Полный текст (1 926 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
حَافَ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النَّارَ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ له بخير عمله فيدخل الجنة
قال أبو بكر ومصادقه فِي كِتَابِ اللَّهِ فِيمَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ قَالَ فِي الْوَصِيَّةِ.
بَابُ مَنْ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ مَعَ وُجُودِ النَّسَبِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ وَمَا عَطَفَ عَلَيْهِ مِنْ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ خَاصٌّ فِي بَعْضِ الْمَذْكُورِينَ دُونَ بَعْضٍ فَبَعْضُ ذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمَا اُتُّفِقَ عَلَيْهِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمَ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَرِثُ وَأَنَّ قَاتِلَ الْعَمْدِ لَا يَرِثُ وَقَدْ بَيَّنَّا مِيرَاثَ هَؤُلَاءِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْهُ وَمَا اخْتَلَفُوا فيه واختلف في ميراث المسلم الْكَافِرِ وَمِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ فَأَمَّا مِيرَاثُ الْمُسْلِمِ مِنْ الكافر فإن الأمة مِنْ الصَّحَابَةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى نَفْيِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي حَكِيمٍ عَنْ ابْنِ «١» بَابَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ قَالَ كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ بِالْيَمَنِ فَارْتَفَعُوا إلَيْهِ فِي يَهُودِيٍّ مَاتَ وَتَرَكَ أَخَاهُ مُسْلِمًا فَقَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ
وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ قَالَ مَسْرُوقٌ مَا أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ قَضِيَّةً أَعْجَبُ مِنْ قَضِيَّةٍ قَضَاهَا مُعَاوِيَةُ قَالَ كَانَ يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنْ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَلَا يُوَرِّثُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ مِنْ الْمُسْلِمِ قَالَ فَقَضَى بِهَا أَهْلُ الشَّامِ قَالَ دَاوُد فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَدَّهُمْ إلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَرَوَى هُشَيْمٌ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ بِذَلِكَ إلَى زِيَادِ يَعْنِي تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ فَأَرْسَلَ زِيَادٌ إلَى شُرَيْحٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ وَكَانَ شُرَيْحٌ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يُوَرِّثُ الْمُسْلِمَ مِنْ الْكَافِرِ فَلَمَّا أَمَرَهُ زِيَادُ بِمَا أَمَرَهُ قَضَى بِقَوْلِهِ فَكَانَ شُرَيْحٌ إذَا قَضَى بِذَلِكَ قَالَ هَذَا قَضَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ
وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عن على بن الحسين عن عمرو ابن عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى وَفِي لَفْظٍ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ
وَرَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ
فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تمنع توريث المسلم من الكافر
стр. 807
وَالْكَافِرَ مِنْ الْمُسْلِمِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ فَهُوَ ثَابِتُ الْحُكْمِ فِي إسْقَاطِ التَّوَارُثِ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْنِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ فِيهَا قَوْلَهُ الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ والتأول لَا يُقْضَى بِهِ عَلَى النَّصِّ وَالتَّوْقِيفِ وَإِنَّمَا يرد التأويل إلى المنصوص عليه يحمل عَلَى مُوَافَقَتِهِ دُونَ مُخَالِفَتِهِ
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ
يحتمل أن يرد بِهِ مَنْ أَسْلَمَ تُرِكَ عَلَى إسْلَامِهِ وَمَنْ خَرَجَ عَنْ الْإِسْلَامِ رُدَّ إلَيْهِ وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ وَاحْتَمَلَ مَا تَأَوَّلَهُ مُعَاذٌ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مُوَافَقَةِ خَبَرِ أُسَامَةَ فِي مَنْعِ التَّوَارُثِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ رَدُّ النَّصِّ بِالتَّأْوِيلِ وَالِاحْتِمَالِ أَيْضًا لَا تَثْبُتُ بِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَهُوَ مُفْتَقِرٌ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ إلَى دَلَالَةٍ مِنْ غَيْرِهِ فَسَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُ مَسْرُوقٍ مَا أَحْدَثَ فِي الْإِسْلَامِ قَضِيَّةً أَعْجَبُ مِنْ قَضِيَّةٍ قَضَى بِهَا مُعَاوِيَةُ فِي تَوْرِيثِ الْمُسْلِمِ مِنْ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْمَذْهَبِ لِإِخْبَارِهِ أَنَّهَا قَضِيَّةٌ مُحْدَثَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ قَضِيَّةِ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يُوَرَّثُ الْمُسْلِمُ مِنْ الْكَافِرِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ مِنْ قَبْلِ قَضِيَّةِ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ يُوَرَّثُ الْمُسْلِمُ مِنْ الْكَافِرِ وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِلَافًا عَلَيْهِمْ بَلْ هُوَ سَاقِطُ الْقَوْلِ مَعَهُمْ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ إنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَدَّهُمْ إلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ
اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مِيرَاثِ الْمُرْتَدِّ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الرِّدَّةِ عَلَى أَنْحَاء ثَلَاثَةٍ فَقَالَ عَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العزيز وحماد بن الحكم وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَشَرِيكٌ يَرِثُهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا مَاتَ أَوْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ وقال ربيعة بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ مِيرَاثُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَقَالَ قَتَادَةُ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ إنْ كَانَ لَهُ وَرَثَةٌ عَلَى دِينِهِ الَّذِي ارْتَدَّ إلَيْهِ فَمِيرَاثُهُ لَهُمْ دُونَ وَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَوَاهُ قَتَادَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالصَّحِيحُ عَنْ عُمَرَ أَنَّ مِيرَاثَهُ لِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فيما اكتسبه بعد الرِّدَّةِ إذَا قُتِلَ أَوْ مَاتَ مُرْتَدًّا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ فَهُوَ فَيْءٌ وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مَا اكْتَسَبَهُ بَعْدَ الرِّدَّةِ أَيْضًا فَهُوَ لَوَرَثَتِهِ
стр. 808
الْمُسْلِمِينَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ يَقْتَضِي تَوْرِيثَ الْمُسْلِمِ مِنْ الْمُرْتَدِّ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَبَيْنَ الْمُرْتَدِّ فَإِنْ قِيلَ يَخُصُّهُ حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ كَمَا خَصَّ تَوْرِيثَ الْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ فَقَدْ تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ وَاسْتَعْمَلُوهُ فِي مَنْعِ تَوْرِيثِ الْكَافِرِ مِنْ الْمُسْلِمِ فَصَارَ فِي حَيِّزِ الْمُتَوَاتِرِ وَلِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ خَاصَّةً بِالِاتِّفَاقِ وَأَخْبَارُ الْآحَادِ مَقْبُولَةٌ فِي تَخْصِيصِ مِثْلِهَا قِيلَ لَهُ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أُسَامَةَ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمُرَادَ إسْقَاطُ التَّوَارُثِ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ وَلَيْسَتْ الرِّدَّةُ بِمِلَّةٍ قَائِمَةٍ لِأَنَّهُ وَإِنْ ارْتَدَّ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ الْيَهُودِيَّةِ فَغَيْرُ مُقِرٍّ عَلَيْهَا فَلَيْسَ هُوَ مَحْكُومًا لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْمِلَّةِ الَّتِي انْتَقَلَ إلَيْهَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ وَإِنْ انْتَقَلَ إلَى مِلَّةِ الْكِتَابِيِّ أَنَّهُ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً لَمْ يَجُزْ نِكَاحُهَا فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الرِّدَّةَ لَيْسَتْ بِمِلَّةٍ وَحَدِيثُ أُسَامَةَ مَقْصُورٌ فِي مَنْعِ التَّوَارُثِ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ
فِي حَدِيثٍ مُفَسَّرٍ وَهُوَ مَا رَوَاهُ هُشَيْمٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُرَادَ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ هُوَ مَنْعُ التَّوَارُثِ بَيْنَ أَهْلِ مِلَّتَيْنِ وَأَيْضًا فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مِلْكَ الْمُرْتَدِّ يَزُولُ بِالرِّدَّةِ فَإِذَا قتل أو مات انتقل إلى التوارث وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَا يُجِيزُ تَصَرُّفَ الْمُرْتَدِّ فِي مَالِهِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ وَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلَهُ فَهُوَ لَمْ يُوَرِّثُ مُسْلِمًا مِنْ كَافِرٍ لِأَنَّ مِلْكَهُ زَالَ عَنْهُ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا وَرَّثَ مُسْلِمًا مِمَّنْ كان مسلما فإن قبل فَإِذًا يَكُونُ قَدْ وَرَّثْتَهُ مِنْهُ وَهُوَ حَيٌّ قِيلَ لَهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ تَوْرِيثُ الْحَيِّ قَالَ الله تعالى وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَكَانُوا أَحْيَاءً وَعَلَى أَنَّا إنَّمَا نَقَلْنَا الْمَالَ إلَى الْوَرَثَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَيْسَ فِيهِ تَوْرِيثُ الْحَيِّ وَيُقَالُ لِلسَّائِلِ عَنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ إذَا جَعَلْت مَالَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ فَقَدْ وَرَّثْت مِنْهُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ كَافِرٌ وَوَرَّثْتهمْ مِنْهُ وَهُوَ حي إذا لحق بدار الحرب مرتد وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا كَانُوا إنَّمَا يَسْتَحِقُّونَ مَالَهُ بِالْإِسْلَامِ فَقَدْ اجْتَمَعَ لِلْوَرَثَةِ الْقَرَابَةُ وَالْإِسْلَامُ وَجَبَ أَنْ يَكُونُوا أَوْلَى بِمَالِهِ لِاجْتِمَاعِ السَّبَبَيْنِ لَهُمْ وَانْفِرَادِ الْمُسْلِمِينَ بِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ وَالسَّبَبَانِ اللَّذَانِ اجْتَمَعَا لِلْوَرَثَةِ هُوَ الْإِسْلَامُ وَقُرْبُ النَّسَبِ فأشبه سَائِرَ الْمَوْتَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِمَا كَانَ مَالُهُ مُسْتَحَقًّا لِلْمُسْلِمِينَ كَانَ مَنْ اجْتَمَعَ لَهُ قُرْبُ النَّسَبِ مَعَ الْإِسْلَامِ أَوْلَى مِمَّنْ بَعْدَ نَسَبِهِ منه وإن
стр. 809
كَانَ لَهُ إسْلَامٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ هَذِهِ الْعِلَّةُ تُوجِبُ تَوْرِيثَهُ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ قِيلَ لَهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ بَعْدَ مَوْتِهِ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالْإِسْلَامِ لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ وَرَثَتَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاتِّفَاقُ جَمِيعِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ مُسْتَحَقٌّ بِالْإِسْلَامِ فَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ يَسْتَحِقُّهُ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ وَآخَرِينَ يَقُولُونَ يَسْتَحِقُّهُ وَرَثَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَمَّا كَانَ مَالُهُ مُسْتَحَقًّا بِالْإِسْلَامِ أَشْبَهَ مَالَ الْمُسْلِمِ الْمَيِّتِ لَمَّا كَانَ مُسْتَحَقًّا بِالْإِسْلَامِ كَانَ مَنْ اجْتَمَعَ لَهُ الْإِسْلَامُ وَقُرْبُ النَّسَبِ أَوْلَى مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ مَاتَ ذِمِّيٌّ وَتَرَكَ مَالًا وَلَا وَارِثَ لَهُ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ وَلَهُ قَرَابَةٌ مُسْلِمُونَ كَانَ مَالُهُ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ أَقَارِبُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى بِهِ لِاجْتِمَاعِ السَّبَبَيْنِ لَهُمْ مِنْ الْإِسْلَامِ وَالنَّسَبِ قِيلَ لَهُ إنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالْإِسْلَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُ وَرَثَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْمُسْلِمُونَ مَالَهُ وَمَا اسْتَحَقَّ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ بِالْإِسْلَامِ لَا يَكُونُ وَرَثَتُهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ بَلْ يَكُونُونَ هُمْ أَوْلَى كَمَوَارِيثِ الْمُسْلِمِينَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ وَإِنْ جُعِلَ لِبَيْتِ الْمَالِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ فَلَيْسَ هُوَ مُسْتَحَقًّا بِالْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا هُوَ مَالٌ لَا مَالِكَ لَهُ وَجَدَهُ الْإِمَامُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَاللُّقَطَةِ الَّتِي لَا يُعْرَفُ مُسْتَحِقُّهَا فَتُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْقُرْبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا اكْتَسَبَهُ الْمُرْتَدُّ فِي حَالِ رِدَّتِهِ إنَّهُ فَيْءٌ لِبَيْتِ الْمَالِ وَهَذَا يَنْقُضُ الِاعْتِلَالَ وَيَدُلُّ عَلَى أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ لِلْمُخَالِفِ قِيلَ لَهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْحَرْبِيِّ وَلَا يَمْلِكُهُ مِلْكًا صَحِيحًا وَمَتَى جَعَلْنَاهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنَّمَا يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَالُ مَغْنُومًا كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْحَرْبِ إذَا ظَفِرْنَا بِهَا وَمَا يُؤْخَذُ عَلَى وَجْهِ الْغَنِيمَةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَقٍّ لِبَيْتِ الْمَالِ لِأَجْلِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْغَنَائِمَ لَيْسَتْ بِمُسْتَحَقَّةٍ لِغَانِمِيهَا بِالْإِسْلَامِ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الذِّمِّيَّ مَتَى شَهِدَ الْقِتَالَ اسْتَحَقَّ أَنْ يُرْضَخَ لَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ مَالَ الْحَرْبِيِّ وَمَالَ الْمُرْتَدِّ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي الرِّدَّةِ مَغْنُومٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بِالْإِسْلَامِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ قُرْبُ النَّسَبِ والإسلام كما اعتبرناه فِي مَالِهِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَالَ كَانَ مِلْكَهُ فِيهِ صَحِيحًا إلَى أَنْ ارْتَدَّ ثُمَّ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ فَمَنْ يَسْتَحِقُّهُ مِنْ النَّاسِ فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِالْمِيرَاثِ وَالْمَوَارِيثُ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْإِسْلَامُ وَقُرْبُ النَّسَبِ إذَا كَانَ مِلْكًا لِمُسْلِمٍ إلَى أَنْ زَالَ عَنْهُ بِالرِّدَّةِ الْمُوجِبَةِ لِزَوَالِ مِلْكِهِ كَمَا يَزُولُ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ حُكْمُ مَالِهِ الْمُكْتَسَبِ فِي حَالِ الرِّدَّةِ وَلَا يَجُوزُ
стр. 810
أَيْضًا أَنْ يَكُونَ أَصْلًا لِلْمَالِ الْمُكْتَسَبِ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ مِلْكَهُ فِيهِ كَانَ صَحِيحًا إلى أن زال عنه بالموت وَالْمَالُ الْمُكْتَسَبُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْحَرْبِيِّ مِلْكُهُ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّهُ اكْتَسَبَهُ وَهُوَ مُبَاحُ الدَّمِ فَمَتَى حَصَلَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ صَارَ مَغْنُومًا بِمَنْزِلَةِ حَرْبِيٍّ دَخَلَ إلَيْنَا بِغَيْرِ أَمَانٍ فَأَخَذْنَاهُ مَعَ مَالِهِ أَنَّ مَالَهُ يَكُونُ غَنِيمَةً فَكَذَلِكَ مَالُ الْمُرْتَدِّ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ
بِحَدِيثِ البراء بن عازب قال مربى خَالِي أَبُو بُرْدَةَ وَمَعَهُ الرَّايَةُ فَقُلْت إلَى أَيْنَ تَذْهَبُ فَقَالَ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ أَقْتُلَهُ وَآخُذَ مَالَهُ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَالَ الْمُرْتَدِّ فَيْءٌ قِيلَ لَهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُحَارِبًا مَعَ اسْتِحْلَالِهِ لِذَلِكَ حَرْبِيًّا فَكَانَ مَالُهُ مَغْنُومًا لأن الراية إنما تعد لِلْمُحَارَبَةِ
وَقَدْ رَوَى مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ جَدَّ مُعَاوِيَةَ إلَى رَجُلٍ عَرَّسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَهُ وَيُخَمِّسَ مَالَهُ
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَالَ ذَلِكَ الرَّجُلِ كَانَ مَغْنُومًا بِالْمُحَارَبَةِ وَلِذَلِكَ أُخِذَ مِنْهُ الْخُمُسُ فَإِنْ قِيلَ مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمُرْتَدِّ مَغْنُومًا قِيلَ لَهُ أَمَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الرِّدَّةِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَأَمَّا مَا اكْتَسَبَهُ فِي حَالِ الْإِسْلَامِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَغْنُومًا مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَا كَانَ يُغْنَمُ مِنْ الْأَمْوَالِ سَبِيلُهُ أَنْ يَكُونَ مِلْكَ مَالِكِهِ غَيْرَ صَحِيحٍ فِيهِ قَبْلَ الْغَنِيمَةِ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ وَمَالِ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ الرِّدَّةِ قَدْ كَانَ مِلْكُهُ فِيهِ صَحِيحًا فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَغْنَمَ كَمَا لا يغنم أموال سائر المسلمين إذ كَانَتْ أَمْلَاكُهُمْ فِيهِ صَحِيحَةً وَزَوَالُهُ عَنْ الْمُرْتَدِّ بِالرِّدَّةِ كَزَوَالِهِ بِالْمَوْتِ فَمَتَى انْقَطَعَ حَقُّهُ عَنْهُ بِالْقَتْلِ أَوْ بِالْمَوْتِ أَوْ اللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ اسْتَحَقَّهُ وَرَثَتُهُ دُونَ سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ إنْ اسْتَحَقُّوهُ بِالْإِسْلَامِ لَا عَلَى أَنَّهُ غَنِيمَةٌ كَانَتْ وَرَثَتُهُ أَوْلَى بِهِ لِاجْتِمَاعِ الْإِسْلَامِ وَالْقَرَابَةِ لَهُمْ وَإِنْ اسْتَحَقُّوهُ بِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ شَرْطَ الْغَنِيمَةِ أَنْ يَكُونَ مَالُ الْمَغْنُومِ غَيْرَ صَحِيحِ الْمِلْكِ فِي الْأَصْلِ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ
فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي مُسْلِمٍ مَاتَ فَلَمْ يُقَسَّمْ مِيرَاثُهُ حتى أسلم ابن له كافرا وكان عَبْدًا فَأَعْتَقَ إنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ
وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَأَبِي الزِّنَادِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُف وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُمَا قَالَا مَنْ أَسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أَنْ يُقَسَّمَ شَارَكَ فِي الْمِيرَاثِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ وَشَبَّهُوا ذَلِكَ بِالْمَوَارِيثِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا طَرَأَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ مِنْهَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ قُسِّمَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُعْتَبَرْ وَقْتُ الْمَوْتِ وَلَيْسَ هَذَا عِنْدَ الْأَوَّلِينَ كَذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَ
стр. 811
الْمَوَارِيثِ قَدْ اسْتَقَرَّ فِي الشَّرْعِ عَلَى وُجُوهٍ مَعْلُومَةٍ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُمْ وَقَالَ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ فَأَوْجَبَ لَهَا الْمِيرَاثَ بِالْمَوْتِ وَحَكَمَ لَهَا بِالنِّصْفِ وَلِلزَّوْجِ بِالنِّصْفِ بِحُدُوثِ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقِسْمَةِ وَالْقِسْمَةُ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَا قَدْ مُلِكَ فلاحظ لِلْقِسْمَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ لِأَنَّ الْقِسْمَةَ تَبَعٌ لِلْمِلْكِ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ لَا يَزُولَ مِلْكُ الْأُخْتِ عَنْهُ بِإِسْلَامِ الِابْنِ كَمَا لَا يَزُولُ مِلْكُهَا عَنْهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ وَأَمَّا مَوَارِيثُ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَقَعْ عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ فَلَمَّا طَرَأَ الْإِسْلَامُ حُمِلَتْ عَلَى أحكام الشرع إذا لَمْ يَكُنْ مَا وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ مُسْتَقَرًّا ثَابِتًا فَعُفِيَ لَهُمْ عَمَّا قَدْ اقْتَسَمُوهُ وَحُمِلَ مَا لَمْ يُقَسَّمْ مِنْهَا عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ كَمَا عُفِيَ لَهُمْ عَنْ الرِّبَا الْمَقْبُوضِ وَحُمِلَ بَعْدَ وُرُودِ تَحْرِيمِ الرِّبَا مَا لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا عَلَى حُكْمِ الشَّرْعِ فَأَبْطَلَ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ رَدَّ رَأْسِ الْمَالِ وَمَوَارِيثُ الْإِسْلَامِ قَدْ ثَبَتَتْ وَاسْتَقَرَّ حُكْمُهَا وَلَا يَجُوزُ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَيْهَا فَلَا اعْتِبَارَ فِيهَا بِالْقِسْمَةِ وَلَا عَدَمِهَا كَمَا أَنَّ عُقُودَ الرِّبَا لَوْ أُوقِعَتْ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَاسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ حُكْمُ الْمَقْبُوضِ مِنْهَا وَغَيْرُ الْمَقْبُوضِ في بطلان الجميع وَأَيْضًا لَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ مَنْ وَرِثَ مِيرَاثًا فَمَاتَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَنَّ نَصِيبَهُ مِنْ الْمِيرَاثِ لَوَرَثَتِهِ وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّ لَمْ يَبْطُلْ مِيرَاثُهُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ كَانَ مُرْتَدًّا وَقْتَ الْمَوْتِ فَكَذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ أَعْتَقَ بَعْدَ الْمَوْت قبل القسمة فلاحظ لَهُ فِي الْمِيرَاثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ حَدِّ الزَّانِيَيْنِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ الْآيَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حَدَّ الزَّانِيَةِ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ مَنْسُوخٌ غَيْرُ ثَابِتِ الْحُكْمِ حدثنا جعفر بن محمد الواسطي قال حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قال حدثنا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جريح وعثمان بن عطاء الخراساني عن ابن عباس فِي قَوْله تَعَالَى وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ- إلى قوله تعالى- سَبِيلًا قَالَ وَقَالَ فِي الْمُطَلَّقَاتِ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قَالَ هَذِهِ الْآيَاتُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ سُورَةُ النُّورِ فِي الْجَلْدِ نَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ قال والسبيل
стр. 812
الذي جعله لهن الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ قَالَ فَإِذَا جَاءَتْ الْيَوْمَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَإِنَّهَا تُخْرَجُ وَتُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ قَالَ
وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ ابن أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الآية وفي قوله تعالى وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما قَالَ كَانَتْ الْمَرْأَةُ إذَا زَنَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْتِ حَتَّى تَمُوتَ وَكَانَ الرَّجُلُ إذَا زَنَى أُوذِيَ بِالتَّعْيِيرِ وَبِالضَّرْبِ بِالنِّعَالِ قَالَ فَنَزَلَتْ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ قَالَ وَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رُجِمَا بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فَهُوَ سَبِيلُهَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهَا يَعْنِي قَوْله تَعَالَى حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ حُكْمُ الزَّانِيَةِ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ مَا أَوْجَبَ مِنْ حَدِّهَا بِالْحَبْسِ إلَى أَنْ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ فَرْقٌ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حُكْمًا عَامًّا فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ وقوله تعالى وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ أَنَّ الْمُرَادَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَقَالَ السُّدِّيُّ الْبِكْرَيْنِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ أَرَادَ الرَّجُلَيْنِ الزَّانِيَيْنِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ الْأَخِيرُ يُقَالُ إنَّهُ لَا يصح لأنه لا معنى للتثنية هاهنا إذْ كَانَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ إنَّمَا يَجِيئَانِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْجِنْسِ الشَّامِلِ لَجَمِيعِهِمْ وَقَوْلُ الْحَسَنِ صَحِيحٌ وَتَأْوِيلُ السُّدِّيِّ مُحْتَمَلٌ أَيْضًا فَاقْتَضَتْ الْآيَتَانِ بِمَجْمُوعِهِمَا أَنَّ حَدَّ الْمَرْأَةِ كَانَ الْأَذَى وَالْحَبْسَ جَمِيعًا إلَى أَنْ تَمُوتَ وَحَدَّ الرَّجُلِ التَّعْيِيرُ وَالضَّرْبُ بِالنِّعَالِ إذْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مَخْصُوصَةً فِي الْآيَةِ الْأَوْلَى بِالْحَبْسِ وَمَذْكُورَةً مَعَ الرَّجُلِ في الآية الثانية بالأذى فاجتمع لها الأمر ان جَمِيعًا وَلَمْ يَذْكُرْ لِلرِّجَالِ إلَّا الْأَذَى فَحَسْبُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَتَانِ نَزَلَتَا مَعًا فَأَفْرَدَتْ الْمَرْأَةُ بِالْحَبْسِ وَجُمِعَا جَمِيعًا فِي الْأَذَى وَتَكُونُ فَائِدَةُ إفْرَادِ الْمَرْأَةِ بِالذِّكْرِ إفْرَادَهَا بِالْحَبْسِ إلَى أَنْ تَمُوتَ وَذَلِكَ حُكْمٌ لَا يُشَارِكُهَا فِيهِ الرَّجُلُ وَجُمِعَتْ مَعَ الرَّجُلِ فِي الْأَذَى لَاشْتِرَاكِهِمَا فِيهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إيجَابُ الْحَبْسِ لِلْمَرْأَةِ مُتَقَدِّمًا لِلْأَذَى ثُمَّ زِيدَ فِي حَدِّهَا وَأَوْجَبَ عَلَى الرَّجُل الْأَذَى فَاجْتَمَعَ لِلْمَرْأَةِ الْأَمْرَانِ وَانْفَرَدَ الرَّجُلُ بِالْأَذَى دُونَهَا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْإِمْسَاكَ فِي الْبُيُوتِ إلَى الْمَوْتِ أَوْ السَّبِيلَ قَدْ كَانَ حَدَّهَا فَإِذَا أُلْحِقَ بِهِ الْأَذَى صَارَ مَنْسُوخًا لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي النَّصِّ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهِ تُوجِبُ النَّسْخَ إذْ كَانَ الْحَبْسُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ جَمِيعَ حَدِّهَا وَلَمَّا وَرَدَتْ الزِّيَادَةُ صَارَ بَعْضَ حَدِّهَا فَهَذَا
стр. 813
يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ كَوْنُ الْإِمْسَاكِ حَدًّا مَنْسُوخًا وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْأَذَى حَدًّا لَهُمَا جَمِيعًا بَدِيًّا ثُمَّ زِيدَ فِي حَدِّ الْمَرْأَةِ الْحَبْسُ إلَى الْمَوْتِ أَوْ السَّبِيلُ الَّذِي يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهَا فَيُوجِبُ ذَلِكَ نَسْخَ الْأَذَى فِي الْمَرْأَةِ أَنْ يَكُونَ حَدًّا لِأَنَّهُ صَارَ بَعْضَهُ بَعْدَ نُزُولِ الْحَبْسِ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ فَإِنْ قِيلَ هَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْحَبْسُ مَنْسُوخًا بِإِسْقَاطِ حُكْمِهِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَذَى إذَا كَانَ نازل بَعْدَهُ قِيلَ لَهُ لَا يَجُوزُ نَسْخُهُ عَلَى جِهَةِ رَفْعِ حُكْمِهِ رَأْسًا إذْ لَيْسَ فِي إيجَابِ الْأَذَى مَا يَنْفِي الْحَبْسَ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا وَلَكِنَّهُ يَكُونُ نَسْخُهُ مِنْ طَرِيقِ أَنَّهُ يَصِيرُ بَعْضَ الْحَدِّ بَعْدَ أَنْ كَانَ جَمِيعَهُ وَذَلِكَ ضَرْبٌ مِنْ النَّسْخِ وَقَدْ قِيلَ فِي تَرْتِيبِ الْآيَتَيْنِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا مَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أن قوله تعالى وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما نَزَلَتْ قَبْلَ قَوْله تَعَالَى وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ ثُمَّ أَمَرَ أَنْ تُوضَعَ فِي التِّلَاوَةِ بَعْدَهُ فَكَانَ الْأَذَى حَدًّا لَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ الْحَبْسُ لِلْمَرْأَةِ مَعَ الْأَذَى وَذَلِكَ يَبْعُدُ مِنْ وَجْهٍ لأن قوله تعالى وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما الهاء التي في قوله تعالى يَأْتِيانِها كِنَايَةٌ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُظْهِرٍ مُتَقَدِّمٍ مَذْكُورٍ فِي الْخِطَابِ أَوْ مَعْهُودٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ المخاطب وليس في قوله تعالى وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ دَلَالَةٌ مِنْ الْحَالِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْفَاحِشَةُ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ كِنَايَةً رَاجِعَةً إلَى الْفَاحِشَةِ التي تقدم ذكرها في أول الآية إذا لَوْ لَمْ تَكُنْ كِنَايَةً عَنْهَا لَمْ يَسْتَقِمْ الْكَلَامُ بِنَفْسِهِ فِي إيجَابِ الْفَائِدَةِ وَإِعْلَامِ الْمُرَادِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وقَوْله تَعَالَى إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِأَنَّ مِنْ مَفْهُومِ ذِكْرِ الْإِنْزَالِ أَنَّهُ الْقُرْآنُ وَفِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ أَنَّهَا الْأَرْضُ فَاكْتَفَى بِدَلَالَةِ الْحَالِ وَعِلْمِ الْمُخَاطَبِ بالمراد الْمَكِنِيِّ عَنْهُ فَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ الْخِطَابِ أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ مَعَانِي الْآيَتَيْنِ عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِ اللَّفْظِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَا نَزَلَتَا مَعًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْأَذَى نَازِلًا بَعْدَ الْحَبْسِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْأَذَى مَنْ أُرِيدَ
بِالْحَبْسِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي مَا رُوِيَ عَنْ السُّدِّيِّ أن قوله تعالى وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ إنَّمَا كَانَ حُكْمًا فِي الْبِكْرَيْنِ خَاصَّةً وَالْأَوْلَى فِي الثَّيِّبَاتِ دُونَ الْأَبْكَارِ إلَّا أَنَّ هَذَا قَوْلٌ يُوجِبُ تَخْصِيصَ اللَّفْظِ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ وَذَلِكَ غَيْرُ سَائِغٍ لِأَحَدٍ مَعَ إمْكَانِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظَيْنِ على حقيقة مقتضاهما وعلى أى وجه تصرفت وُجُوهُ الِاحْتِمَالِ فِي حُكْمِ الْآيَتَيْنِ وَتَرْتِيبِهِمَا فَإِنَّ الْأُمَّةَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي نَسْخِ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ عَنْ الزَّانِيَيْنِ وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَى السَّبِيلِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ
стр. 814
فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ السَّبِيلَ الَّذِي جعله الْجَلْدُ لِغَيْرِ الْمُحْصَنِ وَالرَّجْمُ لِلْمُحْصَنِ وَعَنْ قَتَادَةَ مِثْلُ ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي بَعْضِ الروايات أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا أَوْ يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ كَانَ عَامًّا فِي الْحَامِلِ وَالْحَائِلِ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ السَّبِيلُ مَذْكُورًا لَهُنَّ جَمِيعًا وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِيمَا نَسَخَ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ فَقَالَ قَائِلُونَ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وقد كان قوله تعالى وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فِي الْبِكْرَيْنِ فَنُسِخَ ذَلِكَ عَنْهُمَا بِالْجَلْدِ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَبَقِيَ حُكْمُ الثَّيِّبِ مِنْ النِّسَاءِ الْحَبْسُ فَنُسِخَ بِالرَّجْمِ وَقَالَ آخَرُونَ نُسِخَ بحديث عبادة ابن الصَّامِتِ وَهُوَ مَا
حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو النصر عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الْبِكْرُ تُجْلَدُ وَتُنْفَى وَالثَّيِّبُ تُجْلَدُ وَتُرْجَمُ
وَهَذَا هو صحيح وَذَلِكَ لِأَنَّ
قَوْلَهُ خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِلسَّبِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْحَبْسِ وَالْأَذَى وَاسِطَةُ حُكْمٍ وَأَنَّ آيَةَ الْجَلْدِ الَّتِي فِي سُورَةِ النُّورِ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ حِينَئِذٍ لَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَزَلَتْ كَانَ السَّبِيلُ مُتَقَدِّمًا لِقَوْلِهِ خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَلَمَّا صَحَّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُوجِبَ لِنَسْخِ الحبس والأذى وقول النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَنَّ آيَةَ الْجَلْدِ نَزَلَتْ بَعْدَهُ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ القرآن بالسنة إذ نسخ
بقوله خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا
مَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنْ الْحَبْسِ وَالْأَذَى بِنَصِّ التنزيل فإن قيل فقوله تعالى وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ وَمَا ذُكِرَ فِي الْآيَتَيْنِ مِنْ الْحَبْسِ وَالْأَذَى كَانَ فِي الْبِكْرَيْنِ دُونَ الثَّيِّبَيْنِ قِيلَ لَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ السَّلَفُ فِي أَنَّ حُكْمَ الْمَرْأَةِ الثَّيِّبِ كَانَ الْحَبْسَ وَإِنَّمَا قَالَ السُّدِّيُّ إنَّ الْأَذَى كَانَ فِي الْبِكْرَيْنِ خَاصَّةً وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ السَّبِيلِ الْمَذْكُورِ فِي آيَةِ الْحَبْسِ وَذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فِي الثَّيِّبِ فَأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا
بِقَوْلِهِ الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ
فَلَمْ يَخْلُ الْحَبْسُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ بِغَيْرِ الْقُرْآنِ وَهِيَ الْأَخْبَارُ الَّتِي فِيهَا إيجَابُ رَجْمِ الْمُحْصَنِ فَمِنْهَا حَدِيثُ عُبَادَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا
وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةَ وَعُثْمَانَ حِين كَانَ مَحْصُورًا فَاسْتَشْهَدَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ
стр. 815
لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ وَزِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ وقتل نفس بغير نفس
وقصة ما عز وَالْغَامِدِيَّةِ وَرَجْمُ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُمَا قَدْ نَقَلَتْهُ الْأُمَّةُ لَا يَتَمَارَوْنَ فِيهِ فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْخَوَارِجُ بِأَسْرِهَا تُنْكِرُ الرَّجْمَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَنْقُولًا مِنْ جِهَةِ الِاسْتِفَاضَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ لَمَا جَهِلَتْهُ الْخَوَارِجُ قِيلَ لَهُ إنَّ سَبِيلَ الْعِلْمِ بِمَخْبَرِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ السَّمَاعُ مِنْ نَاقِلِيهَا وَتَعَرُّفُهُ مِنْ جِهَتِهِمْ وَالْخَوَارِجُ لَمْ تُجَالِسْ فُقَهَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَنَقَلَةَ الْأَخْبَارِ مِنْهُمْ وَانْفَرَدُوا عَنْهُمْ غَيْرَ قَابِلِينَ لَأَخْبَارِهِمْ فَلِذَلِكَ شَكُّوا فِيهِ وَلَمْ يُثْبِتُوهُ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مِنْ أَوَائِلِهِمْ قَدْ عَرَفُوا ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الاستفاضة ثم جحدوه مُحَامَلَةً مِنْهُمْ عَلَى مَا سَبَقُوا إلَى اعْتِقَادِهِ مِنْ رَدِّ أَخْبَارِ مَنْ لَيْسَ عَلَى مَقَالَتِهِمْ وَقَلَّدَهُمْ الْأَتْبَاعُ وَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَمْ يَقَعْ لَهُمْ الْعِلْمُ بِهِ أَوْ الَّذِينَ عَرَفُوهُ كَانُوا عَدَدًا يَسِيرًا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ كِتْمَانُ مَا عَرَفُوهُ وَجَحَدُوهُ وَلَمْ يَكُونُوا صَحَابَةً فَيَكُونُوا قَدْ عَرَفُوهُ مِنْ جِهَةِ الْمُعَايَنَةِ أَوْ بِكَثْرَةِ السَّمَاعِ مِنْ الْمُعَايِنِينَ لَهُ فَلَمَّا خَلَوْا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفُوهُ أَلَا تَرَى أَنَّ فَرَائِضَ صَدَقَاتِ الْمَوَاشِي مَنْقُولَةٌ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ وَلَا يَعْرِفُهَا إلَّا أَحَدُ رَجُلَيْنِ إمَّا فَقِيهٌ قَدْ سَمِعَهَا فَثَبَتَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِهَا مِنْ جِهَةِ النَّاقِلِينَ لَهَا وَإِمَّا رَجُلٌ صَاحِبُ مَوَاشٍ تَكْثُرُ بَلْوَاهُ بِوُجُوبِهَا فَيَتَعَرَّفُهَا لِيَعْلَمَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهَا وَمِثْلُهُ أَيْضًا إذَا كَثُرَ سَمَاعُهُ وَقَعَ لَهُ الْعِلْمُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ الْآحَادِ لَمْ يَعْلَمْهَا وَهَذَا سَبِيلُ الْخَوَارِجِ فِي جُحُودِهِمْ الرَّجْمُ وَتَحْرِيمُ تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِمَّا اخْتَصَّ أَهْلُ الْعَدْلِ بِنَقْلِهِ دُونَ الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ أَحْكَامًا مِنْهَا اسْتِشْهَادُ أَرْبَعَةٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ عَلَى الزِّنَا وَمِنْهَا الْحَبْسُ لِلْمَرْأَةِ وَالْأَذَى لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا وَمِنْهَا سُقُوطُ الْأَذَى وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُمَا بِالتَّوْبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما وَهَذِهِ التَّوْبَةُ إنَّمَا كَانَتْ مُؤَثِّرَةً فِي إسْقَاطِ الْأَذَى دُونَ الْحَبْسِ وَأَمَّا الْحَبْسُ فَكَانَ مَوْقُوفًا عَلَى وُرُودِ السَّبِيلِ وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ السَّبِيلَ وَهُوَ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ وَنُسِخَ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ إلَّا مَا ذُكِرَ مِنْ اسْتِشْهَادِ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ فَإِنَّ اعْتِبَارَ عَدَدِ الشُّهُودِ بَاقٍ فِي الْحَدِّ الَّذِي نُسِخَ بِهِ الْحَدَّانِ الْأَوَّلَانِ وَهُوَ الْجَلْدُ وَالرَّجْمُ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وقال تعالى لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ فَلَمْ يُنْسَخْ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ وَلَمْ يُنْسَخْ الِاسْتِشْهَادُ
