المسند ما رتبت فيه الأحاديث على مسانيد الصحابة، كمسند أحمد، الدارمي له مسند مرتب على المسانيد أشار إليه الخطيب البغدادي في ترجمته من تاريخ بغداد، وأما المشهور المستفيض بين يدي الناس هو الذي يخرج منه، فهو سنن، على الأبواب، وليس بمسند، اللهم إلا على الاصطلاح الأول القديم، الذي يسمى فيه البخاري مسند، تروى فيه الأحاديث بالأسانيد:
ودونها في رتبة ما جعلا ... كمسند الطيالسي وأحمدا
على المسانيد فيدعى الجفلا ... وعده للدارمي انتقدا
ابن الصلاح عد الدارمي في المسانيد، مع أنه مرتب على الأبواب انتقد ابن الصلاح في هذا، اللهم إلا إذا كان يريد المسند الذي أشار إليه الخطيب، وهنا ذكر الدارمي باسم المسند، وقال: في مسندي الإمامين أحمد بن حنبل والدارمي بإسناد حسن.
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ ...
الذي يليه، عن أبي نجيح، الذي بعده.
عن أبي نجيح العرباض بن سارية ﵁ قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون. فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة)) رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
في الحديث الثامن والعشرين يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
стр. 392
"عن أبي نجيح العرباض بن سارية -رضي الله تعالى عنه- قال: وعظنا رسول الله ﷺ " وعظنا ذكرنا بالقرآن، وبشيء من كلامه الموحى إليه من سنته ﵊ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وعظهم النبي ﵊ وذكرهم وخوفهم وأنذرهم وبشرهم، وأمرهم ونهاهم، وعظهم موعظة، يعني عظيمة مؤثرة، وجلت منها القلوب، خافت منها القلوب، لا سيما وأنها صادرة ممن لا ينطق عن الهوى، من أنصح الناس للناس، وأشفقهم عليهم، لا شك أن الموعظة إذا خرجت من قلب سليم ناصح أنها تؤثر.
"موعظة وجلت منها القلوب" خافت خوفاً شديداً "وذرفت منها العيون" فاضت منها الدموع نتيجةً لهذا الخوف وهذا الوجل "فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع" يعني الرسول ﵊ إذا خطبهم في الجمعة كأنه منذر جيش، اعتلى صوته، ويحمر وجهه ﵊ كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ليؤثر في خطبته ﵊، وهنا وعظهم موعظة، وذكرهم وخوفهم بهذه الموعظة المؤثرة التي ترتبت عليها آثارها، ونحن نسمع المواعظ، نسمع القرآن الذي جاء الأمر بالتذكير به،
﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [(٤٥) سورة ق] نسمع القرآن بأعذب الأصوات ومع ذلك لا نتأثر لقساوة في القلوب، وجفاف في الدموع والأعين، والسبب في ذلك الران الذي غطى على القلوب من المكاسب والمطاعم وغيرها.
"كأنها موعظة مودع" كأنهم رأوا أن النبي ﵊ جاء بكل ما عنده، كأنه لا يريد أن يلقاهم بعد هذه الموعظة.
стр. 393
"كأنها موعظة مودع فأوصنا" يعني تصوروا أن النبي ﵊ بعد هذه الموعظة خلاص أدى كل ما عليه "فأوصنا، قال: ((أوصيكم بتقوى الله )) " هذه وصية الله -جل وعلا- للأولين والآخرين، وسبق أنه أوصى من طلب منه الوصية بألا يغضب، فكل إنسان يوصى بما يليق به، إذا ظهرت على الإنسان شيء من المخالفات يوصيه بترك هذه المخالفات، فقال له: أوصني، أوصاه بما يظهر عليه من المخالفات، إذا رأى منه فتور في الطاعات أوصاه بالمبادرة إذا رأى عليه فتوراً في طلب العلم أوصاه بالاهتمام بالعلم، وغير ذلك كل يوصى بما يناسبه، لكن إذا كان طالب الوصية مجموعة، كل واحد منهم قد يحتاج إلى ما لا يحتاجه غيره، الجامع ذلك تقوى الله، التي هي وصية الله للأولين والآخرين.
стр. 394
((أوصيكم بتقوى الله )) نظير ما يحصل منه ﵊ من توجيه إما لأفراد، وإما لجماعات، حينما يخطب الجميع يحمر وجهه، ويعلو صوته، لكن إذا خاطب شخصاً واحداً يريد أن يوجهه وينكر عليه يختلف الأمر؛ لأن توجيه الخطاب إلى المجموع يختلف أثره عن توجيه الخطاب إلى الواحد، يعني إذا ارتفع صوته ﵊، واشتد غضبه، العادة أن النبي ﵊ ينكر برفق، الأعرابي الذي بال في المسجد قال: ((دعوه، لا تزرموه)) يعني اتركوه، لما أراد الصحابة أن يوقعوا به، وشدوا عليه الكلام، قال: ((دعوه)) الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، لكن كل واحد من الحاضرين حينما يخطب النبي ﵊ بهذه القوة وبهذه الشدة كل واحد من الحاضرين يقول: لست أنا المقصود، فيخف الأمر، لكن لو واجه شخص بعينه بقوة هذا خلاف الهدي النبوي، ولا يمنع أن يخطب الإنسان ويذكر بعض المنكرات الشائعة، ويشدد في إنكارها، ويرفع صوته في إنكارها؛ لأنه لا يخاطب شخص بعينه، والنبي ﵊ يقول: ((ما بال أقوام)) ويشدد، لكن لو واجه الشخص الذي فعل تجده يلطف به ويترفق به؛ لأن هذا أجدى وأدعى للقبول، ففرق بين هذا وهذا؛ لأن بعض الناس يقول: كيف النبي ﵊ إذا خطب اشتد غضبه، وارتفع صوته، واحمر وجهه، وهو يقول: دعوه دعوه، يعني هذا اضطراب، نقول: لا، خطاب المجموع يختلف عن خطاب الأفراد، المجموع أنت لا تخاطب شخص بعينه، كل واحد من الحاضرين يقول: لعله لا يقصدني، فيخف الأمر، بينما إذا واجه شخصاً بعينه، نعم قد يغضب لغضب الله ﵊ لكنه لا ينتقم لنفسه، والإنسان إذا أسدي له نصيحة برفق ولين، ثم بعد ذلك مرة ثانية ثم ثالثة لا مانع أن ينكر عليه بقوة، وأن يؤطر على الحق فيما بعد ذلك؛ لأنه في الحقيقة إنسان لا يستحق مثل هذا اللين.
стр. 395
((أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة)) يعني لولي الأمر، ((وإن تأمر عليكم عبد)) وجاء في بعض الروايات: ((عبد حبشي رأسه كأنه زبيبة)) قد يقول قائل: تأمر، كيف يتأمر والأئمة من قريش؟ فهذا محمول على من دون الإمام الأعظم، أو الإمام الأعظم إذا تولى بالقوة والقهر والغلبة واستتب له الأمر فإنه لا يجوز الخروج عنه، وأما في حال الاختيار فالأئمة من قريش.
((وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم)) ممن تطول به الحياة ((فسيرى اختلافاً كثيراً)) يعني في عهد عثمان ﵁ وجد هذا الخلاف، لما كسر الباب بقتل عمر -رضي الله تعالى عنه- وجد الاختلاف، وتغير الناس، تغيرت القلوب، وحوصر الخليفة في داره، وقتل في قعر داره، وهو يقرأ القرآن صائماً، بين المهاجرين والأنصار، وأي فتنة أعظم من هذه؟ والعهد ما بالعهد من قدم، العهد قريب، والله المستعان.
فإنه من دلائل نبوته ﵊، ومن أعلام النبوة أنه أخبر بما سيحدث.
((فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً)) والحل؟ ((عليكم بسنتي)) ((إنها ستكون فتن)) قلنا: يا رسول الله وما المخرج؟ قال: ((كتاب الله)) فالاعتصام بالكتاب وبالسنة كما في هذا الحديث هو الكفيل بإذن الله -جل وعلا- بالخروج خروج الإنسان المسلم سالماً من آثار هذه الفتن.
