قوله تعالى: (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) .
استدل به على أن من قتل غيره بمثقل وتخنيق وتغريق، فعليه ضمانه قصاصا أو دية، خلافا لمن جعل ديته على العاقلة، وذلك يخالف الظاهر.
ويدل على أن سقوط القصاص عن الأب، لا يقتضي سقوطه عن شريكه.
ويدل على وجوب الحد على المرأة العاقلة، إذا مكنت مجنونا من نفسها.
قوله تعالى: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً «١» كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا) .
يحتج به في نفي الحرج والضيق المنافي ظاهره الحنيفية السهلة السمحة، وهذا بين.
قوله تعالى: (وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا «٢» بِهِ) (٢٨٦) :
يحتمل نفي ما يثقل من التكاليف، نحو قتل النفس الذي كلف بنو إسرائيل.
ويجوز أن يعبر عما يثقل، بأنه لا يطيقه كقولك: ما أطيق الكلام، وما أستطيع أن أرى فلانا، ولا يريد نفي القدرة.
وقال تعالى: (وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) «٣» :
стр. 282
والمراد بجميع ذلك استثقاله فقط.
ويجوز أن يراد به نفي القدرة رأسا على الفعل والترك جميعا، فهذا تمام ما حضرنا من معاني القرآن في سورة البقرة.
تم الجزء الأول بحمد الله تعالى ويليه الجزء الثاني وأوله سورة آل عمران والله المستعان.
стр. 283
الجزء الثاني
للإمام الفقيه عماد الدّين بن محمد الطّبري المعروف بالكيا الهرّاسي المتوفى سنة ٥٠٤ هجرية الجزء الثاني منشورات محمد علي بيضون لنشر كتب السّنّة والجماعة دار الكتب العلمية بيروت- لبنان
стр. 284
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
стр. 285
سورة آل عمران
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) .
فجعل الله آيات الكتاب منقسمة إلى المحكم والمتشابه، وسمى المحكمات أم الكتاب، وذلك يقتضي رد المتشابهات إليها، فإن الأم لا يظهر لها معنى هاهنا، سوى أنها الأصل لما سواها «١» ، ويفهم منها معاني المتشابهات، وذلك يقتضي كون المتشابه محتملا لمعاني مختلفة، يتعرف مراد الله منها بردها إلى المحكمات، وإن كان كثير منها يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منها.
معاني المتشابهات، وذلك يقتضي كون المتشابه محتملا لمعاني مختلفة، يتعرف مراد الله منها بردها إلى المحكمات، وإن كان كثير منها يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منها.
ويمكن أن يقال: سميت المحكمات أمّا: لأنها أنفع لعباد الله تعالى، وأفضل من المتشابهات، كما سميت فاتحة الكتاب أم الكتاب، وسميت مكة أم القرى.
ويحتمل أن يقال: سمّي المحكمات أم الكتاب لأنه يلوح معناها،
стр. 286
فيستنبط منها الفوائد، ويقاس عليها فسماها أم الكتاب: أي الأم والأصل من الكتاب.
فعلى المحمل الأول، إذا قلنا معنى أم الكتاب أن المتشابهات مردودة إلى المحكمات، ومعتبرة بها، ومقيسة عليها، فالمتشابهات هي التي تحتمل معاني مختلفة، فيتعرف مراد الله منها بالمحكمات.
وإذا لم يقل ذلك، فالمتشابهات يجوز أن يعنى بها ما لم يعلم معناه من آيات الساعة وغيرها، وحروف التهجي التي ظن قوم أنها أودعت معاني لا يعلمها إلا الله، وإن كان ذلك فاسدا عندنا.
والمتعلق بالأحكام أن تأويل ما يتعلق بأحكام الشرع واجب، وما لا يتعلق به فلا يجب ويجوز.
وقد ظن قوم أنه لا يجوز لأنه تعالى قال:
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ «١» فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ) (٧) .
وقد جعل قوم تمام الكلام عند قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) (٧) وجعل الواو في قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) للجمع.
ومنهم من جعل تمام للكلام عند قوله: (إِلَّا اللَّهُ) ، وأن معناه (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) يعني تأويل المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا) ، بما نصب من الدلائل في المحكم، ومكن من رده اليه، فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا: آمنا بالجميع، كل من عند ربنا، وما لم يحط علمنا به من الخفايا مما في شرعه المصالح، فعلمنا عند ربنا.
стр. 287
ومن الناس من حرم تأويل المتشابهات ورأى أن معنى قوله في المحكمات: (هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) أي فواتح السور، أو هي الأوامر والنواهي ومجامع التكاليف التي هي عماد الدين، كما أن عماد الباب أم الباب، واستدل بقوله: (وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) .
