Полный текст (82 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
اختصره واقتصر على حديث أو حديثين لئلا يطول الكتاب فيهجر، طلاب العلم يصعب عليهم اقتناؤه، وتصعب عليهم قراءته والإحاطة به، ولذا يوصى طالب العلم في البداية أن يتدرج، فيقرأ في المختصرات التي يمكنه الإحاطة بها، ثم يتدرج إلى ما فوقها، الأكبر فالأكبر.
"وإنما أردت قرب منفعته" هو اختصر من خمسمائة ألف حديث هذه الأحاديث الأربعة آلاف وثمانمائة، يعني كم نسبتها إلى خمسمائة؟ الخمسة من خمسمائة؟
طالب: واحد بالمائة.
واحد بالمائة، يعني لو تصورنا أن هذا الكتاب المطبوع في مجلدات، ثلاثة أو أربعة أو خمسة أحياناً يضرب في مائة، كم يكون الحجم؟ يكون دون تحصيله خرط القتاد، ودون الإحاطة ومطالعته العمر يفنى قبل تمامه، وأنتم تعرفون أن أعظم مشروع في الكمبيوتر يجمع السنة فيه قريب مما يحفظه أبو داود، يعني قريب من خمسمائة ألف حديث بطرقها وألفاظها، فشخص واحد يحفظ ما تحفظه هذه الآلات، مع أنه شخص مع حفظه يتصرف ويوازن ويستنبط، وهذه الآلات جامدةٌ.
طالب: ويبوب.
نعم، يستنبط، يستنبط، أهم شيء الاستنباط، ويوفق بين النصوص، ويوازن بينها.
طالب: يقال: من كان في بيته سنن أبي داود فكأن في بيته فقيه.
لا، هذاك يقال في سنن الترمذي، ونقلت في سنن أبي داود، أنه من كانت في بيته سنن الترمذي فكأنما في بيته نبي يتكلم.
طالب: لا فقيه قالوا: يتكلم ....
نبي يتكلم.
طالب: لا حقت أبي داود ....
أبو داود قالوا: من اقتصر على القرآن مع سنن أبي داود يكفيه عن كل شيء؛ مع أن هذا الكلام كله فيه ما فيه، وأبو زرعة لما عرض عليه سنن ابن ماجه قال: لو علم به محمد بن إسماعيل لأتلف كتابه، كل هذا من باب التشجيع، يعني باب التشجيع على التأليف، وإلا حتى أبو زرعة ما يعتقد ولا يدين الله بأن سنن ابن ماجه أفضل من صحيح البخاري، لكن يقال مثل هذا لطلاب العلم من أجل التشجيع.
. . . . . . . . .
اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد.
قال ﵀: "وإذا أعدت الحديث في الباب من وجهين أو ثلاثة فإنما هو من زيادة كلام فيه" يعني يشتمل الحديث المكرر على زيادة في الفائدة، وقد تكون هذه الزيادة في المتن، وهذا هو الكثير والغالب عند أبي داود، وقد تكون في الإسناد.
стр. 37
"فإنما هو من زيادة كلام فيه، وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث" فيخرج الحديث كاملاً من أجل هذه الكلمة، أنتم تلاحظون في أحاديث أبي داود أنه يسوقها كاملة، ولا يقتصر على جملة من الحديث؛ لأنه لا يحتاج إلى باقي الحديث كما يصنع الإمام البخاري ﵀، بل طريقة أبي داود قريبة من طريقة مسلم، إنما يسوق الحديث بتمامه، ولا يقتصر على الجملة التي يريدها من الحديث كصنيع الإمام البخاري؛ لأن مسلماً ﵀ وأبا داود وجل من صنف في السنة جلهم إذا كرروا الحديث كرروه في موضعه، ما يكرروه في موضع آخر، بخلاف الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- فإن الحديث الواحد المشتمل على عشر جمل يترجم عليه -رحمه الله تعالى- بعشر تراجم، تشمل جميع أبواب الدين، أو جل أبواب الدين، أو ما يدخل فيه الحديث من أبواب الدين، فتجده يورد الحديث في كتاب الإيمان، ويقتصر منه على جملة، ويورده في كتاب الصلاة مثلاً، يقتصر على جملة منه، ويورده في البيوع، ويقتصر على جملة منه، ويورده في المغازي، ويقتصر على جملة ... وهكذا إلى آخر الكتاب، وقد يورد الكتاب في عشرين موضعاً؛ لأنه استنبط منه عشرين حكماً، فلو كرر الحديث كاملاً في عشرين موضعاً لطال الكتاب، وقد ترك الإمام البخاري من الأحاديث الصحاح الشيء الكثير؛ لأنه يحفظ مائة ألف حديث صحيح، كما أنه يحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح، فلو حشد جميع ما يحفظه لطال الكتاب.
يقول: "وما تركت من الصحاح أكثر خشية أن يطول الكتاب" فطريقة أبي داود تقارب طريقة الإمام مسلم، لكن الإمام مسلم قد يسوق الإسناد، ولا يذكر المتن، فيقول بمثله، بنحوه، يعني مثل المتن الذي تقدمه، ونحو المتن الذي تقدمه، ونستطيع أن نصل إلى اللفظ الذي طواه الإمام مسلم، واقتصر على إسناده بمراجعة كتب السنة الأخرى.
طالب: تحفة الأشراف.
لا تحفة الأشراف قد .. ، هي تحيلنا على هذه الكتب.
طالب: المستخرجات.
стр. 38
المستخرجات يستفاد منها، وكتب السنة الأخرى التي تروي الحديث من نفس الطريق الذي ذكره الإمام مسلم، وطوى المتن، ويستفاد أيضاً من الكتب المتأخرة التي تروي الأحاديث بواسطة الأئمة كالبيهقي والبغوي؛ لأنه قد يروي الحديث من طريق مسلم ويذكر المتن، فيكون وقف عليه ولو لم يذكره مسلم، وكفانا المؤونة، وهذه لا شك أن البحث عنها أمر مهم في صحيح مسلم.
"وربما تكون فيه كلمة زيادة على الأحاديث" زيادة، وفي بعض النسخ: زائدة على الأحاديث "وربما اختصرت الحديث الطويل؛ لأني لو كتبت بطوله لم يعلم بعض من سمعه المراد منه، ولا يفهم الموضع الفقهي منه، فاختصرته لذلك" ربما اختصرت الحديث الطويل يعني سمة سنن أبي داود يعني سوق الحديث وافي، لا أقل كامل بطوله، وإنما يذكر الحديث لا يقتصر على جملة منه، إنما يذكر منه ما يحتاج إليه، وقد يكون فيه زيادة على ما يحتاج إليه، لكن هو يختصر، فالحديث الطويل جداً يختصره، لماذا؟ لأنه يشتت القارئ، بعض الناس إذا سقت له حديثاً بطوله، وهو يريد منه فائدة معينة، أو ترجمت بترجمة بحكم شرعي، وذكرت تحتها حديثًا طويلاً فالطالب أحياناً تمر عليه هذه الفائدة من طول الخبر وهو لا يشعر، فلا يستطيع الربط بين الحديث والترجمة.
فمثلاً حديث بريرة بطوله، أو حديث قصة الإفك بطوله، أو الأحاديث الطوال، العلماء يستنبطون من بعض الأحاديث أكثر من مائة فائدة، لكن طالب العلم قد لا يصل إلى المقصود أو محل الاستشهاد لهذه الفائدة من هذا الحديث لطوله، بعض الناس يشتت ولا يستوعب، وقل مثل هذا في الدروس التي يحصل فيها استطرادات مثلاً، بعض الطلاب لا يستطيع أن يلم أطراف الحديث، فيستفيد منه الفائدة المرجوة، بينما إذا قيل له: الكلام بقدر الحاجة تجده يحصره ويضبطه ويتقنه، لذلك فأبو داود اختصر الأحاديث خشية أن يتشتت القارئ.
стр. 39
"وربما اختصرت الحديث الطويل لأني لو كتبته بطوله لم يعلم ما سمعه المراد منه" لأنه لا بد أن يوقف على المراد من الخبر، فإذا كان الحديث مختصر بقدر الترجمة يعني الربط سهل، لكن إذا كانت الترجمة بحكم واحد، ثم بعد ذلك سيق الحديث بطوله في عشر جمل أو عشرين جملة، فإن الطالب لا يدري الرابط بين هذه الترجمة وبين أي الجمل، قد يفوته ولا يفهم موضع الفقه منه، فاختصرته لذلك، يعني تيسيراً على الطالب وعدم تشتيت ذهن الطالب مقصود لأبي داود ﵀.
وأما الكلام في المراسيل -إن شاء الله- يأتي لأنه يحتاج إلى شيء من البسط.
يقول: هذا لو بحثتم في تأخير هذا الدرس شرح رسالة أبي داود لأهل مكة إلى العشاء؛ لأنه أفضل للأئمة في المساجد والمؤذنين.
على كل حال نحن نتأخر في الدرس مدة يستطيع بها إمام المسجد أن يصل إلى الدرس -إن شاء الله تعالى-، وأما بالنسبة لصلاة العشاء فلا بد أن ينيب عنه من .. ، أو يخرج قبل الإقامة لغرض صحيح؛ لأنه وراءه جماعة ممكن هذا، مع أن الخروج بعد الأذان معصية، لكن إذا كان الخروج لهدف أو لقصد راجح، لسبب راجح لا بأس -إن شاء الله تعالى-.
يقول: ما حكم قصة الشعر للمرأة بقصد التجمل لزوجها، نرجو التوضيح؟
قلنا لكم في مسألة القص في درس مضى، في أي درس؟ نعم؟ في أي درس؟ في هذا الدرس؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم؟
أو في درس مسلم؟
قلنا: إن نساء النبي ﵊ أخذن من شعورهن بعد وفاته ﵊ حتى صارت كالوفرة، وبعض الناس يمنع هذه القصة لحديث معاوية في الصحيح: ((إنما هلك بنو إسرائيل حينما اتخذ نساؤهم القصة)) ويخطئ في هذا لأن المراد بالقص المذكور في الصحيح في حديث معاوية المراد بها الزيادة في الشعر، كما ترجم على ذلك الإمام البخاري: باب ما جاء في وصل الشعر، وأما القص والأخذ من الشعر إذا سلم من التشبه بالكفار أو بالرجال، وقُصد به التزين للزوج فلا مانع منه -إن شاء الله تعالى-.
стр. 40
هذا يريد تعليق على هذا الكلام: يقول أحد المحدثين: فهذا العالم بالحديث المبدع فيه، وبالأخص كالإمام البخاري وأحمد والسفيانين وشعبة وعلي بن المديني ويحيى بن معين ومسلم والنسائي وأبي داود والترمذي والدارقطني وأمثال هؤلاء يدركون ما لا يدركه غيرهم، وكلما كان طالب العلم أكثر قراءة لكلام هؤلاء، وأحفظ لكلام هؤلاء كان علمه وتعليله وفهمه ألصق بهم من غيره، والذين يقرؤون الآن في المصطلحات المتأخرة كمقدمة ابن الصلاح أو بعض مؤلفات الحافظ ابن حجر أو كتب العراقي كالألفية أو ألفية السيوطي هؤلاء يحصل عندهم من الخلل في التطبيق العملي والنظري ما لا يحصل عند من لا يدمن القراءة مثلاً في كتب ابن رجب، أو كتب ابن عبد الهادي، أو كتب الأئمة المتقدمين، وليس معنى هذا أن مؤلفات هؤلاء الأئمة كابن الحجر وابن الصلاح لا تقرأ، كلا، فهي تقرأ، ويستفاد منها، وهم أئمة لهم قدرهم ومكانتهم، ولا خير في رجل لا يعرف فضل هؤلاء، ولكن هؤلاء الأئمة لهم تفردات في علم المصطلح لم يقل بها أحد من أئمة السلف، ولهم آراء نقلها بعضهم عن بعض دون تحقيق ودون تمحيص تؤثر على الأمور العملية في التصحيح والتضعيف، وليست مأخوذة عن أئمة السلف.