стр. 396
((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)) الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ((فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين)) فسنتهم سنة بإقرار النبي ﵊، إذا لم تعارض أقوالهم أو أقوال بعضهم ما جاء عن النبي ﵊، وإلا فالعبرة بسنته ﵊، ثم إذا لم يوجد في الباب من سنته ما يستدل به يعمل بعمل الخلفاء الراشدين، ولذلك تقبلت الأمة الأذان الأول ليوم الجمعة ولا يوجد له أصل يدل عليه في هذا الوقت إلا فعل عثمان ﵁، وإن كان تكرار الأذان بالنسبة لصلاة الصبح كان يؤذن بلال ويؤذن ابن أم مكتوم، لصلاة الصبح لا مانع من أن يكون لها أذانين، ولها أصل من سنته ﵊، أما بالنسبة للأذان الأول يوم الجمعة فهذا لا أصل له إلا من فعل عثمان، ويندرج بقوله ﵊: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ)) يعني تمسكوا بها تمسكاً قوياً شديداً، لا يتزلزل ولا يتزحزح، بحيث لو كانت هذه السنة أمراً محسوساً فأطبقوا عليه بنواجذكم أقصى الأضراس.
стр. 397
((عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم) تحذير ((ومحدثات الأمور)) أحذروا محدثات الأمور، يعني أمور الدين، ما يستحدث ويبتدع في الدين احذروه، ((فإن كل بدعة ضلالة)) كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وجاء عند النسائي: ((وكل ضلالة في النار)) كل بدعة ضلالة، هذا التعميم من النبي ﵊، ومن أهل العلم –مع وجود هذا النص الكلي العام الذي يشمل جميع المحدثات في الدين وأنها ضلالة وأن الضلالة في النار- يقول بعضهم: إن هناك بدع حسنة، بدع سيئة وبدع حسنة، منهم من يقول: هناك بدع واجبة، وبدع مستحبة، وبدع ... إلى آخره، هذا التقسيم للبدع مخترع مبتدع، يعني قال به بعض أهل العلم، قسم البدعة إلى الأحكام التكليفية الخمسة بعض العلماء، العز بن عبد السلام والنووي وابن حجر، وجمع من أهل العلم، لكن العبرة بالتعميم في قوله: ((كل بدعة ضلالة)) كيف يقول: ((كل بدعة ضلالة)) وأنت نقول: بدعة واجبة؟ فإما أن يكون العمل بدعة فيكون ضلالة، أو يكون واجباً فلا يكون بدعة، يعني هذا تناقض.
الشاطبي في الاعتصام رد هذا التقسيم وأبطله، وقوض دعائمه، وقال: هذا تناقض ومعارضة لما قاله النبي ﵊ فهو مردود على قائله.
стр. 398
قد يستدلون بـ ((من سن سنة حسنة)) وقول عمر: "نعمت البدعة هذه" فأثنى عليها وسماها بدعة، من سن في الإسلام سنة حسنة معناها أنه بادر إلى العمل بها ولها أصل، كالصدقة مثلاً، سن في الإسلام سنة حسنة، لو قدر أنه في بلد من البلدان لا يوجد مدارس تعلم العلم الشرعي، أو تحفظ القرآن الكريم، ثم بادر إنسان فأنشأ مدرسة، نقول: هذا سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه أحيا هذه السنة، وبادر إلى العمل بها، وهي في الأصل سنة مشروعة بدليل شرعي، وأما قول عمر: "نعمت البدعة" يعني صلاة التراويح حينما جمعهم على إمام واحد، فهي في الحقيقة ليست بدعة لا لغوية كما يقول شيخ الإسلام، ولا شرعية كما يقول بعضهم: والبدعة بدعة ولو كانت من عمر، لا، هي ليست ببدعة، لكن عمر سماها بدعة من باب المشاكلة والمجانسة في التعبير، يعني كأن قائل قال: ابتدعت يا عمر؟ فقال: نعمت البدعة، يعني إذا كانت هذه بدعة فنعمت البدعة، وإلا فليست ببدعة؛ لأنها عملت على مثال سابق، صلاها النبي ﵊ لأصحابه ليلتين أو ثلاث ثم تركها، لا نسخاً لها ولا عدولاً عنها، وإنما خشية أن تفرض.
((فإن كل بدعة ضلالة)) وتتمة الحديث عند النسائي: ((وكل ضلالة في النار)) رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
نعم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
стр. 399
عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: ((لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)) ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، ثم تلا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [(١٦) سورة السجدة] ... حتى بلغ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [(١٧) سورة السجدة] ثم قال: ((ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ )) قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد)) ثم قال: ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ )) فقلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه وقال: ((كف عليك هذا)) قلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ((ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
عن معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه- قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني عن النار.
هذه أسئلة الصحابة -رضوان الله عليهم- لحرصهم على الخير؛ ولأن الدين رأس المال عندهم، وما عداه يأتي تبعاً، تجد أسئلتهم حول هذا، حول الدين، وما ينفعهم في آخرتهم، وتجد أسئلة كثير من الناس اليوم عن التجارة الرابحة في الدنيا، في العمل المربح، في المشاريع المجدية، لا مانع من ذلك، لكنه ليس هو الهدف، وليس هو القصد الأول والآخر كما هو شغل كثير من الناس ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [(٧٧) سورة القصص] لكن يبقى أن الأصل أن الإنسان خُلق لتحقيق العبودية.
"أخبرني بعمل يدخلني الجنة" هذا هدف، العمل مما يتحقق به الهدف وهو العبودية لله -جل وعلا-.
"أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار" أدخل الجنة، زحزح عن النار هذا الفائز الحقيقي، هذا هو الفائز الحقيقي.
стр. 400
"ويباعدني عن النار، قال: ((لقد سألت عن عظيم)) " لأن النتيجة عظيمة، فوز في الدنيا والآخرة، فهو عظيم، ((وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه)) يسير، يعني تجد الإنسان يعمر مائة سنة، ويتردد على المساجد، ويصوم الفرض وما تيسر له من نفل، ومائة سنة على هذه الطريقة وعلى هذه .. ، لا يمل ولا يكل، ويتصدق، ويضرب بأبواب الخير من كل باب بسهم وافر، الملل جبلي بالنسبة للمخلوقين، لكن هذا الأمر يسره الله عليه، يجد الإنسان من نفسه في بعض الأحيان فتور، لكن بعض الناس أمره سهل، مجرد ما يسمع الأذان يلقي ما في يده ويقوم، وفي أول عمره وآخره وأثنائه سواء، ما يتردد إذا سمع الداعي، حي على الصلاة، حي على الفلاح، ذكر عن بعض السلف أنه مكث أربعين سنة ما أذن إلا وهو في المسجد، وتوفي شخص قبل شهرين ذكر ولده الكبير أنه منذ أربعة وأربعين عاماً يقوم الليل في الحادية عشرة والنصف، صيفاً وشتاءً، ما أخل بذلك ولا ليلة، هذا يسر الله عليه هذا الأمر.
القرآن بعض الناس يمر به اليوم واليومين والثلاثة ما فتح المصحف، وبعض الناس يسر الله عليه ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ [(١٧) سورة القمر] يعني ما يؤتى على فرغة، وعلى شيء من الغفلة لا، مع تذكر ومع اهتمام وهمة، فإذا اختط الإنسان لنفسه برنامجاًَ لعبادته فإنه يسير عليه بكل هدوء وكل راحة، ويثبت عليه، يثبته الله -جل وعلا- عليه، أما أن يترك المجال، إن جاء إلى المسجد قبل الإقامة فتح المصحف وإلا فلا، هذا لا يقرأ المصحف، ولا ييسر عليه القرآن في الغالب، وتجده يفرح أن يجد من يحدثه بعد أداء السنة، أسهل عليه من أن يقرأ القرآن، لكن إذا كان له نصيب محدد من القرآن، وليكن جزء واحد أو جزأين أو ثلاثة أو أربعة، ومن السهل أن يقرأ القرآن في سبع، إذا حدد هذا النصيب لا بد أن يقرأه على أي حال، ولا يجد مع ذلك أي كلفة أو أي مشقة، ولا يعوقه عن ذلك عن أي مصلحة لا دينية ولا دنيوية ((وإنه ليسير لمن يسره الله عليه)).
((تعبد الله لا تشرك به شيئاً)) هذا الشرك نسأل الله العافية أعظم ذنب يعصى به الله -جل وعلا-، ولا يصح معه أي عمل، فلا بد من تحقيق التوحيد ونفي الشرك.
стр. 401
((وتقيم الصلاة)) التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام ((وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)) الأركان الخمسة لا بد منها، فالركن الأول الذي لا يحققه ليس بمسلم اتفاقاً، والركن الثاني القول المرجح عند أهل التحقيق وهو المنقول عن الصحابة أن من لا يصلي كافر كفر أكبر مخرج عن الملة، والثالث والرابع والخامس يعني غير الثلاثة من الأركان العملية القول بكفر تارك واحد منها قول معروف عند المالكية، ورواية عند الحنابلة، والجمهور على أنه لا يكفر، لكنه على خطر عظيم.
