← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

منه، لكان أولى بأن يتعرض له، فيظهر بذلك الاحتمال الآخر وهو أن قوله: (فَآذُوهُما) ، (وفَأَمْسِكُوهُنَّ) ، لم ينسخه خبر عبادة، وإنما نسخه الذي في النور، فكان ذلك شاملا للبكر والثيب جميعا على وجه واحد، فإن الثيب أكثر من يصدر منهم الزنا، فكيف لا يتعرض لهن. يبقى أن يقال: فما معنى قوله ﵇: «خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا» والسبيل كان سابقا؟ فيقال: إن ذلك من أخبار الآحاد، فلا يعترض به على هذا الأمر المقطوع به الذي قلناه. أو يقال: قوله «قد جعل الله لهن سبيلا» ، بيان حكم الله تعالى، وحكم الله تعالى يجوز أن يرد في دفعتين، فإذا ورد ثانيا، كان تتمة السبيل الذي أطلقه كتاب الله تعالى. وفيه شيء آخر من الإشكال، وذلك أن الله تعالى يقول في الآية الأولى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) الآية (١٥) . ويقول في الآية الثانية: (فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) الآية (١٦) . فإن كان الذي وجب على الرجلين، أو على الرجل والمرأة على اختلاف المعنيين، عين الحبس، فإذا عزر المعزر منه، وجب الإعراض عنه، تاب أو لم يتب بقوله:

стр. 387

(فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) ، فإنه يقتضي عقابا دائما يسقطه التوبة والصلاح والإخلاص، ويكون ذلك الحبس، فيقتضي ذلك أن يكون الإيذاء عبارة عن الحبس أيضا، كما كان في الأولى، إلا أن الله تعالى عبر عنهما بعبارتين مختلفتين. فهذا تمام ما تيسر تقريره ها هنا، مع ما فيه من الإشكال. وقد أنكرت الخوارج الرجم، لأجل أن الذي في سورة النور لا يحتمل أن يكون في وقت اختلاف حد البكر والثيب كما قررناه، وإذا كان كذلك فلا بد وأن يكون تمام الحد هو القدر المذكور في سورة النور في حق البكر والثيب جميعا، فإذا كان كذلك، فشرع الرجم نسخ لهذه الآية، ونسخ القرآن بأخبار لا يجوز بوجه. قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى) .. إلى قوله: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) «١» . بيان الوقت الذي تقبل فيه التوبة، ليس متعلقا بأحكام التوبة في الدنيا، فأراد أن يبين حكمها في الآخرة. قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) الآية (١٩) : ذكر ابن عباس في هذه الآية أنه إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته من ولي نفسها، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، فنزلت هذه الآية في ذلك، فكانوا يورثون وارثه المال، وكان من الطاعة منهم أن يلقي أقرب الناس اليه عليها ثوبا فيرث نكاحها، فمات ابن عامر، زوج كبشة بنت عامر، فجاء ابن

стр. 388

عامر من غيرها، فألقى عليها ثوبا فلم يقربها ولم ينفق عليها، فشكت إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) . وقوله: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ) «١» . أمر للأزواج بتخلية سبيلها، إذا لم يكن فيها حاجة، فلا يضرّ بها في إمساكها حتى تضجر، فتفتدى ببعض مالها «٢» . كذا فسره ابن عباس. وقال الحسن: هو نهي لولي الزوج الميت أن يمنعها من التزويج على ما كان عليه أمر الجاهلية. وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) . يحتمل زناها الذي يجوز للرجل من أجله أن يهجرها ويزجرها، ويجوز أن يكون نشوزها، فهذا معنى الآية، وشرحنا أحكام الخلع في سورة البقرة. وذكر عطاء الخراساني أن الرجل كان إذا أصابت امرأته فاحشة، أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك. وقال زيد بن أسلم في هذه الآية: (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً) : كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية، ورث

стр. 389

امرأته من يرث ماله، فكان يعضلها حتى يتزوجها أو يزوجها من أراد، فكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة امرأته حتى يطلقها، ويشترط عليها ألا تنكح من أراد حتى تفتدى منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. قال زيد: وأما قوله: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) ، فإنه كان في الزنا ثلاثة أنحاء وقال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) «١» ، فلم ينته الناس. ثم نزل: (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ) إلى قوله: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) . كانت المرأة الثيب إذا زنت فشهد عليها أربعة، عضلت فلم يتزوجها أحد، فهي التي قال الله : (لا تَعْضُلُوهُنَّ ... إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) . قال زيد: ثم نزلت. (وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما) ، فهذين البكرين اللذين لم يتزوجا، فآذوهما أن يعرفا بذنبهما فيقال: يا زان، يا زانية، حتى يرى منهما توبة، حتى نزل السبيل فقال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) «٢» ، فهذا للبكرين، فقال زيد: وكان للثيب الرجم. وفي الذي ذكره زيد جواب عن قول القائل: إن قوله: «فَآذُوهُما»

стр. 390

يجب أن يكون الحبس، فإن التعزير إذا أقيم وجب الإعراض عنه، فإنه قال: معنى الإيذاء له أن يعرف بالفاحشة تعبيرا فيقال: يا زان، يا زانية، إلى أن يتوبا فيسقط التعيير. قوله تعالى: (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) . معناه مثل معنى قوله: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) ، وذلك توفية حقها من المهر والنفقة، وأن لا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون مطلقا في القول، لا فظا ولا غليظا، ولا مظهر ميلا إلى غيرها. قوله تعالى: (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) . بيان استحباب الإمساك بالمعروف، وإن كان على خلاف هوى النفس. وفيه دليل على أن الطلاق مكروه. قوله: (وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ) الآية (٢١) : يستدل به من أوجب المهر بالخلوة. وقال قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) «١» ، يعم المخلو بها وغيرها. وقوله: (وَقَدْ أَفْضى) ، يدل في حق المخلو بها وغيرها، والإفضاء حمله القراء على الوطء.

стр. 391

وقيل: أصله مأخوذ من الفضاء، وهو المكان الذي ليس فيه بناء حاجز عن إدراك ما فيه، فسميت الخلوة إفضاء لزوال المانع من الوطء. ويقال في تقدير ذلك الأصل: أن لا يأخذ شيئا منها بعد أن ملكت، إلا أن الإجماع حصل في حق غير المخلو بها. ويقال في الجواب عنه: بل الأصل أن المعوض متى عاد سليما إليها، فيرد كمال العوض إلى الزوج، إلا فيما استثنى من الوطأة الواحدة، أو الموت، أو بقاء نصف المهر عليها عند الطلاق، والكلام يتقاوم ويخرج عن معنى أحكام القرآن. قوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) الآية (٢٢) : اعلم أن النكاح في أصل اللغة بمعنى الجمع والضم، وهذا المعنى في الوطء أظهر، غير أنه في عرف الشرع للعقد، حتى إذا قال لامرأة أجنبية: إن نكحتك فعبدي حر وامرأتي طالق، تعلق الحنث بالعقد لا بالوطء دون العقد، ولا يجوز عند كثير من الأصوليين، أن يكون اللفظ محمولا على الحقيقة وعلى المجاز جميعا، فيراد المعنيان. فإذا ثبت ذلك، فالّتي عقد الأب عليها، مراد الآية إجماعا، ودل عليه نظيره: (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) الآية (٢٣) . وسيقت الآيات بعدها لتحريم العقد، وقال: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ) . ولا يجوز أن يريد به الوطء دون النكاح، فإن ذلك محرم لا بهذه العلة، بل الزنا محرم على الإطلاق، وإنما يكون قد حرم ما كان تحريمه لأجل نكاح الأب، وهو عقد نكاح الابن، وهذا لا يشك فيه عاقل.

