مقدمة
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
التفسير الفقهي
في القرآن الكريم آيات تتضمن الأحكام الفقهية ميزها الفقهاء وفسروها في مصنفات خاصة تعرف ب (أحكام القرآن) وهذه المصنفات متأخرة بالنسبة لتدوين المذاهب الفقهية المتّبعة. وأول كتاب عرف في هذا الشأن هو (أحكام القرآن) للشيخ أبي الحسين علي بن حجر السعدي المتوفى سنة ٢٤٤ هـ. ثم توالت التآليف يعرض من خلالها رأي المذهب في استنباط الأحكام من تلك الآيات، بل ونهج هؤلاء المفسرون وهم من فقهاء المذاهب.. منهج الفقهاء في كتبهم من التعصب المذهبي الذي يلوح من خلال التفسير.. ومن يطالع كتاب (أحكام القرآن) للجصاص ...
يقف على اختيار الأحناف من آراء السلف.. وكذلك من يطالع (أحكام القرآن) لابن العربي يتعرف على مذهب الامام مالك ... ومثله هذا الكتاب للهراسي حيث قدم ما اختاره فقهاء الشافعية من آراء فقهية مستنبطة من كتاب الله تعالى.
стр. 2
ويعتبر هذا النموذج من كتب التفسير الموضوعي للقرآن الكريم عدّة الباحثين والفقهاء حيث يسهل مهمة الوقوف على الأحكام الشرعية وهو ما يعرف بفقه الكتاب.
وقد مهّد السلف لهذا المنهج حيث تركوا بين أيدي الخلف وفرة وافرة من حصيلة جهدهم في التفكير وما تفهموه عن رسول الله ﷺ ويعتبر هذا محورا يرتكز عليه البحث وينطلق منه ولا يمكن إغفاله البتة أو تجاوزه كليا.
المصنفات في هذا العلم:
أشهر المصنفات في هذا الفن يمكن سردها على الوجه التالي:
١- (أحكام القرآن) للإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي المتوفى بمصر سنة ٢٠٤ هـ. وهو أول من صنف فيه. جمعه من كلامه البيهقي صاحب السنن، وهو مطبوع.
٢- (أحكام القرآن) للشيخ أبي الحسن علي بن حجر السعدي المتوفى سنة ٢٤٤ هـ.
٣- (أحكام القرآن) للقاضي الامام أبي اسحق إسماعيل بن اسحق الأزدي البصري المتوفى سنة ٢٨٢ هـ. أظنه غير موجود.
٤- (أحكام القرآن) للشيخ أبي الحسن علي بن موسى بن يزداد القمي الحنفي المتوفى سنة ٣٠٥ هـ، وهو على مذهب أهل العراق.
٥- (أحكام القرآن) للشيخ الامام أبي جعفر أحمد بن علي المعروف بالجصاص الرازي الحنفي المتوفى سنة ٣٧٠ هـ، وهو مطبوع ومتداول.
стр. 3
٦- (أحكام القرآن) للشيخ الامام أبي الحسن علي بن محمد المعروف ب (الكيا الهراسي) الشافعي البغدادي المتوفى سنة ٥٠٤ هـ. وهو الذي نقدم له.
٧- (أحكام القرآن) للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف: بابن العربي الحافظ المالكي المتوفى سنة ٥٤٣ هـ. مطبوع ومتداول «١» .
стр. 4
المؤلف الكيا الهراسي ٤٥٠- ٥٠٤ هـ
مؤلف هذا التفسير هو: عماد الدين أبو الحسن علي بن محمد بن علي الطبري المعروف بالكيا الهراسي «١» شيخ الشافعية في بغداد، ولد في ذي القعدة سنة ٤٥٠.
- أصله من خراسان، فيها ولد ونشأ وتلقى علومه الأولى.
شيوخه: تفقه على امام الحرمين الجويني مدّة حتى برع وهو أجل تلاميذه بعد الغزالي.
كما حدث عن أبي علي الحسن بن محمد الصفّار وغيرهم.
تلاميذه: تفقه عليه السلفي، وسعد الخير بن محمد الأنصاري وآخرون رحلاته: قدم نيسابور ودرس بها مدّة، ثم خرج منها إلى بيهق ودرّس بها أيضا، وبعد ذلك قصد العراق حيث تولى التدريس بالمدرسة النظامية ببغداد إلى أن توفي سنة ٥٠٤ هـ.
стр. 5
رتبته العلمية: كان من رؤوس معيدي إمام الحرمين في الدرس ووصف بأنه ثاني الغزالي بل أملح وأطيب في النظر والصوت، وأبين في العبارة والتقرير منه، وإن كان الغزالي أحد وأصوب خاطرا وأسرع بيانا وعبارة منه. وقد اتصل بخدمة محمد الملك بركياروق بن ملكشاه السلجوقي وحظي عنده بالمال والجاه، وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة، وكان محدثا يستعمل الأحاديث في مناظراته ومجالسته.
تعصّبه: ان تفقه الهراسي على امام الحرمين قد أثر ذلك في فكره وظهر ذلك جليا من خلال أسلوبهما المشترك. فامام الحرمين عرف بتعصبه للشافعية وحمله على مذهب الامام أبي حنيفة وكذلك فعل الهراسي.. وهذا ما يبدو واضحا من مقدمة تفسيره هذا حيث يقول:
(ان مذهب الشافعي ﵁ أسدّ المذاهب وأقومها. وأرشدها وأحكمها، وان نظر الشافعي في أكثر آرائه ومعظم أبحاثه، يترقى عن حدّ الظن والتخمين إلى درجة الحق واليقين. والسبب في ذلك أنه- يعني الشافعي- بنى مذهبه على كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأنه أتيح له درك غوامض معانيه، والغوص على تيار بحره لاستخراج ما فيه، وأن الله تعالى فتح له من أبوابه، ويسّر عليه من أسبابه، ورفع له من حجابه ما لم يسهل لمن سواه ... ) «١» .
وانطلاقا من هذا المبدأ كان نهجه في تفسيره حيث التزم الدفاع عن مذهب الامام الشافعي أصولا وفروعا وتخريجا.. وربما أداه ذلك إلى التعسف في التأويل شأن المتعصبين أنى توجهوا.
