← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) » . والذي ذكره هؤلاء في معنى قوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ) الآية، لا يحتمل ما ذكره هذا القائل الذي حمله على نكاح المتعة «٢» ، فإن الأجر بمعنى المهر، قال تعالى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) «٣» . فلما ذكر النكاح علم أنه أراد به الصداق. وقال تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ) . فدل على أن محصنات ومحصنين عنى به التزويج، لأن محصنات ذكر مع النكاح، لقوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ) .

стр. 422

قوله تعالى: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) . معناه جواز الإبراء عن بعض الصداق أو هبة بعضه، وتقدير الكلام: أن تبتغوا بأموالكم محصنين- أي متزوجين- بهن، فإذا استمتعتم بهن فآتوهن أجورهن، ولا تنقصوا شيئا، وإن جرى فراق أو سبب، إلا أن تكون قد حطت شيئا من الصداق، فالحق لها، والمحطوط لا يجب توفيره عليها إذا استمتع. واستدل قوم بذلك على جواز الزيادة، وذلك غلط، فإن الآية ما وردت في موضع الزيادة، فإنه لما قال تعالى: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) ، اقتضى جواز إعطاء ما فرض لها أولا، فقوله: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ) يرجع إلى الرخصة في ترك الإيتاء، بعد الأمر بالإيتاء في غير موضع الرخصة، وهذا بين لا شك فيه. فإن قيل: فقد قال تعالى: (فِيما تَراضَيْتُمْ) ، والإبراء لا يتوقف على تراضيهما. الجواب: أن الإبراء وإن كان على المذهب الصحيح، لا يتوقف على تراضيهما، فالهبة موقوفة على ذلك، والإبراء في أحد الوجهين لأصحابنا وإن لم يقف، فالمعلوم العرف أن ذلك يجري بتراضيهما، والمقصود بقوله: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ، طيبة قلبها، وأن لا ينقص من أجرها شيئا» والإبراء يصدر منها. وقال: (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ، إلا إذا طابت نفسها، وقد صرح بذلك في موضع آخر فقال: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ

стр. 423

طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً) . فهذا المشكل من هذه الآية، يعرف من المبين المحكم في الآية الأخرى. ويدل عليه أن الله تعالى يقول: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) «١» . فجعل عند الطلاق شطر المفروض، وإذا تبين ذلك، فهذا الذي زيد، إن كان صداقا كان مفروضا، فإذا طلقها وقد فرض لها، فيجب أن يشطر ذلك، فإن الله حكم بتشطير نصف المفروض. قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ) الآية (٢٥) : اعلم أن التعرض لإحدى الصفتين المتضادتين، والنزول عن كلام مطلق، يدل قطعا على أن التقيد المذكور مقصود، لتعلق الحكم عليه، وأنه لا يجوز إلغاؤه، نعم قد يجوز أن يذكر أحد الحالتين، والمسكوت عنه أولى بالحكم المذكور من المنطوق به، فيتعرض لإحدى الحالتين تنبيها على ما هو أول بالحكم من المذكور، ولو أطلق الحكم لأمكن استثناء المذكور: بيانه أنه تعالى، قال: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) «٢» إلى قوله (إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً) .

стр. 424

والقتل محرم عند زوال هذه الحالة لأنه لو قال: «ولا تقتلوا أولادكم» مطلقا، أو قال: «ولا تقتلوا أولادكم حال غناكم، لأمكن أن يتوهم جواز ذلك حالة الشقاق والإملاق، لئلا يشقى المولود له في تربيته فقال: (لا تقتلوهنّ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لعذر الإملاق، (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ) ، فهذا يسمى التنبيه. ومثله قوله تعالى: (لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً) «١» ، فحرم الربا، وإن كان له فيه النفع الكثير، فإذا لم يجوز لغرض عظيم، فتحريمه لما دونه أولى. وقال: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ) «٢» ، ليس أنه يتصور أن يقوم عليه برهان، ولكن المشركين قالوا لا نترك ديننا ودين آبائنا، فذم التقليد واتباع السلف وترك البرهان والإعراض عن الدليل. ففي أمثال ذلك يجوز تخصيص إحدى الحالتين، تنبيها على ما هو الأولى بالحكم المذكور من الحالة الأخرى. أما ها هنا فإنما تعرض لحالة الضرورة في جواز النكاح، فلا يقال حال عدم الحاجة أولى بجواز نكاح الأمة، والأمة في هذا المعنى أوفى من الحرة، فإذا تبين ذلك، فذكر حالة الحاجة تنبيه على جعل الحاجة علة الإباحة، فإذا لم توجد الحاجة تحرم، فإن الذي يفهم من ثبوت الحاجة، وأن ثبوته كان لأجلها، يعلم انتفاؤه عند عدم الحاجة، وهذا مقطوع به. وإنما ذكرنا هذه الأمثلة، وأجبنا عليها لأن الرازي «٣» لم ير لهذه

стр. 425

الآية دلالة على ضد المذكور عند عدم الحاجة، ورأى أن ذكر الحاجة في إباحة النكاح، تنزل منزلة ذكر الإملاق والحاجة في تحريم القتل، ولم يجعل لهما مفهوما «١» ، وقد غلط «٢» من وجهين: أحدهما «٣» : أن كل ما استشهد به له مفهوم وفحوى، ولكنه من قبيل مفهوم الموافقة والتنبيه بالمذكور على مثله في غير المذكور، والقسم الآخر مفهوم المخالفة، وهو التنبيه بالمذكور على خلافه الذي لم يذكر، وهذان قسمان يعرفان لمحال الخطاب، ومواضع الكلام، ومواقع العلل والمعاني. والرازي ظن أن الأدلة في القسمين على ما عدا المذكور، فأبان من نفسه جهله بنوعي المفهوم وقال: وبينا ذلك في أصول الفقه، فظلم نفسه بالتصدي للتصنيف في الأصول، قبل معرفة هذه الأمور الجلية، كما ظلم نفسه بالتصنيف في معاني القرآن وأحكامه، قبل إحكام معانيه. فإذا ثبت ذلك، فيبقى ها هنا نظر، وهو أنه إن قال قائل: قد وردت ألفاظ عامة في النكاح مثل قوله تعالى: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) إلى قوله (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) ، وادعى هذا المحتج به أن معناه: أو نكاح ما ملكت أيمانكم، وهذا غلط، فإن معناه: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) «٤» ، لا يخشى فيه الجور، أو ما ملكت

