← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23579

أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (1 926 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَضْمِينٍ لَهُ بِغَيْرِهِ وَلَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ وَجَبَ إجْرَاؤُهُ عَلَى مُقْتَضَى لَفْظِهِ دُونَ تَعْلِيقِهِ بِغَيْرِهِ فَلَمَّا كَانَ قَوْلُهُ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ جُمْلَةً مُكْتَفِيَةً بِنَفْسِهَا يَقْتَضِي عُمُومُهَا تَحْرِيمَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مَعَ وُجُودِ الدُّخُولِ وَعَدَمِهِ وَكَانَ قَوْله تَعَالَى وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ جُمْلَةً قَائِمَةً بِنَفْسِهَا عَلَى مَا فِيهَا مِنْ شَرْطِ الدُّخُولِ لَمْ يَجُزْ لَنَا بِنَاءُ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى بَلْ الْوَاجِبُ إجْرَاءُ الْمُطْلَقِ مِنْهُمَا عَلَى إطْلَاقِهِ وَالْمُقَيَّدُ عَلَى تَقْيِيدِهِ وَشَرْطُهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ إحْدَاهُمَا مبنية عن الْأُخْرَى مَحْمُولَةٌ عَلَى شَرْطِهَا وَأُخْرَى وَهِيَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يَجْرِي هَذَا الشَّرْطُ مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ تَقْدِيرُهُ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ إلَّا اللَّاتِي لَمْ تَدْخُلُوا بِهِنَّ لِأَنَّ فِيهِ إخْرَاجُ بَعْضِ مَا انْتَظَمَهُ الْعُمُومُ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَكَانَ مِنْ حُكْمِ الِاسْتِثْنَاءِ عَوْدُهُ إلَى مَا يَلِيهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى مَا تَقَدَّمَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ مَقْصُورًا عَلَى الرَّبَائِبِ وَلَمْ يَجُزْ رَدُّهُ إلَى مَا تَقَدَّمَهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَأُخْرَى وَهِيَ أَنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ وَهُوَ لَا مَحَالَةَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الرَّبَائِبِ وَرُجُوعُهُ إلَى أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَغَيْرُ جَائِزٍ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالشَّكِّ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عُمُومُ التَّحْرِيمِ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مُقِرًّا عَلَى بَابِهِ وَأُخْرَى وَهِيَ أَنَّ إضْمَارَ شَرْطِ الدُّخُولِ لَا يَصِحُّ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ مُظْهِرًا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يُقَالَ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ التي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لِأَنَّ أُمَّهَاتِ نِسَائِنَا لَسْنَ مِنْ نِسَائِنَا وَالرَّبَائِبُ مِنْ نِسَائِنَا لِأَنَّ الْبِنْتَ مِنْ الْأُمِّ وَلَيْسَتْ الْأُمُّ مِنْ الْبِنْتِ فَلَمَّا لَمْ يَسْتَقِمْ الْكَلَامُ بِإِظْهَارِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ فِي الشَّرْطِ لَمْ يَصِحَّ إضْمَارُهُ فِيهِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ قوله مِنْ نِسائِكُمْ إنَّمَا هُوَ مِنْ وَصْفِ الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَأَيْضًا فَلَوْ جَعَلْنَا قَوْلَهُ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ نَعْتًا لِأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَجَعَلْنَا تَقْدِيرَهُ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ لَخَرَجَ الرَّبَائِبُ مِنْ الْحُكْمِ وَصَارَ حُكْمُ الشَّرْطِ فِي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ دُونَهُنَّ وَذَلِكَ خِلَافُ نَصِّ التَّنْزِيلِ فَثَبَتَ أَنَّ شَرْطَ الدُّخُولِ مَقْصُورٌ عَلَى الرَّبَائِبِ دُونَ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَقَدْ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا إسماعيل ابن الْفَضْلِ قَالَ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نكاح ابنتها

стр. 842

وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلْيَنْكِحْ ابْنَتَهَا وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ السَّلَفِ اخْتِلَافٌ فِي حُكْمِ الرَّبِيبَةِ فَذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدٍ بْنُ رِفَاعَةَ عَنْ مَالِك بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّبِيبَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ وَكَانَتْ فِي بَلَدٍ آخَرَ ثُمَّ فَارَقَ الْأُمَّ بَعْدَ الدُّخُولِ إنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّبِيبَةَ وَنَسَبَ عبد الرزاق إبراهيم هذا فقال إبراهيم ابن عُبَيْدٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا تَثْبُتُ بِمِثْلِهِ مَقَالَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ رَدُّوهُ وَلَمْ يَتَلَقَّهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْقَبُولِ وَقَدْ ذَكَرَ قَتَادَةُ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ الرَّبِيبَةَ وَالْأُمَّ تَجْرِيَانِ مَجْرًى وَاحِدًا وَهُوَ خِلَافُ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْأُمَّ لَا مَحَالَةَ تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ بِالْبِنْتِ وَقَدْ جَعَلَ الرَّبِيبَةَ مثلها فاقتضى تحريم البنت بالدخول فالأم سَوَاءٌ كَانَتْ فِي حِجْرِهِ أَوْ لَمْ تَكُنْ وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ هَذَا أَنَّ عَلِيًّا احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ لَمْ تَحْرُمْ وَحِكَايَةُ هَذَا الْحِجَاجِ يَدُلُّ عَلَى وَهْيِ الْحَدِيثِ وَضَعْفِهِ لِأَنَّ عَلِيًّا لَا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ وَذَلِكَ لأنا قد علمنا أن قوله وَرَبائِبُكُمُ لَمْ يَقْتَضِ أَنْ تَكُونَ تَرْبِيَةُ زَوْجِ الْأُمِّ لَهَا شَرْطًا فِي التَّحْرِيمِ وَأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُرَبِّهَا لَمْ تَحْرُمْ وَإِنَّمَا سُمِّيت بِنْتُ الْمَرْأَةِ رَبِيبَةً لِأَنَّ الْأَعَمَّ الْأَكْثَرَ أَنَّ زَوْجَ الْأُمِّ يُرَبِّيهَا ثُمَّ مَعْلُومٌ أَنَّ وُقُوعَ الِاسْمِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يُوجِبْ كَوْنَ تَرْبِيَتِهِ إيَّاهَا شَرْطًا فِي التَّحْرِيمِ كَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حُجُورِكُمْ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى الْأَعَمِّ الْأَكْثَرِ مِنْ كَوْنِ الرَّبِيبَةِ فِي حِجْرِ الزَّوْجِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ شَرْطًا فِي التَّحْرِيمِ كَمَا أَنَّ تَرْبِيَةَ الزَّوْجِ إيَّاهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ وَهَذَا كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَلَيْسَ كَوْنُ الْمَخَاضِ أَوْ اللَّبَنِ بِالْأُمِّ شَرْطًا فِي الْمَأْخُوذِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ أَنَّهَا إذَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ كَانَ بِأُمِّهَا مَخَاضٌ وَإِذَا دَخَلَتْ فِي الثَّالِثَةِ كَانَ بِأُمِّهَا لَبَنٌ فَإِنَّمَا أَجْرَى الْكَلَامَ عَلَى غَالِبِ الْحَالِ كَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي حُجُورِكُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَحْرِيمِ مَنْ ذُكِرَ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَأَنَّ الْأُمَّ وَالْأُخْتَ مِنْ الرَّضَاعَةِ مُحَرَّمَتَانِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَمَا هُمَا بِالنِّكَاحِ وَكَذَلِكَ أُمُّ الْمَرْأَةِ وَابْنَتُهَا إذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا إذَا وَطِئَ الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ أُمٍّ وَبِنْتٍ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ

стр. 843

عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَلَا خِلَافَ أَيْضًا أن الْوَطْءُ بِالنِّكَاحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ قَوْله تَعَالَى وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ نَزَلَتْ فِي النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ زَيْدٍ وَنَزَلَتْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ وما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ قَالَ وَكَانَ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَلِيلَةُ الِابْنِ هِيَ زَوْجَتُهُ وَيُقَالُ إنَّمَا سُمِّيَتْ حَلِيلَةً لِأَنَّهَا تَحُلُّ مَعَهُ فِي فِرَاشٍ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مِنْهَا الجماع بعد النكاح والأمة وإن اسْتَبَاحَ فَرْجَهَا بِالْمِلْكِ لَا تُسَمَّى حَلِيلَةً وَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ مَا لَمْ يَطَأْهَا وَعَقْدُ نكاح الابن عليهما يُحَرِّمُهَا عَلَى أَبِيهِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَلِيلَةَ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِالزَّوْجَةِ دُونَ مِلْكِ الْيَمِينِ وَلَمَّا عُلِّقَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ بِالتَّسْمِيَةِ دُونَ ذِكْرِ الْوَطْءِ اقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَهُنَّ بِالْعَقْدِ دُونَ شَرْطِ الْوَطْءِ لِأَنَّا لَوْ شَرَطْنَا الْوَطْءَ لَكَانَ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي النَّصِّ وَمِثْلُهَا يُوجِبُ النَّسْخَ لِأَنَّهَا تُبِيحُ مَا حَظَرَتْهُ الْآيَةُ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ أَبُو بكر وقوله تعالى الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ قد تناول عند الجميع تَحْرِيمَ حَلِيلَةِ وَلَدِ الْوَلَدِ عَلَى الْجَدِّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ صُلْبِ الْجَدِّ لِأَنَّ إطْلَاقَ الْآيَةِ قد اقتضاها عِنْدَ الْجَمِيعِ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الولد منسوب إلى الجد بولادة وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي تَخْصِيصِهَا حَلِيلَةَ الِابْنِ مِنْ الصُّلْبِ فِي مَعْنَى قَوْله تَعَالَى فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إبَاحَةِ تَزْوِيجِ حَلِيلَةِ الِابْنِ مِنْ جِهَةِ التَّبَنِّي وَقَوْلُهُ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَلِيلَةَ الِابْنِ هِيَ زَوْجَتُهُ لأنه عبر في هذا الموضوع عنهم بِاسْمِ الْأَزْوَاجِ وَفِي الْآيَةِ الْأُولَى بِذِكْرِ الْحَلَائِلِ. قَوْله تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فِي سَائِرِ الْوُجُوهِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ وَالْجَمْعُ عَلَى وُجُوهٍ مِنْهَا أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا مَعًا فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ جَامِعٌ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا بِأَوْلَى يجوز نِكَاحِهَا مِنْ الْأُخْرَى وَلَا يَجُوزُ تَصْحِيحُ نِكَاحِهِمَا مَعَ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعَالَى الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَغَيْرُ جَائِزٍ تَخْيِيرُ الزَّوْجِ فِي أَنْ يَخْتَارَ أَيَّتَهُمَا شَاءَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْعُقْدَةَ وَقَعَتْ فَاسِدَةً مِثْلَ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ أَوْ هِيَ تَحْتَ زَوْجٍ فَلَا يَصِحُّ أَبَدًا وَمِنْ الْجَمْعِ أَنْ يتزوج أحدهما ثُمَّ يَتَزَوَّجَ الْأُخْرَى بَعْدَهَا فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الثَّانِيَةِ لِأَنَّ الْجَمْعَ بِهَا حَصَلَ وَعَقْدُهَا وَقَعَ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَعَقْدُ الْأُولَى وَقَعَ مُبَاحًا فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِيَةِ

стр. 844

وَمِنْ الْجَمْعِ أَيْضًا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ وَطْئِهِمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَيَطَأَ إحْدَاهُمَا ثُمَّ يَطَأَ الْأُخْرَى قَبْلَ إخْرَاجِ الْمَوْطُوءَةِ الْأُولَى مِنْ مِلْكِهِ فَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ الْجَمْعِ وَقَدْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ السَّلَفِ ثُمَّ زَالَ وَحَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا أَبَاحَا ذَلِكَ وَقَالَا أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَقَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالزُّبَيْرُ وَابْنُ عُمَرَ وَعَمَّارٌ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ سُئِلَ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ فقال أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ فَالْحَرَامُ أَوْلَى وَرَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِي قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَيُّوبَ الْغَافِقِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَمِّي إيَاسُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ سَأَلْت عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنْ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَقَدْ وَطِئَ إحْدَاهُمَا هَلْ يَطَأُ الْأُخْرَى فَقَالَ أَعْتِقْ الْمَوْطُوءَةَ حَتَّى يَطَأَ الْأُخْرَى وَقَالَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ مِنْ الْحَرَائِرِ شَيْئًا إلَّا حَرَّمَ مِنْ الْإِمَاءِ مِثْلَهُ إلَّا عَدَدَ الْأَرْبَعِ وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارٍ مِثْلُ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ يَعْنُونَ بِهِ قَوْله تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وقوله حرمتهما آية قوله وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْإِبَاحَةُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ذكر التحريم والتحليل وقال لا آمر وَلَا أَنْهَى عَنْهُ وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نَاظِرًا فِيهِ غَيْرَ قَاطِعٍ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِيهِ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَالَ فِيهِ بِالْإِبَاحَةِ ثُمَّ وَقَفَ فِيهِ وَقَطَعَ عَلِيٌّ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْحَظْرَ وَالْإِبَاحَةَ إذَا اجْتَمَعَا فَالْحَظْرُ أَوْلَى إذَا تَسَاوَى سَبَبَاهُمَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا فِي الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَقَدْ رَوَى إيَاسُ بْنُ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ إنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّك تَقُولُ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ فَقَالَ كَذَبُوا وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ الْمُسَاوَاةِ فِي مُقْتَضَى الْآيَتَيْنِ وَإِبْطَالَ مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ بِالْوَقْفِ فِيهِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى وَإِنْكَارُهُ أَنْ يَكُونَ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ إنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ أَنَّ آيَتَيْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ غَيْرُ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي مُقْتَضَاهُمَا وَأَنَّ التَّحْرِيمَ أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ هُوَ قَوْلٌ مُنْكَرٌ لِاقْتِضَاءِ حَقِيقَتِهِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ وَاحِدٌ مُبَاحًا مَحْظُورًا فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ ﵁ أَنْكَرَ إطْلَاقَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَأَنَّهُ إذَا كَانَ مقيدا بالقطع

стр. 845

عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ كَانَ سَائِغًا جَائِزًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي الْخَبَرِ الْآخَرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ أَوْلَى لَوْ تَسَاوَتْ الْآيَتَانِ فِي إيجَابِ حُكْمَيْهِمَا أَنَّ فِعْلَ الْمَحْظُورِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِقَابَ وَتَرْكَ الْمُبَاحِ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعِقَابَ وَالِاحْتِيَاطُ الِامْتِنَاعُ مِمَّا لَا يَأْمَنُ اسْتِحْقَاقَ الْعِقَابِ بِهِ فَهَذِهِ قَضِيَّةٌ وَاجِبَةٌ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْآيَتَيْنِ غَيْرُ مُتَسَاوِيَتَيْنِ فِي إيجَابِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ وَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى إذْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وُرُودُهَا فِي سَبَبٍ غَيْرِ سَبَبِ الْأُخْرَى وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وارد حكم التحريم كقوله تعالى وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ، وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَسَائِرُ مَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ تَحْرِيمُهَا وقَوْله تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَارِدٌ فِي إبَاحَةِ الْمَسْبِيَّةِ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَفَادَ وُقُوعَ الْفُرْقَةِ وَقَطْعَ الْعِصْمَةِ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ إيقَاعِ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمَسْبِيَّةِ وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَإِبَاحَتِهَا لِمَالِكِهَا فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إذْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ وَارِدَةٌ فِي سَبَبٍ غَيْرِ سَبَبِ الْأُخْرَى فَيُسْتَعْمَلُ حُكْمُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي السَّبَبِ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِضْ عَلَى حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَسَائِرِ مَنْ ذُكِرَ تَحْرِيمُهُنَّ فِي الْآيَةِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ حَلِيلَةِ الِابْنِ وَلَا أُمِّ الْمَرْأَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَلَمْ يَكُنْ قَوْله تعالى إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مُوجِبًا لَتَخْصِيصِهِنَّ لَوُرُودِهِ فِي سَبَبٍ غَيْرِ سَبَبِ الْآيَةِ الْأُخْرَى كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِي اعْتِرَاضِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ وَامْتِنَاعِ عَلِيٍّ ﵁ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ الِاعْتِرَاضِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْآيَتَيْنِ إذَا وَرَدَتَا فِي سَبَبَيْنِ إحْدَاهُمَا فِي التَّحْلِيلِ وَالْأُخْرَى فِي التَّحْرِيمِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَجْرِي عَلَى حُكْمِهَا فِي ذَلِكَ السَّبَبِ وَلَا يُعْتَرَضُ بِهَا عَلَى الْأُخْرَى وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْخَبَرَيْنِ إذَا وَرَدَا عَنْ الرَّسُولِ ﷺ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَيْضًا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي حَظْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إحْدَاهُمَا بِالنِّكَاحِ وَالْأُخْرَى بِمِلْكِ الْيَمِينِ نَحْوَ أَنْ تَكُونَ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ بِنِكَاحٍ فَيَشْتَرِي أُخْتَهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهُمَا جَمِيعًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ قَدْ انْتَظَمَ مِلْكَ الْيَمِينِ كَمَا انْتَظَمَ النِّكَاحَ وَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ جَمْعِهِمَا عَلَى سَائِرِ الْوُجُوهِ وَهُوَ موجب لتحريم

