← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 23424

شرح رسالة أبي داود لأهل مكة

عبد الكريم الخضير

Полный текст (82 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[شرح رسالة أبي داود لأهل مكة]ـ مؤلف الأصل: أبو داود سليمان بن الأشعث السَِّجِسْتاني (المتوفى: ٢٧٥هـ) الشارح: عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن حمد الخضير دروس مفرغة من موقع الشيخ الخضير [الكتاب مرقم آليا، رقم الجزء هو رقم الدرس - ٤ دروس]

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: رسالة أبي داود لأهل مكة (١) الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن هذه الرسالة المقرر قراءتها في هذا الدرس، والتعليق عليها بما تيسر، هذه في وصف سنن أبي داود من قبل مؤلفها، من قبل مؤلف السنن، رسالة منه إلى أهل مكة يبين فيها شيئاً من منهجه، وشرطه في الكتاب، وطريقته فيه، والأئمة المؤلفون لكتب السنة المشهورة لم يصرح كثير منهم بشرطه، وإنما التمس شرطه من سبر كتابه، يسبر الكتاب وينظر فيه فيبين شرطه، ولذا تجدون العلماء يختلفون في هذه الشروط اختلافاً كثيراً، فالإمام البخاري ما حفظ عنه من كلامه شيء مما اشترطه في كتابه، وما يذكره أهل العلم إنما هو مجرد استنباط واسترواح، وميل إلى ما يذكر من خلال النظر في الكتاب، نعم هو اشترط الصحة، وترك من الصحاح أكثر خشية أن يطول الكتاب كما نقل عنه، وله شروط بينها أهل العلم من خلال النظر في كتابه مما لم يصرح به هو، ولذا يختلفون فيها، وكذا الإمام مسلم ﵀ قدم بين يدي كتابه مقدمة هي التي تقرأ في الدرس الثاني، وبين فيها بعض شرطه، وترك شيئاً لمن يزيد في هذا الشرط من خلال النظر في كتابه والسبر الدقيق لهذا الكتاب، وقد بين أهل العلم شرطه مفصلاً، فما ذكره في كتابه لا يختلف فيه، وإن اختلفوا في مراده بالطبقات الثلاث التي ذكرها مما يذكر في مكانه -إن شاء الله تعالى-، أما ما لم يذكره فالخلاف فيه أكثر.

стр. 3

وكل أمر يستنبط من كلام البشر لا بد أن يوجد فيه الاختلاف، إن لم يكن صريحاً مع قوله، إن لم يكن بصريح قوله لا بد أن يوجد فيه اختلاف، ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [(٨٢) سورة النساء] وهذا أيضاً مرده إلى طريقة السبر والاستقراء، هل هو تام أو غير تام؟ لأن من الناس من يستعجل النتائج، يختبر الكتاب فيأخذ من أوله أحاديث، ومن ووسطه، ومن أثنائه، ومن آخره، فيحكم عليه أن هذه طريقة المؤلف، بينما فيما تركه ما يختلف مع ما قرره. الإمام الترمذي ذكر شيئاً من شرطه في علله التي بآخر الجامع، ذكر شيء من شرطه ومنهجه، وما تركه أكثر، ولذا اختلف في مراده بقوله: "حسن صحيح" إلى بضعة عشرة قولاً، والحسن وإن نص عليه في علل جامعه إلا أن العلماء اختلف في مراده به اختلافاً كبيراً. ابن ماجه ما ذكر شيء، لكن واقع الكتاب أخذ منه شرطه، والنسائي كذلك. ما ذكره العلماء في شروط الأئمة وتباينوا في تقريره فشرط البخاري أعلى الشروط عندهم، ويقولون: إنه لا بد من توافر ثقة الرواة، وتمام ضبطهم، وملازمتهم للشيوخ، وقد ينزل البخاري فينتقي من حديث من لم يلازم الشيوخ. يليه شرط مسلم الذي يستوعب أحاديث هذه الطبقة، وينتقي من أحاديث من خف ضبطهم التي هي الدرجة الثالثة التي يقال عنها: إنها هي شرط أبي داود، وقد ينزل إلى أحاديث الطبقة الرابعة ممن خف ضبطهم ما عدم ملازمتهم للشيوخ الذين هم شرط الترمذي والنسائي، وقد ينزل الترمذي والنسائي إلى من مُسَّ بضرب من التجريح الواضح الذي هو شرط ابن ماجه، هكذا قرر أهل العلم كالحازمي مثلاً في شرط الأئمة، لكن هل هذا ينضبط أو لا ينضبط؟ لا يمكن ضبطه؛ لأنه لم يأخذ من كلام الأئمة صريحاً، تبعاً لذلك تباين في أقوال أهل العلم في مراد الحاكم بشرط الشيخين صحيح على شرطهما، صحيح على شرط البخاري، صحيح على شرط مسلم، اختلفوا بذلك اختلافًا كثيراً.

стр. 4

مراده بشرط الشيخين هو الذي رجحه كثير من أهل العلم أن المراد بشرط الشيخين رجالهما، فإذا خرِّج الحديث من طريق الرواة أخرج لهما الشيخان، قال: صحيح على شرط الشيخين، وإذا خرج الحديث من طريق رجال أخرج لهما البخاري قال: صحيح على شرط البخاري، وكذلك شرط مسلم، وإذا خرج الحديث من طريق لم يخرج لهما البخاري ولا مسلم، أو وجد فيهم من لم يخرج له البخاري ولا مسلم قال: صحيح فحسب، ولم يقل: على شرطهما ولا على شرط البخاري، ولا على شرط مسلم لتخلف هذا الكلام، وهذا التقعيد عن بعض الرواة. وهذا القول له وجهه، وتصرفات الحاكم تقويه؛ لأنه قال في بعض الحديث: عن أبي عثمان صحيح ولم يقل على شرطهما ولا على شرط واحد منهما، قال: وأبو عثمان ليس هو النهدي، ولو كان النهدي لقلت: إنه صحيح على شرطهما.

стр. 5

الكلام في شروط الأئمة يطول جدًّا، وفائدته .. ، فائدة الكلام في شروط الأئمة فهم كلام الحاكم، والتصحيح على ضوء هذا الشرط إذا جئت بحديث وافقت فيه شرط البخاري، أو وقفت على حديث توافر فيه شرط البخاري تصححه، علماً بأن التصحيح والتضعيف إنما مرده إلى نظافة الأسانيد واتصالها وسلامة المتون من المخالفات، فحينما يختلف أهل العلم في قول الترمذي حسن صحيح إلى هذا التباين الكبير أكثر من يمكن ثلاثة عشر قولاً أو أكثر، إنما هو بالنسبة لمن يقلد الترمذي في أحكامه، ولو افترضنا أن الترمذي قال: حسن صحيح، اختلفنا في المراد بالحسن الصحيح، ودرسنا إسناد الحديث الذي قيل فيه ذلك، وعلى ضوء طرائق الأئمة في دراسة الأسانيد فإننا قد نستأنس بقول الترمذي، وحكم الترمذي كأحكام غيره من الأئمة، لكن حكم الترمذي ليس بملزم لنا، إذا قال: "حسن صحيح" وفي إسناده رجل مضعف، أو في إسناده انقطاع فإنه لا يلزمنا أن نصحح ذلك تبعاً للترمذي، لكن إذا حكمنا على حديث فوجدناه صحيحاً، والترمذي قال عنه: حسن صحيح، اطمأنت النفس إلى هذه النتيجة، إلا على قول من يقول: بانقطاع التصحيح والتضعيف فعلينا أن نقلد الترمذي في أحكامه، فالمتأهل في جمع الطرق والنظر في الأسانيد لا يؤثر عليه هذا الكلام كثيراً، لا يؤثر عليه هذا الكلام؛ لأن الترمذي قد يصحح، وهو إمام معتبر، لكنه ليس بمعصوم، قد يصحح حديثاً يضعفه غيره، فهل أنت ملزم بقول الترمذي: "حسن صحيح" والبخاري يضعفه، أو أبو حاتم أو غيرهم من الأئمة؟ لست بملزم، إذا تأهلت فأنت ملزم بما يؤديه إليه اجتهادك.

стр. 6

نعود إلى هذه الرسالة التي بين أيدينا، رسالة وجيزة في بيان واقع سنن أبي داود، ومنزلة السنن، وشرط أبي داود في سننه، وحكم ما سكت عنه أبو داود، والذي يبينه والذي لا يبينه وعدة أحاديث الكتاب إلى غير ذلك من المباحث اللطيفة التي ترد، وقد يقول قائل: إن هذه الرسالة لا تستحق هذه المدة التي ضربت لها، فنقول: هذا الكلام صحيح، وبالإمكان أن ننتهي منها في درس؛ بالإمكان هذا؛ لأن الكلام طولاً وتطويلاً واختصاراً سهل يعني، وبالإمكان أن نوسع الكلام فيها فتستغرق الوقت، لكن أظن التوسط يعني أخذها في هذا الأسبوع الأول، وترك الأسبوع الثاني ليختار فيه ما يناسب، إما متن مختصر، أو ننقل إليه درس العصر؛ لأنني أشوف الحضور اليوم العصر أقل منه في الفجر، أقل بكثير، ولعل حرارة الجو والارتباط بالدوام، وما أشبه ذلك قد يكون له أثر، وهذا ملاحظ حقيقة عند وضع الجدول، العام الماضي تعرفون وضعنا درس العصر ثم نقلناه، لكن مع ذلك سوف يستمر ابن ماجه بعد صلاة العصر إلى أن ينتهي هذا المتن، أو يقترح مكان هذا المتن بعده في الأسبوع الثاني متن آخر، ولعله مما يتعلق بسنن أبي داود كشرح أبي طاهر السلفي لمقدمة الخطابي على سنن أبي داود، والأمر إليكم. طالب: أو ختم السخاوي فيه فوائد. أو ختم السخاوي، نشوف لنا شيء، لكن اللي ترونه يعني. طالب: أحسن الله إليك. سم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء، واغفر للحاضرين والسامعين يا حي يا قيوم. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أخبرنا الشيخ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان المعروف بابن البطي. إن كانت بالتخفيف فأصله مهموز، البطيء، من البطء والتأخر، وفي الحديث المعروف ((من بطأ به ... )) إن كان هذا بالتخفيف، وإن كان منسوباً إلى ... إلى إيش؟ طالب: البط. إلى البط، فهو بالتشديد، وأنا ما راجعته، فيه أحد راجع؟ ما راجعت هذه النسبة، فتنظر -إن شاء الله تعالى-، نعم. طالب: أحسن الله إليك.