стр. 426

أيمانكم، فإن العدل في العدد فيه غير واجب أصلا، بل يبقى لهم التعلق بالعموم. وتعلق أيضا بقوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) «١» وقوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ) «٢» . فزاد أن الاحتجاج بالعموم يقاوم الاحتجاج بالمفهوم، وهذا ركيك من القول، فإن ما احتجوا به من العمومات سيق للحرائر، ودل عليه سياق الآيات: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) «٣» . وقوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ) ، عنى به الحرائر، فإنه تعالى قال بعده بكلمات وتخلل فاصل: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا «٤» أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) «٥» . فدل أن المراد بالمحصنة في الآية الحرة، فإن الإحصان يطلق بمعنى الإسلام، ولا يحتمل ها هنا مع قوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ) ، مع قوله: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . فذكروا أن المراد به التزويج، ولا يحتمل ها هنا، فإن المحصنات من

стр. 427

النساء يعني المتزوجات في أقسام المحرمات، فإذا بطل ذلك، فلا يحتمل إلا معنى الحرة. وقد أجمع المفسرون هنا على أن المراد بالمحصنات ها هنا الحرائر، ودل السياق عليه في ذكر نكاح الأمة «١» ، نعم قال تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) ولم يقل: «واللواتي أوتين الكتاب من قبلكم» ، فوقع الشرط في المؤمنات دون الكتابيات، فلا جرم، قال قائلون من أصحابنا: لو قدر على نكاح الكتابية دون نكاح المسلمة، فجائز له نكاح الأمة. ويلزم عليه على مذهب الشافعي ﵁ جواز إدخال الأمة على الحرة الكتابية. وفيه خلل من وجه آخر، وهو استواء نكاح الكتابية والمسلمة في الأحكام كلها، وإذا كانت القدرة على نكاح المسلمة مانعة نكاح الأمة، فإذا لم يمتنع نكاح الأمة بالقدرة على نكاح الحرة الكتابية، فالقدرة على نكاح المسلمة كذلك، فإن القدرة على مثل الشيء كالقدرة على الشيء. وفيه أيضا بطلان فهم معنى ارقاق الولد، وأن ذلك مانع «٢» ، وأن هذا موجود في نكاح الحرة الكتابية، فهذا تمام هذا النوع. والأصح أنه لا فرق بينهما، وأن القدرة على مثل الشيء كالقدرة على الشيء. الوجه الآخر في الجواب: أن هذه العمومات ما قصد بها تفصيل

стр. 428

شرائط النكاح، من الشهادة والولاية، والخلو عن العدة، وإنما قصد بها الندب إلى أصل النكاح، فأما الشرائط فلا ذكر لها، والذي يطلق القول العام، لا يخطر له الشرط في نكاح الأمة. فأما إذا قال: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ) الآية. مع قوله: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) ، فلا بد وأن يكون قاصدا إبانة شرط، ولم يقصد به نزولا عن كلام عام، وإبانة وجه خاص، كان قوله هجرا ركيكا، فقصد التفرقة بين الحالتين ضروري في هذا الكلام، والتعرض للشرائط لا يظهر في العمومات التي ذكروها. فليفهم الفاهم هذا، فإنه مقطوع به، ولا يهتدي إليه إلا الموفقون المتعمقون في العلم. ومما يعارضون به ما قلناه، أنه تعالى قال: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ) «١» ... قالوا: وذلك يجوز نكاح الأمة مع القدرة على مهر المشركة، والقادر على مهر المشركة، قادر على مثله في حق المسلمة، وهذا ركيك جدا. فإن المراد به: أنهم كانوا لا يعافون عن نكاح المشركات، ويعافون من نكاح الإماء خيفة إرقاق الولد، فأبان الله تعالى أن الأمة مع إفضاء نكاحها إلى رق الولد، خير من المشركة التي لا يجوز نكاحها قط، والأمة يجوز نكاحها في بعض الأحوال، فهذا تمام الرد على هؤلاء في محاولة المعارضة. وحكى القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي عن السلف مذاهبهم في هذه الآية وفق مذهبنا «٢» ثم قال:

стр. 429

وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنهم قالوا: لا بأس أن يتزوج الحر المسلم الأمة، مع وجود الطول إلى حرة، من غير خشية العنت، ثم قال: هذا قول تجاوز فساده فساد ما يحتمل التأويل، لأنه لا محظور في كتاب الله تعالى إلا على الجهة التي أبيحت، ثم وجّه على نفسه سؤالا فقال: يمكن أن يقول ذلك على الاختيار لا على التحريم. فأجاب أنه قد بين موضع الاختيار لهم من موضع الحظر بقوله تعالى: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) ، فكان هذا موضع الاختيار، ولو كان الأول على الاختيار لهم لم يحتاجوا إلى اختيار ثان، فحيث جاز، وهو عند خوف العنت ذكر موضع الاختيار، فعند عدم الخوف، يستحيل أن يبقى الأمر على ذلك الاختيار. والذي ذكره كلام صحيح. وحكى الرازي هذا من كلامه أول كلامه، في أنه لا يحتمل التأويل ثم قال: وقد اختلف السلف فيه ولو كان فيه نص ما اختلفوا، نقل عن علي مثل ذلك، ولم يثبت ذلك الذي صح. ونقل إسماعيل «١» القاضي عن علي أنه قال:

стр. 430

لا ينبغي للحر أن يتزوج الأمة وهو يجد طولا ينكح به الحرة، فإن فعل فرق بينهما وعزر «١» . وعن ابن عباس أنه قال: من ملك ثلاثمائة درهم وجب عليه الحج وحرم عليه نكاح الأمة. ثم الاحتجاج بالنص على وجهين: منه ما يستوي في درك معناه الخاص والعام، ويعلم ذلك بأوائل الأفهام، فهذا لا يختلف فيه، وما لا يعلم إلا بالارتياء والبحث، فهذا يجوز أن يختلف فيه، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإذا ثبت ذلك. ثم حكي عن داود الأصبهاني في حق إسماعيل شيئا، وذكر ما يدل على تهجينهما وسوء اعتقاده فيهما، وليس ذلك ببعيد منه، فإنه كان مكفرهما، لمخالفتهما له في الاعتزال ومذهب أهل البدعة والقدر، وقد شحن كتابه المصنف في أحكام القرآن بالرد على أهل السنة، وتسميتهم مرجئة ومجبرة، ويتجمل بالاعتزال ويتظاهر به، عليه وعليهم ما يستحقون. وذكر وجها آخر فقال: إن خوف العنت وعدم الطول ليسا بضرورة، لأن الضرورة ما يخاف فيها فساد النفس أو فساد عضو، وليس في عدم الطول ذلك، ولذلك لم يجز هذا العذر نكاح الأمة الكتابية عند الشافعي ﵁، ولا نكاح المشركة بالاتفاق، فإذا ثبت ذلك، استوى وجود هذا العذر وعدمه. وهذا يدل على جهله بأوضاع الأصول وقواعد الأحكام، فإن الذي