стр. 846

تَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا تَعْتَدُّ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي اسْتِحْقَاقِ نَسَبِ وَلَدَيْهِمَا وَفِي إيجَابِ النَّفَقَةِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِالنِّكَاحِ وَالسُّكْنَى لَهُمَا وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ ضُرُوبِ الْجَمْعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَحْظُورًا مُنْتَفِيًا بِتَحْرِيمِهِ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قِيلَ قَوْله تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مَقْصُورٌ عَلَى النِّكَاحِ دُونَ غَيْرِهِ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ لِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ وَلَيْسَ مِلْكُ الْيَمِينِ بِنِكَاحٍ فَعَلِمْنَا أَنَّ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى النِّكَاحِ وَأَيْضًا فَإِنَّ اقْتِصَارَك بِالتَّحْرِيمِ عَلَى النِّكَاحِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ ضُرُوبِ الْجَمْعِ تَخْصِيصٌ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ وَذَلِكَ غَيْرُ سَائِغٍ لِأَحَدٍ وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ وَعَطَاءٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٍ فِي آخَرِينَ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا وَكَذَلِكَ لَا يَتَزَوَّجُ الْخَامِسَةَ وَإِحْدَى الْأَرْبَعِ تَعْتَدُّ مِنْهُ فَبَعْضُهُمْ أَطْلَقَ الْعِدَّةَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وزفر والثوري وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا إذَا كَانَتْ عِدَّتُهَا مِنْ طَلَاقٍ بَائِنٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَاخْتَلَفَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَعَطَاءٍ فَرُوِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا وَالْأُخْرَى أَنَّهُ لَا يَتَزَوَّجُهَا وَقَالَ قَتَادَةُ رَجَعَ الْحَسَنُ عَنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ يَتَزَوَّجُهَا فِي عِدَّةِ أُخْتِهَا وَمَا قَدَّمْنَا مِنْ دَلَالَةِ الْآيَةِ وَعُمُومِهَا فِي تَحْرِيمِ الْجَمْعِ كَافٍ فِي إيجاب التحريم وما دَامَتْ الْأُخْتُ مُعْتَدَّةً مِنْهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ وَطْءِ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ إبَاحَةَ الْوَطْءِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ وإن لم يكن نكاحا وَلَا عَقْدٌ فَوَاجِبٌ عَلَى ذَلِكَ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَلَمَّا كَانَ اسْتِلْحَاقُ النَّسَبِ وَوُجُوبُ النَّفَقَةِ وَالسُّكْنَى مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِيهِ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ جَامِعًا بَيْنَهُمَا مَعَ ارْتِفَاعِ الزَّوْجِيَّةِ وَكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً مِنْهُ وَلَوْ كَانَ قَدْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ مِنْهُ فَلَا تَمْنَعُ تَزْوِيجَ أُخْتِهَا قِيلَ لَهُ لَا يَخْتَلِفَانِ في وجوب الحد لأنه كما يَجِبُ عَلَيْهَا بِوَطْئِهِ إيَّاهَا وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ وَتَجْمَعَ إلَى حُقُوقِ نِكَاحِ الْأَوَّلِ زَوْجًا آخَرَ وَلَمْ يَكُنْ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهَا بِمُطَاوَعَتِهَا إيَّاهُ عَلَى الْوَطْءِ مُبِيحًا لَهَا نِكَاحَ زَوْجٍ آخَرَ بَلْ كَانَتْ فِي الْمَنْعِ مِنْ زَوْجٍ ثَانٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ هِيَ في حباله وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ لَا يَجُوزُ

стр. 847

لَهُ جَمْعُ أُخْتِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ مَعَ بَقَاءِ حُقُوقِ النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا مُوجِبًا لِلْحَدِّ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْأُخْتِ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ وَوَجَدْنَا تَحْرِيمَ نِكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ إذَا كَانَتْ عِنْدَ زَوْجٍ مِنْ طَرِيقِ الْجَمْعِ ثُمَّ وَجَدْنَا العدة تمنع من الجمع ما تمنع نَفْسُ النِّكَاحِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَمْنُوعًا مِنْ تَزْوِيجِ أُخْتِهَا فِي عِدَّتِهَا كَمَا مُنِعَ ذَلِكَ فِي حَالِ بَقَاءِ نِكَاحِهَا إذْ كَانَتْ الْعِدَّةُ تَمْنَعُ مِنْ الْجَمْعِ مَا يَمْنَعُهُ نَفْسُ النِّكَاحِ كَمَا جَرَتْ الْعِدَّةُ مَجْرَى النِّكَاحِ فِي بَابِ مَنْعِهَا مِنْ نِكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَإِنْ قِيلَ هَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فِي الْعِدَّةِ إذَا مَنَعْته مِنْ تَزْوِيجِ الْأُخْتِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا قِيلَ لَهُ لَيْسَ تَحْرِيمُ النِّكَاحِ مَقْصُورًا عَلَى الْعِدَّةِ حَتَّى إذَا مَنَعْنَاهُ مِنْ نِكَاحِ أُخْتِهَا فَقَدْ جَعَلْنَاهُ فِي الْعِدَّةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَزَوَّجَ أُخْتِهَا إذَا كَانَتْ مُعْتَدَّةً مِنْهُ مِنْ طلاق رجعي ولم يوجب الرجل في العدة وكذلك قبل طلاق كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْ عَقْدِ نِكَاحٍ عَلَى الْأُخْتِ أَوْ لِزَوْجٍ آخَرَ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فِي الْعِدَّةِ وقَوْله تَعَالَى إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْله تَعَالَى وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وَاخْتِلَافُ الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلِهِ وَاحْتِمَالِهِ لِمَا قِيلَ فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى عِنْدَ ذِكْرِ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بين الأختين إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَحْتَمِلُ مِنْ الْمَعَانِي مَا احْتَمَلَهُ الْأَوَّلُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ لِمَعْنًى آخَرَ لَا يَحْتَمِلُهُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعُقُودَ الْمُتَقَدِّمَةَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ لَا تَنْفَسِخُ ويكون أَنْ يَخْتَارَ إحْدَاهُمَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي وَهْبٍ الْجَيَشَانِيِّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَسْلَمْت وَعِنْدِي أُخْتَانِ فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ طَلِّقْ إحْدَاهُمَا وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْت فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِمُفَارَقَتِهِمَا إنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَيْهِمَا مَعًا وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِمُفَارَقَةِ الْآخِرَةِ مِنْهُمَا إنْ كان تزوجهما في عقدين ولم يسئله عَنْ ذَلِكَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ نِكَاحِهِ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ طَلِّقْ أَيَّتَهمَا شِئْت وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهِمَا كَانَ صَحِيحًا قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُقَرِّينَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ عُقُودِهِمْ قَبْلَ قِيَامِ حُجَّةِ السمع ببطلانها واختلاف أهل العلم في الكافر يسلم وتحته أُخْتَانِ أَوْ خَمْسُ أَجْنَبِيَّاتٍ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالثَّوْرِيُّ يَخْتَارُ الْأَوَائِلَ مِنْهُنَّ إنْ كان خَمْسًا وَإِنْ كَانَتَا أُخْتَيْنِ اخْتَارَ الْأُولَى وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيُّ يَخْتَارُ مِنْ الْخَمْسِ

стр. 848

أَرْبَعًا أَيَّتَهُنَّ شَاءَ وَمِنْ الْأُخْتَيْنِ أَيَّتَهمَا شَاءَ إلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ رُوِيَ عَنْهُ فِي الْأُخْتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى امْرَأَتُهُ وَيُفَارِقُ الْآخِرَةَ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ يَخْتَارُ الْأَرْبَعَ الْأَوَائِلَ فَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَيَّتَهُنَّ الْأُولَى طَلَّقَ كُلَّ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ثُمَّ يَتَزَوَّجَ أَرْبَعًا وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَذَلِكَ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ فَكَانَ عَقْدُ الْكَافِرِ عَلَى الْأُخْتَيْنِ بَعْدَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ كَعَقْدِ الْمُسْلِمِ فِي حُكْمِ الْفَسَادِ فَوَجَبَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخِرَةِ لِوُقُوعِ عَقْدِهَا عَلَى فَسَادٍ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ كَمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لَوْ نَكَحَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ لقوله تعالى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَالْجَمْعُ وَاقِعٌ بِالثَّانِيَةِ وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهُمَا فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ فَهِيَ فَاسِدَةٌ فِيهِمَا جَمِيعًا لَوُقُوعِهَا مَنْهِيًّا عَنْهَا بِظَاهِرِ النَّصِّ فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا أَحَدُهُمَا وُقُوعُ الْعُقْدَةِ مَنْهِيًّا عَنْهَا وَالنَّهْيُ عِنْدَنَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَالثَّانِي أنه منع الجمع بينهما بحال فلو بقينا عَقْدَهُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ كُنَّا مُثْبِتِينَ لِمَا نَفَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْجَمْعِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى بُطْلَانِ الْعَقْدِ الَّذِي وَقَعَ بِهِ الْجَمْعُ وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُسْلِمُ عَقْدًا عَلَى أُخْتَيْنِ وَلَمْ يَجُزْ أَيْضًا أَنْ يَبْقَى لَهُ عَقْدٌ عَلَى أُخْتَيْنِ وَإِنْ لَمْ تَكُونَا أُخْتَيْنِ فِي حَالِ العقد كمن تزوج رضيعتين فأرضعهما امْرَأَةٌ فَاسْتَوَى حُكْمُ الِابْتِدَاءِ وَالْبَقَاءِ فِي نَفْيِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَشْبَهَ نِكَاحَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فِي اسْتِوَاءِ حَالِ الْبَقَاءِ وَالِابْتِدَاءِ فِيهِمَا فَلَمَّا لَمْ يَخْتَلِفْ الْعَقْدُ عَلَى ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فِي وُقُوعِهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ وَحَالِ الْإِسْلَامِ وَوَجَبَ التَّفْرِيقُ مَتَى طَرَأَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَجَبَ مِثْلُهُ فِي نِكَاحِ الْأُخْتَيْنِ وَأَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَكَمَا لَمْ يختلف حكم البقاء والابتداء فيهما كَمَا قُلْنَا فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَاحْتَجَّ مَنْ خَيَّرَهُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِحَدِيثِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ وَبِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي لَيْلَى عَنْ حميضة بن الشمر دل عن الحرث بْنِ قَيْسٍ قَالَ أَسْلَمْت وَعِنْدِي ثَمَانُ نِسْوَةٍ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَبِمَا رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ خُذْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَأَمَّا حَدِيثُ فَيْرُوزَ فَإِنَّ فِي لَفْظِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ وَكَانَ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّهُ قَالَ أَيَّتَهمَا شِئْت وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ وَحَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ التَّحْرِيمِ فَكَانَ صَحِيحًا إلَى أَنْ طَرَأَ التَّحْرِيمُ فَلَزِمَهُ اخْتِيَارُ الْأَرْبَعِ مِنْهُنَّ وَمُفَارَقَةُ سَائِرِهِنَّ كَرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ فَطَلَّقَ إحْدَاهُمَا

стр. 849

ثلاثا فيقال له اختر أيهما شِئْت لِأَنَّ الْعَقْدَ كَانَ صَحِيحًا إلَى أَنْ طَرَأَ التَّحْرِيمُ فَإِنْ قِيلَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ لَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَقْتِ الْعَقْدِ قِيلَ لَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ فَاكْتَفَى بِعِلْمِهِ عَنْ مَسْأَلَتِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ غَيْلَانَ فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَشُكُّ أَهْلُ النَّقْلِ فِيهِ أَنَّ مَعْمَرًا أَخْطَأَ فِيهِ بِالْبَصْرَةِ وَأَنَّ أَصْلَ هَذَا الْحَدِيثِ مَقْطُوعٌ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَرَوَاهُ عنه عقيل ابن خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ بَلَغَنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْد أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَيَجْعَلُهُ بَلَاغًا عن عثمان ابن مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْد وَيُقَالُ إنَّهُ إنَّمَا جَاءَ الْغَلَطُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَعْمَرًا كَانَ عِنْدَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدِيثَانِ فِي قِصَّةِ غَيْلَانَ أَحَدُهُمَا هَذَا وَهُوَ بَلَاغٌ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُوَيْد وَالْآخَرُ حَدِيثُهُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَئِنْ لَمْ تُرَاجِعْ نِسَاءَك ثُمَّ مِتَّ لَأُوَرِّثُهُنَّ ثُمَّ لَأَرْجُمَنَّ قَبْرَك كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ فَأَخْطَأَ مَعْمَرٌ وَجَعَلَ إسْنَادَ هَذَا الْحَدِيثِ لِحَدِيثِ إسْلَامِهِ مع النسوة. (فَصْلٌ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمَنْصُوصُ عَلَى تَحْرِيمِهِ فِي الْكِتَابِ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَقَدْ وَرَدَتْ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا رَوَاهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عباس وجابر وابن عمرو أبو مُوسَى وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وعبد الله ابن عمر أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا وَلَا عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا وَلَا عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا وَفِي بَعْضِهَا لَا الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى عَلَى اخْتِلَافِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى وقد تلقها النَّاسُ بِالْقَبُولِ مَعَ تَوَاتُرِهَا وَاسْتِفَاضَتِهَا وَهِيَ مِنْ الْأَخْبَارِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَوَجَبَ اسْتِعْمَالُ حُكْمِهَا مَعَ الْآيَةِ وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ بِإِبَاحَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ مَنْ عَدَا الْأُخْتَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ وَأَخْطَأَتْ فِي ذَلِكَ وَضَلَّتْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا قَالَ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ قال وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ مَنْ ذَكَرْنَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَضْمُومًا إلَى الْآيَةِ فَيَكُونُ قَوْله تعالى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ مُسْتَعْمَلًا فِيمَنْ عَدَا الْأُخْتَيْنِ وَعَدَا مَنْ بَيَّنَ النبي ﷺ تحريم الجمع بينهن

стр. 850

وَلَيْسَ يَخْلُو قَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ مِنْ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ قَبْلَ حُكْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِتَحْرِيمِ مَنْ حَرَّمَ الْجَمْعَ بَيْنَهُنَّ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ بَعْدَ الْخَبَرِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ مُرَتَّبٌ عَلَى تَحْرِيمِ مَنْ ذُكِرَ تَحْرِيمُهُنَّ مِنْهُنَّ لأن قوله ما وَراءَ ذلِكُمْ الْمُرَادُ بِهِ مَا وَرَاءَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَحْرِيمِهِنَّ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ جَمِيعُ ذَلِكَ مُبَاحًا فَعَلِمْنَا أَنَّ تَحْرِيمَ مَنْ ذُكِرَ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَهُنَّ فِي الْخَبَرِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَإِذَا امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ قَبْلَ الْآيَةِ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا أَوْ بَعْدَهَا فَإِنْ كَانَ مَعَهَا فَلَمْ تَرُدَّ الْآيَةُ إلا خاصة فيما عَدَا مَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ تَحْرِيمُ جَمْعِهِنَّ وَعَلِمْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ذَلِكَ عَقِيبَ تِلَاوَةِ الْآيَةِ وَبَيَّنَ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا فَلَمْ يَعْقِلْ السَّامِعُونَ لِلْآيَةِ حكما إلا خاصا على ما بينا وَإِنْ كَانَ حُكْمُ الْآيَةِ اسْتَقَرَّ عَلَى مُقْتَضَى عُمُومِ لَفْظِهَا ثُمَّ وَرَدَ الْخَبَرُ فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّسْخِ وَنَسْخُ الْقُرْآنِ جَائِزٌ بِمِثْلِهِ لِتَوَاتُرِهِ وَاسْتِفَاضَتِهِ وَكَوْنِهِ فِي حَيِّزِ الْأَخْبَارِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا تَارِيخُ الْآيَةِ وَالْخَبَرُ مَعَ حُصُولِ الْيَقِينِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ بِالْآيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ قَبْلَهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا آنِفًا وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ مَعَ الْآيَةِ وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ أَنْ يَكُونَ الْآيَةُ وَالْخَبَرُ وَرَدَا مَعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنَا عِلْمٌ بِتَارِيخِهِمَا وَغَيْرُ جَائِزٍ لَنَا الْحُكْمُ بِتَأَخُّرِهِ عَنْ الْآيَةِ وَنَسْخِ بَعْضِ أَحْكَامِ الْآيَةِ بِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِ الْآيَةِ عَلَى عُمُومِهَا ثُمَّ وَرَدَ النَّسْخُ عَلَيْهَا بِالْخَبَرِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِوُرُودِهِمَا مَعًا وَلِأَنَّ الْآيَةَ وَالْخَبَرَ إذَا لَمْ يُعْلَمْ تَارِيخُهُمَا وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِمَا مَعًا كَالْغَرْقَى وَالْقَوْمِ الَّذِينَ يَقَعُ عَلَيْهِمْ الْبَيْتُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ مَوْتُ أَحَدِهِمْ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْآخَرِ حَكَمْنَا بِمَوْتِهِمْ جَمِيعًا مَعًا والله أعلم. باب نكاح ذوات الزوج قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ عَطْفًا عَلَى مَنْ حُرِّمَ مِنْ النِّسَاءِ مِنْ عند قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ فَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ حَمَّادِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قَالَ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ مِنْ المشركين وقد روى عن سعيد ابن جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كُلُّ ذَاتِ زَوْجٍ إتْيَانُهَا زِنًا إلَّا مَا سُبِيَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ مِنْهُنَّ وَأَنَّ