стр. 816
أَيْضًا وَهَذَا يُوجِبُ جَوَازَ إحْضَارِ الشُّهُودِ وَالنَّظَرُ إلى الزانيين لإقامة الحد عليها لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالِاسْتِشْهَادِ عَلَى الزِّنَا وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بِتَعَمُّدِ النَّظَرِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ النَّظَرِ إلَى الزَّانِيَيْنِ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا لَا يُسْقِطُ شَهَادَتَهُ وَكَذَلِكَ فِعْلُ أَبُو بَكْرٍ مَعَ شِبْلِ بْنِ مَعْبَدٍ وَنَافِعِ بْنِ الْحَارِثِ وَزِيَادِ فِي قِصَّةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ
وقَوْله تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ الْآيَةَ رَوَى الشَّيْبَانِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ كَانُوا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقَّ بِامْرَأَتِهِ مِنْ وَلِيِّ نَفْسِهَا إنْ شَاءَ بَعْضُهُمْ تَزَوَّجَهَا وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ كَانَ الرَّجُلُ إذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ قَالَ وَلِيُّهُ وَرِثْت امْرَأَتَهُ كَمَا وَرِثْت مَالَهُ فَإِنْ شَاءَ تَزَوَّجَهَا بِالصَّدَاقِ الْأَوَّلِ وَإِنْ شَاءَ زَوَّجَهَا وَأَخَذَ صَدَاقَهَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ ابْنَهَا قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ فَكَانَ بِالْمِيرَاثِ أَوْلَى مِنْ وَلِيِّ نَفْسِهَا
وَرَوَى جُوَيْبِرٌ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانُوا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إذَا مَاتَ الرَّجُلُ يَقُومُ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْهُ فَيُلْقِي عَلَى امْرَأَتِهِ ثَوْبًا فَيَرِثُ نِكَاحَهَا فَمَاتَ أَبُو عَامِرٍ زَوْجُ كَبْشَةَ بِنْتِ معن فجاء ابن عامر من غيرهما وَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبًا فَلَمْ يَقْرَبْهَا وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا فَشَكَتْ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَ
أَنْ تُؤْتُوهُنَّ الصَّدَاقَ الْأَوَّلَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ كَانَ يَحْبِسُهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهَا حَتَّى تَمُوتَ فيرثها فنهوا عن ذلك وقَوْله تَعَالَى وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ هُوَ أمر للأزواج تخلية سَبِيلِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا حَاجَةٌ ولا يمسكها إضرار بِهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ بِبَعْضِ مَالِهَا وَقَالَ الْحَسَنُ هُوَ نَهْيٌ لِوَلِيِّ الزَّوْجِ الْمَيِّتِ أَنْ يَمْنَعَهَا من التزويج عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ هُوَ نَهْيٌ لِوَلِيِّهَا أَنْ يَعْضُلَهَا قَالَ أبو بكر الأظهر هو التأويل تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ وَمَا ذُكِرَ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ يُرِيدُ بِهِ الْمَهْرَ حَتَّى تَفْتَدِيَ كَأَنَّهُ يَعْضُلَهَا أَوْ يُسِيءُ إلَيْهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَهْرِهَا وقَوْله تَعَالَى إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قَالَ الْحَسَنُ وَأَبُو قِلَابَةَ وَالسُّدِّيُّ هُوَ الزِّنَا وَإِنَّهُ إنَّمَا تَحِلُّ لَهُ الْفِدْيَةُ إذَا اطَّلَعَ مِنْهَا عَلَى رِيبَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَقَتَادَةُ هِيَ النُّشُوزُ فَإِذَا نَشَزَتْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا الْفِدْيَةَ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ أَمْرَ الْخُلْعِ وَأَحْكَامِهِ
стр. 817
وقوله تعالى وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أَمْرٌ لِلْأَزْوَاجِ بِعِشْرَةِ نِسَائِهِمْ بِالْمَعْرُوفِ وَمِنْ الْمَعْرُوف أَنْ يُوفِيَهَا حَقَّهَا مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَالْقَسْمِ وَتَرْكِ أَذَاهَا بِالْكَلَامِ الْغَلِيظِ وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَالْمَيْلُ إلَى غَيْرِهَا وَتَرْكِ الْعُبُوسِ وَالْقُطُوبِ فِي وَجْهِهَا بغير ذنب جرى مجرى ذلك نَظِيرُ قَوْله تَعَالَى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وقَوْله تَعَالَى فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَى إمْسَاكِهَا مَعَ كراهته لَهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مَا يُوَافِقُ مَعْنَى ذَلِكَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو داود قَالَ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ وَاصِلٍ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قال أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ
وَحَدَّثَنَا عبد الباقي بن قانع قال حدثنا محمد بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ النِّيلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُهَلَّبُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ بَيَانٍ عَنْ عِمْرَانَ الْقَطَّانِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجُوا وَلَا تُطَلِّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يحب الذواقين والذوقات
فَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مُوَافِقٌ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ مِنْ كَرَاهَةِ الطَّلَاقِ وَالنَّدْبِ إلَى الْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ مَعَ كَرَاهَتِهِ لَهَا وَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْخِيرَةَ رُبَّمَا كَانَتْ لَنَا فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا نَكْرَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ
وقَوْله تَعَالَى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً الْآيَةَ قَدْ اقْتَضَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إيجَابَ الْمَهْرِ لَهَا تَمْلِيكًا صَحِيحًا وَمَنْعَ الزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا أَعْطَاهَا وَأَخْبَرَ أَنَّ ذَلِكَ سَالِمٌ لَهَا سَوَاءٌ اسْتَبْدَلَ بِهَا أَوْ أَمْسَكَهَا وَأَنَّهُ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ إلَّا بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ فِي قَوْله تَعَالَى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي حَظْرَ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ بَعْدَ الْخَلْوَةِ فَيُحْتَجُّ بِهِ فِي إيجَابِ كَمَالِ الْمَهْرِ إذَا طَلَّقَ بَعْدَ الْخَلْوَةِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي حَظْرِ الْأَخْذِ فِي كُلِّ حَالٍ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَقَدْ خَصَّ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الْخَلْوَةِ فِي سُقُوطِ نِصْفِ الْمَهْرِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ مُرَادٌ إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الْخَلْوَةِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْخَلْوَةِ هَلْ هِيَ الْمَسِيسُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَوْ الْمَسِيسُ الْجِمَاعُ وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ لِأَنَّ عَلِيًّا وعمرو غيرهما مِنْ الصَّحَابَةِ قَدْ تَأَوَّلُوهُ
стр. 818
عَلَيْهَا وَتَأَوَّلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَلَى الْجِمَاعِ فَلَا يَخُصُّ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً بِالِاحْتِمَالِ وقَوْله تَعَالَى وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً يدل على أن من وهب محله مراته هِبَةً لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا لِأَنَّهَا مِمَّا آتَاهَا وَعُمُومُ اللَّفْظِ قَدْ حَظَرَ أَخْذَ شَيْءٍ مِمَّا آتَاهَا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْمَهْرِ وَغَيْرِهِ وَيُحْتَجُّ فِيمَنْ خَلَعَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ وَقَدْ أَعْطَاهَا صَدَاقَهَا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ مِنْ الصَّدَاقِ الَّذِي أَعْطَاهَا عَيْنًا كان أو عرضا مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ وَيَحْتَجُّ بِهِ فِيمَنْ أَسَلَفَ امْرَأَتَهُ نَفَقَتَهَا لِمُدَّةٍ ثُمَّ مَاتَتْ قَبْلَ الْمُدَّةِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي مِيرَاثِهَا بِشَيْءٍ مِمَّا أَعْطَاهَا لِعُمُومِ اللَّفْظِ لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى بَعْدَ مَوْتِهَا مُسْتَبْدِلًا بِهَا مَكَانَ الْأُولَى فَظَاهِرُ اللَّفْظِ قَدْ تَنَاوَلَ هَذِهِ الْحَالَ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا عَقِبَ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَوَّلِ الْخِطَابِ فِيمَا أَعْطَاهَا هُوَ الْمَهْرُ دُونَ غَيْرِهِ إذْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى إنَّمَا يَخْتَصُّ بِالْمَهْرِ دُونَ مَا سِوَاهُ قِيلَ لَهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ الْخِطَابِ عُمُومًا فِي جَمِيعِ مَا انْتَظَمَهُ الِاسْمُ وَيَكُونُ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ خَاصٍّ فِيهِ وَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ خُصُوصَ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَقَدْ بَيَّنَّا نَظَائِرَ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ وَهَذِهِ الْآيَةُ أَيْضًا تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِهَا ثُمَّ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ مِنْ قِبَلِهَا بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ أَنَّ مَهْرَهَا وَاجِبٌ لَا يُبْطِلُهُ وُقُوعُ الْفُرْقَةِ مِنْ قِبَلِهَا وَفَائِدَةُ تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعَالَى حَالَ الِاسْتِبْدَالِ بِالنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ شَيْءٍ مِمَّا أَعْطَاهَا مَعَ شُمُولِ الْحَظْرِ لِسَائِرِ الْأَحْوَالِ إزَالَةُ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ حُصُولِ الْبُضْعِ لَهَا وَسُقُوطِ حَقِّ الزَّوْجِ عَنْهُ بِطَلَاقِهَا وَأَنَّ الثَّانِيَةَ قَدْ قَامَتْ مَقَامَ الْأُولَى فَتَكُونُ أَوْلَى بِالْمَهْرِ الَّذِي أَعْطَاهَا فَنَصَّ عَلَى حَظْرِ الْأَخْذِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَدَلَّ بِهِ عَلَى عُمُومِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ إذَا لَمْ يُبِحْ لَهُ أَخْذَ شَيْءٍ مِمَّا أَعْطَاهَا في الحال التي يسقط حقه عن بعضها فَهُوَ أَوْلَى أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا مَعَ بَقَاءِ حَقِّهِ فِي اسْتِبَاحَةِ بُضْعِهَا وَكَوْنِهِ أَمْلَكَ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا وَأَكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى حَظْرَ أَخْذِ شَيْءٍ مِمَّا أَعْطَى بِأَنْ جَعَلَهُ ظُلْمًا كَالْبُهْتَانِ وَهُوَ الْكَذِبُ الَّذِي يُبَاهِتُ بِهِ مُخْبِرُهُ وَيُكَابِرُ بِهِ مِنْ يُخَاطِبُهُ وَهَذَا أَقْبَحُ مَا يَكُونُ مِنْ الْكَذِبِ وَأَفْحَشُهُ فَشَبَّهَ أَخْذَ مَا أَعْطَاهَا بِغَيْرِ حَقٍّ بِالْبُهْتَانِ فِي قُبْحِهِ فَسَمَّاهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا
قَوْلُهُ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً قَالَ أَبُو بَكْرٍ ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ الْإِفْضَاءَ هُوَ الْخَلْوَةُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ دُخُولٌ وَقَوْلُ الْفَرَّاءِ حُجَّةٌ فِيمَا يَحْكِيهِ مِنْ اللُّغَةِ فَإِذَا كَانَ اسْمُ الْإِفْضَاءِ يَقَعُ عَلَى الْخَلْوَةِ فَقَدْ منعت
стр. 819
الْآيَةُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا بَعْدَ الْخَلْوَةِ وَالطَّلَاقِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ قَدْ أَفَادَ الْفُرْقَةَ وَالطَّلَاقَ وَالْإِفْضَاءُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْفَضَاءِ وَهُوَ الْمَكَانُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ بِنَاءٌ حَاجِزٌ عَنْ إدْرَاكِ مَا فِيهِ فَسُمِّيت الْخَلْوَةُ إفْضَاءً لِزَوَالِ الْمَانِعِ مِنْ الْوَطْءِ وَالدُّخُولِ وَمِنْ النَّاسِ مِنْ يَقُولُ إنَّ الْفَضَاءَ السَّعَةُ وَأَفْضَى إذا صار الْمُتَّسَعِ مِمَّا يَقْصِدُهُ وَجَائِزٌ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ أَيْضًا أَنْ تُسَمَّى الْخَلْوَةُ إفْضَاءً لَوُصُولِهِ بِهَا إلَى مَكَانِ الْوَطْءِ وَاتِّسَاعِ ذَلِكَ بِالْخَلْوَةِ وَقَدْ كَانَ يَضِيقُ عَلَيْهِ الْوُصُولُ إلَيْهَا قَبْلَ الْخَلْوَةِ فَسُمِّيت الْخَلْوَةُ إفْضَاءً لِهَذَا الْمَعْنَى فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِمَّا أَعْطَاهَا مَعَ إفْضَاءِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ وَهُوَ الْوُصُولُ إلَى مَكَانِ الْوَطْءِ وَبَذْلُهَا ذَلِكَ لَهُ وَتَمْكِينُهَا إيَّاهُ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهَا فَظَاهِرُ هَذِهِ الآية تمنع الزَّوْجَ أَخْذَ شَيْءٍ مِمَّا أَعْطَاهَا إذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنْ قِبَلِهِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الْمَرِيدُ لِلْفُرْقَةِ دُونَهَا وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّ النُّشُوزَ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ مَهْرِهَا وَإِذَا كَانَ مِنْ قِبَلِهَا فَجَائِزٌ لَهُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فَقِيلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّ الْفَاحِشَةَ هِيَ النشوز وقال غيره هي الزنا ولقوله تَعَالَى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَذَلِكَ غَلَطٌ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ قَدْ أَفَادَ حَالَ كَوْنِ النُّشُوزِ مِنْ قِبَلِهِ وقَوْله تَعَالَى إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ إنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ حَالٍ أُخْرَى غَيْرُ الْأُولَى وَهِيَ الْحَالُ الَّتِي يَكُونُ النُّشُوزُ مِنْهَا وَافْتَدَتْ فِيهَا الْمَرْأَةُ مِنْهُ فَهَذِهِ حَالٌ غَيْرُ تِلْكَ وكل واحد مِنْ الْحَالَيْنِ مَخْصُوصَةٌ بِحُكْمٍ دُونَ الْأُخْرَى وقَوْله تعالى وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ هُوَ قَوْلُهُ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ قَالَ قَتَادَةُ وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّاكِحِ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ اللَّهُ عَلَيْك لَتُمْسِكَنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ لَتُسَرِّحَنَّ بِإِحْسَانٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ كَلِمَةُ النِّكَاحِ الَّتِي يُسْتَحَلُّ بِهَا الْفَرْجُ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنْ النِّسَاءِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ «٤- أحكام لث»
стр. 820
غُلَامُ ثَعْلَبٍ قَالَ الَّذِي حَصَّلْنَاهُ عَنْ ثَعْلَبٍ عَنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْمُبَرِّدِ عَنْ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّ النِّكَاحَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ هُوَ اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشيئين تقول العرب أنكحنا الفرافسنرى هُوَ مَثَلٌ ضَرَبُوهُ لِلْأَمْرِ يَتَشَاوَرُونَ فِيهِ وَيَجْتَمِعُونَ عليه ثم ينظر عما ذا يَصْدُرُونَ فِيهِ مَعْنَاهُ جَمَعْنَا بَيْنَ الْحِمَارِ وَأَتَانِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ إذًا كَانَ اسْمُ النِّكَاحِ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ مَوْضُوعًا لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ ثُمَّ وَجَدْنَاهُمْ قَدْ سَمَّوْا الْوَطْءَ نَفْسَهُ نِكَاحًا مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
وَمَنْكُوحَةٌ غير ممهورة ... وأخرى يقال له فادها
يعن المسبية الموطوأة بِغَيْرِ مَهْرٍ وَلَا عَقْدٍ وَقَالَ الْآخَرُ:
وَمِنْ أَيِّمٍ قَدْ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا ... وَأُخْرَى عَلَى عَمٍّ وخال تلهف
وهو يَعْنِي الْمَسْبِيَّةَ أَيْضًا وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ أَيْضًا:
فَنَكَحْنَ أَبْكَارًا وَهُنَّ بِأُمَّةٍ ... أَعْجَلْنَهُنَّ مَظِنَّةَ الْإِعْذَارِ
وَهُوَ يَعْنِي الْوَطْءَ أَيْضًا وَلَا يَمْتَنِعُ أَحَدٌ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ النِّكَاحِ عَلَى الْوَطْءِ وَقَدْ تَنَاوَلَ الِاسْمُ الْعَقْدَ أَيْضًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدُ دُونَ الْوَطْءِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَا مِنْ نِكَاحٍ وَلَسْت مِنْ سِفَاحٍ
فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اسْمَ النِّكَاحِ يَقَعُ عَلَى الْعَقْدِ وَالثَّانِي دَلَالَتُهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَتَنَاوَلُ الْوَطْءَ مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ لَوْلَا ذَلِكَ لَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ أَنَا مِنْ نِكَاحٍ إذْ كَانَ السِّفَاحُ لَا يَتَنَاوَلُ اسْمَ النِّكَاحِ بِحَالٍ فَدَلَّ قَوْلُهُ وَلَسْت مِنْ سِفَاحٍ بَعْدَ تَقْدِيمِ ذِكْرِ النِّكَاحِ أَنَّ النِّكَاحَ يَتَنَاوَلُ لَهُ الْأَمْرَيْنِ فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّهُ مِنْ الْعَقْدِ الْحَلَالِ لَا مِنْ النِّكَاحِ الَّذِي هُوَ سِفَاحٌ وَلَمَّا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْمَ يَنْتَظِمُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا مِنْ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ وَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ هَذَا الِاسْمِ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ وَأَنَّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَالْجَمْعُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوَطْءِ دُونَ الْعَقْدِ إذْ الْعَقْدُ لَا يَقَعُ بِهِ جَمْعٌ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْهُمَا جَمِيعًا لَا يَقْتَضِي جَمْعًا فِي الْحَقِيقَةِ ثَبَتَ أَنَّ اسْمَ النِّكَاحِ حَقِيقَةٌ لِلْوَطْءِ مَجَازٌ لِلْعَقْدِ وَأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا سُمِّيَ نِكَاحًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الْوَطْءِ تَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ أَوْ مُجَاوِرًا لَهُ مِثْلُ الشَّعْرِ الَّذِي يُوَلِّدُ الصَّبِيُّ وَهُوَ عَلَى رَأْسِهِ يُسَمَّى عَقِيقَةً ثُمَّ سُمِّيت الشَّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عنه عند حلق ذلك الشعر عقيقة وكالرواية الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِلْجَمَلِ الَّذِي يَحْمِلُ الْمَزَادَةَ ثُمَّ سُمِّيَتْ الْمَزَادَةُ رَاوِيَةً لِاتِّصَالِهَا بِهِ وَقُرْبِهَا مِنْهُ وَقَالَ أَبُو النَّجْمِ:
стр. 821
تَمْشِي مِنْ «١» الرِّدَّةِ مَشْيَ الْحُفَّلِ ... مَشْيَ الرَّوَايَا بِالْمَزَادِ الْأَثْقَلِ
وَنَحْوُهُ الْغَائِطُ هُوَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُطْمَئِنِّ مِنْ الْأَرْضِ وَيُسَمَّى بِهِ مَا يَخْرُجُ من الإنسان مجازا أنهم كَانُوا يَقْصِدُونَ الْغَائِطَ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ اسْمٌ لِلْوَطْءِ حَقِيقَةً عَلَى مُقْتَضَى مَوْضُوعِهِ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَيُسَمَّى الْعَقْدُ بِاسْمِهِ مَجَازًا لِأَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ وَهُوَ سَبَبُهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمِ الْعَقْدِ مَجَازًا أَنَّ سَائِرَ الْعُقُودِ مِنْ الْبِيَاعَاتِ وَالْهِبَاتِ لا يسمى منها شيء نكاح وَإِنْ كَانَ قَدْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى اسْتِبَاحَةِ وَطْءِ الْجَارِيَةِ إذْ لَمْ تَخْتَصَّ هَذِهِ الْعُقُودُ بِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ لِأَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ تَصِحُّ فِيمَنْ يَحْظُرُ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا كَأُخْتِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَمِنْ النَّسَبِ وَأُمِّ امْرَأَتِهِ وَنَحْوِهَا وَسُمِّيَ الْعَقْدُ الْمُخْتَصُّ بِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ نِكَاحًا لِأَنَّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا لَا يَصِحُّ نِكَاحُهَا فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اسْمَ النِّكَاحِ حَقِيقَةٌ لِلْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ فَوَجَبَ إذَا كَانَ هَذَا عَلَى مَا وَصَفْنَا أَنْ يُحْمَلَ قَوْله تَعَالَى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ عَلَى الْوَطْءِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَ مَنْ وَطِئَهَا أَبُوهُ مِنْ النِّسَاءِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النِّكَاحَ اسْمٌ لِلْوَطْءِ لَمْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالْمُبَاحِ مِنْهُ دُونَ الْمَحْظُورِ كَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَالْوَطْءُ نَفْسُهُ لَا يَخْتَصُّ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِالْمُبَاحِ مِنْهُ دُونَ الْمَحْظُورِ بَلْ هُوَ عَلَى الْأَمْرَيْنِ حَتَّى تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى تَخْصِيصِهِ وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَقُولُ إنَّ قَوْله تَعَالَى مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مُرَادُهُ الْوَطْءُ دُونَ الْعَقْدِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ حَقِيقَةٌ فِيهِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْعَقْدَ لِاسْتِحَالَةِ كَوْنِ لَفْظٍ وَاحِدٍ مَجَازًا حَقِيقَةً فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا أَوْجَبْنَا التَّحْرِيمَ بِالْعَقْدِ بِغَيْرِ الْآيَةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي إيجَابِ تَحْرِيمِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ بِوَطْءِ الزِّنَا فَرَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَجُلٍ زَنَى بِأُمِّ امْرَأَتِهِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَكَذَلِكَ قَوْلُ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانِ بْنِ يَسَارٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَامِرٍ وَحَمَّادٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ وَطْءِ الْأُمِّ قَبْلَ التَّزَوُّجِ أَوْ بَعْدَهُ فِي إيجَابِ تَحْرِيمِ الْبِنْتِ وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِأُمِّ امْرَأَتِهِ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ بِهَا قَالَ تَخَطَّى حُرْمَتَيْنِ وَلَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ وَذَكَرَ الْأَوْزَاعِيُّ عن عطاء أنه كان
стр. 822
يَتَأَوَّلُ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يُحَرِّمُ حَرَامٌ حَلَالًا عَلَى الرَّجُلِ يَزْنِي بِالْمَرْأَةِ وَلَا يُحَرِّمُهَا عَلَيْهِ زِنَاهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عِكْرِمَةُ فِي أَنَّ الزِّنَا بِالْأُمِّ لَا يُحَرِّمُ الْبِنْتَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ عَطَاءٍ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا عِنْدَهُ لَمَا احْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِ
قَوْلِهِ لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ لَا تَحْرُمُ أُمُّهَا وَلَا بِنْتُهَا بِالزِّنَا وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فِي الرَّجُلِ يَزْنِي بِأُمِّ امْرَأَتِهِ قَالَ حَرَامٌ لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَكِنَّهُ إنْ زَنَى بِالْأُمِّ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْبِنْتَ أَوْ زَنَى بِالْبِنْتِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْأُمَّ فَقَدْ حَرُمَتْ فَفَرَّقَ بَيْنَ الزِّنَا بَعْدَ التَّزْوِيجِ وَقَبْلَهُ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا فِي الرَّجُلِ يَلُوطُ بِالرَّجُلِ هَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّهُ وَابْنَتُهُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ هُوَ مِثْلُ وَطْءِ الْمَرْأَةِ بِزِنًا فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَقَالَ مَنْ حَرَّمَ بِهَذَا مِنْ النِّسَاءِ حُرِّمَ مِنْ الرِّجَالِ وَرَوَى إبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ سَأَلْت سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ عَنْ الرَّجُلِ يَلْعَبُ بِالْغُلَامِ أَيَتَزَوَّجُ أُمَّهُ قَالَ لَا وَقَالَ كَانَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يَكْرَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ قَدْ لَعِبَ بِابْنِهَا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي غُلَامَيْنِ يَلُوطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَتُولَدُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ جَارِيَةٌ قَالَ لَا يَتَزَوَّجُهَا الْفَاعِلُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْله تَعَالَى وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ قَدْ أَوْجَبَ تَحْرِيمَ نِكَاحِ امْرَأَةٍ قَدْ وَطِئَهَا أَبُوهُ بِزِنًا أَوْ غَيْرِهِ إذْ كَانَ الِاسْمُ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهَا
وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي وَطْءِ الْأَبِ ثَبَتَ مِثْلُهُ فِي وَطْءِ أُمِّ الْمَرْأَةِ أَوْ ابْنَتِهَا فِي إيجَابِ تحريم المرأة لأن أحدا لم يفرق بينها وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَالدُّخُولُ بِهَا اسْمٌ لِلْوَطْءِ وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ ضُرُوبِ الْوَطْءِ مِنْ مُبَاحٍ أَوْ مَحْظُورٍ وَنِكَاحٍ أَوْ سِفَاحٍ فَوَجَبَ تَحْرِيمُ الْبِنْتِ بِوَطْءٍ كان منه قبل تزويج الأم لقوله تعالى اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدُّخُولَ بِهَا اسْمٌ لِلْوَطْءِ وَأَنَّهُ مُرَادٌ بِالْآيَةِ وَأَنَّ اسْمَ الدُّخُولِ لَا يَخْتَصُّ بِوَطْءِ نِكَاحٍ دُونَ غَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ وَطِئَ الْأُمَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْبِنْتُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِحُكْمِ الْآيَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَهَا بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ فَثَبَتَ أَنَّ الدُّخُولَ لَمَّا كَانَ اسْمًا لِلْوَطْءِ لَمْ يَخْتَصَّ فِيمَا عُلِّقَ بِهِ مِنْ الْحُكْمِ بِوَطْءٍ بِنِكَاحٍ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ سَائِرِ ضُرُوبِ الْوَطْءِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْوَطْءَ آكَدُ فِي إيجَابِ التحريم من العقد لأنا لم نجد وطأ مُبَاحًا إلَّا وَهُوَ مُوجِبٌ لِلتَّحْرِيمِ وَقَدْ وَجَدْنَا عَقْدًا صَحِيحًا لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ وَهُوَ الْعَقْدُ عَلَى الْأُمِّ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْبِنْتِ وَلَوْ وَطِئَهَا حَرُمَتْ فَعَلِمْنَا أَنَّ وُجُودَ الْوَطْءِ عِلَّةٌ لإيجاب التحريم
стр. 823
فَكَيْفَمَا وُجِدَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْرُمَ مُبَاحًا كَانَ الْوَطْءُ أَوْ مَحْظُورًا لِوُجُودِ الْوَطْءِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لم يخرجه من أن يكون وطأ صَحِيحًا فَلَمَّا اشْتَرَكَا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَجَبَ أَنْ يَقَعَ بِهِ تَحْرِيمٌ وَأَيْضًا لَا خِلَافَ أَنَّ الْوَطْءَ بِشُبْهَةٍ وَبِمِلْكِ الْيَمِينِ يَحْرُمَانِ مَعَ عَدَمِ النِّكَاحِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَقَعَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَطْءُ الزِّنَا مُحَرِّمًا لِوُجُودِ الْوَطْءِ الصَّحِيحِ فَإِنْ قِيلَ إنَّ الْوَطْءَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَبِشُبْهَةٍ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِمَا التَّحْرِيمُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَالزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ لِثُبُوتِ النَّسَبِ تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّغِيرَ الَّذِي لَا يُجَامِعُ مِثْلُهُ لَوْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَبِنْتُهَا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِوَطْئِهِ ثُبُوتُ النَّسَبِ وَمَنْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ نِكَاحًا تَعَلَّقَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ ثُبُوتُ النَّسَبِ قَبْلَ الْوَطْءِ حَتَّى لَوْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ قَبْلَ الدُّخُولِ وَبَعْدَ الْعَقْدِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ لَزِمَهُ ولم يتعلق بالعقد تحريم البنت فإذ كُنَّا وَجَدْنَا الْوَطْءَ مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ بِهِ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ وَالْعَقْدَ مَعَ تَعَلُّقِ ثُبُوتِ النَّسَبِ بِهِ لَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ عَلِمْنَا أَنَّهُ لاحظ لِثُبُوتِ النَّسَبِ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ الَّذِي يَجِبُ اعْتِبَارُهُ هُوَ الْوَطْءُ لَا غَيْرُ وَأَيْضًا لَا خِلَافَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنَّهُ لَوْ لَمَسَ أَمَتَهُ لِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا وَلَيْسَ لِلْمَسِّ حَظٌّ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ بِمَوْقُوفٍ عَلَى النَّسَبِ وَأَنَّهُ جَائِزٌ ثُبُوتُهُ مَعَ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَجَائِزٌ ثُبُوتُهُ أَيْضًا مَعَ عَدَمِ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا أَنَّا وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَلَّظَ أَمْرَ الزِّنَا بِإِيجَابِ الرَّجْمِ تَارَةً وَبِإِيجَابِ الْجَلْدِ أُخْرَى وَأَوْعَدَ عَلَيْهِ بِالنَّارِ وَمَنَعَ إلحاق النسب به وذلك كله تغليط لِحُكْمِهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِإِيجَابِ التَّحْرِيمِ أَوْلَى إذْ كَانَ إيجَابُ التَّحْرِيمِ ضَرْبًا مِنْ التَّغْلِيظِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا حَكَمَ بِبُطْلَانِ حَجِّ مَنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ كَانَ الزَّانِي أَوْلَى بِبُطْلَانِ الْحَجِّ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْحَجِّ تَغْلِيظٌ لِتَحْرِيمِ الْجِمَاعِ فِيهِ كَذَلِكَ لَمَّا حَكَمَ اللَّهُ بِإِيجَابِ تَحْرِيمِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ بِالْوَطْءِ الْحَلَالِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الزِّنَا أَوْلَى بِإِيجَابِ التَّحْرِيمِ تَغْلِيظًا لِحُكْمِهِ وَقَدْ زَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ عَلَى قاتل الخطأ كان قاتل العمد أَوْلَى إذْ كَانَ حُكْمُ الْعَمْدِ أَغْلَظَ مِنْ حُكْمِ الْخَطَإِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَطْءَ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ بِزِنًا أَوْ غَيْرِهِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ فَسَادِ الْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَوِيَا فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ فَإِنْ قِيلَ الْوَطْءُ الْمُبَاحُ يَتَعَلَّقُ به حكم فِي إيجَابِ الْمَهْرِ وَلَا يَتَعَلَّقُ ذَلِكَ بِالزِّنَا قِيلَ لَهُ قَدْ تَعَلَّقَ بِالزِّنَا مِنْ إيجَابِ الرَّجْمِ أَوْ الْجَلْدِ
стр. 824
مَا هُوَ أَغْلَظُ مِنْ إيجَابِ الْمَالِ وَعَلَى أَنَّ الْمَالَ وَالْحَدَّ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى الْوَطْءِ لِأَنَّهُ مَتَى وَجَبَ الْحَدُّ لَمْ يَجِبْ الْمَهْرُ وَمَتَى وَجَبَ الْمَهْرُ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَخْلُفُ الْآخَرَ فَإِذَا وَجَبَ الْحَدُّ فَذَلِكَ قَائِمٌ مَقَامَ الْمَالِ فِيمَا تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ مِنْ الْحُكْمِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِمَا
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اللَّيْثِ الْجَزَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بُهْلُولٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بن إسماعيل بن أيوب ابن سَلَمَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرَّجُلِ يَتْبَعُ الْمَرْأَةَ حَرَامًا أَيَنْكِحُ أُمَّهَا أَوْ يَتْبَعُ الْأُمَّ حَرَامًا أَيَنْكِحُ ابْنَتَهَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ إنَّمَا يَحْرُمُ مَا كَانَ بِنِكَاحٍ
وَبِمَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عمر عن النبي ﷺ قال لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ
وَرَوَى عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفْسِدُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ
فَإِنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ بَاطِلَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَة وَرُوَاتُهَا غَيْرُ مَرْضِيِّينَ أَمَّا الْمُغِيرَةُ بْنُ إسْمَاعِيلَ فَمَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ لَا يَجُوزُ ثُبُوتُ شَرِيعَةٍ بِرِوَايَتِهِ لَا سِيَّمَا فِي اعْتِرَاضِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَإِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ مَطْعُونٌ فِي رِوَايَتِهِ وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ لِأَنَّ الْحَدِيثَ الْأَوَّلَ إنَّمَا ذُكِرَ فِيهِ الرجل ويتبع الْمَرْأَةَ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْوَطْءِ فَكَانَ
قَوْلُهُ ﷺ لَا يَحْرُمُ إلَّا ما كان بنكاح
جوابا عما سأله من اتِّبَاعِ الْمَرْأَةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَنْ يُتْبِعَهَا نفسه فيكون منه نظرا إليها مُرَاوَدَتُهَا عَلَى الْوَطْءِ وَلَيْسَ فِيهِ إثْبَاتُ الْوَطْءِ فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمًا وَأَنَّهُ لَا يَقَعُ بِمِثْلِهِ التَّحْرِيمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عَقْدُ نِكَاحٍ وَلَيْسَ فِيهِ لِلْوَطْءِ ذِكْرٌ
وَقَوْلُهُ لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ
إنَّمَا هُوَ فِيمَا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ اتِّبَاعِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ وَأَمَّا
حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُهُ لَا يُحَرِّمُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ
فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِعَيْنِهَا إنْ صَحَّتْ فَكَانَ جَوَابًا لِمَا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ النَّظَرِ وَالْمُرَاوَدَةِ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَتَكُونُ فَائِدَتُهُ إزَالَةَ تَوَهُّمِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ النَّظَرَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ لِمَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال زِنَا الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ
فَكَانَ جائز أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ النَّظَرَ بِانْفِرَادِهِ يُحَرِّمُ كَمَا يُحَرِّمُ الْوَطْءُ لِتَسْمِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُ زِنًا فَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُحَرِّمُ وَأَنَّ التَّحْرِيمَ إذَا لَمْ تَكُنْ مُلَامَسَةٌ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَسِيسٌ وَإِذَا
стр. 825