وقال قوم: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) لا يجوز أن يكون مضموما إلى قوله: (إِلَّا اللَّهُ) ، لأنها لو كانت للجمع لقال: ويقولون آمنا به، ويستأنف ذكر الواو لاستئناف الخبر.
والذين خالفوا هذا الرأي ذكروا أنّ مثل هذا شائع، وقد وجد مثله في القرآن، وهو قوله في شأن قسم الفيء.
(ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) «١» إلى قوله: (شَدِيدُ الْعِقابِ) .
ثم تلاه بالتفصيل، وتسميه من يستحق هذا الفيء فقال:
(لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ) ، إلى قوله: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) «٢» .
وهم لا محالة داخلون في استحقاق الفيء كالأولين، والواو فيه للجمع ثم قال: (يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا) «٣» .
كذلك قوله: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) ، يقولون معناه: والراسخون في العلم يعلمون تأويل ما نصب لهم الدلالة عليه من المتشابه قائلين: «ربنا آمنا» ، فصاروا معطوفين على ما قبله داخلين في خبره.
стр. 288
ولأنهم إذا منعوا تأويل المتشابه، ووجب اتباع الظاهر، تناقضت الظواهر ووقعت الأحكام العقلية والسمعية، وهؤلاء الذين ينظرون إلى هذا الظاهر، أو لا ينظرون إلى ظاهر الواو في دلالته على الجمع المذكور» ولم يحلوا ذلك على الابتداء وقطع المعطوف عليه، وذلك خلاف ظاهر دلالة الواو وهذا بين» .
فأما قوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ، ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) ، فمثل ما روي عن الربيع بن أنس، أن هذه الآية نزلت في وفد «١» نجران لما حاجوا النبي ﷺ في المسيح فقالوا:
أليس هو كلمة الله وروح منه؟
فقال: بلى.
فقالوا: حسنا، أي أنا لا نسمع منك بعد هذا قولك إنه عبد الله، بعد أن قلت إنه روح الله، فنزل قوله تعالى:
(فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) «٢» .
стр. 289
ثم أنزل تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ) «١» ، الآية.
وقال: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ) «٢» .
معناه: إن كون عيسى عبد الله، محكم على معنى أن التأويل لا يتطرق إلى الآيات الدالة على أن عيسى عبد الله.
وقوله: «كلمة الله» يحتمل أن يكون معناه: أنه الذي بشر به في كتب الأنبياء المتقدمين، ومثله قوله تعالى: (ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ) «٣» الآية.
فسماه كلمة وقولا من حيث قدم البشارة به.
وسمى روحه، لأنه خلق من غير ذكر، بل أمر جبريل ﵇ فنفخ في جيب مريم فقال:
(فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا) «٤» ، فأضاف الروح إلى نفسه تشريفا له كبيت الله، وأرض الله، وسماء الله.
وقد سمى القرآن روحا، لأنه يحيي به من الضلال، وسمى عيسى روحا، لأنه كان يحيي به الناس في أمور دينهم، فصرف أهل الزيغ ذلك إلى مذاهبهم الفاسدة، وإلى ما يعتقدونه من الكفر والضلال، فهذا مثال المحكم والمتشابه، الذي يجب أن يرد معناه إلى معنى المحكم.
стр. 290
قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) «١» الآية (٢١) ، يدل على جواز الأمر بالمعروف مع خوف القتل «٢» .
قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) «٣» الآية (٢٣) .
فيه دلالة على أن من دعا خصمه إلى الحكم لزمته إجابته، لأنه دعا إلى كتاب الله تعالى «٤» .
قوله تعالى: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) «٥» الآية (٢٨) .
стр. 291
يدل على أنه لا يجوز أن يتخذ منهم أولياء وأن يلاطفوا، ومثله من كتاب الله:
(لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا) «١» .
وقال: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) «٢» .
وقال: (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) «٣» .
وقال: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) «٤» .
стр. 292
وقال: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) «١» .
وقال: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا، وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا) «٢» .
وقال: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) «٣» .
وقال: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) «٤» .
وقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) . «٥»
وقال: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) «٦» .
فنهى بعد النهي عن مجالستهم وملاطفتهم، عن النظر إلى أموالهم وأحوالهم في الدنيا.
وروي أن النبي ﷺ مر بإبل بني المصطلق، وقد عبست «٧» بأبوالها من السمن، فتقنع بثوبه ومضى يقول: يقول الله :
(وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ) «٨» .
وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
стр. 293
(أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) «١» .
وقال ﵇: (أنا بريء من مسلم مع مشرك، فقيل:
يا رسول الله، ولم؟ قال: لا تراءى نارهما) «٢» .
قوله تعالى: (تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) «٣» (٢٨) . يدل على أن إظهار الموافقة في الاعتقاد وغيره جائز للتقية، وفي نفي الولاية، دليل على قطع الولاية بينهما في المال والنفس جميعا.