стр. 431

جوز لمكان الحاجة، ينقسم أقساما ويترتب على أبحاث مختلفة. فمنها ما يعتبر فيه غاية الحاجة. ومنها ما يعتبر فيه دون ذلك، كالتيمم عند عدم الماء. ومنها ما يعتبر فيه مظنة الحاجة لا صورتها. ومنها ما يعتبر فيه ضرر ظاهر، وإن لم يفض إلى هلاك نفس أو فساد عضو، كالقيام في الصلاة، والصيام في المرض، والجمع بين الصلاتين، فيجوز أن يجعل خوف العنت داخلا في أقسام الحاجات، وإن كان الأمر في الكتابية الأمة والمجوسية أعظم من ذلك، فلا يحل بهذا النسب. ثم مراتب تلك الحاجات مختلفة تعلم بالأدلة الشرعية، فليس فيما ذكره ما يرفع التعلق بالعموم من هذه الآية. وحكى عن أبي يوسف القاضي أنه قال: تأويل الآية: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا) ، لعدم الحرة في ملكه، وقال: وجود الطول هو كون الحرة تحته. فلزمه على هذا، أن من ليس عنده حرة، فهو غير مستطيع للطول إليها، فالطول عنده هو وطء الحرة. وهذا التأويل في غاية الضعف فإنه لما قال: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) ، فيقتضي أن يكون غير مستطيع أمرا، والذي لا حرة تحته، قادر على نكاح الحرة ووطئها إذا نكح. فإن قال: هو عاجز في الحال قبل النكاح، فلا يخفى أن في مثل ذلك لا يقال هو غير مستطيع للوطء، وإنما الطول الفضل والغنى، قال الله تعالى:

стр. 432

(اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ) «١» . وعلى أن الذي الحرة عنده لا ينكح الأمة «٢» . وإن كان عاجزا عن وطئها كالغائبة والصغيرة والرتقاء، فلا حاصل لهذا التأويل بوجه، فكيف يتوهم ذلك وقد قال تعالى: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) . والقادر على نكاح الحرة، كيف يخشى العنت إذا عشقها وصار مفتتنا بها؟ فيقال في الجواب عنه: فإن عندك لا يعتبر الخوف من هذا الوجه، فلا وجه لاعتباره. نعم ها هنا دقيقة، وهي: أن الحرة إذا كانت في نكاح الحر عندنا، فلا تحل له الأمة، سواء خاف العنت أو لم يخف، وسواء قدر على الحرة أم لم يقدر، كغيبتها أو رتقها، فليس يحرم نكاح الأمة ها هنا لوجود الطول، أو لأمن العنت، بل لعين نكاح الحرة. وكان الشافعي ﵁ يقول: الظاهر من وجود النكاح الطول والأمن، فلا مبالاة بنكاح نادر لا يفضي إلى ذلك، بل يحسم الباب. نعم الغيبة عن ماله جعلت عدما شرعا في أصل آخر، وهو جواز أخذ الصدقة، فيلقى ذلك من ذلك الأصل، فلم يمكن اعتبار غيبة المال بالنادر الذي لا ينظر إليه. وها هنا مذهب لمالك وهو أنه يقول: إذا كانت الحرة معه وهو غير

стр. 433

واجد للطول في حق أخرى، ويخشى لعشقه أن يزني بالأمة، فله التزوج بالأمة والحرة في حيازته. فقيل لهم: فإذا قلتم مع وجود الحرة يتزوج بالأمة، فقدرته على طول أخرى لا يزيد على هذه الحرة، فوجود هذه الحرة إذا لم يمنع، فالقدرة على مثلها في الابتداء لم يمنع، وكيف ينتظم ذلك وأبو حنيفة لما قال: وجود الحرة يمنع والقدرة لا تمنع، كان ذلك أمثل من قول مالك في هذا. وقد حكى ابن وهب عن مالك، أنه لا بأس أن يتزوج الرجل الأمة على الحرة، والحرة على الأمة، والحرة بالخيار «١» . وقال ابن القاسم في الأمة تنكح على الحرة، أرى أن يفرق بينهما، ثم رجع فقال: تخير الحرة إن شاءت أقامت وإن شاءت فارقت. فوجه إسماعيل المالكي على نفسه هذا السؤال، وأراد أن يفصل بين حرة موجودة معه، وبين القدرة على حرة، فإن الوجود لا يمنع، والقدرة تمنع فقال: إن الذي عنده حرة قد تزوجها، فليس له بعد الامتحان أنه يخاف العنف، وإن عشق الجارية لا يندفع بنكاح الحرة، والذي يريد أن يتزوج وهو يجد الطول فهو شاك، فلعله إذا تزوج حرة زال خوف العنت وأنس بها، فنحن اعتبرنا عدم الطول عند خوف العنت، فما لم يقع الأمن، فهو شاك لا يدري أيخاف أم لا، فإذا وقع وهو متيقن أنه قد خاف، فهو الموضع الذي قد أبيح؟

стр. 434

وهذا في غاية الركاكة، وحاصله أن القدرة مانعة للنكاح الذي اعتبرت مانعة لأجله، وإن نكح حرة وهو قادر فلا ينكح، وإن نكح حرة وخرج عن كونه قادرا فله نكاح الأمة، وجعل القدرة مانعة، من غير أن يكون المنع لأجل المقدور عليه وهو النكاح، وهذا في غاية البعد. قوله تعالى: (مِنْ فَتَياتِكُمُ «١» الْمُؤْمِناتِ «٢» ) . يدل على اعتبار الإيمان على الوجه الذي تقدم ذكره في أول الآية، وكيفية الاستدلال بها. ومن الجهالات العظيمة قول الرازي: إن قوله تعالى: (وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، يتناول الإماء والكتابيات، مع أنه تعالى ذكر ذلك ثم قال: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ) «٣» . فأبان أن إطلاق المحصنة ما تناول الأمة المؤمنة، أفتراها متناولة للكافرة؟ وذلك في غاية الركاكة.