стр. 851

نِكَاحَهَا حَرَامٌ مَا دَامَتْ ذَاتَ زَوْجٍ وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْله تَعَالَى إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَتَأَوَّلَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ وَعُمَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَابْنُ عُمَرَ أَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ مِنْ السَّبَايَا أُبِيحَ وَطْؤُهُنَّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَوَجَبَ بِحُدُوثِ السَّبْيِ عَلَيْهَا دُونَ زَوْجِهَا وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا وَكَانُوا يَقُولُونَ إنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَلَا يَبْطُلُ نِكَاحُهَا وَتَأَوَّلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ فِي جَمِيعِ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ مِنْ السَّبَايَا وَغَيْرِهِمْ وَكَانُوا يَقُولُونَ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ جَيْشًا إلَى أَوْطَاسٍ فَلَقُوا عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ فَأَصَابُوا مِنْهُمْ سَبَايَا لَهُنَّ أَزْوَاجٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَحَرَّجُونَ من غشيانهم فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أَيْ هُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ أَبَا عَلْقَمَةَ هَذَا رَجُلٌ جَلِيلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ يعلى ابن عَطَاءٍ وَرَوَى هُوَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَلَهُ أَحَادِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ السَّنَدِ قَدْ أَخْبَرَ فِيهِ بِسَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ وَأَنَّهَا فِي السَّبَايَا وَتَأَوَّلَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ إذَا مُلِكْنَ حَلَّ وَطْؤُهُنَّ لِمَالِكِهِنَّ وَوَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِنَّ فَإِنْ قِيلَ أَنْتُمْ لَا تَعْتَبِرُونَ السَّبَبَ وَإِنَّمَا تُرَاعُونَ حُكْمَ اللَّفْظِ إنْ كَانَ عَامًّا فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْخُصُوصِ فَهَلَّا اعْتَبَرْت ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَجَعَلْتهَا عَلَى الْعُمُومِ فِي سَائِرِ مَنْ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْمِلْكُ مِنْ النِّسَاءِ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ فَيَنْتَظِمُ السَّبَايَا وَغَيْرُهُنَّ قِيلَ لَهُ الدَّلَالَةُ ظاهرة في الآية على خصوصها في السبايا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَلَوْ كَانَ حُدُوثُ الْمِلْكِ مُوجِبًا لِإِيقَاعِ الْفُرْقَةِ لَوَجَبَ أَنْ تَقَعَ الْفُرْقَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا إذَا اشْتَرَتْهَا امْرَأَةٌ أَوْ أَخُوهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ لِحُدُوثِ الْمِلْكِ فَإِنْ قِيلَ جَائِزٌ أَنْ يُقَالَ ذلك في سائر من طَرَأَ عَلَيْهِنَّ الْمِلْكُ سَوَاءٌ كَانَ حُدُوثُ الْمِلْكِ سَبَبًا لِإِبَاحَةِ الْوَطْءِ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِأَنْ تَمْلِكَهَا امْرَأَةٌ أَوْ رَجُلٌ لَا يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا قِيلَ لَهُ فَشَأْنُ الْآيَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ حَدَثَ لَهُ مِلْكُ الْيَمِينِ فَأَبَاحَتْ لَهُ وَطْأَهَا لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ حَظْرِ وَطْءِ الْمُحْصَنَاتِ مِنْ النِّسَاءِ فَوَاجِبٌ عَلَى ذَلِكَ أنه إذا

стр. 852

لَمْ يَسْتَبِحْ الْمَالِكُ وَطْأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجِيَّةُ قَائِمَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا بِحُكْمِ الْآيَةِ وَإِذَا وَجَبَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْآيَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ خَاصًّا فِي السَّبَايَا وَيَكُونُ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْفُرْقَةِ اختلاف الدين لَا حُدُوثَ الْمِلْكِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُدُوثَ الْمِلْكِ لَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ مَا رَوَى حَمَّادُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اشْتَرَتْ بَرِيرَةَ فَأَعْتَقْتهَا وَشَرَطَتْ لِأَهْلِهَا الْوَلَاءَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَقَالَ لَهَا يَا بَرِيرَةُ اخْتَارِي فَالْأَمْرُ إلَيْك وَرَوَاهُ سِمَاكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عن عَائِشَةَ مِثْلَهُ وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُسَمَّى مُغِيثًا فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أعطى الثمن وخيرها فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ فِي أَمْرِ بَرِيرَةَ مَا رَوَى ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْضِيَ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى مَا رَوَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ قِيلَ لَهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي السَّبَايَا وَأَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَا يُوقِعُ فُرْقَةً بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الَّذِي ذَكَرْت عَنْهُ مِنْ أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا كَانَ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ تَثْبُتَ عِنْدَهُ قِصَّةُ بَرِيرَةَ وَتَخْيِيرُ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهَا بَعْدَ الشِّرَى فَلَمَّا سَمِعَ بِقِصَّةِ بَرِيرَةَ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَأَيْضًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ بَيْعُ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا إذَا اشْتَرَاهَا الزَّوْجُ وَلَا يَبْقَى النِّكَاحُ مَعَ الْمِلْكِ وَالنَّظَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَا يُوجِبُ الْفُرْقَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَمْلِكُهُ الزَّوْجِ وَلَا يَصِحُّ إلَّا بِإِيقَاعِهِ أَوْ بِسَبَبٍ مِنْ قِبَلِهِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مِنْ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ سَبَبٌ وَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ طَلَاقًا وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ لِأَنَّ الْمِلْكَ مَوْجُودٌ قَبْلَ الْبَيْعِ غَيْرُ نَافٍ لِلنِّكَاحِ فَكَذَلِكَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي لَا يُنَافِيهِ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا طَرَأَ ملك المشترى ولم يكن منه رضى بِالنِّكَاحِ وَجَبَ أَنْ يَنْفَسِخَ قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْمِلْكَ لَا يُنَافِي النِّكَاحَ وَالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْت إنْ كَانَ مُعْتَبَرًا فَإِنَّمَا يُوجِبُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارًا فِي فَسْخِ النِّكَاحِ وَلَيْسَ هَذَا قَوْلَ أَحَدٍ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَمَنْ تَابَعَهُ يُوجِبُونَ فَسْخَ النِّكَاحِ بِحُدُوثِ الْمِلْكِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الزَّوْجَيْنِ إذَا سُبِيَا مَعًا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ إذَا سُبِيَ الْحَرْبِيَّانِ مَعًا وَهُمَا زَوْجَانِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ وَإِنْ سُبِيَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ وَأُخْرِجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ الأوزاعى إذا

стр. 853

سُبِيَا جَمِيعًا فَمَا كَانَا فِي الْمُقَاسِمِ فَهُمَا عَلَى النِّكَاحِ فَإِذَا اشْتَرَاهُمَا رَجُلٌ فَإِنْ شَاءَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَاِتَّخَذَهَا لنفسه أو زوجها غيره بعد ما يَسْتَبْرِئُهَا بِحَيْضَةٍ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ إذَا سُبِيَتْ ذَاتُ زَوْجٍ اُسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضَتَيْنِ لِأَنَّ زَوْجَهَا أَحَقُّ بِهَا إذَا جَاءَ فِي عِدَّتِهَا وَغَيْرُ ذَاتِ الْأَزْوَاجِ بِحَيْضَةٍ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إذَا سُبِيَتْ بَانَتْ مِنْ زَوْجِهَا سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُدُوثَ الْمِلْكِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْفُرْقَةِ بِدَلَالَةِ الأمة المبيعة والمورثة فَوَجَبَ أَنْ لَا تَقَعَ الْفُرْقَةُ بِالسَّبْيِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ حُدُوثِ الْمِلْكِ وَدَلِيلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ حُدُوثَ الرِّقِّ عَلَيْهَا لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ بَقَاءَهُ أَوْلَى لِأَنَّ الْبَقَاءَ هُوَ آكَدُ فِي ثُبُوتِ النِّكَاحِ مَعَهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ يَمْنَعُ الِابْتِدَاءَ مَا لَا يَمْنَعُ الْبَقَاءَ وَهُوَ حُدُوثُ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا مِنْ وَطْءٍ بِشُبْهَةٍ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ وَلَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنْ احْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخدري في قصة سبابا أَوْطَاسٍ وَسَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ مَنْ سُبِيَتْ مَعَ زَوْجِهَا أَوْ وَحْدَهَا قِيلَ لَهُ رَوَى حَمَّادٌ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ سَالِمٍ الْمَكِّيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أَوْطَاسٍ لَحِقَتْ الرِّجَالُ بِالْجِبَالِ وَأُخِذَتْ النِّسَاءُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ كَيْفَ نَصْنَعُ وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَأَخْبَرَ أَنَّ الرِّجَالَ لَحِقُوا بِالْجِبَالِ وَأَنَّ السَّبَايَا كُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ عَنْ الْأَزْوَاجِ وَالْآيَةُ فِيهِنَّ نَزَلَتْ وَأَيْضًا لَمْ يَأْسِرْ النَّبِيُّ ﷺ فِي غَزَاةِ حُنَيْنٍ مِنْ الرِّجَالِ أَحَدًا فِيمَا نَقَلَ أَهْلُ الْمَغَازِي وَإِنَّمَا كَانُوا مِنْ بَيْنِ قَتِيلٍ أَوْ مَهْزُومٍ وَسَبَى النِّسَاءَ ثُمَّ جاءه الرجال بعد ما وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَسَأَلُوهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِإِطْلَاقِ سَبَايَاهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ وَقَالَ لِلنَّاسِ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَذَاكَ وَمَنْ تَمَسَّك بِشَيْءٍ مِنْهُنَّ فَلَهُ خَمْسُ فَرَائِضَ فِي كُلِّ رَأْسٍ وَأَطْلَقَ النَّاسُ سَبَايَاهُمْ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَ السَّبَايَا أَزْوَاجُهُنَّ فَإِنْ احْتَجُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ لَمْ يُخَصِّصْ مَنْ مَعَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَالْمُنْفَرِدَاتِ مِنْهُنَّ قِيلَ لَهُ قَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عُمُومُ الْحُكْمِ فِي إيجَابِ الْفُرْقَةِ بِالْمِلْكِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أَنْ تَقَعَ الفرقة بشرى الأمة وهبتها وبالميراث وَغَيْرِهِ مِنْ وُجُوهِ الْأَمْلَاكِ الْحَادِثَةِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحُدُوثِ الْمِلْكِ وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مُرَادِ الْآيَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَخْلُ

стр. 854

مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ فِي الْمَسْبِيَّةِ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ بِهِمَا أَوْ حُدُوثُ الْمِلْكِ ثُمَّ قَامَتْ دَلَالَةُ السُّنَّةِ وَاتِّفَاقُ الْخَصْمِ مَعَنَا عَلَى نَفْيِ إيجَابِ الْفُرْقَةِ بِحُدُوثِ الْمِلْكِ قَضَى ذَلِكَ عَلَى مُرَادِ الْآيَةِ بِأَنَّهُ اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ وَأَوْجَبَ ذَلِكَ خُصُوصَ الْآيَةِ فِي الْمَسْبِيَّاتِ دُونَ أَزْوَاجِهِنَّ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اختلاف الدارين أنهما الْمَسْبِيَّاتِ دُونَ أَزْوَاجِهِنَّ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ أَنَّهُمَا لَوْ خَرَجَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ لَمْ تَقَعْ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ لِأَنَّهُمَا لَمْ تَخْتَلِفْ بِهِمَا الدَّارَانِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمَسْبِيَّةِ وَزَوْجِهَا إذَا كَانَتْ مُنْفَرِدَةً اخْتِلَافُ الدَّارَيْنِ بِهِمَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَرْبِيَّةَ إذَا خَرَجَتْ إلَيْنَا مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً ثُمَّ لَمْ يَلْحَقْ بِهَا زَوْجُهَا وَقَعَتْ الْفُرْقَةُ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فِي الْمُهَاجِرَاتِ فِي قَوْلِهِ وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ثم قال وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ قال أبو أَبُو بَكْرٍ قَوْله تَعَالَى إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِين لِوُجُودِ الْمِلْكِ إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أبو داود قال حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ أَخْبَرْنَا شَرِيكٌ عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بن أبي حبيب عن أبي مرزوق عن حنش الصنعاني عن روى يفع بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَامَ فِينَا خَطِيبًا فَقَالَ أَمَا إنِّي لَا أَقُولُ لَكُمْ إلَّا مَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ حُنَيْنٍ لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ ماؤه زَرْعَ غَيْرِهِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ قَالَ أَبُو دَاوُد ذِكْرُ الِاسْتِبْرَاءِ هَاهُنَا وَهْمٌ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُمَيْرَ عن عبد الرحمن ابن جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى امْرَأَةً «١» مُجِحًّا فَقَالَ لَعَلَّ صَاحِبَهَا أَلَمَّ بِهَا قَالُوا نَعَمْ قَالَ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَكَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ له فهذه الأخبار

стр. 855

تَمْنَعُ مَنْ اسْتَحْدَثَ مِلْكًا فِي جَارِيَةٍ أَنْ يَطَأَهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا إنْ كَانَتْ حَائِلًا وَحَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا إنْ كَانَتْ حَامِلًا وَلَيْسَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ خِلَافٌ فِي وُجُوبِ اسْتِبْرَاءِ الْمَسْبِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ صَالِحٍ قَالَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ حَيْضَتَيْنِ إذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَدْ ثَبَتَ بحديث أبى سعيد الذي ذِكْرِنَا الِاسْتِبْرَاءَ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَيْسَ هَذَا الِاسْتِبْرَاءُ بِعِدَّةٍ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عِدَّةً لَفَرَّقَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ منهن وبين من ليس لها زوج لِأَنَّ الْعِدَّةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَنْ فِرَاشٍ فَلَمَّا سَوَّى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ مَنْ كَانَ لَهَا فِرَاشٌ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِرَاشٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ بِعِدَّةٍ فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الَّذِي ذَكَرْت إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ فَجَعَلَ ذَلِكَ عِدَّةً قِيلَ لَهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي تَأْوِيلًا مِنْهُ لِلِاسْتِبْرَاءِ أَنَّهُ عِدَّةٌ وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ الْعِدَّةُ لَمَّا كَانَ أَصْلُهَا اسْتِبْرَاءَ الرَّحِمِ أُجْرِيَ اسْمُ الْعِدَّةِ عَلَى الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَقَدْ رُوِيَ فِي قَوْله تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ تأويل آخر وروى زَمْعَةُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ وَرَجَعَ ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ حرم الله تعالى الزِّنَا وَرَوَى مَعْمَرُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْله تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قَالَ فَزَوْجَتُك مِمَّا مَلَكَتْ يَمِينُك يَقُولُ حَرَّمَ الله الزِّنَا لَا يَحِلُّ لَك أَنْ تَطَأَ امْرَأَةً إلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُك وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قَالَ نَهْيٌ عَنْ الزِّنَا وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ كُلُّ مُحْصَنَةٍ عَلَيْك حَرَامٌ إلَّا امْرَأَةً تَمْلِكُهَا بِنِكَاحٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَأَنَّ تَأْوِيلَهَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ حَرَامٌ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْآيَةِ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ إرَادَةَ الْمَعَانِي الَّتِي تَأَوَّلَهَا الصَّحَابَةُ عَلَيْهَا مِنْ إبَاحَةِ وَطْءِ السَّبَايَا اللَّاتِي لَهُنَّ أَزْوَاجٌ حَرْبِيُّونَ فَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الْأَمْرَيْنِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ هِيَ الْأَمَةُ دُونَ الزَّوْجَاتِ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَجَعَلَ مِلْكَ الْيَمِينِ غَيْرَ الزَّوْجَاتِ وَالْإِطْلَاقُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْإِمَاءَ الْمَمْلُوكَاتِ دُونَ الزَّوْجَاتِ وَهِيَ كَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَا يَمْلِكُ مِنْ زَوْجَتِهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا لَهُ مِنْهَا اسْتِبَاحَةُ الْوَطْءِ وَمَنَافِعُ بُضْعِهَا فِي مِلْكِهَا دُونَهُ أَلَا تَرَيْ أَنَّهَا لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ وَهِيَ تَحْتَ زَوْجٍ كَانَ الْمَهْرُ لَهَا دُونَهُ فَدَلَّ ذَلِكَ

стр. 856

عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنْ زَوْجَتِهِ شَيْئًا فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ قَوْله تَعَالَى إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عَلَى مَنْ يَمْلِكُهَا فِي الْحَقِيقَةِ وَهِيَ الْمَسْبِيَّةُ قوله تعالى كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ رُوِيَ عَنْ عَبِيدَةُ قَالَ أَرْبَعٌ وَإِنَّمَا نَصَبَ كِتَابَ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّ مَعْنَى كِتَابَ الله عليكم أَيْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذَلِكَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ حَرَّمَ ذَلِكَ كِتَابًا مِنْ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهِ وَإِخْبَارٌ مِنْهُ لَنَا بِفَرْضِهِ لِأَنَّ الْكِتَابَ هُوَ الْفَرْضُ قَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ روى عن عبيدة السلماني والسدى أحل مَا دُونَ الْخَمْسِ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ وَقَالَ عَطَاءٌ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنْ أَقَارِبِكُمْ وَقَالَ قَتَادَةُ ما وَراءَ ذلِكُمْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَقِيلَ مَا وَرَاءِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَمَا وَرَاءِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ نِكَاحًا أَوْ مِلْكَ يَمِينٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ عَامٌّ فِيمَا عَدَا الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْآيَةِ وَفِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بَابُ الْمُهُورِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ فعقد الإباحة بشريطة إيجاب بدل البضع وهو مال فدل عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ بَدَلَ الْبُضْعِ وَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مَالٍ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ مَا يُسَمَّى أَمْوَالًا وذلك لأن هذا خطاب لكل واحد فِي إبَاحَةِ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ أَنْ يَبْتَغِيَ الْبُضْعَ بِمَا يُسَمَّى أَمْوَالًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ خِطَابٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي تَحْرِيمِ أُمَّهَاتِهِ وَبَنَاتِهِ عَلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ الشَّيْءَ التَّافِهَ الَّذِي لَا يُسَمَّى أَمْوَالًا وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مِقْدَارِ الْمَهْرِ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لَا مَهْرَ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ فِي آخَرِينَ مِنْ التَّابِعِينَ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَالْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ يَجُوزُ النِّكَاحُ عَلَى قَلِيلِ الْمَهْرِ وَكَثِيرِهِ وَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَثُلُثٌ وَقَالَ آخَرُونَ النَّوَاةُ عَشَرَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ وَقَالَ مَالِكٌ أَقَلُّ الْمَهْرِ رُبْعُ دِينَارٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَاللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَسَنُ ابن صَالِحٍ وَالشَّافِعِيُّ يَجُوزُ بِقَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ وَلَوْ دِرْهَمٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يُسَمَّى أَمْوَالًا لَا يَكُونُ مَهْرًا وَأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يُسَمَّى أَمْوَالًا هَذَا مُقْتَضَى الْآيَةِ وَظَاهِرُهَا وَمَنْ كَانَ لَهُ دِرْهَمٌ أَوْ