وان التعصب المذهبي سلاح ذو حدين.. فقد حمل هؤلاء على خدمة
стр. 6
المذهب وفي نفس الوقت خدمة الفقه الاسلامي.. ولكن في بعض الوجوه نرى محاولة ليّ النص وقسره في حمله على معنى معين تأييدا لتصور ذهني مسبق. وعلى أي حال فالرابح من كل هذا هو الفقه الإسلامي.
وفاته: توفي ﵀ يوم الخميس وقت العصر مستهل المحرّم سنة ٥٠٤ هـ ببغداد، ودفن بتربة الشيخ أبي اسحق الشيرازي وحضر دفنه الشريف أبو طالب الزيني، وقاضي القضاة أبو الحسن بن الدامغاني وكانا مقدمي الطائفة الحنفية، وكان بينه وبينهما في حال الحياة منافسة «١» .
стр. 7
الكتاب أحكام القرآن
التعريف بالكتاب وطريقة المؤلف:
يعتبر هذا الكتاب من أهم المؤلفات في التفسير الفقهي عند الشافعية، وأول ما وصل إلينا مطبوعا في مذهبهم. مع العلم بأن كتاب (أحكام القرآن) المنسوب للشافعي إنما هو من جمع البيهقي ولا يستوعب آيات الأحكام بكاملها، بينما هذا الكتاب أحاط بها جميعا، وفق أسلوب الباحثين في هذا الفن.
والمؤلف يعرف بمنهجه قائلا: ولما رأيت الأمر كذلك. يريد رجحان مذهب الشافعي على غيره- أردت أن أصنف كتابا في (أحكام القرآن) أشرح ما ابتدعه الشافعي ﵁. من أخذ الدلائل في غوامض المسائل، وضممت إليه ما نسجته على منواله، واحتذيت فيه على مثاله، على قدر طاقتي وجهدي ومبلغ وسعي وجدي.
من يعرف قدر هذا الكتاب ؟
يقول المؤلف: ولا يعرف قدر هذا الكتاب، وما فيه من العجب العجاب، ولب الألباب، إلا من وفر حظه من علوم المعقول والمنقول،
стр. 8
وتبحر في الفروع، ثم انكب على مطالعة هذه الفصول، بمسكة صحيحة، وقريحة همة غير قريحة «١» .
هذا وقد عمدت (دار الكتب العلمية) في بيروت لإعادة طباعة هذا الكتاب بأسلوب متميز عن الطبعة الأولى.. حيث عهدت إلى لجنة علمية متخصصة.. فأمعنت النظر في التعليقات الواردة.. فأبقت على ما يخدم النص.. وحذفت ما لا نفع فيه.. خاصة وان مراجع الكتاب مطبوعة ومتداولة.. فلا داعي لنقل الفصول بطولها وهي متيسرة بين أيدي الباحثين.
راجين المولى سبحانه أن يحسن إلى كل من سعى في خدمة هذا الكتاب والذي يعتبر خدمة مباشرة (للقرآن الكريم) كتاب الله تعالى المنزل على سيدنا محمد ﷺ .
نفع الله به آمين.
الناشر
стр. 9
الجزء الأول
مقدمة المؤلف
(بسم الله الرّحمن الرّحيم) استعنت بالله قال الشيخ الإمام الأجلّ السيد علم الهدى، شمس الإسلام، عماد الدين، إمام الأئمة، نور الشريعة، قدوة الفريقين: «١» أبو الحسن علي ابن محمد الطبري، ﵀ ورضي عنه:
الحمد لله الذي أكرمنا بتنزيله، وشرفنا بمعرفة تأويله، وشفى صدورنا بواضح بيانه، وهدانا من ظلم الضلالة، وعماية الجهالة به، وجعله ميزان قسط لا يحيف عن الحق غرب لسانه، وضوء هدى لا يجتنى من الشهاب نور برهانه، وعلم نجاة لا يضل من أم قصد سنته، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته..
نحمده على فنون بلائه، وضروب آلائه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يعتصم بحبله، ويأوي في الشبهات إلى حرز عدله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه ونبيه، أرسله ببيان أوضحه، ولسان أفصحه، وشرع شرحه، ودين فسحه، فلم يدع صلوات الله عليه فسادا إلا أصلحه، ولا عنادا إلا زحزحه، صلوات الله عليه ما هلل ملك وسبحه، وعلى من نصره وصحبه.. وبعد:
стр. 10
فإني لما تأملت مذاهب القدماء المعتبرين، والعلماء المتقدمين والمتأخرين واختبرت مذاهبهم وآراءهم، ولحظت مطالبهم وأبحاثهم، رأيت مذهب الشافعي ﵁ وأرضاه أسدها وأقومها، وأرشدها وأحكمها، حتى كان نظره في كبر آرائه، ومعظم أبحاثه، يترقى عن حد الظن والتخمين، إلى درجة الحق واليقين.
ولم أجد لذلك سببا أقوى، وأوضح وأوفى، من تطبيقه مذهبه على كتاب الله تعالى، الذي:
(لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) «١» ..
وأنه أتيح له درك غوامض معانيه، والغوص على تيار بحره لاستخراج ما فيه، وأن الله فتح عليه من أبوابه، ويسر عليه من أسبابه، ورفع له من حجابه، ما لم يسهل لمن سواه، ولم يتأت لمن عداه، فكان على ما أخبر الله تعالى عن ذي القرنين في قوله:
(وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً، فَأَتْبَعَ سَبَباً) «٢» .
ولما رأيت الأمر كذلك، أردت أن أصنف في أحكام القرآن كتابا أشرح فيه ما انتزعه الشافعي ﵁، من أخذ الدلائل في غوامض المسائل، وضممت إليه ما نسجته على منواله، واحتذيت فيه على مثاله، على قدر طاقتي وجهدي، ومبلغ وسعي وجدي، ورأيت بعض من عجز عن إدراك مستلكاته «٣» فهمه، ولم يصل إلى أغراض معانيه سهمه، جعل عجزه عن فهم معانيه، سببا للقدح في معاليه. ولم يعلم أن الدر
стр. 11
در برغم من جهله، وأن آفته من قصور فهمه، وقلة علمه، وما يضر الشمس قصور الأعمى عن إدراكها، والحقائق عجز البليد عن لحاقها..
