قضى في بنت، وبنت ابن، وأخت، بأن للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي للأخت، فإذا كان للبنت مع ابنة الابن من التركة الثلثان، فالبنتان أحق بذلك وأقرب، لأنهما أقرب من بنت الابن، وإن أمكن أن يعترض على هذا، فإن الذي لبنت الابن فرض آخر، وليس من ميراث البنت في شيء، وإنما الكلام في أن النصف إذا كان للواحد، فهل يزداد ذلك لسبب وجود بنت أخرى، أو يتقاسمان ذلك النصف، فأما السدس فلا تعلق له بفريضة البنت أصلا، وإنما اتفق أن المبلغين صارا إلى مقدار الثلثين.
وقضى رسول الله ﷺ في تركة سعد بن الربيع، للبنتين الثلثين، وللزوجة الثمن، والباقي لأخته «١» .
وقضى بذلك في ابنتي ثابت بن قيس بن شماس «٢» .
والآية ليست نصا في نفي ما دون الثلثين عما دون الثلاث من البنات، بل محتملة ما ذكرناه «٣» .
وقد قيل: قوله «فوق» صلة وتأكيد، كأنه قال: «فإن كنّ نساء اثنتين» ومثله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) «٤» ، وهذا تأويل بعيد، وما ذكرناه أولا هو الصحيح، ومما دلت الآية عليه أنه لما لم يبين مقدار ميراث البنتين، عرفنا من قوله تعالى في حق الأخ (وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) «٥» ، أن الأخ لما جعل عصبة حائزا للميراث مطلقا، فالابن بذلك أولى.
стр. 352
وجملة القول فيه أن الله تعالى لما بين كيف يقتسم الذكور والإناث، لم يحد ميراثهم بحد، لأنهم يرثون المال مرة جميعه، ومرة ما فضل عن فرض ذوي السهام، ولو حد لهم حدا، لضاربو ذوي السهام إذا ضاق المال عن حمل السهام، ولأزيدوا عليه إذا انفردوا، وتحرجوا عن حكم من يرث بالتعصيب إلى حكم من يرث بالفرض، فهذا بيان معنى التعصيب في ميراث «١» .
قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ «٢» لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ) (١١) :
فظاهره يقتضي أن يكون لكل واحد منهما السدس مع الولد، ذكرا كان أو أنثى، فيقتضي ذلك إلى «٣» إنه إذا كان الولد بنتا فلها النصف، ولا تستحق أكثر من النصف لقوله: (وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) .
فوجب بحكم الظاهر أن يعطي الأب السدس لقوله: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) ، ويبقى السدس يستحقه الأب بحكم التعصيب.
стр. 353
فاجتمع للأب الاستحقاق من جهتين: التعصيب والفرض.
وإن كان الولد ذكرا، فللأبوين السدسان بحكم النص، والباقي للابن لأنه أقرب العصبات من الأب، فخرجت منه مسألة البنت والأبوين، وما ذكره الفرضيون من الجمع للأب بين الفرض والتعصيب.
وقال : (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) ، ولم يذكر نصيب الأب، فاقتضى ظاهر اللفظ أن للأب الثلثين، إذ ليس هناك مستحق غيره، وقد أثبت لهما أولا، فاقتضى ظاهر اللفظ المساواة لو اقتصر على قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ) ، دون تفصيل نصيب الأم، فلما ذكر نصيب الأم «١» ، دل على أن للأب الثلثين، وهو الباقي بحكم العصوبة، وبين الله تعالى ميراث الأم مع الأب، وفرض لغيرها من الورثة عند الانفراد مثل البنت والأخت وغيرهما من أصحاب الفروض، كالزوج والزوجة.
والحكمة فيه: أنه أراد أن يبين حجبها بمن لا يرث في قوله: (وَلِأَبَوَيْهِ) إلى قوله: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) ، فلو ذكر ميراثها؟؟؟ منفردة، لاحتمل أنها لا يحجبها من لا يرث مثل الأخوة مع الأب، فأزال هذا الإشكال، وأفاد هذه الفائدة، حتى لا يتوهم أن الذي لا يرث «٢» بحاجب الأشخاص، كالأخوة الذين يحجبون بالأوصاف مثل القتل والرق والكفر، فهذا بيان هذا المعنى.
ثم قال تعالى: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) ، وقد حجبها
стр. 354
جماهير العلماء بأخوين، وانفرد ابن عباس، فاعتبر في حجبها من الثلث إلى السدس «١» ، ولا شك أن ظاهر قوله: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ) ، يقتضي أن ما دون ذلك وضعت العرب له اسم التثنية، وقد غايرت العرب بين المنزلتين، أعني منزلة التثنية والجمع في ظاهر إطلاق اللفظ.
وليس الكلام في أن معنى الجمع هل يتحقق في الإثنين أم لا، فإن المعنى بذلك أن لفظ الجمع المركب من الجيم والميم والعين حقيقة في الإثنين، فإنه مشتق من الاجتماع والضم، ويتحقق ذلك في الاثنتين تحققه في الثلاثة، وإنما الكلام في لفظ الأخوة هل يظهر إطلاقه على موضع الأخوان؟
ويجوز أن تفترق منازل الجموع في إطلاق ألفاظ، مثل قول القائل عشرة دراهم ومائة درهم، وقد لا تفترق، فيكون التعبير عن الإثنين مثل التعبير عن الثلاثة، من غير أن ترتيب المنازل من التثنية والواحد أن الجمع مثل قولك: قمنا لنفسه وأخرى معه، ولنفسه وآخرين معه من غير فصل.
فإذا تقرر ذلك، فليس في قول القائل إن لفظ الجمع حقيقة في الاثنين أخذا من موضع الاشتقاق وهو الجمع، جواب عن احتجاج ابن عباس بظاهر كتاب الله في إطلاق الأخوة في موضع الأخوين، وهذا بيّن «٢» .
نعم، قد يطلق لفظ الأخوة على الأخوين معدولا به عن الأصل، كما يطلق لفظ الجمع في موضع الواحد، ويعبر عن الواحد بلفظ الاثنين
стр. 355
مثل قوله: (نَحْنُ قَسَمْنا) «١» ، والتعبير عن الواحد بلفظ الاثنين كقوله تعالى: (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ) «٢» وهو يريد الواحد، إلا أن كل ذلك خلاف الأصل والوضع، وليس الكلام فيه.
وليس يبقى بعد النزول عن الظاهر إلا أن يقال: النص وإن ورد في الثلاث، فلا يمتنع الاثنتين به بطريق الاعتبار.
ووجه الاعتبار أن الله تعالى الحق الاثنين بالثلاث فيما يتعلق بميراث الأخوة في استحقاق الثلثين، وفيما يتعلق بميراث البنات، وغاير بين الواحدة والثنتين، فيدل ذلك على أن حكم الاثنتين أقرب إلى الثلاث منه إلى الواحد.
ولابن عباس أن يعترض على هذا الكلام من أوجه:
أن الله تعالى شرط في حجب الأمهات عددا فقال: (إن كان له إخوة) ، وذلك يقتضي التقييد الذي لا يجوز تركه وإلغاؤه، فإذا حصل بالثنين بطل فحوى الكلام في التقييد.
ولو قال للواحد: فإن كان له أربعة إخوة فلأمه السدس، كان الكلام ركيكا، وأن عدد الأربعة لا يتعلق به حكم، فالتقييد بالثلاث مثل ذلك على رأي من لا يجعل لهذا القيد أثرا.
الوجه الثاني: أن الأصل في حق كل مستحق للميراث، أن لا يسقط ولا ينتقض إلا بتوقيف قاطع، والأم مستحقة بقرابتها، فما لم يثبت قاطع في حجبها لا يسقط حقها، فإذا شهد الظاهر للثلاثة وجب الرجوع إلى الأصل، فكان الذي لا يحجب الأم بالاثنتين متعلق بالظاهر، ومتعلق بالأصل في ميراث الأم.