стр. 435

نعم ها هنا شيء، وهو أنه إن قال قائل: قد أبان الله تعالى أقسام المحرمات بالرضاع وبالنسب ثم قال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ) : فأشبه أن يكون ما بعده تعرض لبيان ما يكره من الأنكحة وما لا يكره، مع الإجزاء، ليكون كتاب الله تعالى مستوعبا للقسمين، فأبان بعد قوله: (وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ) . وقال بعده: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) لإبانة المكروه من النكاح. ولذلك قال: (مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) . وقال: (الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ) . ولو نكح غير مؤمنة يجوز، لأن القصد بيان المكروه لا بيان المحرم. والجواب عنه، أن المقصود بالأول بيان حكم المحرمات اللواتي لا تحل بحال، وذكر بعده ما يجوز أن يباح في بعض الأحوال، وذكر بعده ما يحرم لفقد شرط في العقد، لا لتحريم في المحل، فلم يقل المحل محرم، ولكنه أبان عن شرط العقد. ودل على بطلان هذا التأويل قوله تعالى: (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) . ودل عليه أيضا قوله:

стр. 436

(وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، مع أن نكاحها مكروه، فهذا يدل على بطلان التأويل قطعا. إذا تمهد هذا الأصل، فيبقى بعده النظر في أن الشافعي ﵁ يجوز للعبد نكاح الأمة مع الحرة، وقوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا) ، عام في الجميع. فقال الشافعي ﵁: لا طول للعبد «١» . فقيل له، إذا كانت الحرة تحته فهو مستطيع؟ فقال: النكاح لا يسمى طولا، فإنما جعلنا نكاح الحرة في حق الحرة مانعا لا بحكم الآية «٢» ، لا سيما ومساق الآية يدل على الاختصاص، فإنه تعالى قال: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) فاعتبر إذن أهلهن ولم يتعرض لإذن المولى في حق المتزوج، فدل أن الآية للأحرار. فكأنا نتعلق بالعموم في قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) «٣» الآية. إلا فيما استثنى، والاستثناء بالشرط وقع في حق الحرة، فبقي العبد على الأصل في العموم، وهذا واضح فاعلمه. ولما لم يكن اللفظ متناولا لنكاح الأمة عند إدخال الحرة على الأمة، لا جرم قال الشافعي ﵁: إن الله تعالى جوز نكاح الأمة لخوف العنت، ولم يكن هذا الخوف

стр. 437

نسخا محرما من الابضاع في شيء من أصول الشرع، فكان هذا خاصا في هذا الحكم، فلم يكن لنا أن نتوسع في الاعتبار، فإذا صار هذا المعنى مانعا ابتداء النكاح، فلا يمكن أن يجعل على خصوصه، وخروجه عن أصول الشرع، قاطعا دوام النكاح الذي هو أثبت من الابتداء، بل يقتصر على ما ورد «١» ، ولا يتعدى، كما اقتصرنا على الحر ولم نتعده، وليس يتبين لنا أن العبد مثل الحر في هذا المعنى الدقيق المتعلق بالتفصيل، ويترقى الكلام في هذا التفصيل والتصرف في غوامض هذه المراتب إلى أعلى الغايات في الدقة، والمتأمل يعرف به بعد غور الشافعي، ولطف نظره في مغمضات الأصول ومآخذ الأحكام، والله تعالى يوفقنا للوقوف على معاني كلامه. قوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) «٢» : دليل على اشتراط الإذن في نكاحها، والرازي يسلم ذلك «٣» . واحتج بأن جعله شرطا، وترك لأجله العمومات في نكاح العبد والحر، وما أسرع ما نسي سابق قوله: فإن تخصيص الإباحة بحال وشرط لا يدل على نفي ما عداه، ثم قال: ما نعلم أحدا استدل به قبل الشافعي، ثم قال: ولو كان هذا دليلا لكانت الصحابة أولى بالسبق إلى الاستدلال به في هذه المسألة ونظائرها من المسائل، مع كثرة ما اختلفوا «٤» فيه، ثم على قرب العهد بهذا الكلام استدل بمثله، وقد روي عن رسول الله ﷺ في عموم الأحوال أنه قال:

стр. 438

إذا تزوج العبد بغير إذن سيده فهو عاهر «١» . فإن احتج من يجوز التزويج بها بإذن سيده بقوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) وأن اللفظ بعمومه يدل عليه، والشافعي ﵁ يقول بموجب الآية، فإنه لا يجوز نكاحها إلا بإذنها، وليس فيه أن الإذن المجرد كفى عما ليس فيه بإسقاط سائر الشرائط عند وجود الإذن «٢» . قوله تعالى: (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) «٣» . يدل على وجوب المهر لها في عموم الأحوال. وقوله: «بالمعروف» ، يمنع الغلو في المهر والتقصير. فأضاف الأجور إليهن لوجوبه بسبب نكاحهن، وتقديره: فانكحوهن بإذن أهلهن، وآتوهن أجورهن بإذن أهلهن، فإنه كلام مفيد بنفسه لا حاجة إلى تعليقه على غيره، فتم الكلام بنفسه. وروى عن مالك أن الأمة تستحق المهر، وهذا بعيد، فإنها لو كانت قابضة للمهر إلى نفسها، لكانت مستحقة للأجرة إذا أجرها السيد. وربما قال: النكاح حقها، ولذلك لا يجوز تزويجها من مجبوب،

стр. 439

وإذا زوجت فلها الخيار إذا علمت «١» . وربما يقال: لا ينعقد العقد. وليس نكاح الأمة نقل الملك إلى غيره، بل هو إثبات الحق في منافع بضعها للزوج على وجه لم يكن، فلذلك لم يجز النكاح بلفظ التمليك عند أكثر العلماء وهذا كلام له وجه. إلا أن المهر لا تملكه المرأة «٢» ، لأجل أنها لا تملك شيئا والعبد إذا خالع زوجته فلا يملك البدل عندنا وإنما ذلك للسيد، لأن للسيد حقا في منافع بضع العبد ولكنه لما لم يملكه العبد، كان السيد أحق به. ولعل مالكا يقول أيضا في الأمة إذا وطئت بالشبهة، أن المهر يكون لها، وهذا مبني على أن العبد هل يتصور أن يكون له ملك مستقل به، والمسألة فرع ذلك الأصل. ثم إن إسماعيل بن إسحاق المالكي قال: زعم بعض العراقيين أنه إذا زوج أمته من عبده فلا مهر، وهذا خلاف الكتاب والسنة، وأطنب فيه. وأجاب الرازي عن ذلك: بأنا نوجب المهر، ولكنه يسقط بعد الوجوب لئلا يكون استباحة البضع بغير بدل، ثم يسقط في الثاني حتى يستحقه المولى، لأنها لا تملك والمولى هو الذي يملك «٣» مالها، ولا يثبت للمولى على عبده دينا «٤» ، وهو مثل قول بعض أصحاب الشافعي ﵁ في وجوب القصاص على الأب ثم سقوطه.