قوله تعالى: (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) «٤» (٤٤) .
стр. 294
يمكن أن يستدل به على جواز القرعة في إعتاق «١» في مرضه إذا مات ولا مال له غيرهم، وفيه «٢» نظر، فإن ذلك كان إقراعا فيما يثبت بتراضيهم، وكانت القرعة طلبا للرضا، ورفعا لطلب الاختصاص بطريق الحكم «٣» ، كما كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه «٤» ، لأن التراضي على ما خرجت به القرعة جائز من غير قرعة، وكذلك كان حكم كفالة مريم ﵍، وغير جائز وقوع التراضي على نقل الحرية عمن وقعت عليه.
قوله تعالى: (فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) (٦١) «٥» .
واعلم أن في هذا دلالة على أن الحسن والحسين ﵄ ابنا رسول الله ﷺ لأنه أخذ بيد الحسن والحسين حين أراد حضور المباهلة، وقال الله تعالى: (نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) ، ولم يكن للنبي ﷺ بنون غيرهما، وقال للحسن:
стр. 295
«إن ابني هذا سيد» «١» .
وقال فيه حين بال عليه وهو صغير:
«لا ترزموا ابني هذا» «٢» .
وهما من ذريته أيضا، كما جعل الله عيسى من ذرية إبراهيم بقوله:
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ، وَسُلَيْمانَ، وَأَيُّوبَ، وَيُوسُفَ، وَمُوسى، وَهارُونَ، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى) «٣» ، وإنما نسبته إليه من جهة أمه لأنه لا أب له.
وقال كثير من العلماء: إن هذا مخصوص بالحسن والحسين أن يسميا ابني رسول الله ﷺ دون غيرهما، لقوله ﵇:
стр. 296
«كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلّا سببي ونسبي» «١» .
وقد قال بعض أصحابنا: فمن أوصى لولد فلان، ولم يكن لصلبه ولد، وله ولد ابن، وولد ابنة، أن الوصية لولد الابن دون ولد الابنة، وهو قول الشافعي «٢» ، وإلا فإذا استولد الهاشمي جارية حبشية كان الولد متشرفا بأبيه.
قوله تعالى: (إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ، أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً «٣» مِنْ دُونِ اللَّهِ) (٦٤) .
معناه: ألا نتبعه في تحليل شيء أو تحريمه إلا فيما حلّله الله تعالى، وهو نظير قوله تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) معناه أنهم أنزلوهم منزلة ربهم، في قبول تحريمهم وتحليلهم لما لم يحرمه الله تعالى ولم يحله، وهذا يدل على بطلان القول بالاستحسان المجرد، الذي لا يستند إلى دليل شرعي، مثل استحسانات أبي حنيفة في التقديرات التي قدرها دون مستندات بينة.
وفيه رد على الروافض الذين يقولون: يجب قبول قول الإمام دون إبانة مستند شرعي، وأنه يحل ما حرمه الله، من غير أن يبين مستندا من الشريعة.
قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ «٤» وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٧٥)
стр. 297
يدل على أن الكافر لا يجعل أهلا لقبول شهادته لأنه تعالى وصفه بأنه كذاب.
قوله تعالى: (يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً «١» قَلِيلًا) (٧٧) .
يدل على أن المال لا يصير حلالا له إذا قضى القاضي بحكم الظاهر «٢» .
قوله تعالى: (كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ) (٩٣) . «٣»
وهذا يدل على جواز إطلاق الله تعالى للأنبياء تحريم ما أرادوا تحريمه «٤» ، ويعصمهم عن الزلل في اختياراتهم، ويدل على جواز النسخ أيضا، وظاهر ذلك أنه حرمه بنفسه، لا أنه حرم عليه بالوحي، فإن الله تعالى أضاف التحريم اليه، ولم يكن ذلك بالاجتهاد في النظر في أدلة الشرع، فإن الذي كان حلالا من قبل نصا لا يتصور الاجتهاد المأخوذ من أصول
стр. 298
الشرع في تحريمه، والاجتهاد طلب أدلة الشرع والنظر في معانيها، وقد كان ذلك حلالا من جهة الشرع، فعلم أنه صار محرما بعد الإباحة بتحريم يعقوب على نفسه لا بالاجتهاد، بل كان مأذونا له في أن يحرم ما شاء على نفسه، ولم يحرمها الله تعالى، وربما يدل ذلك على أن الذي كان من يعقوب انتسخ ثانيا من جهة الشريعة، وقد كان رسول الله ﷺ حرم مارية على نفسه، ولم يحرمها الله تعالى «١» .
وربما يدل ذلك على أن الذي كان من يعقوب انتسخ بهذا «٢» .