ولن يعرف قدر هذا الكتاب، وما فيه من العجب العجاب، إلا من وفر حظه من علوم المعقول والمنقول، وتبحر في الفروع والأصول، ثم أكب على مطالعة هذه الفصول بمسكة صحيحة، وقريحة نقية غير قريحة.
وأعوذ بالله من الإعجاب بالإبداع، والميل بالهوى إلى بعض الآراء في مظان النزاع، وأسأله أن يجعل مجامع مساعينا، وجل متاعبنا في طلب مرضاته، إنه ولي قدير، وبالإجابة جدير، فأقول:
لما رأيت أقاويل المفسرين في أحكام القرآن متجاوزة حد البيان، آخذة بطرفي الزيادة والنقصان، جررت في سرحها هذه الفصول، المتضمنة من اللفظ والمعنى شفاء كل عليل، مع انتخابي فيها قصد السبيل، وتوقي التعليل والتطويل ...
فالأول في (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وما فيه من معنى الضمير، فإن فيه ضمير فعل لا يستغني الكلام عنه، لأن الباء من سائر حروف الجر لا بد أن يتصل بفعل، إما مظهر مذكور، وإما مضمر محذوف.
والمضمر في هذا الموضع إما أن يكون خبرا أو أمرا.
فإذا كان خبرا فمعناه: ابدأ بسم الله، ودل الكلام على هذا الضمير لأن القارئ مبتدئ، والحال المشاهدة منبئة عنه، ومغنية عن ذكره..
ومعنى الأمر: ابدءوا بسم الله.
ودل على الأمر قوله تعالى في موضع آخر (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) «١»
стр. 12
ويحتمل أن يكون أرادهما بالضمير، لأن الضمير يحتملهما، ولو صرح بأحدهما امتنعت إرادة الآخر.
وكذلك قوله ﷺ : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان» «١» ، فإن الحكم لما تعلق بضمير يحتمل رفع الحكم رأسا «٢» ، ويحتمل المأثم فلا تبعد إرادتهما، ولو صرح بأحدهما ولم يجز إرادة الثاني..
وقد يجيء من الضمير المحتمل للأمرين، ما لا يصح إرادتهما جميعا معا، فيلحق ذلك بقسم المجمل، كقوله: «الأعمال بالنيات» «٣» ، وحكمه. متعلق بضمير يحتمل جواز العمل، ويحتمل فضيلته، وإرادة الجواز تنفي إرادة الفضيلة، وإرادة الفضيلة تقتضي إثبات حكم شيء منه لا محالة، مع إلحاق النقصان فيه ونفي الفضيلة عنه، ويستحيل إرادة نفي الفضيلة والأصل جميعا في حالة واحدة، وليس احتمال الضمير للأمرين موجبا عموما من حيث الصيغة، ولكنه يحتمل إرادتهما، فإن معنى العموم: اشتمال اللفظ على معنيين من جهة واحدة، وليس مجملا أيضا فإن إرادة الكل جائزة.
والفوائد التي ينتظمها قوله: «بسم الله» ..
الأمر باستفتاح الأمور بها تبركا بذلك.
وذكرها على الذبيحة «٤» .
стр. 13
وشعار من شعائر الدين.
وطرد الشيطان، كما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا سمى العبد الله تعالى على طعامه لم ينل منه الشيطان، فإذا لم يسمه نال منه معه» «١» ..
وفيه إظهار مخالفة المشركين الذين يفتتحون أمورهم بذكر الأصنام أو غيرها من المخلوقين ...
وهو مفزع الخائف.
ودلالة من قائله على انقطاعه إلى الله.
وأنس للسامع.
وإقرار بالألوهية.
واعتراف بالنعمة.
واستغاثه «٢» بالله.
وعبادة له «٣» .
وفيه اسمان من أسماء الله تعالى لا يسمى بهما غيره: وهو الله والرحمن، وهو «٤» أشهر أسماء الله تعالى، الذي ينسب إليه كل اسم، فيقال:
الرؤوف والكريم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الكريم.
стр. 14
سورة البقرة
قوله تعالى في شأن المنافقين وإظهارهم الإيمان مع إضمار الكفر «١» وعدم الأمر بقتلهم يدل على جواز استتابة الزنديق، فإنه تعالى ما أمر بقتلهم.
قوله تعالى: (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا) (٩) .
هو مجاز في حق الله تعالى، فإن الخديعة إخفاء الشيء. ولا يخفى على الله شيء. والقوم إن لم يعرفوا الله تعالى فلا يصح أن يقصدوه بالخداع، وكذلك إن عرفوه، ولكنهم عملوا عمل المخادع، ووباله «٢» رجع إليهم، وكأنهم إنما يخادعون أنفسهم.
أو يقال: يخادعون رسول الله ...
وقوله تعالى: (يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) (١٥) .
يجوز أن يكون مقابلة الكلام بمثله، كقوله: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) «٣» ، وكذلك (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) «٤» الآية..
стр. 15
وقيل: إنه لما رجع وبال الاستهزاء عليهم فكأنه استهزأ بهم.
ولما كانت جريمتهم أضر على المسلمين، أخبر أنهم في الدرك الأسفل من النار، ودل على أن العقوبات في الدنيا ليست على أقدار الجرائم، وإنما هي على قدر مصالح الدنيا «١» ، وجائز أن لا تشرع العقوبة في الدنيا أصلا وإنما تشرع في الآخرة.
وكان رسول الله ﷺ مأمورا في ابتداء الإسلام بالصفح «٢» عنهم، والدفع بالتي هي أحسن، وفرض القتال بعد ذلك للمصلحة.
فيجوز أن يقتل من يظهر الكفر دون من يسر للمصلحة، ويجوز خلافه.
ويجوز أن يرد الشرع بقتل النسوان «٣» وأن يرد بخلافه، والعقل لا يمنع من ذلك.
قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً) (٢٢) .