стр. 41
هذا الكلام يمكن أن يوجه إلى فئة من طلاب العلم، لكن لا يوجه إلى الجميع، طالب العلم المبتدئ لا بد أن يتخرج على قواعد المتأخرين، ولا يمكن أن يلحق بالمتقدمين وعلم المتقدمين، وإن كانوا هم الأصل، والمتأخرون عالة عليهم، فإذا تخرج طالب العلم على قواعد المتأخرين، وعرف كيف يجمع الطرق، ويدرس الأسانيد، ويوازن بينها بعد معرفة القواعد النظرية التي قررها المتأخرون، إذا أكثر من ذلك عليه أن يديم النظر في أحكام الأئمة، ويحصل له من الملكة ما حصل لهم، فلا خلاف بيننا وبين الإخوة مثل هذا الكاتب، ما بيننا وبينهم خلاف، إلا أن المبتدئ إلحاقه بالمتقدمين، وإدامة النظر في كلام المتقدمين أشبه ما يكون بالتضييع، تضييع له، لا بد أن يتخرج على قواعد المتأخرين على الطرق المعروفة المعتبرة وعلى الجواد التي سلكها أهل العلم، ثم إذا تأهل بعد إدامة النظر في القواعد والتطبيق العملي من خلال جمع الطرق، وتخريج الأحاديث، ودراسة الأسانيد، إذا تأهل لذلك هذا فرضه؛ لأن المتأخرين عالة على المتقدمين، وسبق أن نظرّنا مراراً مثل هذا العمل بالتفقه، في بداية الأمر يتفقه طالب العلم إذا كان مبتدئاً يتفقه على طريقة إمام من الأئمة، في مذهب معين، على متن معين، ثم بعد ذلك يخرج عن ربقة التقليد بالتدريج، يستدل لهذه المسائل، يوازن بين أقوال الأئمة، وينظر في أدلتهم، وينظر في الراجح والمرجوح، ثم بعد ذلك يخلع ربقة التقليد، ويكون فرضه الاجتهاد، أما إذا طولب بالاجتهاد والتفقه من الكتاب والسنة في أول الأمر، من أول وهلة فلا شك أن هذا تضييع له، لا يدرك شيئاً، وقلنا: إن بعضهم حاول أن يجتهد من الكتاب والسنة قبل أن يعرف الفقه عن طريق الأئمة، فمر به باب الأمر بقتل الكلاب، فأخذ المسدس وكل كلب يعطيه رصاصة، هذا درس اليوم، درس الغد باب ما جاء في نسخ الأمر بقتل الكلاب، مثل هذا يصلح أن يتفقه من الكتاب والسنة؟
طالب:. . . . . . . . .
هذا يصلح أن يتفقه من الكتاب والسنة؟ نعم، إذا أحاط أو تفقه على الجادة المعروفة عند أهل العلم فرضه الاجتهاد، ولا يجوز تقليد الرجال، لكن هو في بداية الأمر، في بداية الطريق حكمه حكم العامي، فرضه التقليد، وسؤال أهل العلم.
стр. 42
طالب: لأن طريقة المتقدمين مبنية على السبر، من يحسن السبر؟
إذا وازن المتقدمين في النظرة الشاملة لأحاديث الباب، وتأهل لذلك، وتكون لديه من القرائن ما يستطيع به أن يحكم على الأحاديث هذا فرضه.
يقول: يذكر أبو داود في بعض الأبواب أكثر من حديثين، بل في باب الغيبة ذكر تسعة أحاديث، فنرجو الإفادة؟
لا شك أن كلامه هنا يذكر حديثاً أو حديثين يعني في الغالب، وقد يزيد حسب الحاجة.
يقول: ما رأيكم في هذه المنهجية لطالب علم مبتدئ في هذه الصيفية في القراءة: صفة الصلاة للألباني الطبعة الجديدة في ثلاثة مجلدات، فتح المجيد، الروضة الندية شرح الدرر البهية، الباعث الحديث شرح مختصر علوم الحديث، هل ترون أنها مفيد لهذا الطالب؟
نقول: الطالب المبتدئ عليه أن يبدأ بصغار العلم قبل كباره، فيبدأ بالمتون الصغيرة، فإذا حفظها، وقرأ عليها الشروح، وحضر فيها الدروس، وسمع الأشرطة، وفرغ عليها ينتقل إلى ما بعدها، على الجادة المعروفة عند أهل العلم، فإذا أتم الدرجات المقررة عند أهل العلم مبتدئين متوسطين منتهين متقدمين عليه أن يقرأ ما شاء بعد ذلك.
إن كانت امرأة الحمل والولادة يضران بحياتها، وفي كل مرة تلد يخبرها الأطباء أنها ممكن أن تموت، فقررت الربط بعد أن أقنعها الأطباء، والربط هو منع الحمل للأبد؛ لكونها لا تستطيع أن تأخذ موانع الحمل فربطت؟ ما الحكم؟
إذا كانت تتضرر، وأخبرها الأطباء الثقات أهل الخبرة والدراية أن حياتها في خطر، حياتها مهددة، احتمال أن تموت فلها أن تفعل ذلك؛ لأن حياتها أهم من حياة الولد.
يقول: العمر قصير، والأحاديث كبيرة، فكيف نستطيع أن نوفق بين حفظ الأحاديث، وبين فهم الأحاديث وتفقهها؟
المسألة تحتاج إلى تسديد ومقاربة، فاجعل وقتاً للحفظ، ووقت للتفقه، وبذلك تستفيد؛ لأن الطريقة التي شرحناها في كيفية التفقه من كتب السنة لا شك أنها تحتاج إلى وقت، ولكنها في غاية الإفادة؛ يعني مجرد الحفظ لا يكفي، فعلى الإنسان أن يحفظ من المتون المجردة على طريقة الإخوان، والدورات المكثفة نافعة جداً، هذه الدورات نافعة، فعليه أن يحفظ، وعليه أيضاً أن يتفقه، ويعاني الفقه من كتب الأئمة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 43
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: رسالة أبي داود لأهل مكة (٣)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا يسأل يقول: حديث: ((الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة))؟
هذا إن كان يقصد حديث: ((الأئمة من قريش)) هذا حديث صحيح، مخرج في الصحيح وغيره ((الأئمة من قريش)) هذا لا إشكال فيه، وأما باللفظ الذي ذكره بخصوص القضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة، يقول: أخرجه أبو داود، لا أعلم درجته الآن، لكن: ((الأئمة من قريش)) حديث صحيح، مستفيض ومصحح، ومخرج في الصحيح وغيره.
يقول: وعلام يدل عليه من السائل؟
كيف من السائل؟
أما دلالته فهي ظاهرة، وهي أن الخلافة لا تخرج عن قريش في حال الاختيار؛ لأنه لو رشحت الأمة أحد ترشح من قريش؛ لأن الأئمة لا بد أن يكونوا من قريش، أما في حال الإجبار والغلبة والقهر فلو تولى عبد حبشي لا بد من السمع والطاعة، فأياً كان من أي جنس كان يجب السمع له والطاعة، وتثبت ولايته، ولا يجوز الخروج عليه.
الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى في رحله، ثم أتى إلى المسجد والناس يصلون، هل هو للوجوب أو للاستحباب؟
هو للاستحباب؛ لأنه صرح في الحديث: ((فإنها لك نافلة)) والنافلة مستحبة.
الأمر الثاني أنه إذا أداها بشروطها وأركانها وواجباتها خرج من عهدة الواجب بيقين، ثم تكون الإعادة بعد ذلك نفلاً؛ إذ لم يوجب الله -جل وعلا- في يوم صلاة في وقت واحد مرتين.
يقول: ذكرتم اليوم في درس سنن ابن ماجه أن الأحاديث التي في خارج الصحيحين أكثر من التي في الصحيحين، وكذلك الأحكام، سؤالي: كيف يوجه كلام الإمام مسلم في قوله: لو كتب أهل الحديث مائتي سنة، لم يخرجوا عن كتابي؟
كل يقول هذا، وليس معنى هذا أنه يعجب بكتابه العجب المذموم، ولكن من أجل الإغراء بكتابه، يغري طلاب العلم بكتابه؛ ليثبت له أجر من يستفيد منه، وهذه يصنعها كثير من أهل العلم، لا للإعجاب بكتبهم وآرائهم، يفعلها ابن قيم كثيراً في مبحث التوبة مثلاً من مدارك السالكين قال: فاظفر بهذا، فإنك لن تجده في مصنف آخر ألبتة، هل نقول: إن ابن القيم أعجبه ما كتب، وأراد أن يمن به على الناس.
طالب: مقدمة الزاد.
стр. 44
المقصود كتبه فيها كثير من هذا، لكن يريد بذلك أن يغري طالب العلم بالعناية بهذه المباحث ليستفيد منها ثم بعد ذلك يثبت له أجرها.
يقول: أسأل عن كتاب: (كرامات الأولياء) لمحمد بن أحمد بن شافع الجيلي، هل طبع؟ ولو طبع فما هي أكثر طبعاته؟
أنا لا أعرف هذا الكتاب، وطُبع في طبقات الأولياء، وفي كراماتهم كتب، جلها غلو، وفي كثير من المواضيع منها الشرك الأكبر، وادعاء أن مثل هؤلاء الأولياء يتصرفون في الكون، وطبقات الشعراني وغيرها شاهدة على هذا.
هذا يقول: هل يمكن أن يكون الدرس الأسبوع القادم بدل هذه الرسالة مقدمات الشاطبي في الموافقات، ويكون موعدها العصر؛ لأنه أطول ... ؟
الشاطبي، الموافقات، الآن قطعنا فيه شوطاً كبيراً، أكثر من الثلث، من ثلث الكتاب، وهو مسجل ومعروف، وإعادته مقدمات أو انتقاء أو اختيارات هذه لا تفيد في العلم.
هذا من الجزائر يقول: ظهر عندنا مقال بعنوان: نصيحة أخوية لأحد الدعاة من عندكم، يقرر فيه أنه يجوز التنازل عن أصول الدين لمصلحة الدعوة، وأيضاً يقرر فيه أنه إذا قيل: إن تارك جنس العمل مؤمن ناقص الإيمان، لا يقال عنه: إنه قد وافق المرجئة، فيما توجيهكم؟
أولاً: التنازل عن أصول الدين لا يملكها لا زيد ولا عمرو، الدين ليس ملكًا لأحد يستطيع أن يتنازل عنه، فإن تنازل عن شيء منه، إن تنازل عن واجب أثم، وفسق بذلك، وإن تسامح وارتكب محظوراً فالأمر كذلك، وإن تساهل في مستحب فالأمر أسهل، وإن تساهل في ركن من أركان الإسلام فالأمر أشد وأعظم، وليس له أن يتنازل، هذا بالنسبة لنفسه يتحمل المسئولية، أما أن يجعل الناس يتنازلون، إذا تنازلوا عن واجب، أو ارتكبوا محظوراً فعليه إثمهم.
يقول: أيضاً يقرر فيه أنه إذا قيل: إن تارك جنس العمل مؤمن ناقص الإيمان لا يقال عنه: إنه قد وافق المرجئة، إذاً ما الفرق بين مذاهب الأئمة الثلاثة وبين مذهب أبي حنيفة؟
стр. 45
شيخ الإسلام ابن تيمية قرر في الإيمان له أن جنس العمل شرط في صحة الإيمان، جنس العمل لا مفرداته، جنسه شرط، ولذلك يجعلون تعريف الإيمان المعرف بأجزائه وأركانه أنه قول واعتقاد وعمل، ولو قلنا: بأن جنس العمل ليس بشرط، أو أن تارك جنس العمل لا يخرج عن دائرة الإيمان ما كان لاشتراط العمل عند سلف هذه الأمة، والتأكيد عليه ما صار له قيمة.