стр. 440

والذي ذكره الرازي لا يقطع تشغيب إسماعيل، فإنه إنما شنع بأمر فقال: أفيجوز أن يكون الصداق فرضا من فرض الله تعالى لحرمة البضع حتى لا يتبذل دون الصداق ثم يغشى النساء من غير مهر؟ والرازي إن قال له: يجب بنفس العقد فلا يقول: إنه يجب عندنا لغشيان شيء. ولا شك أن الوطء يعري عن المهر في حق الأمة المزوجة، وفيه بشاعة، فإن الغشيان كيف خلا عن وجوب المهر، وعلى أن إيجاب المهر في هذا العقد فيه إشكال، فإن المهر لو وجب لوجب لشخص على شخص، فمن الذي أوجب له وعلى من وجب؟ فإن قلت: وجب للسيد على العبد، فهذا محال أن يثبت له دين على عبده. وإن قلت: وجب لا على أحد، فمحال. وكما أن العقد يقتضي الإيجاب، فالملك يقتضي الإسقاط، وليس له إيجابه ضرورة الإسقاط، كما يقال: إن إثبات الملك للابن ضرورة العتق، فإن العتق لا يتصور بدون الملك، فأما إسقاط المهر فلا يقتضي إثباته، بل يمكن أن يقال: لا يجب المهر أصلا بوجه من الوجوه، فإنه لو وجب لوجب للسيد، وهذا بيّن في نفسه، وهو الصحيح من مذهبنا. وأما استبعاد إسماعيل بن إسحاق، فلا وجه له، لأن الله تعالى أوجب المهر إذا أمكن إيجابه، وقد دل الدليل على أن العبد لا يملك بالتمليك أصلا، وإذا لم يملك ولا بد من مالك، والسيد استحال أن

стр. 441

يكون مالكا، فامتنع لذلك، فيكون الكلام عائدا إلى أصل آخر، وهو أن العبد هل يملك أم لا؟ ويخرج عن مقصودنا. قوله تعالى: (مُحْصَناتٍ «١» غَيْرَ مُسافِحاتٍ «٢» ) . قد مضى بشرحه، وبينا أن معناه أن يكون العقد عليها بنكاح صحيح، وأن لا يكون الوطء على وجه الزنا: لأن الإحصان هو النكاح، والسفاح هو الزنا. (وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) «٣» : يعني لا يكون وطؤها على حسب ما كان عليه عادة الجاهلية في اتخاذ الأخدان. قال ابن عباس: كان قوم منهم يحرمون ما ظهر من الزنا ويستحلون ما بطن وخفي منه. والخدن هو الصديق للمرأة زنا بها سرا، فنهى الله عن الفواحش ما ظهر منها ومن بطن، وحرم الوطء إلا على ملك نكاح أو ملك يمين، ويقرب منه نهي النبي ﵇: عن مهر البغي «٤» ، فإنه يرجع إلى أنه أوجب المهر لحرمة الوطء وحرمة سبب الوطء وأما البغي فلا مهر لها.

стр. 442

قوله تعالى: (فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) «١» . فقال قوم: «فإذا أحصن» بالضم يدل على التزويج، ويفهم منه أن الأمة لا يجب عليها الحد وإن أسلمت حتى تتزوج، وهو قول ابن عباس. ومن قرأ بالفتح حمله على الإسلام، وأن عليها الحد إذا أسلمت، وهو قول أكثر العلماء في معنى الآية، ولا عبرة بالمعنيين في إيجاب الحد، فإن الحد واجب على الآمة الكافرة إذا زنت، ودلت الأخبار عليه، وعلى التسوية بين الحرة والآمة في هذا المعنى. فإذا ثبت ذلك فإن قال قائل: فما فائدة ذكر الإحصان بمعنى الإسلام والنكاح ولا أثر لهما؟ قيل: أما الإسلام، فإنما ذكر على أحد المعنيين، لأنهن كن يحسبن البغاء مباحا، واتخاذ الخدن مباحا، وإذا جرى ذلك على اعتقاد الإباحة فلا حد. وقوله: إذا أسلمن، يعني أن بالإسلام كن يعرفن تحريم ذلك، وقبل الإسلام ما كن يعرفن ذلك. الوجه الآخر إن حمل قوله «أحصن» على النكاح، فإنما ذكر النكاح حتى لا يتوهم متوهم أنه يريد عقوبتها بالنكاح كما أراد في حق الحرة إذا تزوجت فأبان الله تعالى أنها وإن تزوجت وهي مسلمة، فعليها مثل ما كان من قبل ثم ذكر الله تعالى الإحصان في حق الإماء وقال:

стр. 443

(فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ) ، ولم يرد به الرجم، إذ لا نصف له فإذا لم يرد الرجم، فلا يمكن أن يكون الإحصان في الحرة بمعنى النكاح لأن الحرة إذا أحصنت بالنكاح فعليها الرجم فيكون المراد بالمحصنة ها هنا الحرة «١» فالإحصان في حق الأمة بمعنى النكاح وفي حق الحرة بمعنى الحرية، فاختلف معنى الإحصان باختلاف محاله. إذا ثبت ذلك فالله تعالى يقول: (فَإِذا أُحْصِنَّ) الآية. ذكر حكم الأمة والحرة، وفهمت الأمة منه أن العبد والحر مثلهما في معناهما، كما قال: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ) «٢» . والأحرار المؤمنون الغافلون كمثلهن، لأن المعنى في الكل واحد، وهذا من أجلى مراتب الأقيسة. والشافعي ﵁ أورد هذا المثال في باب القياس، عند ذكر مراتب الأقيسة ومثله قوله ﵇: «من أعتق شركا له في عبد عتق عليه الباقي» «٣» . وبالجملة: إذا ظهر مقصود الشرع في المسكوت عنه والمنطوق به، استوى الكل في الاعتبار.

стр. 444

قوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) . يدل على جواز عطف الواجب على الندب، لأن النكاح ندب وإيتاء المهر واجب. وقال تعالى: (فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ) . ثم قال: (وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً) . ويصح عطف الندب على الواجب أيضا، كقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ) «١» ، فالعدل واجب والإحسان ندب. وقال الشافعي ﵁ في قوله: (فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ) «٢» الكتابة ندب والإيتاء واجب. وقال أبو حنيفة في قوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ «٣» لِلَّهِ) ، الحج واجب، والعمرة ندب، إلى غيره من الأمثلة. قوله تعالى: (ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) «٤» . بينا معناه، وأنه حرم ذلك لئلا يكون إرقاقا للولد. وهذا يصلح أن يفهم منه معنى التحريم، فيفهم مثل هذا الحكم في مثل هذا المحل، فمقتضاه أن لا يحرم على العبد ولا ينقطع الدوام، وهو

стр. 445

نظر دقيق بينا وجهه من قبل، فإذا أراد أبو حنيفة حمله على معنى الاستحباب، كان متحكما، ونحن متعلقون بالأصل والظاهر. قوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) الآية (٢٦) . يدل على أنه يبين لنا ما بنا حاجة إلى معرفته، إما بنص أو بدلالة نص، وذلك يدل على امتناع خلو واقعة عن حكم الله تعالى، فإنه لو خلت لم يكن مريدا، إلا أن يبين لنا، ومنه قال تعالى: (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) «١» . وقوله تعالى: (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) الآية (٢٦) . معناه في بيان مالكم فيه الصلاح كما بينه لنا، وإن اختلفت العبارات في أنفسها، إلا أنها مع اختلافها متفقة في باب المصالح. قوله تعالى: (لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ) «٢» . اعلم أن في الناس من ظن أن غير التجارة من الهبات والصدقات، داخل تحت قوله بالباطل، إلا أنه ينسخ بالإجماع، أو بقوله: (ليس عليكم جناح أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ) «٣» ، وهذا نقل عن ابن عباس، والحسن.