ويجوز أن يقال: ومع تحريم مارية ليس نسخا لغيرها.
ويمكن أن يقال: مطلق قوله تعالى: (لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) «٣» يقتضي أن لا يختص بالشافعي «٤» .
وقد رأى الشافعي أن وجوب الكفارة في ذلك غير معقول المعنى فجعلها مخصوصا لموضع النص.
وأبو حنيفة رأى ذلك أصلا في تحريم كل مباح وأجراه مجرى اليمين «٥» .
والآية في ذلك أن قدميه دخلتا في حجر صلد بقدرة الله ، ليكون ذلك آية ودلالة على توحيد الله، وصدق نبوة إبراهيم.
ومن الآية فيه: إمحاق الأحجار في موضع الرمي «١» .
وامتناع الطير من العلو عليه، وإنما يطير حوله لا فوقه:
وتعجيل العقوبة لمن انتهك حرمته- وقد كانت العادة جارية بذلك- ومن جملة ذلك: هلاك أصحاب الفيل.
فقال الشافعي: لما ذكر الله تعالى أن فيها آيات بينات جعل من جملتها: «أن من دخله كان آمنا» ، وأن ذلك كان من الآيات في أن الله تعالى جعل لذلك الموضع هيبة ووقارا وعظمة في نفوس المفسدين المتمردين، كما قال تعالى:
(فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) «٢» بأن يجبي اليه ثمرات كل شيء وهو بواد غير ذي زرع، (وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) .
وقال: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً) «٣» .
فقوله: (كانَ آمِناً) : مرتبا على ذكر الآيات، ظاهر في كونه خبرا عن شيء كان، وذلك لا يدل على أن من عصى الله تعالى، والتزم حد الله تعظيما لأمر الله وإجلالا لدينه، فهرب مما وجب، وصاحب الشرع يحرم عليه الالتجاء إلى الحرم، فإنه أمر تسليم النفس لحق الله تعالى، أنه يكون آمنا.
стр. 301
وهذا ليس بتأويل، إنما هو دليل مأخوذ من ظاهر لفظ الخبر، وهو قوله «كان» ومن ظاهر السياق في ذكر الآيات وعد كونه آمنا في جملتها.
فإذا قيل: معناه لا تقتلوا أنتم، فليس ينتظم ذلك في سياق الآية، سيما وهو يضطر إلى الخروج بقطع المير عنه، فهو خائف صباحا ومساء، فكونه آمنا يخالف ذلك.
ويدل على ذلك أن القائل إذا قال: من دخل هذا الموضع كان آمنا، ثم لزمته حدود النفس وعقوبات على الأطراف، فإذا قيل: إنها تستوفى منه، لم يتحقق معنى الأمن مع ذلك، وعد إطلاق لفظ الأمن على كل داخل، مع إيجاب هذه العقوبات عليه مستلزما.
فإذا تقرر ذلك، فكيف تترك العمومات في القصاص والزواجر لهذا الكلام الوارد في معرض الآيات بلفظ الخبر؟
وهل جاز الحبس في الحرم الملتجئ اليه في دين عليه إلا لعموم قوله ﵇:
الي الواجد يحل عرضه وعقوبته» «١» .
وهل وجب القصاص في النفس وغيرها، إلا على وجه واحد بقوله تعالى:
(وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) الآية «٢» .
стр. 302
أولا يعلمون أنه إذا قطعت أطرافه لم تكن آمنة، ولا الداخل آمنا، فإن قطع الطرف يخشى منه هلاك النفس؟
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ) الآية (٩٧) :
والاستطاعة وردت مطلقة، وفسرها رسول الله ﷺ ، بالزاد والراحلة، لا على معنى أن الاستطاعة مقصورة عليها، فإن المريض، والخائف، والشيخ الذي لا يثبت على الراحلة، والزمن، وكل من تعذر عليه الوصول، فهو غير مستطيع للسبيل إلى الحج، وإن كان واجدا للزاد والراحلة.
فدل أن مراد النبي ﷺ بقوله: «الاستطاعة الزاد والراحلة» ، إبانة أن من أمكنه المشي إلى البيت ولم يجد زادا أو راحلة، لا يلزمه الحج، فبين النبي ﷺ ، أن لزوم فرض الحج مخصوص بالركوب دون المشي، وأن من لا يمكنه الوصول اليه إلا بالمشي الذي يشق عليه ويعسر، فلا حج عليه، وذلك تنبيه على أن كل من لا يصل إلى البيت إلا بمشقة شديدة، فقد سقط عنه الحج، وقد قال الله تعالى: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) «١» .