طالب: يا شيخ الله يحفظك سؤاله الأول الذي ذكرت هذه الآن صارت ظاهرة، يقول. . . . . . . . .
التنازل عن أصول الدين؟
طالب: من أجل الدعوة.
لا، لا، الدعوة إذا لم تكن على المنهج السليم، على ما كان عليه النبي ﵊ وأصحابه، لكن يدعو إلى إيش؟ ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [(١٠٨) سورة يوسف] الذي لا يتبع الرسول على هذه السبيل ﵊ لا يدعو يا أخي.
طالب: لكن هذه مبرراتهم ...
لا، لا أبداً، قد تقتضي مصلحة الدعوة التنازل عن شيء بالنسبة لأناس معينين، من باب التأليف حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، هذا له وجه، أما أن يتنازل على أصول الدين، ويدعو على غير سبيل النبي ﵊ وسبيل المؤمنين هذا لا وجه له ألبتة.
طالب: أحسن الله إليك، الاستدلال بأن العمل شرط في الإيمان، بقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ﴾ [(١٣٦) سورة النساء] فطلبهم بـ (آمنوا) وخاطبهم بمطالبة الإيمان.
على كل حال هذا قول عامة أهل السنة، أن العمل لا بد منه، وجعلوه ركن وجزء من تعريف الإيمان، والذي يقول هذا الكلام لا يستطيع أن يحرر الفرق بين مذهب الأئمة الثلاثة، ومذهب أبي حنيفة الموصوف بإرجاء الفقهاء.
يقول: ما قولكم في كتاب: في ظلال القرآن؟ هل تنصحوننا بقراءته مع العلم أننا نقرأ كتب سلفنا الصالح كتفسير ابن كثير وغيرهم؟
стр. 46
ألزم كتب السلف الصالح النقية التي لا خلط فيها، وأما الكتب التي تشتمل على شيء من البدع كتفسير الزمخشري أو تفسير الرازي أو في ظلال القرآن وغيرها من كتب المتقدمين والمتأخرين قد يوجد فيها فوائد، لا ينكر أن في تفسير الزمخشري فوائد من الناحية اللغوية والبلاغية والبيانية، نعم، لكن فيه السم، واعتزالياته استخرجت بالمناقيش، وأيضاً تفسير الرازي ضرره عظيم، وبالغ على الأمة، منظر للبدعة، ويورد من الشبهات ما يجعل القلوب تشربها، ثم بعد ذلك يضعف في الرد عليها، وقل مثل هذا في التفاسير المشتملة على البدعة، وهذا الكتاب أيضاً المذكور فيه شيء من البدع، وفيه شيء ممن يخالف سلف الأمة، فعلى طالب العلم أن يلزم كتب أهل العلم الموثقين المحققين للتوحيد.
يقول: أرض المحيط الهندي البريطانية، ما المقصود بإرضاع الكبير؟
الكبير المراد به من تجاوز السنتين؛ لأن جمهور أهل العلم لا يرون للرضاع أثر إلا في الحولين.
فإذا تجاوز ذلك ما حكم مرضعيه؟
جمهور أهل العلم على أنه لا يحرم، لا يحرم إذا أكمل السنتين، هذا قول الجمهور، ما كان في الحولين فهو يحرم، وما عدا ذلك فلا، في قصة سالم مولى أبي حذيفة لما احتيج له أذن النبي ﵊ أن يرضع وهو كبير، لكن عامة أهل العلم على أن هذه قضية عين خاصة لا تتعدى إلى غيره، ومذهب عائشة ﵂ الأخذ بعمومه، وأن ما جاز لهم يجوز لغيرهم، وشيخ الإسلام يربط ذلك بالحاجة، فمن دعته الحاجة إلى مثل ذلك فليفعل، يعني كالحاجة إلى سالم مولى أبي حذيفة، لكن عامة أهل العلم على خلاف هذا القول.
يقول: يسأل سؤالي عن طبعة تفسير القرطبي الجديدة عن دار عالم الكتب، هل هي المصرية؟
стр. 47
لا، ليست المصرية، عالم الكتب ليست دار الكتب المصرية؛ لأن دار الكتب المصرية انتهت، يعني من أربعين سنة، أو أكثر من أربعين سنة، لا وجود لها، يعني خلفها دار الكتب المصرية خلفت الأميرية ببولاق، يعني حلت محلها، ودار الكتب انقرضت وألغيت، وحل محلها .. ، سموها فيما بعد دار الكتب والوثائق القومية، ثم بعد ذلك الهيئة العامة للكتاب حلت محلها، وطبعات دار الكتب المصرية طبعات متقنة ومحررة، وفيها لجان علمية تصحح، وأيضاً الكتاب هذا على وجه الخصوص مخدوم خدمة بالغة، وفيه الإحالات على ما تقدم وما يلحق.
يقول: هل هي المصرية؟
لا، ليست هي المصرية.
يقول: لأنهم يذكرون الإحالات، وإن لم أحصل على المصرية؟
إن لم تحصل على المصرية فهذه تكفيك -إن شاء الله تعالى-.
سم.
أحسن الله إليك.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء، واغفر للسامعين يا حي يا قيوم.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-:
وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره -رضوان الله عليهم-، فإذا لم يكن مسند ضد المراسيل، ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة، وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره.
стр. 48
وهذه الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك، ولا في كتاب وكيع إلا الشيء اليسير، وعامته في كتاب هؤلاء مراسيل، وفي كتاب السنن من موطأ مالك بن أنس شيء صالح، وكذلك من مصنفات حماد بن سلمة وعبد الرزاق، وليس ثلث هذه الكتب فيما أحسبه في كتبهم جميعهم، أعني مصنفات مالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الرزاق، وقد ألفته نسقاً على ما وقع عندي، فإن ذكر لك عن النبي ﷺ سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديث واه، إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق؛ لأنه يكبر على المتعلم، ولا أعرف أحداً جمع على الاستقصاء غيري، وكان الحسن بن علي الخلال قد جمع منه قدر تسعمائة حديث، وذكر أن ابن المبارك قال: السنن عن النبي ﷺ نحو تسعمائة حديث، فقيل له: إن أبا يوسف قال: هي ألف ومائة، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ بتلك الهنات من هنا ومن هنا نحو الأحاديث الضعيفة، وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، وهذا لو وضعه غيري لقلت: أنا فيه أكثر.
يكفي.
الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فيقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
"وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والأوزاعي، حتى جاء الشافعي فتكلم فيها، وتابعه على ذلك الإمام أحمد بن حنبل".
أولاً: المراسيل يختلف في تعريفها، فكل ما فيه انقطاع سواء كان في أول الإسناد من مبادئه، أو في نهايته، أو في أثنائه يسمى مرسل عند قوم، وذلك حينما يقولون: أرسله فلان، وأسنده فلان، فيطلق بمقابلة المتصل، ويطلق أيضاً على ما سقط منه صحابيه، ورفعه التابعي إلى النبي ﵊، سواء كان هذا التابعي صغيراً أو متوسطاً أو كبيراً، وخصه بعضهم بما يرفعه التابعي الكبير إلى النبي ﵊:
مرفوع تابع على المشهورِ ... فمرسل أو قيده بالكبيرِ
أو سقط راوٍ منه ذو أقوالِ ... والأول الأكثر. . . . . . . . .
стр. 49
المقصود أن ما يرفعه التابعي إلى النبي ﵊ فهو مرسل، وأما الخلاف في حكمه فلا شك أن المرسل يقابل المتصل، والاتصال شرط لصحة الخبر، فإذا انقطع سنده من أي موضع على القول الأول أو من آخره من الجهة التي فيها الصحابي فرفعه إلى النبي ﵊، من لم يلقه ممن ليس بصحابي تابعي سواء كان كبيراً أو صغيراً، أو على القول الأخير مرفوع التابعي الكبير، كله فيه سقط من السند، تخلف فيه شرط الاتصال، فمن يشترط الاتصال يقول بضعف المراسيل.
وإذا نظرنا في صنيع الأئمة الكبار وجدناهم يقبلون المراسيل في القرن الأول والثاني، ولذا نقل ابن عبد البر في مقدمة التمهيد عن الطبري أن التابعين بأسرهم يحتجون بالمراسيل، ونقل ابن عبد البر في مقدمة التمهيد أيضاً أن سعيد بن المسيب لا يقبلها، فهل يرد مثل سعيد الذي لا يقبل المراسيل وهو رأس التابعين عند جمع من أهل العلم يرد على كلام الطبري أو لا يرد عليه؟ الطبري ينقل الاتفاق، ينقل الإجماع على أن التابعين يقبلون المراسيل، نعم؟
طالب: ما يرد.
ما يرد، لماذا؟
طالب: لأن الطبري إذا حكى الإجماع يقصد به الأكثر.
نعم، الإجماع عند الطبري هو قول الأكثر، وتفسيره مملوء مما يدل على هذا، تجده يأتي بالخلاف فيقول: اختلف القرأة في كذا، فيذكر فقرأ فلان وفلان وفلان وفلان يذكر عدد، ثم يذكر من خالفهم واحد مثلاً، ثم يقول: والصواب من ذلك عندنا كذا لإجماع القرأة على ذلك، هو ذكر الخلاف، ولكن المخالف واحد أو عدد يسير في مقابل العدد الكثير، فالإجماع عنده قول الأكثر، فلا يرد عليه سعيد ﵀، وإن كان رأس التابعين.
التابعون بأسرهم يقبلون المراسيل، وذكر أيضاً أن ابن عبد البر في مقدمة التمهيد أنه لا يُعرف الخلاف بين أهل العلم في قبول المراسيل إلى رأس المائتين، يقصد بذلك إلى مجيء الإمام الشافعي، والشافعي له رأي في المراسيل، لا يردها جزماً ولا يقبلها مطلقاً، بل بشروط، يقبلها بشروط، يقبلها بأربعة شروط، منها، من هذه الشروط:
стр. 50
أن يكون الخبر المرسل له شاهد يزكيه من آية، أو مرسل آخر يرويه غير رجال الأول، أو حديث مسند أو يفتي به عوام أهل العلم، هذه تجعل المرسل مقبولاً عند الإمام الشافعي.
ويشترط في المرسل في راويه الذي أرسله أن يكون من كبار التابعين، وأن يكون من الحفظ والضبط والإتقان بحيث إذا شركه أحد من الحفاظ لم يخالفه، وأن يكون إذا سمى من أرسل عنه لم يسمي -كذا في الرسالة-، والرسالة مضبوطة ومتقنة، والشيخ أحمد شاكر من أهل الضبط والإتقان، واعتمد نسخة الربيع، يعني لا يقال: خطأ، وإن كان الأصل الدارج في اللغة عند أهل العلم: لم يسم، بحذف الياء؛ لأنه يجزم بحذف الياء معتل، والإمام الشافعي إمام حجة في اللغة، لا يستدرك عليه بأقوال غيره، وأهل العلم يذكرون اختياراته اللغوية، في كتب المصطلح يقولون: مؤتصل لغة الإمام الشافعي؛ لأنه نص عليها، وأكثر منها في الرسالة وفي الأم، يعني بدل ما يقول: متصل كما يقول الناس، يقول: مؤتصل، وأشار ابن الحاجب في شافيته التي في الصرف قال: مؤتعد ومؤتسر لغة الإمام الشافعي، فهو إمام حجة، يعني يحتج به، وتذكر أقواله في مصاف الكبار مثل سيبويه والكسائي وغيرهم، فلا يقال: لم يسم، يأتي .. ، يهجم عليها طالب من الطلاب فيكتب: لم يسم، بدون ياء بكسرة، ويكتب صح، يصوب على الإمام الشافعي، نعم لو تداولها النساخ لقلنا: إن هذا خطأ من النساخ، لكن الشيخ أحمد شاكر يطبع من نسخة الربيع مباشرة، بخط الربيع يعني ما في واسطة، فمثل هذا الرسالة للإمام الشافعي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر أنموذج للتحقيق الرائد، يعني من أراد أن يحقق يتلمس عمل الشيخ أحمد شاكر في هذا الكتاب، أتقنه وضبطه وحرره.
