وروي عن أبي سعيد الخدري والشعبي والحسن، أن الاشهاد في آية المداينة منسوخ بقوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ) (٢٨٣) .
فاختلفت الأقوال على ما ترى، فنقول وبالله التوفيق.
إن قوله تعالى: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ، لم يتبين تأخر نزولها عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالاشهاد، بل وردا معا، ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة، فدل ذلك على أن الأمر بالإشهاد ندب لا واجب، والذي يزيده وضوحا أنه قال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ، ومعلوم أن هذا الأمن لا يقع إلا بحسب الظن والتوهم، لا على وجه الحقيقة، وذلك يدل على أن الشهادة إنما أمر بها لطمأنينة قلبه لا لحق الشرع، فإنها لو كانت لحق الشرع ما قال: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) .
ولا ثقة بأمن العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع مصلحة.
فالشهادة متى شرعت في النكاح، لم تسقط بتراضيهما وأمن بعضهم بعضا، فدل ذلك أن الشهادة شرعت للطمأنينة، ولأن الله تعالى جعل لتوثيق الديون طرقا:
منها: الكتاب.
ومنها: الرهن.
ومنها الإشهاد.
ولا خلاف بين علماء الأمصار، أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد.
وما زال الناس يتبايعون سفرا وحضرا، وبرا وبحرا، وسهلا وجبلا
стр. 247
من غير إشهاد مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد لما تركوا النكير على تاركه.
ومعلوم أن الإنسان في غير البيع والشراء، قد يأتمن الرجل على ماله فلا يحرم عليه، ولو باعه شيئا وأسلفه الثمن، يجوز إذا ائتمنه على ثمنه.
فإذا ملك الإنسان الثمن بالبيع، فسواء ائتمن عليه المشترى أو اختلفا بعد استيفائه منه، فالكل واحد، وذلك يدل على أن الأمر بالإشهاد ندب.
وقد ظن بعض الناس أن قوله تعالى: (إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) دليل على جواز التأجيل في القروض على ما قاله مالك، إذ لم يفصل بين القرض وسائر عقود المداينات، وهذا غلط منه، لأن الآية ليس فيها بيان جواز التأجيل في سائر الديون، وإنما فيها الأمر بالإشهاد، إذا كان دينا مؤجلا، ثم يعلم بدلالة أخرى جواز التأجيل في الدين وامتناعه.
قوله: (وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ) (٢٨٢) :
ظن ظانون أنه قد كان وجب في الأول على كل من اختاره المتبايعان، أن يكتب، وكان لا يجوز له أن يمتنع، حتى نسخه قوله تعالى: (وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) .
وهذا بعيد، فإنه لم يثبت وجوب ذلك على كل من أراده المتبايعان كائنا من كان، وإنما كان ذلك على وجه آخر، وهو أنه من علم ذلك «١» بينه لهما، وليس عليه أن يكتبه، ولكن يبينه لهما حتى يكتباه أو يكتبه لهما أجير أو متبرع بإملاء من يعلمه، كما لو استفتيناه في صوم أو صلاة تطوعا أو فرضا، فعليه بيان الشريعة في ذلك، فهذا مثله، ولو كانت
стр. 248
الكتابة واجبة، لما صح الاستئجار عليها، لأن الإجارة على فعل الواجبات باطلة، ولم يختلف العلماء في جواز الإجارة على كتب كتاب الوثيقة.
قوله تعالى: (وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ) :
(٢٨٢) :
نهى الكاتب أن يكتب على خلاف العدل الذي أمر الله به، وهذا النهي على الوجوب، إذ المراد به كتبه على خلاف ما توجبه أحكام الشرع، كما لا يصلي النفل بغير طهارة وستر، لا لوجوب النفل، ولكن لأنها إذا أديت فلا يجوز أداؤها إلا بشروطها.
قوله : (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) : عند الحكم بما أقر به على نفسه.
وقوله تعالى: (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) «١» .
فيه دلالة على أن من أقر لغيره بشيء، فالقول فيه قوله، لأن البخس هو النقص، فلما وعظه في ترك البخس، دل على أنه إذا بخس كان قوله مقبولا.
وهو مثل قوله: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ) «٢» ، لما وعظهن في الكتمان، دل على أن المرجع في ذلك إلى قولهن..
ومثله قوله: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) «٣» ، فدل على أنهم متى كتموها، كان القول قولهم فيها.
стр. 249
وكذلك وعظه الذي عليه الحق في تركه البخس، دليل على أن المرجع إلى قوله فيما عليه.
وقال ﷺ : «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» ، فجعل القول قول المدعى عليه دون المدعي، وأوجب عليه اليمين، وهو معنى قوله: (وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) في إيجاب الرجوع إلى قوله:
وقوله تعالى: (فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ) (٢٨٢) :
اعلم أنه تعالى ذكر السفيه في مواضع من كتابه في أمر الدين والدنيا:
فأما في أمر الدين، فمثل قوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها) «١» .
وقال: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) «٢» الآية.
وإنما ذلك في أمر الدين.
وقال في نوع آخر: «٣» (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً) «٤» .
فهذا وإن كان خطاب غير السفهاء، ولكن المراد بقوله: (أَمْوالَكُمُ أي أموالهم، ولذلك قال: (وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ) «٥» .
стр. 250
فعلم به أن المراد بقوله «أموالكم» ، الأموال التي أضيفت إليكم ولاية لا ملكا.
وذلك يدل دلالة ظاهرة، على أن على السفيه في أمواله ولاية، وأن أمر أمواله مفوض إلى وليه، حتى إنه يرزقه منه ويكسوه، فقال:
أموالكم، وأراد به أموالكم من حيث نفاذ التصرف، وأموالهم من حيث الملك.
ومثله قوله تعالى: (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) «١» أي ليقتل بعضكم بعضا.
وقال في موضع آخر (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً) «٢» أي يسلم بعضكم على بعض.
وأصل السفه في الدين والدنيا واحد، وهو الخفة والجهل بموضع الحط «٣» والأمر الذي قصد له، فالسفيه في الدين والسفيه في رأيه هو الجاهل فيه، ومنه قول الشاعر:
نخاف أن تسفه أحلامنا ... ونخمل الدهر مع الخامل
والبذيء اللسان يسمى سفيها، لأنه لا تكاد تتفق البذاءة إلا في جهال الناس وأصحاب العقول الخفيفة.
وجمع الله تعالى بين السفيه والضعيف، والضعيف ها هنا عند المفسرين هو العاجز عن الإملاء، إما بعيّه أو خرسه أو جهله بأداء الكلام.
فليملل وليه «٤» من يقوم مقامه، وليس في ذلك تصريح بأن إقرار الولي عليه مقبول.