стр. 7

المعروف بابن البطي إجازة إن لم أكن سمعته منه، قال: أنبأنا الشيخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون المعدل، قراءة عليه، وأنا حاضر أسمع، قيل له: أقرأت على أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ؟ قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جميع الغساني بصيدا، فأقر به، قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفضل بن يحيى بن القاسم بن عون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي بمكة يقول: سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد السجستاني، وسئل عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جواباً لهم فأملى علينا: سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله ﷺ كلما ذكر، أما بعد: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذه الرسالة الموجزة المختصرة من الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفى سنة خمسة وسبعين ومائتين افتتحت بالبسملة، وهذه البسملة التي صدرها ليست من كلام المؤلف كما هو معروف؛ لأنها تسبق الإسناد والإسناد ليس من كلامه ﵀، وإنما من كلام آخر الرواة، آخر الرواة عنه، قال: ولا حول ولا قول إلا بالله العلي العظيم، هذه أيضًا ليست من كلام أبي داود، ولكن البداءة بالبسملة أمر مشروع اقتداءً بالقرآن العظيم، وبالنبي الكريم ﵊ في رسائله. وأما قوله: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" فهو إظهار للعجز والتقصير يتضمن تواضعاً وانكسارًا لله -جل وعلا- في طلب الإعانة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم كنز من كنوز الجنة ((لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة)) فإذا كان ترابها المسك الأذفر فما الكنز الذي يدخر ويخفى تحت هذا التراب؟! إذا كان الظاهر المباح المتاح للجميع هو المسك الأذفر، يعني بمنزلة التراب عندنا، تراب الجنة، فماذا يتصور العقل؟ وماذا يدرك من عظمة هذا الكنز؟! فعلى المسلم أن يكثر منها لأنها من كنوز الجنة. يقول ﵀:

стр. 8

"أخبرنا الشيخ أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان المعروف بالبطي إجازة" (أخبرنا) الأصل أنها صيغة أداء لمن تحمل بطريق العرض على الشيخ، (أخبرنا) استقر الاصطلاح على أنها إنما تستعمل يستعملها على من تحمل الخبر بطريق العرض على الشيخ، وهنا يقول: "إجازة، إن لم أكن سمعته منه" يعني هو متردد هل سمع أم لم يسمع؟ أما الإجازة فهي مجزوم بها، والإجازة هي الإذن بالرواية، فإن لم يكن سمع منه من لفظه فإنه يجزم بأنه رواه إجازة؛ لأن بعض الناس يسمع من لفظ الشيخ، أو يُقرأ على الشيخ، أو يَقرأ على الشيخ ثم يطلب الإجازة، لماذا؟ ما الفائدة من الإجازة وقد تُحمل من طريق أعلى منها وأقوى؟ خشية أن يكون في السماع خلل، أو يكون في العرض خلل، فيرقع هذا الخلل بالإجازة، وإلا فالإجازة ضعيفة، والسماع هو أقوى طرق التحمل، وصيغة الأداء المناسبة للسماع هي (حدثنا) الأصل أن يقول: حدثنا إن كان سمع، وإن كان عرض على الشيخ وقرأ عليه يقول: أخبرنا، وهنا يقول: أخبرنا وهو متردد بين السماع وعدمه، ومتيقن من الإجازة. كثر استعمال المتأخرين الذين منهم هذا الشيخ استعمال (أنبأنا) في الإجازة، وكثر استعمال (عن) في الإجازة. وكثر استعمال (عن) في هذا الزمن ... إجازة وهي بوصل ما قمن لكن إذا صرح بالمراد، وأمن تدليس الراوي فليقل من الصيغ ما شاء، الأمر يكون سهل، ما دام قال: إجازة فلا يظن به أنه يدلس على الناس أنه قرأ الرسالة على هذا الشخص الذي روى عنه، فإذا صرح بالمقصود فلا يضيره أن يقول: حدثنا أو أخبرنا أو عن فلان أو أنبأنا فلان، لا يضيره هذا، وهنا صرح إجازة. "إن لم أكن سمعته منه" هو يشك في كونه سمع هذه الرسالة من هذا الشيخ، وهذه في غاية الدقة والأمانة في الأداء، إذا شك في الأعلى صرح في بالأدنى لأنه متيقن، إذا شك في الأعلى لا يجزم به، ويصرح بالأدنى لأنه متيقن، ولذا يقولون: أيهما أفضل أن يقول: أخبرنا أو أخبرني؟ هو إن كان معه غيره قال: أخبرنا، وإن كان منفرداً قال: أخبرني، وإن شك بعد طول الزمن يشك هل كان وحده أو كان معه أحداً؟ هل يقول: أخبرنا أو أخبرني؟ نعم؟ طالب: أخبرنا.

стр. 9

أخبرنا بالجمع، وجوده بمفرده متيقن، ووجود غيره معه مشكوك فيه، وهو يجزم أنه موجود، فهل يقول: أخبرنا أو أخبرني؟ أخبرني لأنه متيقن من وجوده في حال الرواية، لكن وجود غيره في الرواية مشكوك فيه، ومن أهل العلم من يقول: أخبرنا، لماذا؟ يقول: أخبرنا أرجح. طالب:. . . . . . . . . أقل، أقل مرتبة وجوده من غيره؛ لأنه إذا وجد منفرداً فإنه حينئذٍ يخص بالتحديث، وإذا وجد مع غيره لا يعني هذا أن المحدث اهتم بشأنه واعتنى به؛ لأنه إذا قلت: أخبرني فلان، لما تقول: والله أخبرني الشيخ فلان، معناه أن الشيخ خصك بهذا الخبر، وإذا قلت: أخبرنا، يعني أنت جالس في المجلس، ومعك مجموعة من الناس، ولا يدرى هل أنت مقصود بالتحديد أو غير مقصود؟ أنت مع الناس، لك أن تقول: أخبرنا، أو تقول: حدثنا، فكونك تقول: أخبرني الإفراد يدل على إنك مقصود بالتحديث، وقد تتزود بهذا على الناس، وتدعي ما ليس بواقع، وعلى كل حال إذا برئت النفس وسلمت من هذا الترفع وهذا التكبر فالأمر سهل، فإذا قال: أخبرنا فإن كان منفرداً فالعرب تؤكد فعل الواحد بضمير الجمع، وإن كان معه غيره فقد حكى الواقع، وإذا قال: أخبرني فالأصل أنه موجود وغيره مشكوك فيه، لكن إذا وجد في النفس ما يدل على أو ما يشم منه إنه يريد بذلك أنه مقصود بالتحديث، وأنه أهل لأن يخص بالحديث حينئذٍ يقول: أخبرنا.

стр. 10

"إجازة إن لم أقل سمعته منه، قال: أنبأنا الشيخ أبو الفضل أحمد بن الحسن بن خيرون المعدل قراءة عليه، وأنا حاضر أسمع" يعني تلقى هذه الرواة بطريق العرض، العرض هو القراءة على الشيخ "قراءة عليه وأنا حاضر أسمع" يعني بقراءة غيره لا بقراءته هو، وسواء كانت القراءة من قبله، هو الذي يقرأ أو غيره هو الذي يقرأ، فكله عرض على الشيخ، يعني قراءة على الشيخ، والعرض دون السماع من لفظ الشيخ، والرواية بطريق العرض جائزة بالإجماع، وصحيحة بالاتفاق، لكنها دون السماع من لفظ الشيخ، ورجحها بعض من شذ على السماع من لفظ الشيخ، فالسماع من لفظ الشيخ هو الأصل، والعرض عليه فرع، وهو دون السماع، الأصل في الرواية أن الشيخ يقرأ، والنبي ﵊ يتكلم بالحديث، والصحابة يسمعون، فالسماع من لفظ الشيخ هو الأصل في الرواية. منهم من يرجح العرض على الشيخ على السماع من لفظه، ويقولون: إن الطلاب إذا سمعوا من الشيخ في حال السماع الذي هو أرفع طرق التحمل قد يخطئ الشيخ، ولا يجد من يرد عليه، أو ينبهه إلى الخطأ، لكن إذا كانت الرواية بطريق العرض والقراءة على الشيخ إذا أخطأ الطالب لن يتردد الشيخ في الرد عليه، هذا وجه من رجح العرض، لكن عامة أهل العلم على أن السماع من لفظ الشيخ هو الأصل في الرواية. العرض على الشيخ صيغة الأداء المناسبة لما تلقي بطريق العرض أخبرنا، يعني استقر الاصطلاح على هذا، وإن كان الإمام البخاري لا يفرق بين حدثنا وأخبرنا، لكن أكثر أهل العلم على التفريق، وأن ما تلقي بطريق السماع يقال فيه: حدثنا، وما تلقي بطريق العرض يقال فيه: أخبرنا، وهنا يقول: أنبأنا.

стр. 11

الأصل في أخبرنا وحدثنا وأنبأنا أنها ألفاظ من حيث المعنى متقاربة إلا أن الإنباء هو الإخبار بما له شأن، وإلا فالأصل أن الإنباء والإخبار ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [(١ - ٢) سورة النبأ] يعني عن الخبر العظيم، فالإنباء والإخبار بمعنى واحد في الأصل، وإن كان الإنباء يفوق الإخبار، فسواء قال: أنبأنا أو أخبرنا لا يختلف إلا بعد أن استقر الاصطلاح؛ لئلا يتوهم أن ما تلقي بطريق الإجازة أو بطريق المناولة نعم يظن فيه أنه تلقي بطريق العرض والقراءة على الشيخ؛ لأن الإجازة والمناولة دون العرض على الشيخ. "قراءة عليه وأنا حاضر أسمع" كثيراً ما يقول النسائي -رحمه الله تعالى-: "الحارث بن مسكين فيما قُرئ عليه وأنا أسمع" ولا يقول: أخبرنا ولا أنبأنا ولا حدثنا بدون صيغة، لماذا؟ طالب:. . . . . . . . . نعم لأن الحارث بن مسكين طرد النسائي من الدرس، من الحلقة، فكان يختبئ وراء سارية ويسمع، فلكون الحارث بن مسكين ثقة، عدل، حافظ، ضابط، لم يفرط النسائي بالرواية عنه، ولكونه لم يقصد بالتحديث بل طرد منه ما استجاز لنفسه أن يقول: أخبرنا، وإنما ترك الأمر بدون صيغة "الحارث بن مسكين فيما قرأ عليه وأنا أسمع" وهذا من تمام ورعه ﵀، لكن إذا طرد الطالب من الدرس؛ لأن المدرس مثلاً يأخذ الأجرة وهذا رفض يدفع الأجرة مثلاً، وقال: لا تسمع مني، يجوز له أن يسمع ويروي وإلا ما يجوز؟ طالب:. . . . . . . . . هاه؟ طالب:. . . . . . . . . هو علم، يجوز وإلا ما يجوز؟ يعني هل يملك؟ حتى لو أن مجموعة من الطلاب، مجموعة جالسون بين يدي الشيخ ويحدثهم فيقول: أنت يا فلان لا تروي عني شيئاً، يملك وإلا ما يملك؟ ما يملك، ما يملك أن يقول له: لا ترو عني شيئاً، فإذا سمع منه يروي عنه وينقل، والعلم الأصل فيه أنه مشاع، هذا فيما لا كلفة فيه، لكن لو أن إنساناً تعب على شيء، واقتطع من وقته ما أضر بمصلحته ومصلحة ولده، وأراد أن يأخذ عليه أجراً، ومنع بعض الناس من الحضور إلا بالأجر، المسألة خلافية بين أهل العلم، لكن قوله ﵊: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) يدل على الجواز، وإن كان الورع تركه.