احْتَمَلَ هَذَا الْخَبَرُ مَا وَصَفْنَا زَالَ الِاعْتِرَاضُ بِهِ وَعَلَى أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ أَنَّ التَّحْرِيمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى النِّكَاحِ وَلَا عَلَى الْوَطْءِ الْمُبَاحِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ حَائِضًا أَنَّ هَذَا وَطْءٌ حَرَامٌ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ وَأَنَّهُ يُوجِبُ التَّحْرِيمَ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ مَقْصُورًا عَلَى النِّكَاحِ وَلَا عَلَى وَطْءٍ مُبَاحٍ وَكَذَلِكَ لَوْ وَطِئَ جَارِيَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ أَوْ جَارِيَتَهُ وَهِيَ مَجُوسِيَّةٌ كَانَ واطئا وطأ حَرَامًا فِي غَيْرِ نِكَاحٍ مُوجِبٍ لِلتَّحْرِيمِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ إنْ ثَبَتَ فَلَيْسَ بِعُمُومٍ فِي نَفْيِ إيجَابِ التَّحْرِيمِ بِوَطْءٍ حَرَامٍ وَأَيْضًا قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى امْرَأَةَ الْمُظَاهِرِ عَلَيْهِ بِالظِّهَارِ وَقَدْ سَمَّاهُ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الْقَوْلُ مُحَرِّمًا مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ بِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَهُ الْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لَوُرُودِهِ مُطْلَقًا مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِسَبَبٍ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ الْحَرَامَ وَالْحَلَالَ إنَّمَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَقَدْ عَلِمْنَا حَقِيقَةَ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّحْرِيمِ فِي شَيْءٍ وَبِالتَّحْلِيلِ فِي غَيْرِهِ لَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ آخَرُ فِي إيجَابِ تَحْرِيمٍ أَوْ تَحْلِيلٍ إلَّا بِدَلَالَةٍ فَهَذَا اللَّفْظُ إذَا حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ لَمْ يَكُنْ له تعلق بمسئلتنا لِأَنَّا كَذَلِكَ نَقُولُ إنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّحْرِيمِ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمَ مُبَاحٍ بِنَفْسِ وُرُودِ الْحُكْمِ إلَّا أَنْ يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى إيجَابِ تَحْرِيمِ غَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ حَرَّمَ هُوَ وَفَائِدَتُهُ حِينَئِذٍ أَنَّ مَا قَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَحْلِيلِهِ نَصًّا فَهُوَ مُقِرٌّ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ مِنْ تَحْلِيلِهِ وَإِذَا حَكَمَ بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ آخَرَ لَمْ يُجِزْ الِاعْتِرَاضَ عَلَى الْمَحْكُومِ بِتَحْلِيلِهِ بَدِيًّا بِتَحْرِيمِ غَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ فَمَنَعَ تحريم المباح بالقياس ودل ذلك عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ يُجِيزُ النَّسْخَ بِالْقِيَاسِ هَذَا الَّذِي تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ إنْ صَحَّ فَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ الْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ أَنَّ فِعْلَ الْحَرَامِ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ فَإِنْ كَانَ هَذَا أَرَادَ فَلَا مَحَالَةَ أَنَّ فِي اللَّفْظِ ضَمِيرًا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ دُونَ اعْتِبَارِ حَقِيقَةِ مَعْنَى اللَّفْظِ فَلَا يَصِحُّ لَهُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الضَّمِيرَ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ يُعْتَبَرُ عُمُومُهُ فَيَسْقُطُ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِهِ إذْ الضَّمِيرُ لَيْسَ بِمَذْكُورٍ حَتَّى يَكُونَ لَفْظَ عُمُومٍ فِيمَا تَحْتَهُ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ فَلَا يَصِحُّ لِأَحَدٍ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِ ضَمِيرٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ فِيهِ مِنْ قبل أن لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِي مِثْلِهِ لِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إيجَابِ تَحْرِيمِ الْحَرَامِ الْحَلَالَ وَهُوَ الْوَطْءُ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ وَوَطْءُ الْأَمَةِ الْحَائِضِ وَالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فِي الْحَيْضِ وَالظِّهَارِ وَالْخَمْرِ إذَا
стр. 826
خَالَطَتْ الْمَاءَ وَالرِّدَّةَ تُبْطِلُ النِّكَاحَ وَتُحَرِّمُهَا عَلَى الزَّوْجِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُحَرِّمَةِ لِلْحَلَالِ
فَقَوْلُهُ ﷺ الْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ
لَوْ وَرَدَ بِلَفْظِ عُمُومٍ لَمَا صَحَّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِيهِ وَكَانَ مَفْهُومًا مَعَ وُرُودِهِ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْضَ الْأَفْعَالِ الْمُحَرِّمَةِ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَأَيْضًا لَوْ نَصَّ النبي ﷺ على ما ادَّعَيْت مِنْ ضَمِيرِهِ فَقَالَ إنَّ فِعْلَ الْحَرَامِ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ لَمَا دَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْت لِأَنَّا كَذَلِكَ نَقُولُ إنَّ فِعْلَ الْحَرَامِ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ فَيَكُونُ ذَلِكَ مَحْمُولًا عَلَى حقيقة وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ عِنْدَ وُقُوعِ فِعْلٍ حَرَامٍ فَإِنْ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ بِفِعْلِ الْحَرَامِ قِيلَ لَهُ فَإِذًا قَوْلُهُ الْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا ذَكَرْت مَجَازٌ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِ إذْ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنْ مُنَاظَرَةً جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَعْضِ النَّاسِ فِيهَا أُعْجُوبَةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ قَالَ لِي قَائِلٌ لِمَ قُلْت إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ قُلْت قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ وقال وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وقال وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ- إلى قوله- اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أَفْلَسْت تَجِدُ التَّنْزِيلَ إنَّمَا يُحَرِّمُ مَا سُمِّيَ بِالنِّكَاحِ أَوْ الدُّخُولِ وَالنِّكَاحِ قَالَ بَلَى قَالَ قُلْت أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ حَرَّمَ بِالْحَلَالِ شَيْئًا وَحَرَّمَهُ بِالْحَرَامِ وَالْحَرَامُ ضِدُّ الْحَلَالِ وَالنِّكَاحُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ مَأْمُورٌ بِهِ وَحَرَّمَ الزِّنَا فَقَالَ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ تَلَا الشَّافِعِيُّ آيَةَ التَّحْرِيمِ بِالنِّكَاحِ وَالدُّخُولِ وَآيَةَ تَحْرِيمِ الزِّنَا وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِمَا أَعْنِي إبَاحَةَ النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ وَتَحْرِيمَ الزِّنَا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّ إبَاحَةَ النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ وَإِيجَابِ التَّحْرِيمِ بِهِمَا لَيْسَ فِيهِ أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَقَعُ بِغَيْرِهِمَا كَمَا لَمْ يَنْفِ إيجَابَ التَّحْرِيمِ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَتَحْرِيمُ اللَّهِ تَعَالَى لِلزِّنَا لَا يُفِيدُ أَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَقَعُ إلَّا بِهِ فَإِذًا لَيْسَ فِي ظَاهِرِ تِلَاوَةِ الْآيَتَيْنِ نَفْيٌ لِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ بِوَطْءِ الزِّنَا لأن الآية الزِّنَا إنَّمَا فِيهَا تَحْرِيمُ الزِّنَا وَلَيْسَ تَحْرِيمُ الزِّنَا عِبَارَةً عَنْ نَفْيِ إيجَابِهِ لِتَحْرِيمِ النِّكَاحِ وَلَا فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ بِالنِّكَاحِ وَالدُّخُولِ نَفْيٌ لِإِيجَابِهِ بِغَيْرِهِمَا فَإِذًا لَا دَلَالَةَ فِيمَا تَلَاهُ مِنْ الْآيَتَيْنِ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَلَا جَوَابًا لِلسَّائِلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ الدَّلَالَةِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِهِ ثُمَّ قَالَ الْحَرَامُ ضِدُّ الْحَلَالِ فَلَمَّا قَالَ لَهُ السَّائِلُ فَرِّقْ بَيْنَهُمَا قَالَ قُلْت قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ اللَّهَ نَدَبَ إلَى النِّكَاحِ وَحَرَّمَ الزِّنَا
стр. 827
فَجَعَلَ فَرْقَ اللَّهِ بَيْنَهُمَا فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ دَلِيلًا عَلَى السَّائِلِ وَالسَّائِلُ لَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِ إبَاحَةُ النِّكَاحِ وَتَحْرِيمُ الزِّنَا وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ وَجْهِ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهَا وَاشْتَغَلَ بِأَنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ وَهَذَا حَلَالٌ فَإِنْ كَانَ هَذَا السَّائِلُ مِنْ عَمَى الْقَلْبِ بِالْمَحَلِّ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ بَيْنَ النِّكَاحِ وَبَيْنَ الزِّنَا فَرْقًا مِنْ وَجْهٍ مِنْ الوجوه فمثله لا يستحق الجواب لأنه مؤوف الْعَقْلِ إذْ الْعَاقِلُ لَا يُنْزِلُ نَفْسَهُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِنْ التَّجَاهُلِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَرَفَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَحْظُورٌ وَالْآخَرُ مُبَاحٌ وَإِنَّمَا سَأَلَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فِي امْتِنَاعِ جَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا فِي إيجَابِ تَحْرِيمِ النِّكَاحِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يُجِبْهُ عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى تِلَاوَةِ الْآيَتَيْنِ فِي الْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ وَأَنَّ الْحَلَالَ ضِدُّ الْحَرَامِ إذْ لَيْسَ فِي كَوْنِ الْحَلَالِ ضِدَّ الْحَرَامِ مَا يَمْنَعُ اجْتِمَاعَهُمَا فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَطْءَ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ هُوَ حَرَامٌ وَوَطْءُ الْحَائِضِ حَرَامٌ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ ضِدُّ الْوَطْءِ الْحَلَالِ وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ وَالطَّلَاقُ فِي الْحَيْضِ مَحْظُورٌ وَفِي الطُّهْرِ قَبْلَ الْجِمَاعِ مُبَاحٌ وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا مِنْ إيجَابِ التَّحْرِيمِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقِيَاسَ مُمْتَنِعٌ فِي الضِّدَّيْنِ فَوَاجِبٌ أَنْ لَا يَجْتَمِعَا أَبَدًا فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ فِي الشَّرِيعَةِ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ كَوْنَهُمَا ضِدَّيْنِ لَا يَمْنَعُ اجْتِمَاعَهُمَا فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ وُرُودَ النَّصِّ جَائِزٌ بِمِثْلِهِ وَمَا جَازَ وُرُودُ النَّصِّ بِهِ سَاغَ فِيهِ الْقِيَاسُ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا فِي الْعَقْلِ وَلَا فِي الشَّرْعِ اجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ فَقَوْلُهُ إنَّ الْحَلَالَ ضِدُّ الْحَرَامِ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ سَأَلَهُ السَّائِلُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَى الْمُصَلِّي عَنْ الْمَشْيِ فِي الصَّلَاةِ وَعَنْ الِاضْطِجَاعِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالْمَشْيُ وَالِاضْطِجَاعُ ضِدَّانِ وَقَدْ اجْتَمَعَا فِي النَّهْيِ وَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى الْإِكْثَارِ إذْ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَحَدٌ مِنْ إجَازَتِهِ فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُمَا ضِدَّانِ مَعْنًى يُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ حُكِيَ عَنْ السَّائِلِ أَنَّهُ قَالَ أَجِدُ جِمَاعًا وَجِمَاعًا فَأَقِيسُ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ قَالَ قُلْت وَجَدْت جِمَاعًا حَلَالًا حَمِدْت بِهِ وَوَجَدْت جِمَاعًا حَرَامًا رَجَمْت بِهِ أَفَرَأَيْته يُشْبِهُهُ قَالَ مَا يُشْبِهُهُ فَهَلْ تُوَضِّحُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَقَدْ سَلَّمَ لَهُ السَّائِلُ أَنَّهُ مَا يُشْبِهُهُ فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُهُ مِنْ حَيْثُ افْتَرَقَا فَهَذَا مَا لَا يُنَازَعُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ لَا يُشْبِهُهُ مِنْ حَيْثُ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ إيجَابِ التَّحْرِيمِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ يَنْفِي الشَّبَهَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا
стр. 828
قِيَاسٌ إلَّا وَهُوَ تَشْبِيهٌ لِلشَّيْءِ بِغَيْرِهِ
مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ دُونَ جَمِيعِهَا فَإِنْ كَانَ افْتِرَاقُ الشَّيْئَيْنِ مِنْ وَجْهٍ يُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ إبْطَالُ الْقِيَاسِ أَصْلًا إذْ لَيْسَ يَجُوزُ وُجُودُ الْقِيَاسِ فِيمَا اشْتَبَهَا فِيهِ مِنْ سَائِرِ الْوُجُوهِ فَقَدْ بَانَ أَنَّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَا سَلَّمَهُ لَهُ السَّائِلُ كَلَامٌ فَارِغٌ لَا مَعْنًى تَحْتَهُ فِي حُكْمِ مَا سُئِلَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ السَّائِلُ هَلْ تُوَضِّحُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا قَالَ نَعَمْ أَفَتَجْعَلُ الْحَلَالَ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ قِيَاسًا عَلَى الْحَرَامِ الَّذِي هُوَ نِقْمَةٌ وَهَذَا هُوَ تَكْرَارٌ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ بِزِيَادَةِ النِّعْمَةِ وَالنِّقْمَةِ وَالسُّؤَالُ قَائِمٌ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِمَا تَقْتَضِيهِ مُطَالَبَةُ السائل ببيان وَجْهِ الدَّلَالَةِ فِي مَنْعِ هَذَا الْقِيَاسِ وَهُوَ قَدْ جَعَلَ هَذَا الْحَرَامَ الَّذِي هُوَ نِقْمَةٌ وَهُوَ وَطْءُ الْحَائِضِ وَالْجَارِيَةِ الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ الفاسد الْحَلَالِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ فَانْتَقَضَ مَا ذَكَرَهُ وَادَّعَاهُ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ أَقَامَهَا عَلَيْهِ وَحَكَى عَنْ السَّائِلِ أَنَّهُ قَالَ إنَّ صَاحِبَنَا قَالَ يُوجِدُكُمْ أَنَّ الْحَرَامَ يُحَرِّمُ الْحَلَالَ قَالَ قُلْت لَهُ أَفِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ مِنْ النِّسَاءِ قَالَ لَا وَلَكِنْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْمَشْرُوبِ وَالنِّسَاءِ قِيَاسٌ عَلَيْهِ قَالَ قُلْت أَفَتُجِيزُ لِغَيْرِك أَنْ يَجْعَلَ الصَّلَاةَ قِيَاسًا عَلَى النِّسَاءِ قَالَ أَمَّا فِي شَيْءٍ فَلَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا أَنْ يقيس تحريم الحرام والحلال مِنْ غَيْرِ النِّسَاءِ عَلَى النِّسَاءِ مَعَ إطْلَاقِهِ الْقَوْلَ بَدِيًّا أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُجِزْ قِيَاسَ الزِّنَا عَلَى الْوَطْءِ الْمُبَاحِ لِأَنَّهُ حَرَامٌ وَهُوَ ضِدُّ الْحَلَالِ وَالْحَلَالُ نِعْمَةٌ وَالْحَرَامُ نِقْمَةٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ فِي مَنْعِ الْقِيَاسِ مَقْصُورَةٌ عَلَى النِّسَاءِ دُونَ غَيْرِهِنَّ وَإِطْلَاقُهُ الِاعْتِلَالَ بِالْفَرْقِ الَّذِي ذُكِرَ يَلْزَمُهُ إجْرَاؤُهُ فِي سَائِرِ مَا وُجِدَ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ نَاقَضَ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ فَإِذَا جَازَ تَحْرِيمُ الْحَرَامِ الْحَلَالَ فِي غَيْرِ النِّسَاءِ هَلَّا جَازَ مِثْلُهُ فِي النِّسَاءِ مَعَ كون أحدهما ضد الآخر وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا نِعْمَةً وَالْآخَرُ نِقْمَةً كَمَا كَانَ الْوَطْءُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مِثْلَ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ فِي إيجاب التحريم مع كون ملك اليمين ضد لِلنِّكَاحِ أَلَا تَرَى أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ وَالنِّكَاحِ لَا يَجْتَمِعَانِ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَحَكَى عَنْ السَّائِلِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ إنَّ الصَّلَاةَ حَلَالٌ وَالْكَلَامُ فِيهَا حَرَامٌ فَإِذَا تَكَلَّمَ فِيهَا فَسَدَتْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ فَقَدْ أَفْسَدَ الْحَلَالَ بِالْحَرَامِ قَالَ قُلْت له زعمت أن الصلاة فاسدة الصلاة لَا تَكُونُ فَاسِدَةً وَلَكِنَّ الْفَاسِدَ فِعْلُهُ لَا هِيَ وَلَكِنْ لَا تُجْزِي عَنْك الصَّلَاةُ لِأَنَّك لَمْ تَأْتِ بِهَا كَمَا أُمِرْت قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا ظَنَنْت أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يُنْتَدَبُ لِمُنَاظَرَةِ خَصْمٍ يَبْلُغُ بِهِ الْإِفْلَاسَ مِنْ الْحُجَّاجِ إلَى أَنْ يَلْجَأَ إلَى مِثْلِ هَذَا مَعَ سَخَافَةِ عَقْلِ السَّائِلِ وَغَبَاوَتِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ
стр. 829
بِفَسَادِ صَلَاتِهِ إذَا فَعَلَ فِيهَا مَا يُوجِبُ بطلانها كما لَا يَمْتَنِعُ مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِفَسَادِ النِّكَاحِ إذَا وُجِدَ فِيهِ مَا يُبْطِلُهُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَوْجَبَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ اسْمُ الْفَسَادِ عَلَى الصَّلَاةِ مَعَ بُطْلَانِهَا مَعَ إطْلَاقِ النَّاسِ كُلِّهِمْ ذَلِكَ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَعُوزُ خَصْمَهُ أَنْ يَقُولَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النِّكَاحِ إنِّي لَا أَقُولُ إنَّ نِكَاحَهُ يُفْسَدُ وَالنِّكَاحُ لَا يَكُونُ فَاسِدًا وَإِنَّمَا فِعْلُهُ وَهُوَ الزِّنَا هُوَ الْفَاسِدُ فَأَمَّا النِّكَاحُ فَلَمْ يُفْسِدْ وَلَكِنَّ الْمَرْأَةَ بَانَتْ مِنْهُ وَخَرَجَتْ مِنْ حِبَالِهِ فَهُمَا سَوَاءٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ أَحْسَبُ أَنَّا قَدْ سَلَّمْنَا لَك مَا ادَّعَيْت مِنْ امْتِنَاعِ اسْمِ الْفَسَادِ عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي قَدْ بَطَلَتْ أَلَيْسَ السُّؤَالُ قَائِمًا عَلَيْك في المعنى إذا سَلَّمْنَا لَك الِاسْمَ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ لَك مَا أَنْكَرْت أَنَّهُ لَمَّا جَازَ خُرُوجُ الْمُتَكَلِّمِ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ تُجِزْ عَنْهُ لِأَجْلِ الْكَلَامِ الْمَحْظُورِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْمَرْأَةِ فَلَا يَبْقَى نِكَاحُهَا بَعْدَ وَطْءِ أُمِّهَا بِزِنًا كَمَا لَمْ تَبْقَ الصَّلَاةُ بَعْدَ الْكَلَامِ فَتَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَتَخْرُجُ مِنْ حِبَالِهِ كَمَا خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يُطْلِقَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْبُيُوعِ أَنَّهُ فَاسِدٌ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُقُودِ وَإِنَّمَا يُقَالُ فِيهَا إنَّهَا غَيْرُ مُجْزِيَةٍ وَلَا مُوجِبَةٍ لِلْمِلْكِ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مَنْعٌ لِلْعِبَارَةِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ عَلَى الْمَعَانِي لَا عَلَى الْعِبَارَاتِ وَالْأَسَامِي وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ سَائِلِهِ أَنَّهُ قَالَ إنَّ صَاحِبَنَا قَالَ الْمَاءُ حَلَالٌ وَالْخَمْرُ حَرَامٌ فَإِذَا صُبَّ الْمَاءُ فِي الْخَمْرِ حُرِّمَ الْمَاءُ قَالَ قُلْت لَهُ أَرَأَيْت إنْ صَبَبْت الْمَاءَ فِي الْخَمْرِ أَمَّا يَكُونُ الْمَاءُ الْحَلَالُ مُسْتَهْلَكًا فِي الْحَرَامِ قَالَ بَلَى قُلْت أَتَجِدُ الْمَرْأَةَ مُحَرَّمَةً عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا تَجِدُ الْخَمْرَ مُحَرَّمَةً عَلَى كُلِّ أَحَدٍ قَالَ لَا قُلْت أَتَجِدُ الْمَرْأَةَ وَبِنْتَهَا مُخْتَلِطَتَيْنِ كَاخْتِلَاطِ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ قَالَ
لَا قُلْت أَفَتَجِدُ الْقَلِيلَ مِنْ الْخَمْرِ إذَا صُبَّ فِي كَثِيرِ الْمَاءِ نَجِسَ قَالَ لَا قُلْت أَفَتَجِدُ قَلِيلَ الزِّنَا وَالْقُبْلَةَ وَاللَّمْسَ لِلشَّهْوَةِ لَا يَحْرُمُ وَيَحْرُمُ كَثِيرُهُ قَالَ لَا قَالَ فَلَا يُشْبِهُ أَمْرُ النِّسَاءِ الْخَمْرَ وَالْمَاءَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْفُرُوقِ وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ لِلْمَاءِ يُحْكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ احْتَجَّ بِهِ عَلَى يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ حِينَ قَالَ الْحَرَامُ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ وَهُوَ إلْزَامٌ صَحِيحٌ عَلَى مَنْ يَنْفِي التَّحْرِيمَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ لِوُجُودِهَا فِيهِ إذْ لَمْ تَكُنْ الْعِلَّةُ فِي مَنْعِ تَحْرِيمِ الْحَرَامِ الْحَلَالَ أَنَّهُمَا غَيْرُ مختلطين وإن قيل الزِّنَا يَحْرُمُ وَإِنَّمَا كَانَتْ عِلَّتُهُ أَنَّ الْحَرَامَ ضِدُّ الْحَلَالِ وَأَنَّ الْحَلَالَ نِعْمَةٌ وَالْحَرَامُ نِقْمَةٌ وَلَمْ نَرَهُ احْتَجَّ بِغَيْرِهِ فِي جَمِيعِ مَا نَاظَرَ بِهِ السَّائِلُ وَالْفُرُوقُ الَّتِي ذَكَرَهَا إنَّمَا هِيَ فُرُوقٌ مِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ تَزِيدُ عِلَّتُهُ انْتِقَاضًا لَوُجُودِهَا مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ وَعَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ التَّحْرِيمُ مَقْصُورًا عَلَى الِاخْتِلَاطِ وَتَعَذَّرَ تَمْيِيزُ الْمَحْظُورِ مِنْ الْمُبَاحِ فَيَنْبَغِي أَنْ
