وأما اختلاف الليل والنهار فلتعاقبهما. وتعاقبهما على سنن واحد يدل على أول لاستحالة حوادث لا أول لها..
ودل اتساق هذه الأفعال وحركات الفلك على أن لها صانعا عالما قادرا يدبرها ويديرها.
ودلالة الفلك من جهة أن الجسم السيال كيف يحمل الثقل العظيم وكيف صار الفلك على عظمه وثقل ما فيه مسخرا للرياح وذلك يقتضي مسخرا يسخر الفلك والماء والرياح.
والماء المنزل من السماء فيه دليل من جهة أن الماء شابه السيلان فارتفاعه عجب ثم إمساكه في السحاب غير سائل منه حتى ينقله إلى الموضع الذي يريده بالسحاب المسخرة لنقله فيه فجعل السحاب مركبا للماء والرياح مركبا للسحاب حتى يسوقه من موضع إلى موضع ليعم نفعه سائر خلقه كما قال الله تعالى:
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ) «١» . ثم أنزل ذلك الماء قطرة قطرة لا تلتقي واحد مع صاحبتها في الجو مع تحويل الرياح لها حتى تنزل كل قطرة على حيالها إلى موضعها من الأرض فلولا أن مدبرا دبره على هذا الوجه كيف كان يجوز أن ينزل الماء من السحاب مع كثرته وهو الذي تسيل منه السيول العظام على هذا الترتيب والنظام فلو اجتمع القطر وائتلف في الجو لقد كان يكون نزولها مثل السيول المجتمعة منها عند نزولها إلى الأرض فيؤدي ذلك إلى هلاك الحرث والنسل.
واعلم أن من عرف حدوث العالم لأمر مرّ يعلم أن فعل الله تعالى
стр. 37
في جميع ما ذكرناه لا بآلة فلا العلاقة ماسكة ولا الماء حامل ولا الريح ولا السحاب مركب ولا الرياح سابقة فإنها جمادات لا أفعال لها وإنما هذه عادات أجراها الله تعالى وليست موجبة وكذلك حياة الأراضي بالمياه وخروج أنواع النبات منها ليس بالمياه ولعل إجراء العادة في إنشاء الخلق على النظام المعلوم تنبيه للعباد عند كل حادث من ذلك على قدرته والفكر في عظمته وليشعرهم في كل وقت بما أغفلوه ويحرك خواطرهم للفكر فيما أهملوه فخلق الأرض والسماء ثابتين لا يزولان إلى الوقت المقدر ثم أنشأ الحيوان من الناس وغيرهم من الأرض ثم أنشأ للجميع رزقا منها وأقواتا تبقي حياتهم بها.
ولم يعطهم ذلك الرزق جملة فيظنون أنهم مستغنون بما أعطوا بل جعل لهم قوتا معلوما في كل سنة بمقدار الكفاية لئلا يبطروا ويكونوا مستشعرين بالافتقار إليه في كل حال.
ووكل إليهم بعض الأسباب التي يتوصلون بها إلى ذلك من الحرث والزراعة ليشعرهم أن للأعمال ثمرات من الخير والشر فيكون ذلك باعثا لهم إلى فعل الخير ليجتنوا ثمرته واجتناب الشر ليسلموا من مغبته فيتولى من الأسباب ما لا يتأتى للخلق تحصيله.
ثم جعل تلك الأسباب داعية لهم إلى الكسب والتبذل في الأعمال الشاقة لئلا يبطروا وجعل أخلاقهم متفاوتة ليختلف بذلك صناعاتهم ويختلف درجاتهم في المهن والأعمال وأنزل ما أنزل إلى الأرض بمقدار الحاجة ثم لم يقتصر فيما أنزله من السماء على منافعه في وقت نزوله حتى جعل للماء مخازن وينابيع في الأرض يجتمع فيها ذلك الماء فيخزن أولا فأولا على مقدار الحاجة كما قال تعالى:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ)
стр. 38
(فِي الْأَرْضِ)
«١» وقال:
(وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ) «٢» ..
ولو كان اقتصر على ما ينزل من السماء من غير حبس له في الأرض إلى وقت الحاجة لكان قد سال كله وكان في ذلك هلاك الحيوانات كلها فجعل الأرض بمثابة بيت يأوي إليه الإنسان والسماء بمنزلة السقف وجعل ما يحدثه من المطر والنبات والحيوان والملابس والمطاعم بمنزلة ما ينقله الإنسان إلى بيته لمصالحه.
ثم سخر هذه الأرض لنا وذللها للمشي عليها وسلوك طرقها ومكننا من الانتفاع بها في بناء الدور والبيوت للسكن من المطر والحر والبرد وتحصينا من الأعداء ولم يحوجنا إلى غيرها وأي موضع أردنا منها بالانتفاع بها «٣» . في إنشاء الأبنية مما هو موجود فيها من الحجارة والجص والطين ومما يخرج منها من الخشب والحطب أمكننا ذلك.
وسهل علينا سوى ما أودعها من الجواهر التي عقد بها منافعها من الذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس وغير ذلك كما قال تعالى: (وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ) «٤» ..
فهذه كلها وما يكثر تعداده ولا يحيط به علمنا من بركات الأرض ومنافعها..
ثم لما كانت مدة أعمارنا وسائر الحيوان لا بد أن تكون متناهية جعلها كفاتا لنا بعد الموت كما جعلها في الحياة فقال:
стр. 39
(أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً، أَحْياءً وَأَمْواتاً) «١» ، وقال:
(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها) «٢» الآية..