стр. 356
الوجه الثالث: أن مساواة الأخوين للثلاث في حكم من أحكام الميراث، لا يقتضي مساواتهما لهم في كل حكم، فإن الزوجة الواحدة تساوي للعدد في الميراث، والجدة الواحدة تساوي الجدات في نصيب الجدات، وبنت الابن مع البنت الواحدة حكمها حكم الجماعة، فإنه لا يفرق بين بنت الابن الواحدة وبين الجماعة من بنات الابن، وكذلك في الأخوات من الأب مع الأخت من الأب والأم، فليس لذلك قانون مطرد.
وغاية الأمر فيه أن يقال في حق الأخوة والأخوات وما في منزلتهم الأمر كذلك.
وإذا لم يختلف مقدار ميراثهم في الاثنتين والجماعة، لم يختلف مقدار قولهم في الحجب في حق الاثنتين والعدد، وفي حق الزوجان لا يختلف ميراثهن بالواحدة والعدد، إلا أنه لا يظهر حكم ميراثهن في حجب حرمان أو إسقاط، فكأن الشرع يقول لنا، كمال قوة الأخوة في الميراث، يقتضي حجب الأم، الثلث إلى السدس، وكمال قوتهم بكمال حقوقهم في الميراث، وفي ذلك يستوي الاثنان والجماعة.
ولما كانت قوة قرابة أولاد الميت وأولاد أولاده، أو في من قوة قرابة أولاد أب الميت، لا جرم أصل ميراث الأولاد دون كماله كان كافيا في حجب الأم، مثل البنت الواحدة وبنت الابن الواحدة، وإن كان ميراث الثنتين أوفى.
وإنما يظهر أثر ذلك في معنى آخر، وهو أن قوة قرابتي الأولاد «١» إذا لم تكف في حرمان أولاد الابن، فكمال قوة بنات الصلب في الميراث تكفي في إسقاط أولاد الابن.
стр. 357
وكذلك كمال ميراث الأخوات من الأب والأم كاف في إسقاط أولاد الأب فقط، فإذا قلنا لا يقع حجب الأم بالأخت الواحدة، وإنما يقع بكمال قوتهم من الميراث، فذلك يقتضي التسوية بين الاثنين والثلاث، وهذا بيّن ظاهر، وهو نظر دقيق في نصرة قول جماهير العلماء «١» .
ويمكن أن يقال إن العدد الكثير من الصحابة لم يتفقوا على مخالفة الظاهر إلا بتوقيف.
أما هذا المعنى الذي قلناه فدقيق، لبعد اجتماع الجم الغفير على ذلك، وترك الظاهر بسببه، فيظهر تقدير توقيف، وإن لم ينقل، يعلم أنهم به تركوا الظاهر، والعلم عند الله.
فهذا وجه منقول عن كافة الصحابة في مخالفة الظاهر.
الوجه الآخر: ما نقل عن قتادة أنه قال: إنما يحجب الأخوة الأم من غير أن يرثوا مع الأب، لأنه يقوم بنكاحهم، ويلزمه المؤن بسببهم لتحقيق إربهم، فأما الأخوة من الأم، فخارجون عن ذلك ولا يحجبون مع الأب، فخالف به مطلق قوله تعالى: (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) .
وليس لقوله هذا وجه، فإن الذي يلتزم من المؤن ليس يلتزمه عوضا عن الميراث، بل يلتزمه بحكم الأبوة، ولا تعلق لذلك بالميراث، فلو
стр. 358
كان الإبن كافرا، فعلى الأب نفقته أيضا ولا يحجب الأم» .
الوجه الثالث في مخالفة الظاهر: ما نقل عن ابن عباس، أن الأخوة مع الأب لا يحجبون الأم، إلا عن قدر يأخذونه هم، فإذا فرضنا أخوين وأبوين، فللأم السدس، وللأخوين السدس الذي حجبت عنه الأم، والباقي للأب، وذلك خلاف الظاهر، فإنه تعالى قال: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) .
وتقديره: فإن كان له إخوة مع الأب، ويبعد أن يكون للأخوين مع الأب ميراث.
وهو يقول: ليس ذلك ميراثا من الأخ، وإنما الأم قد حجبت بالأخوة، فيرجع إليهم لا إلى الأب، فيقال: فإذا حجبوا بالأب، فليس لهم من الميراث شيء، ولا لها الثلث، فيقول الأب: أنا أسقطهم من الميراث، وهم أسقطوا، فيجعل كأن السدس لم يكن لك، فأنا المستحق لذلك بحكم العصوبة، وهذا في غاية الوضوح، فهذه هي المذاهب المنتزعة من الظاهر.
وصار بعض الناس إلى أن الأخوات لا يحجبن الأم من الثلث إلى السدس، لأن كتاب الله في الأخوة، وليست قوة ميراث الإناث مثل قوة ميراث الذكور حتى تقتضي العبرة الإلحاق.
ومقتضى أقوالهم أن لا يدخلن مع الأخوة في لفظ الأخوة، فإن لفظ
стр. 359
الأخوة بمطلقه لا يتناول الأخوات (مع البنات «١» ) كما أن لفظ البنين لا يتناول البنات، وذلك يقتضي أن لا تحجب الأم بالأخ «٢» والأخت من الثلث إلى السدس، وهو خلاف إجماع المسلمين، وإذا كن مرادات بالآية مع الأخوة، كن مرادات على الانفراد.
ولو كان ذلك لقوة الذكورة، لاستوى الأخ الواحد والعدد، لأن ميراث الأخوة يستوي فيه الواحد والعدد، فهذا تمام المذاهب في الأوجه المنتزعة من الآية.
بقيت ها هنا مسألة واحدة دقيقة، وهي أنه إذا كان في الفريضة زوج وأم، وأخ وأخت لأم، فلا خلاف بين الصحابة أن للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخ وللأخت من الأم الثلث، وقد تمت الفريضة.
أما عامة الصحابة، فلأنهم حجبوا الأم بالأخ والأخت من الثلث إلى السدس، فاستقام لهم ذلك ها هنا.
وأما ابن عباس، فلأنه لا يرى العول، ولو جعل للأم الثلث لعالت المسألة، وهو لا يرى ذلك، وإذا قيل له: فلم كانت الأم بالنقصان أولى من الأخوين؟ لم يجد كلاما ظاهرا عليه.
وفيه دليل ظاهر على ما قاله أهل الإجماع من العلماء، وتخطئة ابن عباس في قوله.
ثم أبان الله تعالى ميراث الزوج والزوجة وحجبها بالولد من الربع إلى الثمن، ومن النصف إلى الربع، وميراثهما على نسبة ميراث العصبات:
стр. 360
(لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، إلا أن ميراث العصبات لا يتعذر، وهذا مقدر، وميراث العصبات يشترك فيه الذكور والإناث، وها هنا لا يتصور الشركة.
إذا عرفنا ذلك، فأعلم أن كل من يحجبه الإبن يحجبه ابن الابن بالإجماع من الزوج والزوجة والإخوة، وذلك إما أن يدل على أن اسم الولد يتناول ابن الابن، أو يتلقى من الإجماع.
وإذا تبين ذلك، فقول الله في ميراث الأزواج والأمهات (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) «١» مطلق، ولكن جمهور العلماء خصوا الحجب بمن يرث، فأما من لا يرث كالكافر والمملوك، فلا يحجب ولا يرث.
وصار ابن مسعود أن من لا يرث من هؤلاء يحجب حجب النقصان، ولا يحجب حجب الحرمان، وذكرنا فرقة بين الحجبين في مسائل الروايا «٢» ، وهو فرق حسن، وصورته أن الأب الكافر لا يحجب عنده ابن نفسه عن ميراث جده. وأنه بمنزلة المعدوم في ذلك، فأعتبر أصحابنا حجب النقصان به، وذكرنا فرقة بينهما.
وكافة العلماء يقولون إن الله تعالى إنما شرع الحجب لأن الذي ينقص من نصيبه يرجع إلى الحاجب في الأغلب، فقوة ميراثه تقتضي ذلك، وأما الكافر فلا يتصور هذا في حقه، فكان كالمعدوم، وسره يرجع إلى أن الوراثة خلافة، إلا أن بعض الخلفاء أولى ببعض، فمن حجب حجب
стр. 361
الحرمان، أخذ نصيب المحروم، ومن حجب حجب النقصان، أخذ نصيبه غالبا، وهذا بيّن.