стр. 392

ودل على ذلك أيضا قوله: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) الآية (٢٣) . معناه: دخلتم بهن من نسائكم، ولا يكون ذلك إلا في النكاح «١» . وليس يخفى على عاقل، أن تحريم منكوحة الأب على الابن، ليس للتغليظ على الابن بحرام صدر من الأب، بل هو لتعظيم الأب في منكوحة بمثابة أم لابنه، وامرأة ابنه بمثابة بنت له، فإذا كان ذلك بطريق الكرامة والمحرمية، فلا يقتضي الزنا المجرد ذلك. وذكر الرازي أن الله تعالى غلظ أمر الزنا بإيجاب الرجم تارة، وبإيجاب الجلد أخرى، فمن التغليظ إيجاب التحريم، وذكر هذا المعنى في شرح معنى هذه الآية، وذلك غلط فاحش منه، فإنه لا يتوهم التغليظ على الابن في زنا الأب، مع أن المزنية غير محرمة على الزاني، فهذا تمام هذا المعنى «٢» . ثم إن الرازي قال: زعم الشافعي أن الله تعالى لما أوجب الكفارة على قاتل الخطأ، كان قاتل العمد أولى بذلك، إن كان حكم العمد أعظم من حكم الخطإ، ألا ترى أن الوطء لا يختلف حكمه أن يكون بزنا أو بغير الزنا، فيما يتعلق به من فساد الحج والصوم؟ فكذلك ما نحن فيه. وهذا الذي ذكره غاية الجهل، فإن الشافعي لما «٣» قال ذلك في حكم الكفارة التي محلها القتل، الذي هو محظور غير مستحق، ولذلك لا تجب

стр. 393

في القتل المباح، وأما المحرمية فإنها كرامة ونعمة، وتعلقت في الأصل بالنكاح الصحيح، قال «١» الشافعي: الكفارة في الأصل وجبت لمعنى كرامة في الآدمي، وثبتت في النكاح، وأثبتت في حق الابن بسبب نكاح الأب، إنما أثبتت لمعنى، كان الزنا أولى بذلك المعنى. فالذي ذكره يدل على أنه لم يفهم معنى كلام الشافعي ﵁، ولم يميز بين محل ومحل، ولكل مقام مقال، ولتفهم معاني كتاب الله رجال، وليس هو منهم، وعلى هذا فساد العبادات، فإن فسادها للجنايات على العبادة، والزنا في هذا المعنى مثل الوطء بالنكاح. وقد اعترف بعض من ادعى الإنصاف منه، أن المحرمية لا تثبت بطريق التغليظ، فإن هذا النمط من الكلام باطل، فتكلف في الزنا جهة رأى أنه يقتضي الكرامة من تلك الجهة، وتلك الجهة باطلة قطعا ولسنا لنذكرها. وذكر الشافعي مناظرة بينه وبين مسترشد طلب الحق منه في هذه المسألة، فأوردها الرازي متعجبا منها ومنبها على ضعف كلام الشافعي فيها، ولا شيء أدل على جهل الرازي، وقلة معرفته بمعاني الكلام من سياقته لهذه المناظرة، واعتراضاته عليها، ونحن نبين كلام الشافعي ﵁: اعلم أن كلام الشافعي دل أولا، على أن الله تعالى ما أثبت المحرمية في زوجة الأب كان الوطء أو لم يكن في حق الابن إلا كرامة ونعمة،

стр. 394

ولا يتهيأ لعاقل أن يقول إن الشرع يجعل زوجة الإنسان محرما لابنه حتى يجوز له أن يخلو بها، ويسافر معها، ويراها بمثابة أمه من الرضاعة والنسب بطريق العقوبة، وإذا تقرر ذلك قال الشافعي ﵁: فقال لي قائل: لم قلت: إن الحرام لا يحرم الحلال؟ قلت: قال الله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) . وقال: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) إلى قوله (دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) «١» ، أفلست تجد التنزيل إنما يحرم من سمى بالنكاح أو الدخول في النكاح؟ قال: بلى. قلت: أفيجوز أن يكون الله تعالى حرم بالحلال شيئا، وحرمه بالحرام، والحرام ضد الحلال؟ والنكاح مندوب اليه، مأمور به، وحرم الزنا فقال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) «٢» . فهذا تمهيد الدلالة من إمامنا الشافعي ﵁، وأشار بها إلى أن الشارع حرم زوجة الأب من غير دخول مثلا على الابن، وإذا ثبت ذلك، فإذا أردنا فهم المعنى منه لنلحق به ما سواه، لم يكن فهم معنى التغليظ، وإنما يفهم منه معنى الكرامة، والكرامة إنما تليق بسبب مباح أو مندوب اليه، فلا يتصور فهم معنى الكرامة في إثبات المحرمية، وحليلة الأب والابن وأم المرأة، ثم يقاس عليه الزنا الذي لا يليق به الكرامة، فإنهما ضدان، فلا يتعرف من أحدهما ضد مقتضاه في الآخر بطريق الاعتبار والقياس، وهذا في نظر أهل الأصول والتحقيق من الضروريات، فقال هذا الجاهل- أعني الرازي:-

стр. 395

تلا الشافعي آيتين، وليس فيهما أن «١» التحريم لا يقع بغيرهما، كما لا ينفي الحلال إيجاب التحريم بالوطء، بملك اليمين وبسط القول فيه ومعناه هذا، ولم يعلم هذا الجاهل معنى كلام الشافعي ﵁، فاعترض عليه بما قاله، وعجب الناس من ذلك وقال: في هذه المناظرة أعجوبة لمن تأمل، فكان كما قال القائل: وكم من عائب قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم ويعلم الله تعالى، أن الذي حمله لا يلتبس على من شذا «٢» من التحقيق طرفا، غير أن فرط التعصب يعمي عين البصيرة بالمرة، وظن الجاهل أن الشافعي ﵁، رأى القياس ممتنعا في الضدين مطلقا، وأنه لم ير قياس الشيء على خلافه، وقال: المتضادان قد يجتمعان في وجوه، وكفاه جهلا وخزيا أنه لم يفهم هذا الكلام الذي ذكره الشافعي على وضوحه. ثم كلام الشافعي، قال له: أجد جماعا وجماعا، فلعل السائل ظن أن هذا الكلام الحكيم معلق على صورة الجماع، مثل الغسل وفساد العبادات، فقال الشافعي: هذا جماع لو فعلت حمدت عليه، وذلك لو فعلت رجمت به، فرده إلى المعنى الأول. أي إن العاقل لا يفهم من تحريم زوجة الأب بنفس العقد على تقدير أنها كرامة، ولا من تحريم حليلة الابن مذكورا بلفظ الحليلة مثل تلك