إبانة للقدرة بأن جعلها على مثال الفراش، وليس ذلك لحكم الإطلاق فإنه لو حلف أن لا يبيت على فراش، فبات على الأرض لم يحنث، ولو قال: لا أقعد في السراج فقعد في الشمس لم يحنث، لأن الإطلاق لا ينصرف إليه ... وكذلك في قوله: (وَالْجِبالَ أَوْتاداً) «٤» .. فأفهم الفرق بين العرف الشرعي واللغوي، والمذكور على وجه التقييد..
قوله تعالى: (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) (٢٩) :
стр. 16
يدل على إباحة الأشياء في الأصل، إلا ما ورد فيه دليل الحظر، وكذلك قوله: (سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) «١» ..
ودل قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً) ، إلى قوله: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) (٢٤) . على الأمر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد.
وقال: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) (٢٥) : وهو دليل على أنه أول مبلغ إليهم..
وقال العلماء: إذا قال أي عبد بشرني بولادة فلان فهو حر، أن الأول من المبشرين يعتق دون الثاني، لأن البشارة حصلت بخبره دون غيره، وهو ما يحصل به الاستبشار ويأتي «٢» على بشرة الوجه.
ولو قال: أي عبد أخبرني بولادتها عتق الثاني مثل الأول، ولذلك يقال: ظهرت تباشير الأمر لأوائله، ولا تطلق البشارة في الشر إلا مجازا..
وقيل: هو عام فيما سر وغم، لأن أصله فيما يظهر أولا في بشرة الوجه من سرور أو غم، إلا أنه كثر فيما يسر فصار الإطلاق أخص به منه بالشر..
قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) (٤١) .
يدل على أن الكفر وإن كان قبيحا، فالأول من السابق أشد قبحا، وأعظم لمأتمه وجرمه، لقوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ) «٣» .. الآية
стр. 17
وقوله: (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) «١» . وقوله: (مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً) «٢» ، وقال ﵇: «إن على ابن آدم القاتل من الإثم في كل قتيل ظلما لأنه أول من سن القتل» «٣» .
وقال: «من سن سنة حسنة» «٤» الحديث.
وقوله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) (٤٣) .
يجوز أن يرجع إلى صلاة معهودة، متقدمة، ويجوز أن يكون مجملا موقوفا على بيان متأخر عند من يجوز ذلك.
(وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) (٤٣) :
لعله ذكره لأن صلاة أهل الكتابين لا ركوع فيها، فأراد أن يخصص الركوع ليعلم به تميز صلاتنا عن صلاتهم..
قوله تعالى: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) (٥٩) .
يدل على أنه لا يجوز تغيير الأقوال المنصوص عليها، وأنه يتعين اتباعها.
стр. 18
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) (٦٧) .
هو مقدم في التلاوة.
وقوله: (قَتَلْتُمْ نَفْساً) «١» (٧٢) مقدم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة «٢» .
ويجوز أن يكون في النزول مقدما وفي التلاوة مؤخرا..
ويجوز أن يكون ترتيب نزولها، على حسب ترتيب تلاوتها، فكان الله تعالى أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها، ثم وقع ما وقع من أمر القتيل، فأمروا أن يضربوه ببعضها «٣» ..
ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب ترتيب تلاوتها وإن كان مقدما في المعنى، لأن الواو لا توجب الترتيب، كقول القائل: أذكر إذ أعطيت زيدا ألف درهم إذ بنى داري، والبناء متقدم العطية. ونظيره في قصة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله:
(قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ- إلى قوله- إِلَّا قَلِيلٌ) «٤» ..
فذكر إهلاك من أهلك منهم، ثم عطف عليه بقوله:
(وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها) «٥» .
стр. 19
فالمعنى يجب مراعاة ترتيبه لا اللفظ، ويستدل به على جواز تأخير بيان المجمل..
وقد قيل: إنه كان عموما وكان ما ورد بعده نسخا..
فقيل له فهو نسخ قبل مجيء وقته.
فأجابوا: بأنه قد جاء وقته وقصروا في الأداء.
وقد قيل فهلا أنكر عليهم في أول المراجعة؟
فأجابوا: بأن التغليظ ضرب من الكبر.
ودل عليه قوله: (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) (٧١) .
وقوله: (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) (٦٨) .
لا يعلم إلا بالاجتهاد، فهو دليل على جواز الاجتهاد، ودليل على اتباع الظواهر مع جواز أن يكون الباطن على خلافه.
وقوله: (مُسَلَّمَةٌ) (٧١) :
يعني من العيوب، وذلك لا يعلم حقيقة وإنما يعلم ظاهرا..
قوله تعالى: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ... الآية) (٧٥) .
دليل على أن العالم بالحق المعاند فيه أبعد عن الرشد، لأنه علم الوعد والوعيد ولم يثنه ذلك عن عناده..
قوله تعالى: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) (٨٠) ، فيه رد على أبي حنيفة في استدلاله بقوله ﵇: «دعي الصلاة أيام حيضتك» «١» .. في أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض، وأقلها ثلاثة
стр. 20
وأكثرها عشرة، لأن ما دون الثلاثة يسمى يوما أو يومين، وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر يوما..
فيقال لهم: فقد قال الله تعالى في الصوم: (أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ) «١» وعنى به جميع الشهر، وقال: (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) وعنى به أربعين يوما، وإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد، بل يقال: أيام مشيك وسفرك وإقامتك وإن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد.
ولعله «٢» أراد ما كان معتادا لها، والعادة ست أو سبع «٣» .
قوله تعالى: (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) (٨١) .
فيه دليل على أن المعلق من اليمين على شرطين لا يتنجز بأحدهما «٤» ومثله قوله تعالى:
(.. الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا) «٥» ..
قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) (٨٣) .
يجوز أن يكون مخصوصا بالمسلمين.
ويجوز أن يكون قد نسخه الأمر بقتال المشركين ولعنهم.
стр. 21
ويجوز أن يكون في الدعاء إلى الله تعالى «١» ..
قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها) (١١٤) :
قوله «منع» : نزل في شأن المشركين حين منعوا المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام، وسعيهم في خرابه بمنعهم من عمارته بذكر الله وطاعته.
وقوله: (أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ) (١١٤) .
يدل على أن للمسلمين إخراجهم منها إذا دخلوها، لولا ذلك ما كانوا خائفين بدخولها.