لما ذكر الله الولد، وأجمع العلماء على أن ابن الإبن مثل الإبن، فعرفنا به أن المعتبر الميراث لا اسم الولد، وإذا تبين ذلك، فلا خلاف في الإبن والبنت وابن الابن وبنت الإبن، أن الميراث بينهم (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) لا بحكم الظاهر، فإن مطلق لفظ أولاده لا يتناول أولاد أولاده، وولد ولده ليس ولده تحقيقا، فإنه لو كان اسم الولد حقيقة فيه بالإضافة إلى الجد، ما كان حقيقة بالإضافة إلى الأب، فإن الجهة الواحدة إذا كان الإسم حقيقة فيها، لم يكن حقيقة في جهة أخرى تغايرها من طريق العموم، وإنما يكون على وجه الاستقراء بذلك الاشتراك، وذلك يقتضي الإجمال عند الإطلاق، وإذ تبين ذلك وعرف، لم يدخل ولد الإبن إلا بطريق الإجماع، فإذا ثبت ذلك، فإذا ترك بنتا وابنة ابن، فللبنت النصف بالتسمية، ولابنة الإبن السدس، وما بقي للعصبة، فاستحقاق ابنة الابن للسدس ليس مأخوذا من التسمية، وإنما أخذ من الإجماع.
فإذا ترك اثنتين وابنة ابن وابن ابن ابن فكمثل.
وقال ابن مسعود: إذا أخذ البنات الثلثين، فليس لبنات الإبن شيء، وإن كان معهن ذكر، وكذلك في الأخوات من الأب ذكر، درجتهن بعد فرض الأخوات من الأب والأم الثلثين، وأنه لو كان بدلهن عم وابن عم، كان لا تأخذ ابنة الابن شيئا، فكذلك مع الولد الذكر.
وأما جماهير العلماء فإنهم يقولون إن بنات الإبن لا يأخذن فرض البنات، وإنما يأخذن بجهة أخرى وهي جهة العصب، وإنما كان يمتنع
стр. 362
ذلك لو أخذن في هذا الوقت بذلك الفرض الذي أخذ به غيرهن من البنات، فأما إذا أخذن بوجه غير ذلك، فليس هو من أولئك في شيء، فيجعل ما بقي من المال بعد الثلثين كأنه جملة مال لا فريضة فيه مسماة لأحد، فيكون للذكر مثل حظ الأنثيين.
ونشأ منه أنا إذا جعلنا هذا المال كأنه لا فريضة فيه لأحد أصلا، فإذا كان في الفريضة بنات ابن وذكر أسفل منهن، فلا بد وأن يعصبهن، فإنه لو لم يعصبهن أخذن بالفرض، ونحن قدرنا المال كأن لا فرض فيه أصلا بحال، فإذا قدرنا ذلك، فلو فضلت العليا من بنات البنين على من هو أسفل منها من بني البنين في الثلث الذي يبقى، لم تكن الفريضة قد مضت.
فإن قيل: كيف جاز أن ترث بنت الابن بسبب ابن الابن، ولولا مكانه لم يرث شيئا؟ قيل: كما أنا إذا فرضنا ابنا وعشر بنات أخذن أكثر من الثلثين، ولو كن منفردات لم يأخذن، فصار لهن بسبب التعصيب أكثر مما لهن عند الانفراد، وربما كان التعصيب سببا للسقوط في بعض المواضع.
فإن قيل: فإذا فرض اثنتين وبنت ابن وأخت فلم لا يجعل الثلث الباقي بعد فرض البنتين لبنت الابن، وتجعل عصبة كما جعلتم الأخت عصبة، فإن بنوة الميت أولى بالميراث من بني أبي الميت، وعندكم أن الباقي بعد فرض البنتين للأخت، ولم لا يجعل لها العصوبة ها هنا على قياس حالها عند الانفراد كما جعل للأخت المعصوبة؟
ووجه الجواب عنه أنا بإعطائنا بنات الصلب الثلثين، قضينا حق الإناث من أولاد الصلب من الميراث، فلو أخذت بنت الإبن لأخذت ببنوة الميت.
стр. 363
فإن قلتم: الذي أخذ به البنات بالفرض، فهلا أثبتم العصوبة ها هنا وهي جهة أخرى؟
فالجواب عنه أن العصوبة إنما تثبت إذا كانت الجهة في الأصل مخالفة لجهة ميراث البنت، فيعدل من الفرض إلى العصوبة لغرض حفظ الجهة، أما إذا كانت الجهة واحدة وقد قضى من الميراث حقها، فلا وجه لإثبات الميراث لها ثابتا بجهة العصوبة.
نعم إذا كان هناك ابن ابن فليس ميراث الذكر من جنس ميراث الإناث، وكذلك لو كانت ابنة وابن ابن، فالباقي لابن الابن، لا بطريق أنه تكملة الثلثين، ولو كان يدل ذلك ابنة ابن، فلها تكملة الثلثين، فيدل ذلك على اختلاف الجهة.
ويدل على ذلك أنا إذا فرضنا أختا لأب وأم وأختا لأب، فلولد الأب السدس تكملة الثلثين، ولو كان أولاد الأب والأم اثنتين، فلا شيء لأولاد الأب إلا أن يكون معهن ذكر يعصب، وهو نظير مسألتنا، سوى أن الأسفل في الدرجة لا يعصب الأخوات للأم لوجه آخر، فهذا تمام البيان في ذلك.
وقال ابن مسعود: في البنت وبنت الإبن وابن الإبن، أن للبنت النصف، والباقي بين الذكر والأنثى على التفاوت، كفرائض أولاد الصلب، إلا أنه قال: ما لم يزد نصيب بنات الابن على السدس، فلا نعطيهن أكثر من السدس، وجعل لهن الأضر من المقاسمة، أو سدس جميع المال.
فلم يعتبر الفرض على حدة هذه الحالة، ولا التعصيب على حدة، لكنه اعتبر القسمة في منع الزيادة على القسمة، فاعتبر المقاسمة في النقصان، وهو بعيد لا وجه له.
стр. 364
وإذا نحن بينا ميراث الأمهات والزوجات والأزواج ومن يحجبهن فيتعلق بما إليه، انتهى الكلام أن الله تعالى قال: (وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) ، فاقتضى ذلك أن للأم الثلث والباقي للأب، إذا لم يكن ثم إخوة ولا أولاد ميت، فعلى هذا قال ابن عباس في زوج وأبوين: إن للأم الثلث الكامل، فيكون ميراثها، زائدا على ميراث الأب.
وكذلك قال في زوجة وأبوين.
وتابعه ابن سيرين في المرأة والأبوين وخالفه في الزوج والأبوين، لئلا يكون تفضيلا للأم على الأب.
واعلم أن الاستدلال بالقرآن في مخالفة ابن عباس ممكن هين، وذلك أن الله تعالى جعل الميراث بين الأبوين أثلاثا، مثل ما بين الإبن والبنت في قوله: (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) ، وجعل بين الأخ والأخت أثلاثا، فإذا سمى للزوج والزوجة ما سمى لهما، وأخذا نصيبهما، كان الباقي بين الإبن والبنتين على ما كان قبل دخولهما، وكذلك بين الأخ والأخت، يجب أن يكون على هذه النسبة، فاعلم أن ذلك إنما يكون إذا كان الابن يأخذ بالعصوبة، فأما إذا كان يأخذ بالفرض فهو والأم سواء، فإنه إذا كان في الفرض أبوان وابن، فللأبوين السدسان والباقي للابن، لأنه لا عصوبة للأب أصلا مع الابن، وإنما يأخذ بالفرض، فكان الذكر والأنثى في هذا المعنى سواء كأولاد الأم.