стр. 251
وفي هذه الآية دليل ظاهر على أن الحجر ثابت على السفيه، ولا فيه بيان معنى السفه الذي يقتضي الحجر على الحر الثابت شرعا، بل قوله تعالى:
(إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ) ، إلى قوله: (فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً) ، يدل على أن المداينة جرت معه، فإنه قال: إذا تداينتم، ثم قال: فإن لم يستطع بعض المتداينين أن يكتبوا فليكتب الولي بالعدل، وليس الضعف اسما للمحجور عليه، فإنه يتناول الخرف والأخرس والعيي «١» ..
نعم قوله تعالى: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) يدل على ذلك، على ما سنبينه في سورة النساء.
فأما قوله سفيها أو ضعيفا بعد أن ابتدأ الآية، فقد اقتضى أن يكون الذي عليه الحق جائز المداينة والتصرف، فأجاز تصرف هؤلاء كلهم، فلما بلغ إلى حال إملاء الكتاب والإشهاد، ذكر من لا يكمل لذلك، إما لجهل بالشروط أو ضعف عقل، لا يحسن معه الإملاء.
فإن لم يوجد «٢» نقصان عقله حجر عليه، إما لصغره أو لخرف وكبر سن، لأن قوله (ضَعِيفاً) يحتمل الأمرين جميعا.
وذكر معهما من لا يستطيع أن يمل هو لمرض أو لكبر سن، فثقل لسانه عن الإملاء، وإذا كان كذلك فليس على المريض ومن ثقل لسانه
стр. 252
بخرس وليّ، عند أحد من العلماء، مثل ما يثبت على الصبي والسفيه عند من يحجر عليه.
نعم يبقى أن يقال إن قوله: (إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ) ، يقتضي كون المداينة جارية مع السفيه والضعيف وغيرهما.
ولا شك أن السفيه لا يمنعه السفه من الإملاء إذا لم يكن موليا عليه، فإن منعه من الإملاء، فهو الضعيف الذي لا يستطيع أن يمل، فما معنى ذكر السفه ها هنا؟ فيقال: معناه أن السفيه لخفة عقله لا يستطيع الشرائط، إلا أن يشار اليه ويعرف الشرائط فيه.
وبالجملة لفظ السفيه مشترك، يشتمل على معان مختلفة، فيجوز إطلاقه على الصبي والمجنون والكافر وبذيء اللسان والمنافق، وهؤلاء لا يستحقون الحجر.
نعم لما قال الله : (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ) ، عرفنا أن المراد به سفه يتعلق بالمال، وسيأتي بيانه إن شاء الله.. «١»
قوله: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) ، ظن ظانون أن ذلك يتناول الأحرار والعبيد، لأن العبيد من رجالنا وأهل ديننا.
فقيل لهم: قد قال: (إِذا تَدايَنْتُمْ) وساق الخطاب إلى قوله:
(مِنْ رِجالِكُمْ) ، وظاهر الخطاب تناوله للذين يتداينون، والعيد لا يملكون ذلك دون إذن السادة.
ولعلهم يقولون إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم آخرها، وفيه من اختلاف الأصوليين ما لا يخفى.
стр. 253
وأقوى ما قيل في رد شهادة العبيد من دلالة كتاب الله تعالى، أن الله تعالى جعل الشهادة منصبا، وجعل الشاهد قواما بالقسط لإحياء حقوق المسلمين، فقال: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) «١» .
وإنما يبين معنى كونه ناهضا به، إذا دعي إليها وأجاب ووجبت عليه الإجابة، كما قال تعالى: (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) .
ولا يتصور استقلال العبد بهذا المعنى، لكونه ممنوعا من الخروج إلى القاضي، وتصحيح دعوى المدعى، ولأجل ذلك لم يجعل أهلا للولاية في حق أولاده، لأنها تستدعي القيام بالنظر، ولا يتأتى ذلك مع قيام الرق، فلم يثبت له المنصب.
والمرأة في معنى الاستقلال، لما كانت دون الرجل، أثر ذلك في شهادتها وولايتها جميعا، ولكن لا يسلب الأمران عنها.
ولأجل ذلك لم يكن العبد مساويا للحر في الجمعة «٢» حتى لا تنعقد به، فإنها تستدعي أسبابا لا تتهيأ للعبد.
ولأن الشهادة منصب أخذ على الشاهد فيه تخير ضروب من الوقار وحفظ الحرمة، حتى يتخير من الحرف أعلاها وأولاها، ومن الأفعال أرتبها وأحسنها، ولا تخير من العبد أصلا، فإن السيد يصرفه كيف شاء، في دنيات الأعمال وعليتها، فليس يؤهل لمنصب لا يستقل به، ولذلك لم يكن وليا ولا حاكما.
وقد جمع الله تعالى بين درجة الشاهد والحاكم فقال: (كُونُوا)
стр. 254
(قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ «١» شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا) .
فجعل الحاكم شاهدا لله تعالى، ولم يجعل العبد أهلا له، لأن المقصود منه الاستقلال بهذا المهم إذا دعت الحاجة اليه، ولا يتأتى ذلك من العبد أصلا. فكذلك منصب الشهود.
وقد جعل الله تعالى للعبد المملوك نهاية المثل في عدم القدرة فقال:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) «٢» .
وكيف يكون بهذه المثابة من يقدر على تنفيذ قوله في الغير في الدماء والفروج؟ ولم يثبت له قول نافذ في حكم ما، إلا فيما لا طريق اليه إلا من جهته، كالإسلام والطلاق، فإن الحجر عليه فيه يؤذن بامتناع الطلاق رأسا، وفيه مفسدة وارعة «٣» عن النكاح، وكذا الإقرار بالدم عند بعض العلماء، فإنه لا طريق إلى الخلاص عن المظلمة إلا من هذه الجهة.
فأما الشهادة فلا تدعو الضرورة فيها إلى العبيد لقيام الحر بها دونهم، فهذا تمام هذا المعنى.
فأما الشهادة فلا تدعو الضرورة فيها إلى العبيد الحر بها دونهم، فهذا تمام هذا المعنى.
وفيه معنى آخر، وهو أن قبول قول زيد على عمرو، بعيد عن قياس
стр. 255
الأصول، إلا أن الشرع رأى ذلك لمصلحة إحياء الحقوق وخوفا من ضياعها، ولأجل ذلك كانت الشهادة من فروض الكفايات كالجهاد، فإذا لم يكن من أهل الخطاب بالجهاد، ولو حضر وقاتل لم يسهم له، وجب ألا يكون من أهل الخطاب بالشهادة، ومتى شهد لم تقبل شهادته، ولم يكن له حكم الشهود، كما لم يثبت له حكم المجاهد، وإن شهد القتال في استحقاق السهم.
ولما أثر نقص لأنوثة في منصب الولاية، سلب استقلال المرأة بالشهادة، إلا أن يكون معها رجل.
فإثبات استقلال العبيد بالشهادة إيفاء «١» رتبتهم على رتبة النساء، فإن كان كذلك، فلتكن رتبتهم موفية على رتبتهن في الولاية، والأمر بالعكس من ذلك، وذلك يدل على سقوط رتبة الشهادة في حق العبيد.