ويدل على مثل ذلك قوله تعالى: (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ) «٢» :
وعمارتها تكون ببنائها وإصلاحها، والثاني: حضورها ولزومها..
كما يقال: فلان يعمر مسجد فلان، أي يحضره ويلزمه..
قوله : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (١١٥) .
يدل على جواز التوجه إلى الجهات في، النوافل، وللمجتهد جواز التعبد بالجميع..
وقوله: (وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) الآية (١١٦) :
стр. 22
يدل على امتناع اجتماع الملك والولادة، إلا جواز الشراء توسلا إلى العتق بقوله ﵇: «فيشتريه فيعتقه» «١» .. أي بالشراء يعتقه، كقوله ﵇ «الناس عاريان: فبائع نفسه فموبقها؟؟؟، ومشتر نفسه فمعتقها» «٢» .. يريد أنه يعتقها بالشراء لا باستئناف عتق.
قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) ، الآية (١٢٤) .
دلت على أن التنظف ونفي الأوساخ والأقذار عن الثياب والبدن مأمور به، وقد قال سليمان بن فرج أبو واصل: أتيت أبا أيوب فصافحته فرأى في أظفاري طولا، فقال:
جاء رجل إلى النبي ﵇ يسأل عن أخبار السماء، فقال:
يجيء أحدكم فيسأل عن أخبار السماء وأظفاره كأنها أظفار الطير يجتمع فيها الوسخ والنفث؟
وقالت عائشة ﵂:
«خمس لم يكن النبي ﷺ : يدعهن في سفر ولا حضر:
المرآة، والكحل، والمشط، والمدري، والسواك» «٣» .
قوله تعالى: (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) (١٢٤) .
стр. 23
الإمام: من يؤتم به في أمر الدين، كالنبي ﵇، والخليفة والعالم.
أخبر الله تعالى إبراهيم أنه جاعله للناس إماما، وسأل إبراهيم ربه أن يجعل من ذريته أئمة، فقال تعالى:
(لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (١٢٤) .
ودل قول الله تعالى: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) على أن الإجابة قد وقعت له في أن من ذريته أئمة، ولكن لا إمامة لظالم حتى لا يقتدى به، ولا يجب على الناس قبول قوله في أمر الدين.
نعم: كان يجوز أن تظهر المعجزة على يد فاسق ظالم، ويجب قبول قوله لوجود الدليل، وإن لم يجب قبول قول الفاسق، لعدم ظهور الصدق الذي هو دليل قبول قوله، فأما دليل المعجزة فلا يختلف بالظلم وعدمه عقلا، غير أن العصمة وجبت للأنبياء سمعا.
ويجوز عقلا وجوب قبول قول الفاسق، ولكن دلت هذه الآية على أن عهد الله تعالى لا ينال الظالمين.
فيحتمل أن يكون ذلك النبوة، ويحتمل أن يكون ما أودعهم من أمر دينه، وأجاز قولهم فيه، وأمر الناس بقبوله منهم.
ويطلق العهد على الأمر، قال الله تعالى:
(إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا) «١» ، يعني أمرنا، وقال:
(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ) «٢» . يعني: ألم أقدم إليكم الأمر به.
стр. 24
وإذا كان عهد الله هو أوامره، فقوله: (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) ، لا يريد به أنهم غير مأمورين لأن ذلك خلاف الإجماع، فدل على أن المراد به أن يكونوا بمحل من تقبل منهم أوامر الله، ولا يؤمنون عليها.
قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً «١» لِلنَّاسِ وَأَمْناً) ، يحتج به في كون الحرم مأمنا، ويحتمل أن يكون معناه جميع الحرم، كقوله:
(وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «٢» . وقوله: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) «٣» . إلا أن معناه أنه مأمن عن النهب والغارات، ولذلك قال النبي ﵇ في خطبته يوم فتح مكة:
«إن الله حبس عن مكة الفيل، وملك عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد» «٤» .
نعم، قد روى أبو شريح الكعبي أن النبي ﷺ قال:
«إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يسفكن فيها دم، وإن الله تعالى حلها لي ساعة ولم يحلها للناس» «٥» .
стр. 25
ويحتمل أن يكون جعلها مأمنا ما جعل فيها من العلامة العظيمة على توحيد الله تعالى، واختصاصه لها بما يوجب تعظيمها ما شوهد من مر الصيد فيها، فإن سائر بقاع الحرم مشبهة لبقاع الأرض، ويجتمع فيها الكلب والظبي، فلا يهيج الكلب، ولا ينفر منه الظبي، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه، وعاد إلى النفور والهرب.
وقوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) (١٢٥) .
يدل على ركعتي الطواف وغيرهما من الصلوات.
وقوله: (أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (١٢٥) .
يدل من وجه على أن الطواف للغرباء أفضل، والصلاة للمقيمين والعاكفين بها أفضل..
ويدل على اشتراط الطهارة للطواف، ويدل على جواز الصلاة في نفس الكعبة ردا على مالك في منع الصلاة المفروضة في الكعبة «١» . دون النفل.
وأمره بتطهير نفس البيت يدل على الصلاة- التي شرعت الطهارة فيها- في نفس البيت.
ودل أيضا قوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «٢» على جواز الصلاة «٣» ، إذ الشطى الناحية، والمصلّى في البيت متوجه إلى ناحية منه.
стр. 26
قوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً) (١٢٦) .
يعني من القحط والغارة لا على ما ظنه بعض الجهال أنه يمنع من سفك الدم في حق من لزمه القتل. فإن ذلك يبعد كونه مقصودا لإبراهيم ﵇ حتى يقال: إنه طلب من الله أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحرم ممن حرم الله تعالى عليه دخول الحرم والمقام فيه وأمره بالخروج ومنع من معاملته. وتعزيره على ظلمه دون أن يكون مراده منه رفع القبّر؟؟؟ «١» والغارات والنهوب والقتال خاصة إذا قيل: يجوز قطع الأيدي في السرقة وإقامة الجلدات في الجرائم الموجبة لها. وكيف يحصل معنى الأمن مع هذا؟
ودل سياق الآية على ذلك. فإنه تعالى قال:
(وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ) «٢» .
وقال: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) «٣» .