стр. 830
لَا يَحْرُمَ الْوَطْءُ الْمُبَاحُ لِعَدَمِ الِاخْتِلَاطِ وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ وَسَائِرِ ضُرُوبِ الْوَطْءِ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ إذْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُتَمَيِّزَةً عن أمها فَهُمَا غَيْرُ مُخْتَلِطَتَيْنِ فَإِذَا جَازَ أَنْ يَقَعَ التَّحْرِيمُ بِهَذِهِ الْوُجُوهِ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلَاطِ فَمَا أُنْكِرَ مِثْلُهُ فِي الزِّنَا وَقَدْ بَيَّنَّا فِي صَدْرِ الْمَسْأَلَةِ دَلَالَةَ قَوْله تَعَالَى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ وقوله تعالى اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ عَلَى وُقُوعِ التَّحْرِيمِ بِالزِّنَا فَلَمْ يَحْصُلْ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ دَلَالَةٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا شُبْهَةَ عَلَى مَا سُئِلَ عَنْهُ ثُمَّ حَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سَائِلِهِ هَذَا لَمَّا فَرَّقَ لَهُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ وَبَيْنَ النِّسَاءِ بِمَا ذَكَرَ أنه لا يشبهه أَمْرُ النِّسَاءِ الْخَمْرَ وَالْمَاءَ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَقُلْت لَهُ وَكَيْفَ قَبِلْت هَذَا مِنْهُ فَقَالَ مَا بَيَّنَ لَنَا أَحَدٌ بَيَانَك لَنَا وَلَوْ عَلِمَ صَاحِبُنَا بِهِ لَظَنَنْت أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَكِنْ غَفَلَ وَضَعُفَ عَنْ كَلَامِهِ قَالَ فَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِمْ وَقَالَ الْحَقُّ عِنْدِي فِي قَوْلِكُمْ وَلَمْ يَصْنَعْ صَاحِبُنَا شَيْئًا وَلَا نَدْرِي مَنْ كَانَ هَذَا السَّائِلُ وَلَا مَنْ صَاحِبُهُمْ الَّذِي قَالَ لَوْ عَلِمَ صَاحِبُنَا بِهَذِهِ الْفُرُوقِ لَظَنَّ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى قَوْلِهِ وَقَدْ بَانَ عَمَى قَلْبِ هَذَا السَّائِلِ بِتَسْلِيمِهِ لِلشَّافِعِيِّ جَمِيعَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ غَيْرِ مُطَالَبَةٍ لَهُ بِوَجْهِ الدَّلَالَةِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِيمَا ذَكَرَ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا عَامِّيًّا لَمْ يَرْتَضِ بِشَيْءٍ مِنْ الْفِقْهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ انْتَظَمَ بِذَلِكَ شَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا الْجَهْلُ وَالْغَبَاوَةُ بِمَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ مُنَاظَرَتِهِ وَتَسْلِيمِهِ مَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُهُ وَمُطَالَبَتُهُ لِلْمَسْئُولِ بِالْفُرُوقِ الَّتِي لَا تُوجِبُ فَرْقًا فِي مَعَانِي الْعِلَلِ وَالْمُقَايَسَاتِ ثُمَّ انْتِقَالُهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ إلَى مَذْهَبِهِ عَلَى مَا زَعَمَ وَتَرْكُهُ لِقَوْلِ أَصْحَابِهِ وَالْآخَرُ قِلَّةُ الْعَقْلِ وَذَلِكَ أَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ صَاحِبَهُ لَوْ سَمِعَ بِمِثْلِ ذَلِكَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ فَقَضَى بِالظَّنِّ عَلَى غَيْرِهِ فِيمَا لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ وَسُرُورُ الشَّافِعِيِّ بِمُنَاظَرَةِ مِثْلِهِ وَانْتِقَالُهُ إلَى مَذْهَبِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا مُتَقَارَبَيْنِ فِي الْمُنَاظَرَةِ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ فِي مَعْنَى الْمُبْتَدِئِ وَالْمُغَفَّلِ الْعَامِّيِّ لَمَا أَثْبَتَ مُنَاظَرَتَهُ إيَّاهُ فِي كِتَابِهِ وَلَوْ كُلِّمَ بذلك المبتدؤن مِنْ أَحْدَاثِ أَصْحَابِنَا لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ عَوَارُ هَذَا الْحِجَاجِ وَضَعْفُ السَّائِلِ وَالْمَسْئُولِ فِيهِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ قَالَ لِمُنَاظِرِهِ جَعَلْت الْفُرْقَةَ إلَى الْمَرْأَةِ بِتَقْبِيلِهَا ابْنَ زَوْجِهَا وَاَللَّهُ لَمْ يَجْعَل الْفُرْقَةَ إلَيْهَا قَالَ فَقَالَ فَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَى زَوْجِهَا إذَا ارْتَدَّتْ قَالَ قُلْت وَأَقُولُ إنْ رَجَعَتْ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاح أَفَتَزْعُمْ أَنْتَ فِي الَّتِي تُقَبِّلُ ابْنَ زَوْجِهَا مِثْلَهُ قَالَ لَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَأَنْكَرَ عَلَى خَصْمِهِ وُقُوعَ التَّحْرِيمِ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ ثُمَّ قَالَ هُوَ بِهَا وَجَعَلَ إلَيْهَا الرَّجْعَةَ كَمَا جَعَلَ إلَيْهَا التَّحْرِيمَ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَأَقُولُ إنْ مَضَتْ الْعِدَّةُ فَرَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ كَانَ لِزَوْجِهَا أَنْ
стр. 831
يَنْكِحَهَا أَفَتَزْعُمُ فِي الَّتِي تُقَبِّلُ ابْنَ زَوْجِهَا مِثْلَهُ قَالَ وَالْمُرْتَدَّةُ تَحْرُمُ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ حَتَّى تُسْلِمَ وَتَقْبِيلُ ابْنِ الزَّوْجِ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَنَاقَضَ عَلَى أَصْلِهِ فِيمَا أَنْكَرَهُ عَلَى خَصْمِهِ ثُمَّ أَخَذَ فِي ذِكْرِ الْفُرُوقِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي مَضَى مِنْ كَلَامِهِ وَلَمْ أَذْكُرْ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي مِثْلِهِ شُبْهَةً عَلَى مِنْ ارْتَاضَ بِشَيْءٍ مِنْ النَّظَرِ وَلَكِنْ لِأُبَيِّنَ مَقَادِيرَ عُلُومِ مُخَالِفِي أَصْحَابِنَا وَمَحَلَّهُمْ مِنْ النظر وأما ما حكى عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ فِي فَرْقِهِ بَيْنَ الزِّنَا بِأُمِّ الْمَرْأَةِ بَعْدَ التَّزْوِيجِ وَقَبْلَهُ فَلَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّ مَا يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا لَا يَخْتَلِفُ حكمه فِي إيجَابِهِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّزْوِيجِ وَقَبْلَهُ وَالدَّلِيلُ
عَلَيْهِ أَنَّ الرَّضَاعَ لَمَّا كَانَ مُوجِبًا لِلتَّحْرِيمِ الْمُؤَبَّدِ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ فِي إيجَابِهِ ذَلِكَ قبل التزويج وبعده وإنما قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّ فِعْلَ ذَلِكَ بِالرَّجُلِ لَا يحرم عليه أمه ولابنته مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذِهِ الْحُرْمَةَ إنَّمَا هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَنْ يَصِحُّ عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَيْهَا وَيَجُوزُ أَنْ تُمَلَّكَ بِهِ فَيَكُونُ الْوَطْءُ الْمُحَرَّمُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ الْحَلَالِ فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ فَلَمَّا لَمْ يَصِحَّ وُجُودُ ذَلِكَ فِي الرَّجُلِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُبَاحِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ ذَلِكَ بِالْعَقْدِ مِنْهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمَسَ الرَّجُلُ بِشَهْوَةٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ فِي إيجَابِ تَحْرِيمِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَاللَّمْسُ بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ فِي الْمَرْأَةِ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فَلَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ اللَّمْسَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي الرَّجُلِ فِي حُكْمِ تَحْرِيمِ الأم والبنت كان ذلك مَا سِوَاهُ مِنْ الْوَطْءِ وَفِي ذَلِكَ الدَّلَالَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا أَحَدُهُمَا أَنَّ لَمْسَ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ لِشَهْوَةٍ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُمْلَكَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ تَحْرِيمٌ كَانَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْوَطْءِ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَالثَّانِي أَنَّ اللَّمْسَ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي الْمَرْأَةِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْوَطْءِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ لَمْسَ الْمَرْأَةِ الزَّوْجَةَ يُحَرِّمُ بِنْتَهَا كَمَا يُحَرِّمُهَا الْوَطْءُ وَكَذَلِكَ لَمْسُ الْجَارِيَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ يُوجِبُ مِنْ التَّحْرِيمِ مَا يُوجِبُهُ الْوَطْءُ وَكَذَلِكَ مَنْ حُرِّمَ بِوَطْءِ الزِّنَا حرم باللمس فلم لَمْ يَكُنْ لَمْسُ الرَّجُلِ مُوجِبًا لِلتَّحْرِيمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ وَطْئِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَرْأَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّ اللَّمْسَ لِشَهْوَةٍ بِمَنْزِلَةِ الْجِمَاعِ فِي تَحْرِيمِ أُمِّ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِهَا فَكُلُّ مَنْ حُرِّمَ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ أَوْجَبَهُ بِاللَّمْسِ إذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُ بِالْوَطْءِ الْحَرَامِ لَمْ يُوجِبْهُ بِاللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ وَلَا خِلَافَ أَنَّ اللَّمْسَ الْمُبَاحَ فِي الزَّوْجَةِ وَمِلْكَ الْيَمِينِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ أَنَّهُ قَالَ لَا تَحْرُمُ بِاللَّمْسِ وَإِنَّمَا تَحْرُمُ بِالْوَطْءِ الَّذِي يُوجِبُ مِثْلُهُ الْحَدَّ وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ قَدْ سَبَقَهُ
стр. 832
الْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي النَّظَرِ هَلْ يَحْرُمُ أَمْ لَا فَقَالَ أَصْحَابُنَا جَمِيعًا إذَا نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا لِشَهْوَةٍ كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللَّمْسِ فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ وَلَا يُحَرِّمُ النَّظَرُ لِلشَّهْوَةِ إلَى غَيْرِ الْفَرْجِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إذَا نَظَرَ إلَى فَرْجِهَا مُتَعَمِّدًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وابنتها ولم يشرط أَنْ يَكُونَ لِشَهْوَةٍ وَقَالَ مَالِكٌ إذَا نَظَرَ إلى شعر جاريته تلذذا أَوْ صَدْرِهَا أَوْ سَاقِهَا أَوْ شَيْءٍ مِنْ مَحَاسِنِهَا تَلَذُّذًا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّافِعِيُّ النَّظَرُ لَا يُحَرِّمُ ما لم يلبس
قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ أَبِي هَانِئٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهَا وَابْنَتُهَا
وَرَوَى حَمَّادٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَى رَجُلٍ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ عُمَرَ جَرَّدَ جَارِيَةً لَهُ فَسَأَلَهُ إيَّاهَا بَعْضُ وَلَدِهِ فَقَالَ إنَّهَا لَا تَحِلُّ لَك وَرَوَى حَجَّاجٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ جَرَّدَ جَارِيَةً ثُمَّ سَأَلَهُ إيَّاهَا بَعْضُ وَلَدِهِ فَقَالَ إنَّهَا لَا تَحِلُّ لَك وَرَوَى الْمُثَنَّى عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ جَرَّدَ جَارِيَةً لَهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ مِنْهَا يُرِيدُ ذَلِكَ الْأَمْرَ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لَابْنِهِ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَتَبَ مَسْرُوقٌ إلَى أَهْلِهِ قَالَ اُنْظُرُوا جَارِيَتِي فُلَانَةَ فَبِيعُوهَا فَإِنِّي لَمْ أُصِبْ مِنْهَا إلَّا مَا حَرَّمَهَا عَلَيَّ وَلَدِي مِنْ اللَّمْسِ وَالنَّظَرِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ فَاتَّفَقَ هَؤُلَاءِ السَّلَفُ عَلَى إيجَابِ التَّحْرِيمِ بِالنَّظَرِ وَاللَّمْسِ وَإِنَّمَا خَصَّ أَصْحَابُنَا النَّظَرَ إلَى الْفَرْجِ فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ دُونَ النَّظَرِ إلَى سَائِرِ الْبَدَنِ لِمَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّهَا وَلَا ابْنَتُهَا
فَخَصَّ النَّظَرَ إلَى الْفَرْجِ بِإِيجَابِ التَّحْرِيمِ دُونَ النَّظَرِ إلَى سَائِرِ الْبَدَنِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمَا مِنْ السَّلَفِ خِلَافُهُ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ إلَى الْفَرْجِ مَخْصُوصٌ بِإِيجَابِ التَّحْرِيمِ دُونَ غَيْرِهِ وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يقع تحريم بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيهِ لِلْأَثَرِ وَاتِّفَاقِ السَّلَفِ وَلَمْ يُوجِبُوهُ بِالنَّظَرِ إلَى غَيْرِ الْفَرْجِ وَإِنْ كَانَ لِشَهْوَةٍ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّظَرَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ فِي سَائِرِ الْأُصُولِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ نَظَرَ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ صَائِمٌ فَأَمْنَى لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَلَوْ كَانَ الْإِنْزَالُ عَنْ لَمْسٍ فَسَدَ صَوْمُهُ وَلَزِمَهُ دَمٌ لِإِحْرَامِهِ فَعَلِمْت أَنَّ النَّظَرَ مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حكم فلذلك قلنا إن القياس لَا يُحَرِّمَ النَّظَرُ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ خَاصَّةً لِمَا ذكرنا يحتج لِمَذْهَبِ ابْنِ شُبْرُمَةَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ
стр. 833
بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ
وَاللَّمْسُ لَيْسَ بِدُخُولٍ فَلَا يُحَرِّمُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يُرِيدَ الدُّخُولُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا فَذَكَرَ الطَّلَاقَ وَمَعْنَاهُ الطَّلَاقُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَيَكُونُ دَلَالَتُهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ وَاتِّفَاقِهِمْ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ لَهُمْ عَلَى إيجَابِ التَّحْرِيمِ بِاللَّمْسِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَى امْرَأَةٍ يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا عَلَى الِابْنِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمَ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وقَوْله تَعَالَى إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ إلَّا مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّكُمْ لَا تُؤَاخَذُونَ بِهِ وَيُحْتَمَلُ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ فَإِنَّكُمْ مُقِرُّونَ عَلَيْهِ وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ أَنَّ النبي ﷺ أقر أحدا عَلَى عَقْدِ نِكَاحِ امْرَأَةِ أَبِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ
وَقَدْ رَوَى الْبَرَاءُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ إلَى رَجُلِ عَرَّسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ يَقْتُلَهُ وَيَأْخُذَ مَالَهُ
وَقَدْ كَانَ نِكَاحُ امْرَأَةِ الْأَبِ مُسْتَفِيضًا شَائِعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَوْ كَانَ النبي ﷺ أقر أحدا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ النِّكَاحِ لَنُقِلَ وَاسْتَفَاضَ فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بقوله إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ فَإِنَّكُمْ غَيْرُ مُؤَاخَذِينَ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ مَا هُمْ عَلَيْهِ كَانُوا مُقِرِّينَ عَلَى أَحْكَامِهِمْ فَأَعْلَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ غَيْرُ مُؤَاخَذِينَ فِيمَا لَمْ تَقُمْ عِنْدَهُمْ حُجَّةُ السَّمْعِ بِتَرْكِهِ فَلَا احْتِمَالَ فِي قَوْلِهِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا مَا ذَكَرْنَا وقَوْله تعالى إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ عِنْدَ ذِكْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ يَحْتَمِلُ غَيْرَ ما ذكر هاهنا وَسَنَذْكُرُهُ إذَا انْتَهَيْنَا إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى ومعنى إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ هاهنا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ كَقَوْلِهِ لَا تَلْقَ فُلَانًا إلَّا مَا لَقِيت يَعْنِي لَكِنْ مَا لَقِيت فَلَا لَوْمَ عَلَيْك فِيهِ وَقَوْلُهُ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً هَذِهِ الْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنْ النِّكَاحِ وَقَدْ قِيلَ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا النِّكَاحُ بَعْدَ النَّهْيِ فَاحِشَةٌ ومعناه هو فاحشة فكان فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مُلْغَاةٌ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِمْ قَالَ الشَّاعِرُ:
فَإِنَّك لَوْ رَأَيْت دِيَارَ قَوْمٍ ... وَجِيرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَامِ
فَأَدْخَلَ كَانَ وَهِيَ مُلْغَاةٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا لِأَنَّ الْقَوَافِيَ مَجْرُورَةٌ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ فَاحِشَةٌ فَلَا تَفْعَلُوا مِثْلَهُ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ حُجَّةِ السَّمْعِ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ وَمَنْ قَالَ هَذَا
стр. 834