نعم يقبل خبر العبيد على الانفراد وخبر النسوة كمثل، لأن طريق قبول الخبر شيء، وطريق قبول الشهادة شيء، فليس يتعلق بالخبر دعوى واستحضار لأداء الشهادة، ويتعلق ذلك بالشهادة.
فالذي يروي الخبر، يخبر عما علمه، سواء استشهد أو لم يستشهد، وليس يتعلق قبوله بحاكم ومجلس حكم، وإنما سبيله إخبار عن شيء شاهده إن كان قد شاهده.
وأما الشهادة، فسبيلها سبيل إيجاب حق على ممتنع باستحضار واستدعاء، ولا يتأتى ذلك للعبد على ما بيناه من قبل.
وقد نقل عن علي ﵁ إجازة شهادة الصبيان، وذلك لم يثبت عنه، مع أن قوله (مِنْ رِجالِكُمْ) لا يتناوله.
стр. 256
ولا يقبل خبره أيضا، ولا يلزم بخبره حكم، فإن عدالته غير ثابتة، ولا أنه بالمعاصي يأثم، فلا عبرة بقوله.
وكيف يوثق بقول من يعلم أنه لو كذب فلا يؤاخذ بالكذب «١» ، ولا تبعة عليه في الآخرة؟
ودلت الآية على أن الأعمى من أهل الشهادة فإنه من رجالنا، ولكن إذا علم يقينا، مثل ما روى ابن عباس قال:
سئل النبي ﷺ عن الشهادة فقال: ترى هذه الشمس فاشهد على مثلها أو دع.
وذلك يدل على اشتراط معاينة الشاهد لما يشهد به، لا من يشهد بالاستدلال الذي يجوز أن يخطئ.
نعم يجوز له وطء امرأته إذا عرف صوتها، لأن الإقدام على الوطء جائز بغالب الظن، فلو زفت اليه امرأة وقيل هذه امرأتك، وهو لا يعرفها جاز له وطؤها.
ويحل له قبول هدية جاره بقول الرسول.
ولو أخبر مخبر عن زيد بإقرار أو بيع أو قذف أو غصب، لما جاز له إقامة الشهادة على المخبر عنه، لأن سبيل الشهادة اليقين والمشاهدة، وفي غيرها يجوز استعمال غالب الظن، ولذلك قال الشافعي وابن أبي ليلى وأبو يوسف: إذا علمه قبل العمى جازت له الشهادة بعد العمى، ويكون العمى الحائل بينه وبين المشهود عليه، كالغيبة والموت في المشهود عليه، فهذا مذهب هؤلاء.
стр. 257
والذي يمنع أداء الأعمى فيما يحمل بصيرا لا وجه لقوله على ما يجب بعد أن كان الأعمى مرضيا عدلا.
وتصح شهادته بالنسب الذي يثبت بالخبر المستفيض، كما يخبر عما تواتر حكمه من الرسول ﷺ .
ومن العلماء من قبل شهادة الأعمى فيما طريقة الصوت، لأنه رأى أن الاستدلال بذلك يترقى إلى حد اليقين، ورأى أن اشتباه الأصوات كاشتباه الصور والألوان، وهو ضعيف يلزم منه جواز الاعتماد على الصوت للبصير.
ومقتضى عموم كتاب الله تعالى، تجويز شهادة البدوي على القروي، لأنه قد يكون عدلا مرضيا وهو من رجالنا وأهل ديننا، وكونه بدويا ككونه من أهل بلد آخر.
وفي السلف من لا يجوز ذلك، وهو رواية ابن وهب عن مالك، ومذهب أحمد.
والعمومات في القرآن الدالة على قبول شهادة العدول، تسوي بين القروي والبدوي، مثل قوله: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) «١» .
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ- إلى قوله- مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) (٢٨٢) .
واختلاف الأماكن أيّ أثر له؟
وقد روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية» «٢» .
стр. 258
وليس فيه فرق بين القروي في الحضر أو في السفر، ومتى كان في السفر فلا خلاف في قبوله.
وروى عكرمة عن ابن عباس، أنه شهد أعرابي عند رسول الله ﷺ على رؤية الهلال، فأمر بلالا أن ينادي في الناس فيصوموا غدا «١» .
فقبل شهادة الأعرابي وأمر الناس بالصيام.
وجائز أن يكون خبر أبي هريرة في وقت كان الشرك والنفاق والتساهل في أمر الدين غالبا على أهل البادية، كما قال تعالى:
(وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ) «٢» .
فإنما منع قبول شهادة من هذه صفته من الأعراب.
وقد وصف الله تعالى قوما آخرين من الأعراب فقال:
(وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ) «٣» الآية. فمن كانت هذه صفته فبعيد أن لا تقبل شهادته، مع قبولها على البدوي الآخر المماثل له، وقبولها على القروي في السفر.
قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ) «٤» من رجالكم فإن
стр. 259
(لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ) «١» الآية (٢٨٢) :
اعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن تكون شهادة النساء شهادة ضرورة معدولا بها عن أصل الشهادة، فإنه قال: واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين.
فاقتضى الظاهر عدم القدرة على الرجلين، إلا أنه جوز على خلاف الظاهر للإجماع، وشرط كون الرجل معهن، فلم يجعل لهن رتبة الاستقلال، فدل مجموع ذلك على أن شهادة النساء شرعت في المداينات التي كثر الله تعالى أسباب «٢» توثيقها، لكثرة جهات تحصيلها وعموم البلوى بها وتكررها، فجعل التوثيق:
تارة بالكتابة.
وتارة بالإشهاد.
وتارة بالرهن.
وتارة بالضمان.
فأدخل في جميع ذلك شهادة النساء مع الرجال.
ولا يتوهم عاقل أن قوله: (إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ) يشتمل على دين المهر مع البضع، وعلى الصلح عن دم العمد، فإن تلك الشهادة ليست شهادة على الدين، بل هي شهادة على النكاح، ولو شهد على المهر فيقبل، نعم لا يصير النكاح تبعا للمهر بحال.
نعم، ما ليس بمال إذا كان تبعا للمال، مثل الأجل المذكور في
стр. 260
المداينة، فيقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، لأن الأجل يؤول إلى المآل.
فإن قال قائل: المهر في النكاح تابع للنكاح، ولا يجب إلا معه، فلم يثبت بشهادة النساء، وليس المهر من جملة المداينات المذكورة في الآية؟
قلنا: لأن المهر من حيث كان دينا، سلك به مسلك الديون كلها في أنواع التوثيق، كالرهون والضمان وغيرهما، فألحق بقياس الأموال.
فإن قال قائل: العتق تعددت جهات تحصيله، وكذلك الطلاق، وتزيد جهاتها من الكنايات والصرائح والتعليق والتنجيز على جهات تحصيل الأموال، فلم لم يجعل ذلك ملحقا بالأموال؟
فالجواب: أن الحاجة لا تتكرر إلى توثيق جهات الطلاق مسيس الحاجة إلى الوثائق في المداينات، ولذلك بالغ الشرع في إبانة جهات الوثائق فيها، وقال في الرجعة والطلاق:
(وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) .
قوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) ، يدل على تفويض الأمر إلى اجتهاد الحكام، فربما تفرس في الشاهد غفلة أو ريبة، فيرد شهادته لذلك.
وفيه دليل على جواز استعمال الاجتهاد في الأحكام الشرعية.
ويدل قوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) على أنه لا مبالاة يكونه مسلما «١» فإنه قال: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ) .
стр. 261
فقسم المسلمين إلى مرضيين وغير مرضيين، فلم تقبل شهادة غير مؤمنين.
وليس يعلم كونه مرضيا بمجرد الإسلام، وإنما يعلم بالنظر في أحواله.
ولا يعتبر بظاهر قوله: (أنا مسلم) فربما انطوى على ما يوجب رد شهادته مثل قوله تعالى:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ) إلى قوله: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ) «١» .
وقال: (وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ) «٢» الآية..
فكل ذلك دليل على ما قلناه.
وظاهر قوله: (مِنَ الشُّهَداءِ) يقتضي قبول شهادة الأب لابنه والولد لأبيه، لأن الشاهد مرضي ولو لم يكن مرضيا، وتطرقت التهمة إلى حاله باستيلاء الهوى عليه لامتنعت شهادته مطلقا، ولأمكن أن يقال:
إن الذي يشهد لولده كاذبا، يشهد للأجنبي لعرض يتعجله من مال أو جاه أو غيره، فيشهد التابع لمتبوعه، والمرؤوس لرئيسه، إلى غير ذلك.
غير أنه لا ينظر إلى شيء من ذلك، خاصة إذا شهد لأحد ولديه على الآخر.
стр. 262
إلا أن العلماء أجمعوا على خلاف ذلك، إلا خلاف شاذ لا يعتد به يحكى عن عثمان البتى «١» .
ولعل السبب فيه أن الذي بينه وبين الابن من الاتحاد في الذات، حتى يقال هو بعضه، يقتضي جعل شهادته له في معنى شهادته لنفسه، فإذا كانت فيه شبهة الشهادة لنفسه، كان مدعيا من تلك الجهة، والبينة على المدعي، ولا تسمع شهادته لنفسه فيما هو مدع فيه.
ولا شك أن هذا في غاية الجلاء مع المصير إلى تمييز أملاكهما التي هي محل الشهادة.
ويجب على الابن الحد بوطء جارية أبيه، ولا يجعل الاتحاد بينهما شبهة في الحد، فكذلك لا يجعل شبهة في شهادته وإلحاقها بالدعوى..
نعم ظن أبو حنيفة أن شهادة الزوج لزوجته لا تقبل، لتواصل منافع الأملاك بينهما، وهي محل الشهادة، والذي يخالفه يقول:
ولكن ذلك التواصل يعرض للزوال، فليس كتواصل الولادة، فإذا ظهر التفاوت من وجه.
والأصل قبول الشهادة إلا حيث خص، فما عدا المخصوص يبقى على الأصل.
وزاد أبو حنيفة على هذا وقال:
كل شهادة ردت للتهمة فإنها لا تقبل أبدا، مثل شهادة الفاسق، إذا ردت لفسقه ثم تاب وأصلح، ومثل شهادة أحد الزوجين للآخر إذا ردت، ثم شهد بها بعد زوال الزوجية.
стр. 263
فجعل العلة مجرد التهمة في الذي تقدم من الشهادة، وزاد عليه فقال:
لا تقبل شهادة الأجير للمستأجر، وقبل شهادة من له الدين لمن عليه الدين، فلم ير الزوجية لعينها مانعة قبول الشهادة حتى إذا زالت قبلت، وقال: لو شهد العبد فردت شهادته ثم عتق فأعاد قبلت، وكذا الصبي، لأن زوال الرق معلوم حقيقة، وزوال التهمة غير معلوم حقيقة، وزوال الزوجية معلوم حقيقة، غير أن الرد لم يكن لها وإنما كان للتهمة، ولا يعلم زوالها حقيقة، فجعلوا التهمة مانعة.
ولا شك أن التهمة في الشهادات كلها خاصة، هي تهمة المعصية، وتهمة المعصية شبهة في الحدود، فهلا ردت شهادته في الحدود مثلا.
فعلم أن سبب رد الشهادة للولد ليس هو تهمة الكذب، ولكن ما بينهما من الاتحاد، مع خروج شهادته عن كونها شهادة لنفسه، حتى لا يكون من وجه مدعيا، وهذا المعنى بعيد عن التهمة، فلم يقتض رد شهادة أخرى، أو بحال ذلك على الإجماع ولا يقيد بخلاف البتى ولا يصح النقم فيه، فهذا تمام البيان في ذلك.
والحوالة على التعبد أولى لضعف المعنى، لولا أن الشافعي رد شهادة العدو على العدو مع العدالة، وقبل شهادته في حادثة أخرى، وإن كانت تسفط بالتهمة.
ويمكن أن يقال: إن رد شهادة العدو على تعبد ثبت بخبر ورد فيه، فإن المعنى كيفما قدر ضعيف جدا.
وحاصل القول أن العدالة، وقلة الغفلة، هي من شرائط الشهادات وقد انتظمها قوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ) - مع قلة حروفه وبلاغة لفظه ووجازته واختصاره وظهور فوائده، وجميع ما
стр. 264
ذكرناه من المعاني التي استنبطها السلف من مضمونه وتحريهم موافقته مع احتماله لجميع ذلك، يدل على أنه كلام الله تعالى ومن عنده، إذ ليس في وسع البشر إيراد لفظ على هذه الوجازة يتضمن هذه المعاني البديعة.
قوله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) .
يدل على أنه لا يجوز لأحد أن يشهد على الآخر، وإن رأى الخط، إلا أن يكون ذاكرا لما يشهد به.
ثم قال: (ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا) ، فدل ذلك على أن الكتاب إنما أمر به ليتذكر به كيفية الشهادة، وأنها لا تقام إلا بعد حفظها وإتقانها.
وفيه الدلالة على أن الشاهد إذا قال لا أذكر، ثم تذكر، يجوز له إقامة الشهادة «١» .
ثم إن الله تعالى إنما ذكر في المداينات الحجج التي تستقل بإثبات المداينات، ولم يتعرض لما سواها، وقد ظن ظانون من أصحاب أبي حنيفة، أن إسقاط العدد المذكور في القرآن لا يجوز، وأن الذي جعله الشرع سببا لا يجوز تغييره والنقصان منه، ولا يحط منه وصف الرضا وهو العدالة، ولا الوصف الآخر وهو العدد، ثم قال:
(ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا) .
стр. 265
وأبان أن ذلك أدنى ما يتعلق به مقصود الشرع، وأن القدر المقصود من الاحتياط والحجة المعتبرة هذا المذكور في القرآن، وذلك ينفي إيجاب الحكم بالشاهد واليمين، فإن اليمين دون الشهادة لا محالة، وقد أبان الله تعالى أن أدنى درجات الاحتياط هو المذكور، فلا يثبت بما دونه، وهذا حسن بين.