стр. 857

دِرْهَمَانِ لَا يُقَالُ عِنْدَهُ أَمْوَالٌ فَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا بِمُقْتَضَى الظَّاهِرِ فَإِنْ قِيلَ وَمَنْ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لَا يُقَالُ عِنْدَهُ أموال وقد أجزأها مَهْرًا قِيلَ لَهُ كَذَلِكَ يَقْتَضِي الظَّاهِرُ لَكِنْ أَجَزْنَاهَا بِالِاتِّفَاقِ وَجَائِزٌ تَخْصِيصُ الْآيَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَأَيْضًا قد روى حرام بن عثمان عن ابن جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَا مَهْرَ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَلَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَةِ هَذَا الضَّرْبِ مِنْ الْمَقَادِيرِ الَّتِي هِيَ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ وَإِنَّمَا طَرِيقُهَا التَّوْقِيفُ أَوْ الِاتِّفَاقُ وَتَقْدِيرُهُ الْعَشَرَةَ مَهْرًا دُونَ مَا هُوَ أَقَلُّ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ تَوْقِيفًا وَهُوَ نَظِيرُ مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ فِي أَكْثَرِ النِّفَاسِ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا أَنَّ ذَلِكَ تَوْقِيفٌ إذْ لَا يُقَالُ فِي مِثْلِهِ مِنْ طَرِيقِ الرَّأْيِ وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ إذَا قعد في آخر صلاته مقدار التشهيد فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ فَدَلَّ تَقْدِيرُهُ لِلْفَرْضِ بِمِقْدَارِ التشهيد أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لِاعْتِبَارِ الْعَشَرَةِ أَنَّ الْبُضْعَ عُضْوٌ لَا تَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهُ إلَّا بِمَالٍ فَأَشْبَهَ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ فَلَمَّا كَانَتْ الْيَدُ عُضْوًا لَا تَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهُ إلَّا بِمَالٍ وَكَانَ الْمِقْدَارُ الَّذِي يُسْتَبَاحُ بِهِ عَشَرَةٌ عَلَى أَصْلِهِمْ فَكَذَلِكَ الْمَهْرُ يُعْتَبَرُ بِهِ وَأَيْضًا لَمَّا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ اسْتِبَاحَةُ الْبُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا تَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهُ بِهِ مِنْ الْمِقْدَارِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا عَلَى الْحَظْرِ فِي مَنْعِ اسْتِبَاحَتِهِ إلَّا بِمَا قَامَ دَلِيلُ جَوَازِهِ وَهُوَ الْعَشَرَةُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا وَمَا دُونَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَالْبُضْعُ بَاقٍ عَلَى حُكْمِ الْحَظْرِ وَأَيْضًا لِمَا لَمْ تَجُزْ اسْتِبَاحَتُهُ إلَّا بِبَدَلٍ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَدَلُ الَّذِي بِهِ يَصِحُّ قِيمَةُ الْبُضْعِ هُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ وَأَنْ لَا يُحَطَّ عَنْهُ شَيْءٌ إلَّا بِدَلَالَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ لَكَانَ الْوَاجِبُ لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ فَغَيْرُ جَائِزٍ إسْقَاطُ شَيْءٍ مِنْ مُوجِبِهِ إلَّا بِدَلَالَةٍ وَقَدْ قَامَتْ دَلَالَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى جَوَازِ إسْقَاطِ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دونه أن يكون واجبا بإيجاب العقد له إذا لَمْ تَقُمْ الدَّلَالَةُ عَلَى إسْقَاطِهِ فَإِنْ قِيلَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ اقْتَضَى ذَلِكَ إيجَابَ نِصْفِ الْفَرْضِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا قِيلَ لَهُ لَمَّا ثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَانَتْ تَسْمِيتَةُ لِبَعْضِ الْعَشَرَةِ تَسْمِيَةً لها

стр. 858

كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا تَتَبَعَّضُ تَكُونُ تَسْمِيَتُهُ لِبَعْضِهَا تَسْمِيَةً لَجَمِيعِهَا كَالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَنَحْوِهِمَا وَإِذَا كَانَتْ الْعَشَرَةُ لَا تَتَبَعَّضُ فِي الْعَقْدِ صَارَتْ تَسْمِيَتُهُ لَبَعْضِهَا تَسْمِيَةً لَجَمِيعِهَا فَإِذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَجَبَ لَهَا نِصْفُ الْعَشَرَةِ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ هِيَ الْفَرْضُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ نِصْفَ تَطْلِيقَةٍ كَانَ مُطَلِّقًا لَهَا تَطْلِيقَةً كاملة ولو طلق نصفها كان مطلقا كذلك لِجَمِيعِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ عَفَا عَنْ نِصْفِ دَمٍ عَمْدٍ كَانَ عَافِيًا عَنْ جَمِيعِهِ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ تَسْمِيَتُهُ لَخَمْسَةٍ تَسْمِيَةً لِلْعَشَرَةِ لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْعَشَرَةَ لَا تَتَبَعَّضُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَمَتَى أَوْجَبْنَا بَعْدَ الطَّلَاقِ خَمْسَةً كَانَ ذَلِكَ نِصْفَ الْفَرْضِ وَأَيْضًا فَإِنَّا نُوجِبُ نِصْفَ الْمَفْرُوضِ فَلَسْنَا مُخَالِفِينَ لِحُكْمِ الْآيَةِ وَنُوجِبُ الزِّيَادَةَ إلَى تَمَامِ الْخَمْسَةِ بِدَلَالَةٍ أُخْرَى وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ مَذْهَبُنَا خِلَافَ الْآيَةِ لَوْ لَمْ نُوجِبْ نِصْفَ الْفَرْضِ فَأَمَّا إذَا أَوْجَبْنَاهُ وَأَوْجَبْنَا زِيَادَةً عَلَيْهِ بِدَلَالَةٍ أُخْرَى فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةٌ لِلْآيَةِ وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ بِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ أَنَّ امْرَأَةً جِيءَ بها إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ رَجُلًا عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَضِيت مِنْ نَفْسِك وَمَالِك بِنَعْلَيْنِ قَالَتْ نَعَمْ فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَعْطَى امْرَأَةً فِي نِكَاحٍ كَفَّ دَقِيقٍ أَوْ سَوِيقٍ أَوْ طعاما فقد استحل وبحديث الحجاج ابن أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الطَّائِفِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّلْمَانِيِّ قَالَ خَطَبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ أَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْعَلَائِقُ بَيْنَهُمَا قَالَ مَا تَرَاضَى بِهِ الْأَهْلُونَ وَبِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَنْ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدْ اسْتَحَلَّ وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ تَزَوَّجَ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَخْبَرَ النبي ﷺ فقال أو لم وَلَوْ بِشَاةٍ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَبِحَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مالي بِالنِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا فَقَالَ هَلْ عِنْدَك مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إيَّاهُ فَقَالَ إزَارِي هَذَا فَقَالَ إنْ أَعْطَيْتهَا إزَارَك جَلَسْت وَلَا إزَارَ لَك إلَى أَنْ قَالَ الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَأَجَازَ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ وَخَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ لَا يُسَاوِي عَشَرَةً وَالْجَوَابُ عَنْ إجَازَتِهِ النِّكَاحَ عَلَى نَعْلَيْنِ أَنَّ النَّعْلَيْنِ قَدْ يَجُوزُ أَنْ تُسَاوِيَا عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى مَوْضِعِ الْخِلَافِ لِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى نَعْلَيْنِ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قِيمَتُهَا عَشَرَةً أو أكثر

стр. 859

وَلَيْسَ بِعُمُومِ لَفْظٍ فِي إبَاحَةِ التَّزْوِيجِ عَلَى نَعْلَيْنِ أَيُّ نَعْلَيْنِ كَانَتَا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ بِجَوَازِ النِّكَاحِ وَجَوَازُ النِّكَاحِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَهْرُ لَا غَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى غَيْرِ مَهْرٍ لَكَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا وَلَمْ يَدُلَّ جَوَازُ النِّكَاحِ عَلَى أَنْ لَا شَيْءَ لَهَا كَذَلِكَ جَوَازُ النِّكَاحِ عَلَى نَعْلَيْنِ قِيمَتُهُمَا أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَيْرُهُمَا وَأَمَّا قَوْلُهُ مَنْ اسْتَحَلَّ بِدِرْهَمَيْنِ أَوْ بِكَفِّ دَقِيقٍ فَقَدْ اسْتَحَلَّ فَإِنَّهُ أخبار عن ملك البضع ولا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي تَزَوُّجِهِ عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ قِيمَتَهَا كَانَتْ خَمْسَةً أَوْ عَشَرَةً وَأَمَّا قَوْلُهُ الْعَلَائِقُ مَا تَرَاضَى بِهِ الْأَهْلُونَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَجُوزُ مِثْلُهُ فِي الشَّرْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ تَرَاضَوْا بِخَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ شَغَارٍ لَمَا جَازَ تَرَاضِيهِمَا كَذَلِكَ فِي حُكْمِ التَّسْمِيَةِ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلَى مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ فِي الشَّرْعِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْعَشَرَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ بِتَعْجِيلِ شَيْءٍ لَهَا وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ مَخْرَجُ كَلَامِهِ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ مَا يَصِحُّ بِهِ الْعَقْدُ مِنْ التَّسْمِيَةِ لَاكْتَفَى بِإِثْبَاتِهِ فِي ذِمَّتِهِ مَا يَجُوزُ بِهِ الْعَقْدُ عَنْ السُّؤَالِ عَمَّا يُعَجَّلُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مَا يَصِحُّ مَهْرًا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجِدْ شَيْئًا قَالَ زَوَّجْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ وَمَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ لَا يَكُونُ مَهْرًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَا وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى خِدْمَتِهِ سَنَةً فَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَإِنْ كَانَ عَبْدًا فَلَهَا خِدْمَتُهُ سَنَةً وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَهَا قِيمَةُ خِدْمَتِهِ إنْ كَانَ حُرًّا وَقَالَ مَالِكٌ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُؤَاجِرَهَا نَفْسَهُ سَنَةً أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَيَكُونُ ذَلِكَ صَدَاقَهَا فَإِنَّهُ يَفْسَخُ النِّكَاحَ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَإِنْ دَخَلَ بِهَا ثَبَتَ النِّكَاحُ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يُحِجَّهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ لِنِصْفِ حَجِّهَا مِنْ الْحِمْلَانِ وَالْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالشَّافِعِيُّ النِّكَاحُ جَائِزٌ عَلَى خِدْمَتِهِ إذَا كَانَ وَقْتًا مَعْلُومًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى تَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَهْرًا وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَكُونُ ذَلِكَ مَهْرًا لَهَا فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ عَلَيْهَا بِنِصْفِ أُجْرَةِ التَّعْلِيمِ إنْ كَانَ قَدْ عَلَّمَهَا وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيّ وَحَكَى الرَّبِيعُ عَنْهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَهْرِ مِثْلِهَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ قد

стр. 860

اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ بَدَلُ الْبُضْعِ مَا يَسْتَحِقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مَالٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا تَمْلِيكُ الْمَالِ بَدَلًا مِنْ الْبُضْعِ وَالْآخَرُ تَسْلِيمُهُ لِاسْتِيفَاءِ مَنَافِعِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ الَّذِي يَمْلِكُ بِهِ الْبُضْعَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَالًا أَوْ مَنَافِعَ فِي مَالٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا تَسْلِيمُهُ إلَيْهَا إذْ كَانَ قوله أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ يَشْتَمِلَ عَلَيْهِمَا وَيَقْتَضِيهِمَا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ مَالًا قَوْله تَعَالَى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً أَمْرٌ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ الْإِيجَابَ وَدَلَّ بِفَحْوَاهُ عَلَى أَنَّ الْمَهْرَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَالًا مِنْ وجهين أحدهما قوله وَآتُوا مَعْنَاهُ أَعْطُوا وَالْإِعْطَاءُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَعْيَانِ دُونَ الْمَنَافِعِ إذْ الْمَنَافِعُ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا الْإِعْطَاءُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالثَّانِي قَوْلُهُ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْمَنَافِعِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمَأْكُولِ أَوْ فِيمَا يُمْكِنُ صَرْفُهُ بَعْدَ الْإِعْطَاءِ إلَى الْمَأْكُولِ فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ لَا تَكُونُ مَهْرًا فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا يُوجِبُ أَنْ لَا تَكُونَ خِدْمَةُ الْعَبْدِ مَهْرًا قِيلَ لَهُ كَذَلِكَ اقْتَضَى ظَاهِرُ الْآيَةِ وَلَوْلَا قِيَامُ الدَّلَالَةِ لَمَا جَازَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نهى النبي ﷺ عن نِكَاحِ الشِّغَارِ وَهُوَ أَنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ أُخْتَهُ أَوْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ أَمَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا مَهْرٌ وَهَذَا أَصْلٌ فِي أَنَّ الْمَهْرَ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ تَسْلِيمُ مَالٍ فَلَمَّا أَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَكُونَ مَنَافِعُ الْبُضْعِ مَهْرًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنْ كُلَّ مَا شُرِطَ مِنْ بَدَلِ الْبُضْعِ مِمَّا لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مَالٍ لَا يَكُونُ مَهْرًا وَكَذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا لو تزوجها على عفو من دم عمدا وعلى طَلَاقِ فُلَانَةَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَهْرِ مِثْلِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ إذَا جَعَلَهَا مَهْرًا وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ إذَا سَمَّى فِي الشِّغَارِ لِإِحْدَاهُمَا مَهْرًا أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَمْ يَجْعَلْ الْبُضْعَ مَهْرًا فِي الْحَالِ الَّتِي أَجَازَ النِّكَاحَ فِيهَا وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا كَانَ الشِّغَارُ فِي الْأَمَتَيْنِ كَانَ الْمَهْرُ مَنَافِعَ الْبُضْعِ بَدَلًا فِي النِّكَاحِ وَالثَّانِي إذَا كَانَ الشِّغَارُ فِي الْحُرَّتَيْنِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ أُزَوِّجُك أُخْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي أُخْتَك أَوْ أُزَوِّجُك بِنْتِي عَلَى أَنْ تُزَوِّجَنِي بِنْتَك فَيَكُونُ هَذَا عَقْدًا عَارِيًّا مِنْ ذِكْرِ الْمَهْرِ لِوَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ لِأَنَّهُ شَرَطَ الْمَنَافِعَ لِغَيْرِ الْمَنْكُوحَةِ وَهُوَ الْوَلِيُّ فَالشِّغَارُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ عَقْدَ نِكَاحٍ عَارِيًّا عَنْ تَسْمِيَةِ بَدَلٍ لِلْمَنْكُوحَةِ وَفِي الوجه الآخر يكون بدل البضع بُضْعٍ آخَرَ فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ أَنْ

стр. 861

يَكُونَ بَدَلًا فَصَارَ أَصْلًا فِي أَنَّ بَدَلَ الْبُضْعِ شَرْطُهُ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِهِ تَسْلِيمُ مَالٍ فَإِنْ قِيلَ إنَّ مَنَافِعَ بُضْعِ الْأَمَةِ حَقٌّ فِي مَالٍ فَهَلَّا كَانَتْ كَالتَّزْوِيجِ عَلَى خِدْمَةِ الْعَبْدِ قِيلَ لَهُ لِأَنَّ خِدْمَةَ الْعَبْدِ يَسْتَحِقُّ بِهَا تَسْلِيمُ مَالٍ وَهُوَ رَقَبَةُ الْعَبْدِ كَالْمُسْتَأْجَرِ لَهُ يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمُ الْعَبْدِ إلَيْهِ لِلْخِدْمَةِ وَزَوْجُ الْأَمَةِ لَا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمُهَا إلَيْهِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ لَا يُبَوِّئَهَا بَيْتًا وقَوْله تعالى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ قَدْ اقْتَضَى أَنْ يَسْتَحِقَّ عَلَيْهِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ تَسْلِيمُ مَالٍ بَدَلًا مِنْ الْبُضْعِ وَأَمَّا التَّزْوِيجُ عَلَى تَعْلِيمِ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ مَهْرًا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ تَسْلِيمُ مَالٍ كَخِدْمَةِ الْحُرِّ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ فَكُلُّ مَنْ عَلَّمَ إنْسَانًا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّمَا قَامَ بِفَرْضٍ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عِوَضًا لِلْبُضْعِ وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ التَّزْوِيجُ عَلَى تَعْلِيمِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْإِنْسَانِ فِعْلَهُ فَهُوَ متى فعله فَعَلَهُ فَرْضًا فَلَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ لِلْحُكَّامِ أَخْذُ الرُّشَى عَلَى الْحُكْمِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ سُحْتًا مُحَرَّمًا فَإِنْ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْمَرْأَةِ الَّتِي قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدْ وَهَبْت نَفْسِي لَك فَقَالَ رَجُلٌ زَوِّجْنِيهَا إلَى أَنْ قَالَ هَلْ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ قَالَ نَعَمْ سُورَةُ كَذَا فَقَالَ ﷺ قَدْ زَوَّجْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ وَبِمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ حَدَّثَنِي إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ الْحَجَّاجِ الْبَاهِلِيِّ عَنْ عَسَلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِ قِصَّةِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي أَمْرِ الْمَرْأَةِ وَقَالَ فِيهِ مَا تَحْفَظُ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ أَوْ الَّتِي تَلِيهَا قَالَ قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً وَهِيَ امْرَأَتُك قِيلَ لَهُ مَعْنَاهُ لِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ وَمَعْنَاهُ لِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ وَأَيْضًا كَوْنُ الْقُرْآنِ مَعَهُ لَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا وَالتَّعْلِيمُ لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي هَذَا الْخَبَرِ فَعَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَهُ أَنِّي زَوَّجْتُك تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ وَلِأَجْلِ مَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ وَهُوَ كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ إنِّي آمَنْت بِهَذَا الرَّجُلِ وَشَهِدْت أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ تَابَعْتنِي تَزَوَّجْتُك قَالَ فَأَنَا عَلَى مَا أَنْتِ عَلَيْهِ فَتَزَوَّجَتْهُ فَكَانَ صَدَاقُهَا الْإِسْلَامَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تَزَوَّجَتْهُ لِأَجْلِ إسْلَامِهِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَكُونُ صَدَاقًا لِأَحَدٍ في