стр. 396

الكرامة، فيما هو محظور محض، سماه الله تعالى مقتا وفاحشة، وقال: (وَساءَ سَبِيلًا) . وقال له السائل: هل توضحه بأكثر من هذا؟ قال: نعم، أفنجعل الحلال الذي هو نعمة، قياسا على الحرام الذي هو نقمة؟ والعجب أن الرازي ذكر هذا وقال: هذا تكرار المعنى الأول، ولم يفهم مقصوده مع هذا الإيضاح، ثم ألزم وطء الحائض، والوطء في النكاح الفاسد، والجارية المجوسية، وأن الوطء في هذه المواضع بمنزلة نفس النكاح، مع أن ذلك مزجور «١» عنه محرم، وهذا لا يخفي وجه الجواب عنه، لما تشتمل عليه هذه الوطئات من معنى الحرمة واقتضائها «٢» للكرامة في أمر النسب والعدة، وتمام الجواب عنه مذكور في مسائل الخلاف، غير أن مقصودنا الآن فهم معنى الآية التي سيقت لبيان مجرد العقد في حق الابن، وصار العقد المجرد مرادا به بالإجماع، كيف يمكن أن يفهم منه الزنا؟ ثم حكى زيادة على ما قلناه للشافعي ﵁، ووجد في كتبه، استشهادات من المسائل بعيدة، وجواب الشافعي عنها، وكذب الجاهل في تلك الزيادات. والمنقول عن الشافعي ﵁ في كتبه، هذا الذي ذكرناه من القواطع الأصولية، التي يتلقاها العقل والشرع بالقبول والاتباع.

стр. 397

والعجب أنه كما لم يفهم كلام الشافعي، لم يفهم كلام السائل أيضا، حيث قال: «أجد جماعا وجماعا» . قال: السائل قصد بذلك أن يتبين أن المعنى إذا لم يتضح فاسد وجه فيه الشبه «١» . فقال: «أجد جماعا وجماعا» والشافعي أبان الفرق بينهما بالمعنى الذي ذكره، فلا هو اهتدى إلى وجه الشبه، ولا إلى وجه الحجة، وإنما كان الذي ناظره محمد بن الحسن «٢» . ثم قال هذا الجاهل بفرط جهله: وسرور الشافعي بمناظرة مثله، يدل على أنهما كانا كالمتقاربين في المناظرة، وإلا فلو كان عنده في معنى المبتدي والغبي العامي، لما أثبت مناظرته إياه في كتابه، ولو كلم به المبتدئون من أصحابنا لما خفى عليهم عوار هذه الحجاج، وضعف السائل والمسئول فيه «٣» . هذا لفظ الرازي نقلته على وجهه من كتابه الذي سماه أحكام القرآن «٤» . والذي ذكره من الوقيعة في إمامنا الشافعي ﵁، يكفيه في الجواب عنه جهله بقدر الشافعي أولا، وجهله بكلامه الذي حكيناه وشرحناه، ولله يوم يخسر فيه المبطلون.

стр. 398

ولو أن المحققين يعلمون أن في إيضاحنا لجهله بمعنى كلام الشافعي أتم انتصار منه، لتجاوزنا ذلك إلى ما سواه. ومما ذكره الشافعي ﵁ أن قال: كيف يتهيأ لعاقل أن يفهم من قوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) أن من قبل امرأة بشهوة، حرم على ابنه التزوج بها تلقيا من قوله: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ) . أترى ذلك من قبيل ما يسمى نكاحا على تقدير عرف الشرع، أو عرف اللغة وموجبها؟ ولو نظر إلى فرجها فكذلك، ولو نظر إلى سائر بدنها فلا، ولو نظرت إلى فرج رجل، حرم على ابنه أن ينكحها تلقيا من قوله (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ) ، أو تلقيا من قوله: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) أو من قوله: (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ) . أليس ترك هذا القول خيرا من نصرته مع ما فيه من المخازي؟ وظاهر مذهب الشافعي ﵁، أن اللمس بشهوة في ملك اليمين وفي النكاح، لا يوجب تحريم ما يتعلق تحريمه بالوطء. قوله: إلّا ما قد سلف: فيه نظر، فإنه قال: (وَلا تَنْكِحُوا) ثم قال: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) . وظاهر ذلك أن الذي سلف كان نكاحا، إلا أن قوله: (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا) يرده فمعنى قوله (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ، أي إلا ما قد سلف فإنكم غير مؤاخذين به.

стр. 399

فعلى هذا قوله: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ، استثناء منقطع كقولهم: «لا تلق إلا ما لقيت، يعني لكن ما لقيت فلا لوم عليك فيه» . وقوله تعالى: (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) . «١» يعني بعد النهي، وإلا فقبل النهي ليس بفاحشة، لا قبل المبعث ولا بعده، فعلى هذا قوله: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ، يعني فإنه يسلم منه بتركه والتوبة منه. نعم، في هذه الآية دلالة ظاهرة للشافعي ﵁، في أن من تزوج امرأة ابنه، ثم وطئها مع العلم بالنهي والتحريم إنه زان، لأنه تعالى قال: (إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا) . كما قال: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا) . فذكر في نكاح امرأة الأب مثل ذلك. فإن قيل: إنه إذا كان عندكم النكاح بمعنى العقد، والعقد لم ينعقد، فليس ثم زنا، فما معنى قوله: (فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا) والفاحشة عندكم ترجع إلى العقد، وليس في ذلك ما يوجب الحد؟ وهذا سؤال القوم. والجواب عنه: أنه لما جعل العقد فاحشة، لم يكن فاحشة لعينه، وإنما كان فاحشة لحكمه ومقصوده، فلولا أن مقصوده أعظم وجوه الفواحش، وليس فيه شبهة، ما جعل الذريعة اليه فاحشة ومقتا، وهذا في غاية الوضوح فاعلمه.

стр. 400

قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) الآية (٢٣) : حرم الله تعالى من النسب سبعا ومن الصهر سبعا ثم قال: (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) «١» . واللفظ ليس حقيقة في أمهات الأمهات، وأمهات الآباء، والأجداد: والتحريم شامل «٢» ، نعم اسم الأمهات ينطلق عليهن عرفا، فلا جرم اكتفى بإطلاق العرف عن ذكرهن. والدليل على أن اسم الأمهات ليس حقيقة في الجدات، أن الصحابة لم يفهموا من ميراث الأبوين ميراث الجدات والأجداد، حتى بينه رسول الله ﷺ ، واستنبطه أهل الإجماع بدقيق النظر، وروى لهم الراوي أن رسول الله ﷺ أطعم الجدة بالسدس، واختلفوا في الجد مع الأخ، ولم يجهلوا معنى الاسم، وكان الإجماع انعقد على تحريم الجدات وهو الأصل. فإذا ثبت ذلك، فقد حرم الله تعالى بعد الأمهات الأخوات، وذكر بنات الأخوات، وبنات الأخ، لأن اسم الأخ لا يتناول ابن الأخ مجازا ولا حقيقة. واعلم أن الله تعالى وضع هذا التحريم على ترتيب عجيب، فحرم أولا أصول الإنسان عليه وفصوله، وفصول أصوله الأولى بلا نهاية، وحرم فصول فصوله بلا نهاية، وحرم أول فصول كل أصل ليس قبله أصل إلى غير نهاية، وهو أولاد الإخوة والأخوات، وحرم أول فصل من كل أصل قبله أصل آخر بينه وبين الناكح، وهو أولاد الجد وأبو