والذي يقبل الشاهد واليمين يقول:
معنى قوله تعالى: (وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا) في الشهادة وحدها، لا فيها وفي غيرها، والشاهد واليمين جنسان مختلفان لا تعرض لهما في القرآن.
ويقول أصحاب الشافعي في قول: إن الحكم باليمين، غير أن الشاهد يقوى جانبه، ويصير هو بمثابة المدعى عليه الذي ظهر جانبه باليد، فعلى هذا لا يستقيم التعلق بالقرآن في تحقيق غرضهم..
قوله تعالى: (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) .
روي عن جماعة من المفسرين «١» أن المراد به: إذا دعوا لإقامتها.
وعن قتادة: إذا دعوا إلى إثبات الشهادة في الكتاب، فأما عند الإثبات فلا يجب على الشهود الحضور عند المتعاقدين، وإنما على المتداينين أن يحضرا عند الشهود، فإذا حضراهم وسألاهم إثبات شهادتهم في الكتاب، فهذه الحال هي التي يجوز أن تراد بقوله: (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) لإثبات الشهادة، فأما إن ثبتت بشهادتهم، ثم دعوا لإقامتها عند الحاكم، فهذا الدعاء هو لحضورهما عند الحاكم، ولا يحضر الحاكم
стр. 266
عند الشاهدين، ليشهدا عنده وإنما على الشهود الحضور عند الحاكم.
فالدعاء الأول إنما هو لإثبات الشهادة في الكتاب، والدعاء الثاني لحضورهم عند الحاكم وإقامة الشهادة عنده.
واللفظ يحتمل الأمرين جميعا، ولا معنى لاختلاف المفسرين في معناه، إذا كان اللفظ يدل عليهما من طريق العموم.
وقوله: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) ، يجوز أن يكون متناولا للأمرين جميعا، وإن كان قوله: (أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى) ، يرجع جانب التحمل، ولكن ذكر بعض ما يتناوله اللفظ لا يمنع التعلق بعمومه فيما أمكن تعميمه فيه، على رأي أكثر الأصوليين، وإن خالفهم قوم في ذلك وادعوا التوقف، وليس ذلك بالبعيد عندنا على ما شرحناه في الأصول، مع أن اسم الشهداء لا يكون حقيقة، إلا في حالة إقامة الشهادة عند الحاكم، وإن كان ينطلق على غيره بطريق المجاز مثل قوله:
(وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) .
فسماهم شهيدين وأمرنا باستشهادهما قبل أن يشهدا. وهو بمثابة قوله:
(فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) (٢٣٠) .
فسماه زوجا قبل أن يتزوج.
وقوله: (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا، الآية) ، يدل على أن إقامة الشهادة تجب حيث لا يجد المستشهد غيره، وهو فرض على الكفاية، كالجهاد والصلاة على الجنائز وغسل الموتى ودفنهم، متى قام به قوم سقط عن الباقين.
стр. 267
ومعنى الفرض على الكفاية، أنه لا يجوز للكل الامتناع منه لما فيه من إبطال الوثائق وضياع الحقوق، ولا يتعين فرضه على كل أحد، فإنه لا خلاف أنه ليس على كل أحد من الناس تحملها، هذا أصل في فروض الكفايات الواجبة على الكافة، إلا أنهم إذا أدى بعضهم سقط عن الباقين، فإذا لم يكن في الكتاب إلا شاهدان، فقد تعين الفرض عليهما متى دعيا لإقامتهما بقوله: (وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) .
وقال تعالى: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ) (٢٨٣) .
وقال تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ) «١» .
وقال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) «٢» .
وإذا كان عنهما مندوحة بإقامة غيرهما فقد سقط الفرض عنهما «٣» لما وصفناه.
قوله تعالى: (وَلا تَسْئَمُوا «٤» أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ) يعني القليل الذي يعتاد تأجيله، ومعلوم أنه لم يرد به القيراط والدانق، إذ لا يعتاد المداينة بمثله إلى أجل.
وقوله (إِلى أَجَلِهِ) يعني إلى محل أجله، فيدل ذلك على أنه يكتب الأجل في الكتاب ومحله، كما يكتب أصل الدين.
стр. 268
ويستدل به على أنه يكتب صفة الدين ونقده وجودته ومقداره، لأن الأجل بعض أوصافه، فحكم سائر أوصافه بمنزلته..
قوله تعالى: (ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ) .
فيه بيان الغرض الذي لأجله أمر بالكتاب واستشهاد الشهود، والوثيقة والاحتياط للمتداينين عند الحاجة ورفع الخلاف، وبين الغرض الذي لأجله أمر بالكتاب، وأخبر بأن ذلك أنفى للريب، وأبقى للحق، وأدعى إلى رفع النزاع، وأنه إذا لم يكتب فيرتاب الشاهد، فلا ينفك بعد ذلك من أن يقيمها على ما فيها من الاختلاط والاحتياط، غير مراع شرائط الاحتياط، فيقدم على محظور أو يتركها فلا يقيمها «١» فيضيع حق الطالب.
ويستدل بذلك على أن الشهادة لا تصح إلا مع القطع واليقين، وأنه لا يجوز إقامتها إذا لم يذكرها وإن عرف خطه، لأن الله تعالى أخبر أن الكتاب مأمور به لئلا يرتاب بالشهادة.
ويستدل به أيضا على أن هذا الاستشهاد والكتاب، إذا كان الاحتياط في المداينات فهي للاحتياط للنكاح، حتى لا يستشهد بمن ليس بمرضي من فاسق، ومجلود في قذف، وكافر وعبد، خلافا لمن زعم أن تلك الشهادة ليست للاحتياط، ومعلوم أن الشهادة في موضع الندب، إذا كانت للاحتياط، ففي موضع الوجوب أولى أن تكون للاحتياط..
قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ) (٢٨٢) ، فرخص في ترك الكتاب في التجارة الحاضرة رفعا للحرج.
ودل ظاهر قوله: (وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) ، على أن الشهادة عامة في التجارات كلها.
стр. 269
وقد نسخ ذلك بقوله: «فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) (٢٨٣) ، وقد بينا ذلك فيما سلف.
قوله تعالى: (وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) .
قال ابن عباس: معناه أن يجيء الرجل إلى الكاتب فيقول: إني على حاجة، فيقول له: إنك قد أمرت أن تجيب، فلا يضار بمثل هذا القول.
وقال الحسن: (وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) أي لا يكتب ما لم يؤمر به ويزيد في الشهادة.
وقرأ الحسن وقتادة وعطاء: (.. لا يُضَارَّ) بكسر الراء..