"ثم قال: ((ألا أدلك على أبواب الخير؟ )) " أبواب الخير كثيرة جداً ((الصوم جنة)) جنة: درع واقٍ يقيك بإذن الله إذا حققته، مما يضرك في دينك ودنياك.
((الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة)) الصدقة الواجبة والمستحبة تطفئ الخطيئة؛ لأن الخطايا لها حرارة في القلب، ولذا في دعاء الاستفتاح: ((اللهم اغسلني بالماء والثلج والبرد)) بما يبرد هذه الذنوب وهذه الخطايا.
((والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل)) يعني يطفئ الخطيئة، معطوف على الصدقة ((وصلاة الرجل في جوف الليل)) ثم تلا ﵊: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [(١٦) سورة السجدة] في سورة؟ السجدة، وجاء الحث على قيام الليل، وهو دأب الصالحين من قبلنا، وقام النبي ﵊ حتى تفطرت قدماه، و ((نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)) فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلاً، بادر بالامتثال، وفي آية الزمر ما يدل على أنه –أعني قيام الليل- من سمات أهل العلم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر] بعد إيش؟ ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ﴾ [(٩) سورة الزمر] هذه سمة أهل العلم، مما يدل على أن الذي لا يقوم الليل، وإن كان عنده شيء من العلم فإنه لا يستحق ذلك، لا يستحق هذا الوصف.
стр. 402
"ثم قال: ((ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ )) " ألا، تنبيه ((ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ )) قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((رأس الأمر الإسلام)) يعني تستسلم لله -جل وعلا- في جميع أمورك، وتسلم قيادك لله، لأوامره ونواهيه، هذا رأس الأمر، ((وعموده الصلاة)) أعظم أركانه العملية، ((وذروة سنامه الجهاد)) لأنه هو الذي يرتفع به شأن الأمة، وإذا تركت الجهاد ورضيت بالدنيا، ضرب عليها الذل الذي لا يرفع إلا بمعاودة هذا الأمر.
"ثم قال: ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ )) قلت: بلى يا رسول الله" الذي يجمع هذه الأمور كلها "قلت: بلى يا رسول الله" فأخذ بلسانه، بلسان نفسه؛ لئلا ينسى معاذ؛ لأنه لو أخبره مجرد خبر قد ينساه، لكن إذا تصور أن النبي ﵊ أمسك بلسان نفسه فإنه لن ينسى هذا الموقف، فأخذ بلسانه "وقال: ((كف عليك هذا)) قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ " يعني كثير من الناس لا يفتر عن القيل والقال، كأنه لا يدري أنه يحاسب على هذا الكلام، ولذا استبعد "وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ((ثكلتك أمك يا معاذ)) " يعني فقدتك، وهذا الدعاء يجري على اللسان من غير قصد، وهذا كثير في كلام العرب.
((ثكلتك أمك، وهل يكب الناس)) يلقيهم ((في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم)) أو قال، يعني شك، هل قال النبي ﵊ على وجوههم، أو قال: على مناخرهم؟ والمناخر جزء من الوجه ((إلا حصائد ألسنتهم)) يعني ما يحصدونه من جراء ما يتكلمون به.
"رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح".
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) حديث حسن رواه الدارقطني وغيره.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الثلاثين:
стр. 403
"عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر" العرب كانوا لا يهتمون ولا يحتاطون في الأسماء، ولا يكترثون لها، هذا اسمه جرثوم بن ناشر -رضي الله تعالى عنه-، يقولون: الآن هذه الأسماء بعضهم يلحظ ملحظ أن العدو إذا سمع مثل هذا الاسم الخشن يخاف "جرثوم بن ناشر -رضي الله تعالى عنه- عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تعالى فرض فرائض)) " وما زال الأعراب على هذا، يسمون أسماء قريبة من هذا، بل عندهم ما هو شر من هذا، أو أشد منه.
"عن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله تعالى فرض فرائض)) " فرض فرائض، أوجب واجبات ((فلا تضيعوها)) التزموا بها، واعملوها، وحافظوا عليها، ولا تفرطوا فيها ((وحد حدوداً)) حرم محرمات ((فلا تعتدوها)) وأيضاً وضع أشياء محددة عقوبات على بعض المحرمات فلا تجوز الزيادة عليها، ((وحرم أشياء)) منعكم من أشياء، ورتب عليها الإثم، وقد يرتب عليها الحد فلا تنتهكوها، الحلال بين، والحرام بين، الواجب لا بد من العمل به، ويأثم تاركه، والمحرم لا بد من تركه، ويأثم فاعله، وسكت عن أشياء، ما عدا ذلك، ما نص على وجوبه، وما نص على تحريمه، وما جاء الشرع بطلبه، وما جاء الشرع بالكف عنه، كل هذا معروف ومقرر بالأدلة، وما عدا ذلك تركها وسكت عنها رحمة لكم، رحمة بعباده، فيبقى ما عداها على الأصل وهو الإباحة ((فلا تسألوا عنها)) فلا تبحثوا عنها، تنقروا عنها، تأتي في شيء لا نص فيه تسأل عنه، لا سيما في وقت التنزيل الذي قد ينزل نص بمنعه، وأشد الناس جرماً في المسلمين من سأل عن شيء فحرم من أجله.
((وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها)) لكن ما حرمه الله لا بد أن يجتنب، وما أمر به لا بد أن يفعل ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)) وقد تقدم، وما سكت عنه -جل وعلا- فلا تبحثوا عنه؛ لأنه لا يسكت عنه نسيان؛ لأن المخلوق قد يذكر أشياء، ثم ينسى أشياء يتأكد منها، هل هي مطلوبة أو غير مطلوبة؟ لكن الله -جل وعلا- ما سكت عنه فإنه إنما سكت عنه رحمة بعباده وخلقه، فليس نسياناً لها، فمثل هذه لا يبحث عنها، وإن كان تركها احتياطاً هو صنيع كثير من السلف، ترك كثير من الأمور التي ليس فيها نص، بل كثير من المباحات التي جاء النص بإباحتها احتياطاً وسياجاً لئلا يرتكب ما منع الإنسان منه، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 404
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح الأربعين النووية (١٤)
شرح الأحاديث: (٣٢ - ٤٢)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
اللهم اغفر لنا ولشيخنا والسامعين والحاضرين.
قال الإمام النووي -عليه رحمة الله-:
عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)) رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الحادي والثلاثين ...
هذا سؤال متعلق بالحديث السابق.
يقول: الحديث الماضي: ((وسكت عن أشياء رحمةً بكم)) هل يؤخذ منه إثبات صفة السكوت؟
نعم؛ لأن الله -جل وعلا- يتكلم في الأزل، ويتكلم متى شاء إذا شاء، من لازم ذلك أنه يسكت، والحديث أيضاً: ((وسكت عن أشياء)) ففي هذا إثبات السكوت لله -جل وعلا-.
الحديث الذي يليه قوله:
"عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله" هذه اهتمامات الصحابة، يسأل النبي ﵊ فيما يقربه إلى الله، كما مضى نظائره في أسئلة قريبة من هذا "دلني على عمل إذا عملته أحبني الله" لأن كون العبد يحب الله -جل وعلا- هذا فرض من فرائض الدين، والعبادة لا تكون إلا مع الحب والتعظيم.
عبادة الرحمن غاية حبه ... مع ذل عابده. . . . . . . . .
стр. 405
مع الذل والتعظيم لله -جل وعلا-، فكون العبد يحب الله -جل وعلا-، ويحب رسوله ﵊: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ... )) الحديث، هذا من فرائض الدين، لا يستقيم دين الإنسان إلا بهما، وكذلك يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحب إخوانه المسلمين، ويحب في الله، ويبغض في الله، لكن الشأن كله أن تُحَب، الشأن في أن تُحَب ((لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله)) كيف تحقق محبة الله لك؟
"دلني على عمل إذا عملته أحبني الله؟ " وسيأتي في حديث الولي ما فيه مزيد إيضاح -إن شاء الله تعالى-.
"أحبني الله وأحبني الناس" يعني محبة الناس للشخص، ومحبة الشخص للناس لا سيما المسلم منهم هذه مطلوبة شرعاً، وكون الناس يحبونه كما دعا النبي ﵊ لأبي هريرة، هذا ييسر له أموره، أمور دينه وأمور دنياه، فلا يقول: أنا أسعى لتحقيق محبة الله -جل وعلا- ولا يهمني الناس، نعم لا يهمك الناس في بعثك على العبادة، على عبادة الله -جل وعلا-، ليكن الباعث والناهز لك على هذه العبادات هو مرضاة الله -جل وعلا-، لكن أيضاً كون الناس يحبونك، وكونك تحبهم هذه من مطالب الدين.