стр. 862

الْحَقِيقَةِ وَأَمَّا حَدِيثُ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ فَإِنَّهُ ضَعِيفُ السَّنَدِ وَقَدْ رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ مَالِكٌ عن أبي حازم عن سهل بن سعد فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَالَ عَلِّمْهَا وَلَمْ يُعَارَضْ بِحَدِيثِ إبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ وَلَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ مَهْرًا لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِتَعْلِيمِهَا الْقُرْآنَ وَيَكُونُ الْمَهْرُ ثَابِتًا فِي ذِمَّتِهِ إذْ لَمْ يَقُلْ إنَّ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ مَهْرٌ لَهَا فَإِنْ قِيلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَجَعَلَ مَنَافِعَ الْحُرِّ بَدَلًا مِنْ الْبُضْعِ قِيلَ لَهُ لَمْ يَشْرِطْ الْمَنَافِعَ لِلْمَرْأَةِ وَإِنَّمَا شَرَطَهَا لِشُعَيْبٍ النَّبِيِّ ﵇ وَمَا شُرِطَ لِلْأَبِ لَا يَكُونُ مَهْرًا فَالِاحْتِجَاجُ بِهِ بَاطِلٌ فِي مَسْأَلَتِنَا وَأَيْضًا لَوْ صَحَّ أَنَّهَا كَانَتْ مَشْرُوطَةً لَهَا وَأَنَّهُ إنَّمَا أَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ أَوْ لِأَنَّ مَالَ الْوَلَدِ مَنْسُوبٌ إلَى الْوَالِدِ كَقَوْلِهِ ﷺ أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْ الشِّغَارِ. وقَوْله تَعَالَى أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِتْقَ الْأَمَةِ لَا يَكُونُ صَدَاقًا لَهَا إذْ كَانَتْ الْآيَةُ مُقْتَضِيَةً لِكَوْنِ بدل البضع ما يستحق به تسليم مال إلَيْهَا وَلَيْسَ فِي الْعِتْقِ تَسْلِيمُ مَالٍ وَإِنَّمَا فِيهِ إسْقَاطُ الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ اسْتَحَقَّتْ بِهِ تَسْلِيمَ مَالٍ إلَيْهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّقَّ الَّذِي كَانَ الْمَوْلَى يَمْلِكُهُ لَا يَنْتَقِلُ إلَيْهَا وَإِنَّمَا يُتْلَفُ بِهِ مِلْكُهُ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهَا بِهِ مَالٌ أَوْ لَمْ تَسْتَحِقَّ بِهِ تَسْلِيمَ مَالٍ إلَيْهَا لَمْ يَكُنْ مَهْرًا وَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا فَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَكَانَ مَخْصُوصًا بِهِ دُونَ الْأُمَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ ﷺ مَخْصُوصًا بِجَوَازِ مِلْكِ الْبُضْعِ بِغَيْرِ بَدَلٍ كَمَا كَانَ مَخْصُوصًا بِجَوَازِ تَزْوِيجِ التِّسْعِ دُونَ الْأُمَّةِ قَوْله تَعَالَى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْعِتْقَ لَا يَكُونُ صَدَاقًا مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ قَالَ وَآتُوهُنَّ وَذَلِكَ أَمْرٌ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ وَإِعْطَاءُ الْعِتْقِ لَا يَصِحُّ وَالثَّانِي قَوْله تَعَالَى فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً وَالْعِتْقُ لَا يَصِحُّ فَسْخُهُ بِطِيبِ نَفْسِهَا عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ وَالثَّالِثُ قَوْله تَعَالَى فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً وَذَلِكَ مُحَالٌ فِي الْعِتْقِ قَوْله تَعَالَى مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَحْتَمِلُ قَوْله تَعَالَى مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْحُكْمُ بِكَوْنِهِمْ مُحْصِنِينَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَالْإِخْبَارُ عَنْ حَالِهِمْ إذَا نَكَحُوا

стр. 863

وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْإِحْصَانُ شَرْطًا فِي الْإِبَاحَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ فَإِطْلَاقُ الْإِبَاحَةِ عُمُومٌ يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ فِيمَا انْتَظَمَهُ إلَّا مَا قَامَ دَلِيلُهُ وَإِنْ أَرَادَ الْوَجْهَ الثَّانِيَ كَانَ إطْلَاقُ الْإِبَاحَةِ مُجْمَلًا لِأَنَّهُ مَعْقُودٌ بِشَرِيطَةِ حُصُولِ الْإِحْصَانِ بِهِ وَالْإِحْصَانُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلَى الْبَيَانِ فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ حُصُولِ الْإِحْصَانِ بِالتَّزْوِيجِ لِإِمْكَانِ اسْتِعْمَالِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَتَى وَرَدَ لَفْظٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عُمُومًا يُمْكِنُنَا اسْتِعْمَالُ ظَاهِرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَلًا مَوْقُوفَ الْحُكْمِ عَلَى الْبَيَانِ فَالْوَاجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَعْنَى الْعُمُومِ دُونَ الْإِجْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ اسْتِعْمَالِ حُكْمِهِ عِنْدَ وُرُودِهِ فَعَلَيْنَا الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ عَنَّا اسْتِعْمَالَهُ إلَّا بِوُرُودِ بَيَانٍ مِنْ غَيْرِهِ وَفِي نَسَقِ التِّلَاوَةِ وَفَحْوَى الْآيَةِ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْإِحْصَانِ إخْبَارًا عَنْ كَوْنِهِ مُحْصَنًا بِالنِّكَاحِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قال مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَالسِّفَاحُ هُوَ الزِّنَا فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِحْصَانَ الْمَذْكُورَ هُوَ ضِدُّ الزِّنَا وَهُوَ الْعِفَّةُ وَإِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالْإِحْصَانِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْعَفَافَ فَقَدْ حَصَلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَكُونُ مُجْمَلًا لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ عِفَّةً غَيْرَ زِنًا وَهَذَا لَفْظٌ ظَاهِرُ الْمَعْنَى بَيِّنُ الْمُرَادِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا إطْلَاقُ لَفْظِ الْإِبَاحَةِ وَكَوْنُهُ عُمُومًا وَالْآخَرُ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ كَانُوا مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَالْإِحْصَانُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ مَتَى أُطْلِقَ لَمْ يَكُنْ عُمُومًا كَسَائِرِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَصِلُهُ الْمَنْعُ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحِصْنُ لِمَنْعِهِ مَنْ صَارَ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ وَمِنْهُ الدِّرْعُ الْحَصِينَةُ أَيُّ المنيعة والحصان بالكثر الْفَحْلُ مِنْ الْأَفْرَاسِ لِمَنْعِهِ رَاكِبَهُ مِنْ الْهَلَاكِ وَالْحَصَانُ بِالنَّصْبِ الْعَفِيفَةُ مِنْ النِّسَاءِ لِمَنْعِهَا فَرْجَهَا مِنْ الْفَسَادِ قَالَ حَسَّانُ فِي عَائِشَةَ ﵄. حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ وَقَالَ اللَّهُ تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ يَعْنِي الْعَفَائِفَ وَالْإِحْصَانُ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ غَيْرِ مَا كَانَ الِاسْمُ لَهَا فِي اللُّغَةِ فَمِنْهَا الْإِسْلَامُ قَالَ اللَّهُ تعالى فَإِذا أُحْصِنَّ رُوِيَ فَإِذَا أَسْلَمْنَ وَيَقَعُ عَلَى التَّزْوِيجِ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ أَيْضًا أَنَّ مَعْنَاهُ فَإِذَا تَزَوَّجْنَ وَقَالَ تَعَالَى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَمَعْنَاهُ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ وَيَقَعُ عَلَى الْعِفَّةِ فِي قوله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ويقع

стр. 864

عَلَى الْوَطْءِ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ فِي إحْصَانِ الرَّجْمِ وَالْإِحْصَانُ فِي الشَّرْعِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ أَحَدُهُمَا فِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى قَاذِفِهِ فِي قَوْله تعالى وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ فَهَذَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَفَافُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ فَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ لم يجب على قاذفه الحد لأنه لاحد على قاذف المجنون والصبى والزاني وَالْكَافِرِ وَالْعَبْدِ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ مِنْ الْإِحْصَانِ مُعْتَبَرَةٌ فِي إيجَابِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ وَالْحُكْمُ الْآخَرُ هُوَ الْإِحْصَانُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجَابُ الرَّجْمِ إذا زنا وَهَذَا الْإِحْصَانُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ مَعَ الدُّخُولِ بِهَا وَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنْ عُدِمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الرَّجْمُ إذَا زنا وَالسِّفَاحُ هُوَ الزِّنَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَا مِنْ نِكَاحٍ وَلَسْت مِنْ سِفَاحٍ وَقَالَ مُجَاهِدُ وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْله تَعَالَى غَيْرَ مُسافِحِينَ قَالَا غَيْرُ زَانِينَ وَيُقَالُ إنَّ أَصْلَهُ مِنْ سَفْحِ الْمَاءِ وَهُوَ صَبُّهُ وَيُقَالُ سَفَحَ دَمْعُهُ وَسَفَحَ دَمُ فُلَانٍ وَسَفَحَ الْجَبَلُ أَسْفَلَهُ لِأَنَّهُ موضع مصب الماء وسافح الرجل إذا زنا لِأَنَّهُ صَبَّ مَاءَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْحَقَهُ حُكْمُ مَائِهِ فِي ثُبُوتِ النَّسَبِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَسُمِّيَ مُسَافِحًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ هَذَا غَيْرُ صَبِّ الْمَاءِ وَقَدْ أَفَادَ ذَلِكَ نَفْيَ نَسَبِ الْوَلَدِ الْمَخْلُوقِ مِنْ مَائِهِ مِنْهُ وَأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْعِدَّةُ مِنْهُ وَلَا تَصِيرُ فِرَاشًا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَهْرٌ وَلَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الْوَطْءِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلُّهَا فِي مَضْمُونِ هَذَا اللفظ والله أعلم بالصواب. بَابٌ الْمُتْعَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً قَالَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ عَطْفٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ إبَاحَةِ نِكَاحِ مَا وَرَاءَ الْمُحَرَّمَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ ثم قال فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ يعنى دخلتم بهن فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ كَامِلَةً وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وقوله تعالى فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً والاستمتاع هو الانتفاع وهو هاهنا كِنَايَةٌ عَنْ الدُّخُولِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها يَعْنِي تَعَجَّلْتُمْ الِانْتِفَاعَ بِهَا وَقَالَ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ يَعْنِي بِحَظِّكُمْ وَنَصِيبِكُمْ مِنْ الدُّنْيَا فَلَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ ذُكِرَ تَحْرِيمُهُ فِي قَوْلِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَعَنَى بِهِ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُنَّ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ

стр. 865

قوله وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ اقْتَضَى ذَلِكَ إبَاحَةَ النِّكَاحِ فِيمَنْ عَدَا الْمُحَرَّمَاتِ الْمَذْكُورَةِ ثُمَّ قَالَ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ يعنى والله أعلم نكاحا تكونون به محصنين عفائف غير مسافحين ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ حُكْمَ النِّكَاحِ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الدُّخُولُ بِقَوْلِهِ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَأَوْجَبَ عَلَى الزَّوْجِ كَمَالَ الْمَهْرِ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْمَهْرَ أَجْرًا فِي قَوْلِهِ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَسَمَّى الْمَهْرَ أَجْرًا وَكَذَلِكَ الْأُجُورُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هِيَ الْمُهُورُ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمَهْرُ أَجْرًا لِأَنَّهُ بَدَلُ الْمَنَافِعِ وَلَيْسَ بِبَدَلٍ عَنْ الْأَعْيَانِ كَمَا سُمِّيَ بَدَلُ مَنَافِعِ الدَّارِ وَالدَّابَّةِ أَجْرًا وَفِي تَسْمِيَةِ اللَّهِ الْمَهْرَ أَجْرًا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَنْ اسْتَأْجَرَ امرأة فزنا بها أنه لاحد عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمَّى الْمَهْرَ أَجْرًا فَهُوَ كَمَنْ قَالَ أُمْهِرُك كَذَا وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ نِكَاحًا فَاسِدًا لِأَنَّهُ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَقَدْ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَأَوَّلُ قَوْله تَعَالَى فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ عَلَى مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَرُوِيَ عَنْهُ فِيهَا أَقَاوِيلُ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّلُ الْآيَةَ عَلَى إبَاحَةِ الْمُتْعَةِ وَيُرْوَى أَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ إنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيهَا الْأَشْعَارُ قَالَ هِيَ كَالْمُضْطَرِّ إلَى الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ فَأَبَاحَهَا فِي هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَرُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ نَزَلَ عَنْ قَوْلِهِ فِي الصَّرْفِ وَقَوْلِهِ فِي الْمُتْعَةِ وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاسِطِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن اليمان قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْر عَنْ اللَّيْثِ عَنْ بُكَيْر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ عَمَّارٍ مَوْلَى الشَّرِيدِ قَالَ سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ الْمُتْعَةِ أَسِفَاحٌ هِيَ أَمْ نِكَاحٌ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا سِفَاحٌ وَلَا نِكَاحٌ قُلْت فَمَا هِيَ قَالَ الْمُتْعَةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْت لَهُ هَلْ لَهَا مِنْ عِدَّةٍ قَالَ نَعَمْ عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ قُلْت هَلْ يَتَوَارَثَانِ قَالَ لَا وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء الخرسانى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ قَالَ نَسَخَتْهَا يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ الْقَوْلِ بِالْمُتْعَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهَا زِنًا حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ ابن محمد بن اليمان قال حدثنا أبو عبيد قال حدثنا عبد الله بن صالح عن اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ

стр. 866

ويونس عن أبن شهاب عن ابن عبد الملك مغيرة بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْمُتْعَةِ فَقَالَ ذَلِكَ السِّفَاحُ وَرُوِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ بِمَنْزِلَةِ الزِّنَا فَإِنْ قِيلَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمُتْعَةُ زِنًا لِأَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ النَّقْلِ أَنَّ الْمُتْعَةَ قَدْ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ أَبَاحَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى الزِّنَا قَطُّ قِيلَ لَهُ لَمْ تَكُنْ زِنًا فِي وَقْتِ الْإِبَاحَةِ فَلَمَّا حَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى جَازَ إطْلَاقُ اسْمِ الزِّنَا عَلَيْهَا كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ الزَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي تُنْكِحُ نَفْسَهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَأَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَاهِرٌ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ التَّحْرِيمُ لَا حَقِيقَةُ الزِّنَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَا الرِّجْلَيْنِ الْمَشْيُ وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ كله الفرج أو كذبه فَأَطْلَقَ اسْمَ الزِّنَا فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى وجه المجاز إذا كَانَ مُحَرَّمًا فَكَذَلِكَ مَنْ أَطْلَقَ اسْمَ الزِّنَا عَلَى الْمُتْعَةِ فَإِنَّمَا أَطْلَقَهُ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ وَتَأْكِيدِ التَّحْرِيمِ وَحَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بن محمد بن اليمان قال حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْت أَبَا نَضْرَةَ يَقُولُ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ بِالْمُتْعَةِ وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَى عَنْهَا قَالَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَلَى يَدَيَّ دَارَ الْحَدِيثُ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بِمَا شَاءَ فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَانْتَهُوا عَنْ نِكَاحِ هَذِهِ النِّسَاءِ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إلَى أَجَلٍ إلَّا رَجَمْته فَذَكَرَ عُمَرُ الرَّجْمَ فِي الْمُتْعَةِ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَلَى جِهَةِ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ لِيَنْزَجِرَ النَّاسُ عَنْهَا وَقَالَ وَحَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ مَا كَانَتْ الْمُتْعَةُ إلَّا رَحْمَةً مِنْ اللَّهِ تَعَالَى رَحِمَ اللَّهُ بِهَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَوْلَا نَهْيُهُ لما احتاج إلى الزنا إلا شفا «١» فَاَلَّذِي حُصِّلَ مِنْ أَقَاوِيلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْقَوْلُ بِإِبَاحَةِ الْمُتْعَةُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لَهَا بِضَرُورَةٍ وَلَا غَيْرِهَا وَالثَّانِي أَنَّهَا كَالْمَيْتَةِ تَحِلُّ بِالضَّرُورَةِ وَالثَّالِثُ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ وَقَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ سَنَدِهِ وَقَوْلُهُ أَيْضًا إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ إبَاحَتِهَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بن الحرث أَنَّ بُكَيْر بْنَ الْأَشَجِّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ كُنْت فِي سَفَرٍ وَمَعِي جَارِيَةٌ لِي وَلِي أَصْحَابٌ فَأَحْلَلْت جَارِيَتِي لأصحابى يستمتعون منها فقال