وهذا يرد عليه الزوج والزوجة، لأنه جعل بينهما على نسبة التفاوت، مع أنهما يأخذان بالفرض المحض، وعلى أن الأب إذا كان يأخذ بالتعصيب في زوج وأبوين، فالعصب مانع، فلا نظر إلى التفصيل،
стр. 365
وغاية ما يقال فيه أن عصوبة الأب غير متمحضة، بل هي عصوبة مشوبة بجهة الولادة، ولذلك يجمع له بين الفرض والتعصيب، فيجوز أن يكون جهة العصوبة بالابن الذي هو أولى العصبات، وأما تعطيل جهة الولادة فلا، وإذا لم يعطل جهة الولادة حال كونه عصبة، ولم تتمحض عصوبته، تعلق به على كل حال أن لا تفضل الأم على الأب مع تساويهما في الولاية، بل يراعى في حق الأب جهة الولادة وجهة العصوبة جميعا، وذلك يقتضي تفضيله عليها، فهذا منتهى الممكن في نصرة مذهب جماهير العلماء.
ونظر ابن عباس جلي جدا، وينشأ منه أن الجم الغفير إذا خالفوا النظر الجلي فلا يخالفون إلا بالتوقيف.
ويمكن أن يقال في مقابلته: وابن عباس إذ أظهر الخلاف، كان من الواجب أن يحتج عليه بذلك التوقيف، ولم يثبت ذلك، فهو مشكل والعلم عند الله تعالى.
وحاصل نظر الجمهور يرجع إلى أنه إذا وجب أن يبدأ بالزوجة أو الزوج، ويعطي كل واحد منهما نصيبه، فزال الفرض المنصوص لهما بالزوج والزوجة، لأن المنصوص لهما إذا لم يكن زوج ولا زوجة، فإذا أعطيناهما حقهما نظرنا إلى ما يبقى بعد ذلك، فيجعل بمنزلة جملة المال الذي لا فرض فيه لأحد الأبوين، فيقسم بينهما، فيعطي الأم ثلثه، ويعطي الأب ما بقي، لأن النقيصة لما دخلت عليهما من قبل الزوج أو الزوجة، وجب أن تكون داخلة عليهما على قدر حصصهما إذا لم يكن الأب في هذا الموضع بمنزلة العصبة الذين تبدأ بأهل الفرض، ثم يعطون ما بقي لأن أولئك غير مسمين، والأبوان إذا كانا هما الوارثان ففرض كل واحد منهما معلوم، فلما دخل عليهما فرض الزوج والزوجة دخل على كل واحد منهما بقدر حصته.
стр. 366
قوله تعالى: (وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ «١» ) (١٢) :
قرئ: يورث بفتح الراء والتخفيف على ما لم يسم فاعله.
وقرئ: بكسر الراء والتخفيف وقد سمي فاعله.
فمن كسر، نصب كلالة على المفعول به، وجعلها اسما للورثة، وجعل الفاعل للتوريث هو الرجل الميت، وجعل كان يعني وقع وحدث، فلا يحتاج إلى خبر.
ومن قرأ بفتح الراء، نصب كلالة على الحال من الضمير في يورث، وهو ضمير الرجل، وجعل الكلالة اسما للميت، وجعل كان يعني حدث.
ويحتمل أن يجعل كلالة خبرا لكان.
فلم يختلف العلماء في أن الكلالة اسم لمن لا ولد له، واختلفوا في أنه هل هو اسم لمن لا والد له؟ فقال قائلون: هو اسم لمن لا ولد له، فبنوا عليه أن أولاد الأم لا يرثون مع الأب، لأن الكلالة اسم لمن لا ولد له، فأما من له والد، فليس خارجا من الكلالة.
واعلم أن هذا يتصل به مسألة أخرى، وهو أن الله تعالى يقول:
(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ «٢» ) الآية. فجعل للأخوات من الأب والأم الثلثين، وللواحدة النصف، وذلك لا يتصور مع البنت والأب، وسمى الله تعالى ذلك كلالة فقال: (يَسْتَفْتُونَكَ)
стр. 367
(قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) ، فأطلق اسم الكلالة، ولا بد وأن يكون المعنى ها هنا: ليس له ولد ولا والد، فإن المذكور من الميراث لا يتصور إلا عند فقد الوالد والولد، ويدل على أن الكلالة اسم لمن لا والد له ولا ولد.
قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) ، يقتضي أن يكون ذلك الباقي للأب، ثم قال:
(فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) ، فلم يجعل للإخوة ميراثا مع الأب، فخرج الولد من الكلالة والوالد جميعا، لأنه لم يورثهم مع الأب، كما لم يورثهم مع الإبن، والإبنة أيضا ليست بكلالة كالابن، فلا جرم أولاد الأم يسقطن بها، لأنه تعالى شرط في توريث أولاد الأم أن يكون الميت كلالة، أو الوارث كلالة، فإن ترك بنتا أو ابنتين وإخوة وأخوات لأم فالبنت ليست بكلالة، فلا يستحق الأخوات الثلث.
واختلف أهل اللغة في اشتقاق الكلالة:
فمنهم من قال: هو من قوله: كلت الرحم إذا تباعدت، ولحت إذا قربت، يقال هو ابن عمي لحا، أي هو ابن أخي «١» ، وهو ابن عمي كلالة، أي من عشيرتي. قال الشاعر:
ورثتم قناة الملك لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم
يعني ورثتموها بالآباء لا بالإخوة والعمومة.
стр. 368
ويمكن أن يكون مأخوذا من الكلال وهو الإعياء، ومنه قولهم:
مشى حتى كل: أي بعدت المسافة فطال سيره حتى كل. وكلّ البعير إذا طال الطريق حتى أعيا، وكلّ السيف إذا طال الضرب به، وكلت الرحم إذا ضعفت فطال نسبه، فتكون الكلالة من بعد النسب وبعد القرابة.
وقيل: أخذ من الإكليل المحيط بالرأس.
وروي عن عمر في الكلالة بعد النسب وبعد القرابة روايتان مختلفتان، فتارة لا يجعل الوالد كلالة، وتارة كان يجعله كلالة.
وردّ رسول الله ﷺ على عمر لما سأله عن الكلالة إلى آية الصيف «١» .
ولا شك أن عمر لا يخفى عليه معنى الكلالة من جهة اللغة، وذلك يدل على أن معنى الكلالة شرعا غير مفهوم من الإسم لغة، ولذلك لم يجب رسول الله ﷺ عمر عن سؤاله في معنى الكلالة، ووكله إلى استنباطه.
وفي ذلك دليل على جواز تفويض الإجماع إلى آراء المستنبطين، كما فوضها رسول الله ﷺ إلى رأي عمر.
وفيه دلالة على بطلان قول من يقول: لا يجوز استنباط معاني القرآن، فإن رسول الله ﷺ قال: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ «٢» » ،
стр. 369
فإن ذلك إنما قاله رسول الله ﷺ فيمن قال فيه بما سنح في وهمه، وخطر على باله، من غير استدلال عليه بالأصول، وإن من استنبط معناه بحمله على الأصول المحكمة المتفقة فهو ممدوح.
بقيت ها هنا دقيقة أخرى وهي خاتمة النظر، وذلك أن الجد من حيث كان أصل النسب خارج عن الكلالة كالأب والابن، وعليه بنى العلماء سقوط أولاد الأم به، لأن الله تعالى شرط في ميراثهم عدم الولد والوالد، وفقد الأصل والفرع، ولا يتحقق ذلك مع الجد، وموضع اشتقاق الكلالة يقتضيه أيضا.
ولأجل ذلك قلنا إن آية الصيف تدل أيضا على أن الجد خارج، فإن الله تعالى شرط في وراثة الأخت نصف التركة أن تكون كلالة، فلا جرم لا ترث النصف مع الجد ولا الأخ يرثها مع الجد بل يقاسمها، والله تعالى إنما شرط الكلالة في استحقاق النصف فقط وذلك مشروط بعدم الجد.
ويدل عليه أن الكلالة لا تتناول البنت، والأخت ترث مع البنت، إلا أنها لا ترث على الوجه المذكور في آية الصيف وهو النصف، وإنما ترث الباقي من نصيب البنت، فهذا تمام معنى آية الكلالة، وقد وردت في آية الصيف عدة أخبار تركنا ذكرها للاستغناء عنها في فهم معنى الآية.
ومما استنبطه العلماء من آية الكلالة بعد فهم معناها مسألة المشركة «١» ، وقد اختلف فيها أصحاب رسول الله ﷺ ، فروي عن علي إسقاط أولاد الأب والأم، وروي عن زيد التشريك «٢» .