ومنع الله تعالى من اصطلام «٤» أهلها ومنع من الخسف والغرق الذي لجوّ غيرها وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار أهلها متميزين بالأمن عن غيرهم من أهل القرى.
قوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) «٥» ، يوجب الطواف
стр. 27
لجميع البيت فمن سلك الحجر أو علا شاذروان «١» الكعبة وهي من البيت فلم يطف جميع البيت فلا يجوز.
قوله: (رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا) (١٢٧) .
معناه: يقولان ربنا كما قال تعالى:
(وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) «٢» معناه: يقولون: أخرجوا أنفسكم.
قوله تعالى: (أَرِنا مَناسِكَنا) (١٢٨) .
يقال أن أصل النسك في اللغة الغسل يقال منه: نسك ثوبه إذا غسله وهو في الشرع اسم للعبادة يقال: رجل ناسك إذا كان عابدا.
وقال البراء ابن عازب:
خرج النبي ﵇ يوم الأضحى فقال:
«إن أول نسكنا في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح» «٣» .
وقال : (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) «٤» يعني ذبح شاة.
ومناسك الحج: ما يقتضيه من الذبح وسائر أفعاله.
وقال ﵇ حين دخل مكة محرما:
«خذوا عني مناسككم» «٥» .
стр. 28
قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ) الآية (١٣٠) .
يدل على لزوم اتباع إبراهيم في شرائعه فيما لم يثبت نسخه.
وقوله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها؟ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) (١٤٢) .
يدل على جواز النسخ: لقوله: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) ومعناه: أن الجهات لا تقتضي التوجه في الصلاة إليها لذواتها وإنما وجود التوجه إليها بإيجاب الله تعالى.
وقد دلت الآية أيضا على جواز نسخ السنة بالقرآن «١» لأن النبي ﵇ كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس- وليس في القرآن ذكر ذلك- ثم نسخ.
ومن يأبى ذلك يقول: قد ذكر ابن عباس أنه نسخ قوله تعالى:
(فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) «٢» . وكان التوجه إلى حيث كان من الجهات في مضمون الآية ثم نسخ بالتوجه إلى الكعبة.
ولما نسخت القبلة إلى بيت المقدس وصل الخبر إلى أهل قباء في صلاتهم فاستداروا ففهم منه أن الأمة إذا عتقت وهي في الصلاة أنها تأخذ قناعها وتبني وهذا أصل في قبول خبر الواحد في أمر الدين.
ويدل على جواز ثبوت نسخ بقاء الحكم بعد الأمر الأول بقول الواحد.
وأن الدليل الموجب للعلم بثبوت الحكم غير الدليل المبقي ولذلك
стр. 29
صح ثبوت النسخ بقول الواحد.
ويمكن أن يفهم منه أن المتيمم إذا رأى الماء في خلال الفلاة يتوضأ ويبنى.
وقوله تعالى: (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (١٤٤) «١» :
خطاب لمن كان معاينا للكعبة ولمن كان غائبا عنها.
والمراد لمن كان حاضرها إصابة عينها ومن كان غائبا عنها ولا يمكنه إصابة عينها فلا يكلف ما لا يطيق وإنما سبيله الاجتهاد فهو دليل على استعمال الأدلة وهو سبيل القياس في الحوادث أيضا.
ويدل على أن الأشبه من الحوادث حقيقة مطلوبة بالاجتهاد ولذلك صح تكليف طلب القبلة بالاجتهاد لأن لها حقيقة ولو لم يكن هناك قبلة رأسا لما صح تكليفنا طلبها.
قوله: َ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ
«٢» وَمُوَلِّيها) (١٤٨) :
يفيد أن لكل قوم من المسلمين وجهة من أهل سائر الآفاق إلى جهات الكعبة وراءها وقدامها وعن يمينها أو شمالها كأنه أفاد أنه ليس جهة من جهاتها بأولى أن تكون قبلة من غيرها.
стр. 30
قوله: َاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ)
(١٤٨) :
يدل على أن تعجيل الطاعات أفضل من تأخيرها.
قوله تعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (١٥٠) .
من الناس من يحتج به في جواز الاستثناء من غير جنسه وقد قال قوم: هو استثناء منقطع «١» ومعناه: لكن الذين ظلموا منهم يتعلقون بالشبهة ويضيعون موضع الحجة وهو مثل قوله:
(ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) «٢» . معناه: لكن اتباع الظن.
وقال النابغة:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب
ومعناه: لكن بسيوفهم فلول وليس بعيب.
وقيل: أراد بالحجة المحاجة والمجادلة ومعناه: لئلا يكون للناس عليكم حجاج إلّا الذين ظلموا منهم يحاجونكم بالباطل.
قوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (١٥٢) .
يحتمل التفكر في دلائله.
ومثله قوله: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) «٣» .
стр. 31
وقوله تعالى بعده: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) (١٥٣) :
عقب قوله (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) .
يدل على أن الصبر وفعل الصلاة معونة في التمسك بأدلة العقول الدالة على وحدانيته.
وهو مثل قوله: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) «١» أخبر أن فعل الصلاة لطف في ترك الفحشاء والمنكر ثم عقبه بقوله:
(وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) .
يعني أن ذكر الله تعالى بالقلب في دلائله أكبر من فعل الصلاة وأن فعل الصلاة معونة في التمسك بهذا الذكر ولطف في إدامته.
قوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ) الآية (١٥٤) :
قيل دليل على إحياء الله الشهداء بعد موتهم لا حياة القيامة فإنه قال: «ولكن لا تشعرون» .
وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم وفيه دليل على عذاب القبر.
قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (١٥٥) :
فقدم ذكر ما علم أنه يصيبهم ليوطنوا أنفسهم عليه فيكون أبعد لهم من الجزع ويكونوا مستعدين له فلا يكون كالهاجم عليهم.
стр. 32
وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العزم وتوطين النفس.
قوله تعالى: (الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ) (١٥٦) :
يعني إقرارهم بالعبودية في تلك الحالة بتفويض الأمور إليه والرضا بقضائه فيما يبتليهم به وأنه لا يقضي إلا بالحق كما قال تعالى:
(وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ) «١» .
وقوله: (وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) إقرار بالبعث وأن الله تعالى يجزي الصابرين على قدر استحقاقهم.