نعود إلى شروط الإمام الشافعي، وأن يكون هذا الراوي مرسل عرفنا من أن يكون من كبار التابعين، وأن يكون إذا شرك أحداً من الحفاظ لم يخالفه إلا بنقص يسير، وأن يكون إذا سمى لم يسمي أحداً مرغوباً في الرواية عنه، يعني لا يروي إلا عن ثقة، لا يرسل إلا عن ثقة، هذه الشروط التي اشترطها الإمام الشافعي إذا عرفنا هذا وأن الخلاف لا يعرف إلى أن جاء الشافعي فاشترط هذه الشروط، فمن قبل الشافعي كمالك وأبي حنيفة يحتجون بالمراسيل.
стр. 51
ولذا يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
واحتج مالك كذا النعمانُ ... به وتابعوهما ودانوا
مالك وأبو حنيفة يحتجون بالمراسيل.
واحتج مالك كذا النعمانُ ... به وتابعوهما ودانوا
لأنهم قبل الشافعي، عاد جعلوا الحد الفاصل رأس المائتين الإمام الشافعي، من جاء بعد الشافعي شدد في قبول المراسيل كالإمام أحمد ومن بعده، فجعلوها من قسم الضعيف، هل لتأخر الزمن أثر في قبول المراسيل؟ يعني كما هو التدرج الحاصل الآن، المتقدمون يقبلون المراسيل، الشافعي وضع شروط، من جاء بعده جعلها من قسم ضعيف وردها، يقول العراقي ﵀ وتعالى-:
ورده -يعني المرسل-.
ورده جماهر النقاد ... للجهل بالساقط في الإسنادِ
وصاحب التمهيد عنهم نقله ... ومسلم صدر الكتاب أصله
لأن مسلم في كتابه يقول ينقل عن لسان خصمه ويقره: "والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة".
وصاحب التمهيد عنهم نقله ... . . . . . . . . .
عن الجمهور، عن جماهير النقاد.
. . . . . . . . . ... ومسلم صدر الكتاب أصله
يعني أصل هذا القول وثبته ونقله عن غيره وأقره، للجهل بالساقط بالإسناد الحجة ظاهرة في الرد، لكن إذا رأينا التدرج الزمني في القبول والرد رأينا المتقدمين يقبلون المراسيل، والمتأخرين يردون المراسيل، هل لتأخر الزمن أثر في الرد والقبول؟ هل لتغير أحوال الناس وكثرة من يرد حديثه أثر في رد المراسيل؟ نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
له أثر؟
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، قد يكون جمعت الروايات أكثر، والطرق عرفت أكثر، فعرف أن بعض المرسلين ....
يعني ماذا عن استدلالات الأئمة مالك نجم السنة حينما يستدل بحديث مرسل؟ هل نقول: إن بإمكان المالكية من يجتهد منهم ويقف على طرق يعرف أن هذا المرسل أرسل عن ضعيف يرد قول إمامه؟ يتمكن؟ مالك نجم السنن، أنا أريد أن أبين شيء، وهو أن تأخر الزمن لا أثر له في الحكم؛ لأن المحذوف صحابي أو تابعي، المحذوف حينما يرفع التابعي الخبر إلى النبي ﵊ خلونا عن المعنى الدقيق للمرسل، فهل تغير وضع المحذوف مع تغير الزمن؟ نعم؟
طالب: ما تغير.
ما تغير وضعه؛ وضع المحذوف، ما تغير وضعه هو هو، يعني ممن تقادم العهد بهم.
стр. 52
قد يقول قائل: هذا التابعي الذي رفع الحديث إلى النبي ﵊ الغالب أنه رواه عن صحابي، والصحابة كلهم عدول، فلا يضر عدم ذكرهم، لا تضر الجهالة بهم، ولذا لو قيل: حدثني رجل صحب النبي -عليه الصلاة السلام-، لا كلام لأحد؛ لأن الصحابة كلهم عدول، والتابعي إذا رفع الخبر إلى النبي ﵊ الذي يغلب على الظن أنه حذف صحابي، لكن وجد من تصرفات التابعين حذف بعض التابعين.
وقد يحذف أكثر من واحد من التابعين، فقد يكون الإسناد مشتملاً على تابعي واحد، وهذا كثير عن صحابي، وقد يكون مشتملاً على تابعيين، وقد يكون مشتملاً على ثلاثة، يعني على نسق في طبقة واحدة، ثلاثة يروي بعضهم عن بعض، وقد يكون مشتملاً على أربعة أو خمسة وهذا قليل، أو ستة وهو نادر، يعني ستة من التابعين يروي بعضهم عن بعض على نسق واحد هذا في حديث يتعلق بسورة الإخلاص في فضل سورة الإخلاص، وأنها تعدل ثلث القرآن، وهو مخرج عند النسائي، والنسائي يقول: هذا أطول إسناد في الدنيا؛ لأنه في طبقة واحدة ستة من الرواة، وللخطيب البغدادي فيه جزء مطبوع، ستة من التابعين يروي بعضهم، لو أن الأخير منهم السادس حذف الخمسة، فإذا طالت الأسانيد وكثرت لا شك أن الوهم والخلل يتطرق إليها أكثر من احتمال الخلل المتطرق إلى ما قلت أسانيده، ولذا أهل العلم يفضلون العلو على النزول، وهذا الحديث نازل، نازل جداً، فلو حذف الخمسة أو حذف الأربعة أو حذف الثلاثة، احتمال أن يكون فيهم من فيه كلام، فالتابعي ما دام هذا الاحتمال موجوداً أنه حذف مع الصحابي تابعي والتابعين ليسوا مثل الصحابة كلهم عدول، يحتمل أن يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون قوياً، ولهذا الاحتمال رده جماهير النقاد للجهل بالساقط بالإسناد.
стр. 53
وأبو داود ﵀ يقول: "وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى مثل سفيان الثوري" ووفاته سنة مائة وواحد وستين "ومالك بن أنس" ووفاته مائة وتسع وسبعين قبل الشافعي "والأوزاعي" ووفاته سنة سبع وخمسين ومائة "حتى جاء الشافعي" المتوفى سنة أربع ومائتين "فتكلم فيها، واشترط لقبولها شروط -ذكرناها- وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل" والإمام أحمد ﵀ تختلف الرواية عنه في القبول والرد، وعلى كل حال هو يصنف المراسيل من قبيل الضعيف، فإذا قبل الضعيف في بعض المواضع فيصح أن يقال: إنه يقبل المراسيل في هذه المواضع، والمعروف عن الإمام أحمد أنه لا يقبل الضعيف في الأحكام؛ لأنه إذا روى في الأحكام شدد، وإذا روى في الفضائل تساهل، يقبل الضعيف في الفضائل دون الأحكام، وشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- يرى أن الضعيف المذكور في كلام الإمام أحمد؛ لأن شيخ الإسلام لا يرى العمل بالضعيف مطلقاً، ويريد أن يكون كلامه غير مخالف لكلام الإمام أحمد، يقول: إن مراد الإمام أحمد بالضعيف هنا ما قصر عن الصحيح وهو الحسن في عرف المتأخرين، ويقول: إن الحسن لا يعرف قبل الترمذي، فالإمام أحمد يريد بالضعيف هذا الحسن الذي قصر عن رتبة الصحيح، وكلام الشيخ -رحمه الله تعالى- على إمامته وجلالة قدره فيه ما فيه؛ لأن الحسن عرف قبل الترمذي، عرف في طبقة شيوخه وشيوخ شيوخه، وأيضاً حمل كلام الإمام أحمد على الحسن يفهم منه أن الإمام أحمد لا يحتج بالحسن في الأحكام، إنما يحتج بها في الفضائل، يعني إذا أتينا بكلام الإمام أحمد وأبدلنا كلمة الضعيف في كلامه أبدلناها بالحسن، وقلنا: إنه إذا روى في الأحكام شدد، وإذا روى في الفضائل خفف فقبل الحسن، إذًا هو لا يقبل حسن في الأحكام، وهذا لا يعرف عن الإمام ﵀؛ فالقبول معروف عنده لا يختلف فيه، وإن لم يسم الحديث حسناً، لكن ما دام في حيز القبول، ولو نزل عن رتبة الصحيح فإنه مقبول عنده في الأحكام، وبعض الناس ينقل اتفاق الفقهاء على العمل بالضعيف، ينقل الاتفاق عن العلماء على العمل بالضعيف حتى في الأحكام، ويقول: إن كتب الفقه مشحونة بالأحاديث الضعيفة، لكن يلزم عليه أن بعض الفقهاء يعمل بالموضوعات
стр. 54
إذا قلنا بهذا لأن بعض كتب الفقه فيها موضوعات؛ لأنهم لم يتفرغوا لهذا الشأن، فلا عبرة بوجود الخبر في كتبهم، إنما العبرة بما ينطقون به وينقلونه عن أئمتهم.
النووي -رحمه الله تعالى- ينقل الاتفاق في مقدمة الأربعين وفي الأذكار اتفاق أهل العلم على العمل بالضعيف في الفضائل، مع أن الخلاف معروف ومأثور، وهو مقتضى صنيع البخاري ومسلم، وأبو حاتم لا يحتج بالحسن فضلاً عن الضعيف، فهل يقال: هناك اتفاق مع وجود هذا الخلاف؟ سئل عن راوٍ فقال: حسن الحديث، قيل: تحتج به؟ قال: لا، أتحتج به؟ قال: لا، فالمعروف من مذهبه أنه لا يحتج بالحسن فضلاً عن الضعيف، فالخلاف في قبول الضعيف حتى في الفضائل معروف عند أهل العلم.
بعض العلماء يبالغ فيقول: إن المرسل أقوى من المسند، وهذا نسبه ابن عبد البر في مقدمة التمهيد إلى من شذ، ولا شك أنه قول شاذ، وعلته واهية، يقول: إن من أسند قد ضمن، ضمن لك أن من حذفه ثقة؛ لأنه لو لم يكن ثقة لكان غاشاً للأمة، والمسألة مفترضة في راوٍ ثقة يرسل، والثقة لا يتصور منه أن يغش، من أرسل فقد ضمن، ومن أسند فقد ألقى عليك بالتبعة، يعني ابحث أنت، وضمانه خير من بحثك، لكنها حجة وعلة عليلة، لا يستند إليها، ولا يعول عليها، لكن الذي استقر عليه العمل هو عدم قبول المراسيل.
فإذا لم يكن مسند ضد المراسيل ولم يوجد المسند، أي ما يوجد مسند يخالف هذا المرسل؛ ولا يوجد في الباب مسند غير هذا المرسل، فالمرسل يحتج به، يعني يحتج بالمرسل إذا لم يجد في الباب غيره، بل يحتج بالضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وهو أيضاً مأثور عن الإمام أحمد، رواية عن الإمام أحمد أنه يقول: يحتج بالضعيف إذا لم يكن في الباب غيره.
ويذكر عن أبي حنيفة أنه أقوى من رأي الرجال، ينقله الحنفية عن إمامهم، يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة، المرسل ليس مثل المتصل خلافاً لمن زعم أنه يفوقه أو مثله، وليس الضعيف مثل الصحيح في القوة، فعند التعارض لا تردد في ترجيح المتصل، ولا تردد في ترجيح الصحيح.