"وأحبني الناس، فقال: ((ازهد في الدنيا يحبك الله)) " ازهد في الدنيا، وارغب في الآخرة؛ لأن من مقتضى الزهد في الدنيا مزيد الرغبة في الآخرة ازهد في الدنيا، يعني اترك القدر الزائد الذي لا تحتاجه من الدنيا.
((ازهد في الدنيا)) الزهد والورع لفظان متقاربان، لكن الزهد فيما في اليد، والورع قبل أن يصل اليد، هذا المال الذي تسعى إلى كسبه كونك تتحرى في الكسب، ولا تكتسب إلا على وجه شرعي، وإذا شككت في شيء تركته، وإذا وجد في المعاملة أدنى شبهة تركتها لله -جل وعلا- هذا الورع، فإذا حصل المال في يدك كونك تتخلص من القدر الزائد يعني البلغة التي توصلك إلى تحقيق الهدف الذي من أجله خلقت هذا الزهد في الدنيا، يعني الزهد مع القدرة، لما قيل لسفيان الثوري: أنت زاهد، قال: لا، الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي في يده الدنيا، أما الذي ليس في يده الدنيا كيف يزهد؟
стр. 406
((ازهد في الدنيا يحبك الله)) يحبك، يعني لولا الإدغام إدغام الباء الأولى في الثانية؛ لأن يحبك الباء المشددة هذه عبارة عن بائين أولهما ساكن يحببك، والأصل أنه مجزوم جواباً للطب ازهد يحببك.
((وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)) كيف يزهد فيما عند الناس؟ يعني إذا أعرضت عن الدنيا وزهدت فيها، ورخصت في عينك في مقابل حرصك على الآخرة، وما يقربك إلى الله -جل وعلا- هذا سبب لمحبة الله -جل وعلا- لك، وأيضاً ما في أيدي الناس كون الإنسان ينظر إلى فيما أيدي الناس، ويتطلع إلى فيما أيديهم، إن رأى شيئاً يعجبه بيد أخيه قال: لو نحلتني إياه، لو أعطيتني إياه، سواءً كان بصريح العبارة أو بالتعريض، يعني ممكن يتحملك مرة مرتين، لكن يتثاقلك فيما بعد، ازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس، والسؤال ثقيل على النفس، ولو كان شيئاً يسيراً.
ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل: هاتوا أن يملوا ويمنعوا
فكيف إذا سئلوا ما فوق التراب؟ فإذا زهد الإنسان فيما أيدي الناس وأعرض عما في أيديهم أحبه الناس، لكن إذا كان يتشوف ويتطلع إلى ما في أيديهم أحياناً يصرح، وأحياناً يعرض، ولو كانوا من أقرب الناس إليه، فإنهم يملونه، ويكرهونه ويتثاقلونه، لكن إذا أعرض عنهم وعما في أيديهم فإنهم يحبونه.
((وازهد فيما عند الناس يحبك الناس)) حديث حسن، رواه ابن ماجه وغيره بأسانيد حسنة، قد تكون المفردات ليست حسنة، لكن بالمجموع يرتقي إلى درجة الحسن، نعم.
وقال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) حديث حسن، رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً، ورواه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى.
مرسلاً، مرسلاً عن عمرو بن يحيى.
عن عمرو بن يحيى.
مرسلاً عن عمرو بن يحيى.
طالب: مش موجود هنا.
أو عندك مرسل في الأخير؟
طالب: في الأخير.
في مرسلاً في الأخير؟
طالب: إيه.
لا بأس.
عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ مرسلاً فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضاً.
стр. 407
وهذا كسابقه، يعني بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن، وفيه تعارض الوصل والإرسال، وعند ابن ماجه والدارقطني مسند، بمعنى أنه موصول، ذُكر فيه الصحابي أبو سعيد الخدري، وعند مالك مرسل، والإمام مالك -رحمه الله تعالى- ما دام الدارقطني ذكره مسنداً، وهو من أشد الناس في هذا الباب، ومالك -رحمة الله عليه- لا يكترث من مسألة الوصل والإرسال؛ لأن المرسل عنده حجة، وكم من حديث في الصحيح في البخاري، وفي مسلم موصول بذكر الصحابي يرسله الإمام مالك ﵀؛ لأن المرسل عنده حجة، فالتعارض في مثل هذا، يعني إذا نظرنا من منهج من أرسل، وأن المرسل عنده حجة هان الأمر، لكن لو كان ممن يرد المرسل لقلنا: إن إرساله له شأن وله وقع، تجد الحديث في الصحيح موصول يذكر فيه الصحابي، في البخاري ومسلم، وقد يروونه من طريق مالك ﵀ ويكون موصولاً، هو مالك في موطئه يسقط الصحابي؛ لأنه -رحمة الله عليه- يرى أن الإرسال لا يضر، وهنا يترجح الوصل في مثل هذه الصورة، وهذه الصورة من دقائق الصور في تعارض الوصل والإرسال، إذا عرفنا من منهج المرسل أنه يحتج بالمرسل، وأنه يكثر من الإرسال في الأحاديث التي يصلها غيره يكون الأمر سهل.
стр. 408
قال: "عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله ﷺ قال: ((لا ضرر ولا ضرار)) " هذه قاعدة، الحديث بني عليه قاعدة من القواعد الشرعية التي ذكرها أهل العلم واهتموا بها، وفرعوا عنها، والحديث وإن اختلف في وصله وإرساله إلا أن في القرآن ما يدل عليه باللفظ، ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [(٢٣٣) سورة البقرة] ﴿أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ [(١٢) سورة النساء] في مواضع من هذا النوع، فالضرر منفي ابتداءً ومكافئةً، يعني لا يبتدئ الإنسان بالضرر، ولا يجيب من ضره بالضرر؛ لئلا يسعى إلى ضرر لا ابتداءً ولا مكافئة، لا بمفرده ولا في مقابل من ضره، نعم ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [(١٢٦) سورة النحل] لكن لا تزد على ذلك، لك أن تنتصر لنفسك بقدر المظلمة، لكن تزيد على ذلك لا يجوز، هذا مضارة مفاعلة بين اثنين، فلا يجوز للزوج أن يضار زوجته، كما أنه لا يجوز لها أن تضاره، الحضانة للأم إذا حصل الفراق، لكن قد تسعى هذه الأم لمضارة الزوج من خلال حضانة أولاده بأن تجعل العوائق والحوائل دون رؤيته لهم، هذه مضارة، وكذلك لا يضار الزوج زوجته لا وهي في عصمته وكذلك الزوجة ولا بعد الفراق بالأولاد وغيرهم؛ لأن الزوج قد يضار الزوجة، ولذا لا يضار يحتمل أن يكون مبنياً للمعلوم، ويحتمل أن يكون مبنياً للمجهول، وإذا فك الإدغام تبين المراد، فإما أن يكون الأصل لا يضارِر والد بولده، ويحتمل أن يكون لا يضارَر من قبل الزوجة أو من قبل بعض أهلها، فالضرر منفي، الضرر منفي، ولا يجوز إيصال الضرر إلى أحد بالنسبة للمسلم ظاهر، بالنسبة لغيره إذا كان معاهداً أو ذمياً أو مستأمناً أيضاً جاءت فيه النصوص، وأما الحربي فهو بصدد أن يقتل، فالأمر فيه سهل، دمه وماله حلال، لكن ليس لكل أحد، وإن كان دمه مباحاً، وماله مباح، لكن ليس لأفراد الناس أن يتصرفوا مثل هذه التصرفات، هذه لمن ولاه الله -جل وعلا- الأمر، فالحديث فيه تحريم الضرر: ((لا ضرر)) وهو نفي يراد به النهي، والنهي إذا جاء بصيغة النفي كان أبلغ وأشد؛ لأن هذه الصورة من الشدة والبشاعة بحيث يصح نفيها عن المجتمع
стр. 409
الإسلامي، يعني أن الأصل أنها ما هي موجودة أصلاً فلا نحتاج إلى النهي عنها، هي منفية أصلاً، يعني لا يتصور أن المجتمع المسلم، أو مسلمين بينهم يحصل مثل هذا، كما قال بعض المغاربة بالنسبة لترك الصلاة في القرن السابع قال بعض المغاربة: إن الخلاف في كفر تارك الصلاة لفظي، وأهل العلم إنما يذكرونه من باب الإغراب في المسائل، إذ لا يتصور أن مسلماً يترك الصلاة، ما يتصور مسلم يترك الصلاة، يعني مثلما يقولون في الفرائض: توفي فلان، أو هلك هالك عن ألف جدة، يذكرونها من باب أنه لو ... ، كثير من المسائل التي يفترضونها مستحيلة الوقوع، وبعضها نادر الوقوع، ومن ذلك ترك الصلاة على قول هذا العالم المغربي، وهذا لا شك أنه نابع من طيبه وطيبة قلبه وسلامة مجتمعه، يعني ما سمع أن أحد يترك الصلاة، مسلم يترك الصلاة؟ ويش بقي له؟ كيف يدعي الإسلام وهو يترك الصلاة؟! وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، لكن خلوه يشوف عصرنا ويش لون، ينازع في كفر تارك الصلاة ثم يترك الصلاة، يعني ما كفر، وقد يكون ممن ينتسب إلى العلم، أما مسألة التهاون بالجماعة، مسألة التهاون بالوقت، ووجد في بيوت المسلمين من لا يصلي ألبتة، -نسأل الله السلامة والعافية-، وقبل أن تفتح الدنيا، وتبسط على الناس، ويكثر اختلاط المسلمين بغيرهم ما كان يتصور مثل هذا، وكانت الفتوى على طرد الولد من البيت إذا تساهل في الصلاة، يسأل يقول: أوقظه لصلاة الفجر ثم إذا جئت إذا به في فراشه، هذا ما يترك الصلاة، لكن يتكاسل، قال: هذا الولد لا خير فيه اطرده من البيت، ويش بقي بعد الصلاة؟ هذا قبل ثلاثين سنة؛ لأنه إذا طرد من البيت تأدب ثم يرجع إلى بيته، الآن إذا طرد من البيت تلقفه ألف شيطان، وخشي عليه من مصائب وجرائم متعدية، فلا يفتى الإنسان بأن يطرد ولده من البيت؛ لأنه تساهل في الصلاة وتهاون، والله المستعان.