والمرأة لما كانت كلحم على وضم، وكان ما يتوق «٢» - من خروجها دون محرم ونسوة ثقات- من الضرر على نفسها، أعظم من ضرر المشي
стр. 303
في حق القادر عليه، فعلم بسقوط فرض المشي لما فيه من المشقة، سقوط ما فوقه، وهذا بالغ حدا.
نعم هذا الذي قلناه من المنصوص عليه، ودلالته في سقوط الحج، لضرر يعود إلى من عليه الحج، مع أنه قد ورد في منع وجوب الحج على المرأة «١» ، وعلى الزمن الذي لا يستطيع ركوب الراحلة إلا بمشقة شديدة أخبار خاصة «٢» .
وقد يمتنع وجوب الحج الضرر يرجع إلى الغير، إلى الحاج، كأن يكون عليه دين، أو يكون «٣» أجيرا، والمرأة إذا أرادت حجة الإسلام وهي منكوحة.
والاستطاعة تنعدم بهذه الجهات والأسباب، إذا امتنعت الاستطاعة، لضرر يرجع إلى الماشي، فلأن تمتنع بحق الغير أولى، فإن الماشي إن تكلف المشقة ربح الثواب، وأما من له الحق فإنه يتضرر من غير نفع يحصل له في مقابلته، وذلك يدل على أن الأمر فيه أعظم.
مع أنه يمكن أن يذكر فيه معنى آخر، وهو أن الحج قد ثبت بالدليل أنه على التراخي، وهذه الحقوق على الفور، والحج لا يفوت، وهذه
стр. 304
الحقوق تفوت، والحج حق الله، وهذه الحقوق للآدمي، فربما يجري فيها زيادة مضايقة لحاجة الآدمي، وليس الشروع في هذه المعاني من مقصودنا إنما مقصودنا: اقتباس هذه الأحكام من هذه الآية الواردة في معنى الاستطاعة.
وهاهنا نوع آخر من الكلام، وهو أن الذين لا استطاعة لهم من المكلفين قسمان:
أحدهما: إذا تكلف المشقة وحج وقع عن فرض حجة الإسلام.
والآخر: إذا حج لم تقع عن حجة الإسلام.
فالقسم الأول كالمرأة إذا سافرت دون محرم أو نسوة ثقات، أو تكلف الماشي المشي، أو المريض تكلف المشقة.
والقسم الآخر كالعبد يحج دون إذن مولاه، فإنه لا يقع عن حجة الإسلام، حتى إذا عتق وجبت حجة الإسلام.
مع أن القسمين على سواء في سقوط خطاب الأداء فيهما «١» .
وقد خالف في العبد قوم من السلف، وحكى الرازي هذا المذهب عن الشافعي، وهو منه غلط، ولم يختلف قول الشافعي في هذا المعنى، ولا عن أصحابه وجه على ما رواه عنه الرازي.
والفارق بين القسمين: إن كان من وصل إلى البيت ولزمه الحج، كالفقير والمريض الذي سهل عليه ذلك العذر من العمل، أو بسقط صاحب «٢» الحق، مثل المديون والأجير والزوج، أو لصاحبة المحرم مثل
стр. 305
المرأة، فيلزمهم الحج، فإذا حجوا بأنفسهم وقع الموقع، فإنه يعلم بوجوب الحج عليهم عند حضور البيت، أو رصا من له الحق أن امتناع الأداء عارض، وأن الوجوب لولا العارض ثابت، وإذا أدى «١» الحج، فليس في منع الاعتداد به عن حجة الإسلام إضرار بالغريم، فلا حج عليه، فدل أن المانع في الخطاب، وأن الخطاب قاصر عنه لنقص فيه، بالإضافة إلى الحج، فلا جرم لا يقع عن حجة الإسلام بحال.
فإن قال قائل: ولو وقع السؤال عن هذا وقيل: العبد إذا كان حاضرا في المسجد الحرام وأذن له السيد، فلم لا يلزمه الحج؟
قلنا هذا سؤال على الإجماع، وربما لا يعلل ذلك، ولكن إذا ثبت هذا الحكم بالإجماع، استدللنا به على أنه لا يعتد بحجه في حال الرق على حجة الإسلام، ولعل المعنى فيه: أن الرق ضرب على الكافر في الأصل، ولم يكن حج الكافر معتدا به، ولما ضرب عليه الرق، ضرب عليه ضربا مؤبدا، فلم يكن في حالة الكفر أهلا لأداء عبادة الحج، ولما ضرب الرق المؤبد عليه، تقاصر عنه الخطاب أبدا، فلم يدخل تحت خطاب الحج بوجه.
وأما الفقر؟؟؟ فعارض لا يدوم، والمرض كمثل، وقد سبق الخطاب، وكذا المنكوحة، فهذا هو السبب فيه.