стр. 55
أهل العلم من حيث التقعيد قواعدهم مطردة، فتجد من يرد المرسل لا يتردد في هذا في التقعيد، ومن يرد الضعيف مطلقاً يفعل هذا، لكن عند التطبيق تجده قد يستدل بحديث ضعيف، ويغفل عن قاعدته، وقد يكون مع رده للضعيف وتشديده في التقعيد عند التنظير تجده واسع الخطو، الشيخ أحمد شاكر يشدد في قبول الأحاديث الضعيفة، لكن حق له أن يشدد؟ لماذا؟ لأن ما الحديث الذي يضعف عند الشيخ أحمد شاكر، وهو شديد التساهل في توثيق الرواة، وقد وثق جمع فيما حسبت أكثر من عشرين راو الجماهير على تضعيفهم، ويحكم على إسنادهم بالصحة، وفيه ما فيه.
المقصود أن مثل هذا له أن يشدد في القبول؛ لأن الحديث الذي يفلت منه، ويصفه بالضعف لا شك أنه لا يمكن قبوله بحال، بينما جمهور أهل العلم إذا قبلوا الضعيف فإنما يشددون في شروط القبول، وإلا تضيع المسألة، وبعض أهل العلم من تشديده لا يكاد يفلت حديث في غير الصحيحين من التضعيف، ممن يعاني التخريج في الأيام المتأخرة، وأحياناً يقول: الحديث رواه مسلم وراجع الضعيفة، ليش راجع الضعيفة؟ وقد أخرجه الإمام مسلم؟ لا شك مثل هذا تشديد، فعلى الإنسان أن يتوسط في أموره كلها.
طالب: يا شيخ يحتاج أن يربى الطالب على عدم التعرض للصحيحين؟
أنا أنتقد من يقول: الحديث صحيح، ثم يقول: رواه البخاري ومسلم؛ يعني مهما بلغت درجة إمامة من قاله، فإمامة البخاري ومسلم فوقه، وأعظم منه، وصيانة الصحيحين، وتربية المسلمين على احترام الصحيحين وتعظيم الصحيحين في نفوس الناس أمر لا بد منه؛ لأننا إذا تطاولنا على الصحيحين فما دونهما سهل، يعني سهل نسف السنن، سهل، يستدل أحد بحديث سنن أبي داود ويقول له: ضعيف، سهل هذا، ولذلك المستشرقون وأتباع المستشرقين أكثر طعونهم في صحيح البخاري؛ لأنه إذا أسقطوا الصحيح فما دونه
стр. 56
أسهل، فالتطاول عليه أسهل، وإذا أسقطوا من الرواة أبا هريرة فمن دونه أسهل حافظ الأمة، وبإسقاطهم لأبي هريرة تعرفون الحملات التي تشن عليه من قبل المستشرقين، ومن قبل أهل البدع، يطعنون في أبي هريرة، والطعن فيه قديم من أهل البدع؛ لأنهم بطعنهم فيه يرتاحون من جملة كثيرة من السنن، لكن لا يطعنون في راوٍ مقل من الصحابة؛ لأنهم بدلاً أن يطعنوا في أبي هريرة هو شخص واحد، لا بد أن يطعنوا في ألف راو، هذا أريح لهم أن يطعنوا في راو، ويرتاحوا من نصف السنة، أو يطعنوا في صحيح البخاري، أو في البخاري نفسه، ثم بعد ذلك يتطاولون سهل التطاول على ما دونه؛ لأن الذي يعق أباه يسهل عليه أن يقطع رحمه، هذا سهل، هل يلام قاطع الرحم إذا كان عاقاً بوالديه؟ مثل من كان باراً بوالديه يلام على الصلة، فمثل هذه الأمور لا بد من التنبه لها، ويكون الإنسان على حذر من هذه الدعاوى التي تلقى بين حين وآخر.
وتطهير صحيح البخاري، الآن طبع كتاب في مائتي صفحة أو كذا تطهير صحيح البخاري، أو كتاب آخر (تحذير الأمة من افتراءات البخاري) وواحد يقول: تصحيح البخاري، وواحد كذا كتب إيش؟ في اكتساح الأخبار الإسرائيلية في صحيح البخاري، والهجمة موجهة إلى البخاري لأنه إذا سقط البخاري خلاص، فما دونه من باب أولى، فصيانة الصحيحين أمر لا بد من تربية العامة والنشء على هذا أمر لا بد منه.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، هل يقال: إن الحديث الذي أعله الدارقطني وسكت عنه ابن حجر ....
ما سكت أجاب، ولكن الجواب قد يكون فيه ضعف، استدراكات الدارقطني تولى الرد عليها بالنسبة لصحيح مسلم النووي، وبالنسبة لصحيح البخاري ابن حجر وغير ابن حجر من الشراح، لكن قد يكون الاستدراك فيه قوة والرد ضعيف، يعني ما وفق الذي رد لإدراك المحز، فنسف الرد، وإلا فالغالب أن الصواب مع الإمامين.
. . . . . . . . .
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد.
ثم قال -رحمه الله تعالى-:
стр. 57
"وليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء" لكنه -رحمه الله تعالى- خرّج لبعض من وصف بالترك، لمن قيل فيه من قبل بعض الأئمة: متروك، خرج لبعض هذا النوع، ويقول: "ليس في كتاب السنن الذي صنفته عن رجل متروك الحديث شيء" والعبارة نقل مكانها من قبل ابن منده فيما حكاه عن أبي داود أنه قال: "ما ذكرت في كتابي حديثاً أجمع الناس على تركه" وهذه أضيق دائرة؛ لأن هؤلاء المتروكين الذي خرج لهم الإمام أبو داود في سننه لم يجمع الناس على تركهم، وإن قيل في كل واحد منهم: متروك، ويترك حديث الراوي إذا اتهم بالكذب، فحديثه متروك، ومن هذا النوع بعض من خرج لهم أبو داود، لكنهم قلة.
طالب: ولعله عنده يا شيخ.
يعني هذا رأيه، أنه لا يصل إلى حد أن يبلغ متروك.
"وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره" إذًا ما الفائدة من راويته وهو لا يحتج به؟ ليبين الإمام أبو داود أن هذه الترجمة الذي ذكر بها هذا الحديث لا يوجد ما يدل عليها في الصحيح والحسن والضعيف، الضعيف خفيف الضعف، وإنما لا يوجد فيها إلا حديث منكر، وتبعاً لذلك هذا الحكم يبقى أو ينفى؟
طالب: ينفى.
يعني هل من لازم الحكم أن يكون دليله الصريح صحيح؟ أو قد يثبت الحكم بالحديث بغير حديث مثلاً، بقياس أو بقاعدة عامة تتناوله بعمومها؟
طالب: يثبت بغير دليل.
أو بما يسمى بحشد الأدلة والإجلاب عليها، قد يكون مثلاً الاستدلال بهذا الحديث بمفرده لا ينهض على ثبوت الخبر، لكن يثبت هذا الخبر، ويذكر ما يشهد له من القواعد العامة، ومن تبناه من الصحابة والتابعين، ومن أفتى بموجبه من أهل العلم، ولذلك سيأتينا في المصطلح أن من أهل العلم من يقول: إن فتوى العالم على مقتضى حديث تصحيح وقبول للحديث، إذا لم يكن في الباب غيره، وعدم احتجاجه بالخبر تضعيف له، وسيأتي ما في هذه المسألة -إن شاء الله تعالى- في درس الألفية.
стр. 58
"وإذا كان فيه حديث منكر بينت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره" هذا البيان هل بين الإمام أبو داود في كل حديث منكر أنه منكر؟ أو على ما يراه هو تبعاً لوجهة نظره وحكمه على هذا الحديث؟ إن كان منكر عنده بين أنه منكر، وإن لم يكن منكراً عنده لم يبين، ولو كان منكراً عند غيره، ويأتي ما في قوله: "وما كان فيه وهن شديد بينته" وأنه التزم البيان، لكن المطلع على السنن يوجد فيها أحاديث ضعيفة شديدة الضعف لم يبينها، وفيه أحاديث منكرة لم يبينها، فإما أن يقال: إن البيان لا يلزم أن يكون في الكتاب نفسه، بل قد يكون فيما سئل عنه، الأئمة يسألون عن رواة وعن أحاديث ويبينون، من مثل أسئلة الآجري عن أبي داود شيء من هذا، هل نقول: إن البيان خاص بهذا الكتاب يردف كل حديث -هذا الأصل فيه- أن يردف كل حديث منكر يبين أنه منكر؟ الواقع يرد ذلك، في أحاديث منكرة، وفيه أحاديث شديدة الضعف ما بينها.
"وهذه الأحاديث ليس منها في كتاب ابن المبارك" قد يكون بيان الإمام ﵀ لهذه الأحاديث بالنكارة قد يكون ببيانه في حكم راويها، قد يكون بيانه الذي أشار إليه حينما يبين حكم الراوي، إذا قال: منكر الحديث فكأنه قال: هذا الحديث منكر؛ لأنه من راوية هذا الراوي الذي حكم عليه بأنه منكر الحديث، وقد يكون في سؤالات العلماء عنه، وقد يكون فيما نقل عنه بالسند في كتب ألفها غيره، المقصود أن البيان أعم من أن يكون في الكتاب نفسه.
стр. 59
يقول: "وهذه الأحاديث" يعني التي في السنن "ليس منها في كتاب ابن المبارك ولا في كتاب وكيع إلا الشيء اليسير، وعامته في كتاب هؤلاء مراسيل" ليس مما في السنن في كتاب ابن المبارك، ولا في كتاب وكيع إلا الشيء اليسير، يعني في مصنفات ابن المبارك الشاملة للزهد وغيره؛ لأن ابن المبارك اشتهر له وطبع له كتاب الزهد، وأيضاً وكيع له كتاب الزهد، فإن نظرنا إلى كتابي الزهد لهذين الإمامين ليس فيهما من سنن أبي داود إلا الشيء اليسير بالنسبة إلى سنن أبي داود إلا الشيء اليسير، والكلام صحيح، لكن مجموع مؤلفات الإمامين فيهما أحاديث كثيرة، وإن كانت نظرة الإمام أبي داود ﵀ إلى العموم فيما يظهر هو الظاهر؛ لأنه لا يمكن أن يقارن كتاب في الأحكام أربعة آلاف وثمانمائة حديث في الأحكام ليس منها في الزهد إلا الشيء اليسير أن يقارن كتاب متخصص في الزهد، بل لو عكست القضية لكان أولى، ليس في كتاب أبي داود من كتاب ابن المبارك أو وكيع إلا الشيء اليسير، إذا قارنا بما يتفقان فيه وهو الزهد، أما إن نظرنا إلى العموم وهو ما يرويه وكيع، وما يرويه ابن المبارك فكتاب أبي داود أعظم مما يروونه -رحمة الله على الجميع-.
"وعامته في كتاب هؤلاء مراسيل" عامة ما يروونه في كتبهم مراسيل؛ لأنهم في الزمن الذي تقبل فيه المراسيل قبل وجود الإمام الشافعي الذي اشترط لقبول المراسيل شروط، وللإمام أبي داود كتاب خاص في المراسيل، ومطبوع ومتداول مراراً، مطبوع مراراً، ومتناول بين طلاب العلم.
"وفي كتاب السنن من موطأ مالك بن أنس" يعني في قسم الأحكام منه من الموطأ، في قسم الأحكام، يعني غير قسم الفضائل وغير قسم المغازي وغير قسم الجامع، وغيره من الكتب كتب الموطأ وأبوابه التي لا علاقة لها بالأحكام.
"وفي كتاب السنن من موطأ مالك بن أنس شيء صالح" يعني هو يقارن كتابه بكتاب مالك فيما يتفقان فيه وهو السنن والأحكام، ولعله يقارن بين كتابه وكتاب وكيع وابن المبارك فيما يتفقان فيه وهو الزهد، أو على جهة العموم كما ذكرنا.