стр. 867

ذَاكَ السِّفَاحُ فَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ وَأَمَّا احْتِجَاجُ مَنْ احْتَجَّ فِيهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأَنَّ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ الْأَجَلِ فِي التِّلَاوَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَالْأَجَلُ إذًا غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْقُرْآنِ وَلَوْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ الْأَجَلِ لَمَا دَلَّ أَيْضًا عَلَى مُتْعَةِ النِّسَاءِ لِأَنَّ الْأَجَلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا عَلَى الْمَهْرِ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ فَمَا دَخَلْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ بِمَهْرٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ مُهُورَهُنَّ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَفِي فَحَوَى الْآيَةِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ النِّكَاحُ دُونَ الْمُتْعَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى إبَاحَةِ النِّكَاحِ فِي قَوْله تَعَالَى وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ وَذَلِكَ إبَاحَةٌ لِنِكَاحِ مَنْ عَدَا الْمُحَرَّمَاتِ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ أَنَّ النِّكَاحَ مُرَادٌ بِذَلك فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الِاسْتِمْتَاعِ بَيَانًا لِحُكْمِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِالنِّكَاحِ فِي اسْتِحْقَاقِهَا لِجَمِيعِ الصداق والثاني قوله تعالى مُحْصِنِينَ وَالْإِحْصَانُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لأن الوطء بِالْمُتْعَةِ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا وَلَا يَتَنَاوَلُهُ هَذَا الِاسْمُ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ النِّكَاحَ وَالثَّالِثُ قَوْله تعالى غَيْرَ مُسافِحِينَ فَسَمَّى الزِّنَا سِفَاحًا لِانْتِفَاءِ أَحْكَامِ النِّكَاحِ عَنْهُ مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَبَقَاءِ الْفِرَاشِ إلَى أَنْ يُحْدِثَ لَهُ قَطْعًا وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي مَوْجُودَةً فِي الْمُتْعَةِ كَانَتْ فِي مَعْنَى الزِّنَا وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ سَمَّاهَا سفاحا ذهب إلى هذا المعنى إذا كَانَ الزَّانِي إنَّمَا سُمِّيَ مُسَافِحًا لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ مِنْ وَطْئِهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِهِ إلَّا عَلَى سَفْحِ الْمَاءِ بَاطِلًا مِنْ غَيْرِ اسْتِلْحَاقِ نَسَبٍ بِهِ فَمِنْ حَيْثُ نَفَى اللَّهُ تَعَالَى بِمَا أَحَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَثْبَتَ بِهِ الإحصان اسم السفاح وجب أن يَكُونَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِمْتَاعِ هُوَ الْمُتْعَةُ إذْ كَانَتْ فِي مَعْنَى السِّفَاحِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ النِّكَاحُ وقوله تعالى غَيْرَ مُسافِحِينَ شَرْطٌ فِي الْإِبَاحَةِ الْمَذْكُورَةِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الْمُتْعَةِ إذْ كَانَتْ الْمُتْعَةُ فِي مَعْنَى السِّفَاحِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَكَانَ الَّذِي شُهِرَ عَنْهُ إبَاحَةُ الْمُتْعَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْهُ مَعَ ذَلِكَ فَرُوِيَ عنه إباحتها بتأويل الآية له قد بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى إبَاحَتِهَا بَلْ دِلَالَاتُ الْآيَةِ ظَاهِرَةٌ فِي حَظْرِهَا وَتَحْرِيمِهَا مِنْ الْوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنَا ثُمَّ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالدَّمِ وَأَنَّهَا لَا تَحِلُّ إلَّا لِمُضْطَرٍّ وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ لِلْمُحَرَّمَاتِ لَا تُوجَدُ فِي الْمُتْعَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ الْمُبِيحَةَ لِلْمَيْتَةِ وَالدَّمِ هِيَ الَّتِي يَخَافُ مَعَهَا تَلَفَ النَّفْسِ إنْ لَمْ يَأْكُلْ وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى شَيْءٍ «٧- أحكام لث»

стр. 868

مِنْ أَعْضَائِهِ التَّلَفَ بِتَرْكِ الْجِمَاعِ وَفَقْدِهِ وَإِذَا لَمْ تَحِلَّ فِي حَالِ الرَّفَاهِيَةِ وَالضَّرُورَةِ لَا تَقَعُ إلَيْهَا فَقَدْ ثَبَتَ حَظْرُهَا وَاسْتَحَالَ قَوْلُ الْقَائِلِ إنَّهَا تَحِلُّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ فَهَذَا قَوْلٌ مُتَنَاقِضٌ مُسْتَحِيلٌ وَأَخْلِقْ بِأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهْمًا مِنْ رُوَاتِهَا لِأَنَّهُ كَانَ ﵀ أَفْقَهَ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَالصَّحِيحُ إذَا مَا رُوِيَ عَنْهُ مِنْ حَظْرِهَا وَتَحْرِيمِهَا وَحِكَايَةُ مَنْ حَكَى عَنْهُ الرُّجُوعَ عَنْهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهَا قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ فَقَصَرَ إبَاحَةَ الْوَطْءِ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَحَظَرَ مَا عَدَاهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَالْمُتْعَةُ خَارِجَةٌ عَنْهُمَا فَهِيَ إذًا مُحَرَّمَةٌ فَإِنْ قِيلَ مَا أَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمُسْتَمْتَعُ بِهَا زَوْجَةً وَأَنَّ الْمُتْعَةَ غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ قُصِرَ الْإِبَاحَةُ عَلَيْهِمَا قِيلَ لَهُ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ اسْمَ الزَّوْجَةِ إنَّمَا يَقَعُ عَلَيْهَا وَيَتَنَاوَلُهَا إذَا كَانَتْ مَنْكُوحَةً بِعَقْدِ النكاح وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْمُتْعَةُ نِكَاحًا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ زَوْجَةً فَإِنْ قِيلَ مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُتْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ قِيلَ لَهُ الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ اسْمٌ يَقَعُ عَلَى أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ وَهُوَ الْوَطْءُ وَالْعَقْدُ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ في العقد وإذ كَانَ الِاسْمُ مَقْصُورًا فِي إطْلَاقِهِ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ وَكَانَ إطْلَاقُهُ فِي الْعَقْدِ مَجَازًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَوَجَدْنَاهُمْ أَطْلَقُوا الِاسْمَ عَلَى عَقْدِ تَزْوِيجٍ مُطْلَقٍ أَنَّهُ نِكَاحٌ وَلَمْ نَجِدِهِمْ أَطْلَقُوا اسْمَ النِّكَاحِ عَلَى الْمُتْعَةِ فَلَا يَقُولُونَ إن فلانا تزويج فُلَانَةَ إذَا شَرَطَ التَّمَتُّعَ بِهَا لَمْ يَجُزْ لَنَا إطْلَاقُ اسْمِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُتْعَةِ إذْ الْمَجَازُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَسْمُوعًا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ يَرِدُ بِهِ الشَّرْعُ فَلَمَّا عَدِمْنَا إطْلَاقَ اسْمِ النِّكَاحِ عَلَى الْمُتْعَةِ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ جَمِيعًا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْمُتْعَةُ مَا عَدَا مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ وَأَنْ يَكُونَ فَاعِلُهَا عَادِيًا ظَالِمًا لَنَفْسِهِ مُرْتَكِبًا لِمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ النِّكَاحَ لَهُ شَرَائِطُ قَدْ اُخْتُصَّ بِهَا مَتَى فُقِدَتْ لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا مِنْهَا أَنَّ مُضِيَّ الْوَقْتِ لَا يُؤَثِّرُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَلَا يُوجِبُ رَفْعَهُ وَالْمُتْعَةُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَا تُوجِبُ رَفْعَ النِّكَاحِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَمِنْهَا أَنَّ النِّكَاحَ فِرَاشٌ يَثْبُتُ بِهِ النَّسَبُ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ بَلْ لَا يَنْتَفِي الْوَلَدُ الْمَوْلُودُ عَلَى فِرَاشِ النِّكَاحِ إلَّا بِاللِّعَانِ وَالْقَائِلُونَ بِالْمُتْعَةِ لَا يُثْبِتُونَ النَّسَبَ مِنْهُ فَعَلِمْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ وَلَا فِرَاشٍ وَمِنْهَا أَنَّ الدُّخُولَ بِهَا عَلَى النِّكَاحِ يُوجِبُ الْعِدَّةَ عِنْدَ الْفُرْقَةِ وَالْمَوْتُ يُوجِبُ الْعِدَّةَ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالَّذِينَ

стр. 869

يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً وَالْمُتْعَةُ لَا تُوجِبُ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَقَالَ تَعَالَى وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ وَلَا تَوَارُثَ عِنْدَهُمْ فِي الْمُتْعَةِ فَهَذِهِ هِيَ أَحْكَامُ النِّكَاحِ الَّتِي يُخْتَصُّ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ رِقٌّ أَوْ كُفْرٌ يَمْنَعُ التَّوَارُثَ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الْمُتْعَةِ مَانِعٌ مِنْ الْمِيرَاثِ مِنْ أَحَدِهِمَا بِكُفْرٍ أَوْ رِقٍّ وَلَا سَبَبَ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ وَلَا مَانِعَ مِنْ ثُبُوتِ النَّسَبِ مَعَ كَوْنِ الرَّجُلِ مِمَّنْ يَسْتَفْرِشُ وَيَلْحَقُهُ الْأَنْسَابُ لَفِرَاشِهِ ثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ فَإِذَا خَرَجَتْ عَنْ أَنْ تَكُونَ نِكَاحًا أَوْ مِلْكَ يَمِينٍ كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِتَحْرِيمِ اللَّهِ إيَّاهَا فِي قَوْلِهِ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ فَإِنْ قِيلَ انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْبَيْنُونَةِ هُوَ الطَّلَاقُ قِيلَ لَهُ إنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا بِصَرِيحِ لَفْظٍ أَوْ كِنَايَةٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَكَيْفَ يَكُونُ طَلَاقًا وَمَعَ ذَلِكَ فَيَجِبُ عَلَى أَصْلِ هَذَا الْقَائِلِ أَنْ لَا تَبِينَ لَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَهِيَ حَائِضٌ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِإِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ لَا يَرَوْنَ طَلَاقَ الْحَائِضِ جَائِزًا فَلَوْ كَانَتْ الْبَيْنُونَةُ الْوَاقِعَةُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ طَلَاقًا لَوَجَبَ أَنْ لَا يَقَعَ فِي حَالِ الْحَيْضِ فَلَمَّا أَوْقَعُوا الْبَيْنُونَةَ الْوَاقِعَةَ بِمُضِيِّ الْوَقْتِ وَهِيَ حَائِضٌ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ وَإِنْ كَانَتْ تَبِينُ بِغَيْرِ طَلَاقٍ وَلَا سَبَبٍ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ يُوجِبُ الْفُرْقَةَ ثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ فَإِنْ قِيلَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَفْيِ النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ وَالْمِيرَاثِ لَيْسَ انْتِفَاءُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِمَانِعٍ مِنْ أَنْ تَكُونَ نِكَاحًا لِأَنَّ الصَّغِيرَ لَا يَلْحَقُ بِهِ نَسَبٌ وَيَكُونُ نِكَاحُهُ صَحِيحًا وَالْعَبْدُ لَا يَرِثُ وَالْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ الْكَافِرَ وَلَمْ يُخْرِجْهُ انْتِفَاءُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَنْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ نِكَاحًا قِيلَ لَهُ إنَّ نِكَاحَ الصَّغِيرِ قَدْ تَعَلَّقَ به ثبوت النسب إذا صار في مِمَّنْ يَسْتَفْرِشُ وَيَتَمَتَّعُ وَأَنْتَ لَا تُلْحِقُهُ نَسَبَ وَلَدِهَا مَعَ الْوَطْءِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ النَّسَبُ فِي النِّكَاحِ وَالْعَبْدُ وَالْكَافِرُ إنَّمَا لَمْ يَرِثَا لِلرِّقِّ وَالْكُفْرِ وَهُمَا يَمْنَعَانِ التَّوَارُثَ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْمُتْعَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمِيرَاثِ مِنْ صَاحِبِهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَا يَقْطَعُ الْمِيرَاثَ ثُمَّ لَمْ يَرِثْ مَعَ وُجُودِ الْمُتْعَةِ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُتْعَةَ لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نِكَاحًا لَأَوْجَبَتْ الْمِيرَاثَ مَعَ وُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ لَهُ مِنْ قِبَلِهِمَا وَأَيْضًا قد قال ابن عباس إنها ليست بِنِكَاحٍ وَلَا سِفَاحٍ فَإِذَا كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ نَفَى عَنْهَا اسْمَ النِّكَاحِ وَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ نِكَاحًا لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْأَسْمَاءِ فِي الشَّرْعِ وَاللُّغَةِ فَإِذَا كَانَ هُوَ الْقَائِلَ بِالْمُتْعَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَرَهَا نِكَاحًا وَنَفَى عَنْهَا الِاسْمَ ثَبَتَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنِكَاحٍ

стр. 870

وَمِمَّا يُوجِبُ تَحْرِيمَهَا مِنْ جِهَةِ السُّنَّةِ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ وَقَالَ فِيهِ غَيْرُ مَالِكٍ إنَّ عَلِيًّا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ إنَّك امْرُؤٌ تَيَّاهٌ إنَّمَا الْمُتْعَةُ إنَّمَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ خيبر وعن لحوم الْإِنْسِيَّةِ وَرُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ طُرُقٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي آخَرِينَ وَرَوَى عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْمُتْعَةَ بِالطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَالْعِدَّةِ وَالْمِيرَاثِ وَرَوَى عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ إيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أذن في متعة النساء عام أو طاس ثُمَّ نَهَى عَنْهَا وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَلْخِيّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَوْلُهُ وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا أَحَدُهَا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مُسَافِحِينَ حِينَ أُبِيحَتْ لَهُمْ الْمُتْعَةُ يَعْنِي أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُبَحْ لَمْ يَكُونُوا لِيُسَافِحُوا أو نفى بِذَلِكَ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّهَا أُبِيحَتْ لِلضَّرُورَةِ كَالْمِيتَةِ وَالدَّمِ ثُمَّ نُهِيَ عَنْهَا بَعْدُ وَالثَّانِي أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا لِيَفْعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ فَيَكُونُوا مُسَافِحِينَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي حَالِ الْإِبَاحَةِ مُسَافِحِينَ بِالتَّمَتُّعِ إذْ كَانَتْ مُبَاحَةً وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو داود قال حدثنا مسدد قال حدثنا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَتَذَاكَرْنَا مُتْعَةَ النِّسَاءِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ رَبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ أَشْهَدُ عَلَى أَبِي أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا فِي حَجَّةِ الوداع وروى عبد العزيز بن ربيع بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَامَ الْفَتْحِ وَرَوَاهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ عَامَ الْفَتْحِ ورواه أنس بن عوض اللَّيْثِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ وَقَالَ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَلَمْ تَخْتَلِفْ الرُّوَاةُ فِي التَّحْرِيمِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّارِيخِ فَسَقَطَ التَّارِيخُ كَأَنَّهُ وَرَدَ غَيْرَ مُؤَرَّخٍ وَثَبَتَ التَّحْرِيمُ لِاتِّفَاقِ الرُّوَاةِ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ

стр. 871

اللَّهِ عَنْ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بن قانع قال حدثنا ابن ناحية قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الرَّازِيّ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ خَرَجَ النِّسَاءُ اللَّاتِي اسْتَمْتَعْنَا بِهِنَّ مَعَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُنَّ حَرَامٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْأَخْبَارُ مُتَضَادَّةٌ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَهَا لَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَامَ الْفَتْحِ وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَخَيْبَرُ كَانَتْ قَبْلَ الْفَتْحِ وَقَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَكَيْفَ تَكُونُ مُبَاحَةً عَامَ الْفَتْحِ أَوْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَدْ حُرِّمَتْ قَبْلَ ذَلِكَ عَامَ خَيْبَرَ قِيلَ لَهُ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ حَدِيثَ سَبْرَةَ مُخْتَلَفٌ فِي تاريخه فقال بَعْضُهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَفِي كِلَا الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَاحَهَا فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ ثُمَّ حَرَّمَهَا فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ الرُّوَاةُ فِي تَارِيخِهِ سَقَطَ التَّارِيخُ وَحَصَلَ الْخَبَرُ غَيْرَ مُؤَرَّخٍ فَلَا يُضَادُّ حَدِيثَ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَى تَارِيخِهِ أَنَّهُ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ثُمَّ أَحَلَّهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَوْ فِي فَتْحِ مَكَّةَ ثُمَّ حَرَّمَهَا فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ ثُمَّ تكون الإباحة بِمَا فِي حَدِيثِ سَبْرَةَ أَيْضًا لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فَإِنْ قِيلَ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبي حازم عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وليس لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ وَرَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ بِالثَّوْبِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ قَالَ لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الْآيَةَ قِيلَ لَهُ هَذِهِ الْمُتْعَةُ هِيَ الَّتِي حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَلَمْ نُنْكِرْ نَحْنُ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ أُبِيحَتْ فِي وَقْتٍ ثُمَّ حُرِّمَتْ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ذِكْرُ التَّارِيخِ فَأَخْبَارُ الْحَظْرِ قَاضِيَةٌ عَلَيْهَا لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ الْحَظْرِ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ وَأَيْضًا لَوْ تَسَاوَيَا لَكَانَ الْحَظْرُ أُولَى لِمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ وَأَمَّا تِلَاوَةُ النَّبِيِّ ﷺ الْآيَةَ عِنْدَ إبَاحَةِ الْمُتْعَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِخْصَاءِ وَتَحْرِيمَ النِّكَاحِ الْمُبَاحِ وَيَحْتَمِلُ الْمُتْعَةَ فِي حَالِ مَا كَانَتْ مُبَاحَةً وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّه أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالطَّلَاقِ وَالْعِدَّةِ وَالْمِيرَاثِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي وَقْتٍ فَلَوْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ بَاقِيَةً لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهَا مُسْتَفِيضًا مُتَوَاتِرًا لِعُمُومِ الحاجة