стр. 401

الجد، فإن التحريم مقصور، وابنة الخال، على أول فصل، فابنة العم، وابنة العمة، وابنة الخالة حلال، ثم قال: و (أُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) . فحرم من الرضاع ما حرم من النسب، غير أن في الرضاع لم يذكر بنات الأخ والعمات والخالات من الرضاعة، ودل على ذلك قول الرسول ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» . «١» وقال تعالى: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ) . وقد حرم الله تعالى الأم من الرضاعة، من غير تعرض لما به يحصل الرضاع» من مقدار الرضاع ومدته، فالتعلق بهذه الآية في إثبات التحريم بالرضعة الواحدة تعلق بالعموم، الذي سيق لغرض آخر غير غرض التعميم، إلا أن صيغة العموم وقعت صلة في الكلام زائدة، ليتوصل بها إلى غرض آخر يستنكره في سياقته، للتعريج على ذكر تفصيل ما يتعلق به حرمة الرضاع، وفي مثله يقول الشافعي ﵁. الكلام يجمل في غير مقصوده ويفصل في مقصوده. وفي الأصوليين من يخالف ذلك. وقد شرحنا ذلك في تصانيفنا في الأصول، واليد العليا لمن يذب عن مذهب الشافعي ﵁ في ذلك، وهو منع الاستدلال بهذا الجنس من العموم. وذكر الرازي في هذا المقام، أن أخبار آحاد النصوص لا يجوز أن

стр. 402

يخصص بها هذا العموم، فضلا عن منع التعلق به، وفيما قدمناه ما يبين فساد قوله. واختلف الناس في لبن الفحل، وهو أن يتزوج المرأة فتلد منه ولدا ويدر لها لبنا بعد ولادتها منه، فترضع منه صبيا. فأكثر العلماء على أن لبن هذا الفحل، يحرم هذا الصبي على أولاد الرجل، وإن كانوا من غيرها، ومن لا يعتبر لا يوجب تحريما بينه وبين أولاده من غيرها. فمن قال بلبن الفحل ابن عباس. وقال ابن سيرين: كرهه قوم، ولم ير به قوم بأسا، ومن كرهه كان أفقه. وهو قول القاسم بن محمد، وعليه الفقهاء المعتبرون مثل الشافعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي حنيفة وأصحابه جميعا. وخالف سعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقالوا: لبن الفحل لا يحرم شيئا من قبل الرجل. وقوله تعالى: (وَأُمَّهاتُكُمُ «١» اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) ، يدل على أن الفحل أب، لأن اللبن منسوب اليه، فإنه در بسبب ولده وهذا ضعيف، فإن الولد خلق من ماء الرجل والمرأة جميعا، واللبن من المرأة ولم يخرج من الرجل، وما كان من الرجل إلا وطء هو سبب لنزول الماء منه، وإذا حصل الولد، خلق الله للبن، من غير أن يكون اللبن مضافا إلى

стр. 403

الرجل بوجه ما، ولذلك لم يكن للرجل حق في اللبن، وإنما اللبن لها فلا يمكن أخذ ذلك من القياس على الماء. وقول رسول الله ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، يقتضي التحريم من الرضاع، ولا يظهر وجه نسبة الرضاع إلى الرجل، مثل ظهور نسبة الماء اليه، والرضاع منها، لا جرم الأصل فيه حديث الزهري وهشام ابن عروة عن عروة عن عائشة ﵂، أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة، بعد أن نزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته، فقال: ليلج عليك، فإنه عمك تربت يمينك، وقال: أبو القعيس زوج المرأة التي أرضعت عائشة ﵂.. وهذا أيضا خبر واحد «١» . ويحتمل أن يكون أفلح مع أبي بكر رضيعي لبان، فلذلك قال: «ليلج عليك فإنه عمك» ، وإلا فلم يثبت أنه كان الرضاع قبل التزوج أو بعده، أو كانت امرأة أبي قعيس ولدت منه، فإن قدرت هذه الأمور، فيجوز أن يقدر به ما قال المخالف. وبالجملة، القول فيه مشكل والعلم عند الله تعالى، ولكن العمل عليه والاحتياط في التحريم أولى، مع أن قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) ، يقوي قول المخالف فاعلمه. قوله تعالى: (وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ «٢» وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي «٣» فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) الآية (٢٣) :

стр. 404

اعلم أن السلف اختلفوا في اشتراط الدخول في أمهات النساء. فروي عن عليّ اشتراط ذلك، مثل ما في الربائب، وروي عن جابر مثل ذلك، وهو قول مجاهد وابن الزبير. وأكثر العلماء على خلاف ذلك في الفرق بين الربائب وأمهات النساء. فأما من جمع بينهما يقول: الشرط إذا تعقب جملا رجع على الجميع، كالشرط والاستثناء بالمشيئة، وذلك ما قررناه في الأصول، وأصحاب الشافعي وأبي حنيفة يسلمون الشرط والاستثناء بالمشيئة، ورجوعهما إلى الجميع، فوجب عليهما أن يفرقوا بينهما على كل حال. فكان الفرق أن قوله تعالى: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) ، ثم قال: (مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) ، فنعت الربائب بنعت لا يتقرر ذلك النعت في أمهات النساء، ثم ذكر إضافة، فالظاهر أن الإضافة وهي قوله: (مِنْ نِسائِكُمُ) لصاحبة الصفة، وكانت كالصفة الثانية، فلم يظهر رد النعت الثاني إلى أمهات الثاني، وقبله وصف لا يتصور فيهن، بل الثاني يتبع الأول. ولو قال ظاهرا: «وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن» ، أو هم أن أمهات النساء من النساء، وذلك وصف للربائب، لا وصف أمهات النساء، فتقرير اللفظ بنات نسائكم اللاتي دخلتم بهن. والمخالف يقول: بل تقديره من حيث العطف: «وأمهات نسائكم وبنات نسائكم» وذلك يقتضي الجمع، فكأنه قال: «وأمهاتهن وبناتهن» ، فانصرف الثاني إلى ما انصرف الأول اليه،

стр. 405

فتقديره: وأمهات نسائكم، وبنات نسائكم اللاتي في حجوركم، ونساؤكم ممن قد دخلتم بهن. ويجاب عنه بأن الأسماء المتحدث عنها المذكورة، هي التي يصرف النعت إليها دون الأسماء المضاف إليها، إلا أن يتبين أن النعوت للأسماء المضاف إليها بنص، أو بضرب من الدليل يقوم مقامه، فإنك إذا قلت: لعلي بن محمد بن أبي الحسن عليّ ألف درهم، تكون الكنية لعلي دون محمد، وتقول زيد بن عبد الله الفقيه قال: ظاهر أن الفقيه هو الاسم المتحدث عنه. فحاصل القول، أن الحكم إنما ورد في أمهات النساء وفي الربائب، وكانت الإضافة من النساء اللاتي دخلتم بهن لا تليق بأمهات النساء، وهي تليق بالربائب، جعل الشرط فيه فيهن، وقام مقام النعت، وكان جعل ذلك للنساء اللاتي أضيف الأمهات إليهن، إذ الأمهات والربائب جميعا دون الربائب ليس بمنصوص، ولم يجر فيه ما وصفتم من قولكم: وبنات نسائكم ونسائكم ممن قد دخلتم بهن، فإن ذلك بإضمار أمور يخرج بها اللفظ عن ظاهره. وبالجملة لو جعل قوله: (وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ) تمام الكلام، ويجعل (مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) «١» ، فيخرج الربائب اللاتي قد أجمعوا عليها من اللبن «٢» ، فيكون تقديره: «وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن» .