стр. 370
ولا شك أن ظاهر قوله تعالى: (فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) ، يتناول أولاد الأم جملة، وقوله: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) «١» ، يتناولهم من جهة الأب لا من جهة الأم، فتعين الجمع بين الاثنتين، فمتى أمكن التوريث بقرابة الأبوة، وجبت مراعاتها لقوله تعالى: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) «٢» ، معناه يرثها بقرابة الأبوة، وإن لم يكن التوريث بقرابة الأبوة، وجب اتباع ظاهر قوله: (فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ) ، فأخذنا حكم التشريك والتعصيب من الآيتين الواردتين في حق الكلالة، وذلك بيّن نعم إذا فرضنا زوجا وأما، وأخا من أم، وإخوة من أب وأم، فلولد الأم السدس، والسدس الباقي بين أولاد الأب والأم، لأن قوله تعالى: (وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) «٣» ، ينفي التوريث بالفرض ما أمكن التوريث بالعصوبة، فإذا أمكن توريث بالعصوبة، وجب اتباع الآية الأخرى.
ومن يخالف هذا المذهب يقول: إنما جعل الله تعالى الإخوة شركاء في الثلث مبنيا على قوله تعالى: (فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) ، ولا يتصور استحقاق السدس ها هنا، فتقدير الآية: للواحد السدس وللإثنين الثلث، ولا يتصور ذلك في ولد الأب والأم، فعند ذلك يضعف التعليق بالظاهر من حيث الاسم، ويبقى التعليق من حيث المعنى، وهو أنه لما جعلت قرابة الأمومة مورثة، وقد وجدت العلة المورثة في حق الأب والأم، فينجر الكلام عند ذلك إلى طريق المعنى.
стр. 371
وإذا ثبت الاستنباط من الكلام في مسألة المشركة، فالأخت مع البيت عصبة عند جماهير العلماء.
وقيل لابن عباس وابن الزبير: إن عليا وعبد الله وزيدا يجعلون الأخوات مع البنات عصبة، فقال: «أنتم أعلم أم الله؟» ، يقول الله : (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ) ، فجعل لها النصف عند عدم الولد، فكيف تجعلون لها مع الولد النصف؟
وعامة العلماء يرون معنى الآية: إن امرؤ هلك ليس له ولد ذكر، ولذلك قال: (وَهُوَ يَرِثُها) يعني الأخ، ولا شك أن الأخ يرث مع البنت.
ومثله قوله تعالى: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ) ، ومعناه عند الجميع: إن كان له ولد ذكر.
ولا خلاف بين الصدر الأول ومن بعدهم من الفقهاء، أنه لو ترك ابنة وأبوين، أن للبنت النصف وللأبوين السدسان والباقي السدسان والباقي للأب، ولو ترك ابنة وأبا فللبنت النصف وللأب النصف، وقد أخذ في هاتين المسألتين مع الولد أكثر من السدس.
والسر في ذلك أن الذي تأخذه الأخت بعد أصحاب الفرائض، ليس هو النصف الذي كان مفروضا لها، إذا لم يكن ولد، فإن ذلك فرض، وهذا مأخوذ بالتعصيب، لأنها عصبة فتأخذ الباقي، فتارة يكون الباقي نصفا، وتارة أقل من ذلك، وربما ترك الميت ابنتين فصاعدا فتأخذ الأخت ما بقي بعد الثلثين، وربما كان مع الأخت أخواتها، فيأخذون جميع ما يبقى، فعلم به أن الذي تأخذه الأخت في هذا الموضع، إنما تأخذه بمعنى غير المعنى الذي كان فرض لها مع البنت.
стр. 372
فإذا كان المعنى الذي تأخذ به في هذا الموضع غير ذلك المعنى، لم يدخل أحد المعنيين على الآخر، وكان لكل واحد منهما معنى حكم على جهته.
نعم بنت الإبن لا تستحق الباقي بعد بنتي الصلب، لأن الجهة واحدة في البنت وبنت الابن، وأما الجهة فمختلفة ها هنا.
وليس يمكن إسقاط أولاد الإبن «١» ، مع مشابهتهم لأولاد الصلب في تعصيب الأخت وغيره، وإعطاء الأبعد، وليس يمكن الترتيب في الفرض، فدعت الضرورة الى تعصيبهن «٢» ، هذا تمام ما يقال في هذا الباب.
فإن قال قائل: فهلا قلتم لابنة الابن ما يبقى بعد بنتي الصلب؟ وإن بنت الابن في ذلك أولى من ابن ابن العم البعيد، فإنها تدلي ببنوة الميت، وابن العم يدلي ببنوة جد الميت، وشتان ما بينهما، فإن قلتم: لا شيء لها، علم أن ذا الفرض لا يصير عصبة، مخافة صرف المال إلى من هو أبعد منه في القرابة، فكذلك الإلزام في الأخت من الأب مع الأختين للأب والأم، فإنه لا يصرف إليها الباقي بعد الثلثين بحكم العصوبة، تقديما لقرابتها على قرابة ابن ابن العم، وهذا سؤال حسن.
والجواب عنه: أن السبب في ذلك أن الله تعالى شرع فرض البنات جملة واحدة، سواء كن بنات صلبه أو بنات ابنه، فجعل غاية حقهن الثلثين، وجعل غاية حق الأخوات سواء كن لأم وأب أو لأب الثلثين،
стр. 373
ودل عليه مطلق قوله تعالى: (لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ) إلى قوله: (فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ) «١» الآية، فوقعت الفريضة لهم جملة، لأنهم جميعا ولد الميت أو ولد أبى الميت، فإذا كان ذلك كمال حقهم من التركة، يقع الكلام منهم بعضهم مع بعض في البداية ببعضهم على بعض، فإذا استوفى الأخوات للأب وللأم حصصهم، كان الباقي للعصبة لأنهم يقولون لأولاد الأب: سواء علينا كنتم لأب وأم، أم كنتم لأب وقد استوفى فرض الأخوات، فليس لكن بعده شيء؟ وإن كان هناك أخ لأب سقط كلام العصبة، لأن الإخوة يقولون: أنتم لا حق لكم مع أخ لاب بوجه، فإنه ذكر عصبة لا يأخذ ما يأخذه بفرض الإناث.
السؤال: على هذا من أوجه:
أحدها: أنه إن صار نصيب الأخوات من الأب مستوفى في فريضة الأخوات للأب والأم وليس يبقى بعد ذلك لهن حق في الميراث، فلم تأخذ الأخت للأب مع أخيها «٢» ، وهلا قال لها الأخ: قد صارت حصتك مستوفاة في ميراث الأخت للأب والأم، فلا حق لك أصلا بوجه من الوجوه، فلا جرم صار ابن مسعود إلى أن الباقي للأخ دون الأخت.
وأبى ذلك غيره حتى قال زيد بن ثابت: هذا من قضاء أهل الجاهلية.
أي إنهم كانوا يورثون الذكور دون الإناث.
إلا أن ابن مسعود يقول: أنا أورث الإناث، ولكن نصيبهم مستوفى في ميراث أولاد الأب والأم، فهذا تمام هذا القول في الاعتراض.
الوجه الثاني في الاعتراض، أن قول القائل إن ميراث أولاد الأب
стр. 374
صار مستوفى لا وجه له، فإن حقهم لا يصير مستوفى لغيرهم، وكل من يحجب شخصا، لا يقال صار ميراثه مستوفى للحاجب، بل يقال:
لا ميراث للمحجوب مع الحاجب، فإذا تقرر ذلك فالثلثان لأولاد الأب والأم وبنات الابن معهن، ويبقى النظر بعد ذلك في أنهم حجبوا بمن فوقهم، فلم يحرمون من دونهم مثل مسألتنا سواء؟
الوجه الثالث: أنه لو جاز أن يقال هذا، جاز أن يقال: إن ميراث أولاد الأب شبيه بميراث أولاد الميت في الثلثين والنصف، وتعصيب الأخ للأخت، فيمكن أن يقال من أجل ذلك إنه ميراث الولادة، إلا أنه ولادة أب الميت، ولذلك تشابه الميراث، فإذا أخذت البنات الثلثين، صار حق الأولاد مستوفى على أبلغ الوجوه وهو ولادة الميت، وميراث أولاد أبي الميت من جنس ذلك بلا شك، فيصرف الفاضل إلى العصبة.