ثم الصبر على جهات مختلفة:
فما كان على فعل الله تعالى فهو بالتسليم والرضا وما كان من فعل العدو فهو بالصبر على جهادهم والثبات على دين الله تعالى لما يصيبهم من ذلك.
ونبهت الآية على فرح الصابرين وما في الصبر من تسلية عن الهم ونفي الجزع وفيه صبر على أن الفرائض لا يثنيه عنها مصاعب الدنيا وشدائدها..
وفي التلفظ بقوله تعالى: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) غيظ الأعداء لعلمهم بجده واجتهاده ويقتدي به غيره إذا سمعه وربما ترقى الأمر بالصابر المفكر في الدنيا إلى أن- لا يحب- البقاء فيها وهو الزهد في الدنيا والرضا بفعل الله تعالى عالما بأنه صدر من عند من لا يتهم عدله
стр. 33
ولا يصدر عن غير الحكمة فعله. وأنه لا يجوز أن يفوته ما قد قدر لحوقه به ومن علم أن لكل مصيبة ثوابا فينبغي أن لا يحزن لها.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ) (١٥٩) مع أمثاله في القرآن:
يدل على وجوب إظهار علوم الدين وتبيينها للناس وعم ذلك المنصوص عليه والمستنبط لشمول اسم الهدى للجميع.
وفيه دليل على وجوب قبول قول الواحد لأنه لا يجب البيان عليه إلا وقد وجب قبول قوله..
وقال: (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) (١٦٠) . فحكم بوجوب البيان بخبرهم.
فإن قيل: إنه يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر بهم الخبر..
قلنا: هذا غلط لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه.
ومتى جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ في النقل فلا يكون خبرهم موجبا للعلم.
ودلت الآية أيضا على لزوم إظهار العلم وترك كتمانه ومنع أخذ الأجرة عليه إذ لا تستحق الأجرة على ما عليه فعله كما لا يستحق الأجرة على الإسلام.
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا) «١» .
стр. 34
وذلك يمنع أخذ الأجرة على الإظهار وترك الكتمان لأن قوله:
(وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا) مانع من أخذ البدل عليه من سائر الوجوه إذ كان الثمن في اللغة هو البدل.
وقوله: (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا) (١٦٠) :
يدل على أن التوبة من الكتمان إنما تكون بإظهار البيان وأنه لا يكتفي في صحة التوبة بالندم على الكتمان فيما سلف دون البيان فيما يستقبل..
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ) (١٦٠) .
فيه دليل على أن على المسلمين لعن من مات كافرا وأن زوال التكليف عنه بالموت لا يسقط عنه مذمة لعن المسلمين وكذلك إذا جن الكافر وأنه ليس لعنتنا له بطريق الزجر عن الكفر بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره..
وقد قال قول من السلف إنه لا فائدة في لعن من مات أو جن منهم لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر فإنه لا يتأثر به..
والمراد بالآية على هذا المعنى أن الناس يلعنونه يوم القيامة ليتأثر بذلك ويتضرر به ويتألم قلبه ويكون ذلك جزاء على كفره كما قال تعالى:
(ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) «١» ..
ويدل على صحة هذا القول أن الآية دالة على الإخبار من الله تعالى بلعنهم لا على الأمر..
стр. 35
قوله تعالى: (وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) (١٦٣) .
دل على الاتحاد في الذات والصفات واستحالة المثل والاتحاد في الوجوه منفردا بالقدم فانتظم وصفه لنفسه بأنه واحد هذه المعاني..
وقوله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) (١٦٤) :
بيان توحده في أفعاله وأمر لنا بالاستدلال بها ردا على من نفى حجج العقول..
واعلم أن الدلالة الأصلية على الصانع إثبات حدوث الأجسام والجواهر أما قوله تعالى على التفصيل: (إِنَّ فِي خَلْقِ «١» السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) فهو من جهة وقوف السماء على غير عمد ودلالة ذلك من جهة السكون أو الحركة..
وفيه شيء آخر وهو أن وقوف الثقيل بلا مساك «٢» يقله تتعجب منه العامة مع أن الثقل لا معنى له إلا اعتمادات يخلقها الله تعالى وليس يجب هوى الجرم وذهابه في جهة دون جهة من جهة كثرة الأجزاء وقلتها غير أن وقوف العظيم غير هاو متعجّب منه عند من لا يعرف السبب فيه..
ولا سبب للسكون إلا خلق الله تعالى السكون فيه ولا يقف حجر في الهواء من غير علاقة «٣» ودل ذلك على القدرة وخرق العادة:
ولو جاء نبي وتحدى بوقوف جبل في الهواء دون علاقة كان معجزا..
стр. 36
وأما اختلاف الليل والنهار فلتعاقبهما. وتعاقبهما على سنن واحد يدل على أول لاستحالة حوادث لا أول لها..
ودل اتساق هذه الأفعال وحركات الفلك على أن لها صانعا عالما قادرا يدبرها ويديرها.
ودلالة الفلك من جهة أن الجسم السيال كيف يحمل الثقل العظيم وكيف صار الفلك على عظمه وثقل ما فيه مسخرا للرياح وذلك يقتضي مسخرا يسخر الفلك والماء والرياح.
والماء المنزل من السماء فيه دليل من جهة أن الماء شابه السيلان فارتفاعه عجب ثم إمساكه في السحاب غير سائل منه حتى ينقله إلى الموضع الذي يريده بالسحاب المسخرة لنقله فيه فجعل السحاب مركبا للماء والرياح مركبا للسحاب حتى يسوقه من موضع إلى موضع ليعم نفعه سائر خلقه كما قال الله تعالى:
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ) «١» . ثم أنزل ذلك الماء قطرة قطرة لا تلتقي واحد مع صاحبتها في الجو مع تحويل الرياح لها حتى تنزل كل قطرة على حيالها إلى موضعها من الأرض فلولا أن مدبرا دبره على هذا الوجه كيف كان يجوز أن ينزل الماء من السحاب مع كثرته وهو الذي تسيل منه السيول العظام على هذا الترتيب والنظام فلو اجتمع القطر وائتلف في الجو لقد كان يكون نزولها مثل السيول المجتمعة منها عند نزولها إلى الأرض فيؤدي ذلك إلى هلاك الحرث والنسل.