стр. 406

ولا شك أن كلام المخالف ليس ينقطع بذلك، إلا أنه يقال: ساق الله تعالى محرمات عدة مبهمة، وليس فيها تقييد، وجعل في آخرها تقييدا، فالأصل اتباع العموم وترك المشكوك فيه، والاحتياط للتحريم يقتضي ذلك فاعلمه. وفي الناس من خص التحريم بالتي توصف بكونها ربيبة، وقال: إذا لم تكن في حجر الزوج، وكانت في بلد آخر، وفارق الأم بعد الدخول، فله أن يتزوج بها، وهذا قول علي «١» ﵁، على ما يرويه عنه مالك بن أوس، فإن صح هذا عنه «٢» فيقال: يجوز أن يكون الله تعالى قد أجرى ذلك على الغالب، من غير أن تكون هذه الصفة شرطا في التحريم، إلا أن عليا يقول: فإن كان كذلك وثبت، فلم اعتبرتم هذا الوصف في قطع الشرط المذكور بعده عن الأول، وإنما قطعتموه بتخلل هذا الوصف في قطع الربائب، وفيه إبانة اتصال الوصف الثاني بالأول. وأعلم أن قول الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) لم يستوعب المحرمات بالنسب والرضاع جميعا، فإنا بينا أن الآية ما تناولت

стр. 407

الجدات من قبل الأم والأب حقيقة، ولا خالات الأب والجد وعماتهم، ولا خالات الأم وعماتهن «١» . وفي الرضاع لم يذكر بنات الأخ، وبنات الأخت، والخالات والعمات من الرضاعة، وكل ذلك مفوض إلى بيان رسول الله ﷺ . ولا يقال ذكر من ذكر، والسكوت عما سكت عنه لوجه صحيح، بل هو على ما شاء الله وأراده، لمصلحة خفية لم يطلع عليها، تولى بيان البعض وسكت عن البعض: وإذا ثبت ذلك فقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ) الآية يقتضي تحريمهن مطلقا بملك اليمين وذلك النكاح، فإن الله تعالى أبان تحريم الاستمتاع، وحرم النكاح، لأنه طريق إلى الاستمتاع، وإذا ثبت ذلك وتقرر فقوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ) إلى قوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) ، يقتضي تحريم الاستمتاع، إلا أن تحريم الاستمتاع بمنع النكاح ولا يمنع ملك اليمين، فنتيجته تحريم وطء المذكورين بملك اليمين، الذين لا يعتقون بالشراء. واعلم أنه لا خلاف في تحريم وطء الأمهات، والأخوات من النسب، والرضاع بملك اليمين، وأن السبع اللواتي حرمن بالنسب، واللواتي حرمن بالنسب والصهر، حرم وطؤهن في ملك اليمين، ولا خلاف في تحريم الجمع بين وطء الأم والبنت بملك اليمين، وإذا دخل بالأم، حرمت البنت أبدا بملك اليمين، وحليلة الأب والابن محرمتان يملك اليمين.

стр. 408

وإذا ثبت ذلك وتقرر فالله تعالى يقول: (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ «١» أَصْلابِكُمْ) . وإنما أنزلت الآية على ما قاله عطاء بن أبي رباح في النبي ﷺ تزوج امرأة زيد فنزلت: (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) «٢» . و (ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ) «٣» وكان يقال له: زيد بن محمد. وسميت زوجة الإنسان حليلته، لأنها تحل معه في فراش واحد. وقيل: لأنه يحل منها الجماع بعقد النكاح. والأمة، وإن استباح فرجها بالملك، لا تسمى حليلة، ولا تحرم على الأب ما لم يطأها، وعقد نكاح الابن عليها يحرمها على أبيه تحريما مؤبدا. وإذا تعلق التحريم باسم الحليلة، اقتضى ذلك تحريمهن بالعقد دون شرط الوطء، فشرط الوطء زيادة، لا يفتضيها اللفظ، وإذا ثبت ذلك فموطوءة الأب بملك اليمين أو بالشبهة، لا تسمى حليلة من حيث الإطلاق، ولكن اقتضى الإجماع إلحاقها بها. وقوله تعالى: (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) .

стр. 409

نفي للأدعياء، ولكنه لا ينفي الرضاع، والتحريم به ثابت، وليس الإسم بحقيقته متناولا للوطء بملك اليمين، وهو بحقيقته متناول لنفس النكاح، فإن اسم الحليلة حقيقة في نفس ملك النكاح. وقوله: (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) . معناه تحريم الجمع على الوجه الذي حرم الأفراد من المحرمات، وفي الذي تقدم حرم الاستمتاع. فتقدير الكلام: ولا تجمعوا بين الأختين في الوطء، وذلك يعم الوطء في النكاح وملك اليمين، إلا أن ذلك في النكاح يمنع أصل النكاح، ولا يمنع ملك اليمين، فإذا ثبت ذلك وتقرر، نشأ منه أن الجمع بين الأختين في النكاح لا يجوز، ونشأ منه تحريم وطء الأختين بملك اليمين. وفي هذا على الخصوص نقل خلاف عن السلف، ثم زال الاختلاف. وإذا تبين أن المنصوص على تحريمه جمع مضاف اليه، حتى يقال هو الذي يمسكهما ويطؤهما، فإذا زال النكاح، زال هذا المعنى من كل وجه، ولم يكن إمساك المعتدة مضافا اليه، فيقتضي هذا أن لا يكون النهي عن الجمع متنا، ولا من نكح الأخت في عدة الأخت، وإذا تبين ذلك، بقيت على مقتضى قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) وهذا بين حسن، فكان الأصل الإباحة، ثم طرأ مانع. زال المانع فرجع إلى الأصل. قوله تعالى: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) «١» .

стр. 410

يحتمل أن يكون معناه معنى قوله: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) في قوله: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) ، ويحتمل معنى زائدا، وهو جواز ما سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية، كان النكاح صحيحا، وإذا جرى في الإسلام، خير بين الأختين، على ما قاله الشافعي ﵁، من غير إجراء عقود الكفار، على موجب الإسلام ومقتضى الشرع، فهذا تحقيق القول في محتملات هذا اللفظ، فلا جرم، قال الشافعي ﵁: إذا أسلم الكافر عن أختين، خير بينهما، سواء جمعهما في عقد واحد أو في عقدين. وأبو حنيفة يبطل نكاحهما إن جمع في عقد واحد، وتعين الأولى إن فرق. والشافعي لما رأى قوله تعالى: (إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ) غير نص في مقصوده، أراد أن يستدل بالنص، فاستدل بحديث فيروز الديلمي والحارث ابن قيس «١» . والعجب أن الرازي «٢» قال في أحكام القرآن: لما لم يجز أن يبتدئ المسلم عقدا على أختين، لم يجز أن يبقى له عقد على الأختين، وإن لم يكونا أختين في حال العقد، كما إذا تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة واحدة، واستوى حكم الابتداء والانتهاء. ونقلنا هذا الكلام بلفظه، وذكر بعده كلمات يسيرة، ثم نقل