"وفي كتاب السنن من موطأ مالك بن أنس شيء صالح" يعني قدر كافي ومفيد لطالب العلم، لكنه لا يقتصر عليه، شيء صالح.
стр. 60
"وكذلك من مصنفات حماد بن سلمة وعبد الرزاق فيها أيضاً أحاديث لا توجد عند غيرهما، وليس ثلث هذه الكتب" يعني الكتب التراجم الكبيرة التي أودعها في كتابه، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب ... ، مجموع هذه يقال لها: كتب، وإن كانت مندرجة تحت كتاب: أسماه السنن.
"وليس ثلث هذه الكتب فيما أحسبه في كتب جميعهم" ثلث هذه الكتب يعني ما في كتابه ثلثه، إذا نظرنا إلى كتاب أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ثلث الأربعة آلاف وثمانمائة كم؟
طالب:. . . . . . . . .
هذا الربع.
طالب: ألف وستمائة.
ألف وستمائة، يعني لا يوجد في كتب هؤلاء الذين ذكرهم ألف وستمائة حديث، قد يكون عبد الرزاق أكبر من سنن أبي داود، مصنف عبد الرزاق أكبر، مطبوع في عشرة مجلدات، والحادي عشر لجامع معمر فيما يرويه عبد الرزاق عنه، أكبر من سنن أبي داود، كيف يقول: ما فيه ولا الثلث؟ مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة مملوءة بالآثار، أما الأحاديث المرفوعة فهي أقل.
стр. 61
"وليس ثلث هذه الكتب فيما أحسبه في كتب جميعهم أعني مصنفات مالك بن أنس وحماد بن سلمة وعبد الرزاق" ثم قال: "وقد ألفته نسقاً على ما وقع عندي" يعني ألفته وبالغت في تحريره وتنضيده، وتأليف بين الأبواب المتناسبة على نسق واحد، يورد الأبواب على نسق يتحد فيها، أو يتفق فيها، أو يناسب الباب الأول الثاني والعكس، لكن ترتيب أبي داود لسننه ترتيب غريب، تجده أخر أبواب العبادات عن كثير من أبواب المعاملات، بخلاف ترتيب البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، لما فرغوا من العبادات بدؤوا بالمعاملات، قدم كتاب النكاح مثلاً على الحج، يقول: "ألفته نسقًا على ما وقع عندي" هذا اجتهاده "فإن ذكر لك عن النبي ﷺ سنة ليس مما خرجته فاعلم أنه حديثٌ واهنٌ" يعني شديد الضعف، وهذا الكلام لا شك أن فيه نظر، يصفو من السنن قدر زائد على ما أورده في سننه، قدر زائد كبير فضلاً عن غيرهما، وفي الصحيحين أحاديث لا توجد في سنن أبي داود، في الصحيحين، فكيف يقال: إن هذه الأحاديث التي لا توجد عند أبي داود واهية؟ بل هي في أعلى درجات الصحيح، وأصح مما خرجه أبو داود في سننه، أعني ما في الصحيحين مما لا يوجد في سنن أبي داود، ويصفو من كتب السنة ودواوينها شيء كثير، ولعل هذا على حد علمه واجتهاده ومبالغته في الجمع.
"فإن ذكر لك عن النبي ﷺ سنة ليست مما خرجته فاعلم أنه حديث واهن، إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر" يعني قد يوجد في غير كتابي هذا الحديث من طرق، أو في كتب السنة كلها يوردون هذا الحديث كل من طريقه "لكن تجد في كتابي ما يغني عنه مما أخرجه من طريق آخر، فإني لم أخرج الطرق؛ لأنه يكبر على المتعلم" صحيح لو خرج الطرق لهذه الأحاديث الأربعة آلاف وثمانمائة لبلغت، لو افترضنا أن لكل حديث عشر طرق، أو عشرين طريق، في بعضها مائة طريق، وقد تصل إلا مائة ألف طريق، ولا شك أن مثل هذا يكبر حجمه على المتعلم.
"ولا أعرف أحداً جمع الاستقصاء غيري" هذا يقوله أبو داود مع علمه بصحيح البخاري، ومع علمه بمسند الإمام أحمد شيخه الإمام أحمد، ومع علمه بما جمعه الأئمة مما هو أكبر من مصنفه.
стр. 62
"ولا أعرف أحداً جمع على سبيل طريق الاستقصاء غيري" ولعله يقصد في ذلك أحاديث الأحكام، أحاديث الأحكام نعم جمع فيها ما يغني طالب العلم في أحاديث الأحكام.
"وكان الحسن بن علي الخلال قد جمع منه قدر تسعمائة حديث، وذكر أن ابن المبارك قال: السنن عن النبي ﷺ نحو تسعمائة حديث" يعني نظير ما قالوا في آيات الأحكام أنها خمسمائة، وكثير من الأحكام من الآيات التي تفوق هذا العدد أضعاف يستنبط منها أحكام وآداب، لكن هم يريدون أصول الأحكام.
طالب: هذه اللفظة تأصيل للحديث الموضوعي يا شيخ؟
نعم؟
طالب: هذه اللفظة تأصيل للحديث الموضوعي.
"وذكر أن ابن المبارك قال: السنن عن النبي ﷺ نحو تسعمائة حديث" ولا شك أنها أكثر بكثير، يعني إذا نظرنا إلى المنتقى وفي أحاديث الأحكام أكثر من أربعة آلاف حديث، وفي سننه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، وهنا يقول: تسعمائة، فإن أريد بذلك الأصول التي يستدل بها على غيرها من الأحكام ويمكن أن يستنبط منها أحكام يستغنى بها عن غيرها، ولو على سبيل الإيغال في الدقة في الاستنباط ممكن، يعني يعنى طالب العلم بتسعمائة حديث ويعددها ويستنبط منها، ويذكر جميع ما قيل فيها، يحصل له خير كثير، لكن لا يمكن من أراد أن يستدل لكل مسألة بدليل صريح صحيح فيها لا يمكن أن يستغني بتسعمائة حديث.
"نحو تسعمائة حديث، فقيل له: إن أبا يوسف قال: هي ألف ومائة، قال ابن المبارك: أبو يوسف يأخذ بتلك الهنات" يعني التي فيها كلام لأهل العلم "من هنا ومن هنا نحو الأحاديث الضعيفة" يعني قد يخرج عن دائرة المقبول إلى الأحاديث الضعيفة، وإذا خرج الإنسان إلى دائرة القبول وأوغل في ذلك وصلت الأحاديث عنده إلى ألوف مؤلفة، وعلى كل حال هذا على حسب علمه واطلاعه واجتهاده، وهذا من باب الإغراء بكتابه ليفاد منه من قبل طلبة العلم، فيكون له أجر من استفاد منه إلى يوم القيامة.
"وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته" هذا -إن شاء الله- في الدرس القادم.
اللهم صل على محمد.
طالب: قوله: الاستقصاء ذكر المحقق تحته نسأل الله المغفرة.
إيه، لكن كأنه فهم من كلامه أنه معجب، والعجب آفة لا شك أنه آفة:
стр. 63
والعجب فاحذره إن العجب مجترفٌ ... أعمال صاحبه في سيله العرمِ
وهذا يشم منها رائحة العجب، لكن لا يظن بهذا الإمام وأمثاله أنهم يصلون إلى درجة الإعجاب الممنوع.
طالب: بالنسبة. . . . . . . . . ترتيب الحديث. . . . . . . . .
يعني يحبر القراءة، لكن ما يقرأه على الطريقة التي يقرأ بها القرآن الكريم، لا يشبه كلام البشر بكلام الله، بأحكام التجويد من المدود والغنة وغيرها، لا، لكن إذا حبره وحسنه ونشط السامع بهذا الصوت الجميل، ما يلام، ما فيه إشكال -إن شاء الله تعالى-.
طالب: يا شيخ أحسن الله إليك الرسالة. . . . . . . . . اللي موجودة هنا اللي هي تحقيق أحمد شاكر ....
إيه موجود إيه، مجلد كبير، مطبعة الحلبي. . . . . . . . .
стр. 64
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شرح: رسالة أبي داود لأهل مكة (٤)
الشيخ: عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يقول: مر بنا حديث ابن مغفل وصنيعه مع ابن أخيه، وسؤالي: ألا ترى أنه في زماننا هذا لو صنع أحدنا ذلك مع أحد أقربائه بسبب ذنب فعله، وخاصة إذا كانوا صغاراً، ألا ترى ربما يكون ضرره أكبر من نفعه، وربما أظهرت المتدين بين أقربائه بأنه غليظ القلب، فنفر الناس عنه، ولو قطع الأب العلاقة مع ابنه فلا يكلمه فإن رفقاء السوء سوف يتلقفونه، ويبدون له الشفقة والرحمة، ما رأيكم في ذلك؟ وما هو التعامل السليم في مثل هذه المواقف؟
ذكرنا مراراً أن الهجر شرعي، وأنه علاج، لكن إذا كان يترتب عليه مفسدة أعظم منه فالصلة أولى منه، إذا كان يترتب على الهجر مفسدة، لو هجر الابن، أو طرد من البيت كما كان يُفعل قبل عشرين وثلاثين سنة الأمر ممكن يكون هذا علاج، وكان الشباب الصغار إذا هُجروا وطردوا من البيت رجعوا نادمين تائبين، ملتمسين من آبائهم العفو عنهم، وأما الآن لو طرد الواحد منهم ولو كان صغير السن لوجد من يأويه، ووجد من يفتح له أبواب الشرور، ما لا يخطر على باله، فكان أهل العلم إذا سئلوا عن شخص، إذا سأله أب عن ولده الذي يتساهل في الصلاة، وقد لا يصلي مع الجماعة، وقد يترك أحيانًا لا يتردد في قوله: اطرده هذا لا خير فيه، وكان هذا العلاج في ذلك الوقت له مردود إيجابي، ما هناك شلل ولا هناك اجتماعات، ولا هناك استراحات يجتمع فيها بعض الشباب على مخدرات، وعلى خناء وعلى فجور وعلى قنوات، لا، أما الآن فالهجر بهذه الطريقة قد يكون ضرره أكبر من نفعه، فعلى هذا الصلة إذا أجدت وظهرت فائدتها هي المتعينة.
هذه أم حسان تقول: ما حكم الأناشيد الإسلامية الموجودة الآن؟
стр. 65
الموجود الآن فيه ما هو ممنوع، وفيه ما هو مباح، والأناشيد عموماً إذا ضبطت بضوابط شرعية النبي ﵊ أُنشد بين يديه الشعر، أنشده حسان وغيره، وفي المسجد أنشد أيضاً، لكن شريطة أن يكون اللفظ مباحاً، وأن لا تصحبه آلة، وأن يؤدى بلحون العرب، لا بلحون الأعاجم، ولا بلحون أهل الفسق، فإذا توافرت فيه هذه الشروط فهو جائز، أما إذا صحبته آلة فالآلات ممنوعة، المعازف والمزامير والدفوف في غير الأعراس ممنوعة، وأما إذا كان لفظه محرماً فيحرم ولو كان نثراً ليس بشعر، وإذا أدي على لحون الأعاجم وأهل الفسق أيضاً فإنه ممنوع، كما قرر ذلك الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في شرح البخاري.