стр. 12

"قراءة عليه وأنا حاضر أسمع، قيل له: أقرأت على أبي عبد الله محمد بن علي الصوري الحافظ؟ قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جميع الغساني بصيدا، فأقر به" أقرأت؟ فقال: نعم، ولو لم يقل ذلك، تصح الرواية وإلا ما تصح؟ إذا قيل: أقرأت على فلان؟ أحدثك فلان؟ سكت، ما قال: إيه، ولا لا، واستمروا في الإسناد، في سرد الإسناد، الجمهور على أن هذا لا يؤثر، وبعضهم يقول: لا بد من أن يقر، لا بد أن يقول: نعم. "قيل له: أقرأت على أبي عبد الله محمد بن علي بن عبد الله الصوري الحافظ؟ قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن جميع الغساني بصيدا، فأقر به، قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد العزيز بن محمد بن الفضل بن يحيى بن القاسم بن عون بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي" الاسم فيه موجود الكنية والنسب الهاشمي، وفيه الاسم عشاري وإلا أكثر؟ اثنا عشر، لكن كون الاسم يسرد بهذه الطريقة، يسرد إلى الجد الثاني عشر، أو الجد الحادي عشر، أو الجد العاشر، هل يستفيد المعرف بهذه الطريقة أو لا يستفيد؟ هل ترتفع الجهالة عنه بذكر نسبه كاملاً؟ ترتفع عنه الجهالة وإلا ما ترتفع؟ طالب:. . . . . . . . . لا ما يلزم، إذا ذكر إلى الجد العشرين ولم يرو عنه إلا واحد يبقى مجهول العين، إذا ذكر إلى جده الثلاثين وروى عنه اثنان ولم يذكر بجرح ولا تعديل ترتفع جهالة العين وتبقى جهالة الحال، وهنا يقول كل من وقف على اسمه: إنه لم يقف على ترجمته، وهو هاشمي، وكتب التراجم أحاطت بكثير من الرواة، وهذا منهم، فهل هذه الجهالة تدل على أنه ليس بمشهور في العلم، ويحتمل أن يكون فيه شيء من التصحيف؛ لأن التصحيف من أعظم أسباب الجهالة، وعدم الوقوف على ما يرفعها، لأنك إذا لم تقف على الاسم بدقة ما وصلت إليه.

стр. 13

نعيم بن سالم لا يعرفه أحد، كل كتب التراجم ما ذُكر فيها، وتنسب إليه نسخة موضوعة، لماذا؟ لأنه مصحف، أصل اسمه يغنم ما هو بنعيم، يغنم بن سالم الوقوف عليه من أيسر الأمور إذا عرفنا اسمه الصحيح، فمثل هذه الأمور بالإمكان أن طالب العالم إذا لم يقف على ترجمة، وصعب عليه الوقوف عليها، لا يبادر بقوله: لم أقف عليه، بل عليه أن يقلب، فينظر فيما يحتمل التصحيف، وينظر إلى المصادر أخرى التي نقلت هذه الرسالة بإسنادها، ثم بعد ذلك إذا عجز وضاقت به المسالك يحكم بأنه لم يقف عليه. "بمكة" الأول بصيدا، والثاني بمكة، فائدة ذكر البلد، بلد الرواية؟ الفائدة من ذكر بلد الرواية؟ طالب:. . . . . . . . . أولاً: الدلالة على مزيد الضبط من جهة، الأمر الثاني؟ معرفة بلدان الشيوخ التي يعرف منها إمكان اللقاء وعدم الإمكان؛ لأنه إذا قال: بمكة وعرف عن الراوي عنه أنه ما ورد مكة، أو قال: بصيدا، وعرف عن الراوي عنه أنه ما ورد صيدا، ولا دخل صيدا، نعم يشك في الاتصال، يشك في اتصال السند. طالب:. . . . . . . . . كيف؟ طالب: أحسن الله إليك، الجهالة ما لها أثر في إثبات الرسالة؟ يعني كونه لم يوقف عليه؟ طالب: إيه. أما هذه الرسالة فقد تلقاها الأئمة بالقبول، وتداولوها بكتبهم وتناقلوها بأسانيدهم لها أكثر من طريق، تناقلوها بأسانيدهم، وأحياناً مجموعة المجاهيل يثبت بها الخبر، بمجموعة مجاهيل، لو قال مثلاً: عن عدة من شيوخنا، هؤلاء العدة مجاهيل، كما قال ابن عدي في قصة امتحان البخاري: يرويها بن عدي عن عدة من شيوخه، قالوا: إن هؤلاء العدة كل واحد منهم مجهول، لكن بمجموعهم يدل على ثبوت القصة. طالب:. . . . . . . . .

стр. 14

لا، لها أكثر من طريق، وعلى كل حال مثل هذه الرسائل التي يشدد الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى- في إثباتها بالأسانيد، ونفى مجموعة من الكتب بهذه الطريقة إذا استفاضت بين أهل العلم، وأكثر النقل عنها، ولم يوجد لها طريق يثبت على طريقة أهل الحديث، فلا يبادر الإنسان بنفيها عن مؤلفها إلا إذا وجد فيه من الكلام ما لا يناسب من نسبت إليه، فمثلاً رسالة الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد قالوا: إن في ثبوتها للإمام أحمد نظر، وعندي أكثر من مائة نقل في كتب شيخ الإسلام عن هذه الرسالة منسوبة إلى الإمام أحمد، وعن غير شيخ الإسلام، فهل نقول: إن هذه الرسالة لا تثبت للإمام أحمد؟ لا سيما وأنه ليس فيها ما ينكر، فإذا وجد ما ينكر ولا يوافق أصول ما نسبت إليه نعم قف وشك.

стр. 15

رسالة الحيدة لعبد العزيز الكناني لم يثبتها الحافظ الذهبي، لكن هل فيها ما ينكر نسبتها إلى هذا الشخص، فينظر في ما يدون في هذه الرسائل فإن كان ما ينكر نأتي بالقافة، يعني مثل أنساب الرجال، الأصل أنها تثبت بالاستفاضة، بعض أهل العلم استفاض بينهم أن هذه الرسالة لفلان ونقلوا منها من غير نكير، فالاستفاضة كافية لا سيما إذا كانت جميع ما فيها جار على قواعده وأصوله، مثل أنساب الرجال، فإذا وجد ما يشكك في النسب نعم نأتي بالقافة، لكن مثل هذا الكلام هل يفتح مجال لمن أراد أن يزور كتب؟ يقول: هذا الكلام كله صدر عن فلان، ويلتقط من كتبه، ويجمع من كلامه لا من كلام غيره، يأتي إلى كتب شيخ الإسلام فيدبلج له كتاب، ويسميه باسم، ويقول: كل هذا الكلام ما في ما ينكر، كله نطق به شيخ الإسلام، يمكن أن يرد على ما ذكرنا؟ ما الذي ينفيه إيش؟ اللي ينفي مثل هذه الرسالة الاستفاضة بين أهل العلم، إذا تداولوها ونقلوا منها، مثل أحياناً يطلع لنا كتاب عن شيخ الإسلام مسمى باسم جديد علم الحديث مثلاً، وهو ملتقط من كلام شيخ الإسلام، أو دقائق التفسير مثلاً، أو ما يسميه بعضهم بتنتيف الكتب، يأتي إلى باب أو إلى فصل من كتاب وينشره بكتاب مستقل لفلان، وإذا كان الهدف من ذلك تيسير وصول هذا الفصل، وهذا الباب المهم مع الإشارة إليه من أنه منتزع من كتاب كذا، فاعله مأجور، يعني فيه فصل مثلاً في البداية والنهاية كثير من طلاب العلم كيف يقرأ البداية والنهاية في أربعة عشر مجلداً، أو أكثر من ذلك في بعض الطبعات؟ فينتزع فصل منها يختص مثلاً بخلق السموات والأرض، ثم يذكر أن خلق السموات والأرض منتزع من البداية والنهاية، كما فعلوا في قصص الأنبياء والسيرة النبوية لابن كثير وغيره، فإذا بُين أنه قسم من الكتاب بحيث لا يغتر به من يراه لأول مرة، ثم يشتريه، ثم يظهر كتاب آخر، وينشر الكتاب مراراً بتغير العناوين، ففاعله مأجور، أما إذا كان القصد من ذلك الترويج للتجارة فهذا مذموم؛ لأن هذا يروج على الناس ما يوجد عنده، ويلزمهم بغير لازم.

стр. 16

"بمكة، يقول: سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد السجستاني" في بعض النسخ بالبصرة، والإمام أبو داود سكن البصرة في آخر عمره، وسئل عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جواباً لهم، فأملى علينا، هنا يقول: سمعت، سمعت تقال فيما سُمع من لفظ الشيخ "فأملى علينا" والإملاء إذا كان السماع أعلى طرق التحمل، فالإملاء أعلى أنواع السماع؛ لما فيه من تحرز الشيخ والطالب، كل منهما متحرز، فالشيخ متحرز ومتيقظ؛ لأنه يملي، والطالب متحرز متيقظ لأنه يكتب من لفظ الشيخ، فالإملاء أعلى درجات السماع الذي هو أعلى طرق التحمل. . . . . . . . . .

стр. 17

يقول: "سمعت أبا داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد السجستاني، وسئل عن رسالته" الواو هذه؟ حالية، الواو واو الحال "وسئل" والحال أنه قد سئل "عن رسالته التي كتبها إلى أهل مكة وغيرها جوابا لهم" كأنهم سألوه عن كتابه، وعن بعض ما اشتمل عليه كتابه، فأجابهم بهذه الرسالة "فأملى علينا" وعرفنا أن الإملاء أعلى درجات السماع الذي هو أعلى طرق التحمل والإملاء والأمالي سنة معروفة عند أهل الحديث، عندهم ما يعرف بمجالس الإملاء، وعندهم أيضاً ما يعرف بالأمالي، فهم يعقدون الأمالي، ويملون على طلابهم، إضافة إلى ما يحدثونهم به، وما يجيزونهم به، وما يقرأه الطلاب عليهم أمالي، أمالي هذه تكون عيون ما ينتقونه من رواياتهم، ومن مقروءاتهم ومن مسموعاتهم، فتعقد هذه المجالس التي اندثرت منذ قرون، ولو أن الشيوخ أعادوا هذه المجالس، يعني انقطعت منذ عقود، ثم أعادها الحافظ العراقي ﵀، ثم انقطعت فأعادها الحافظ ابن حجر، ثم السخاوي، ثم السيوطي، والآن اندرست، لكن لو أن الشيوخ من خلال مطالعاتهم وقراءاتهم ومدوناتهم يعقدون مجالس للطلاب، ويملون عليهم هذه التحف، وهذه العيون من المسائل ومن الطرائف والغرائب من أشعار ونثر، ما يبعث الهمم والنشاط في قلوب السامعين، كانت سنة طيبة ومعروفة عند أهل العلم قديماً، لكن مع الأسف أنه مع انتشار الوسائل يمكن ما يتحمس الطلاب للإملاء، ما يتحمسون للإملاء، فتجد الطلاب لو عقد مجلس إملاء وحضر مجموعة من الطلاب تجد طلاب يكتبون وإلا ما يكتبون؟ يعني واحد منهم يسجل ومنهم يفرغ، ثم تصور، تكتب في أوراق ثم تصور ويتداولونها، ما يكلفون أنفسهم عبء؛ لأنهم وجدوا الراحة، في العصور السابقة قبل وجود هذه الآلات كان لا بد أن تكتب، وإلا ما فيه شيء، ما فيه بديل عن الكتابة، تجد جميع الطلاب يكتبون، فإذا عقد مجلس الإملاء على هذه الصفة، وتعب الشيخ على تحصيل هذه الفوائد، وضرب له يوماً في الأسبوع مثلاً، وكثير من أهل العلم يجعلون يوم الثلاثاء للإملاء، ما أدري إيش السبب؟ ما أدري ما السبب؟ ولعله في كونه منتصف الأسبوع يجعلونه للإملاء، فالطلاب يستمعون ويدونون، وفيه من الأخبار والأشعار ما يطرب لها السامع،