стр. 411

احتجاج الشافعي ﵁، بحديث فيروز الديلمي، والحارث بن قيس وقال: يحتمل أن يكون العقد قد كان قبل نزول التحريم، فكان صحيحا إلى أن طرأ التحريم، فلزمه اختيار أربع منهن ومفارقة سائرهن، كرجل له امرأتان، فطلق إحداهما ثلاثا، فيقال له: اختر أيتهما شئت، لأن العقد كان صحيحا إلى أن طرأ التحريم. ووجه على نفسه سؤالا فقال: إن قال قائل: لو كان ذلك يختلف، لسأله النبي ﷺ عن ذلك. فأجاب بأن قال: قيل له: يجوز أن يكون النبي ﷺ قد علم ذلك، فاكتفى بعلمه عن مسألته. نقلنا هذا الفصل بلفظه، متعجبين من جهله بسياقه بكلاميه «١» ، وأنه كيف تناقض أول كلامه وآخره مع تفاوت ما بين الأول والآخر، وفي النوع الواحد من الكلام. كيف لم يتصور عين التناقض، وذكر في التأويل أنه يحتمل أن يكون العقد كان قبل نزول التحريم، فكان صحيحا إلى أن طرأ عليه التحريم؟ فلم يجعل طريان التحريم مانعا اختيار الأربع، لأن العقد في الأول كان صحيحا على الجميع، ثم قال قبله كلمات: لما لم يجز أن يبتدئ المسلم عقدا على أختين، لم يجز أن يبقى له عقد على أختين، وإن لم يكونا أختين في حالة العقد، كرجل تزوج رضيعتين فأرضعتهما امرأة واحدة.

стр. 412

فليت شعري، نكاح الرضيعتين في الأول كان صحيحا حتى بطل الجميع بطريان الرضاع، أم نكاح فيروز الديلمي لما كان صحيحا في الأول، لم يبطل بما طرأ من الإسلام، وكيف يتصور الجمع بينهما؟ وكيف يتم له هذا القياس، وقد جعل الطارئ من التحريم كالمقارن بدليل الرضاع..؟ وتأويل خبر الديلمي ينقض هذا القياس، فإن النكاح لما كان صحيحا عنده لم ينقض، وفي الرضاع كان صحيحا ونقض. وكيف يتصدى للتصنيف في الدين من هذا مبلغ علمه ومقدار فهمه، فيرسل الكلام إرسالا من غير أن يتحقق ما يقول، ويحصل على نفسه ما يورده، ثم يتعرض للطعن فيمن لو عمر عمر نوح، ما اهتدى إلى مبادئ نظره في الحقائق؟ فنسأل الله تعالى التوفيق، ونسأله النجاة من عمى البصيرة واتباع الهوى. واعلم أن المنصوص على تحريمه في كتاب الله تعالى، هو الجمع بين الأختين، وقد وردت آثار متواترة في النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، رواه علي وابن عباس وابن عمر وأبو موسى وجابر وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة «١» وعائشة، وعليه الإجماع، إلا ما نقل عن طائفة من الخوارج، فإنهم زعموا أن قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) ، لا يدفع بأخبار الآحاد، وذلك متهم بناء على أن أخبار الآحاد لا يخص بها عموم الكتاب. والأخبار في تحريم الجمع بين العمتين والخالتين، إن كانت مقرونة في بيان رسول الله ﷺ ببيان الآية، فتخصيص، وإن تقدم الخبر فقوله:

стр. 413

(وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) ، منزل على موجب الخصوص، وإن تراخى فنسخ، وللناس في نسخ الكتاب بأخبار الآحاد كلام، والصحيح جوازه. ومع أن قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) ، ليس نصا أصلا، وإذا لم يثبت التاريخ، فالمطلق منهم محمول على المقيد، على قول الشافعي ﵁، وهو قول أكثر الأصوليين. وعند قوم منهم يتعارضان، وهو قول كثير من المحققين، والتعارض ها هنا سبب التحريم، فإن تعارض المبيح والمحرم يقتضي التحريم لا محالة. قوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ «١» مِنَ النِّساءِ) (٣٤) : الآية عطف على المحرمات. ثم قال: (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) . والمراد به أن ذوات الأزواج محرمات على غير الأزواج. قوله: (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ، في تأويل علي وابن عباس، في رواية وابن عمر، والآية في ذوات الأزواج من النساء، أبيح وطؤهن بملك اليمين، وحصلت الفرقة بالسبي، وورد ذلك في سبايا أوطاس، وكان لهن أزواج في المشركين، فتحرج المسلمون من غشيانهن، وأنزل الله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ، أي هن لكم «٢» .

стр. 414

وتأوله ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك، وجابر وابن عباس في رواية عكرمة: أنه في جميع ذوات الأزواج من السبايا وغيرهن، وأنهن إذا ملكن حل وطؤهن، وكانوا يقولون: بيع السيد أمته المزوجة من أجنبي، موجب للفرقة بينها وبين زوجها. وظن هؤلاء أن الآية عامة، ولا نظر إلى خصوص النسب، والصحيح أن ذلك مختص بالسبي الوارد على نكاح غير محترم، وأن تصرف الرجل في ملكه بالبيع، لا يبطل حقا لغيره على وجه اللزوم، إذا لم يكن بين إثباتهما تناقض، وليس نكاح المتزوج مانعا لملك اليمين، ولو كان مناقضا، لم يجز ابتداء النكاح، فهذا سبب الاختصاص. وإنما رفع الله نكاح الأزواج الحربيّين، ليخلص الملك للمسلمين، وإنما يخلص الملك بانقطاع حق الزوج في المحل، وإنما ينقطع حق الزوج بسقوط حرمته، فهذا هو السبب وهو ظاهر. وفيه سر آخر، وهو أن انقطاع نكاح الحربي لم يكن لإثبات الحل في حق السابي، ولكنه لتصفية الملك له، ولذلك لو كانت المسبية أخته من الرضاعة، أو كانت مجوسية، انقطع النكاح، فإنه لو لم ينقطع، لم يصف له الملك، ولم تنقطع الرحمة والعلقة، وكان الملك ناقصا، ولذلك تنقطع الإجارات والديون والعلق كلها، فهذا هو السبب فيه. وأبو حنيفة لا يرى للسبي أثرا، ويقول: انقطاع النكاح باختلاف الدار، فإذا سبي الزوجان معا، لم ينقطع النكاح. والذي ذكره بعيد من أوجه: منها: أن المنقول في سبايا أو طاس أنهن كن ستة آلاف رجل وامرأة، فكيف يمكن أن يقال لم يكن فيهم امرأة معها زوجها، وأنه امتد الأمر حتى اختلفت الدار؟