جَعَلَ قَوْله تَعَالَى إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ فَإِنَّهُ يَسْلَمُ مِنْهُ بِالْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَالتَّوْبَةِ مِنْهُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ فَاحِشَةٌ بَعْدَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ ذَلِكَ مُرَادٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَا مَحَالَةَ وَلَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ حُجَّةَ السَّمْعِ قَدْ كَانَتْ قَامَتْ عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِهِ مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ الْمُتَقَدِّمِينَ فَيَسْتَحِقُّونَ اللَّوْمَ عَلَيْهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا سَلَفَ مِنْهُ فَإِنْ قِيلَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ عَقَدَ نِكَاحًا عَلَى امْرَأَةِ أَبِيهِ وَوَطِئَهَا كَانَ وَطْؤُهُ زِنًا مُوجِبًا لِلْحَدِّ لِأَنَّهُ سَمَّاهَا فَاحِشَةً وقال الله تعالى وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا قِيلَ لَهُ الْفَاحِشَةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ وَقَدْ رُوِيَ فِي قَوْله تعالى إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ بَيْتِهِ فَاحِشَةٌ وَرُوِيَ أَنَّ الْفَاحِشَةَ فِي ذَلِكَ أَنْ تَسْتَطِيلَ بِلِسَانِهَا عَلَى أَهْلِ زَوْجِهَا وَقِيلَ فِيهَا إنَّهَا الزِّنَا فَالْفَاحِشَةُ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ مُوَاقَعَةَ الْمَحْظُورِ وَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِالزِّنَا دُونَ غَيْرِهِ حَتَّى إذَا أُطْلِقَ فِيهِ اسْمُ الْفَاحِشَةِ كَانَ زِنًا وَمَا كَانَ مِنْ وَطْءٍ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى زِنًا لِأَنَّ الْمَجُوسَ وَسَائِرَ الْمُشْرِكِينَ الْمَوْلُودِينَ عَلَى مُنَاكَحَاتِهِمْ الَّتِي هِيَ فَاسِدَةٌ فِي الْإِسْلَامِ لَا يُسَمَّوْنَ أَوْلَادَ زِنًا وَالزِّنَا اسْمٌ لَوَطْءٍ فِي غَيْرِ مِلْكٍ وَلَا نِكَاحٍ وَلَا شُبْهَةٍ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَأَمَّا إذَا صَدَرَ عَنْ عَقْدٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى زِنًا سَوَاءٌ كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا أَوْ صَحِيحًا وقَوْله تَعَالَى وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا يَعْنِي أَنَّهُ مِمَّا يُبْغِضُهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُبْغِضُهُ الْمُسْلِمُونَ وَذَلِكَ تَأْكِيدٌ لَتَحْرِيمِهِ وَتَقْبِيحِهِ وَتَهْجِينُ فَاعِلِهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ طَرِيقٌ سُوءٌ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى جَهَنَّمَ قَوْله تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ إلَى آخِرِ الْآيَةِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا سُنَيْدُ بْنُ دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قال قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ إلى قوله تعالى وَبَناتُ الْأُخْتِ قَالَ حَرَّمَ اللَّهُ هَذِهِ السَّبْعَ مِنْ النَّسَبِ وَمِنْ الصِّهْرِ سَبْعٌ ثُمَّ قَالَ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ مَا وَرَاءَ هَذَا النَّسَبِ ثُمَّ قَالَ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ- إلَى قَوْله تَعَالَى- وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يَعْنِي السَّبْيَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْلُهُ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ عُمُومٌ فِي جَمِيعِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ حَقِيقَةً وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْجَدَّاتِ وَإِنْ بَعُدْنَ مُحَرَّمَاتٍ وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأُمَّهَاتِ لِأَنَّ اسْمَ الْأُمَّهَاتِ يَشْمَلُهُنَّ كَمَا أَنَّ اسْمَ الْآبَاءِ يَتَنَاوَلُ الْأَجْدَادَ وَإِنْ بَعُدُوا وَقَدْ عُقِلَ مِنْ قَوْله تَعَالَى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ
стр. 835
تَحْرِيمُ مَا نَكَحَ الْأَجْدَادُ وَإِنْ كَانَ لِلْجَدِّ اسْمٌ خَاصٌّ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْأَبُ الْأَدْنَى فَإِنَّ الِاسْمَ الْعَامَّ وَهُوَ الْأُبُوَّةُ يَنْتَظِمُهُمْ جَمِيعًا وكذلك قوله تعالى وَبَناتُكُمْ قَدْ يَتَنَاوَلُ بَنَاتِ الْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفُلْنَ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُنَّ كَمَا يَتَنَاوَلُ اسْمُ الْآبَاءِ الْأَجْدَادَ وقَوْله تَعَالَى وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ فَأَفْرَدَ بَنَاتِ الْأَخِ وَبَنَاتِ الْأُخْتِ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ اسم الأخ والأخت لا يَتَنَاوَلُ اسْمُ الْبَنَاتِ بَنَاتِ الْأَوْلَادِ فَهَؤُلَاءِ السَّبْعُ الْمُحَرَّمَاتُ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ ثُمَّ قَالَ وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ فَهَؤُلَاءِ السَّبْعُ الْمُحَرَّمَاتُ مِنْ جِهَةِ الصِّهْرِ وَقَدْ عُقِلَ مِنْ قَوْله تَعَالَى وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ مَنْ سَفَلَ مِنْهُنَّ كَمَا عُقِلَ مِنْ قَوْله تعالى أُمَّهاتُكُمْ مَنْ عَلَا مِنْهُنَّ وَمِنْ قَوْله تَعَالَى وَبَناتُكُمْ مَنْ سَفَلَ مِنْهُنَّ وَعُقِلَ مِنْ قَوْله تَعَالَى وَعَمَّاتُكُمْ تَحْرِيمُ عَمَّاتِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى وَخالاتُكُمْ عقل منه تحريم خالات الأب والأم كَمَا عُقِلَ تَحْرِيمُ أُمَّهَاتِ الْأَبِ وَإِنْ عَلَوْنَ وَخَصَّ تَعَالَى الْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ بِالتَّحْرِيمِ دُونَ أَوْلَادِهِنَّ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ نِكَاحِ بِنْتِ الْعَمَّةِ وَبِنْتِ الْخَالَةِ وَقَالَ تَعَالَى وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذِهِ السِّمَةَ إنَّمَا هِيَ مُسْتَحَقَّةٌ بِالرَّضَاعِ أَعْنِي سِمَةَ الْأُمُومَةِ وَالْأُخُوَّةِ فَلَمَّا عَلَّقَ هَذِهِ السِّمَةَ بِفِعْلِ الرَّضَاعِ اقْتَضَى ذَلِكَ اسْتِحْقَاقَ اسْمِ الْأُمُومَةِ وَالْأُخُوَّةِ بِوُجُودِ الرَّضَاعِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بِقَلِيلِ الرَّضَاعِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ فَإِنْ قيل قوله تعالى وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَعْطَيْنَكُمْ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي كَسَوْنَكُمْ فَنَحْتَاجُ إلَى أَنْ نُثْبِتَ أَنَّهَا أُمٌّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ حَتَّى يَثْبُتَ الرَّضَاعُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ وَاَللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الرَّضَاعَ هُوَ الَّذِي يُكْسِبُهَا سِمَةَ الْأُمُومَةِ فَلَمَّا كَانَ الِاسْمُ مُسْتَحِقًّا بِوُجُودِ الرَّضَاعِ كَانَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِهِ وَاسْمُ الرَّضَاعِ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ فَوَجَبَ أَنْ تَصِيرَ أُمًّا بِوُجُودِ الرَّضَاعِ لقوله تعالى وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْت مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي كَسَوْنَكُمْ لِأَنَّ اسْمَ الْأُمُومَةِ غَيْرُ متعلق «٥- أحكام لث»
стр. 836
بِوُجُودِ الْكِسْوَةِ كَتَعَلُّقِهِ بِوُجُودِ الرَّضَاعِ فَلِذَلِكَ احْتَجْنَا إلَى حُصُولِ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَكَذَلِكَ قوله تعالى وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ يقتضى ظاهره كونها أختا بوجود الرضاع إذا كَانَ اسْمُ الْأُخُوَّةِ مُسْتَفَادًا بِوُجُودِ الرَّضَاعِ لَا بِمَعْنًى آخَرَ سِوَاهُ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَفْهُومُ الْخِطَابِ وَمُقْتَضَى الْقَوْلِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِالرَّضْعَةِ وَالرَّضْعَتَيْنِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قَضَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قال الله تعالى وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ فَعَقَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ التَّحْرِيمَ بِقَلِيلِ الرَّضَاعِ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي التحريم بقليل الرضاع فروى عن عمرو على وابن عباس وابن عمرو الحسن وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَطَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَالزُّهْرِيِّ وَالشَّعْبِيِّ قَلِيلُ الرَّضَاعِ وَكَثِيرُهُ يُحَرِّمُ فِي الْحَوْلَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وزفر وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ قَالَ اللَّيْثُ اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ
عَلَى أَنَّ قَلِيلَ الرَّضَاعِ وَكَثِيرَهُ يُحَرِّمُ فِي الْمَهْدِ مَا يُفْطِرُ الصَّائِمَ وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُحَرِّمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا خَمْسُ رَضَعَاتٍ متفرقات قاله أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ الْكَلَامَ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ وَالِاخْتِلَافَ فِيهَا وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى إيجَابِ التَّحْرِيمِ بِقَلِيلِ الرَّضَاعِ وَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ إثْبَاتُ تَحْدِيدِ الرَّضَاعِ الْمُوجِبِ لِلتَّحْرِيمِ إلَّا بِمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ مَنْقُولَةٍ مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ وَلَا يَجُوزُ قَبُولُ أَخْبَارِ الْآحَادِ عِنْدَنَا فِي تَخْصِيصِ حُكْمِ الْآيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّحْرِيمِ بِقَلِيلِ الرَّضَاعِ لِأَنَّهَا آيَةٌ مُحْكَمَةٌ ظَاهِرَةُ الْمَعْنَى بَيِّنَةُ الْمُرَادِ لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهَا بِالِاتِّفَاقِ وَمَا كَانَ هَذَا وَصْفُهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا بِالْقِيَاسِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ رَوَاهُ مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِمَا جميعها ويدل عليه أيضا مَا
رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ أَنَّهُ قَالَ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ رَوَاهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ وَحَفْصَةُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ
وَتَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالِاسْتِعْمَالِ فَلَمَّا حَرَّمَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ النَّسَبَ مَتَى ثَبَتَ مِنْ وَجْهٍ أَوْجَبَ التَّحْرِيمَ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَذَلِكَ الرَّضَاعُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا حُكْمُهُ في إيجاب
стр. 837
التَّحْرِيمِ بِالرَّضْعَةِ الْوَاحِدَةِ لِتَسْوِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ بينهما فيما علق بهما حُكْمِ التَّحْرِيمِ وَاحْتَجَّ مَنْ اعْتَبَرَ خَمْسَ رَضَعَاتٍ بِمَا
رَوَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأُمُّ الْفَضْلِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ
وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ من القرآن عشر رضعات فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ لَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِهَا عَلَى ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا لَمْ يَثْبُتُ خُصُوصُهُ مِنْ ظَوَاهِرِ الْقُرْآنِ وَكَانَ ظَاهِرَ الْمَعْنَى بَيِّنَ الْمُرَادِ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُهُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ فَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الَّتِي تُسْقِطُ الِاعْتِرَاضَ بِهَذَا الْخَبَرِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ مَا حَدَّثَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن سعيد قال حدثنا أبو خالد عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عن الرضاع فقال إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ قَالَ قَدْ كَانَ ذَاكَ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَالرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ تُحَرِّمُ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ اُشْتُرِطَتْ عَشْرُ رَضَعَاتٍ ثُمَّ قِيلَ الرَّضْعَةُ الْوَاحِدَةُ تُحَرِّمُ فَقَدْ عَرَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٌ خَبَرَ الْعَدَدِ فِي الرَّضَاعِ وَأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالتَّحْرِيمِ بِالرَّضْعَةِ الْوَاحِدَةِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ التَّحْدِيدُ كَانَ مَشْرُوطًا فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ وَهُوَ مَنْسُوخٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ تَحْدِيدُ الرَّضَاعِ كَانَ فِي رَضَاعِ الْكَبِيرِ فَلَمَّا نُسِخَ سَقَطَ التَّحْدِيدُ إذْ كَانَ مَشْرُوطًا فِيهِ وَأَيْضًا يُلْزِمُ الشَّافِعِيُّ إيجَابَ التَّحْرِيمِ بِثَلَاثِ رَضَعَاتٍ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ عَلَى إيجَابِ التَّحْرِيمِ فِيمَا زَادَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْمَخْصُوصِ بِالذِّكْرِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَغَيْرُ جَائِزٍ اعْتِقَادُ صِحَّتِهِ عَلَى مَا وَرَدَ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّهُ كان فيما أنزل من القرآن عشر فَنُسِخْنَ بِخَمْسٍ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَهُوَ مِمَّا يُتْلَى وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُجِيزُ نَسْخَ الْقُرْآنِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ التِّلَاوَةُ مَوْجُودَةً فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ بِهِ التِّلَاوَةُ وَلَمْ يَجُزْ النَّسْخُ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ مَدْخُولًا فِي الْأَصْلِ غَيْرَ ثَابِتِ الْحُكْمِ أَوْ يَكُونَ إنْ كَانَ ثَابِتًا فَإِنَّمَا نُسِخَ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا كَانَ مَنْسُوخًا فَالْعَمَلُ بِهِ سَاقِطٌ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كان تحديد الرضاع الْكَبِيرِ وَقَدْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ بِهِ فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ فِي
стр. 838
رَضَاعِ الْكَبِيرِ دُونَ سَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيّ نَسْخُ رَضَاعِ الْكَبِيرِ فَسَقَطَ حُكْمُ التَّحْدِيدِ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَمَعَ ذَلِكَ لَوْ خَلَا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي ذَكَرْنَا مِنْ الِاسْتِحَالَةِ وَالِاحْتِمَالِ لَمَا جَازَ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ إذْ هُوَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ سُقُوطِ اعْتِبَارِ التَّحْدِيدِ أَنَّ الرَّضَاعَ يُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا فَأَشْبَهَ الْوَطْءَ الْمُوجِبَ لِتَحْرِيمِ الْأُمِّ وَالْبِنْتِ وَالْعَقْدَ الْمُوجِبَ لِلتَّحْرِيمِ كَحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ وَمَا نَكَحَ الْآبَاءُ فَلَمَّا كَانَ الْقَلِيلُ مِنْ ذَلِكَ كَكَثِيرِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حُكْمِ التَّحْرِيمِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ الرَّضَاعِ فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ بِقَلِيلِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ وَهُوَ الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَتَلِدُ مِنْهُ وَلَدًا وَيَنْزِلُ لَهَا لَبَنٌ بَعْدَ وِلَادَتِهَا مِنْهُ فَتُرْضِعُ بِهِ صَبِيَّا فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِ لَبَنِ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ هَذَا الصَّبِيَّ عَلَى أَوْلَادِ الرَّجُلِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِهَا وَمَنْ لَا يَعْتَبِرُهُ لَا يُوجِبُ تَحْرِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْلَادِهِ مِنْ غَيْرِهَا فَمِمَّنْ قَالَ بِلَبَنِ الْفَحْلِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْن الشَّرِيدِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ له امرأتان أرضعت هذه غلاما وهذه الجارية هل يصح الغلام أَنْ يَتَزَوَّجَ الْجَارِيَةَ فَقَالَ لَا اللِّقَاحُ وَاحِدٌ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَذَكَرَ الْخَفَّافُ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ كرهه قوم ولم يربه قَوْمٌ بَأْسًا وَمَنْ كَرِهَهُ كَانَ أَفْقَهَ مِنْ الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا وَذَكَرَ عَبَّادُ بْن مَنْصُورٍ قَالَ قُلْت لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ امْرَأَةُ أَبِي أَرْضَعَتْ جَارِيَةً مِنْ النَّاسِ بِلَبَانِ إخوتى من أبى أتحل لي فقال لَا أَبُوك أَبُوهَا فَسَأَلْت طَاوُسًا وَالْحَسَنَ فَقَالَا مِثْلَ ذَلِكَ وَسَأَلْت مُجَاهِدًا فَقَالَ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَلَسْت أَقُولُ فِيهِ شَيْئًا وَسَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَسَأَلْت يُوسُفَ بْنَ مَاهَكَ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي قُعَيْسٍ وقال أبو حنفية وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ
وَزُفَرُ وَمَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ لَبَنُ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عبد الرحمن وعطاء ابن يَسَارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ إنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ رَافِعِ بْن خَدِيجٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ
حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَفْلَحَ أخا أبى القيس جَاءَ لِيَسْتَأْذِنَ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ بَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْحِجَابُ قَالَتْ فَأَبَيْت أَنْ آذَنَ لَهُ فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرْته قَالَ لِيَلِجْ عَلَيْك فَإِنَّهُ عَمُّك قُلْت إنَّمَا أَرْضَعْتنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ قَالَ لِيَلِجْ عَلَيْك فَإِنَّهُ عَمُّك تَرِبَتْ يَمِينُك
وَكَانَ أَبُو
стр. 839
الْقُعَيْسِ زَوْجَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أَرْضَعَتْ عَائِشَةَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ اللَّبَنِ هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ جَمِيعًا لِأَنَّ الْحَمْلَ مِنْهُمَا جَمِيعًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ مِنْهُمَا كَمَا كَانَ الْوَلَدُ مِنْهُمَا وَإِنْ اخْتَلَفَ سَبَبُهُمَا فَإِنْ قِيلَ قَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عن عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُدْخِلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعْته أَخَوَاتُهَا وَبَنَاتُ أَخِيهَا وَلَا تُدْخِلُ عَلَيْهَا مَنْ أَرْضَعْته نِسَاءُ إخْوَتِهَا قِيلَ لَهُ هَذَا غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا وَرَدَ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ إذْ كَانَ لَهَا أَنْ تَأْذَنَ لِمَنْ شَاءَتْ مِنْ مَحَارِمِهَا وَتَحْجُبَ مَنْ شَاءَتْ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ الْبِنْتَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْجَدِّ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ مَائِهِ لِأَنَّهُ كَانَ سَبَبَ حُدُوثِ الْأَبِ الَّذِي هُوَ مِنْ مَائِهِ كَذَلِكَ الرَّجُلُ لَمَّا كَانَ هُوَ سَبَبَ نُزُولِ اللَّبَنِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ التَّحْرِيمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اللَّبَنُ مِنْهُ إذْ كَانَ هُوَ سَبَبَهُ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّحْرِيمُ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي التَّنْزِيلِ مِنْ الرَّضَاعِ الْأُمَّهَاتُ وَالْأَخَوَاتُ مِنْ الرَّضَاعَةِ إلَّا أَنَّهُ
قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ وَاَللَّهُ أعلم.