стр. 18

لكن الآن من خلال الدراسات النظامية، ومن خلال حرص طلاب العلم على العلم الشرعي الأصيل تجد عندهم جفاف بالنسبة لما يهتم به المتقدمون من الطرائف العلمية والأدبية، وهذه لا شك أنها نافعة جداً لطالب العلم، يستجم بها، وينشط بسببها، وينشط غيره بها؛ فالدرس إذا كان الشيخ ملازم كتابه لا يخرج، لا يطلع يمين ولا يسار هذه طرفة أدبية، هذه نكتة تاريخية، هذه عجيبة من العجائب، هذه حادثة غريبة تجد الطلاب كثيراً منهم ينام، لا شك أن الأصل متين العلم، ومن أجله جلس الشيخ، ومن أجله حضر الطالب، لكن ملح العلم تعين على الاستمرار في تلقي متينه، كما أن النوم يعين على قيام الليل، وكما أن الأكل يعين على بقاء النفس التي يستعملها في طاعة الله، فمثل هذه إذا قصد بها التنشيط على الاستمرار في العلم وطلبه فإن هذا لا شك أنه يثاب عليه، ويكون له حكم المقصد. "فأملى علينا" بطون الكتب الكبيرة المطولات التي لا يتسنى لأي طالب من طلاب العلم، أو لجميع الطلاب أن يقرؤوا فيها، وإذا قرؤوا في كتاب لم يقرؤوا في آخر، وهكذا فيها من العلوم والكنوز ما لا يمكن الاطلاع عليه، إلا ما كان ديدنه القراءة، وتوسع في القراءة، وتفنن فيها، فمثل هذا المطلع المتفنن الذي دون الفوائد والغرائب والعجائب مثل هذا لو أملى على الطلاب شيئاً ينشطهم، ولو اتخذ طريقة يعني في كل يوم يتحفهم بفائدة أو في غريبة أو طريفة ينشط بها الطلاب، وإلا قد يقول قائل: لماذا لا يجمع هذه الطرائف وهذه الغرائب ويجمعها في كتاب واحد ويطبعه وينتشر ولا حاجة إلى أن يضيع وقت الدرس بهذه الأمور؟ قد يقول قائل مثل هذا، ونقول: نعم يمكن أن يشتريها الطلاب، ويجلسون في بيوتهم، ولا شيء يرغبهم في الدروس، وإذا حضروا الدرس كثير منهم ينام، إذا صار الدرس متين من أوله إلى آخره، هذا الكلام الذي جره مسألة الإملاء، وهي سنة عند أهل العلم اندرست.

стр. 19

"فأملى علينا: سلام عليكم" التنكير تنكير السلام لا شك أنه وارد في النصوص، ولذا يقول أهل العلم: ويخير بين تعريفه وتنكيره في سلام على الحي، قالوا سلامًا، قال: سلام، سلام عليكم، سلام على من اتبع على الهدى، التنكير كثير في النصوص، وفيه أيضاً التعريف، السلام علي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، المقصود أن التعريف والتنكير كله وارد بالنسبة للسلام على الحي، أما بالنسبة للسلام على الميت فليس فيه إلا التعريف، وهنا يقول: "سلام عليكم" وبهذا يحصل على عشر حسنات، ولو قال: ورحمة الله وبركاته لحصل على أجر أعظم كما جاء في الأحاديث. "سلام عليكم فإني" الفاء هذه مع قوله: "أما بعد: عافانا الله وإياكم" تدل على أن الكلام فيه شيء من التقديم والتأخير؛ لأن الفاء تأتي بعد أما بعد وليست قبلها، أما بعد: فإني أحمد إليكم، فهذه الفاء إنما تقع في جواب (أما) وليست قبل أما بعد، مما يدل على أن في الكلام تقديماً وتأخيراً. "فإني أحمد إليكم الله" الأصل أن تكون أما بعد هنا، أما بعد فإني، أو يقول: أما بعد فعافانا الله وإياكم لا بد من الفاء هنا؛ لأنها في جواب أما ولا تحذف، فإذا كانت النسخ تتفق على هذا نشوف الاختلاف كثير جداً في النسخ، بين النسخ المستقلة لهذه الرسالة، وبين ما نقل عنها في الكتب، فالرسالة نقلت بحذافيرها في بعض الكتب، ووجد اختلاف بين هذه النُقول، لماذا؟ لأنها قديمة، يعني في منتصف القرن الثالث، فهي قديمة، مكانة بهذه المثابة، فهي ليست من الكتب الأصلية التي يتداولها الطلاب، يعني في سنن أبي داود مضبوط ومتقن، وفي صحيح البخاري قبلها مضبوط ومتقن بالروايات، وموطأ مالك كذلك قبلها مضبوط؛ لأن الطلاب بصدد العناية بهذه بالكتب لأنها هي الكتب التي هي همهم واهتمامهم منصب إليها، إما مثل هذه الرسالة وغيرها من الرسائل نعم فيها فائدة، لكن ما هي مثل المقصد، هي وسيلة إلى فهم كتاب، وليست غاية وليست مقصد، ولذا تجدون مثل هذا الاختلاف الكبير تجد مثلاً في الصفحة الواحدة عشرة فروق من الاختلافات بين النسخ.

стр. 20

"فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو" فالبدءاة بالحمد سنة مشروعة، افتتح بها القرآن، والنبي ﵊ كان يفتتح بها الخطب "فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد عبد ورسوله" ثنى بالصلاة على النبي ﵊، وهكذا ينبغي أن يفعل، فحق الله أعظم، يليه حق الرسول ﵊، وجاء في تفسير قول الله -جل وعلا-: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [(٤) سورة الشرح] عن مجاهد: لا أذكر إلا وتذكر معي ﵊، لا إله إلا الله محمد رسوله الله، في الأذان أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، وليس معنى هذا شيء من المساواة، لا يقتضي هذا شيء من المساواة، فذكر النبي ﵊ في المحاريب مثلاً تجد يذكر في الجهة اليمنى الله، وفي الجهة اليسرى محمد، هل هذا من باب المساواة باعتبارهما على حد سوى؟ هل يقر في القلب مثل هذا؟ أو أن هذا من باب لا أذكر إلا وتذكر معي؟ لأنه هذا يصنع في محاريب المسلمين ويتداولونه، وليس بشيء جديد منذ قرون، الأصل ألا يكتب شيء، هذا الأصل، لكن إذا كتب هل نقول: يمسح لفظ محمد ﵊ لئلا يظن أنه مساوٍ لله -جل وعلا-؛ لأنه كتب بنفس الحجم بنفس الدائرة قطرها واحد، فهل هذا يقتضي المساواة أم نقول: هذا من باب لا أذكر إلا وتذكر معي، والأمر فيه سهل؟ طالب:. . . . . . . . . في الذكر المشروع. طالب:. . . . . . . . . إذًا ولا لفظ الجلالة يكتب. طالب:. . . . . . . . . هذا إذا ما أزلنا الجميع هذا ما فيه إشكال، لو لم يكن فيه إلا التشويش على المصلين، هذا يزال ويزال غيره، كل ما يوجد في قبلة المصلى مما يشغل المصلين هذا كله ينبغي أن يزال، لكن إذا وجد؟ هل نقول: يمسح محمد فقط لئلا يتوهم المساواة، أم يمسح الجميع كما هو الأصل، أو يبقى الجميع لا أذكر إلا وتذكر معي؟ طالب: يمسح الجميع. ما تيسر مسح الجميع، وجد ما يخالف، وترك من باب التأليف والمصلحة الراجحة، هل نقول: على الأقل امسحوا لفظ محمد ﵊، امسحوا اسمه، لئلا يتوهم أنه مساو لله -جل وعلا-؛ لأنه يوجد بعده أيضاً أمور أخرى تكتب.

стр. 21

طالب:. . . . . . . . . يعني لئلا يتخيل أو يتوهم المساواة، لكن ماذا عن لا أذكر إلا وتذكر معي؟ ألا يتصور أنها مساواة؟ اللي بيتخيل هذا بيتخيل في أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. طالب:. . . . . . . . . الذكر المشروع ما عندنا إشكال فيه، ولن نتردد في ذكره -إن شاء الله تعالى-، ولا يمكن أن يناقش، لكن الذي يرد هنا قد يرد هنا. طالب: لكن هذا نص شرعي. . . . . . . . . أنا أقول: الذي يمكن أن يقر في قلبه وجود هذه المساواة يمكن أن يتصور المساواة في المشروع، الذي يتصور في الممنوع يتصور في المشروع. طالب:. . . . . . . . . يعني إذا جرد لفظ الجلالة وجرد محمد، قد تتصور المساواة، أحياناً يذكرون أشياء ثانية، يذكرون مثلاً الله فوق، أحياناً يذكرون مثلاً: الله، المليك، الوطن، شيء من هذا النوع، هل نقول في مثل هذا الكلام؟ أو نقول: ما دام وضع لفظ الجلالة فوق، وما سواه تحت هذا ما يتصور المساواة؟ ولا تعظم بقدر تعظيم لفظ الجلالة، وعلى كل حال كتابة الألفاظ المشروعة على الحيطان لا شك أنه ابتذال وامتهان، فلا تكتب آيات، ولا لفظ الجلالة، ولا أي شيء محترم على الحيطان؛ لأنه ابتذال وامتهان، ويقع عليها الحشرات، ويقع عليها الأوساخ والغبار، وما أشبه ذلك، كل هذا يجعلها ممتهنة، فلا ينبغي أن تذكر. "وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله". طالب:. . . . . . . . . أحمد الله إليكم إيه؛ لأنه يرسل إليهم، ويخاطبهم بهذا الكلام، لو قال: الحمد لله رب العالمين، أو قال أي صيغة تؤدي الغرض كافية، هذه مواجهة ومخاطبة بالحمد ما فيها أدنى إشكال.