الجواب عن السؤال الأول: أن الأخت إنما تأخذ مع أخيها بجهة أخرى غير الجهة التي يستحق بها الأخوات الفرض، كما تأخذ بنت الابن مع ابن الابن ما يبقى، وإن وجد بنتا الابن.
فإن قلت: فلم يعصبها أخوها كما يعصب ابن الابن أخته؟ ولعل المعنى فيه أنها تقول نحن استوينا في القرب، وإنما لك فضل بالذكورة، فالمال بيننا على تلك النسبة، إذ يبعد أن يأخذه الأبعد في الدرجة بحكم البنوة، أو من في درجتها وهي لا تأخذ.
أو يقال: إن قوة عصوبة الابن اقتضت فعصبت أخته، وقد بعدت تلك القوة إلى أولاد الأب وإن تقاصرت عنه في بعض الوجوه، فكان التعصيب لهذا المعنى، وإذا ثبت التعصيب اختلفت الجهة، فلم يكن توفية ميراث الأخوات بالفرض مانعا جهة أخرى يستحق بها الميراث، وهذا بيّن.
والجواب عن الفصل الثاني، وهو قولهم إن ميراث أولاد الأب
стр. 375
لا يصير مستوفى، فإنهم محجوبون، وإنما ذلك حق أولاد الأب والأم، فالأمر كذلك على بعض الوجوه، غير أن الذي قلنا إنه ليس لأولاد الأب الإناث أكثر من هذا القدر الصحيح، والذي قالوه ثالثا إنه ليس لأولاد الأب إلا ما يشبه ميراث الأولاد، فهو الكلام الواقع، وما ذكروه من تشابه الميراثين فكمثل، ولكن مع هذا إذا فرضنا بنتا وأختا، لم نقل إن الأخت تأخذ مكملة الثلثين، مثل ما يقال في الأخت من الأب مع الأخت من الأب والأم، وذلك يدل على وجه على افتراق الميراثين.
واعلم أن هذا كله تعلل، والأصل فيه التوقيف، وهو ما روي هزيل ابن شرحبيل أن أبا موسى الأشعري سئل عن رجل ترك ابنته وابنة ابنه وأخته لأبيه وأمه. فقال: لبنته النصف، وما بقي فللأخت من الأب والأم. وقال: ائت ابن مسعود فسيقول مثل ما قلت، فسأل ابن مسعود عن ذلك وأخبره بما قال أبو موسى، فقال ابن مسعود: وكيف أقول ما قال أبو موسى وسمعت رسول الله ﷺ يقول: للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت من الأب والأم «١» .
وروى أبو حسان عن الأسود بن يزيد الكوفي، أن معاذ بن جبل وهو على اليمن ورث مال رجل توفي وترك ابنته وأخته، فجعل للابنة النصف ولأخته النصف، ورسول الله ﷺ حي يومئذ «٢» .
وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود قال: كان ابن الزبير يقول في بنت وأخت: المال للبنت، فقلت له: إن معاذا قضى فينا باليمن للبنت النصف وللأخت النصف الباقي، فقال ابن الزبير، فأنت رسولي إلى ابن
стр. 376
عتبة- وكان قاضيه على الكوفة- مره فليأخذ بذلك، فترك ابن الزبير قوله لما جاءه ما لم يمكن دفعه «١» .
فصل
اعلم أن الله تعالى قال في ميراث الإخوة: (وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ) «٢» ، فجعل الأخ عصبة، ولم يفصل بين الأخ من الأب والأم، والأخ من الأب، وجعل للأخت مطلقا النصف، وللأختين الثلثين، سواء كن من الأب أو من الأب والأم، ولم يفرد قرابة الأمومة، لا في حق الأخ ولا في حق الأخت، ولو انفردت قرابة الأمومة عن قرابة الأبوة، لكان للأخت من الأب والأم الثلثان: النصف بقرابة الأبوة، والسدس بقرابة الأمومة، وذلك كل المال، فإذا ثبت ذلك، علم به اتحاد القرابتين في حقه في استحقاق مقدار المال، ورجعت زيادة قرابة الأمومة إلى تأكيد قرابة الأبوة، حتى تقدم على ولد الأب، وتنزل زيادة قرابة الأمومة، منزلة زيادة درجة العصبات مثل الابن وابن الابن.
فإذا تبين ذلك، فإذا فرضنا ابني عم، أحدهما أخ لأم، لم تتحد قرابة الأمومة ببنوة العم، بل لمن اجتمعت فيه القرابتان، السدس بقرابة الأمومة، والباقي بينه وبين ابن عمه، وقال عمر وابن مسعود: المال للأخ من الأم.
ولم يختلفوا في الأخوين لأم، أحدهما ابن عم، أن لهما الثلث بنسب الأم، وما بقي فلابن العم خاصة.
وفي المسألة الأولى شبهوا بأخوة الأم، وأنها تتحد بأخوة الأب.
стр. 377
وهذا بعيد، فإن الجهة هناك واحدة، واختلفت الجهة فيما نحن فيه، والأصل نفي الاتحاد بين الجهتين وتوفير مقتضى كل علة عليها، إلا ما كان مستثنى في حق الإخوة، والنافي منفي على أصله.
إذا ثبت الحكم في هذه المسائل فقد قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) «١» ، قدم الوصية على الدين في ثلاثة مواضع.
نعم أفاد بقوله: «أو» نفي اعتبار جمع الأمرين، فإنه لو قال:
«من بعد وصية ودين» بالعطف، لا أحتمل أن يقال: يعتبر وجود الأمرين، وإذا قال: «أو دين» ، علم به أن اجتماعهما لا يعتبر، ومثله قوله تعالى: (وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) «٢» ، أي لا تطعهما ولا كل واحد منهما، ومثله قول القائل: جالس الحسن أو ابن سيرين، هو أما بمجالستهما أو مجالسة أحدهما، فإذا قال: جالس الحسن وابن سيرين، احتمل أن يكون قد أمر بمجالستهما مجتمعين ومنفردين.
يبقى أن يقال: إنه تعالى قدم الدين على الوصية.
فيقال: إن المراد به استثناؤهما من جملة الميراث، وهما بالإضافة إلى التركة واحد، فإنهما مقدمان على حق الورثة، وليس يظهر أثر التقديم بالإضافة إلى الورثة، وإنما تتفاوت الوصية والدين في أنفسهما عند قطع النظر عن حق الورثة، وليس في الآية تعرض لذلك، وهذا بين، وكأنه تعالى ذكر الوصية قبل الدين، لأن الوصية أغلب وأكثر من الدين، فإنه قد يموت كثير ولا دين عليه، ولا يموت الإنسان غالبا إلا ويكون
стр. 378
قد أوصى بوصية، ولأن قضاء الدين من التركة كان مشهورا، ولعل الحاجة إلى بيان الوصية كان أكثر وأظهر، وعن علي ﵁ قال:
قضى رسول الله ﷺ بالدين قبل الوصية وأنتم تقرءونها من بعد وصية يوصى بها أو دين «١» .
واعلم أن قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) ، لا يقتضي اختصاص الوصية ببعض المال، كما لا يقتضي ذلك في الدين، إذ ظاهره العموم، إلا أن الخبر الصحيح ورد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه، قال: مرض أبي مرضا شديدا أشفى «٢» منه، فعاده رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا كلاله، أفأتصدق بالثلثين؟ قال: لا. قال: فالشطر؟ قال: لا. قال: فالثلث؟
قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تترك ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون وجوه الناس، وإنك إن تنفق نفقة إلا أجرت فيها، حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك. فقلت: يا رسول الله، أتخلف عن هجرتي؟ قال: لن تخلف بعدي، فتعمل عملا تريد به وجه الله تعالى، إلا تزداد رفعة ودرجة، لعلك أن تخلف فينتفع بك أقوام ويضرّ بك أقوام آخرون، ثم قال: اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم «٣» لكن البائس سعد بن خولة يرثي رسول الله ﷺ أن مات بمكة.