стр. 872

إلَيْهِ وَلَعَرَفَتْهَا الْكَافَّةُ كَمَا عَرَفَتْهَا بَدِيًّا وَلَمَا اجْتَمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى تَحْرِيمِهَا لَوْ كَانَتْ الْإِبَاحَةُ بَاقِيَةً فَلَمَّا وَجَدْنَا الصَّحَابَةَ مُنْكَرِينَ لِإِبَاحَتِهَا مُوجِبِينَ لَحَظْرِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بَدِيًّا بِإِبَاحَتِهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى حَظْرِهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ النِّكَاحَ لَمَّا كَانَ مُبَاحًا لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي إبَاحَتِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ بَلْوَاهُمْ بِالْمُتْعَةِ لَوْ كَانَتْ مُبَاحَةً كَبَلْوَاهُمْ بِالنِّكَاحِ فَالْوَاجِبُ إذًا أَنْ يَكُونَ وُرُودُ النَّقْلِ فِي بَقَاءِ إبَاحَتِهَا مِنْ طَرِيقِ الِاسْتِفَاضَةِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ رُوِيَ عَنْهُ تَجْرِيدُ الْقَوْلِ فِي إبَاحَةِ الْمُتْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ حِينَ اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ تَحْرِيمُهَا بِتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ مِنْ جِهَةِ الصَّحَابَةِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي الصَّرْفِ وَإِبَاحَتِهِ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ يَدًا بِيَدٍ فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ تَحْرِيمُ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُ وَتَوَاتَرَتْ عِنْدَهُ الْأَخْبَارُ فِيهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ وَصَارَ إلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ فَكَذَلِكَ كَانَ سَبِيلُهُ فِي الْمُتْعَةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ عَرَفَتْ نَسْخَ إبَاحَةِ الْمُتْعَةِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا وَقَالَ فِي خَبَرٍ آخَرَ لَوْ تَقَدَّمْت فِيهَا لَرَجَمْت فَلَمْ يُنْكِرْ هَذَا الْقَوْلَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ لَا سِيَّمَا فِي شَيْءٍ قَدْ عَلِمُوا إبَاحَتَهُ وَأَخْبَارَهُ بِأَنَّهُمَا كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَا يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونُوا قَدْ عَلِمُوا بَقَاءَ إبَاحَتِهَا فَاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى حَظْرِهَا وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا مُخَالِفِينَ لِأَمْرٍ النَّبِيِّ ﷺ عِيَانًا وَقَدْ وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ فَغَيْرُ جَائِزٍ مِنْهُمْ التَّوَاطُؤُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى الْكُفْرِ وَإِلَى الِانْسِلَاخِ مِنْ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ إبَاحَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُتْعَةِ ثُمَّ قَالَ هِيَ مَحْظُورَةٌ مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ لَهَا فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْمِلَّةِ فَإِذَا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا حَظْرَهَا بَعْدَ الْإِبَاحَةِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِرُوهُ وَلَوْ كَانَ مَا قَالَ عُمَرُ مُنْكَرًا وَلَمْ يَكُنْ النَّسْخُ عِنْدَهُمْ ثَابِتًا لما جاز أن يقروه عَلَى تَرْكِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى إجْمَاعِهِمْ عَلَى نَسْخِ الْمُتْعَةِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ حَظْرُ مَا أَبَاحَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَّا مِنْ طَرِيقِ النَّسْخِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ أَنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا عَلَى اسْتِبَاحَةِ مَنَافِعِ الْبُضْعِ فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ تِلْكَ الْمَنَافِعِ بِعَقْدِ النِّكَاحِ بِمَنْزِلَةِ الْعُقُودِ عَلَى الْمَمْلُوكَاتِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِعُقُودِ الْإِجَارَاتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى مَنَافِعِ الْأَعْيَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يَصِحُّ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطِ مُدَّةٍ مَذْكُورَةٍ لَهُ وَأَنَّ عُقُودَ الْإِجَارَاتِ لَا تَصِحُّ إلَّا عَلَى مُدَدٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ على

стр. 873

عَمَلٍ مَعْلُومٍ فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ حُكْمَ الْعَقْدِ عَلَى مَنَافِعِ الْبُضْعِ أَشْبَهَ عُقُودَ الْبِيَاعَاتِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا إذَا عُقِدَتْ عَلَى الْأَعْيَانِ فَلَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ مُوَقَّتًا كَمَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُ التَّمْلِيكَاتِ فِي الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ مُوَقَّتَةً وَمَتَى شُرِطَ فِيهِ التَّوْقِيتُ لَمْ يَكُنْ نِكَاحًا فَلَا تَصِحُّ استباحة البضع به كَمَا لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إذَا شُرِطَ فِيهِ تَوْقِيتُ الْمِلْكِ وَكَذَلِكَ الْهِبَاتُ وَالصَّدَقَاتُ وَلَا يَمْلِكُهُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ مِلِكًا مُوَقَّتًا وَكَذَلِكَ مَنَافِعُ الْبُضْعِ لِمَا جَرَتْ مَجْرَى الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ لَمْ يَصِحَّ فِيهَا التَّوْقِيتُ وَمِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِإِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي وَقْتٍ مِنْ الزَّمَانِ ثُمَّ اخْتَلَفْنَا فِي الْحَظْرِ فَنَحْنُ ثَابِتُونَ عَلَى مَا حَصَلَ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ وَلَا نُزُولَ عَنْهُ بِالِاخْتِلَافِ فَيُقَالُ لَهُمْ الْأَخْبَارُ الَّتِي بِهَا تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ بها يثبت الحظر ذلك لِأَنَّ كُلَّ خَبَرٍ ذُكِرَ فِيهِ إبَاحَةُ الْمُتْعَةِ ذكر فيه حظرها فمن حيث يثبت الْإِبَاحَةُ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ الْحَظْرُ وَإِنْ لَمْ يثبت الإباحة إذا كَانَتْ الْجِهَةُ الَّتِي بِهَا تَثْبُتُ الْإِبَاحَةُ بِهَا وَرَدَ الْحَظْرُ وَأَيْضًا فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ إنَّا لَمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى كَذَا ثُمَّ اخْتَلَفْنَا فِيهِ لم ينزل عَنْ الْإِجْمَاعِ بِالِاخْتِلَافِ قَوْلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي فِيهِ الْخِلَافُ لَيْسَ هُوَ مَوْضِعُ الْإِجْمَاعِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا فَلَا بُدَّ مِنْ دَلَالَةٍ يُقِيمُهَا عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ وَأَيْضًا فَإِنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ مُبَاحًا فِي وَقْتٍ غَيْرُ مُوجِبٍ بَقَاءَ إبَاحَتِهِ فِيمَا يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى ثُبُوتِ الْحَظْرِ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ مِنْ ظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُتْعَةِ وَحُكْمِهَا فِي التَّحْرِيمِ مَا فِيهِ بَلَاغٌ لِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ وَلَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَقَدْ اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ مَعَ ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِهَا وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً أَيَّامًا مَعْلُومَةً فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ زُفَرُ النِّكَاحُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا وَلَيْسَ ثَمَّ شَرْطٌ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا هَذَا مُتْعَةٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ زُفَرَ أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ لَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْمُتْعَةِ وَأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَتَمَتَّعُ بِك عَشْرَةَ أَيَّامٍ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنِكَاحٍ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إذَا عَقَدَهُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ فَقَالَ أَتَزَوَّجُك عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَجَعَلَهُ زُفَرُ نِكَاحًا صَحِيحًا وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ فِيهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ كَمَا لَوْ قَالَ أَتَزَوَّجُك عَلَى أَنْ أُطَلِّقَك بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ كَانَ النِّكَاحُ جَائِزًا وَالشَّرْطُ بَاطِلًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ زُفَرَ فِي أَنَّ

стр. 874

هَذَا نِكَاحٌ أَوْ مُتْعَةٌ فَقَالَ الْجُمْهُورُ هَذَا مُتْعَةٌ وَلَيْسَ بِنِكَاحٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ النِّكَاحَ إلَى أَجَلٍ هُوَ مُتْعَةٌ وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْمُتْعَةِ مَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ حَدَّثَنَا إسحاق ابن الْحَسَنِ بْنُ مَيْمُونِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حَتَّى نَزَلُوا عُسْفَانَ وَذَكَرَ قِصَّةَ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُمْ بِالْإِحْلَالِ بِالطَّوَافِ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ قَالَ فَلَمَّا أَحْلَلْنَا قَالَ اسْتَمْتِعُوا مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ وَالِاسْتِمْتَاعُ التَّزْوِيجُ عِنْدَنَا فَعَرْضنَا ذَلِكَ عَلَى النِّسَاءِ فَأَبَيْنَ إلَّا أَنْ نَضْرِبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُنَّ أَجَلًا فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ افْعَلُوا فَخَرَجْت أَنَا وَابْنُ عَمِّي وَأَنَا أَشَبُّ مِنْهُ وَمَعِي بُرْدٌ وَمَعَهُ بُرْدٌ فَأَتَيْنَا امْرَأَةً فَأَعْجَبَهَا بُرْدُهُ وَأَعْجَبَهَا شَبَابِي فَقَالَتْ بُرْدٌ كَبُرْدٍ وَهَذَا أَشَبُّ وَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا عَشْرٌ فَبِتّ عِنْدَهَا لَيْلَةً ثُمَّ أَصْبَحْت فَخَرَجْت إلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي كُنْت أَذِنْت لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ هَذِهِ النِّسَاءِ أَلَا وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهَا وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا فَأَخْبَرَ سَبْرَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الِاسْتِمْتَاعَ كَانَ التَّزْوِيجَ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ رَخَّصَ لَهُمْ فِي تَوْقِيتِ الْمُدَّةِ فِيهِ ثُمَّ نَهَى عَنْهُ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ إلَى أَجَلٍ هُوَ مُتْعَةٌ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا حَدِيثُ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَسْتَخْصِي فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ وَرَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ بِالثَّوْبِ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ قَرَأَ لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ فَأَخْبَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ الْمُتْعَةَ كَانَتْ نِكَاحًا إلَى أَجَلٍ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَدُهُ فِي بَابِ الْمُتْعَةِ أَنَّهُ قَالَ إن الله كان يحل لرسوله ما شاء فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَاتَّقُوا نكاح هذه النساء ألا أُوتَى بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إلَى أَجَلٍ إلَّا رَجَمْته فَأَخْبَرَ عُمَرُ أَنَّ النِّكَاحَ إلَى أَجَلٍ هُوَ مُتْعَةٌ وَإِذَا ثَبَتَ لَهُ هَذَا الِاسْمُ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْمُتْعَةِ انْتَظَمَ ذَلِكَ تَحْرِيمَ النِّكَاحِ إلَى أَجَلٍ لَدُخُولِهِ تَحْتَ الِاسْمِ وَأَيْضًا لَمَّا كَانَتْ الْمُتْعَةُ اسْمًا لِلنَّفْعِ الْقَلِيلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ يَعْنِي نَفْعًا قَلِيلًا وَسَمَّى الْوَاجِبَ بَعْدَ الطَّلَاقِ متعة بقوله فَمَتِّعُوهُنَّ وقال وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مِنْ الْمَهْرِ عَلِمْنَا أَنَّ مَا أطلق عليه اسم المتعة أو متاع فقد أريد

стр. 875

بِهِ التَّقْلِيلُ وَأَنَّهُ نَزْرٌ يَسِيرٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَيُوجِبُهُ فَسُمِّي مَا يُعْطَى بَعْدَ الطَّلَاقِ مِمَّا لَا يُوجَبُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ مَتَاعًا وَمُتْعَةً لَقِلَّتِهِ بِالْإِضَافَةِ إلَى الْمَهْرِ الْمُسْتَحَقِّ بالعقد وَسُمِّيَ النِّكَاحُ الْمُوَقَّتُ مُتْعَةً لِقِصَرِ مُدَّتِهِ وَقِلَّةِ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِالْإِضَافَةِ إلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ مِنْ بَقَائِهِ مُؤَبَّدًا إلَى أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا الْمَوْتُ أَوْ سَبَبٌ حَادِثٌ يُوجِبُ التَّفْرِيقَ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ عَلَى ذَلِكَ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْمُتْعَةِ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْمُتْعَةِ أَوْ بِلَفْظِ النِّكَاحِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُوَقَّتًا لِأَنَّ اسْمَ الْمُتْعَةِ يَتَنَاوَلُهُمَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَأَيْضًا لَا يَخْلُو الْعَاقِدُ عَقْدَ النِّكَاحِ عَلَى عَشْرَةٍ أَيَّامٍ مِنْ أَنْ يَجْعَلَهُ مُوَقَّتًا عَلَى مَا شَرَطَ أَوْ يُبْطِلَ الشَّرْطَ وَيَجْعَلَهُ مُؤَبَّدًا لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ لَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ فَلَا يَجُوزُ له أن يستبح بُضْعَهَا بِلَا عَقْدٍ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى صُبْرَةً مِنْ طَعَامٍ عَلَى أَنَّهَا عَشْرَةُ أَقْفِزَةٍ أَوْ قَالَ قَدْ اشْتَرَيْت مِنْك عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ أَنَّ الْعَقْدَ وَاقِعٌ عَلَى عَشْرَةِ أَقْفِزَةٍ دُونَ مَا عَدَاهَا فَكَذَلِكَ إذَا عَقَدَ النِّكَاحَ عَلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ فَمَا بعد العشرة ليس عليه عقد النكاح فَغَيْرُ جَائِزٍ اسْتِبَاحَةُ بُضْعِهَا فِيهِ بِالْعَقْدِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُوَقَّتًا فَيَكُونُ صَرِيحَ الْمُتْعَةِ فَوَجَبَ بِذَلِكَ إفْسَادُ الْعَقْدِ وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ قَدْ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنْ أُطَلِّقَك بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ فَيَجُوزُ النِّكَاحُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ عَقَدَ النِّكَاحَ مُؤَبَّدًا وَشَرَطَ فِيهِ قَطْعَهُ بِالطَّلَاقِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يُطَلِّقْ كَانَ النِّكَاحُ بَاقِيًا فَعَلِمْت أَنَّ النِّكَاحَ قَدْ وَقَعَ عَلَى وَجْهِ التَّأْبِيدِ وَإِنَّمَا شَرَطَ قَطْعَهُ بِالطَّلَاقِ وَذَلِكَ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَالنِّكَاحُ لَا تُفْسِدُهُ الشُّرُوطُ فَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَيَجُوزُ الْعَقْدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَهَا عَشْرَةَ أَيَّامٍ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ عَقْدٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَ دَارًا عَشْرَةَ أَيَّامٍ كَانَ الْعَقْدُ وَاقِعًا عَلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَمَا بَعْدَهَا لَيْسَ عَلَيْهَا عَقْدٌ وَلَوْ سَكَنَهَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ كَانَ غَاصِبًا سَاكِنًا لَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعَقْدِ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ عَلَى أَنْ أَفْسَخَ الْعَقْدَ بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ كَانَتْ إجَارَةً فَاسِدَةً مُؤَبَّدَةً مَا سَكَنَ مِنْهَا من المدة في العشرة وبعدها يَلْزَمُهُ أَجْرُ الْمِثْلِ فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ إذَا عُقِدَ عَلَى عَشْرَةٍ فَلَيْسَ عَلَى مَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ عَقْدٌ فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ قَالَ قَدْ تَزَوَّجْتُك عَلَى أَنَّك طَالِقٌ بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ كَانَ النِّكَاحُ مُوَقَّتًا لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بَعْدَ مُضِيِّ الْعَشَرَةِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ هَذَا نِكَاحًا مُوَقَّتًا بَلْ هو مؤبدا وَإِنَّمَا قَطَعَهُ بِالطَّلَاقِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ مَعَ الْعَقْدِ وَإِيقَاعِهِ بَعْدَ الْمُدَّةِ لِأَنَّ النِّكَاحَ قَدْ وَقَعَ بَدِيًّا مُؤَبَّدًا وَإِنَّمَا أَوْقَعَ طَلَاقًا لَوَقْتٍ مُسْتَقْبِلٍ فَلَا يُوجِبُ ذَلِكَ تَوْقِيتَ العقد قوله