стр. 446

والذي هو الحق، أنه لا يفهم من أكل بالباطل، تحريم الهبات التي يبتغي بها الأغراض الصحيحة، وإنما حرم الله تعالى أكل المال بالباطل، والباطل الذي لا يفضي إلى غرض صحيح، مثل أكل المال بالقمار والخمر والاغرار، قال الله تعالى: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ) «١» . فالنهي مقيد بوصف، وهو أن تأكله بالباطل. وقد تضمن ذلك: أكل أبدال العقود الفاسدة، كأثمان البياعات الفاسدة، وكل شيء ما أباحه الله تعالى، فأما الذي أباحه الله تعالى من العقود، فلا مدخل فيه. ثم إن الله تعالى قال: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً) «٢» . فظاهره يقتضي إباحة سائر التجارات الواقعة عن تراض، والتجارة اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح، قال الله تعالى. (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) «٣» . فسمى الايمان تجارة على وجه المجاز، تشبيها بالتجارات التي يقصد بها الأرباح. وقال تعالى: (يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ) «٤» ، كما سمى بذل النفوس لجهاد الكفار يقصد بها الأرباح، قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ) «٥» الآية.

стр. 447

وقال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) «١» . فسمى ذلك بيعا وشراء على وجه المجاز، تشبيها بعقود الأشربة والبياعات، التي يحصل بها الأعواض. كذلك سمى الإيمان بالله تجارة لما يستحقون به من جزيل الثواب. واستدل أصحاب أبي حنيفة ومالك بهذه الآية على نفي خيار المجلس، فإن الله تعالى قد أباح كل ما اشتري بعد وقوع التجارة عن تراض، وما يقع من ذلك بإيجاب الخيار، خارج عن ظاهر الآية مخصص لها بغير دلالة، ونظير ذلك استدلالهم بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «٢» ) . فألزم كل عاقد الوفاء بما عقد على نفسه، وذلك عقد قد عقده كل واحد منهما على نفسه، فألزمه الوفاء به، وفي إثبات الخيار نفي للزوم الوفاء به، وذلك خلاف مقتضى الآية. وقال تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ) «٣» . ثم أمر عند عدم الشهود بأخذ وثيقة الرهن، وذلك مأمور به عند عقد البيع قبل التفرق، لأن قوله تعالى:

стр. 448

(إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) «١» . فأمر بالكتابة عند عقد المداينة، وأمر بالكتابة بالعدل، وأمر الذي قد أثبت الدين عليه بقوله. (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) «٢» . فلو لم يكن عقد المداينة موجبا للحق عليه قبل الافتراق لما قال: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) . ولما وعظه بالبخس وهو لا شيء عليه، لأن ثبوت الخيار له يمنع ثبوت الدين للبائع في ذمته، وفي إيجاب الله تعالى الحق عليه بعقد المداينة في قوله: (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ) ، دليل على نفي الخيار وإيجاب الثبات. ثم قال: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ) «٣» تحصينا للمال، وقطعا لتوقع الجحود، ومبالغة في الاحتياط. وقال تعالى: (وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ، وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً) «٤» . فلو كان لهما الخيار قبل التفرق لم يكن في الشهادة احتياط، ولا كان أقوم للشهادة إذا لم يمكن إقامة الشهادة بثبوت المال. ثم قال تعالى: (إِذا تَبايَعْتُمْ) ، وإذا: كلمة تدل على الوقت، فاقتضى ذلك الأمر بالشهادة عند وقوع التبايع من غير ذكر الفرقة، فأمر

стр. 449

برهن مقبوضة في السفر، بدلا من الاحتياط بالاشهاد في الحضر، وفي إثبات الخيار إبطال الرهن إذ غير جائز إعطاء الرهن بدين لم يجب بعد. فدلت الآية بما تضمنته من الأمر بالإشهاد على عقد المداينة، والتبايع من غير تعوض للافتراق أن لا خيار، إذ كان إثبات الخيار مانعا معنى الاشهاد والرهن، فهذا كلام الرازي بأحكام القرآن حكيناه بلفظه، والجواب عنه: أن الله تعالى وتقدس، أمر بالإشهاد والكتابة بناء على غالب الحال في أن الشهود يطلعون على الافتراق والبيع جميعا، وليس للبيع مما يدوم غالبا أو يتمادى زمانه، حتى يجري الإشهاد على أحدهما دون الآخر، فأراد الله تعالى بيان الوثائق على ما جرت به العادة من البيع، ويدل على ذلك، أن قبل القبض لا ينبرم العقد في البيع وفي الصرف، وإذا تفرق المتبايعان بطل الصرف، وإذا هلك المبيع قبل القبض بطل البيع، فتبطل الوثائق جملة، وذلك لم يمنع الإرشاد إلى الوثائق في البياعات والمداينات، وكذلك بالقول في خيار الرؤية فيما لم يره في خيار الشرط، فلا حاصل لما قاله هؤلاء فاعلمه. ووراء ذلك تعلق الرازي بفنون، يفع الجواب عنها في مسائل الخلاف، لا تعلق لها بمعاني القرآن، وذلك عادته، فإنه إذا انتهى إلى مسألة مختلف فيها، بين أبي حنيفة وغيره، يستقصي الكلام فيها فيما يتعلق بالخبر والقياس، ويخرج بها عن مقصود الكتاب. قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) «١» الآية. معناه: لا يقتل بعضكم بعضا، وهو نظير قوله تعالى: (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ) «٢» .