نعم العبد لا جمعة عليه، وإذا أداها سقط الفرض، لأن عليه الظهر، والجمعة قائمة مقامه، وليس عليه شيء يقوم الحج مقامه، وقد روي عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال:
«أيما صبي حج ثم أدرك، فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي
стр. 306
حج ثم هاجر، فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق، فعليه أن يحج حجة أخرى» «١» .
وهذا إذا صح أغنى عن تكلف كل معنى.
وظاهر قوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) الاكتفاء بحجة واحدة «٢» .
قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) «٣» الآية (١٠٢) :
قد قيل إنه منسوخ، لأن حقه تعالى يقتضي القيام بحقوق الله في حالة الأمن والخوف وترك التقية فيها، ثم نسخ حالة التقية بقوله: (مَا اسْتَطَعْتُمْ) فيقال لهذا القائل: هو عند الإكراه مستطيع، فيقول: إذا عظمت المشقة يحسن أن يقال: هو غير مستطيع كما قال تعالى: (وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) «٤» ، ويقال لهم: ما معنى حق تقاته إلا امتثال أمر الله تعالى على نحو ما أمر؟ وإلا فقد تعالى الله عن الغرض في عبادتنا، وإنما يتقي معاصي الله خوفا من عقوبته لترك الأمر، فلا بد من تأمل الأمر، فكل من امتثل أمر الله تعالى فقد أتقاه حق تقاته، فعلى هذا لا نسخ فيه «٥» .
стр. 307
قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ «١» جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (١٠٣) وحبل الله في عهده «٢» في قول، والقرآن في قول آخر «٣» ، وكل ذلك صحيح.
وقوله: (وَلا تَفَرَّقُوا) : يجوز أن يراد به التفرق في أصول الدين، مثل قوله تعالى:
(وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) «٤» .
ويجوز أن يكون معناه: «ولا تفرقوا» «٥» متابعين للهوى والأغراض المختلفة، وكونوا في دين الله إخوانا، فيكون ذلك منعا لهم عن التقاطع والتدابر، ودل عليه ما بعده وهو قوله تعالى:
стр. 308
(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ «١» إِخْواناً) (١٠٣) .
وليس فيه دليل على تحريم الاختلاف في الفروع، فإن ذلك ليس اختلافا، إذ الاختلاف ما يتعذر معه الائتلاف والجمع، وليس اختلاف حكم الحائض والطاهرة في الصوم والصلاة، واختلاف حكم المقيم والمسافر في الإتمام والقصر، اختلافا من حيث إن الواجب على كل واحد منهم، غير الواجب على الآخر، والاختلاف إذا هو كالاختلاف في الصناعات والحرف وأصغار الأشياء، ومراسم الناس في أنها سبب الانتظام، وإنما منع الله اختلافا هو سبب الفساد، فهذا حكم مسائل الاجتهاد، فإن الاختلاف فيها سبب لاستخراج الغوامض ودقائق معاني الشرع، فاعلمه.
وما زالت الصحابة مختلفين في أحكام الحوادث، وهم مع ذلك متواصلون، وقال رسول الله ﷺ في مثل ذلك:
«اختلاف أمتي رحمة» «٢» .
стр. 309
قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ «١» يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (١٠٣) :
وذلك يدل على أنه فرض لكنه فرض على الكفاية.
ولعل قوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) يدل على ذلك، فإنه يقتضي بظاهره أنه إذا قام به البعض، سقط عن الباقين «٢» ، فإنه قال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) .
أي إن جميعكم ربما لا يمكنهم ذلك، فليتول قوم منكم حتى يكون المعروف مأتيا والمنكر مرفوضا، وقد أمر الله تعالى بالأمر بالمعروف في مواضع في كتابه لا حاجة بنا إلى ذكرها، ووردت في ذلك أخبار أوفاها ما رواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» «٣» .
وقد قال الله تعالى في هذا المعنى:
(وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ
стр. 310
بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ) «١» .
وقال: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ) «٢» - إلى قوله- (كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ) .
وقد قال الله تعالى:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) «٣» الآية.
وليس ذلك ناسخا لوجوب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنه إذا أمكنه إزالته بلسانه فليفعله، وإن لم يمكنه إلا بالعقوبة والقتل فليفعله، وإن انتهى بدون القتل لم يجز بالقتل وهذا يتلقى من قوله تعالى:
(فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ) «٤» .
وعليه بنى العلماء: أنه إذا دفع الصائل «٥» على النفس، أو على المال عن نفسه، أو عن ماله، أو مال غيره، أو نفس غيره، فله ذلك ولا شيء عليه، ولو رأى زيد عمرا وقد قصد مال بكر، فيجب عليه أن يدفعه عنه، إذا لم يكن صاحب المال قادرا عليه ولا راضيا به، ولو قصد ماله، فيجوز له أن يتركه عليه ولا يدفعه، وفي الصيال على النفس خلاف.