стр. 415

والوجه الثاني: أن الله تعالى يقول: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ، فأحال على ملك اليمين لا على اختلاف الدار، وجعل ملك اليمين هو المؤثر، فيتعلق به من حيث العموم والتعليل جميعا، إلا ما خصه الدليل. وها هنا سؤال: وهو أنه يقال: قال: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ، فإن كان النكاح قد ارتفع فليست محصنة. قيل: المقصود بذلك رفع الحرج، بسبب أنها ذات زوج، وإبانة أنا لا نمسك بعصم الكوافر، وعلق الحربيين حتى لا يتحرج بذلك السبب، فمعناه: واللواتي كن ذوات الأزواج إذا سبيتموهن، فحكمه كذا. وتمام البيان في ذلك، أن رسول الله ﷺ ، قال في رواية أبي سعيد الخدري في سبايا أو طاس «١» : «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض» ، ولم يجعل لفراش الزوج السابق أثرا، حتى يقال إنّ المسبية مملوكة، ولكنها كانت زوجة زال نكاحها، فتعتد عدة الإماء، إلا ما نقل عن الحسن بن صالح، فإنه قال: عليها العدة حيضتان إذا كان لها زوج في دار الحرب. وكافة العلماء رأوا استبراءها، واستبراء التي لا زوج لها واحد في أن الجميع بحيضة «٢» . فإذا ثبت ذلك، فذلك يدل على أنه عند السبي لم يعتبر عصمة الكافر وحرمته، حتى لم يجب عقدة النكاح أيضا، من حيث أن إيجاب عدة

стр. 416

النكاح تعويق ينشأ من عصمة الكافر وحرمته، ولا حرمة الكافر حتى يتعوق بسببه حق المسلم في الملك. ولو أن المرأة هاجرت إلى دار الإسلام، أو أسلمت وانفسخ النكاح، فإنما يوجب عدة النكاح، فدل أن جواز الوطء المجرد للاستبراء لمكان زوال النكاح لملك اليمين، لا باختلاف الدار، وهذا في غاية الظهور لأصحاب الشافعي رحمة الله عليهم وعليه. قوله تعالى: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) : يحتمل ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم، ويحتمل ما عدا المحرمات، وهو الأظهر «١» . قوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ) . خطاب للأزواج كلهم، فكأنه قال: تبتغون بأموالكم، فمقتضاه ابتغاء كل واحد بمال نفسه. وظن بعض الجهال أن المراد بذلك، أن كل واحد منهم يصدقها ما يسمى أموالا، وظاهره يقتضي أكثر من العشرة، وحكاية هذا الكلام كافية في الرد على قائله، كيف وقد قال تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) «٢» ؟ وذلك يقتضي إيجاب نصف المفروض قليلا كان أو كثيرا. قوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ) . يمنع كون عتق الأمة صداقا لها، خلافا لأحمد، لدلالة الآية على

стр. 417

كون المهر مالا، وليس في العتق تسليم مال، وإنما فيه إسقاط الملك من غير أن استحقت به تسليم مال إليها، فإن الذي كان يملكه المولى من عبده، لم ينتقل إليها، وإنما يسقط. فإذا، لم يسلم الزوج إليها شيئا، ولم تستحق عليه شيئا، وإنما أتلف به ملكه فلم يكن مهرا، وهذا بين. وقد جوز الشافعي ﵁ جعل منفعة الحر صداقا، ولا خلاف في منفعة العبيد، وإنما يجعل صداقا، لأنها تستحق عليه تلك المنفعة وهي مال، ووردت فيه أخبار وهي نصوص، والشروع فيها خروج عن معاني القرآن، والذي ورد في الخبر أن رسول الله ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقا، لا يعارض استدلالنا بالقرآن، لإمكان أنه كان مخصوصا له، فإن نكاحه جاز بلا مهر، فليس يعارض ذلك استدلالنا بلفظ هو نص في حق الأمة. وقال أيضا: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) «١» . وذلك يدل على أن العتق لا يكون صداقا من وجوه: منها أنه قال تعالى: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) ، وذلك أمر يقتضي الإيجاب، وإعطاء العتق لا يصح. والثاني قوله: (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) ، وذلك محال في العتق، ومتصور في المنفعة. قوله تعالى: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) «٢» يحتمل وجهين:

стр. 418

أحدهما: الإحصان بعقد النكاح، فتقدير الكلام: اطلبوا منافع البضع بأموالكم على وجه النكاح، لا على وجه السفاح، فيكون للآية على هذا الوجه عموم. ويحتمل أن يقال: محصنين أي الإحصان صفة لهن، ومعناه لتزوجوهن على شرط الإحصان فيهن. وقد قال الشافعي ﵁: الإحصان مجمل يتردد بين معاني جمة، فيفتقر إلى البيان. والوجه الأول أولى، لأنه متى أمكن جري الآية على عمومها والتعلق بمقتضاها فهو أولى، ولأن مقتضى الوجه الثاني أن المسافحات لا يحل التزوج بهن، وذلك خلاف الإجماع. ويدل عليه أيضا، أن الله تعالى ذكر نظيره في الإحصان في حق الإماء فقال: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) «١» . ثم قال: (فَإِذا أُحْصِنَّ) ، معناه فإذا تزوجن. وقال: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ) . فتقدير الكلام على هذا: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ) غير زنا، وهذا كلام ظاهر المعنى، ومقتضاه: إطلاق لفظ الإباحة، على وجه التعميم، وفيه إخبار عن كونها محصنة. والإحصان في الأصل هو «٢» المنع، فقد يطلق على العقد، لأن صاحبه

стр. 419

يمنع نفسه من الحرام، ويطلق على الإسلام. قال الله تعالى: (فَإِذا أُحْصِنَّ) ، روي في بعض الأخبار: إذا أسلمن، وإن كان له معنى آخر ذكرناه. وقال تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ) : ذوات الأزواج، وسميت محصنة لأن النكاح يحصنها من السفاح. وفي الخبر: من تزوج فقد حصن ثلثي دينه «١» . وتقول الفقهاء: الإحصان معتبر في الرجم. ويقولون: هو معتبر في حد القاذف، وتختلف معانيهما والأحكام المعتبرة فيهما. وسمي الزنا سفاحا لأنه سفح الماء وهو صبه، يقال: سفح دمه، وسفح الجبل أسفله، لأنه موضع مصب الماء، وسافح الرجل إذا زنى، لأنه صب ماءه من غير أن يلحقه حكم مائه في ثبوت النسب، ووجوب العدة وسائر أحكام النكاح. ويسمى الزاني مسافحا، لأنه ليس يتعلق به حكم ثابت مستمر، وهو نسب أو عدة أو مهر، ويفهم من ذلك أن لا نسب ولا فراش، ولأجل ذلك لم يثبت الشافعي ﵁ التحريم والعتق في المخلوقة من ماء الزنا، واقتضى ذلك أيضا أن لا يثبت في حقها النسب، لأنها مسافحة، كما أنه مسافح، ولكن انفصال الولد منها محسوس، فلا يمكن تضييع حق الولد مع أن فيه خلافا لبعض أهل العلم، أخذا بلفظ المسافحة،