стр. 450

أي حتى يقتلوا بعضكم، ومجازه أنهم كالشخص الواحد، والمؤمنون كالبنيان يشد بعضه بعضا. ويحتمل أن يقال: ولا تقتلوا أنفسكم في الحرص على الدنيا وطلب المال، بأن يحمل نفسه على الغرر المؤدي إلى التلف. ويحتمل «ولا تقتلوا أنفسكم» في حال ضجر أو غضب. قوله تعالى: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً) «١» . الوعيد في ذلك يجوز أن يرجع إلى أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حق، ويجوز أن يرجع إلى كل ما نهى الله عنه فيما تقدم، وقيد الوعيد بذكر العدوان والظلم، ليخرج منه فعل السهو والغلط، وذكر الظلم والعدوان مع تقارب معانيهما لاختلاف ألفاظهما، حسن في الكلام، كما يقال: «ألفى قولها كذبا ومينا» ، وحسن العطف لاختلاف اللفظين، يقال بعدا وسحقا، وحسن لاختلاف اللفظ. قوله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ) ، الآية (٣٢) . ورد في تفسيره عن مجاهد عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله، تغزوا الرجال ولا تغزوا وتذكر الرجال ولا نذكر، فأنزل الله تعالى: (وَلا تَتَمَنَّوْا، الآية) «٢» .

стр. 451

ونزل: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ) «١» . وروى قتادة عن الحسن: «لا يتمنى أحد المال وما يدريه لعل هلاكه في ذلك المال «٢» » . وقال قتادة: كان أهل الجاهلية لا يورثون المرأة شيئا ولا الصبي، فلما جاء الإسلام، وجعل للمرأة النصف من نصيب الذكر، قال النساء، «لو كان أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال، وقلن: إنا لنرجو أن نفضل عليهم في الآخرة» ، فنزل قول الله تعالى: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) «٣» . فللمرأة الجزاء على الحسنة عشر أمثالها كما للرجال. قال: (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) «٤» ، ونهى الله أن تتمنى المرأة ما فضل الله بعضهم على بعض، لأن الله تعالى أعلم بصالحهم منهم، فوضع القسمة منهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم. وبالجملة: التمني إذا لم يفض إلى حسد في ابتغاء زوال نعمة الغير أو تباغض، فلا نهي عنه، فإن الواحد منا يود أن يكون إماما وسيدا في الدين والدنيا، ولا نهي عنه، وإن علم قطعا أنه لا يكون. وورد في الخبر أن الشهيد يقال له: تمن، فيقول:

стр. 452

أتمنى أن أرجع إلى الدنيا، وأقتل في سبيل الله «١» ورسول الله ﷺ ، كان يتمنى إيمان أبي طالب وأبي لهب وصناديد قريش، مع علمه بأنه لا يكون، وكان يقول: «واشوقاه إلى إخواني الذين يجيئون من بعدي يؤمنون بي ولا يروني» «٢» . وذلك كله يدل على أن التمني لا ينهى عنه إذا لم يكن داعية الحسد والتباغض، والتمني المنهي عنه في الآية من هذا القبيل، ومنه النهي عن الخطبة على خطبة أخيه، لأنه داعية الحسد والمقت. قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) ، الآية (٣٣) : قال ابن عباس ومجاهد: المولى ها هنا العصبة. وقال السدي: الورثة. وأصل المولى: من ولي الشيء يليه، وهو إيصال الولاية في التصرف، والمولى لفظ مشترك يطلق على وجوه، فيسمى المعتق مولى والمعتق كمثل، ويقال: المولى الأسفل والأعلى، لاتصال كل واحد منهما بصاحبه، ويسمى الناصر المولى. (وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ) «٣» .

стр. 453

ويسمى ابن العم مولى، والجار مولى. وقد بسط المتكلمون من أهل السنة أقوالهم في هذا في الرد على الإمامية، عند احتجاجهم بقوله ﵇: «من كنت مولاه فعلي مولاه» «١» ، فمعنى الولاء هاهنا العصبة، لقوله ﵇: «ما أبقت السهام فلأولى عصبة ذكر» «٢» . وقوله «فلأولى عصبة ذكر» يدل على أن المراد بقوله: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ) هم العصبات «٣» . ومن العصبات المولى الأعلى لا الأسفل، على قول أكثر العلماء، لأن المفهوم في حق العتق، أنه المنعم على المعتق، وكالموجد له، فاستحق ميراثه لهذا المعنى. وحكى الطحاوي عن الحسن بن زياد: أن المولى الأسفل، يرث من الأعلى واحتج فيه بما روي: أن رجلا أعتق عبدا له، فمات المعتق ولم يترك إلا المعتق، فجعل رسول الله ﷺ ميراثه للغلام المعتق «٤» . قال الطحاوي: ولا معارض لهذا الحديث، فوجب القول به، ولأنه إذا أمكن إثبات الميراث للمعتق، على تقدير أنه كالموجد له، فهو

стр. 454

شبيه بالأب، والمولى الأسفل شبيه بالابن، وذلك يقتضي التسوية بينهما في الميراث. والأصل أن الاتصال يعم. وفي الخبر: ومولى القوم منهم» «١» . والذين خالفوا هذا وهم الجمهور قالوا: الميراث يستدعي القرابة ولا قرابة، غير أنا أثبتنا للمعتق الميراث بحكم الإنعام على المعتق، فيقتضي مقابلة الإنعام بالمجازاة، وذلك لا ينعكس في المولى الأسفل. وأما الابن فهو أولى الناس بأن يكون خليفة أبيه وقائما مقامه، وليس المعتق صالحا لأن يقوم مقام معتقه، وإنما المعتق قد أنعم عليه، فقابله الشرع بأن جعله أحق لمولاه المعتق، ولا يوجد هذا في المولى الأسفل، فظهر الفرق بينهما. قوله تعالى: (والذين عاقدت «٢» أيمانكم فآتوهم نصيبهم) الآية (٣٣) . قال ابن عباس في ذلك: كان المهاجر يرث الأنصاري دون ذي رحمه بالأخوة التي جعلها الله تعالى بينهم بالإسلام «٣» فلما نزلت: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ)

стр. 455

نسخت، ثم قرأ: (والّذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة والوصاية، وقد ذهب الميراث. وعن ابن عباس: (والّذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) ، فكان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً) «١» يقول: «إلا أن توصوا» «٢» . وعن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (والّذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيموت فيرثه. وعاقد الصديق أبو بكر ﵁ رجلا، فورثه لما مات وقال سعيد بن المسيب: هذا في الذين كانوا يتبنون رجالا ويورثوهم، فأنزل الله تعالى فيهم، أن يجعل لهم من الوصية، ورد الميراث إلى المولى من ذوي الرحم والعصبة «٣» . إذا ثبت هذا فأبو حنيفة، وأبو يوسف، وزفر، ومحمد، صاروا

стр. 456

إلى أن الميراث بالمعاقدة، لم ينفسخ عند فقد الأقربين والمولى، بل يتعلق بها الميراث عند عدم الرحم والولاء، فإن الله تعالى جعل ذوي الأرحام أولى، فإذا لم يكونوا بقي على حكم الآية، وهذا بعيد، فإن الذي في الآية: (ولكل جعلنا موالي ممّا ترك الوالدان والأقربون والّذين عاقدت أيمانكم) . فأثبت الميراث بالمعاقدة عند وجودها، وعلى أن قوله: (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) ، ليس نصا في الميراث، بل معناه: من النصرة والمعونة والرفاد. قوله تعالى: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ «١» عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ) الآية (٣٤) . ورد في الخبر، أن رجلا لطم امرأته لنشوزها عنه فجرحها، فاستعدت عليه إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ «٢» : القصاص، فأنزل الله تعالى: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) «٣» .