стр. 311
ولو كان في يد الغاصب مال غيره وسعك أن تبيعه، ويقتله إن لم يقف، وكذلك في السارق إذا أخذ المتاع فيجوز ابتياعه، والسارق الذي ينقب البيوت كمثل، حتى قال العلماء: لو فرضنا قوما من أصحاب المكوس والضرائب والأموال الذين في أيديهم أموال الناس، وهم ممتنعون من إيصالها إلى الملاك، ولا ينفعهم الردع بالكلام والملام والتخويف بالله، فيجوز قتلهم من غير إنذار، لأنهم لا يقبلون ذلك من أحد لقوله تعالى:
(لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ) يعني: لم يقبل منكم ولا يقدر على منعه من الظلم، فعليك نفسك.
وقال تعالى في ذكر أصحاب السبت «١» .
(أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا) «٢» .
فدل ذلك على أن من لم ينه عن الظلم، جعل راضيا به حتى وجب تعذيبه، وقد نسب قتل الأنبياء المتقدمين، إلى من كان في عصر النبي ﷺ من اليهود، الذين كانوا موالين لأسلافهم القاتلين لأنبيائهم.
وبنى الشافعي عليه: أن فعل الفاعل، إذا كان في نفسه قبيحا ومفسدة فيجوز دفع الفاعل عنه لما يأتي على نفسه، ولا ضمان على قاتله، مثل أن يصول مجنون أو بهيمة على مال لرجل أو نفسه، فيجوز للمصول عليه ولغيره قتله، ولا ضمان عليه، وهو من قبيل النهي عن المنكر، وليس معنى النهي تكليف الفعل، ولكنه دفع الفاعل عن الفعل القبيح والظلم والتشنيع.
стр. 312
وأبو حنيفة يخالف في ذلك، لأنه يرى أن القاتل ليس ظالما بفعله، ويقال له إنه ليس ظالما بفعله، إلا لأن الفعل غير قبيح ولا مفسدة، ولكن لجهل الفاعل، ولو علمه كان به ظالما ولحقه الذم واللوم والسفه، وهذا بين.
ومن جملة ذلك: أنه إذا كان في بلد الإسلام من يضلل الناس بشبهة وبدعة، فإنه يجب إزالته بما أمكن، لأنه نهي عن المنكر، ومن لم يكن داعيا للناس إلى ذلك، وإنما يذعن إلى الحق، فإقامة الدلائل على صحة قول أهل الحق وتبيين فساد شبهه، ما لم يخرج على أهل الحق بسيفه، ويكون له أصحاب يمتنع بهم عن الإمام، فإن خرج داعيا إلى مقالته مقاتلا عليها، فهذا الباغي الذي أمر الله تعالى بقتاله حتى يفيء إلى أمر الله
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً «١» مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ «٢» خَبالًا) (الآية ١١٨) :
فيه دلالة، على أنه لا يجوز الاستعانة بأهل الذمة في شيء من أمور المسلمين من العمالات والكتابة.
ولما استكتب أبو موسى رجلا من أهل الذمة، كتب اليه عمر يعنفه ويلومه ويتلو عليه هذه الآية.
وقيل لعمر: إن هاهنا رجل من أهل الحيرة لم ير رجل أحفظ منه ولا أخط بقلم، فإن رأيت أن تتخذه كاتبا، قال:
стр. 313
«قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين» «١» .
قوله تعالى: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) «٢» (١٥٩) :
يدل على جواز الاجتهاد «٣» في الأمور، والأخذ بالمظنون مع إمكان الوحي، فإن الله تعالى أذن لرسول ﷺ في ذلك.
قوله تعالى: (وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) «٤» ، ومن يغلل يأت
стр. 314
(بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ) «١» الآية (١٦١) :
وفيها دليل على أن الغلول «٢» فيما قلّ وكثر، من أصناف الأموال، وأن الأموال الواصلة إلينا من الكفار مشتركا فيما بين الغانمين، إلا فيما استثنى من الأطعمة لأخبار اختصت بها.
стр. 315
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة النساء «١»
قوله تعالى:
(وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ) «٢» الآية (١) :
يدل على تأكيد الأمر في صلة الرحم، والمنع من قطيعتها، وهي اسم
стр. 316
لكافة الأقارب من غير فرق بين المحرم «١» وغيره، وأبو حنيفة يعتبر الرحم المحرم في منع الرجوع في الهبة، ويجوز الرجوع في حق بني الأعمام، مع أن القطيعة موجودة والقرابة حاصلة، ولذلك تعلق بها الإرث والولاية وغيرهما من الأحكام، فاعتبار المحرم زيادة على نص الكتاب من غير مستند، وهم يرون ذلك نسخا، سيما وفيه إشارة إلى التعليل بالقطيعة، وقد جوزها في حق بني الأعمام وبني الأخوال والخالات.