وعلى كل حال الإكثار من هذه الأناشيد المباحة لا شك أنه يصد على ما هو أهم وأولى، وقد جاء في الحديث الصحيح: ((لأن يمتلأ جوف أحدكم قيئاً حتى يريه خير له من أن يمتلأ شعراً)) فإذا امتلأ جوفه بهذا لا شك أنه .. ومعنى الامتلاء بحيث لا يستوعب غيره، أما من حفظ القرآن، وحفظ ما يكفيه من السنة، وحفظ من أقوال أهل العلم من المتون العلمية، وحفظ مع ذلك أشعار لا بأس، الشعر ديوان العرب، واهتم به أهل العلم، وأوردوه في كتبهم، وشرحوا به الغريب من اللغة؛ فضلاً على أن يكون الشعر قد حفظ به العلوم، فالمناظيم العلمية في علوم الدين، وما يعين على فهم الدين هذه كغيرها من المؤلفات.
وهذا سؤال: أفكار متكررة:
أحس بخروج شيء، ومن ثم أصبحت أغتسل.
هذا أجيب عنه سابقاً.
سم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم اغفر لشيخنا، واجزه عنا خير الجزاء، واغفر للسامعين يا حي يا قيوم.
قال الإمام أبو داود -رحمه الله تعالى-:
стр. 66
ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم بعد ما يكتب هذه الكتب شيئاً، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذٍ يعلم مقداره، وأما هذه المسائل مسائل الثوري ومالك والشافعي فهذه الأحاديث أصولها، ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأي أصحاب النبي ﷺ ، ويكتب أيضاً مثل جامع سفيان، وإنه أحسن ما وضع للناس من الجوامع، والأحاديث التي وضعتها في كتابي السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد، والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً شاذاً، فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أن يرده عليك أحد، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الغريب من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة، فإن عرف وإلا فدعه، وإن من الأحاديث في كتاب السنن ما ليس بالمتصل، وهو مرسل ....
نقف على هذا.
أحسن الله إليك.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده رسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، أما بعد: فيقول الإمام أبو داود -رحمه الله تعالى-:
"وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته" التزم البيان -رحمه الله تعالى- لما ضعفه شديد، أما ما ضعفه محتمل قريب يعتبر به، ويستفاد منه في التقوية فإنه لا يبين ضعفه، وإنما التزم بيان الوهن الشديد، وقد وفى بذلك "ومنه ما لا يصح إسناده" وهذه الجملة إن رجعت إلى ما فيه وهن شديد الذي التزم بيانه فالأمر واضح؛ لأنه لم يصح إسناده، بل كله لا يصح إسناده الذي التزم بيانه، اللهم إلا أنه قد يصح الإسناد مع الوهن الشديد في متنه للمخالفة، لكن منه ما يرجع وهنه الشديد إلى إسناده، وهذا ظاهر، ومنه ما يرجع وهنه إلى متنه لوجود المخالفة والشذوذ والعلة القادحة.
стр. 67
لكن هل وفَّى الإمام أبو داود بجمع ذلك، الناظر في كتابه يجد أنه يبين أحياناً ويترك أحياناً، فيه أحاديث ضعفها شديد ما تكلم عليها أبو داود، ولذا قال أهل العلم: إن الكلام أعم من أن يكون في الكتاب نفسه، بل قد يكون في الكتاب، ويكون فيما سئل عنه من قبل الآجري أو غيره، وقد يكون البيان في بيان حال راويه الذي يُنقل عن أبي داود في كتب الرجال، أبو داود له أقوال في الرجال، فإذا بين حال راو فكأنه بين حال المروي، وهذا كله التماس لأبي داود، وإلا فالأصل أنه يحاسب على هذه الكلمة، ويلزمه البيان في كل ما وهنه شديد، لكن قد تتنازع وجهات النظر في هذه الشدة، فقد تعتبره شديداً، ويعتبره أبو داود ليس بشديد، فلا يلزم ببيانه، فيكون جملة من الأحاديث بهذه المثابة لا يلزم أبو داود بيانها، وإن لزم على حد زعمك لكونك ترى أنه شديد، وأبو داود ينازع في ذلك، لكن هل يلزم من هذا الكلام، أو من هذا الالتزام من أبي داود أن نحكم على الأحاديث التي لم يبين أبو داود ضعفها أن ضعفها غير شديد؟ فنحتاج إليها في التقوية، من خلال هذا الكلام العام، أو نقول: ننظر في أسانيدها بغض النظر هل تكلم أو لم يتكلم؟ يعني هل الحكم في هذه الأحاديث كلام أبي داود فيما تكلم فيه، أو فيما تركه، وقعد ذلك بمفهوم عبارته: أن ما لم يتكلم فيه أن ضعفه ليس بشديد؟ فنحتاج إلى مثل هذه الأحاديث في التقوية، وأما ما كان ضعفه شديداً فلا يستفاد منه؟ أو نقول: سواء بين أو ما بين مثل أحكام الترمذي، المتأهل عليه أن يدرس، وينظر في واقع هذه الأحاديث، ويجمع طرقها، ويوازن بينها، ويتكلم في رجالها، ثم بعد ذلك يخرج بالنتيجة المناسبة حسب القواعد المقررة عند أهل العلم، وبعد النظر في أقوال أهل العلم وأحكامهم؛ فالذي يريد تقليد أبي داود ويحاسب أبا داود على كلامه، يقول: إن البيان حصل فيما ضعفه شديد، إذاً الذي لم يبينه أبو داود إذاً ضعفه ليس بشديد، ولو كان شديداً لبينه، وحينئذٍ نقلده في هذا، ونقول: الضعف ليس بشديد، ونقويه ونقوي به، لكن المتعين على طالب العلم المتأهل أن ينظر في الأسانيد، سواء بين أو لم يبين، قال: صالح ويش معنى صالح؟ على ما سيأتي، هذا كله في حق من أراد من أن
стр. 68
يقلد، والذي شهر هذا الكلام كله، وجعل له وقع في واقع طلاب العلم هو ابن الصلاح، الذي عنده أن الاجتهاد انقطع، وليس للمتأخرين أن يصححوا ولا يضعفوا، إذاً يهتمون بكلام أبي داود، إذا قال: صالح معناه صالح، فنقلد أبا داود مع الخلاف في معنى الصلاحية، وعلى كل حال طالب العلم المتأهل له أن ينظر، بل عليه أن ينظر في الأسانيد والمتون وينظر في الرجال، وينظر في السند من حيث الاتصال والانقطاع، وينظر في المتن من حيث الموافقة والمخالفة والعلة والشذوذ، وحينئذٍ يحكم بالحكم اللائق على كل حديث حديث.
يقول: "وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض" ما لم يذكر فيه شيء هذا يؤكد ويؤيد المفهوم الذي أبديناه سابقاً لجملته السابقة: أن ما فيه ضعف شديد يبينه، ويفهم منه أن ما لا بيان معه فإنه في حيز الصالح؛ لأنه يقول: وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض، إذا لم يبين فالمسكوت عنه منه الصحيح، بل منه المخرج في البخاري ومسلم، ومنه المخرج في البخاري فقط، ومنه المخرج في مسلم فقط، ومنه ما يصح إسناده ومتنه مما لم يخرج في الصحيحين، ومنه ما هو حسن صالح
للاحتجاج، ومنه ما هو ضعيف صالح للاعتبار، لكن ضعفه غير شديد؛ لأنه لم يلتزم البيان إلا في حال الضعف الشديد، إذاً الصلاحية أعم من أن تكون للاحتجاج أو للاستشهاد، وعلى كل حال الاحتجاج عنده واسع، فهو يحتج بالحديث المرسل إلا إذا لم يكن في الباب غيره، ويحتج بالحديث الذي وهنه ليس بشديد إذا لم يكن في الباب غيره.
كلام أبي داود هذا قال فيه أبو الفتح اليعمري ابن سيد الناس قال: إنه مثل كلام الإمام مسلم في مقدمته، يقول: إن الحديث قد لا يوجد عند الطبقة العليا من الرواة الحفاظ الضابطون المتقنون، قد لا يوجد عندهم، فيحتاج مسلم إلى أن ينزل إلى مثل عطاء، وليث بن أبي سُليم ويزيد وغيرهم.
يقول الحافظ العراقي:
وللإمام اليعمري إنما ... قول أبي داود يحكي مسلما
يعني مثل كلام مسلم.
حيث يقول جملة الصحيح لا ... توجد عند مالكٍ والنبلا
فاحتاج أن ينزل في الإسنادِ ... إلى يزيد بن أبي زيادِ
стр. 69
عطاء بن السائب وليث بن أبي سليم ويزيد بن أبي زياد، قد نص عليهم في المقدمة؛ لأنه قد ينزل إلى حديث هؤلاء، فعلى هذا الأحاديث عنده درجات، والرواة عنده في صحيحه طبقات، إذاً ما الفرق بينه وبين قول أبي داود: "إن ما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها أصح من بعض" يعني بعضها غاية في الصحة، وبعضها دون ذلك، وبعضها من قبيل ما يحتج به، إلا أنه لا يصل إلى درجة الصحيح كالحسن، وبعضها فيه ضعف، لكنه ليس بشديد، كل ما سكت عنه على هذا التقسيم.
ابن الصلاح وتبعه الحافظ العراقي قالوا: إن ما سكت عنه أبو داود فهو حسن؛ لأن الصلاحية هذه دائرة بين الاحتجاج والاستشهاد، فلا يمكن أن يعطى لفظ واحد أعلى ما دام فيه شيء ينزله عن درجة الأعلى؛ لأن الواقع يشهد بأن ما سكت عنه ليس بأعلى الدرجات، كما أنه ليس بأنزل الدرجات لأنه صالح، ولذا حكم عليه ابن الصلاح بأنه حسن، لا يعطى الدرجة العليا ولا الدرجة الدنيا، وتوسط في أمره وهو حسن، وذكر الحافظ ابن كثير ﵀ أنه وقف على نسخة من رسالة أبي داود ﵀ أنه قال: "وما لم أذكر فيه شيئاً فهو حسن" ولذا قال ابن الصلاح: "ما سكت عنه فهو حسن".
الحافظ العراقي يقول:
قال - يعني ابن الصلاح-
قال: ومن مظنة للحسنِ ... جمع أبي داود أي في السننِ
حيث يقول: ذكرت فيه ... ما صح أو قارب أو يحكيه
الصحيح، وما يقاربه، وما يشبهه، ذكر الصحيح وما يقاربه وهو الحسن، وما يشبهه ما يقرب منه، واستدرك ابن سيد الناس الاستدراك الذي ذكرناه، يقول: إن أبا داود أحاديثه متفاوتة، فيها ما هو في أعلى الصحيح، وما دونه، وما دونه، ومسلم قسم روايات الصحيح وطبقات رجال الصحيح إلى الطبقات الثلاث، فما الفرق بين صنيع أبي داود وصنيع مسلم؟
وللإمام اليعمري إنما ... قول أبي داود يحكي مسلما
حيث يقول جملة الصحيح لا ... توجد عند مالكٍ والنبلا
فاحتاج أن ينزل في الإسنادِ ... إلى يزيد بن أبي زيادِ
يقول: ما دام هذا التفاوت وهذا التدرج موجود عند مسلم، وموجود عند أبي داود، إذن إيش الفرق؟
هلاَّ قضى على كتاب مسلمِ ... بما قضى عليه بالتحكمِ
стр. 70
"بما قضى عليه" يعني بما قضى على أبي داود "بالتحكمِ" ... أحاديث صحيح مسلم أيضاً حسنة، مثل ما جعلنا أحاديث سنن أبي داود حسنة، لكن يمكن أن يُتنصل من هذا الاستدراك بأن يقال: إن مسلماً اشترط الصحة، وأبو داود لم يشترط الصحة، مسلم تلقته الأمة بالقبول، وأبو داود لم تتلقاه الأمة بالقبول، فظهر الفرق بين الكتابين، وحكم على كتاب أبي داود لأنه فيه ... ، واقع الكتاب يشهد بهذا، أما كونه يحكم على جميع ما سكت عنه أبو داود بأنه حسن كما قال ابن الصلاح فليس بصحيح، لماذا؟ لأن فيه الصحيح؛ بل في أعلى درجات الصحيح وهذا كثير، مما اتفق عليه الشيخان، وفيه مما أخرجه البخاري، وفيه مما أخرجه مسلم، كيف نقول: هذا القسم حسن وفيه هذه الأشياء؟ ومن الذي دعا ابن الصلاح أن يقول هذا الكلام؟ رأيه في انقطاع الاجتهاد في التصحيح والتضعيف في الأزمان المتأخرة، فلا يستطيع أن يقال فيه: صحيح وحسن من يميز لنا الصحيح مما دونه من الضعيف، لا نستطيع أن نميز وباب الاجتهاد مقفل مغلق، ولا نستطيع أن نجعلها في أعلى درجات الصحيح؛ لأن فيه ما هو دون ذلك، ولا نستطيع أن ننزلها عن رتبة القبول لأنه صالح، إذن ما سكت عنه أبو داود فهو حسن، يعني بما في ذلك ما في الصحيحين، ولا شك أن مثل هذا الكلام جمود، جمود يعني لو أقل الأحوال لو استثنى ما في الصحيحين، وقال: إن ما في الصحيحين يقال له: صحيح، مع أنه قال: ما في الكتاب مما لم يسبق له حكم من أهل العلم بالصحة في كتبهم، يعني ما يكفي أن ينقل عن البخاري أن هذا الحديث الذي في سنن أبي داود صحيح، ما يكفي، لماذا؟ لا بد أن ينص على صحة هذا الحديث في الكتاب، ينص عليه البخاري، ينص عليه أحمد، ينص عليه مسلم، ولعل إدخاله في الصحيحين دليل على صحته، فلا يدخل في كلام ابن الصلاح.