стр. 420

وتحقيق الفرق بين جانبه وجانبها في النسب، ذكرناه على الاستقصاء في مجموعاتنا في الخلاف. قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) . ذكر الله تعالى ذلك بعد قوله تعالى: (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ) ، وذلك يقتضي بيان حكم الدخول في النكاح المذكور أولا، وأنه لا يجوز حط شيء، وحبس قدر ما من المهر، بأي سبب طارئ. ولو لم يقدر ذلك، لم يفهم من قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) معنى بوجه ما، فإن الله تعالى أمر بابتغاء البضع بالأموال قبل الاستمتاع، فذكر الاستمتاع ينبغي أن يكون سببا لأمر ما، وليس هو إلا تقدير الصداق المذكور أولا، حتى لا يتوهم سقوط شيء منه لعارض. وظن ظانون أن هذه الآية وردت في نكاح المتعة «١» ، وأن المهر فيه يتعلق بالدخول لا بنفس العقد ولا ميراث فيه. ونقل عن ابن عباس أنه تأول قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) إلى أجل مسمى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) . وروي عنه انه رجع عن ذلك لأخبار كثيرة وردت في النهي عن متعة النساء، وتحريم لحوم الحمر الأهلية، ومن رواة الحديث على. وروي عن ابن عباس أنه قال: نسخه قوله تعالى: (إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ) ، وأشار به إلى أنه لا نكاح إلا له طلاق، وإلا له عدة، وإلا فيه ميراث، والله تعالى يقول:

стр. 421

(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) » . والذي ذكره هؤلاء في معنى قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) الآية، لا يحتمل ما ذكره هذا القائل الذي حمله على نكاح المتعة «٢» ، فإن الأجر بمعنى المهر، قال تعالى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) «٣» . فلما ذكر النكاح علم أنه أراد به الصداق. وقال تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ) . فدل على أن محصنات ومحصنين عنى به التزويج، لأن محصنات ذكر مع النكاح، لقوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ) .

стр. 422

قوله تعالى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) . معناه جواز الإبراء عن بعض الصداق أو هبة بعضه، وتقدير الكلام: أن تبتغوا بأموالكم محصنين- أي متزوجين- بهن، فإذا استمتعتم بهن فآتوهن أجورهن، ولا تنقصوا شيئا، وإن جرى فراق أو سبب، إلا أن تكون قد حطت شيئا من الصداق، فالحق لها، والمحطوط لا يجب توفيره عليها إذا استمتع. واستدل قوم بذلك على جواز الزيادة، وذلك غلط، فإن الآية ما وردت في موضع الزيادة، فإنه لما قال تعالى: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) ، اقتضى جواز إعطاء ما فرض لها أولا، فقوله: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) يرجع إلى الرخصة في ترك الإيتاء، بعد الأمر بالإيتاء في غير موضع الرخصة، وهذا بين لا شك فيه. فإن قيل: فقد قال تعالى: (فِيما تَراضَيْتُمْ) ، والإبراء لا يتوقف على تراضيهما. الجواب: أن الإبراء وإن كان على المذهب الصحيح، لا يتوقف على تراضيهما، فالهبة موقوفة على ذلك، والإبراء في أحد الوجهين لأصحابنا وإن لم يقف، فالمعلوم العرف أن ذلك يجري بتراضيهما، والمقصود بقوله: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ، طيبة قلبها، وأن لا ينقص من أجرها شيئا» والإبراء يصدر منها. وقال: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ، إلا إذا طابت نفسها، وقد صرح بذلك في موضع آخر فقال: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ

стр. 423

طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) . فهذا المشكل من هذه الآية، يعرف من المبين المحكم في الآية الأخرى. ويدل عليه أن الله تعالى يقول: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) «١» . فجعل عند الطلاق شطر المفروض، وإذا تبين ذلك، فهذا الذي زيد، إن كان صداقا كان مفروضا، فإذا طلقها وقد فرض لها، فيجب أن يشطر ذلك، فإن الله حكم بتشطير نصف المفروض. قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ) الآية (٢٥) : اعلم أن التعرض لإحدى الصفتين المتضادتين، والنزول عن كلام مطلق، يدل قطعا على أن التقيد المذكور مقصود، لتعلق الحكم عليه، وأنه لا يجوز إلغاؤه، نعم قد يجوز أن يذكر أحد الحالتين، والمسكوت عنه أولى بالحكم المذكور من المنطوق به، فيتعرض لإحدى الحالتين تنبيها على ما هو أول بالحكم من المذكور، ولو أطلق الحكم لأمكن استثناء المذكور: بيانه أنه تعالى، قال: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) «٢» إلى قوله (إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) .

стр. 424

والقتل محرم عند زوال هذه الحالة لأنه لو قال: «ولا تقتلوا أولادكم» مطلقا، أو قال: «ولا تقتلوا أولادكم حال غناكم، لأمكن أن يتوهم جواز ذلك حالة الشقاق والإملاق، لئلا يشقى المولود له في تربيته فقال: (لا تقتلوهنّ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لعذر الإملاق، (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) ، فهذا يسمى التنبيه. ومثله قوله تعالى: (لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً) «١» ، فحرم الربا، وإن كان له فيه النفع الكثير، فإذا لم يجوز لغرض عظيم، فتحريمه لما دونه أولى. وقال: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) «٢» ، ليس أنه يتصور أن يقوم عليه برهان، ولكن المشركين قالوا لا نترك ديننا ودين آبائنا، فذم التقليد واتباع السلف وترك البرهان والإعراض عن الدليل. ففي أمثال ذلك يجوز تخصيص إحدى الحالتين، تنبيها على ما هو الأولى بالحكم المذكور من الحالة الأخرى. أما ها هنا فإنما تعرض لحالة الضرورة في جواز النكاح، فلا يقال حال عدم الحاجة أولى بجواز نكاح الأمة، والأمة في هذا المعنى أوفى من الحرة، فإذا تبين ذلك، فذكر حالة الحاجة تنبيه على جعل الحاجة علة الإباحة، فإذا لم توجد الحاجة تحرم، فإن الذي يفهم من ثبوت الحاجة، وأن ثبوته كان لأجلها، يعلم انتفاؤه عند عدم الحاجة، وهذا مقطوع به. وإنما ذكرنا هذه الأمثلة، وأجبنا عليها لأن الرازي «٣» لم ير لهذه

стр. 425

الآية دلالة على ضد المذكور عند عدم الحاجة، ورأى أن ذكر الحاجة في إباحة النكاح، تنزل منزلة ذكر الإملاق والحاجة في تحريم القتل، ولم يجعل لهما مفهوما «١» ، وقد غلط «٢» من وجهين: أحدهما «٣» : أن كل ما استشهد به له مفهوم وفحوى، ولكنه من قبيل مفهوم الموافقة والتنبيه بالمذكور على مثله في غير المذكور، والقسم الآخر مفهوم المخالفة، وهو التنبيه بالمذكور على خلافه الذي لم يذكر، وهذان قسمان يعرفان لمحال الخطاب، ومواضع الكلام، ومواقع العلل والمعاني. والرازي ظن أن الأدلة في القسمين على ما عدا المذكور، فأبان من نفسه جهله بنوعي المفهوم وقال: وبينا ذلك في أصول الفقه، فظلم نفسه بالتصدي للتصنيف في الأصول، قبل معرفة هذه الأمور الجلية، كما ظلم نفسه بالتصنيف في معاني القرآن وأحكامه، قبل إحكام معانيه. فإذا ثبت ذلك، فيبقى ها هنا نظر، وهو أنه إن قال قائل: قد وردت ألفاظ عامة في النكاح مثل قوله تعالى: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) إلى قوله (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ، وادعى هذا المحتج به أن معناه: أو نكاح ما ملكت أيمانكم، وهذا غلط، فإن معناه: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) «٤» ، لا يخشى فيه الجور، أو ما ملكت
следующие страницы →