((لا ضرر ولا ضرار)) يقول: حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسنداً، ورواه مالك في الموطأ مرسلاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي ﷺ فأسقط أبا سعيد، وله طرق يقوي بعضها بعضاً.
стр. 410
على كل حال الحديث بمجموع هذه الطرق يصل إلى درجة القبول، وإن لم يكن صحيحاً، لكنه حسن، واعتمده أهل العلم، وبنوا عليه قاعدة، وفرعوا لها فروع كثيرة، والوقت لا يستوعب ذكر هذه الفروع.
سم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي سعيد ﵄ ...
انتهينا من هذا.
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)) حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين.
وغيرُه.
وغيرُه هكذا، وبعضه في الصحيحين.
في الحديث الثالث والثلاثين يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
стр. 411
عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم)) يعني لو كل إنسان أعطي ما يدعي، كل إنسان يدعي شيئاً يعطاه، ((لادّعى رجال)) وأيضاً نساء، ((أموال قوم ودماءهم)) ولكن هناك قاعدة شرعية للخصومات، ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) المدعي جانبه ضعيف؛ لأنه يدعي شيئاً ليس بيده، والمدعى عليه جانبه قوي؛ لأنه يدعى عليه شيء أنه ليس له وهو بيده وفي حزته وفي ملكه وفي قبضته، فاشترط لصاحب الجانب الضعيف البينة التي هي أقوى، وطلب من المدعى عليه صاحب الجانب القوي ما لا يطلب من المدعى عليه، فجانب المدعي ضعيف يحتاج إلى من يدعمه بشهادة غيره، وجانب المدعى عليه هو الأقوى فاكتفي بيمينه ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) لأن الأصل أن من أنكر أن الذي بيده له، فيكتفى بيمينه، يقبل قوله لكن بيمينه، لتكون هذه اليمين في مقابل الدعوة، هناك احتمال أن يكون المدعي صادق في دعواه لكن ليست لديه بينة، فجعل في مقابل هذا الاحتمال اليمين، ولا يضيره أن يحلف ولا ينقصه أن يحلف إذا كان صادقاً ((البينة على المدعي)) ((لو يعطى الناس بدعواهم)) لأن كل إنسان غرس فيه حب المال ومتع الدنيا وما يستفاد منه فيها، فتجده من باب الأثرة والاستئثار بالشيء دون الغير قد يكذب في دعواه، قد يكذب فيقول: هذا المتاع لي، وهذه الدراهم لي، وهذه الأرض لي، فلو كل من قال: هذا لي يعطى لتطاول الناس على أملاك الغير وادعوها ((لادعى رجال أموال قوم ودماءهم)) يدعي على هذا أن هذا المال له، وأن هذا قتل أباه أو أخاه، لكن القاعدة الشرعية: ((البينة على المدعي، واليمين على من أنكر)) ادعيت هات، الدعوة لا تقبل إلا ببينة ﴿هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ [(١١١) سورة البقرة] فإذا لم يجد بينة، وبينة مقبولة شرعاً لها شروط، والأصل فيها الشهادة ﴿وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ﴾ [(٢٨٢) سورة البقرة] الأصل فيها الشهادة، هذه هي البينة، ومن أهل العلم من يرى أن كل ما يبين إصابة المدعي، وأنه محق يقوم مقام الميت، ويجعلون القرائن القوية بمثابة البينة، وقرر هذا ابن القيم في الطرق الحكمية، يعني لو أن شخصاً على
стр. 412
رأسه عمامة وبيده عمامة، والآخر أصلع ما عليه شيء، ادعى هذا الأصلع الذي ما على رأسه شيء أن هذا أخذ عمامته، في هذه الصورة يقوى جانبه، جانب المدعي، وما جرت العادة أن الإنسان يلبس عمامة وبيده عمامة، وجرت عادة هذا الشخص أنه لا يمشي إلا بعمامة، وقل مثل هذا في اختلاف الأعراف، لو أن شخصاً جاء حاسر الرأس، وشخص على رأسه شماغ، ومعروف أن هذا ليس من عادته أن يلبس الشماغ، وليس من عادة ذاك أن يحسر الرأس، يقوى جانبه، ولو كان العكس أن هذا الذي عليه شماغ جرى عرفهم وعادتهم في بلدهم واستمر على ذلك أنه يمشي حاسر الرأس، والثاني ما جرت العادة أنه يمشي حاسر الرأس، المقصود أن القرائن القوية تنزل منزلة البينات عند ابن القيم وجمع من أهل العلم، وإلا فالأصل أن البينات محددة في كل باب من أبواب الدين، منها ما يكون بشهادة رجلين، ومنها ما يكون بشهادة أربعة، ومنها ما يكون بشهادة رجل وامرأتين، ومنها ما يقبل فيه قول المرأة، ومنها ما يقبل فيه قول الرجل إذا ادعى على زوجته وهكذا، الأمور مفصلة في باب الدعاوى والبينات من كتب العلماء، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، إذا لم يحضر المدعي البينة طلب القاضي من المدعى عليه أن يحلف، افترض أن هذا المدعى عليه نكل عن اليمين، وقال: أنا ما أحلف، حطام الدنيا كله ما يسوى عندي أن أحلف بالله -جل وعلا- ولو كنت صادقاً، من أهل العلم من يحكم عليه بالنكول، ومنهم من يرد اليمين على المدعي، ما عندك بينة ما عندك بينة، احلف يا فلان، والله ما أنا بحالف، الدنيا كلها ما تسوى اليمين، طيب ترضى بيمين صاحبك؟ خلاص يرضى، منهم من يحكم عليه بمجرد النكول، ومنهم من يقول: ترد اليمين على المدعي، والمسألة خلافية، ولا شك أن رد اليمين على المدعي أقوى من مجرد الحكم بالنكول؛ لأنها قبلت في طرف، فلما رفض هذا الطرف الذي اكتفي بها منه تحول على الثاني، مع أن الإمام مالك ﵀ قال: لا أعلم أحداً قال برد اليمين، مع أن القضاة في عصره كابن أبي ليلى وابن شبرمة يقولون برد اليمين، ولا شك أن كون المدعي يحلف أسهل من كونه يأخذ ما ادعاه من غير بينة ولا يمين.