стр. 22

"وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله" وصفه ﵊ بالعبودية والرسالة جاء في أشرف المقامات، وصفه بالعبودية ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [(١) سورة الإسراء] ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [(١٩) سورة الجن] يوصف بها في أشرف المقامات، والرسالة هي وظيفته ﵊، فالجمع بينهما، العبودية ذكر العبودية لئلا يطرى ويغلى به ﵊، إنما هو عبد لله -جل وعلا-، وذكره بالرسالة لئلا يجفى ﵊، فعلى المسلم أن يكون بين الغلو والجفاء بالنسبة إليه ﵊، يعرف له حقه، وحقوقه على الأمة عظيمة جدًا، وهو سبب هدايتهم، والواسطة بينهم وبين ربهم فيما ينزل منه -جل وعلا-، أما فيما يصعد إليه فلا واسطة. "وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله" ﷺ كلما ذكر، والبخيل الذي يسمع الذكر ذكر اسمه ﵊ ولا يصلى عليه، والصلاة عليه ﵊ مأمور بها ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [(٥٦) سورة الأحزاب] ولا يتم الامتثال إلا بالجمع بينهما، ولذا جمع بينهما، في بعض النسخ تسليماً كثيراً، فالجمع بين الصلاة والسلام هو تمام لامتثال الأمر، وأما الاقتصار على أحدهما دون الآخر إما أن يصلي أو يسلم فقط هذا من كان ديدنه ذلك حيث لا يذكر لفظ الثاني، كما قال الحافظ ابن حجر: تتجه الكراهة بحقه، ولا يتم امتثاله، وأما من كان يجمع بينهما تارة، ويصلي تارة، ويسلم تارة هذا لا تتجه إليه الكراهة، وقد وقع في كلام أهل العلم كثيراً، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 23

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح: رسالة أبي داود لأهل مكة (٢) الشيخ: عبد الكريم الخضير السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا يقول: ما رأيكم لو نأخذ كتاب حلية طالب العلم، أو التعالم للشيخ بكر أبو زيد؟ أما حلية طالب العلم فالطلب عليه كثير وملح، ولكني أحيل على شرح مسجل للشيخ ابن عثيمين ﵀. ويقول: ما أفضل طبعة لنيل الأوطار يمكن اقتناؤها؟ أنا قراءاتي كلها في الطباعات القديمة، إما المنيرية أو بولاق، وهناك طبعة حديثة للشيخ طارق عوض الله، صدرت مؤخراً ولم أقتنيها بعد، وهو مظنة للتجويد. هذا يسأل يقول: كيف أحفظ القرآن وعمري سبع وعشرين سنة وكثرت الشواغل؟ إذا علمت إن امرأة بلغت من العمر سبعين سنة، وهي أمية لا تقرأ ولا تكتب قد أكملت حفظ القرآن فلا تيأس، لكن عليك أن تهتم لهذا الأمر، وتفرض له وقتاً من سنام الوقت، لا من أطرافه، ولا يكون ذلك في أوقات الفراغ، أو أوقات الانتظار، إنما تفرض له ساعة هي أهم الساعات في عمرك، إما قبل صلاة الفجر، أو بعد صلاة الفجر، وحينئذٍ يتيسر لك الحفظ، فإذا فرغت نفسك هذه الساعة، وعلم الله -جل وعلا- منك صدق النية فإنه يعينك على الحفظ. يقول: ما معنى القافة والاستفاضة؟ القافة: هم ممن يعرف الشبه بين الناس، فيلحق هذا بهذا، ويعرف قرب هذا من هذا، وهي موجودة على عهد النبي ﵊، وقد فرح النبي ﵊ فرحاً شديداً، لما قال مجزز المدلجي وهو منهم -من القافة-: إن هذه الأرجل -يعني أرجل أسامة بن زيد- من هذه الأرجل، يعني أرجل زيد بن حارثة، وبينهم من اللون من الاختلاف ما بينهم، حتى كان بعض الناس يتهمون، فلما حكم مجزز بأن هذه الأرجل من هذه الأرجل فرح النبي ﵊ فرحاً شديداً.

стр. 24

أما الاستفاضة: فهي الشيوع والانتشار، انتشار الأمر بين الناس وشيوعه بينهم بحيث يكون الإنسان ملزم بقبوله، كما يشتهر أن فلان ولد فلان، الناس كلهم يشهدون أن فلان بن فلان، وإنما يشهدون بالاستفاضة؛ وإلا ما منهم واحد حضر لا وقت الوقاع، ولا وقت الولادة، وإنما يشهدون بأن فلان بن فلان؛ لأنه استفاض عند الناس من غير نكير ولم يدعيه غير أبيه، وتكفي في إثبات مثل هذا. يقول: نحن عدة أشخاص قرأنا هذه العبارة واختلفنا في فهمها، فأرجو منكم توضيحها لنا مأجورين وهي في كتاب: (الدر المنضود في ذم البخل ومدح الجود) للمناوي في صفحة اثنتي عشر ومائة، وثلاثة عشر ومائة، قال: "تنبيه أجمع على أن الجود محمود إلا في النساء؛ لأن المرأة إذا كان طبعها الجود بما يطلب منها قد تجود بنفسها، وقد قال الله تعالى ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [(٣٢) سورة الأحزاب] ولم يمدح أحد من العقلاء كرم المرأة". لم يمدح أحد من العقلاء كرم المرأة؛ لأن المرأة في الغالب لا مال لها، وإذا جادت فإنما تجود بمال غيرها، إما من مال أبيها، أو من مال زوجها، ولذا يقول العرب: والله ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة، لكن هذا الكلام ليس بصحيح، فالنصوص التي جاءت في الرجال جاءت في النساء، فالنساء شقائق الرجال، فإذا مدح الجود والكرم بالنسبة للرجال، يمدح بالنسبة للنساء، على أن يكون جوداً بمعناه الشرعي، مضبوطاً بضوابطه الشرعية حتى الجود من الرجل قد يجود بما لا يجوز أن يجود به، ويمنع حينئذٍ. وذكر أبيات هنا لكنها فيها أخطاء مطبعية يمدح امرأة، فيقول: تنمى إلى القوم جادوا وهي باخلة ... والجود في الخود مثل الشح في الرجلِ وقال ابن نباتة: جادت بما جاد الرجال به ... ومن الغواني يحسن البخل ما أدري، المقصود أن مثل هذا لأن المرأة في الغالب إذا جادت فإنما تجود بمال غيرها، وإذا كثر مدحها قد تستدرج، فهو من هذه الحيثية له وجه، لكن إذا جادت بمالها بما اكتسبته من وجه حلال، وأنفقته في المصارف الشرعية التي جاء الحث عليها فحكمها حكم الرجل.

стр. 25

هذا من موريتانيا يقول: أنا شاب من موريتانيا أدرس في الجامعة، وعندما تعرفت على هذه الإذاعة التزمت بالإسلام، والحمد لله، ولكن لدي أصدقاء يزهدون في العلماء، ويقولون لي: أنت لا تفهم الجهاد ... إيش الجهاد؟ إيش دخل الجهاد هنا؟ يعني مقحم. فما نصيحتكم لي؟ وجزاكم الله خيراً. لي أيضاً سؤال آخر: أنا لا أدرس في جامعة شرعية، ولكني متابع لكل ما تقدمه إذاعة القرآن الكريم، هل يكفيني ذلك؟ وأرجو منكم الدعاء لي حتى أدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؟ نسأل الله -جل وعلا- أن ييسر لك الأمر، ومع ذلك تابع الاستماع لإذاعة القرآن، فيها برامج نافعة، وتلاوات طيبة، وقد انتفع بها كثيراً من العامة الذين لا يقرؤون ولا يكتبون، فكيف بمن لديه أهلية للانتفاع؟ وإذا وجد عندكم من أهل العلم من يجلس للطلاب على معتقد صحيح، وتحقيق للتوحيد فالزمه. هذه أم سلمة تقول: إنها تستمع للدروس عبر الإنترنت، وتجد فيها فوائد ونفع، تقول: ذكرت في درسك قبل أسبوع تقريباً أن نظام الأكل حتى الشبع الذي في المطاعم وهو ما يسمى: (البوفيه المفتوح) لا يجوز، فهل يدخل في ذلك مما يفعله الناس مما يعرف بالقطة إذا كانوا في مكان عمل واحد مثلاً كالمعلمين في المدرسة، يدفع كل واحد منهم مبلغاً شهرياً للفطور، وجزاكم الله خيراً.

стр. 26

هذا الأمر يختلف، في مسألة القطة التي هي في الأصل تسمى النهد، فالقوم يجتمعون فيتناهدون، فيبذل كل واحد منهم مبلغاً من المال، ويجمع هذا المال، ويشترى به نفقة للجميع، كل إنسان يأكل أكله العادي، والناس عادة يتسامحون في مثل هذا، فلا يقال: هذا يأكل وهو دفع عشرة فيأكل باثني عشر، وهذا دفع عشرة ما يأكل إلا بثمانية، ما يجري هذا بينهم، يتعافون هذا بينهم، وهم قوم يعرف بعضهم بعضاً، ويسامح بعضهم بعضاً، والمسألة مبنية على المسامحة، لكن في البوفيه المفتوح إذا قيل: تأكل حتى تشبع بعشرين ريال قد يأكل بخمسين؛ لأنه هذه الوجبة وفقط، أما في النهد لا هذا مستمر، ولن يأكل أضعاف ما يحتمل، ولكن في البوفيه المفتوح قد يأكل ويكثر، ويتحرى الأكل من أغلى الأطعمة، فيكون هناك تفاوت كبير بينما دفع وبينما أكل، والمدفوع معلوم، والمأكول مجهول، والبون كبير، يعني له وقع في الثمن، فالذي دفع عشرين لو أكل قبل الدفع لقيل له: ادفع خمسين، فهذا له وقع في الثمن مؤثر في العقد. هذه أم عبد الله من السعودية تقول: هذا سؤال هام جداً: ذكر أحدهم أن الشيخ ابن باز ﵀ قال: جميع الأعمال تحتاج إلى نية، ما عدا الجلوس مع الصالحين، واستشهد الأخ بالحديث الذي رواه البخاري: ((فيقول: أشهدكم إني قد غفرت لهم، فيقول ملك من الملائكة: إن فيهم فلان الخطاء لم يردهم إنما جاء لحاجة، فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)) فسألته أين قرأتم قول الشيخ هذا؟ فقال: أنا لم أسمع الشيخ ابن باز ﵀، لكن سمعته نقلاً عن أحد طلبة العلم، تقول: هل سمعتم هذا القول عن شيخنا ابن باز ﵀؟ لا ما سمعته، لكن الاستدلال ظاهر للمسألة. وهذه تقول: أم لها سبعة أولاد أعطت واحداً منهم مبلغاً من المال لكي يتاجر به، ويكون الربح مشتركاً بينهما، ما حكم ذلك؟ وهل يدخل في الحديث: ((اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم))؟