стр. 457

ثم أنزل: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ) . وقيل: ما كان الضرب على النشوز مشروعا ثم شرع. ودلت الآية على أن الزوج يقوم بتدبير المرأة، وتأديبها، وإمساكها في بيتها، ومنعها من البروز، وأن عليها طاعته وقبول أمره، ما لم تكن معصية. وقوله تعالى: (بِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ) ، يدل على أن الزوج جعل قوّاما عليها، حابسا لها على نفسه، ومانعا من البروز لأجل ما أنفق عليها من المال. نعم بين الله تعالى أمر النفقة في مواضع في كتابه في قوله: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) «١» . وقول النبي ﷺ : ولكن في هذه الآية ذكر علة النفقة، فلا جرم، فهم العلماء منهما أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قواما عليها، حتى زال الحبس في الدار على المذاهب كلها، ولها فسخ النكاح على مذهب الشافعي ﵁، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها، وحابسا لها، فقد أخل غرض التحصين بالنكاح، فإن الغرض من النكاح على مذهب الشافعي ﵁، لأنه إذا خرج عن كونه قواما عليها، وحابسا لها فقد أخل غرض التحصين بالنكاح، فإن الغرض من النكاح تحصينها، وإلا فهن حبائل الشيطان وعرضة الآفات، فإذا لم يكن قواما عليها، كان لها فسخ العقد، لزوال المقصود الذي شرع لأجله النكاح، وفيه دلالة ظاهرة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح، عند الإعسار بالنفقة والكسوة.

стр. 458

قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ) «١» الآية (٣٤) . أمر الله تعالى بمراعاة الترتيب في استيفاء الحق من الممتنع على هذا الوجه، فإن لم يتأت إلا بالضرب والايجاع فيجوز، ولكن الضرب هو القدر الذي يصلحها له ويجعلها على توفية حقه. وليس له أن يضرب ضربا يتوقع منه الهلاك، فإن المقصود الصلاح لا غيره، فلا جرم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان، وكذلك القول في ضرب المؤدب لتعليم غلامه القرآن والأدب، ولأجله قال رسول الله ﷺ : «لصاحب الحق يد ولسان» «٢» . وقال: «مطل الواجد يحل عرضه وعقوبته» . يعني قوله: «يحل عرضه» أن يقول: يا ظالم يا معتدي. وعنى بعقوبته: طلب حبسه. نعم: الصائل على مال الإنسان له دفعه عن ماله، وإن لم يتأت إلا بالقتل، لأن المال يخلص له عند ذلك، وهاهنا إذا نشزت، فليس في هلاكها استيفاء الحق بل فيه تفويته، فإنما رخص في ضرب مصلح وهذا بين. قوله تعالى: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) . قال أبو عبيدة، معناه: لا تعللوا عليهن بالذنوب.

стр. 459

قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ «١» أَهْلِها) الآية (٣٥) . اختلف الناس في المخاطبين بهذا الخطاب. فقال سعيد بن جبير: «إنه السلطان الذي يترافعان إليه» . وقال السدي: الرجل والمرأة. قال الشافعي ﵁: والذي يشبه ظاهر هذه الآية، أنه فيما عم الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاتهما، وذلك أني وجدت الله تعالى أذن في نشوز الزوج بأن يصطلحا، وسن رسول الله ﷺ ذلك، وسن في نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفها أن لا يقيما حدود الله بالخلع، وذلك شبيه أن يكون برضا المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئا، إذا أراد استبدال زوج مكان زوج، فلما أمن فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين، دل ذلك على أن حكمهما غير حكم الأزواج، فإذا كان كذلك بعث حكما من أهله، وحكما من أهلها، ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين، ويوكلهما الزوجان بأن يجمعا أو يفرقا إذا رأيا ذلك، ووجدنا حديثا بإسناده عن عليّ يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين، وهذا مذهب أبي حنيفة، وهو أصح المذاهب للشافعي، وإن حكى عن الشافعي فيه قول آخر على موافقة مذهب مالك، وهو أن الحكمين ينفردان دون رضا الزوجين إذا رأيا ذلك، وهو بعيد، فإن إقرار الزوج بالظلم لا

стр. 460

ينافي النكاح، ولا ظلم المرأة مناف لذلك، والظلم إذا ظهر من أي جانب كان، وجب دفعه بطريقة، فأما أن يكون ظهور ظلم الظالم بينهما للحكمين طريقا إلى دفع النكاح دون رضا الزوجين فلا، وليس يزيد ظهور ذلك ظلما على إقرار الزوج أو الزوجة «١» بالظلم. نعم قد يقول القائل: إذا استمرت الوحشة، فلا وجه لتبقية الخصومة ناشبة بينهما، فاشتباه الحال في ذلك، كاشتباه الحال في المتبايعين إذا تخالفا. وهذا بعيد، فإنهما إذا تخالفا فلا يتصور بقاء العقد على نعت الإختلاف ليكون العقد على وضعين متضادين، وها هنا لا شيء يوجب منع بقاء العقد، وخللا في معنى العقد، إنما يظهر من أحدهما ظلم فيدفعه الحاكم فأما فسخ النكاح فلا، وليس كالإيلاء، فإن هناك رجع النعت إلى المقصود وهو الاستمتاع. وبالجملة إن كان للقول الآخر وجه، فمن حيث وقوع الخلل في السكن المقصود بالنكاح، لاستمرار الخصومة بينهما، وذلك يقتضي أن يكون هذا قريبا من الإيلاء، وقد قال مالك: وللحكمين أن يخالعانها دون رضاها، وهذا بعيد، فإن الحاكم لا يملك ذلك، فكيف يملكه الحكمان؟ «٢» .. نعم سميا حكمين- وإن كان الوكيل لا يسمى حكما- لأنه أشبه فعلهما، فهما يجتهدان ويتحريان الصلاح في إنفاذ القضايا بالعدل، إذا وكلا بذلك من جهة الزوجين، وما قضى به الحكمان من شيء فهو جائز
следующие страницы →