وقرأ ابن مسعود ومجاهد: (لا يُضَارَّ) بفتح الراء، فكانت إحدى الروايتين نهيا لصاحب الحق عن مضارة «١» صاحب الحق، وكلاهما مستعمل، ومن مضارة الشاهد القاعد عن الشهادة إذا لم يكن سواه، فكذلك على الكاتب إذا لم يجد غيره.. «٢»
قوله تعالى في التجارة: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها) وفرقة بينها وبين المؤجل يوهم بظاهره، أن عليهم كتب الدين المؤجل والإشهاد فيه وأن الجناح يلحقهم إذا لم يكتبوها، ويبعد أن يقال في ترك المندوب إن عليه جناحا، ففي التجارة الحاضرة إن كان ترك الشهادة
стр. 270
دليلا على كون الشهادة مندوبا إليها، فتارك المندوب لا جناح عليه.
وقوله: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها) (٢٨٢) يدل على أن في غيرها عليهم جناحا.
ويقال في الجواب عن هذا: الجناح يطلق على الضرورة، فكأنه تعالى قال: لا ضرر عليهم في حياطة الأموال، لأن كل واحد تسلم ما استحق عليه بإزاء تسليم الآخر، ومتى لحقه ضرر وأفضى الأمر إلى منازعة ومشاجرة، فربما تداعى إلى الإثم واللجاج، فأراد بقوله: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها) ، أي ليس عليكم ذلك أيضا..
قوله تعالى: (وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ) «١» (٢٨٢) .
عطفا على ذكر المضارة، يدل على أن مضارة الطالب الكاتب والشهيد، ومضارتهما له فسق، بقصد كل واحد منهم إلى مضارة صاحبه بعد نهيه عنها.
قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ) (٢٨٣) :
استدل به مجاهد على أن الرهن لا يكون إلا في السفر.
وأما كافة العلماء فجوزوه في الحضر والسفر، لأنه صح أن رسول الله ﷺ رهن درعا عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيرا لأهله، غير أن ذكر السفر بناء على غالب الأحوال، في عدم وجود الكاتب والشهيد فيها، فينوب الرهن منا بهما، لا أن الرهن مفيد فائدة الشهادة والكتاب
стр. 271
من كل وجه، فإن الذي يختص بالرهن، إعداد المرهون لاستيفاء الحق منه عند ضيق الطالب، فهو وثيقة لجانب الاستيفاء «١» بإبانة محل الاستيفاء، كالضمان فإنه وثيقة بتحديد محل الاستيفاء عند عسر استيفائه من المضمون عنه، إلا أن خاصية الرهن إنما تظهر عند ازدحام الغرماء، وخاصة الضمان حاصلة في غير هذه «٢» الحالة.
فإذا تقرر ذلك، فهذا الرهن الذي له خاصية الشهادة عند عدم الشهادة، فإن الرهن إذا كان مقبوضا، لا يتأتى للراهن الامتناع من توفية حق المرتهن، فإنه يأخذ المرهون بحقه.
وإن ادعى الراهن على المرتهن الملك في المرهون، فالمرتهن يكفيه في دفع دعواه أن يقول: لا يلزمني تسليم هذا إليك.
وإذا قال ذلك وحلف عليه، بطل عن الراهن في العين «٣» عند المحل، وكان للمرتهن بيعه وأخذ الحق من ثمنه، وهذا كلام ظاهر كما ترى، فصار الرهن مفيدا مثل مقصود الشهادة والكتاب، وإن كان له خاصية يتفرد بها، فلأجل ما فيه من فائدة الشهادة أمر الله فيه بالقبض، وخصه بالسفر، لأنه يغلب فيه عدم الكتاب والشهود.
وقوله: (فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ) ، يدل على اعتبار القبض الذي به
стр. 272
يحصل معنى الوثيقة الحاصلة بالشهادة، فإن المرهون إذا كان في يد الراهن فلا يتأتى فيه معنى الشهادة.
ويتلقى من الآية وجوب الإقباض، وكون القبض شرطا في الرهن لأن معنى الوثيقة ليس يحصل إلا به.
ويمكن أن يستدل به على أن المقصود الأصلي في الرهن توثيق الدين لاستيفاء الحق منه، فإنه خص بالسفر لهذا المقصود لما لا سواه مما يتأتى في السفر والحضر، ومع الشهود وعدم الشهود والكتاب.
وفيه دليل على أنه لا يجوز للراهن استرجاع المرهون من يد المرتهن، لما فيه من بطلان المعنى الذي به يقوم الرهن مقام الشهادة والكتاب، ولأجله جعل بدلا عنهما، وما شرع في الأصل إلا على هذا الوجه. فكان هذا الوجه هو المقصود الأصلي بالرهن.
والذين يخالفون هذا الرأي من أصحاب الشافعي يقولون:
إن المقصود بآية المداينات توثق الحقوق عن الضياع والتقوى من جهة وجوبه لا من جهة الاستيفاء، ولذلك لم يتعرض للضمان، فإن الضمان لا يفيد التوثيق من جهة الوجوب على معنى أن الشهادة إذا لم تكن، ربما يجحد الحق فيذهب وجوبه، وكذا الكتاب والرهن في هذا المعنى يفيد مع الجحود الذي به يفوت وجوب الحق، والضمان لا يفيد شيئا من هذا المعنى، فلا جرم لم يتعرض له ها هنا، وتعرض للرهن الذي يفيد فائدة الشهادة في هذه الجهة، إذا تعذر الوصول إلى الشهادة بالسفر، لأن السفر في الرهن أصل، ولكن بالسفر يحصل العذر في الشهادة والكتاب فشرع الرهن.
وأما خاصية الرهن التي لا توجد في غير الرهن من الوثائق فهي استيفاء الدين من العين، فجاز رهن المتاع نظرا إلى الخاصية، وجاز الانتفاع بالمرهون في مدة الرهن نظرا إليها، فهذا تمام البيان في ذلك.
стр. 273
نعم ها هنا شيء، وهو أنه إذا كان خاصية الرهن استيفاء الحق منه عند مزاحمة الغرماء. فيتخلص بالرهن عن مزاحمتهم، فمن أجل ذلك قال مالك:
إذا كان لرجل على رجل دين، فباع من له «١» الدين ممن عليه الدين شيئا، وجعل الدين عليه رهنا، قال: يجوز على ما رواه ابن القاسم عنه، لأنه يخلص به عن مزاحمة الغرماء فإنه حائز ما عليه.
وقال غيره من العلماء: لا يجوز، لأنه لا يتحقق إقباضه، والقبض شرط لزوم الرهن، ولأنه لا بد من أن يستوفي الحق منه عند المحل، ويكون الاستيفاء من ماليته لا من عينه ولا يتصور ذلك في الدين.
ولأن الدين مملوك ثابت بالإضافة إلى من له الدين «٢» إنما هو ثابت بالإضافة إلى من له الدين.
ولا خلاف عند العلماء أن تعديل المرهون جائز عند الأجنبي.
وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز حتى يقبضه المرتهن، وكأنه رأى ابتداء القبض تعبدا، ورأى التعبد في مباشرته القبض، وهو لعله لا يجوز التوكيل فيه، وهذا بعيد.
ولابن أبي ليلى أن يقول: إنه إذا لم يجز جعل المبيع المحبوس على يدي عدل، لم يخرج عن ضمان البائع، ولم يصح أن يكون العدل وكيلا للمشتري في قبضه، فكذلك يجب أن لا يخرج من قبض الراهن بوضعه على يدي عدل.
стр. 274
وهذا غلط، فإنه إذا صار العدل وكيلا للمشتري في القبض، بطل حق البائع وسقط بالكلية، وخرج من ضمانه، وتم البيع للمشتري، فلا يبقى للبائع علقة، وفي كون العدل وكيلا للمرتهن تحقيق معنى الرهن، فكان العدل قابضا للمرتهن وهو قابض للمشتري، كما كان قابضا للمرتهن، فلا فرق من حيث المعنى بينهما.
نعم البائع إذا وضع المبيع عند عدل بقي محبوسا، ولم يكن العدل وكيل المشتري، لأن في كونه وكيلا له إبطال الحبس، وفي كون العدل وكيلا للمرتهن تحقيق الحبس، فوضح الجواب من هذا الوجه.
واستخرج الشافعي من كون الرهن وثيقة أنه غير مضمون، فإن الوثيقة يزداد بها الدين وكادة، لا أنه يتعرض بها الدين لعرض السقوط، فسقوط الدين بهلاك الوثيقة، يوقع خللا في معنى الوثيقة.
وهم يقولون: وما وقع الخلل في معنى الوثيقة، فإن الدين لا يسقط عند من يخالفه، ولكن كان الرهن وثيقة للاستيفاء، وقد حصل بهلاكه الاستيفاء حتى قالوا:
إذا رهن برأس مال السلم، فتلف قبل التفوق، صار رأس المال مستوفى حتى لا يضر الافتراق، ويجب تسليم المسلم فيه عند المحل، فلم يكن ذلك مخالفا معنى الوثيقة، بل كان محققا معنى الوثيقة.
والشافعي يقول: قد خالف مقصود الوثيقة، فإن الوثيقة ما عقدت له حتى يفوت الحق على هذا الوجه، ولا أن يقدر هذا القبض من غير أن يكون المقبوض ملكا للقابض مقصودا للمرتهن، فقد فات المقصود من هذا الوجه أن يقدر هذا القبض من غير أن يكون المقبوض ملكا للقابض، فصح ما قلناه عن الشافعي.
стр. 275
واستدل الشافعي بما رواه ابن أبي ذؤيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه» .
قال الشافعي: ووصله ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ :
وذكر أبو بكر الرازي أن أبا بكر بن أبي شيبة قال: قوله ﷺ : له غنمه وعليه غرمه، من كلام سعيد بن المسيب.
وروى مالك وابن أبي ذؤيب ويونس عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، أن رسول الله ﷺ قال: لا يغلق.
قال يونس بن يزيد قال ابن شهاب، وكان ابن المسيب يقول:
«الرهن ممن رهنه له غنمه وعليه غرمه» ، فأخبر ابن شهاب أن هذا من قول سعيد بن المسيب لا عن النبي ﷺ .
وقوله: «لا يغلق الرهن» ، ذكر قوم أن معناه: أنهم كانوا يرهنون في الجاهلية ويقولون: إن جئتك بالمال وقت كذا وكذا وإلا فهو لك، فقال النبي ﷺ : لا يغلق الرهن.
تأوله على ذلك مالك وسفيان وطاوس وإبراهيم النخعي، وإلا فيبعد أن يقال: إذا ضاع قد غلق الرهن، ولم يبق الرهن، وإنما يقال: ضاع.
نعم الشافعي يحمل قوله «لا يغلق الرهن» ، أي لا يصير محتبسا بيد المرتهن، معطل المنافع كالمغلوق «١» ، ولكن الراهن ينتفع به فله غنمه وعليه غرمه.
стр. 276
ومعنى الغرم، أنه يلزمه حكم تلفه، فإذا تلف فإنما تلف على الراهن حتى يجب عليه الدين، أو إبدال مرهون آخر إذا كان قد شرط الرهن في العقد.
وهم يقولون على الراهن غرمه، حال بقائه، حتى لا يملك المرتهن بعد الأجل الرهن، وإنما الدين على الراهن كما كان من قبل.
وله غنمه أي زيادته، فإذا زادت قيمته فالزيادة للراهن وإذا نقصت فعلى الراهن تكلف الزيادة إلى تمام الدين.
وزعموا أن ذلك يدل على أن الشرط الذي لا يوافق الرهن إذا ذكر في العقد، لا يفسد العقد بل يفسد الشرط، وهذا الذي ذكروه، وتقدير حكاية لا يدل اللفظ عليها، وقد عرفنا أن تقدير الحكايات لتنزيل الألفاظ عليها لا يجوز، والشافعي يحكم بفساد الرهن باشتراط الملك للمرتهن عند انقضاء الأجل، وأبو حنيفة يخالف في ذلك..
قوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ (٢٨٢) يدل على أنه مؤتمن فيما يورده ويصدره، فيقتضي ذلك قبول قول الراهن إذا اختلف هو والمرتهن في مقدار الدين، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأكثر العلماء.
ومالك يقول: القول قول المرتهن، فيما بينه وبين قيمة الرهن، ولا يصدق على أكثر من ذلك، وكأنه يرى أن الرهن وثمنه شاهد للمرتهن.
وقوله تعالى: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يرد عليه، فإن الذي عليه الحق هو الراهن..
فإن قال قائل: إن الله تعالى جعل الرهن بدلا عن الشهادة، والكتاب والشهادة دالة على صدق المشهود له، والرهن الذي هو بدله قام مقامه،
стр. 277
إلى أن يبلغ قيمته، فإذا بلغ قيمته فلا وثيقة في الزيادة.
فإذا قال الراهن: رهنت بخمسين، والمرتهن يدعي مائة، وقيمة الشيء مائة فصاعدا، كان الرهن شاهدا له، وإذا كان دون ذلك الذي ادعاه صار في الفضل على قدر قيمة الرهن مدعيا وعليه البينة؟
والجواب عنه: أن الرهن لا يدل على أن قيمته يجب أن تكون مقدار الدين، فإنه ربما رهن الشيء بالقليل والكثير، نعم لا ينقص الرهن غالبا عن مقدار الدين، فأما أن يطابقه فلا، وهذا القائل يقول: يصدق المرتهن مع اليمين في مقدار الدين، إلى أن يساوي قيمة الرهن، وليس العرف على ذلك، فربما نقص الدين عن الرهن وهو الغالب، فلا حاصل لقولهم هذا بوجه ما.