стр. 27

إذا كان كل واحد من هؤلاء الأولاد السبعة يريد من هذه الأم ما أعطته ولدها ليتاجر به فلا بد من العدل، لا سيما إذا كانت كفاءتهم واحدة في التجارة ومعرفتهم وخبرتهم بها واحدة، وإلا فإن لم تكن الخبرة واحدة، ويغلب على ظنها أن هذا إذا تاجر عرف أسباب الكسب، والثاني إذا تاجر لم يوفق، وليست لديه الأهلية في المتاجرة فلا مانع من أن تشترك مع أحد أولادها. هذا واحد من الإخوان يقول: بالنسبة لابن البطي، أبو فتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان المعروف بابن البطي، يقول الفيروز أبادي في القاموس: بَطة أو بِطة بالكسر عين بالحبشة، يعني موضع بالحبشة، وبالفتح أبو عبد الله بن بطة العكبري مصنف الإبانة، وبالضم أبو عبد الله بن بُطة الأصبهاني وبلديوه محمد بن موسى وعبد الوهاب بن أحمد، وبط قرية بطريق دقوقا، وأبو الفتح البطي المحدث نسيب إنسان من هذه القرية فعرف به، أبو الفتح صاحبنا يقول: أبو الفتح البطي المحدث نسيب إنسان من هذه القرية فعرف به، وقال الزبيدي في تاج العروس: وبط قرية بدقوقا، وقيل: بالأهواز، وتعرف بنهر بط، قيل: لأنه كان عنده مراح البط، فقالوا: نهر بط، كما قالوا: دار بطيخ، وقيل: بل كان يسمى نهر نبط؛ لأنه كان لامرأة نبطية فخفف وقيل: نهر بط. وأبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سليمان بن البطي المحدث البغدادي من كبار المسندين، كان نسيب إنسان من هذه القرية، فعرف به، نقله الحافظ وغيره، وقيل: لأن أحد جدوده كان يبيع البط. الأخ الباحث يقول: يؤيد هذا القول -يعني كان يبيع البط- ويقويه أن أخيه ينسب إلى هذه النسبة أيضاً، كما ذكر صاحب التكملة، فلو كان كما ذكر صاحب القاموس لم ينسب أخوه إلى ذلك أيضاً، والله تعالى أعلم.

стр. 28

قال أبو الحسن الجزري -ابن الأثير- في تهذيب الأنساب، البطي بفتح الباء الموحدة، والطاء المشددة هذه نسبة إلى البطة، وهو لقب لبعض أجداد المنتسب إليهم، وإلى بيع البط، أما الأول فهو ابن بطة العكبري البطي، كان من فقهاء الحنابلة، تكلموا فيه، توفي في محرم سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وأبو الفتح صاحبنا محمد بن عبد الباقي وغيره، وكان ثقة غير أنه كان يعتقد مذهب النجارية، نسأل الله العصمة، وتوفي في شعبان سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، يقول: لعل هذا وهم أو خطأ مطبعي، فالمطبوع لا يتوفر عندي. قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: وكان توفي يوم الخميس سابع وعشرين جماد الأولى سنة أربع وستين وخمسمائة، يعني الفرق قرنين من الزمان. في تكملة الإكمال: باب البطي والبطيء بالهمز، أما الأول بفتح الباء، وتشديد الطاء المهملة، فهو أبو الفتح .. إلى آخره، صاحبنا، وأخوه الثاني، الأول البطي، والثاني البطيء، ما ذكر منهم أحد؟ يعني ذكر لكن لا حاجة لنا به، يعني بهذا كله نعرف أنه بالتشديد. سم. أحسن الله إليك. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء، واغفر للسامعين يا حي يا قيوم. قال المصنف -رحمه الله تعالى-: أما بعد: عافانا الله وإياكم عافية لا مكروه معها، ولا عقاب بعدها، فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرضت في الباب؟ ووقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا: أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين، فأحدهما أقوم إسناداً، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث، ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح، فإنه يكثر، وإنما أردت قرب منفعته، وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث، وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمعه المراد منه، ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك. يكفي.

стр. 29

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في مطلع هذه الرسالة يقول الإمام أبو داود -رحمه الله تعالى-: "فإني أحمد إليكم الله" يعني التعدية بـ (إلى) ذكر المحقق محقق طبعة من الطبعات، قوله: "أحمد إليكم الله" أي أحمد معكم الله، وأحال إلى كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، وهنا يجعل التقارض بين الحرفين (إلى) و (مع) وهذا معروف عند جمع من أهل العلم، إذا عدي الفعل بحرف وهو في الأصل يتعدى بدون حرف، أو تعدى بحرف غير ما كان يتعدى به، فإما أن يقال: إن الحرف معناه كذا، معنى حرف آخر، ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [(٧١) سورة طه] قالوا: (في) بمعنى (على) وتقارب الحروف معروف عندهم، وبهذا يقول كثير من أهل العلم، من العلماء، الفقهاء، من المفسرين، من اللغويين وغيرهم. وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يميل إلى تقارض الأفعال، وتضمين الأفعال، لا تضمين الحروف، فكأنه على رأي شيخ الإسلام لا تكون كما قال الخليل: إن (إلى) بمعنى (مع)، وإنما "فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو" كأنه قال: فإني أبعث إليكم أني أحمد الله -جل وعلا-، الذي لا إله إلا الله، فيأتي بفعل يعدَّى بـ (إلى) أبعث إليكم، أو أرسل إليكم، لا سيما وأن هذه رسالة، فلا نحتاج إلى أن نؤول حرف بحرف، نضمن الفعل بفعل آخر، وهذا ترجيح شيخ الإسلام وله وجهه، ويوجد من يقول به من أهل العلم، والسبب في ذلك أن شيخ الإسلام يميل إلى تضمين الأفعال دون تضمين الحروف، قال: لأن المبتدعة في كثير من تصرفاتهم ضمنوا الحروف معاني حروف أخرى، فيريد -رحمه الله تعالى- أن يتحاشى هذا، لا سيما وأن له وجه، ويقول به جمع من أهل العلم من اللغويين وغيرهم. طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، قول ابن عباس: "أحمد إليكم غسل الإحليل" يدخل في نفس المدخل هذا؟ لا بد من أن تأتي بفعل يتعدى بما عدي به هذا الفعل الذي عدي بحرف لا يتعدى به في الغالب، فإما أن يكون الفعل لازم ويعدى بحرف، لكنه بغير الحرف المذكور، أو يكون متعدٍ يتعدى بنفسه فيعدى بحرف، وحينئذٍ يضمن معنى فعل لازم. طالب: الخطابي يا شيخ في غريب الحديث قال: "أرضاه لكم".

стр. 30

المقصود أنه إذا وجد حرف عدي به هذا الفعل والعادة أنه يعدى بغيره من الحروف، أو يتعدى بنفسه لا بد أن نضمن الفعل معنى فعل يتعدى بنفس الحرف المذكور، والذي معنا رسالة فكأنه قال: "أرسل إليكم، أو أبعث إليكم" هذا ظاهر، كأنه يبعث في هذه الرسالة إليهم أنه يحمد الله الذي لا إله إلا هو، وهذا أقرب من كونه يحمد معهم؛ لأنه ليس بينهم، وليس عندهم؛ لأنه أرسل إليهم هذه الرسالة. "أما بعد" فـ (أما) حرف شرط، و"بعد" قائم مقام الشرط مبني على الضم؛ لما ذكر سابقاً من أنها ... ، لأن المضاف إليه محذوف مع نيته، فيبنى على الضم، ويختلف أهل العلم في أول من قال: "أما بعد" على ثمانية أقوال، يجمعها قول الناظم: جرى الخلف "أما بعد" من كان بادئاً ... ويعقوب وأيوب الصبور وآدم بها عد أقوام وداود أقربُ ... وقس وسحبان وكعب ويعربُ "عافانا الله وإياكم" الأصل أن يكون جواب أما مقترناً بالفاء، ولذلك أنا على شك في موضع "أما بعد" هنا، فإما أن يقال: إنها قبل هذا الموضع بسطر "أما بعد فإني أحمد إليكم" أو تكون الجملة التي بعدها مقترنة بالفاء؛ لأنها من لازمها أن تقترن بالفاء. "أما بعد" وقلنا: إنها بهذه الصيغة "أما بعد" جاء فيها أكثر من ثلاثين حديثاً عن النبي ﵊، وأنها لا تحتاج إلى (ثم) كما يقول بعضهم، وهي موجودة (ثم) في تفسير الطبري، وهو في أول القرن الرابع، والمحقق محمود شاكر، وهو من أهل المعرفة بالأساليب العربية يقول: إن الطابع حذف (ثم) لجهله بالأساليب العربية، ونحن نقول: (ثم) لا داعي لها، ولم تذكر ولا في حديث واحد عن النبي -عليه الصلاة السلام-، وقد صح عنه أكثر من ثلاثين حديثاً في "أما بعد" فلا داعي لـ (ثم) ولو استعملها أبو جعفر بن جرير، وهو إمام من أئمة اللغة؛ لأن لنا قدوة هو الرسول ﵊ ما ذكر (ثم)، وأما إبدال (أما) بالواو، كما يفعله المتأخرون، وهذه حادثة، إبدال (أما) بالواو حادثة في القرن العاشر، يعني أول من وقفت عليه ممن استعمالها متأخر. وفي شرح الزرقاني على المواهب قال: إن الواو تقوم مقام (أما) ولا داعي لما يقوم مقام مع إمكان الأصل، والاقتداء إنما يتم بقولنا: "أما بعد".

стр. 31

"عافانا الله وإياكم عافية" هكذا ينبغي للمسلم أن يدعو لنفسه ولإخوانه "عافانا الله وإياكم عافية لا مكروه معها" يعني لا مكروه يصاحبها، يعني مع هذه العافية لا تقترن بمكروه، بل هي عافية صافية، لكن هذا لا يكون في الدنيا، إنما العافية التي لا مكروه معها إنما هي في الجنة، أما الدنيا لا بد فيها من الكدر، ولا بد فيها من المصائب ((ومن يرد الله به خيراً يصب منه)). ومكلف الأيام ضد طباعها ... متطلب في الماء جذوة نارِ فالمكروه لا بد منه في هذه الدنيا، وإلا لما كان للجنة مزية، لو كانت العافية في الدنيا التي لا مكروه معها موجودة ما كان للجنة مزية "ولا عقاب بعدها" يعني بعد هذه العافية، وبعد تمام المدة، وبعد قبض الروح لا عقاب بعدها. "فإنكم سألتم أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب السنن أهي أصح ما عرفت في الباب؟ " الكلام تام وإلا ناقص؟ يكفي أن يقال: أهي أصح ما عرفت في الباب أو نحتاج أن نقول: أم لا؟ السؤال: تام؟ نعم؟ المعنى واضح ما فيه إشكال، لكن هل من لازم السؤال بالهمزة أن يؤتى بعدها بأم أم ليس من لازمها ذلك؟ أما إذا كانت همزة التسوية، أو همزة قائمة مقام أي، أي الأمرين كذا؟ فلا بد من (أم) والعطف بعدها بـ (أم). و (أم) بها اعطف إثر همز التسويه ... أو همزةٍ عن لفظ (أي) مغنيه وهنا همزة الاستفهام ليست للتسوية ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ [(٦) سورة البقرة] فلا يحتاج إليها والكلام تام هنا. "أهي أصح ما عرفت في الباب، ووقفت على جميع ما ذكرتم، فاعلموا: أنه كذلك" التأكيد كله كذلك الآن الكاف هذه جارة وإلا ليست جارة؟ لو قال: فاعلموا أن ذلك كلَه صحيح، نعم؟ والكاف هذه من أصل الكلمة وإلا زائدة حرف جر؟ طالب:. . . . . . . . . نعم؟ يعني تجر الإشارة، لو قال: إن ذلك كَلَه، أو نقول: كذلك كلِهِ؟ أو هي من أصل الكلمة؟ ﴿كَذَلِكَ كُنتُم﴾ [(٩٤) سورة النساء] نعم؟ هل هي مثل كذا وكذا؟ من أصل الكلمة، أو هي حرف جر يجر الإشارة؟ فنقول: إنه كذلك كلِهِ؟ طالب:. . . . . . . . . نعم؟ طالب:. . . . . . . . . يعني جارة داخلة على الإشارة، هذا الذي يظهر.