قوله تعالى: (وَآتُوا «٢» الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) الآية (٢) :
روى عن الحسن أنه قال: لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، فجعل ولي اليتيم يعزل مال اليتيم عن ماله، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) «٣» .
وإنما قال الحسن ذلك لأنه تعالى قال:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) إلى قوله (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى)
стр. 317
(أَمْوالِكُمْ) ، وكل ذلك بعد البلوغ لا يتقرر، والمعنى بقوله:
(وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) ، أي أموالهم للأكل والشرب واللباس والثياب والمفارش والمساكن، فلما نزل ذلك، عزل أولياء اليتامى طعامهم من طعام اليتامى، وملابسهم من ملابس اليتامى، فجعل يفضل له من طعامه، فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فنزل قوله تعالى:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) الآية.
ويجوز أن يكون قول الله تعالى: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) عنى به البالغ، وسمّي يتيما لقرب عهده بالبلوغ، ولذلك قال: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) .
والظاهر منه أنهم يؤتون أموالهم إيتاء لا بمعنى الإطعام والكسوة، ولكنه بمعنى تسليطه عليه، ونهى الولي عن إمساك ماله بعد البلوغ عنه، ولكن لم يشترط الرشد هاهنا، وشرط إيناس الرشد والابتلاء في قوله:
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) «١» ، فكان ذلك مطلقا وهذا مقيد.
وذكر الرازي في أحكام القرآن: أنه لما لم يقيّد الرشد في موضع، وقيّد في موضع، وجب استعمالهما والجمع بينهما فأقول:
إذا بلغ خمسا وعشرين سنة وهو سفيه لم يؤنس منه الرشد، وجب دفع المال اليه، وإن كان دون ذلك لم يجب عملا بالآيتين، وهذا في غاية البعد، فإنه تعالى قال:
стр. 318
(وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) ، وذلك يقتضي اعتياد إيناس الرشد عقيب بلوغ النكاح من غير تطاول المدة.
وقوله تعالى: (وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ) ، يقتضي مثل ذلك، فإن اسم اليتيم إنما يطلق على قبل البلوغ حقيقة، وعلى قرب العهد بالبلوغ مجازا، فإما أن يقال: إنه يتناول ابن خمس وعشرين سنة فصاعدا إلى مائة، وهو جهل عظيم.
والعجيب أن أبا حنيفة إنما أطلق الحجر، لأنه قال قد بلغ أشده وصار يصلح أن يكون جدا، فإذا صار يصلح أن يكون جدا، فكيف يصح إعطاؤه المال بعلة اليتم، وباسم اليتم، وهل ذلك إلا في غاية البعد «١» .
قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا «٢» فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ «٣» لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ «٤» وَرُباعَ) الآية (٣) .
واختلفت أقاويل المفسرين في معناه:
стр. 319
فروى الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة- ﵂ في قول الله تعالى:
(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) قالت:
يا ابن أختي: هي اليتيمة تكون في حجر وليها، تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن «١» .
قال عروة: قالت عائشة- ﵂:
وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله:
(وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ) .. إلى قوله:
(وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) «٢» .
قالت: والذي ذكر الله تعالى أنه يتلى عليكم في الكتاب الآية الأولى التي فيها: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي) «٣» ..
وقوله في الآية الأخرى: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) ، رغبة أحدكم عن يتيمته التي هي في حجره حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا «٤» أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء، إلا
стр. 320
بالقسط من أجل رغبتهم عنهن، وهذا ما أورده البخاري في صحيحه «١» ، وفيه دلالة على أن اليتيمة يجوز تزويجها «٢» .
وروي عن سعيد بن جبير والضحاك والربيع غير هذا التأويل، وهو أن معنى الآية: «كما خفتم في حق اليتامى فخافوا في حق النساء الذي خفتم في اليتامى ألا تقسطوا «٣» فيهن» .
وروي عن مجاهد: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا) ، أي تحرجتم من أكل أموالهم، فتحرجوا من الزنا وانكحوا نكاحا طيبا مثنى وثلاث ورباع.
والمشكل أن عائشة ﵂ قالت: نزلت هذه الآية في ذلك، وذلك لا يقال بالرأي وإنما يقال توقيفا، ولا يمكن أن يحمل على الجد، لأنه لا يجوز له نكاحها، فعلم أن المراد له ابن العم ومن هو أبعد منه من سائر الأولياء.
ويمكن أن يحمل على البالغة لأن عائشة ﵂ قالت:
ثم إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فأنزل الله تعالى:
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ- إلى قوله- فِي يَتامَى النِّساءِ) «٤» .