قوله تعالى: (وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ إلى قوله: فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ، يدل على أنه لما عزم على أنه لا يؤديها، وترك أداءها باللسان، رجع لمأثم إلى الوجهين جميعا، فقوله: آثِمٌ قَلْبُهُ، مجاز هو آكد من الحقيقة في الدلالة على الوعيد، وهو من بديع البيان ولطيف الإعراب عن المعاني.
واعلم بعد ذلك أن الذي أمر الله تعالى به، من الشهادة والكتاب لمراعاة صلاح ذات البين، ونفي التنازع المؤدي إلى فساد ذات البين.
لئلا يسول له الشيطان الجحود بالباطل، وتجاوز ما حدته الشريعة له، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق، ولأجله حرم الشارع البياعات المجهولة التي تؤدي إلى الاختلاف وفساد ذات البين، وإيقاع التضاغن والتباين، ومثله ما حرمه الله تعالى من الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله:
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.. «١» الآية
стр. 278
فمن تأدب بأدب الله تعالى في أوامره وزواجره، حاز صلاح الدنيا والدين، قال الله تعالى:
وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً، وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً، وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً «١» .
ويمكن أن يستدل بهذه الآيات على وجوب حفظ المال في التصرفات، ولأجله قال تعالى:
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ «٢» الآية..
وقال: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً، إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ «٣» .
وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«لا يحب الله إضاعة المال في غير وجهه» .
فربما حمله اختلال حاله، وكثرة عياله وأثقاله، على اقتحام أمور ذميمة تعود عليه بالوبال وذهاب الدين والدنيا..
قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ (٢٨٤) :
ظن قوم أنها منسوخة بقوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (٢٨٦) .
стр. 279
وقال آخرون: لا يجوز تقدير نسخها لأنه خبر ولا ينسخ الخبر، وهذا بعيد.
فإن قوله: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، يحتمل أن يكون معناه: إن شاء أن يحاسبكم، إذا لم ينسخ، فيكون في قوله يحاسبكم إضمار وتقييد.
وقد قيل لا يجوز أن يكون ناسخه قوله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، فإن ذلك واجب لا يجوز ورود الشرع بخلافه، وهذا على قول من لا يجوز تكليفه ما لا يطاق، على أن قوله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها، يمنع تكليف ما لا يطاق، فإن قوله: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ليس نصا فيما لا يطاق، بل هو في أعمال القلب: مثل الشك، أو النفاق، وكتمان الشهادة، وكتمان الحقوق، وقد قال الله تعالى في موضع آخر:
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ «١» وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا «٢» . الآية..
وقال تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ «٣» - أي شك- نعم ورد عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعلموا به» .
وقد حمله العلماء على ما يلزمه من الأحكام مثل الطلاق، والعتاق،
стр. 280
والبيع، التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به، والذي ذكره في الآية، فيما يؤاخذ العبد به بينه وبين الله تعالى في الآخرة.
قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يمنع تكليف الزمن القيام للصلاة، وربما يؤخذ منه، وإن كان قادرا على الفعل غير أنه يلحقه حرج عظيم، فلا يجب عليه فعله، لأن الله تعالى لم يقل: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، طاقتها، ولكن قال: إِلَّا وُسْعَها «١» .
وأخبر أنه لا يكلف الله أحدا إلا ما اتسعت له قدرته وإمكانه، دون ما تضييق عليه وتعنيت.
وقال الله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ «٢» .
وقال في نعت النبي ﷺ : عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ «٣» ..
قوله تعالى: لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا «٤» يقتضي رفع المؤاخذة بالمنسي.
والمؤاخذة منقسمة إلى مؤاخذة في حكم الآخرة، وهو الإثم والعقاب.
وإلى مؤاخذة في حكم الدنيا، وهو إثبات التبعات والغرامات، والظاهر نفي حكم جميع ذلك.
وقوله ﵇: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» ، يقتضي رفع الخطإ مطلقا ورفع حكمه، فلا جرم قال الشافعي في المنهيات كلها، الفعل المنسي كلا فعل، فإذا تكلم ساهيا، أو سلم ساهيا، أو أتى بالفعل الكثير ساهيا، فلا تبطل صلاته أصلا..
стр. 281
قوله تعالى: (لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) .
استدل به على أن من قتل غيره بمثقل وتخنيق وتغريق، فعليه ضمانه قصاصا أو دية، خلافا لمن جعل ديته على العاقلة، وذلك يخالف الظاهر.
ويدل على أن سقوط القصاص عن الأب، لا يقتضي سقوطه عن شريكه.
ويدل على وجوب الحد على المرأة العاقلة، إذا مكنت مجنونا من نفسها.
قوله تعالى: (وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً «١» كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا) .
يحتج به في نفي الحرج والضيق المنافي ظاهره الحنيفية السهلة السمحة، وهذا بين.
قوله تعالى: (وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا «٢» بِهِ) (٢٨٦) :
يحتمل نفي ما يثقل من التكاليف، نحو قتل النفس الذي كلف بنو إسرائيل.
ويجوز أن يعبر عما يثقل، بأنه لا يطيقه كقولك: ما أطيق الكلام، وما أستطيع أن أرى فلانا، ولا يريد نفي القدرة.
وقال تعالى: (وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً) «٣» :
стр. 282
والمراد بجميع ذلك استثقاله فقط.
ويجوز أن يراد به نفي القدرة رأسا على الفعل والترك جميعا، فهذا تمام ما حضرنا من معاني القرآن في سورة البقرة.
تم الجزء الأول بحمد الله تعالى ويليه الجزء الثاني وأوله سورة آل عمران والله المستعان.
стр. 283
الجزء الثاني
للإمام الفقيه عماد الدّين بن محمد الطّبري المعروف بالكيا الهرّاسي المتوفى سنة ٥٠٤ هجرية الجزء الثاني منشورات محمد علي بيضون لنشر كتب السّنّة والجماعة دار الكتب العلمية بيروت- لبنان
стр. 284
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
стр. 285
سورة آل عمران
قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ) .
فجعل الله آيات الكتاب منقسمة إلى المحكم والمتشابه، وسمى المحكمات أم الكتاب، وذلك يقتضي رد المتشابهات إليها، فإن الأم لا يظهر لها معنى هاهنا، سوى أنها الأصل لما سواها «١» ، ويفهم منها معاني المتشابهات، وذلك يقتضي كون المتشابه محتملا لمعاني مختلفة، يتعرف مراد الله منها بردها إلى المحكمات، وإن كان كثير منها يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منها.
معاني المتشابهات، وذلك يقتضي كون المتشابه محتملا لمعاني مختلفة، يتعرف مراد الله منها بردها إلى المحكمات، وإن كان كثير منها يستدل بالأدلة العقلية على معرفة المراد منها.
ويمكن أن يقال: سميت المحكمات أمّا: لأنها أنفع لعباد الله تعالى، وأفضل من المتشابهات، كما سميت فاتحة الكتاب أم الكتاب، وسميت مكة أم القرى.
ويحتمل أن يقال: سمّي المحكمات أم الكتاب لأنه يلوح معناها،