стр. 32

"إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين فأحدهما أقوم إسناداً، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك" وهنا كلام كثير جداً في أقوم وأقدم، وخلاف بين النسخ، ويترتب عليه فهم المعنى "فأحدهما أقوم إسناداً، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك" على هذه الكتابة على هذا المثبت يقول: إلا أن يكون -يعني الحديث- قد روي من وجهين صحيحين، فأحدهما أقوم إسناداً -يعني أرجح وأقوى إسناداً- والآخر صاحبه أقدم، والقدم يترتب عليه العلو، فعندنا إسناد راجح وإسناد صحيح، لكنه مرجوح وهو أعلى من الإسناد الأول، الراجح نازل، والمرجوح عالي، وكلاهما صحيح. على هذا الفهم يستقيم الكلام إذا قال: أقوم، يعني أقوى إسناداً، والآخر صاحبه أقدم، يعني أعلى في الحفظ، أقدم في الحفظ، يعني صاحبه الراوي الذي اخترته وإن كان مرجوحاً إلا أنه أقدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك، كتبت الأعلى وأعرضت عن النازل، وإن كان أقوى وأصح. "ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث" إذا نظرنا إلى أحاديث سنن أبي داود فأعلى ما فيها، أعلى ما في البخاري الثلاثيات، وفيه اثنان وعشرون حديثاً ثلاثياً، ومسلم أعلى ما فيه الرباعيات، ما فيه ثلاثيات، عوالي مسلم كلها رباعيات، توجد ثلاثيات عند ابن ماجه، لكن سنن أبي داود فيها ثلاثيات وإلا لا؟ طالب: رباعيات.

стр. 33

فيها رباعيات، لكن حديث أبي برزة في الحوض ظاهره أنه ثلاثي؛ لأنه وصل إلى أبي برزة من طريق اثنين، فهو إما ثلاثي، أو في حكم الثلاثي؛ لأن أبا برزة دخل على الوالي، دخل على الأمير وتحدث معه بحديث أساء فيه الأدب: "إن محمديكم هذا الدحداح" يلمز الصحابي بصحبته للنبي ﵊، ثم بعد ذلك حدثه بحديث الحوض، فلما خرجوا من المجلس، من السماط كما قال في الحديث، ذكر رجل أن أبا برزة حدث بحديث الحوض، فصارت الواسطة بين أبي داود وبين النبي ﵊ في حديث الحوض في القصة القصة ثلاثية، ما فيها إشكال، لكن في الحديث الذي هو المقصود فيه أيضاً دخل هذه الواسطة الذي لم يسم، حدثني رجل كان معهم في السماط أنه قال كذا، فمن نظر إلى القصة بظاهرها، قال: إنها ثلاثة، فهي ثلاثية، ولذلك قال بعضهم: إن في سنن أبي داود حديث ثلاثي، ونفى آخرون أن فيه حديثاً ثلاثياً، وكلامهم كلهم يدور على هذا الحديث، وقد يقول قائل: كيف يختلف في حديث أنه ثلاثي أو رباعي والعدد موجودة؟ كل إنسان يستطيع العد؟ فهذا السبب، القصة ثلاثية، والخبر المرفوع الذي هو المقصود حديث الحوض، دخل فيه هذا الرجل المبهم، فهو رباعي. وعلى هذا أعلى ما في سنن أبي داود الرباعيات. يقول: "ولا أرى في كتابي هذا عشرة أحاديث" هل يستطيع عالم أو طالب علم بارع، يستطيع أن يستخرج لنا هذه العشرة الأحاديث؟ تستطيع الآلات أن تخرج لنا هذه الأحاديث العشرة؟ طالب: وين نلقى الأقوم؟ ويش درينا؟ هذا جمع طرق .... عنده، عنده. طالب: .... قد يكون الأقوم عنده غير أقوم عند غيره، وأنت ما أنت بتحاكم إلى كلامه هو، فهذه لا يمكن الوصول إليها، بينما إذا قلنا: إن في صحيح مسلم أربعة أحاديث يرويها الإمام البخاري أنزل من مسلم، يرويها الإمام مسلم عن طريق رجل، والبخاري يرويها عن طريق رجل عن ذلك الرجل، هذه نستطيع الحصول عليها؟ سهل، يعني الذي له عناية في الصحيحين، ويقيد الفوائد يجدها، والذي بعد له خبرة بالآلات، ويعرف كيف يستخدمها يمكن يستخرجها. طالب:. . . . . . . . .

стр. 34

لا لا في عوالي مسلم، عوالي مسلم تذكر، المقصود أن مثل هذه العشرة أكاد أجزم أنه لا يمكن ولا يستطاع، ولو حفظت سنن أبي داود، لو شخص يستظهر سنن أبي داود لن يستطيع أن يستخرج هذه الأحاديث، لكن من له معرفة بالطرق، وله معرفة خاصة بهذا الكتاب، ويعرف أقوال أبي داود المنقولة عنه نعم يمكن أن يصل إلى شيء من ذلك، ولذا الآلات لا تخدم في مثل هذا. طالب:. . . . . . . . . إيه يرجع إلى القوة، لكن أنت تجمع طريق تجمع طرق ذكرها أبو داود، وطرق لم يذكرها، وتوازن بين هذه وهذه فتنظر أيهما أقوم عنده، لا عند غيره. طالب: على شرطه هو. عنده هو. قال ﵀: "ولم أكتب في الباب إلا حديث" نعود إلى الطبعة الثانية من الكتاب في الجملة السابقة، يقول: "فاعلموا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روي من وجهين صحيحين، فأحدهما أقدم إسناداً، والآخر صاحبه أقوم في الحفظ". طالب: انقلبت. انقلبت المسألة. طالب: العكس. "والآخر صاحبه أقوم في الحفظ فربما كتبت ذلك". طالب: يعني نزول عن علو، عكس. هنا يكتب إيش؟ طالب: الأعلى. لا، هو على النسخة الأولى يكتب الأعلى، وهنا يكتب النازل، هذا هو الأصل أن يكتب النازل إذا كان أقوم وأصح، هذا الأصل، فلماذا يقول: فربما كتبت ذلك؟ ربما للتقليل، فكونه يكتب النازل لأنه أقوى وأصح هذا هو الأصل، وعند أهل العلم نظافة الأسانيد أولى من العلو، نظافة الأسانيد مع النزول أولى عندهم من العلو مع كون الأسانيد أقل. "فربما كتبت ذلك" لا داعي لأن يكتب (ربما) هنا، ولا داعي أن ينبه على مثل هذا لأن هذا هو الأصل. طالب: الأرحج؟ نعم؟ طالب: الأرجح بين النسختين؟ عندي أن الراجح هو الأول. طالب: في النسخ ... نسخة الصباغ أرجح. هنا يعلق المحقق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة يقول: في مخطوطة الظاهرية: "أقوم إسناداً، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ" هذا في نسخة الظاهرية، وهو الذي اعتمده الصباغ، وفي نسخة الحافظ السيوطي: "أحدهما أقوم إسناداً، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ". طالب: على ما. . . . . . . . . الأول.

стр. 35

نفسه، وأثبته الكوثري تبعاً لما جاء في فتح المغيث: أقدم إسناداً، والآخر صاحبه قُدم في الحفظ، وجاء في شروط الأئمة الخمسة للحازمي نقلاً عن رسالة أبي داود: "أحدهما أقدم إسناداً، والآخر صاحبه أقوم في الحفظ" وكذا هو في المخطوطة ... إلى آخره، فأثبته كذلك، لكن المعنى يؤيد ما أثبته الصباغ؛ لأنه جاء بـ (ربما) التي تدل على التقليل، ولم يعدل عن الجادة المسلوكة عند أهل العلم إلا نادراً، ويريد أن يبين أنه على الجادة يقدم الأقوى، وإن كان أنزل، لكنه ربما خالف هذه الجادة، فـ (ربما) إنما تأتي في المخالفة لا على ما كان على الجادة. طالب: يا شيخ في نسخة. . . . . . . . . "إلا أن يكون قد روي من وجهين، أحدهما أقوى إسناداً، والآخر صاحبه أقدم في الحفظ، فربما كتبت ذلك" توافق كلام الصباغ، توافق كلامه. "ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث" ثم قال بعد ذلك: "ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حديثين" أبو داود يحفظ أكثر من نصف مليون حديث، وباستطاعته أن يكتب في كل باب عشرات الأحاديث؛ بإمكانه أن يكتب في كل باب عشرات الأحاديث؛ لأنه يحفظ أكثر من خمسمائة ألف حديث. "ولم أكتب في الباب إلا حديثاً أو حدثين، وإن كان في الباب أحاديث صحاح فإنه يكثر" يعني الكتاب يكثر تكثر أحاديثه، ويكبر حجمه، ويصعب اقتناؤه، ويصعب حفظه ومعاناته "وإنما أردت قرب منفعته" يعني هل معانات طلاب العلم في لسنن أبي داود مثل معاناتهم لسنن البيهقي؟ لا؛ لأن هذا أخصر، وأقل أحاديث، وإمامة أبي داود ليست مثل إمامة البيهقي، وإن كان كل منهما إمام، لكن هذا أقدم، وهو أصل البيهقي ينقل كثير الأحاديث من طريقه، وصرح جمع من أهل العلم أن سنن أبي داود تكفي المجتهد، يعني إذا أراد أن يجتهد في الأحكام يكفيه سنن أبي داود، والغزالي في المستصفى قال: ويضم إليه سنن البيهقي، يعني بكل سهولة يقول: يضم إليه سنن البيهقي، وهو أكثر من خمسة أضعافه.