стр. 876

تعالى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً مَعْنَاهُ الْمُهُورُ فَسَمَّى الْمَهْرَ أَجْرًا لِأَنَّهُ بَدَلُ مَنَافِعِ الْبُضْعِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمَهْرُ أَنَّهُ ذَكَرَهُ لِمَنْ كَانَ مُحْصَنًا بِالنِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ فَذَكَرَ الْإِحْصَانَ عَقِيبَ ذِكْرِ النِّكَاحِ وَسَمَّى الْمَهْرَ أجرا وقوله فَرِيضَةً تَأْكِيدٌ لَوُجُوبِهِ وَإِسْقَاطٌ لِلظَّنِّ وَتَوَهُّمِ التَّأْوِيلِ فِيهِ إذْ كَانَ الْفَرْضُ مَا هُوَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِيجَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. بَابٌ الزِّيَادَةُ فِي الْمُهُورِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ والفريضة هي التَّسْمِيَةُ وَالتَّقْدِيرُ كَفَرَائِضِ الْمَوَارِيثِ وَالصَّدَقَاتِ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ فِي قَوْله تَعَالَى وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ أَنَّهُ مَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ حَطِّ بَعْضِ الصَّدَاقِ أَوْ تَأْخِيرِهِ أَوْ هِبَةِ جَمِيعِهِ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ فِي الْمَهْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ وَهُوَ عُمُومٌ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالتَّأْخِيرِ وَالْإِبْرَاءِ وَهُوَ بِالزِّيَادَةِ أَخَصُّ مِنْهُ بِغَيْرِهَا لِأَنَّهُ عَلَّقَهُ بِتَرَاضِيهِمَا وَالْبَرَاءَةُ وَالْحَطُّ وَالتَّأْخِيرُ لَا يُحْتَاجُ فِي وُقُوعِهِ إلَى رِضَى الرَّجُلِ وَالزِّيَادَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا بِقَبُولِهِمَا فَلَمَّا عُلِّقَ ذَلِكَ بِتَرَاضِيهِمَا جَمِيعًا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الزِّيَادَةُ وَلَا يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ بِهِ عَلَى الْبَرَاءَةِ وَالْحَطِّ وَالتَّأْجِيلِ لِأَنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي جَوَازَ الْجَمِيعِ فَلَا يُخَصُّ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ وَلِأَنَّ الِاقْتِصَارَ بِهِ عَلَى مَا ذَكَرْت يُسْقِطُ فَائِدَةَ ذِكْرِ تَرَاضِيهِمَا جَمِيعًا وَإِضَافَةِ ذَلِكَ إلَيْهِمَا وَغَيْرُ جَائِزٍ إسْقَاطُ حُكْمِ اللَّفْظِ وَالِاقْتِصَارُ بِهِ عَلَى مَا يَجْعَلُ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءً وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الزِّيَادَةِ فِي الْمَهْرِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الزِّيَادَةُ فِي الصَّدَاقِ بَعْدَ النِّكَاحِ جَائِزَةٌ وَهِيَ ثَابِتَةٌ إنْ دَخَلَ بِهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ وَكَانَ لَهَا نِصْفُ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ وَقَالَ زُفَرُ بن الهزيل وَالشَّافِعِيُّ الزِّيَادَةُ بِمَنْزِلَةِ هِبَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ إذَا قَبَضَتْهَا جَازَتْ فِي قَوْلِهِمَا جَمِيعًا وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهَا بَطَلَتْ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ تَصِحُّ الزِّيَادَةُ فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ نِصْفُ مَا زَادَهَا إلَيْهِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ مَالٍ وَهَبَهُ لَهَا يُقَوَّمُ بِهِ عَلَيْهِ وَإِنْ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَ فَلَا شَيْءَ لَهَا مِنْهُ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ تُقْبَضْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ قَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ

стр. 877

أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ فِي مِلْكِهِمَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ جَائِزٌ لَهُ أَنْ يَخْلَعَهَا عَلَى البضع فيأخذ منها بدله فهما ما لكان لِلتَّصَرُّفِ فِي الْبُضْعِ فَلَمَّا كَانَ الْعَقْدُ فِي مِلْكِهِمَا وَجَبَ أَنْ تَجُوزَ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَمَا جَازَتْ فِي ابْتِدَاءِ عَقْدِ النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ كانا مالكين للعقد إذا كَانَ الْمِلْكُ هُوَ التَّصَرُّفُ وَتَصَرُّفُهُمَا جَائِزٌ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَبَضَهَا جَازَ فَلَا يَخْلُو بَعْدَ الْإِقْبَاضِ مِنْ أَنْ تَكُونَ هِبَةً مُسْتَقْبَلَةً عَلَى مَا قَالَ زفر والشافعى أو زيادة في المهر لا حقه بِالْعَقْدِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ هِبَةً مُسْتَقْبَلَةً لِأَنَّهُمَا لَمْ يَدْخُلَا فِيهَا على أنها هبة وإنما أوجبناها عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الْبُضْعِ لَاحِقَةٌ بِالْعَقْدِ ولا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نُلْزِمَهُمَا عَقْدًا لَمْ يَعْقِدَاهُ على أنفسهما لقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وَقَوْلِهِ ﷺ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ فَإِذَا عَقَدَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا عَقْدًا لَمْ يَجُزْ لَنَا إلْزَامُهُمَا عَقْدًا غَيْرَهُ بِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالسُّنَّةِ إذْ كَانَتْ الْآيَةُ إنَّمَا اقْتَضَتْ إيجَابَ الْوَفَاءِ بِنَفْسِ الْعَقْدِ الَّذِي عَقَدَهُ لَا بِغَيْرِهِ لِأَنَّ إلْزَامَهُ عَقْدًا غَيْرَهُ لَا يَكُونُ وَفَاءً بِالْعَقْدِ الَّذِي عَقَدَهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ يَقْتَضِي الْوَفَاءَ بِالشَّرْطِ وَلَيْسَ فِي إسْقَاطِ الشَّرْطِ وَإِلْزَامِهِمَا مَعْنًى غَيْرَهُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ فَدَلَّتْ الْآيَةُ وَالسُّنَّةُ مَعًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ الْمُخَالِفِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا اقْتِضَاءُ عُمُومِهِمَا لِإِيجَابِ الْوَفَاءِ بالعقد والشرط والآخر ما انتظمتا مِنْ امْتِنَاعِ إلْزَامِ عَقْدٍ أَوْ شَرْطٍ غَيْرِ مَا عَقَدَاهُ وَلَمَّا بَطَلَ إلْزَامُهُمَا الْهِبَةَ بَعْدَ الْقَبْضِ وَصَحَّ التَّمْلِيكُ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا مُلِكَتْ مِنْ جِهَةِ الزِّيَادَةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَجْعَلَهَا هِبَةً أَنَّهَا مَتَى كَانَتْ زِيَادَةً كَانَتْ مَضْمُونَةً عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْقَبْضِ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ الْبُضْعِ وَإِذَا كَانَتْ هِبَةً لَمْ تكن مضمومة عَلَيْهَا وَإِذَا كَانَتْ زِيَادَةً سَقَطَتْ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِذَا كَانَتْ هِبَةً لَمْ يُؤَثِّرْ الطَّلَاقُ فِيهَا وَإِذَا دَخَلَا فِيهَا عَلَى عَقْدٍ يُوجِبُ الضَّمَانَ لَمْ يَجُزْ لَنَا إلْزَامُهُمَا عَقْدًا لَا ضَمَانَ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا إذَا تَعَاقَدَا عَقْدَ بَيْعٍ لَمْ يَجُزْ إلْزَامُهُمَا عَقْدَ هِبَةٍ وَلَوْ تَعَاقَدَا عَقْدَ إقَالَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُمَا عَقْدُ بَيْعٍ مُسْتَقْبَلٍ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ غير جائز إثبات الهبة بعقد الزيادة إذا لَمْ تَكُنْ هِبَةً وَقَدْ صَحَّ التَّمْلِيكُ كَانَتْ زِيَادَةً لَاحِقَةً بِالْعَقْدِ بَدَلًا مِنْ الْبُضْعِ مَعَ التَّسْمِيَةِ وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ فِي جَعْلِهِ إيَّاهَا هِبَةً ثُمَّ قَوْلِهِ إنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ رَجَعَ إلَيْهِ نِصْفُ الزِّيَادَةِ فَإِنَّهُ قَوْلٌ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هِبَةً فَلَا تَعَلُّقَ لَهَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلَا بِالْمَهْرِ وَلَا تَأْثِيرَ لِلطَّلَاقِ فِي رُجُوعِ شَيْءٍ مِنْهَا إلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةً فِي الْمَهْرِ فَغَيْرُ جَائِزٍ بُطْلَانُهَا بِالْمَوْتِ وَإِنَّمَا

стр. 878

قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ كُلُّهَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَمَّا لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي الْعَقْدِ وَإِنَّمَا كَانَتْ مُلْحَقَةً بِهِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهَا مَوْقُوفًا عَلَى سَلَامَةِ الْعَقْدِ أَوْ الدُّخُولِ بِالْمَرْأَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْبَيْعِ إنَّمَا تَلْحَقُ بِهِ عَلَى شَرْطِ بَقَاءِ الْعَقْدِ وَأَنَّهُ مَتَى بَطَلَ الْعَقْدُ بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ فَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ فِي الْمَهْرِ فَإِنْ قِيلَ التَّسْمِيَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْعَقْدِ إنَّمَا يَبْطُلُ بَعْضُهَا بِوُرُودِ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَهَلَّا كَانَتْ الزِّيَادَةُ كَذَلِكَ إذْ كَانَتْ إذَا صَحَّتْ وَلَحِقَتْ بِهِ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ وُجُودِهَا فِيهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمُسَمَّى فِيهِ قِيلَ لَهُ عِنْدَنَا أَنَّ الْمُسَمَّى فِي العقد يبطله كُلُّهُ أَيْضًا إذَا طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ لِبُطْلَانِ الْعَقْدِ الْمُسَمَّى فِيهَا كَهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنَّمَا يَجِبُ النِّصْفُ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْبَالِ كَالْمُتْعَةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَقَدْ سَمَّى لَهَا إنَّ نِصْفَ الْمُسَمَّى هُوَ مُتْعَتُهَا وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَالُوا فِي شَاهِدَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَهُوَ يَجْحَدُ ثُمَّ رَجَعَا إنَّهُمَا يَضْمَنَانِ لِلزَّوْجِ نِصْفَ الْمَهْرِ الَّذِي غَرِمَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُسْقِطُ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَالنِّصْفَ الَّذِي يَلْزَمُهُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ دَيْنٌ مُسْتَأْنَفٌ أَلْزَمَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا فَعَلَى هَذَا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الزِّيَادَةِ وَالتَّسْمِيَةِ فِي سُقُوطِهِمَا بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنْ قِيلَ هَذَا التَّأْوِيلُ يُؤَدِّي إلَى مُخَالَفَةِ قَوْله تَعَالَى وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ لِأَنَّك قُلْت إنَّ الْجَمِيعَ يَسْقُطُ وَيَجِبُ النِّصْفُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْنَافِ قِيلَ لَهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ نَفْيٌ لَأَنْ يَكُونَ النِّصْفُ الْوَاجِبُ بَعْدَ الطلاق مهرا على وجه الاستيناف وَإِنَّمَا فِيهِ وُجُوبُ نِصْفِ الْمَفْرُوضِ غَيْرِ مُقَيَّدٍ بِوَصْفٍ وَلَا شَرْطٍ وَنَحْنُ نُوجِبُ النِّصْفَ أَيْضًا فَلَيْسَ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِهِ فِي التَّقْدِيرِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِئْنَافِ عَلَى أَنَّهُ مُتْعَتُهَا مُخَالَفَةٌ لِلْآيَةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ يُسْقِطُ جَمِيعَ الزِّيَادَةِ أَنَّا قَدْ عَلَمِنَا أَنَّ الْعَقْدَ إذَا خَلَا مِنْ التَّسْمِيَةِ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَمْلِكَ الْبُضْعَ بِلَا بَدَلٍ ثُمَّ إذَا رَدَّ الطَّلَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَسْقَطَهُ إذْ لَمْ يَكُنْ مُسَمًّى فِي العقد وكذلك الزِّيَادَةُ لِمَا لَمْ تَكُنْ مُسَمَّاةً فِي الْعَقْدِ وَجَبَ أَنْ يُسْقِطَهَا الطَّلَاقُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ وَجَبَتْ بِإِلْحَاقِهَا بِالْعَقْدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 879

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الَّذِي اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ إبَاحَةُ نِكَاحِ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ عِنْدَ عَدَمِ الطَّوْلِ إلَى الْحَرَائِرِ الْمُؤْمِنَاتِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ المراد بالمحصنات هاهنا الْحَرَائِرُ وَلَيْسَ فِيهَا حَظْرٌ لَغَيْرِهِنَّ لِأَنَّ تَخْصِيصُ هذه الحال بذكر الإباحة فيها لَا يَدُلُّ عَلَى حَظْرِ مَا عَدَاهَا كَقَوْلِهِ تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى إبَاحَةِ الْقَتْلِ عِنْدَ زَوَالِ هَذِهِ الْحَالِ وقَوْله تَعَالَى لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً لَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وقَوْله تَعَالَى وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ لَيْسَ بِدَلَالَةٍ عَلَى أَنَّ أَحَدَنَا يَجُوزُ أَنْ يَقُومَ لَهُ بُرْهَانٌ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِأَنَّ مع الله إلها آخر تعالى الله عن ذَلِكَ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِذًا لَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا الْآيَةَ إلَّا إبَاحَةُ نِكَاحِ الْإِمَاءِ لِمَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَالُهُ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى حُكْمِ مَنْ وَجَدَ طَوْلًا إلَى الْحُرَّةِ لَا بِحَظْرٍ ولا إباحة واختلف السَّلَفُ فِي مَعْنَى الطَّوْلِ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا هُوَ الْغِنَى وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَإِبْرَاهِيمَ قَالُوا إذَا هَوِيَ الْأَمَةَ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا إذَا خَافَ أَنْ يَزْنِيَ بِهَا فَكَانَ مَعْنَى الطَّوْلِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ قَلْبُهُ عَنْهَا بِنِكَاحِ الْحُرَّةِ لِمَيْلِهِ إلَيْهَا وَمَحَبَّتِهِ لَهَا فَأَبَاحُوا لَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ نِكَاحَهَا وَالطَّوْلُ يَحْتَمِلُ الْغِنَى وَالْقُدْرَةَ وَيَحْتَمِلُ الْفَضْلَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ قِيلَ فِيهِ ذُو الْفَضْلِ وَقِيلَ ذُو الْقُدْرَةِ وَالْفَضْلُ وَالْغِنَى يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَعْنَى فَاحْتَمَلَ الطَّوْلُ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الْغِنَى وَالْقُدْرَةَ وَاحْتَمَلَ الْفَضْلَ والسعة فإذا كان معناه الغنى واحتمل وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا حُصُولُ الْغِنَى لَهُ بِكَوْنِ الْحُرَّةِ تَحْتَهُ وَالثَّانِي غِنَى الْمَالِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى تَزَوُّجِ حُرَّةٍ وَإِذَا كَانَ مَعْنَاهُ الْفَضْلَ احْتَمَلَ إرَادَةَ الْغِنَى لِأَنَّ الْفَضْلَ يُوجِبُ ذَلِكَ وَالثَّانِي اتِّسَاعُ قَلْبِهِ لِتَزَوُّجِ الْحُرَّةِ وَالِانْصِرَافِ عَنْ الْأَمَةِ وَأَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَّسِعْ قَلْبُهُ لِذَلِكَ وَخَشِيَ الْإِقْدَامَ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى مَحْظُورٍ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَإِبْرَاهِيمَ هَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا تَحْتَمِلُهَا الْآيَةُ وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَمَكْحُولٍ لَا يَتَزَوَّجْ الْأَمَةَ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ

стр. 880

طَوْلًا إلَى الْحُرَّةِ وَرُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ وَالشَّعْبِيِّ قال نِكَاحُ الْأَمَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ لَا يَحِلُّ إلَّا لِمُضْطَرٍّ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَسَعِيدِ ابن الْمُسَيِّبِ رِوَايَةٌ وَإِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنِ رِوَايَةٌ وَالزُّهْرِيِّ قَالُوا يَنْكِحُ الْأَمَةَ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا وَعَنْ عَطَاءٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ إنْ خَشِيَ أَنْ يَزْنِيَ بِهَا تَزَوَّجَهَا وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَا يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ إلَّا الْمَمْلُوكُ وَقَالَ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَكْحُولٌ فِي آخَرِينَ لَا يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ إذَا كَانَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ وَقَالَ إذَا تَزَوَّجَ أَمَةً وَحُرَّةً فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ بَطَلَ نِكَاحُهُمَا جَمِيعًا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٌ إذَا تَزَوَّجَ حُرَّةً فَهُوَ طَلَاقُ الْأَمَةِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ رِوَايَةً يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إذَا وَجَدَ الطَّوْلَ إلَى الْحُرَّةِ بَطَلَ نِكَاحُ الْأَمَةِ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ إلَّا أَنْ تَشَاءَ الْحُرَّةُ وَيَقْسِمُ لِلْحُرَّةِ يَوْمَيْنِ وَلَلْأَمَة يَوْمًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى تَزْوِيجَ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ جَائِزًا إنْ لَمْ تَرْضَ الْحُرَّةُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَجُوزُ أن يتزوج من الإماء فروى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَتَزَوَّجْ مِنْ الْإِمَاءِ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ يَجْمَعُ أَرْبَعَ إمَاءٍ إنْ شَاءَ فَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً إذَا لَمْ تَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِنْ وَجَدَ طُولَا إلَى الْحُرَّةِ وَلَا يَتَزَوَّجُهَا إذَا كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةُ وقال سفيان والثوري إذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَمْلُوكَةِ فَلَا بأس بأن يتزوجها وإن كان موسرا ومالك وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ الطَّوْلُ الْمَالُ فَإِذَا وَجَدَ طَوْلًا إلَى الْحُرَّةِ لَا يَتَزَوَّجُ أَمَةً وَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَوْلًا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا أَيْضًا حَتَّى يَخْشَى الْعَنَتَ عَلَى نَفْسِهِ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُنَا وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَمَةً وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَلَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ إذْنِ الْحُرَّةِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِ إذْنِهَا وَقَالَ ابن وهب عن مالك لَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْأَمَةَ عَلَى الْحُرَّةِ وَالْحُرَّةُ بِالْخِيَارِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ فِي الْأَمَةِ تُنْكَحُ عَلَى الْحُرَّةِ أَرَى أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ تُخَيَّرُ الْحُرَّةُ إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْ قَالَ وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ أَمَةً وَهُوَ مِمَّنْ يَجِدُ طَوْلًا إلَى الْحُرَّةِ قَالَ أَرَى أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقِيلَ لَهُ إنَّهُ يَخَافُ العنت قال
следующие страницы →