طالب: هذا الحكم مجمل يا شيخ. . . . . . . . .
стр. 71
يكفي، يكفي، يعني مجرد تخريج البخاري للحديث تصحيح، ومجرد تخريج مسلم للحديث تصحيح، هذا قد يستثنى من كلام ابن الصلاح؛ لأنه نص على صحته، ولم يكن بالقول، بالعمل، أما ما نقل عن الإمام أنه صحح حديثاً في سنن أبي داود، أو نقل الترمذي مثلاً عن البخاري أنه صحح حديثاً في جامع الترمذي أو في سنن أبي داود أو في غيرها، نعتمد على هذا التصحيح وإلا نعتمد؟ حتى ينصوا على صحته في كتبهم، لماذا لا نقبل ما يروى عن الأئمة في تصحيح الأحاديث على رأي ابن الصلاح؟ لأننا نحتاج إلى معرفة ثبوته عندهم، نحتاج إلى معرفة ثبوت هذا القول عن هذا الإمام، ونحن لا نستطيع أن نصحح ونضعف في الأحاديث، إذاً لا نستطيع أن نصحح ونضعف فيما نقل عن الأئمة؛ لأن الطريق واحد في كيفية التصحيح والتضعيف، النظر في الأسانيد واحد، سواء بحثنا إسناد مرفوع أو موقوف أو مقطوع أو من قول إمام، لا بد أن نجتهد في تصحيح وتضعيف هذه الأخبار، والباب مغلق عند ابن الصلاح، إذاً لا بد أن ينص الإمام على التصحيح أو التضعيف في كتابه، وابن الصلاح لم يوافق على هذا القول، بل الذي اعتمده الأئمة في عصره ومن بعده إلى يومنا هذا أن المتأهل للتصحيح والتضعيف له أن ينظر في الأسانيد والمتون ويصحح ويضعف، بل هذا هو المتعين على المتأهل.
"وبعضها أصح من بعض" نعم هي متفاوتة "وهذا لو وضعه غيري لقلت أنا فيه أكثر" هو الآن مدح السنن مدح كتابه، صح وإلا لا؟ مدح الكتاب بكلام يغري به طلاب العلم، لا ليتفخر به، ولا ليعجب بعمله، إنما هو ليغري به طلاب العلم، لكن لو أن هذا الكتاب صنفه غير أبي داود على هذه الكيفية يقول: لقلت فيه أنا أكثر، لمدحته أكثر مما مدحته لكونه كتابي، هذا لو وضعه غيري لقلت أنا فيه أكثر، يعني من أساليب المدح والثناء.
стр. 72
قال: "وهو كتاب لا ترد عليك سنة عن النبي ﷺ بإسناد صالح إلا وهي فيه، إلا أن يكون كلام استخرج من الحديث ولا يكاد يكون هذا" ومعناه أن كتابه استوعب ما ثبت عن النبي ﷺ ، وما هذا الكلام؟ إما أن يقال: إنه على حد ظنه ووهمه، وإلا فقد ثبت عن النبي ﵊ من الأحاديث الصحيحة بالأسانيد الصالحة ما لم يوجد في كتاب أبي داود، فيكون هذا على حد فهمه، وعلى حسب اطلاعه، مع أنه اطلع على كتب الأئمة السابقين، وأوصى ببعضها على ما سيأتي، وإذا نظرنا إلى واقع الكتب وجدنا في البخاري أحاديث كثيرة ليست في سنن أبي داود، وفي مسلم أحاديث كذلك ليست في سنن أبي داود، وفي مسند أحمد مما يصح مما ليس في سنن أبي داود وهكذا، ويصفو من الصحيح بالأسانيد الصالحة مما ليس في هذه السنن من كتب الأئمة الشيء الكثير.
"إلا أن يكون كلام استخرج من الحديث ولا يكاد يكون" يعني قد يكون حديث يستنبط منه حكم، ولا يوجد في كتابي، لكن يوجد في كتابي ما يغني عنه، ولو على سبيل الإشارة والاستخراج والاستنباط.
стр. 73
ثم قال بعد ذلك: "ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب" يريد أن يجعل كتابه مع القرآن الكريم فيهما كفاية، وتعلم كتابه بعد القرآن لازم لطلاب العلم، ولذا قال: "ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموه من هذا الكتاب، ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم بعدما يكتب من هذه الكتب" يعني الكتب التي تشتمل عليها سننه، كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الجهاد، كتاب الطلاق، كتاب السنة، كتاب الأدب إلى جميع أبواب سنن أبي داود، يقول: "ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم بعدماً يكتب شيئاً من هذه الكتب" من هذه الكتب يعني الكتب التي اشتمل عليها السنن، وأنتم تعرفون أن كتب أهل العلم الكتاب الواحد مبني على كتب، والكتب مبنية على أبواب، والأبواب قد تكون مبنية على فصول، المقصود أن الكتاب يشتمل على كتب، من يكتب هذه الكتب لا يضره ما فاته من العلم؛ لأنه على حد زعم مؤلفه؛ لأن هذا الكتاب جمع فأوعى، ولا حاجة للناس بغيره، ولكن هذا الكلام إنما يراد به الإغراء، إغراء طلاب العلم من أجل الاهتمام بهذا الكتاب، ولم ترد حقيقته، لم ترد حقيقة هذا الكلام؛ لأن الصحيحين أولى من سنن أبي داود، فالذي يكتب الصحيحين مع القرآن، ويقتصر عليهما له وجه، لا سيما إذا كان لا يستطيع الاستيعاب، ومن كتب المصحف وكتب البخاري، وأراد أن يكتفي اكتفى، لكن لا يسمى عالماً محيطاً بجميع أبواب الدين، ولا يمكن أن يتفقه الفقه التام الذي جاء مدحه في حديث معاوية وغيره حتى يعرف جميع أبواب الدين، وفي بعض الكتب من أبواب الدين ما لا يوجد في بعض.
"ولا يضر رجلاً أن لا يكتب من العلم بعد ما يكتب هذه الكتب شيئاً، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذٍ يعلم مقداره" لا شك أن الكتاب في غاية الجودة، وفي غاية الاستيعاب المناسب لطالب العلم بالنسبة لأحاديث الأحكام، حتى قال بعضهم: إنه يكفي طالب العلم بالنسبة لأحاديث الأحكام سنن أبي داود.
стр. 74
"وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذٍ يعلم مقداره، وأما هذه المسائل" والأحكام والفتاوى للأئمة المجتهدين مثل "الثوري ومالك والشافعي" يُسأل الإمام مالك فيفتي، ويسئل الثوري وله مذهب مستقل فيفتي، وله أتباع، الثوري كمالك والشافعي إلا أنه انقرض، انقرض مذهبه، هؤلاء الأئمة المجتهدون يفتون، فأصول هذه المسائل في سنن أبي داود، لا سيما إذا كانت الفتاوى في الأحكام، فأصولها في مسائل أبي داود، يستفاد منها، ويعول عليها، ولا يحتاج على غيرها إلا نادراً على كلامه.
"ويعجبني أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأي أصحاب النبي ﷺ " يعني لا يقصر على المرفوع، فيكتب مع المرفوعات أحاديث ما ينسب إلى الصحابة -رضوان الله عليهم- من الموقوفات؛ لأنها عند جمع من أهل العلم حجة كالمرفوع، ومنهم من يرى أنها ليست بحجة، لكن يحتاج إليها في فهم المرفوع، ويعرف قدر هذا الكلام من ينظر في صحيح البخاري إذا ترجم بكلام خفي غامض قد يكون الربط بينه وبين ما ترجم عليه من حديث مرفوع فيه خفاء، لكنه يردف الترجمة بأقوال الصحابة والتابعين مما يترجح به ما ترجم به، وأخذه من ما ترجم عليه، فأقوال الصحابة والتابعين يستعان بها على فهم الأخبار المرفوعة عند من لا يحتج بها، أما من يحتج بها فالأمر ظاهر.
"ويكتب أيضاً مثل جامع سفيان الثوري، فإنه أحسن ما وضع الناس من الجوامع" والمراد بالجامع الكتاب الذي يحتوي على جميع أبواب الدين، فتجد فيه التوحيد والإيمان، وتجد فيه الطهارة والصلاة والزكاة والحج والصيام والجهاد، وتجد فيه المعاملات، وتجد فيه المغازي والسير والأقضية، وتجد فيه أيضاً الأدب، وتجد فيه الرقاق والمواعظ وغير ذلك من الأبواب التي يحتاجها طالب العلم، هذا الكتاب يسمى جامع؛ لأنه يجمع جميع أبواب الدين، ومن الجوامع صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي، وجامع سفيان وغيرها من الجوامع، بخلاف السنن التي تختص بأحاديث الأحكام، بخلاف المصنفات التي يجتمع فيها كثير من الآثار، وتغطي على الأخبار المرفوعة إلى النبي ﵊، وأيضاً الموطآت التي هي مشبهة للسنن من جهة، ومشبهة للمصنفات من جهة.
стр. 75
"والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث" هذه الأحاديث مشهورة وليست بالغرائب لا يعرفها العلماء، وإنما هي مشهورة مستفيضة عندهم "وهي عند كل من كتب شيئاً من الحديث" يعني من كانت له رواية، أو له يد في الرواية يعرف هذه الأحاديث، إذا كانت هذه الأحاديث معروفة عند أهل العلم فلماذا تكلف نفسك بتدوينها؟ قال: "إلا أن تمييزها -يعني اختيارها وترتيبها وتنسيقها والترجمة عليها بالأحكام الشرعية- لا يقدر عليه كل الناس، فقمت بذلك تيسيراً على طلاب العلم، والفخر بها أنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم" لماذا؟ قلنا: الغريب مقبول إذا كان سنده صالح، ولم يتفرد به راويه، وهو مما لا يحتمل تفرده، أو لا يتضمن مخالفة فإنه حينئذٍ مقبول، لكن الغرائب فيها الضعف بكثرة بخلاف الروايات والأحاديث التي ووفق روايتها عليها "فإنه لا يحتج بحديث غريب، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم، ولو احتج رجل بحديث غريب وجدت من يطعن فيه، ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريباً، فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر أحد أن يرده عليك".
следующие страницы →