стр. 36

اختصره واقتصر على حديث أو حديثين لئلا يطول الكتاب فيهجر، طلاب العلم يصعب عليهم اقتناؤه، وتصعب عليهم قراءته والإحاطة به، ولذا يوصى طالب العلم في البداية أن يتدرج، فيقرأ في المختصرات التي يمكنه الإحاطة بها، ثم يتدرج إلى ما فوقها، الأكبر فالأكبر. "وإنما أردت قرب منفعته" هو اختصر من خمسمائة ألف حديث هذه الأحاديث الأربعة آلاف وثمانمائة، يعني كم نسبتها إلى خمسمائة؟ الخمسة من خمسمائة؟ طالب: واحد بالمائة. واحد بالمائة، يعني لو تصورنا أن هذا الكتاب المطبوع في مجلدات، ثلاثة أو أربعة أو خمسة أحياناً يضرب في مائة، كم يكون الحجم؟ يكون دون تحصيله خرط القتاد، ودون الإحاطة ومطالعته العمر يفنى قبل تمامه، وأنتم تعرفون أن أعظم مشروع في الكمبيوتر يجمع السنة فيه قريب مما يحفظه أبو داود، يعني قريب من خمسمائة ألف حديث بطرقها وألفاظها، فشخص واحد يحفظ ما تحفظه هذه الآلات، مع أنه شخص مع حفظه يتصرف ويوازن ويستنبط، وهذه الآلات جامدةٌ. طالب: ويبوب. نعم، يستنبط، يستنبط، أهم شيء الاستنباط، ويوفق بين النصوص، ويوازن بينها. طالب: يقال: من كان في بيته سنن أبي داود فكأن في بيته فقيه. لا، هذاك يقال في سنن الترمذي، ونقلت في سنن أبي داود، أنه من كانت في بيته سنن الترمذي فكأنما في بيته نبي يتكلم. طالب: لا فقيه قالوا: يتكلم .... نبي يتكلم. طالب: لا حقت أبي داود .... أبو داود قالوا: من اقتصر على القرآن مع سنن أبي داود يكفيه عن كل شيء؛ مع أن هذا الكلام كله فيه ما فيه، وأبو زرعة لما عرض عليه سنن ابن ماجه قال: لو علم به محمد بن إسماعيل لأتلف كتابه، كل هذا من باب التشجيع، يعني باب التشجيع على التأليف، وإلا حتى أبو زرعة ما يعتقد ولا يدين الله بأن سنن ابن ماجه أفضل من صحيح البخاري، لكن يقال مثل هذا لطلاب العلم من أجل التشجيع. . . . . . . . . . اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد. قال ﵀: "وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه" يعني يشتمل الحديث المكرر على زيادة في الفائدة، وقد تكون هذه الزيادة في المتن، وهذا هو الكثير والغالب عند أبي داود، وقد تكون في الإسناد.

стр. 37

"فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث" فيخرج الحديث كاملاً من أجل هذه الكلمة، أنتم تلاحظون في أحاديث أبي داود أنه يسوقها كاملة، ولا يقتصر على جملة من الحديث؛ لأنه لا يحتاج إلى باقي الحديث كما يصنع الإمام البخاري ﵀، بل طريقة أبي داود قريبة من طريقة مسلم، إنما يسوق الحديث بتمامه، ولا يقتصر على الجملة التي يريدها من الحديث كصنيع الإمام البخاري؛ لأن مسلماً ﵀ وأبا داود وجل من صنف في السنة جلهم إذا كرروا الحديث كرروه في موضعه، ما يكرروه في موضع آخر، بخلاف الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- فإن الحديث الواحد المشتمل على عشر جمل يترجم عليه -رحمه الله تعالى- بعشر تراجم، تشمل جميع أبواب الدين، أو جل أبواب الدين، أو ما يدخل فيه الحديث من أبواب الدين، فتجده يورد الحديث في كتاب الإيمان، ويقتصر منه على جملة، ويورده في كتاب الصلاة مثلاً، يقتصر على جملة منه، ويورده في البيوع، ويقتصر على جملة منه، ويورده في المغازي، ويقتصر على جملة ... وهكذا إلى آخر الكتاب، وقد يورد الكتاب في عشرين موضعاً؛ لأنه استنبط منه عشرين حكماً، فلو كرر الحديث كاملاً في عشرين موضعاً لطال الكتاب، وقد ترك الإمام البخاري من الأحاديث الصحاح الشيء الكثير؛ لأنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح، كما أنه يحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح، فلو حشد جميع ما يحفظه لطال الكتاب. يقول: "وما تركت من الصحاح أكثر خشية أن يطول الكتاب" فطريقة أبي داود تقارب طريقة الإمام مسلم، لكن الإمام مسلم قد يسوق الإسناد، ولا يذكر المتن، فيقول بمثله، بنحوه، يعني مثل المتن الذي تقدمه، ونحو المتن الذي تقدمه، ونستطيع أن نصل إلى اللفظ الذي طواه الإمام مسلم، واقتصر على إسناده بمراجعة كتب السنة الأخرى. طالب: تحفة الأشراف. لا تحفة الأشراف قد .. ، هي تحيلنا على هذه الكتب. طالب: المستخرجات.

стр. 38

المستخرجات يستفاد منها، وكتب السنة الأخرى التي تروي الحديث من نفس الطريق الذي ذكره الإمام مسلم، وطوى المتن، ويستفاد أيضاً من الكتب المتأخرة التي تروي الأحاديث بواسطة الأئمة كالبيهقي والبغوي؛ لأنه قد يروي الحديث من طريق مسلم ويذكر المتن، فيكون وقف عليه ولو لم يذكره مسلم، وكفانا المؤونة، وهذه لا شك أن البحث عنها أمر مهم في صحيح مسلم. "وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث" زيادة، وفي بعض النسخ: زائدة على الأحاديث "وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبت بطوله لم يعلم بعض من سمعه المراد منه، ولا يفهم الموضع الفقهي منه، فاختصرته لذلك" ربما اختصرت الحديث الطويل يعني سمة سنن أبي داود يعني سوق الحديث وافي، لا أقل كامل بطوله، وإنما يذكر الحديث لا يقتصر على جملة منه، إنما يذكر منه ما يحتاج إليه، وقد يكون فيه زيادة على ما يحتاج إليه، لكن هو يختصر، فالحديث الطويل جداً يختصره، لماذا؟ لأنه يشتت القارئ، بعض الناس إذا سقت له حديثاً بطوله، وهو يريد منه فائدة معينة، أو ترجمت بترجمة بحكم شرعي، وذكرت تحتها حديثًا طويلاً فالطالب أحياناً تمر عليه هذه الفائدة من طول الخبر وهو لا يشعر، فلا يستطيع الربط بين الحديث والترجمة. فمثلاً حديث بريرة بطوله، أو حديث قصة الإفك بطوله، أو الأحاديث الطوال، العلماء يستنبطون من بعض الأحاديث أكثر من مائة فائدة، لكن طالب العلم قد لا يصل إلى المقصود أو محل الاستشهاد لهذه الفائدة من هذا الحديث لطوله، بعض الناس يشتت ولا يستوعب، وقل مثل هذا في الدروس التي يحصل فيها استطرادات مثلاً، بعض الطلاب لا يستطيع أن يلم أطراف الحديث، فيستفيد منه الفائدة المرجوة، بينما إذا قيل له: الكلام بقدر الحاجة تجده يحصره ويضبطه ويتقنه، لذلك فأبو داود اختصر الأحاديث خشية أن يتشتت القارئ.

стр. 39

"وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم ما سمعه المراد منه" لأنه لا بد أن يوقف على المراد من الخبر، فإذا كان الحديث مختصر بقدر الترجمة يعني الربط سهل، لكن إذا كانت الترجمة بحكم واحد، ثم بعد ذلك سيق الحديث بطوله في عشر جمل أو عشرين جملة، فإن الطالب لا يدري الرابط بين هذه الترجمة وبين أي الجمل، قد يفوته ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك، يعني تيسيراً على الطالب وعدم تشتيت ذهن الطالب مقصود لأبي داود ﵀. وأما الكلام في المراسيل -إن شاء الله- يأتي لأنه يحتاج إلى شيء من البسط. يقول: هذا لو بحثتم في تأخير هذا الدرس شرح رسالة أبي داود لأهل مكة إلى العشاء؛ لأنه أفضل للأئمة في المساجد والمؤذنين. على كل حال نحن نتأخر في الدرس مدة يستطيع بها إمام المسجد أن يصل إلى الدرس -إن شاء الله تعالى-، وأما بالنسبة لصلاة العشاء فلا بد أن ينيب عنه من .. ، أو يخرج قبل الإقامة لغرض صحيح؛ لأنه وراءه جماعة ممكن هذا، مع أن الخروج بعد الأذان معصية، لكن إذا كان الخروج لهدف أو لقصد راجح، لسبب راجح لا بأس -إن شاء الله تعالى-. يقول: ما حكم قصة الشعر للمرأة بقصد التجمل لزوجها، نرجو التوضيح؟ قلنا لكم في مسألة القص في درس مضى، في أي درس؟ نعم؟ في أي درس؟ في هذا الدرس؟ طالب:. . . . . . . . . نعم؟ أو في درس مسلم؟ قلنا: إن نساء النبي ﵊ أخذن من شعورهن بعد وفاته ﵊ حتى صارت كالوفرة، وبعض الناس يمنع هذه القصة لحديث معاوية في الصحيح: ((إنما هلك بنو إسرائيل حينما اتخذ نساؤهم القصة)) ويخطئ في هذا لأن المراد بالقص المذكور في الصحيح في حديث معاوية المراد بها الزيادة في الشعر، كما ترجم على ذلك الإمام البخاري: باب ما جاء في وصل الشعر، وأما القص والأخذ من الشعر إذا سلم من التشبه بالكفار أو بالرجال، وقُصد به التزين للزوج فلا مانع منه -إن شاء الله تعالى-.

стр. 40

هذا يريد تعليق على هذا الكلام: يقول أحد المحدثين: فهذا العالم بالحديث المبدع فيه، وبالأخص كالإمام البخاري وأحمد والسفيانين وشعبة وعلي بن المديني ويحيى بن معين ومسلم والنسائي وأبي داود والترمذي والدارقطني وأمثال هؤلاء يدركون ما لا يدركه غيرهم، وكلما كان طالب العلم أكثر قراءة لكلام هؤلاء، وأحفظ لكلام هؤلاء كان علمه وتعليله وفهمه ألصق بهم من غيره، والذين يقرؤون الآن في المصطلحات المتأخرة كمقدمة ابن الصلاح أو بعض مؤلفات الحافظ ابن حجر أو كتب العراقي كالألفية أو ألفية السيوطي هؤلاء يحصل عندهم من الخلل في التطبيق العملي والنظري ما لا يحصل عند من لا يدمن القراءة مثلاً في كتب ابن رجب، أو كتب ابن عبد الهادي، أو كتب الأئمة المتقدمين، وليس معنى هذا أن مؤلفات هؤلاء الأئمة كابن الحجر وابن الصلاح لا تقرأ، كلا، فهي تقرأ، ويستفاد منها، وهم أئمة لهم قدرهم ومكانتهم، ولا خير في رجل لا يعرف فضل هؤلاء، ولكن هؤلاء الأئمة لهم تفردات في علم المصطلح لم يقل بها أحد من أئمة السلف، ولهم آراء نقلها بعضهم عن بعض دون تحقيق ودون تمحيص تؤثر على الأمور العملية في التصحيح والتضعيف، وليست مأخوذة عن أئمة السلف.
следующие страницы →