стр. 413
قال: "حديث حسن رواه البيهقي وغيره، وبعضه في الصحيحين" بعضه فيه الصحيح: ((البينة على من ادعى)) هذه موجودة في الصحيح، وتكملته وأوله ليس في الصحيح، وعلى كل حال للمخرج أن يقول: وأصله في الصحيح، رواه البيهقي وغيره وأصله في الصحيح، يعني أصل الحديث وجزء منه، وجزء له أثر في الحكم في الصحيح، وعلى كل حال الحديث صالح للحجة، نعم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)) رواه مسلم.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الرابع والثلاثين:
стр. 414
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)) (من) من صيغ العموم تتجه إلى كل من يندرج فيها، يصح اندراجه فيها ((من رأى منكم)) فلينكر كل مسلم وكل مسلمة، كل من يرى المنكر يجب عليه أن ينكر ((فليغيره)) الآن، اللام لام الأمر (فليغيره) يعني يسعى في تغييره، وإن لم يتغير؛ لأنه مطالب ببذل السبب، والنتيجة بيد الله -جل وعلا-، تغير أو ما تغير ليس إليك، ((من رأى)) رأى: الأصل فيها البصر، وفي حكمه الخبر الصحيح، فـ (رأى) أعم من أن تكون بصرية، (رأى) تأتي بصرية وتأتي علمية، فإذا بلغه المنكر بمن يثبت بقوله الخبر بواسطة من يثبت بقوله الخبر، وبواسطة الثقة فإنه يلزمه أن يغير، ولو قلنا: إنها بصرية فقط لقلنا: إن الأعمى معفى من الأمر والنهي، لا يأمر ولا ينهى، ولوقعنا في لوازم كثيرة، لقلنا: إن الأعمى أيضاً لا يلزمه الغسل إذا احتلم، ولو خرج منه الماء؛ لأنه ما يرى الماء، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: ((نعم إذا هي رأت الماء)) فإذا كان أعمى، أو كانت المرأة عمياء ما يلزمها غسل إذا قلنا: إن (رأى) خاصة بالبصر، لكن إذا بلغ بطريق يقيني أنه خرج الماء يلزمه الغسل ولو كان أعمى، ولو كانت عمياء، ولو كان في ظلام دامس لا يرى يده، فإذا تحقق أنه خرج منه الماء يلزمه الغسل، وإذا تحقق أن هذا المنكر وقع يلزمه تغييره، لكن على المنكر أن يحتاط؛ لأن أساليب الكيد كثرت من بعض المغرضين، الآن يشيع أن هناك منكر ليسارع أهل الغيرة في إنكاره، ثم يقال لهم: أنتم ناس تتسرعون، ما في شيء، وينه؟ فلا بد أن نتأكد من حصوله، لا بد من أن نتأكد، ولا نأخذ بإشاعات أو أقوال متعجلين لا يتثبتون، بل لا بد من أن نتأكد، لكن إذا تأكدنا يلزمنا الإنكار، وكم من قضية افتعلت ليس لها حقيقة ولا واقع أشيعت ثم سارع بعض من سارع إلى الإنكار وفي النتيجة لا شيء، ثم بعد ذلك المصداقية تضعف، إذا أخطأ مرة مرتين قيل له: خلاص فلان متسرع، حتى لو أنكر أمراً رآه بنفسه ما قبل منه؛ لأن فلان متسرع، تؤخذ عنه هذه الصورة، فعلينا أن نتحرى ونتثبت، ونحتاط من أهل المكر والخديعة الذين يحاولون إيقاع
стр. 415
الأخيار في مثل هذا الشباك.
((من رأى منكم منكراً فليغيره)) لا بد من التغيير، لكن عليك أن تبذل السبب، تغير أو ما تغير هذا أمره إلى الله، يغيره بيده نعم إذا كان يستطيع التغيير باليد يلزمه أن يغير باليد، ولي الأمر يستطيع أن يغير باليد فيلزمه أن يغير باليد، بدءاً من الإمام الأعظم إلى من دونه من الولاة الذين يوليهم، ويكل إليهم الإمام الأعظم أمور المسلمين، إلى أن يصل الأمر إلى الوالد والوالدة في البيت يغيرون باليد، ولا أحد يمنعهم، لا بد أن يغير المنكر باليد عند من يستطيع، بالنسبة لمن يستطيع، أما مسألة حوار وجدال، وبعض الناس يقول: ما في إشكال مكن هؤلاء الشباب بل الأطفال يقول: مكنهم من هذه الآلات التي فيها شيء من الإباحية، أو شيء من الشبهات والشهوات، ثم حاور وناقش أقنعه، يعني بعدين .. ، الآن غيرت بيدك ثم كبر، ما عليك، ما دام في ولايتك يلزمك أن تغير باليد، موجود في أساليب بعض من ينتسب إلى التربية يقول: الطفل أربع سنوات خمس سنوات يعني إنسان له حقوقه وله، أعطه ما يشاء، مكنه أعطه جوال، أعطه آلة كمبيوتر وانترنت ومكنه من كل شيء، وخله يتصرف كيفما شاء، ثم أنت عليك تراقب وتبذل له النصيحة، إيش معنى (فليغيره بيده)؟ ألغينا هذه الجملة، يعني إذا ما استطعنا أن نغير على هذا الطفل الذي ما يشتري ولا يتصرف بشيء إلا من قبلنا حتى لو افترض أن هذا الطفل وارث يغير عليه باليد، ولو كان من خالص ماله، يغير عليه باليد؛ لأنه بالمقدور هذا يستطيع أن يغير بيده، يقال: يُعطى الآلة ثم اجلس أنت معه جلسة ودية وقل على أسلوبه هو تربوي، يا بابا خذ جوالي فتش واطلع وأعطني جوالك أفتش، وإذا رأيت شيء ناقشه، عله أن يقتنع، أربع سنوات خمس سنوات، والرسول ﵊ يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)) هذا غش الرعية، أمكنه من الشر ثم بعد ذلك أناقشه؟! والله المستعان.
((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده)) هذا من له القدرة على التغيير باليد يلزمه أن يغير باليد، ولا يكفي اللسان؛ لأن اللسان مرحلة ثانية إنما يكون مع عدم الاستطاعة، بالنسبة للذي يستطيع لا بد أن يغير باليد.
стр. 416
((فإن لم يستطع فبلسانه)) ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [(٢٨٦) سورة البقرة] ما تأتي إلى محل وفيه بعض المنكرات تباع، تكسر هذه المنكرات، نقول: لا، هذا ليس إليك، إلا إذا وكل إليك الأمر صاحب الأمر، يعني وظف ولي الأمر من يتتبع هذه المنكرات ويكسرها، فأهل العلم ينصون على أن هذه المنكرات ليست بأموال محترمة فلا تضمن.
((فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع)) حتى ولا باللسان ((فبقلبه)) ينكر بقلبه، يكره هذا المنكر، ويبغض المنكر، وصاحب المنكر، ويبيت في نفسه أنه لو استطاع التغيير باللسان لغير، ولو استطاع التغيير باليد لغير، لكنه لا يستطيع يخشى على نفسه، يكتفى منه ذلك.
((فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) هل إذا لم يستطع ونزل إلى المرتبة الثالثة يضعف إيمانه بسببها، أو أن هذا أقل المراتب لهذه الشعيرة من شعائر الإيمان؟ لأنه إذا لم يستطع حكمه، وأنكر بقلبه حكمه حكم من أنكر بيده بالنسبة للمستطيع، لكن باعتبار أنه لا يستطيع لا ينقص أجره، ولا يأثم بذلك، تبرأ ذمته، وأجره ثابت، أجر المنكر، لكنه هذا أقل ما يمكن أن يؤدى، رواه مسلم.
نعم.
قال المؤلف -عليه رحمة الله-:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبيع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ههنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه)) رواه مسلم.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث الخامس والثلاثين:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا)) كل هذه الصيغ صيغ المفاعلة التي تقتضي وقوع الفعل من طرفين.
стр. 417
((لا تحاسدوا)) لا تحسد أخاك، ولا يحسدك أخاك، مع أنه ليس بشرط أن يقع الفعل من طرفين، ولو وقع من طرف واحد، واحد حسد أخاه يحرم عليه، لا يلزم ألا يحصل الإثم إلا بوقوعه من الطرفين كما تقتضيه الصيغة، فالمقاتلة من طرفين، لكن سافر فلان مسافرة هل هذه من طرفين؟ لا، من طرف واحد؛ لأنه قد تأتي الصيغة وتكون من طرف واحد، وإن كان الأصل فيها أن تكون بين طرفين، طارق النعل، من طرف واحد، وهنا ((لا تحاسدوا)) فإذا وقع الحسد من الطرفين كان الأمر أشد، وإذا حصل من طرف واحد حرم من جهة هذا الحاسد ((لا تحاسدوا)) والحسد الأكثر على أنه تمني زوال النعمة عن الغير، يقولون: كل ذي نعمة محسود، الذي لا يحسد الذي لا شيء عنده، كل ذي نعمة محسود، فإذا تمنى فلان من الناس زوال هذه النعمة أي نعمة كانت سواءً كانت في ماله أو في بدنه أو في ولده أو في جاهه، إذا تمنى زوال هذه النعمة هذا حسد مذموم بالإجماع، ومنهم من يقول: إن المراد بالحسد وهذا ما اختاره شيخ الإسلام كراهية حصول النعمة للغير، ولو لم يتمن زوالها، وهذا لو لم يكن فيه إلا عدم الرضا بما قدر الرحمن.