واعلم أن من عرف حدوث العالم لأمر مرّ يعلم أن فعل الله تعالى
стр. 37
في جميع ما ذكرناه لا بآلة فلا العلاقة ماسكة ولا الماء حامل ولا الريح ولا السحاب مركب ولا الرياح سابقة فإنها جمادات لا أفعال لها وإنما هذه عادات أجراها الله تعالى وليست موجبة وكذلك حياة الأراضي بالمياه وخروج أنواع النبات منها ليس بالمياه ولعل إجراء العادة في إنشاء الخلق على النظام المعلوم تنبيه للعباد عند كل حادث من ذلك على قدرته والفكر في عظمته وليشعرهم في كل وقت بما أغفلوه ويحرك خواطرهم للفكر فيما أهملوه فخلق الأرض والسماء ثابتين لا يزولان إلى الوقت المقدر ثم أنشأ الحيوان من الناس وغيرهم من الأرض ثم أنشأ للجميع رزقا منها وأقواتا تبقي حياتهم بها.
ولم يعطهم ذلك الرزق جملة فيظنون أنهم مستغنون بما أعطوا بل جعل لهم قوتا معلوما في كل سنة بمقدار الكفاية لئلا يبطروا ويكونوا مستشعرين بالافتقار إليه في كل حال.
ووكل إليهم بعض الأسباب التي يتوصلون بها إلى ذلك من الحرث والزراعة ليشعرهم أن للأعمال ثمرات من الخير والشر فيكون ذلك باعثا لهم إلى فعل الخير ليجتنوا ثمرته واجتناب الشر ليسلموا من مغبته فيتولى من الأسباب ما لا يتأتى للخلق تحصيله.
ثم جعل تلك الأسباب داعية لهم إلى الكسب والتبذل في الأعمال الشاقة لئلا يبطروا وجعل أخلاقهم متفاوتة ليختلف بذلك صناعاتهم ويختلف درجاتهم في المهن والأعمال وأنزل ما أنزل إلى الأرض بمقدار الحاجة ثم لم يقتصر فيما أنزله من السماء على منافعه في وقت نزوله حتى جعل للماء مخازن وينابيع في الأرض يجتمع فيها ذلك الماء فيخزن أولا فأولا على مقدار الحاجة كما قال تعالى:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ)
стр. 38
(فِي الْأَرْضِ)
«١» وقال:
(وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ) «٢» ..
ولو كان اقتصر على ما ينزل من السماء من غير حبس له في الأرض إلى وقت الحاجة لكان قد سال كله وكان في ذلك هلاك الحيوانات كلها فجعل الأرض بمثابة بيت يأوي إليه الإنسان والسماء بمنزلة السقف وجعل ما يحدثه من المطر والنبات والحيوان والملابس والمطاعم بمنزلة ما ينقله الإنسان إلى بيته لمصالحه.
ثم سخر هذه الأرض لنا وذللها للمشي عليها وسلوك طرقها ومكننا من الانتفاع بها في بناء الدور والبيوت للسكن من المطر والحر والبرد وتحصينا من الأعداء ولم يحوجنا إلى غيرها وأي موضع أردنا منها بالانتفاع بها «٣» . في إنشاء الأبنية مما هو موجود فيها من الحجارة والجص والطين ومما يخرج منها من الخشب والحطب أمكننا ذلك.
وسهل علينا سوى ما أودعها من الجواهر التي عقد بها منافعها من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس وغير ذلك كما قال تعالى: (وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) «٤» ..
فهذه كلها وما يكثر تعداده ولا يحيط به علمنا من بركات الأرض ومنافعها..
ثم لما كانت مدة أعمارنا وسائر الحيوان لا بد أن تكون متناهية جعلها كفاتا لنا بعد الموت كما جعلها في الحياة فقال:
стр. 39
(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً، أَحْياءً وَأَمْواتاً) «١» ، وقال:
(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها) «٢» الآية..
ثم لم يقتصر فيما خلق من النبات والحيوان على الملذ دون المؤلم، ولا على الغذاء دون السم، ولا على الحلو دون المر، بل مزج ذلك كله ليشعرنا أنه غير مريد منا الركون إلى هذه الدار، لئلا تطمئن نفوسنا إليها فنشتغل بها عن الدار الآخرة التي خلقنا لها، فكان النفع في خلق الدواب المؤذية كالنفع في اللذة السارة، ليشعرنا في هذه الدار كيفية الآلام، ليتضح الوعيد بألم الآخرة، وينزجر عن القبائح، فإذا رأى حرّا مفرطا تذكر نار جهنم فيتعوذ بالله منها، وإذا رأى بردا مفرطا تذكر برد الزمهرير فيتعوذ منه، واستدل بالقليل الفاني على الكثير الباقي، وانزجر عن القبائح طلبا لنعيم محض لا يشوبه كدر.
وفي قوله تعالى: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) (١٦٤) دلالة على إباحة ركوب البحر تاجرا وغازيا، وطالبا صنوف المآرب.
وقال في موضع آخر:
«هو الّذي يسيّركم في البرّ والبحر» «٣» . وقال:
«ربكم الّذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله» «٤» ..
стр. 40
فقد انتظم «١» التجارة وغيرها، كقوله تعالى:
(فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) «٢» .
(أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) «٣» .
قوله تعالى: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) (١٧٣) عموم في السمك والجراد وغيرهما.
وللناس كلام في جواز تخصيص عموم كلام الله تعالى بالسنة، وقد روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
«أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالطحال والكبد» .
وقد روى عمرو بن دينار عن جابر في قصة جيش الخبط «٤» :
فإن البحر ألقى إليهم حوتا أكلوا منه نصف شهر، فلما رجعوا إلى النبي ﵇ فأخبروه، فقال: هل عندكم منه شيء تطعموني؟
وبالجملة: الخبر عام، وأيضا الكتاب عام، فإذا وقع التنازع في الطافي «٥» ، لم يصح الاستدلال بعموم الخبر على عموم الكتاب..
ومنهم من يستدل على تخصيص عموم آية تحريم الميتة بقوله تعالى:
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ) «٦» .