فدل الخبر على أن الزيادة على الثلث غير جائزة، فإن النقصان عن الثلث مستحب.
стр. 379
ودل به على أنه إذا كان قليل الحال وورثته فقراء، فالمستحب أن لا يوصي أصلا.
وفيه دليل على أن الصدقة في المرض وصية غير جائزة إلا من الثلث، لأن سعدا قال: أتصدق بجميع مالي؟ فقال: لا، إلا أن يرده إلى الثلث.
وقول سعد: أتخلف عن هجرتي؟ .. معناه أنه يموت بمكة وهي داره التي هاجر منها إلى المدينة، وقد كان النبي ﷺ نهى المهاجرين عن أن يقيموا بعد النفر أكثر من الثلاث، وهاجر سعد مع النبي ﷺ وتخلف بعده، حتى نفع الله به أقواما وضرّ به آخرين، وفتح الله على يديه بلاد العجم وأزال ملك الأكاسرة.
وإذ قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) ، فيدل ظاهره على أن كل من كان عليه ما يسمى دينا، فلا يأخذ الوارث تركته.
ومساق ذلك أن دين الزكاة يؤخذ من ماله بعد الموت، وكذلك الحج، فإن رسول الله ﷺ سماه دين الله وجعله أحق الديون.
ومن الجهالات قول الرازي إن ذلك دين الله، فلا يفهم من مطلق اسم الدين، فإن الاختلاف في المضاف اليه لا في اسم الدين.
ولو قال قائل دين الآدمي ينطلق عليه اسم الدين لأنه مضاف إلى الآدمي، كان مثل ذلك.
ومطلق قوله «يوصي» ، لا فصل فيه بين الوصية للوارث والأجنبي، إلا أن الأخبار قيدت بالوصية للأجنبي «١» على ما رواه الفقهاء في كتبهم، ودل الإجماع أيضا عليه.
стр. 380
ومطلق قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) ، يقتضى التسوية بين مقدار الثلث وما فوقه، إلا أنه إذا كان هناك وارث معين استثناء رسول الله ﷺ بقوله: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء» الحديث.
فإذا لم يكن وارث معين بقي عند أبي حنيفة على موجب العموم، إلا أن الشافعي ﵁ يقول: قوله: (يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ) ، ما ورد إلا في موضع الوراثة، ولم يرد مطلقا، فكيف يمكن الاستدلال بعمومه، وهذا قاطع في منع الاستدلال بعموم الآية في الوصية، وإذا لم يمكن ذلك، يبقى لنا أن الأصل امتناع إضافة التصرف إلى ما بعد الموت إلا بقدر ما استثنى، وقد شرحنا ذلك في مسائل الخلاف، وإنما مقصودنا بهذا الكتاب البحث عن معاني كتاب الله.
قوله تعالى في مساق الوصية: (غَيْرَ مُضَارٍّ) ، أي غير مضار بالوصية، وذلك بأن يوصي بأكثر من الثلث.
وقوله تعالى: (غَيْرَ مُضَارٍّ) ، يمتنع التعلق بعموم آية الوصية فيما يقع التنازع فيه، فإنه لا يدري أنه من قبيل المضارة أم لا، فيمتنع التعلق بعمومه لمكان الاستثناء المبهم، وهذا بين في منع التعلق بالعموم في الوصية، ومما يتعلق بمعاني الآية أن عموم قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) ، مع ذكر الزوجة والإخوة والأخوات، يدل على ميراث القاتل والرقيق والكافر، غير أن الأخبار الخاصة منعت منه، وإذا صار مضمون الخبر مقدما، فقد قال رسول الله ﷺ :
стр. 381
«لا يتوارث أهل ملتين شتى» «١» .
ولم يختلف الناس في أن الكافر لا يرث المسلم.
نعم، نقل عن معاوية أنه ورث المسلم من قريبه الكافر.
وقيل هو قول معاذ.
وإذا كان قوله ﵊: «لا يتوارث أهل ملتين شتى» قاضيا على عموم الآية في حق الكافر الأصلي والمسلم، قضى عليه في حق المرتد حتى لا يرثه المسلم» «٢» .
وقال ابن شبرمة وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، والأوزاعي في إحدى الروايتين: ما اكتسبه المرتد بعد الردة فهو لورثته المسلمين.
وقال أبو حنيفة: ما اكتسبه المرتد في الردة فهو فيء، وما كان مكتسبا في حال الإسلام، ثم ارتد يرثه ورثته المسلمون إذا قتل على الردة عند أبي حنيفة، ولا يورث عنه ما اكتسبه في الإسلام.
وأما ابن شبرمة وأبو يوسف ومحمد، فلا يفصلون بين الأمرين، ومطلق قوله ﵇:
«لا وراثة بين أهل ملتين شتى» ، يدل على بطلان أقوالهم.
تم انتزاع معاني الفرائض من آيات المواريث.
стр. 382
قوله تعالى: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) »
الآية (١٥) :
الأكثرون على أن الآية منسوخة بما نزل في سورة النور: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) «٢» الآية.
والسبيل الذي جعله تعالى لهن: الرحم والجلد.
وقوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) «٣» ، كانت المرأة إذا زنت حبست في البيت حتى تموت، وكان الرجل إذا زنا أوذي بالتعيير والضرب بالنعال، فنزلت: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) الآية.
واعلم أن الآية إن كانت ناسخة فليس فيها فرق بين الثيب والبكر، وذلك يدل على أنه كان حكما عاما في البكر والثيب.
وورد في الأخبار الصحيحة عن عبادة بن الصامت في هذه الآية:
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) ، قال: كنا عند رسول الله ﷺ فنزل عليه الوحي، فكان إذا نزل عليه الوحي تربّد لونه، وكرب له، وصرفنا أبصارنا عنه فلم ننظر اليه، فلما سرّي عنه قال:
«خذوا عني» .
قال: قلنا: نعم يا رسول الله، قال: قد جعل الله لهن سبيلا:
الثيب بالثيب الرجم، والبكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة «٤» .
стр. 383
وقال الحسن: كان أول حدود النساء كن يحبسن في بيوت لهن حتى نزلت الآية التي في النور: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) «١» .. الآية، قال عبادة:
«كنا عند رسول الله ﷺ » فذكر مثل الحديث الأول.
وروي عن الحسن وعطاء أن المراد بقوله تعالى «فَآذُوهُما» الرجل والمرأة.
وقال السدي: البكر من الرجال والنساء.
وعن مجاهد: أنه أراد الرجلين الزانيين، وأراد بالأول المرأتين الزانيتين.
وذكروا أن الظاهر يدل عليه، فإنه قال تعالى أولا:
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) ، فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة من النساء.
وقال: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) فاقتضى ذلك فاحشة مخصوصة بالرجال، فالأول فاحشة بين النساء، والثاني فاحشة بين الرجال.
فعلى هذا المذكور من سورة النور ليس نسخا للأول من الفاحشتين، إذ لا يتعلق الجلد بها، وفي تعلقه بالفاحشة الثانية اختلاف قول بين العلماء.
ولا شك أن موجب الفاحشة وهو الحبس في البيت، منسوخ كيفما قدر الأمر، فأما الفاحشة الثانية فموجبها الإيذاء، وذلك ثابت الحكم غير منسوخ على قول بعض العلماء، وتأويل السدي أقرب إلى الظاهر، وقول غيره يحتمل، فيمكن أن تكون الآيتان نزلتا معا، فأفردت المرأة بالحبس،
стр. 384
وجمعا جميعا في الأذى، وتكون فائدة إفرادها بالذكر، إفرادها بالحبس إلى أن تموت، وذلك حكم لا يشاركها فيه الرجل، وقرنت المرأة بالرجل في ذكر الأذى لاشتراكهما.
ويجوز أن تكون المرأة من قبل مشاركة الرجل في الأذى، ثم زيد في حدها الإمساك في البيت.
واعلم أن قوله: (يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) ، الظاهر كونه مقدما على قوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) .