وكن صابراً للفقر وادرع الرضا ... بما قدر الرحمن واشكره واحمدِ
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾ [(٣٢) سورة الزخرف] اعتبر مثل هذا الكلام ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾ [(٣٢) سورة الزخرف] والمعطي والمانع والنافع والضار هو الله -جل وعلا-، فأنت إذا حسدت أخاك فإنك إنما تعترض على من أعطاه هذه النعمة.
стр. 418
الحسد جاء فيه ((لا حسد إلا في اثنتين)) والمراد بالحسد هنا الغبطة، الغبطة تغبط أخاك بما أعطاه الله -جل وعلا- من علم أو مال أو صحة أو جاه أو وظيفة أو شرف بأي نوع من أنواع الشرف تغبطه على ذلك، وتتمنى أن لو كنت مثله من غير كراهية لما أعطاه الله -جل وعلا-، ومن غير تمن لزوال هذه النعمة منه، هذا جاء فيه ((لا حسد إلا في اثنتين)) وأما إذا تمنى زوال النعمة فهذا الحسد المذموم بالاتفاق، وما يراه شيخ الإسلام لا شك أنه يعني أحوط؛ لأنه مجرد أن تكره أن تكون هذه النعمة عند فلان لو لم يكن في ذلك إلا عدم محبتك لأخيك ما تحبه لنفسك، وأيضاً الاعتراض على ما قدر الله -جل وعلا-.
стр. 419
قد يوجد الحسد في النفوس وهذا كثير، وأصحاب المهن المتشاكلة المتماثلة يحصل بينهم كثير حتى مهنة العلم التي هي أشرف المهن يحصل فيها بين طلاب العلم هذه الصفة وهذه الخصلة الذميمة، وقد يحصل بين أهل العلم، لكن صاحب القلب السليم لا يحصل عنده شيء من هذا، قد يقول قائل: أنا والله جبلت على هذا، جبلت على هذا الحسد، إذا رأيت عند شخص ما ليس عندي تمنيت أن يزول عنه، بعض النفوس القلوب المدخولة يحصل عندها هذا، لكن يقول: هذا في نفسي، لا أبديه لأحد، لا أتحدث به عند أحد، ولا أعمل بمقتضى هذا الحسد، فهل يكون مثل هذا من حديث النفس الذي عفي عن الأمة ما لم تتكلم أو تعمل، ما دام في النفس ما أبداه، يتمنى أن تزول هذه النعمة، لكن ما تكلم بهذا، ولا سعى لزوال هذه النعمة، ما عمل، هل نقول: إن هذا من حديث النفس أو نقول: إن هذا هو الحسد المذموم وهو من أعمال القلب وقد تحقق وجد، من أدواء القلوب، من أمراض القلوب وقد وجد؟ الجمهور على أنه فيه النصوص ولو لم يتكلم ولو لم يعمل، ومن أهل العلم من يقول: إنه داخل في حديث النفس، وينصر هذا القول ابن الجوزي أنه ما دام ما تكلم ولا عمل، يكون مجرد حديث نفس تكرر في نفسك لست مؤاخذاً عليه، لكن القول بمقتضى هذا وإن كان يدل له الحديث حديث النفس إلا أنه قد يقتضي الاستمرار؛ لأن إذا أدخلناه في الحسد المذموم، ورتبنا عليه الوعيد الثابت في الحسد سعى الإنسان في معاجلة قلبه، وإذا قلنا: إنه داخل في حديث النفس وجائز لن يسعى في معالجة قلبه، فقول الجمهور لا شك أنه أولى وأقوى من جهة أن هذا العمل الذي تردد في النفس، نعم لو خطر على نفسك ثم طردته هذا لا يضرك، لكن كونه يتردد ويصير ديدنك هذا، كل من رأيت عنده نعمة تمنيت أن تزول، ولو لم تتكلم ولم تعمل هذا عمل القلب، كما أنه يؤجر على النية الصالحة يأثم بمثل هذا التمني، ولو لم يكن في ترجيح هذا القول إلا أن الإنسان يسعى لمعالجة قلبه.
стр. 420
((لا تحاسدوا ولا تناجشوا)) النجش: رفع قيمة السلعة لمن لا يريد شراءها، إما نفعاً لصاحب السلعة أو إضراراً بالمشتري أو جمعاً بين الأمرين، رأيت هذه السيارة لصديقك تباع في الأسواق سامها زيد من الناس خمسين ألف، أنت لا تريدها، لكن هذا صديقك ودك ينتفع قلت: خمسة وخمسين، وأنت لا تريدها، لو قيل: نصيبك، قلت: لا، الفلوس ما هي بحاضرة، على شان يقال: ما إحنا ببايعينها عليك، ما تقدر تقول: والله أنا لا أريد شراءها، هذا نجش نسأل الله العافية، تريد أن تنفع زميلك على حساب ذمتك، ليقول الثاني الذي سامها على الخمسين ستة وخمسين أو ستين، هذا النجش المحرم، وإذا كنت لا تعرف صاحب السيارة وإنما رأيت المشتري الذي يسومها الخمسين، ودك يتضرر يدفع زيادة قلت: خمس وخمسين، وأنت لا تريد شراءها، وقد تجتمع الصورتان، كل هذا نجش محرم، الزيادة في قيمة السلعة ممن لا يريد شراءها قد لا يريد الإنسان شراء هذه السيارة، أو شراء هذه السلعة، لكن رآها تسام بثمن بخس، قال: أشتريها وأبيعها بربح، لا يريد السيارة، يريد أن يتكسب من ورائها، سيارة تستحق سبعين ألف رآها تسام خمسين، قال: خمس وخمسين، طيب أنت معك سيارة؟ قال: نتكسب، يمكن تجيب لي ستين أو خمسة وستين، هذا لا يلام، ولا يدخل في النجش المذموم، وإن كان لا يريدها لأنه لا يريد الإضرار بغيره، إنما يريد جلب مصلحة لنفسه ولا يلام على ذلك.
стр. 421
((ولا تباغضوا)) يعني لا يبغض بعضكم بعض، لا تبغض أخاك ويبغضك أخوك، اللهم إلا إذا كان البغض في الله، فهذا من أوثق عرى الإيمان، رأيته مصر على معصية، مجاهر بها، تبغضه لمعصيته لا لذاته ((ولا تباغضوا)) يعني لا تبذلوا أسباب البغض وانتشاره بينكم، بل المطلوب بذل أسباب المحبة ((لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا ألا أخبركم)) إلى أن قال: ((أفشوا السلام بينكم)) والهدايا تورث هذه المحبة، فعلى الإنسان أن يبذل الأسباب، يجتهد في بذل أسباب المحبة والمودة بين المسلمين، فضلاً عن أن يسعى في بغض أخيه أو نشر أسباب البغضاء بين المسلمين، ومن أسباب البغضاء نقل الكلام على جهة الإفساد كالنميمة، هذه من أسباب البغضاء، تجد اليوم أخاك يستقبلك بوجه طلق، ثم تراه من الغد كالكلب العقور، لماذا؟ لأنه بلغه، حمل واحد كلام عنك أنك قلت كذا -نسأل الله السلامة والعافية-، هذه هي النميمة التي هي من موجبات عذاب القبر، كان أحدهما لا يستبرئ من بوله، والثاني كان يمشي بالنميمة، وجاء نهي النبي ﵊ الصحابة أن ينقلوا عنه شيئاً عن أصحابه ليخرج إليهم سليماً ﵊.
((ولا تدابروا)) يعني لا يولي كل واحد منكم أخاه دبره، لا حساً ولا معنىً، بل على الإنسان أن يستقبل أخاه بوجهه، وأن يبش في وجهه، وأن يعامله بالحسنى، وأن يسدي له النصيحة والكلمة الطيبة لتحصل المودة بينهم.