بَابُ أُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَالرَّبَائِبُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ولم تختلف الأمة أن الربائب لا يحر من بِالْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا أَوْ يَكُونَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ مِنْ اللَّمْسِ والنظر على ما بيناه فيما سلف هو نَصُّ التَّنْزِيلِ فِي قَوْله تَعَالَى فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ هَلْ يَحْرُمْنَ بالعقد دون الدخول فسوى
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا وَإِنْ تَزَوَّجَ أُمَّهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَزَوَّجُ بِنْتَهَا تَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا
وَأَهْلُ النَّقْلِ يُضَعِّفُونَ حَدِيثَ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ وَيُرْوَى عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا مَا يَرْوِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بْنِ حَفْصٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مسلم ابن عُوَيْمِرِ بْنِ الْأَجْدَعِ عَنْهُ أَنَّ أُمَّ الْمَرْأَةِ لَا تَحْرُمُ إلَّا بِالدُّخُولِ وَالْأُخْرَى مَا يَرْوِيهِ عِكْرِمَةُ عَنْهُ أَنَّهَا تَحْرُمُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَقَالَ عمرو عبد اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَمَسْرُوقٌ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ تَحْرُمُ بِالْعَقْدِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ عَنْ سفيان
стр. 840
عَنْ أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَفْتَى فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَوْ مَاتَتْ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا فَلَمَّا أَتَى الْمَدِينَةَ رَجَعَ فَأَفْتَاهُمْ فَنَهَاهُمْ وَقَدْ وَلَدَتْ أَوْلَادًا وَرَوَى إبْرَاهِيمُ عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَيُفْتِي بِهِ يَعْنِي فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ فَحَجَّ فَلَقِيَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَاكَرَهُمْ ذَلِكَ فَكَرِهُوا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَلَمَّا رَجَعَ ابْنُ مَسْعُودٍ نَهَى مَنْ كَانَ أَفْتَاهُ بِذَلِكَ وَكَانُوا أَحْيَاءَ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ أَفْتَاهُمْ بِذَلِكَ وَقَالَ إنِّي سَأَلْت أَصْحَابِي فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا قَالَ إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَتَزَوَّجُ أُمَّهَا وَإِنْ مَاتَتْ لَمْ يَتَزَوَّجْ أُمَّهَا وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يُضَعِّفُونَ حَدِيثَ قَتَادَةَ هَذَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ زَيْدٍ وَيَقُولُونَ إنَّ أَكْثَرَ مَا يَرْوِيهِ قَتَادَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ رِجَالٌ وَإِنَّ رِوَايَاتِهِ عَنْ سَعِيدٍ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَاتِ أَكْثَرِ أَصْحَابِ سَعِيدٍ الثِّقَاتِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدٍ وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ خِلَافَ رِوَايَةِ قَتَادَةَ وَيُقَالُ إنَّ حَدِيثَ يَحْيَى وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ طَرِيقَةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَالْفُقَهَاءُ لَا يَعْتَبِرُونَ ذَلِكَ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ وَرَدِّهَا وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِيُعْرَفَ بِهِ مَذْهَبُ الْقَوْمِ فِيهِ دُونَ اعْتِبَارِهِ وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ فِي التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الدُّخُولِ أَلَا ترى أنه يجب فيه نصف المهر ولا يجب عَلَيْهَا الْعِدَّةُ وَأَمَّا الْمَوْتُ فَلَمَّا كَانَ فِي حُكْمِ الدُّخُولِ فِي بَابِ اسْتِحْقَاقِ كَمَالِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ جَعَلَهُ كَذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ يَحْرُمْنَ بِالْعَقْدِ قوله تعالى وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ هي مبهمة عامة كقوله وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ وَقَوْلُهُ وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ فَغَيْرُ جَائِزٍ تَخْصِيصُهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ وقَوْله تَعَالَى وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ حُكْمٌ مَقْصُورٌ عَلَى الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْجُمْلَتَيْنِ مُكْتَفِيَةٌ بِنَفْسِهَا فِي إيجَابِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِيهَا أَعْنِي قَوْله تَعَالَى وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وقَوْله تَعَالَى وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ وَكُلُّ كَلَامٍ اكْتَفَى
стр. 841
بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَضْمِينٍ لَهُ بِغَيْرِهِ وَلَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ وَجَبَ إجْرَاؤُهُ عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهِ دُونَ تَعْلِيقِهِ بِغَيْرِهِ فَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ جُمْلَةً مُكْتَفِيَةً بِنَفْسِهَا يَقْتَضِي عُمُومُهَا تَحْرِيمَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ وَعَدَمِهِ وَكَانَ قَوْله تَعَالَى وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ جُمْلَةً قَائِمَةً بِنَفْسِهَا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ شَرْطِ الدُّخُولِ لَمْ يَجُزْ لَنَا بِنَاءُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى بَلْ الْوَاجِبُ إجْرَاءُ الْمُطْلَقِ مِنْهُمَا عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَشَرْطُهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا مبنية عن الْأُخْرَى مَحْمُولَةٌ عَلَى شَرْطِهَا وَأُخْرَى وَهِيَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يَجْرِي هَذَا الشَّرْطُ مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ تَقْدِيرُهُ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ إلَّا اللَّاتِي لَمْ تَدْخُلُوا بِهِنَّ لِأَنَّ فِيهِ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا انْتَظَمَهُ الْعُمُومُ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَكَانَ مِنْ حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ عَوْدُهُ إلَى مَا يَلِيهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَقْصُورًا عَلَى الرَّبَائِبِ وَلَمْ يَجُزْ رَدُّهُ إلَى مَا تَقَدَّمَهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَأُخْرَى وَهِيَ أَنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ
وَهُوَ لَا مَحَالَةَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الرَّبَائِبِ وَرُجُوعُهُ إلَى أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَغَيْرُ جَائِزٍ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالشَّكِّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عُمُومُ التَّحْرِيمِ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مُقِرًّا عَلَى بَابِهِ وَأُخْرَى وَهِيَ أَنَّ إضْمَارَ شَرْطِ الدُّخُولِ لَا يَصِحُّ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مُظْهِرًا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ التي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لِأَنَّ أُمَّهَاتِ نِسَائِنَا لَسْنَ مِنْ نِسَائِنَا وَالرَّبَائِبُ مِنْ نِسَائِنَا لِأَنَّ الْبِنْتَ مِنْ الْأُمِّ وَلَيْسَتْ الْأُمُّ مِنْ الْبِنْتِ فَلَمَّا لَمْ يَسْتَقِمْ الْكَلَامُ بِإِظْهَارِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ فِي الشَّرْطِ لَمْ يَصِحَّ إضْمَارُهُ فِيهِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ قوله مِنْ نِسائِكُمْ إنَّمَا هُوَ مِنْ وَصْفِ الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَأَيْضًا فَلَوْ جَعَلْنَا قَوْلَهُ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ نَعْتًا لِأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَجَعَلْنَا تَقْدِيرَهُ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لَخَرَجَ الرَّبَائِبُ مِنْ الْحُكْمِ وَصَارَ حُكْمُ الشَّرْطِ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ دُونَهُنَّ وَذَلِكَ خِلَافُ نَصِّ التَّنْزِيلِ فَثَبَتَ أَنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ مَقْصُورٌ عَلَى الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ
وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا إسماعيل ابن الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نكاح ابنتها
стр. 842
وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلْيَنْكِحْ ابْنَتَهَا وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ السَّلَفِ اخْتِلَافٌ فِي حُكْمِ الرَّبِيبَةِ
فَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدٍ بْنُ رِفَاعَةَ عَنْ مَالِك بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّبِيبَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ وَكَانَتْ فِي بَلَدٍ آخَرَ ثُمَّ فَارَقَ الْأُمَّ بَعْدَ الدُّخُولِ إنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّبِيبَةَ
وَنَسَبَ عبد الرزاق إبراهيم هذا فقال إبراهيم ابن عُبَيْدٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا تَثْبُتُ بِمِثْلِهِ مَقَالَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ رَدُّوهُ وَلَمْ يَتَلَقَّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْقَبُولِ
وَقَدْ ذَكَرَ قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الرَّبِيبَةَ وَالْأُمَّ تَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا
وَهُوَ خِلَافُ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْأُمَّ لَا مَحَالَةَ تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ بِالْبِنْتِ وَقَدْ جَعَلَ الرَّبِيبَةَ مثلها فاقتضى تحريم البنت بالدخول فالأم سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ وَذَكَرَ
فِي حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ هَذَا أَنَّ عَلِيًّا احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ لَمْ تَحْرُمْ
وَحِكَايَةُ هَذَا الْحِجَاجِ يَدُلُّ عَلَى وَهْيِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ لِأَنَّ عَلِيًّا لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ وَذَلِكَ لأنا قد علمنا أن قوله وَرَبائِبُكُمُ لَمْ يَقْتَضِ أَنْ تَكُونَ تَرْبِيَةُ زَوْجِ الْأُمِّ لَهَا شَرْطًا فِي التَّحْرِيمِ وَأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُرَبِّهَا لَمْ تَحْرُمْ وَإِنَّمَا سُمِّيت بِنْتُ الْمَرْأَةِ رَبِيبَةً لِأَنَّ الْأَعَمَّ الْأَكْثَرَ أَنَّ زَوْجَ الْأُمِّ يُرَبِّيهَا ثُمَّ مَعْلُومٌ أَنَّ وُقُوعَ الِاسْمِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجِبْ كَوْنَ تَرْبِيَتِهِ إيَّاهَا شَرْطًا فِي التَّحْرِيمِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حُجُورِكُمْ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ مِنْ كَوْنِ الرَّبِيبَةِ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ شَرْطًا فِي التَّحْرِيمِ كَمَا أَنَّ تَرْبِيَةَ الزَّوْجِ إيَّاهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ وَهَذَا
كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ
وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَلَيْسَ كَوْنُ الْمَخَاضِ أَوْ اللَّبَنِ بِالْأُمِّ شَرْطًا فِي الْمَأْخُوذِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّهَا إذَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ كَانَ بِأُمِّهَا مَخَاضٌ وَإِذَا دَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ كَانَ بِأُمِّهَا لَبَنٌ فَإِنَّمَا أَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى غَالِبِ الْحَالِ كَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي حُجُورِكُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَحْرِيمِ مَنْ ذُكِرَ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَأَنَّ الْأُمَّ وَالْأُخْتَ مِنْ الرَّضَاعَةِ مُحَرَّمَتَانِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَمَا هُمَا بِالنِّكَاحِ وَكَذَلِكَ أُمُّ الْمَرْأَةِ وَابْنَتُهَا إذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إذَا وَطِئَ الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ أُمٍّ وَبِنْتٍ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ
стр. 843
عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَلَا خِلَافَ أَيْضًا أن الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ
قَوْله تَعَالَى وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ نَزَلَتْ فِي النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ زَيْدٍ
وَنَزَلَتْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ وما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ قَالَ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَلِيلَةُ الِابْنِ هِيَ زَوْجَتُهُ وَيُقَالُ إنَّمَا سُمِّيَتْ حَلِيلَةً لِأَنَّهَا تَحُلُّ مَعَهُ فِي فِرَاشٍ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مِنْهَا الجماع بعد النكاح والأمة وإن اسْتَبَاحَ فَرْجَهَا بِالْمِلْكِ لَا تُسَمَّى حَلِيلَةً وَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ مَا لَمْ يَطَأْهَا وَعَقْدُ نكاح الابن عليهما يُحَرِّمُهَا عَلَى أَبِيهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَلِيلَةَ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِالزَّوْجَةِ دُونَ مِلْكِ الْيَمِينِ وَلَمَّا عُلِّقَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ بِالتَّسْمِيَةِ دُونَ ذِكْرِ الْوَطْءِ اقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَهُنَّ بِالْعَقْدِ دُونَ شَرْطِ الْوَطْءِ لِأَنَّا لَوْ شَرَطْنَا الْوَطْءَ لَكَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي النَّصِّ وَمِثْلُهَا يُوجِبُ النَّسْخَ لِأَنَّهَا تُبِيحُ مَا حَظَرَتْهُ الْآيَةُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ أَبُو بكر وقوله تعالى الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ قد تناول عند الجميع تَحْرِيمَ حَلِيلَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ عَلَى الْجَدِّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ صُلْبِ الْجَدِّ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْآيَةِ قد اقتضاها عِنْدَ الْجَمِيعِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الولد منسوب إلى الجد بولادة وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي تَخْصِيصِهَا حَلِيلَةَ الِابْنِ مِنْ الصُّلْبِ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إبَاحَةِ تَزْوِيجِ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنْ جِهَةِ التَّبَنِّي وَقَوْلُهُ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَلِيلَةَ الِابْنِ هِيَ زَوْجَتُهُ لأنه عبر في هذا الموضوع عنهم بِاسْمِ الْأَزْوَاجِ وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى بِذِكْرِ الْحَلَائِلِ. قَوْله تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي سَائِرِ الْوُجُوهِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ وَالْجَمْعُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا مَعًا فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ جَامِعٌ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى يجوز نِكَاحِهَا مِنْ الْأُخْرَى وَلَا يَجُوزُ تَصْحِيحُ نِكَاحِهِمَا مَعَ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَغَيْرُ جَائِزٍ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ فِي أَنْ يَخْتَارَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْعُقْدَةَ وَقَعَتْ فَاسِدَةً مِثْلَ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ أَوْ هِيَ تَحْتَ زَوْجٍ فَلَا يَصِحُّ أَبَدًا وَمِنْ الْجَمْعِ أَنْ يتزوج أحدهما ثُمَّ يَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى بَعْدَهَا فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بِهَا حَصَلَ وَعَقْدُهَا وَقَعَ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَعَقْدُ الْأُولَى وَقَعَ مُبَاحًا فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِيَةِ
стр. 844
وَمِنْ الْجَمْعِ أَيْضًا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ وَطْئِهِمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَيَطَأَ إحْدَاهُمَا ثُمَّ يَطَأَ الْأُخْرَى قَبْلَ إخْرَاجِ الْمَوْطُوءَةِ الْأُولَى مِنْ مِلْكِهِ فَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ الْجَمْعِ وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ السَّلَفِ ثُمَّ زَالَ وَحَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا أَبَاحَا ذَلِكَ وَقَالَا أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَقَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالزُّبَيْرُ وَابْنُ عُمَرَ وَعَمَّارٌ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ فقال أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ فَالْحَرَامُ أَوْلَى
وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ الْغَافِقِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي إيَاسُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ سَأَلْت عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَقَدْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا هَلْ يَطَأُ الْأُخْرَى فَقَالَ أَعْتِقْ الْمَوْطُوءَةَ حَتَّى يَطَأَ الْأُخْرَى وَقَالَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ الْحَرَائِرِ شَيْئًا إلَّا حَرَّمَ مِنْ الْإِمَاءِ مِثْلَهُ إلَّا عَدَدَ الْأَرْبَعِ
وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ يَعْنُونَ بِهِ قَوْله تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وقوله حرمتهما آية قوله وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْإِبَاحَةُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ذكر التحريم والتحليل وقال لا آمر وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نَاظِرًا فِيهِ غَيْرَ قَاطِعٍ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِيهِ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَالَ فِيهِ بِالْإِبَاحَةِ ثُمَّ وَقَفَ فِيهِ وَقَطَعَ عَلِيٌّ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ إذَا اجْتَمَعَا فَالْحَظْرُ أَوْلَى إذَا تَسَاوَى سَبَبَاهُمَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا فِي الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ
وَقَدْ رَوَى إيَاسُ بْنُ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ إنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّك تَقُولُ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ فَقَالَ كَذَبُوا
وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ فِي مُقْتَضَى الْآيَتَيْنِ وَإِبْطَالَ مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِالْوَقْفِ فِيهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى وَإِنْكَارُهُ أَنْ يَكُونَ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ إنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ أَنَّ آيَتَيْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ غَيْرُ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي مُقْتَضَاهُمَا وَأَنَّ التَّحْرِيمَ أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ هُوَ قَوْلٌ مُنْكَرٌ لِاقْتِضَاءِ حَقِيقَتِهِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مُبَاحًا مَحْظُورًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ ﵁ أَنْكَرَ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ مقيدا بالقطع
стр. 845
عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَانَ سَائِغًا جَائِزًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ أَوْلَى لَوْ تَسَاوَتْ الْآيَتَانِ فِي إيجَابِ حُكْمَيْهِمَا أَنَّ فِعْلَ الْمَحْظُورِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِقَابَ وَتَرْكَ الْمُبَاحِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِقَابَ وَالِاحْتِيَاطُ الِامْتِنَاعُ مِمَّا لَا يَأْمَنُ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ بِهِ فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ وَاجِبَةٌ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآيَتَيْنِ غَيْرُ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى إذْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وُرُودُهَا فِي سَبَبٍ غَيْرِ سَبَبِ الْأُخْرَى وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وارد حكم التحريم كقوله تعالى وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ، وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَسَائِرُ مَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ تَحْرِيمُهَا وقَوْله تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَارِدٌ فِي إبَاحَةِ الْمَسْبِيَّةِ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَفَادَ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ وَقَطْعَ الْعِصْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ إيقَاعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمَسْبِيَّةِ وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَإِبَاحَتِهَا لِمَالِكِهَا فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إذْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ وَارِدَةٌ فِي سَبَبٍ غَيْرِ سَبَبِ الْأُخْرَى فَيُسْتَعْمَلُ حُكْمُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي السَّبَبِ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِضْ عَلَى حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَسَائِرِ مَنْ ذُكِرَ تَحْرِيمُهُنَّ فِي الْآيَةِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ حَلِيلَةِ الِابْنِ وَلَا أُمِّ الْمَرْأَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَمْ يَكُنْ قَوْله تعالى إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مُوجِبًا لَتَخْصِيصِهِنَّ لَوُرُودِهِ فِي سَبَبٍ غَيْرِ سَبَبِ الْآيَةِ الْأُخْرَى كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي اعْتِرَاضِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ وَامْتِنَاعِ عَلِيٍّ ﵁ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَتَيْنِ إذَا وَرَدَتَا فِي سَبَبَيْنِ إحْدَاهُمَا فِي التَّحْلِيلِ وَالْأُخْرَى فِي التَّحْرِيمِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَجْرِي عَلَى حُكْمِهَا فِي ذَلِكَ السَّبَبِ وَلَا يُعْتَرَضُ بِهَا عَلَى الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْخَبَرَيْنِ إذَا وَرَدَا عَنْ الرَّسُولِ ﷺ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَيْضًا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي حَظْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِالنِّكَاحِ وَالْأُخْرَى بِمِلْكِ الْيَمِينِ نَحْوَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ بِنِكَاحٍ فَيَشْتَرِي أُخْتَهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهُمَا جَمِيعًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ قَدْ انْتَظَمَ مِلْكَ الْيَمِينِ كَمَا انْتَظَمَ النِّكَاحَ وَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ جَمْعِهِمَا عَلَى سَائِرِ الْوُجُوهِ وَهُوَ موجب لتحريم
следующие страницы →