فإن قوله: (يَأْتِيانِها) كناية لا بد له من مظهر متقدم مذكور في الخطاب، أو معهود معلوم عند المخاطب، فالظاهر رجوع الكناية إلى ما تقدم ذكره من الفاحشة، فيقتضي ذلك أن يكون حبس المرأة متقدما، ثم تعذر زيادة الأذى على الحبس إن كان المراد بقوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها) الرجل والمرأة، مع أن إضافة الفاحشة إلى المرأة، يبعد إضافتها ثانية إليها، إلا بتقدير أمر جديد، والأذى يشتمل على الحبس وما سواه، وليس فيه دلالة مصرحة بالزيادة ليعتقد مضموما إلى ما تقدم.
والظاهر أن قوله: «واللّذان» كناية عن الرجلين، لا عن الرجل والمرأة، لتقدم بيان فاحشة المرأة.
قيل لهؤلاء وقد قال الله تعالى (ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ) «١» من غير أن يتقدم ذكر المكنى عنه بالهاء.
وقال: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) «٢» فيجوز في قوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) .
стр. 385
فأجابوا: إن المفهوم من ذكر الإنزال: القرآن، ومن قوله على ظهرها من دابة: الأرض، فاكتفى بقرينة الحال عن ذكرها صريحا.
وقال السدي: إن قوله (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ) : في الثيبين، وقوله: (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ) : في البكرين.
وكيفما قدر فلا بد من شيء منسوخ في الآية.
والصحيح أنه نسخ بقوله ﵇: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» الحديث.
ويجب أن يكون قوله: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) نازلا بعد قوله ﵇: «جعل الله لهن سبيلا» ، فإنه لو نزل قبل هذا الخبر، ما كان لقوله ﵇: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» معنى، وذلك يدل على نسخ الكتاب بالسنة.
وعلى هذا إذا نزلت آية النور بعد خبر عبادة، فإنما يكون متضمنا بعض حكم زنا البكر، من غير تعرض لزنا الثيب، ومن غير تعرض لنفي سنة، وذلك في القلب منه شيء.
وكيف ترك الأمر العظيم الأهم من زنا الثيب ورجمه بقول: الزانية والزاني، فيأتي بالألف واللام الدالين على استغراق الجنس، ويقول بعد ذلك: (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) «١» ، وذلك لأجل المبالغة، فيتعرض لمزيد تغليظ عليهم ليس من جنس الحد، ويقول في تمام التغليظ: (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) .
فيظهر من مجموع هذه المبالغة في التغليظ أنه لو كان ثم حد آخر أو في
стр. 386
منه، لكان أولى بأن يتعرض له، فيظهر بذلك الاحتمال الآخر وهو أن قوله: (فَآذُوهُما) ، (وفَأَمْسِكُوهُنَّ) ، لم ينسخه خبر عبادة، وإنما نسخه الذي في النور، فكان ذلك شاملا للبكر والثيب جميعا على وجه واحد، فإن الثيب أكثر من يصدر منهم الزنا، فكيف لا يتعرض لهن.
يبقى أن يقال: فما معنى قوله ﵇: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» والسبيل كان سابقا؟
فيقال: إن ذلك من أخبار الآحاد، فلا يعترض به على هذا الأمر المقطوع به الذي قلناه.
أو يقال: قوله «قد جعل الله لهن سبيلا» ، بيان حكم الله تعالى، وحكم الله تعالى يجوز أن يرد في دفعتين، فإذا ورد ثانيا، كان تتمة السبيل الذي أطلقه كتاب الله تعالى.
وفيه شيء آخر من الإشكال، وذلك أن الله تعالى يقول في الآية الأولى:
(فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) الآية (١٥) .
ويقول في الآية الثانية: (فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) الآية (١٦) .
فإن كان الذي وجب على الرجلين، أو على الرجل والمرأة على اختلاف المعنيين، عين الحبس، فإذا عزر المعزر منه، وجب الإعراض عنه، تاب أو لم يتب بقوله:
стр. 387
(فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) ، فإنه يقتضي عقابا دائما يسقطه التوبة والصلاح والإخلاص، ويكون ذلك الحبس، فيقتضي ذلك أن يكون الإيذاء عبارة عن الحبس أيضا، كما كان في الأولى، إلا أن الله تعالى عبر عنهما بعبارتين مختلفتين.
فهذا تمام ما تيسر تقريره ها هنا، مع ما فيه من الإشكال.
وقد أنكرت الخوارج الرجم، لأجل أن الذي في سورة النور لا يحتمل أن يكون في وقت اختلاف حد البكر والثيب كما قررناه، وإذا كان كذلك فلا بد وأن يكون تمام الحد هو القدر المذكور في سورة النور في حق البكر والثيب جميعا، فإذا كان كذلك، فشرع الرجم نسخ لهذه الآية، ونسخ القرآن بأخبار لا يجوز بوجه.
قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى) .. إلى قوله: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) «١» .
بيان الوقت الذي تقبل فيه التوبة، ليس متعلقا بأحكام التوبة في الدنيا، فأراد أن يبين حكمها في الآخرة.
قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) الآية (١٩) :
ذكر ابن عباس في هذه الآية أنه إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته من ولي نفسها، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فنزلت هذه الآية في ذلك، فكانوا يورثون وارثه المال، وكان من الطاعة منهم أن يلقي أقرب الناس اليه عليها ثوبا فيرث نكاحها، فمات ابن عامر، زوج كبشة بنت عامر، فجاء ابن
стр. 388
عامر من غيرها، فألقى عليها ثوبا فلم يقربها ولم ينفق عليها، فشكت إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى:
(لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) .
وقوله: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ) «١» .
أمر للأزواج بتخلية سبيلها، إذا لم يكن فيها حاجة، فلا يضرّ بها في إمساكها حتى تضجر، فتفتدى ببعض مالها «٢» .
كذا فسره ابن عباس.
وقال الحسن: هو نهي لولي الزوج الميت أن يمنعها من التزويج على ما كان عليه أمر الجاهلية.
وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) .
يحتمل زناها الذي يجوز للرجل من أجله أن يهجرها ويزجرها، ويجوز أن يكون نشوزها، فهذا معنى الآية، وشرحنا أحكام الخلع في سورة البقرة.
وذكر عطاء الخراساني أن الرجل كان إذا أصابت امرأته فاحشة، أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك.
وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) : كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية، ورث
стр. 389
امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد، فكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة امرأته حتى يطلقها، ويشترط عليها ألا تنكح من أراد حتى تفتدى منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك.
قال زيد: وأما قوله: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) ، فإنه كان في الزنا ثلاثة أنحاء وقال:
(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) «١» ، فلم ينته الناس.
ثم نزل: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) إلى قوله:
(أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) .
كانت المرأة الثيب إذا زنت فشهد عليها أربعة، عضلت فلم يتزوجها أحد، فهي التي قال الله :
(لا تَعْضُلُوهُنَّ ... إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) .
قال زيد: ثم نزلت.
(وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) ، فهذين البكرين اللذين لم يتزوجا، فآذوهما أن يعرفا بذنبهما فيقال: يا زان، يا زانية، حتى يرى منهما توبة، حتى نزل السبيل فقال:
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) «٢» ، فهذا للبكرين، فقال زيد: وكان للثيب الرجم.
وفي الذي ذكره زيد جواب عن قول القائل: إن قوله: «فَآذُوهُما»
стр. 390
يجب أن يكون الحبس، فإن التعزير إذا أقيم وجب الإعراض عنه، فإنه قال:
معنى الإيذاء له أن يعرف بالفاحشة تعبيرا فيقال: يا زان، يا زانية، إلى أن يتوبا فيسقط التعيير.
قوله تعالى: (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .
معناه مثل معنى قوله: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) ، وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وأن لا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون مطلقا في القول، لا فظا ولا غليظا، ولا مظهر ميلا إلى غيرها.
قوله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) .
بيان استحباب الإمساك بالمعروف، وإن كان على خلاف هوى النفس.
وفيه دليل على أن الطلاق مكروه.
قوله: (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) الآية (٢١) :
يستدل به من أوجب المهر بالخلوة.
وقال قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) «١» ، يعم المخلو بها وغيرها.
وقوله: (وَقَدْ أَفْضى) ، يدل في حق المخلو بها وغيرها، والإفضاء حمله القراء على الوطء.