стр. 422
((ولا يبع بعضكم على بيع بعض)) وهذا سبب من أسباب التباغض والشحناء والتدابر والتقاطع، تأتي إلى شخص اشترى سلعة بعشرة فتقول: أنا عندي لك أفضل منها بتسعة، فتفسد هذه البيعة، أنت بعت على بيع أخيك، ومثله الشراء على الشراء، باع هذا الشخص هذه السلعة بعشرة، تأتي إلى البائع تقول: أنا أعطيك إحدى عشر، اثنا عشر ليفسخ البيع، وهل يستوي الأمر إذا كان هذا البيع على البيع أو الشراء على الشراء في مدة الخيار أو بعد لزوم البيع؟ من أهل العلم من يقول: إن النهي فيما إذا كان في مدة الخيار؛ لأن المشتري يملك الفسخ، والبائع يملك الفسخ، أما إذا لزم البيع ما يضر، نقول: لا، يضر، وقال بهذا جمع من أهل العلم، أنت إذا قلت: عندي لك سلعة بتسعة أفضل من هذه، أدخلت الغيظ والإساءة إلى قلب أخيك.
ومثله العكس الشراء على الشراء، تدخل في قلبه ما يغيظه، ويكدر عليه، وقد يسعى لإرجاع السلعة، يحرج أخاه في إبطال البيعة من أجلك، فيشمل ما كان في زمن الخيار، وما بعده بعد لزوم البيع، والنص عام.
((ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله)) منادى، كونوا يا عباد الله؛ لأنكم كلكم عبيد لله، هذا الأصل، وأنتم إخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [(١٠) سورة الحجرات] ((كونوا إخواناً)) طيب عباد الله إخوان، يحتاج أن يؤمروا بأن يكونوا إخواناً؟ نعم قد يؤمر الإنسان بملازمة صفة هو يتصف بها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [(١٣٦) سورة النساء] الذين لزموا الصراط المستقيم ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ﴾ [(٦) سورة الفاتحة] يراد بذلك الاستمرار، ولزوم هذه الصفة، ((وكونوا عباد الله إخواناً)) كونوا إخواناً، من لازم الأخوة التحاب والتوادد وعدم التحاسد ولا التقاطع ولا التدابر، كونوا إخواناً.
((المسلم أخو المسلم)) المسلم أخو المسلم، والمؤمنون إخوة، ويلزم من هذه الأخوة المحبة والمودة، وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.
стр. 423
((لا يظلمه)) يعني هذا الأصل في المسلم أنه ما دام أخاً له في الإسلام أنه لا يظلمه ((ولا يخذله)) في موطن يحب نصره فيه لا يخذله، بل ينتصر له، وفي بعض الروايات: ((ولا يسلمه)) يعني يتركه بيد من يؤذيه، ((ولا يكذبه)) يعني لا يكذب عليه لا بصريح الكذب ولا بتورية ولا بغيرها إلا عند الحاجة، المقصود أن الكذب ممنوع بجميع صوره، الكذب القولي والكذب العملي.
((ولا يحقره)) بمعنى أنه يزدريه، ويسخر منه، هو أخوك، قد تكون أنت من أذكى الناس وهو عنده شيء من التغفيل، وهذا مع الأسف موجود بين المسلمين، إذا كان هذا ذكي ونبيه والثاني عنده شيء من الغفلة تجده يحقره، ويتطاول عليه، وينكت عليه، ويضحك الناس عليه، ما تدري أيكما أفضل عند الله -جل وعلا-؟ جاء في حديث: ((أكثر أصحاب أهل الجنة البله)) الحديث فيه مقال، لكن سلامة الصدر لها شأن عند الله -جل وعلا-، هذا لا يخطر بباله كثير من الأمور المنكرة التي تدور في بالك أنت، وتخطط لها.
((ولا يحقره)) سواءً كان عنده شيء من النقص في البدن أو في الرأي أو في المال، وعندك شيء من الزيادة في هذه الأمور لا يجوز لك أن تحتقر أخاك.
((ولا يحقره)) سيأتي ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه)) يكفيه من الشر أن يحقر أخاه المسلم، يحتقره ويزدريه، وأيضاً عند الاستطاعة لا يليق بمسلم أن يظهر للناس بمظهر يحتقر فيه ويزدرى فيه؛ لأن بعض التصرفات التي يستطيع الإنسان درأها عن نفسه تجعل بعض الناس يزدرونه ويحتقرونه، تجد عنده الأموال الطائلة ثم يخرج إلى الناس بأسمال من الثياب ثياب خلقة من رآه احتقره وازدراه، أو يركب شيئاً لا يليق به، أو يسكن وهكذا، هذا مظنة لأن يزدرى وأن يحتقر، فأنت كف هذا الأمر عن نفسك ما دمت تستطيع، إذا كنت لا تستطيع يتجه الأمر إلى الآخر.
على كل حال ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)).
стр. 424
((التقوى ههنا، التقوى ههنا، التقوى ههنا)) يشير النبي ﵊ إلى صدره وإلى جانبه الأيسر الذي فيه القلب، يشير إلى القلب، نعم التقوى والفجور كله في القلب ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)) المعول على القلب، والجوارح أعوان لهذا القلب، وجنود له، ينفذ القلب بواسطتها ما يريد، لكن إذا ظهر على الجوارح شيء من المخالفات هل يمكن أن يحتج هذا المخالف بأن التقوى ههنا؟ نقول: لو كان في هذا المخفي شيء، أو أن التقوى موجودة في هذا القلب لظهرت على الجوارح؛ لأن ما ظهر على الجوارح من المخالفات برهان على تكذيب الدعوى التي هي التقوى، لما استدل الصحابي بقوله -جل وعلا-: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ﴾ [(٩٣) سورة المائدة] قال: يشرب الخمر وهو تقي، قال له عمر ﵁: "أخطأت أستك الحفرة، لو اتقيت ما شربت الخمر" وهذا الذي تظهر عليه علامات الفسوق يحلق لحيته، ويشرب ما يشرب علناً، ويسبل ثيابه، أو عنده مخالفات، يقول: التقوى ههنا! هذا لو اتقى الله ما حصلت منه هذه الأمور، فقد كذب دعواه بفعله، وليس في هذا مستمسك للعصاة المعلنين بمعاصيهم أن يقولوا: التقوى ههنا، لو اتقى الله -جل وعلا- ما فعل هذه المعاصي.
((كل المسلم على المسلم حرام)) كل ما يتعلق بالمسلم حرام عليك ((دمه وماله وعرضه)) ((ألا إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)) فدم المسلم حرام، لا يجوز أن يسفكه بغير حق، ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث على ما تقدم، وكذلك ماله فهو معصوم الدم والمال ما دام مسلماً، وعرضه كذلك، لا يجوز أن يغتاب، وإن كان عنده شيء من المخالفات، اللهم إلا من باب إذا ترتب على ذلك مصلحة راجحة، يعني من باب التحذير من هذه المعصية، فإن هذه المعصية تذكر ويحذر منها، ولو أدى ذلك إلى معرفة العاصي، ولا يجوز تسميته إذا أمكن أن يتأدى الغرض بغير تسمية.
سم.
وقال المؤلف -عليه رحمة الله-:
стр. 425
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه)) رواه مسلم بهذا اللفظ.
نعم في الحديث السادس والثلاثين يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي ﷺ قال: ((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)).
في بعض الأحاديث: ((من فرج عن مسلم)) ((من نفس)) التنفيس التخفيف، فمن خفف هذه الكربة خفف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن أزال هذه الكربة بالكلية أزال الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل، من نفس عن مؤمن كربة يدخل في هذا المسلم؛ لأن له من الحق على أخيه ما له، لكن كل ما كان الإنسان أكثر استقامة على دين الله وتحقيقاً لوصف الإيمان كان أولى بأن تنفس كربه وتقضى حاجاته.
((من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)) جرت العادة الإلهية أن الحسنة بعشر أمثالها، هذا نفس كربة، لماذا لا ينفس عنه عشر كرب من كرب يوم القيامة؟ يقول أهل العلم: إن الكربة من كرب يوم القيامة تعادل العشرات من كرب الدنيا، بل قد لا تقاس كرب الدنيا بكرب القيامة، وحينما قال: ((ستره الله في الدنيا والآخرة)) ما قال هنا: نفس الله عنه كربة من كرب الدنيا والآخرة، لا؛ لأن كرب الدنيا مجتمعة لو اجتمعت كرب الدنيا على شخص ما تعادل كربة واحدة من كرب يوم القيامة، فكونه ينفس عنه كربة من كرب يوم القيامة أعظم بكثير من جميع كرب الدنيا.
следующие страницы →