ثم لم يقتصر فيما خلق من النبات والحيوان على الملذ دون المؤلم، ولا على الغذاء دون السم، ولا على الحلو دون المر، بل مزج ذلك كله ليشعرنا أنه غير مريد منا الركون إلى هذه الدار، لئلا تطمئن نفوسنا إليها فنشتغل بها عن الدار الآخرة التي خلقنا لها، فكان النفع في خلق الدواب المؤذية كالنفع في اللذة السارة، ليشعرنا في هذه الدار كيفية الآلام، ليتضح الوعيد بألم الآخرة، وينزجر عن القبائح، فإذا رأى حرّا مفرطا تذكر نار جهنم فيتعوذ بالله منها، وإذا رأى بردا مفرطا تذكر برد الزمهرير فيتعوذ منه، واستدل بالقليل الفاني على الكثير الباقي، وانزجر عن القبائح طلبا لنعيم محض لا يشوبه كدر.
وفي قوله تعالى: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) (١٦٤) دلالة على إباحة ركوب البحر تاجرا وغازيا، وطالبا صنوف المآرب.
وقال في موضع آخر:
«هو الّذي يسيّركم في البرّ والبحر» «٣» . وقال:
«ربكم الّذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله» «٤» ..
стр. 40
فقد انتظم «١» التجارة وغيرها، كقوله تعالى:
(فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) «٢» .
(أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) «٣» .
قوله تعالى: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) (١٧٣) عموم في السمك والجراد وغيرهما.
وللناس كلام في جواز تخصيص عموم كلام الله تعالى بالسنة، وقد روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ :
«أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالطحال والكبد» .
وقد روى عمرو بن دينار عن جابر في قصة جيش الخبط «٤» :
فإن البحر ألقى إليهم حوتا أكلوا منه نصف شهر، فلما رجعوا إلى النبي ﵇ فأخبروه، فقال: هل عندكم منه شيء تطعموني؟
وبالجملة: الخبر عام، وأيضا الكتاب عام، فإذا وقع التنازع في الطافي «٥» ، لم يصح الاستدلال بعموم الخبر على عموم الكتاب..
ومنهم من يستدل على تخصيص عموم آية تحريم الميتة بقوله تعالى:
(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ) «٦» .
стр. 41
وهذا مع عمومه لا يصلح لتخصيص عموم تحريم الميتة.
واستدلوا عليه بقول النبي ﵇ أنه قال في حديث صفوان بن سليمان الزرقي. عن سعيد بن سلمة، عن المغيرة بن أبي بردة (عن أبي هريرة) عن النبي ﵇ أنه قال في البحر:
«هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» ..
وسعيد بن سلمة مجهول غير معروف بالتبت، وقد خالفه في سنده يحيى ابن سعيد الأنصاري فرواه عن المغيرة بن عبد الله بن أبي بردة، عن أبيه، عن رسول الله ﵇، ومثل هذا الاضطراب في السند يوجب اضطراب الحديث، وغير جائز تخصيص آية محكمة به.
وقد روى زياد بن عبد الله البكائي قال: حدثنا سليمان الأعمش، قال: حدثنا أصحابنا عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«البحر الذكي صيده، والطهور ماؤه» ..
وهذا أضعف عند أهل النقل من الأول.
وقد روي فيه حديث آخر، وهو ما رواه يحيى بن أيوب، عن جعفر بن ربيعة وعمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة، عن أبي معاوية العلوي، عن مسلم بن إبراهيم، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال له في البحر:
«هو الطهور ماؤه الحل ميتته» ..
قال أبو بكر الرازي، وهو الذي روى هذه الأخبار:
وحدثنا عبد الباقي بن قانع، قال أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: أخبرنا أبو القاسم بن أبي الزناد قال:
أحكام القرآن ج ١ م ٣
стр. 42
حدثنا إسحاق بن حازم، عن عبيد الله بن مقسم، عن جابر، عن النبي ﵇ أنه سئل عن البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» .
وأما أبو عيسى الترمذي فإنه يروي حديث سعيد بن سلمة في صحيحه، ويقول: إنه من آل ابن الأزرق، ويقول: إن المغيرة بن أبي بردة- وهو من بني عبد الدار- أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول:
«سأل رجل رسول الله- ﷺ فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ من البحر؟ ..
فقال ﵇: «البحر هو الطهور ماؤه، الحل ميتته» .
قال أبو عيسى: وفي الباب عن جابر والفراسي، ثم قال وهذا حديث حسن صحيح..
وروى الرازي عن علي أنه قال:
«ما طفا من صيد البحر فلا تأكله» «١» .
وروى أيضا عن جابر وابن عباس كراهة الطافي.
وروى عن أبي بكر الصديق وأبي أيوب إباحة الطافي من السمك..
وروى الرازي في أحكام القرآن- بإسناد له متصل عن جابر- أن رسول الله ﷺ قال:
«ما ألقى البحر أو جزر «٢» عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه» ..
стр. 43
وروي بإسناد آخر عن جابر أن رسول الله ﷺ قال:
«ما جزر البحر عنه فكل «١» ، وما ألقي فكل، وما وجدته طافيا فوق الماء فلا تأكل» .
وروي بإسناد آخر عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ :
«إذا صدتموه (وهو حي) فكلوه، وما ألقى البحر (حيا) فمات فكلوه وما وجدتموه ميتا طافيا فلا تأكلوه» ..
وروي بإسناد آخر عن جابر:
«ما وجدتموه وهو حي (فمات) فكلوه، وما ألقى البحر طافيا ميتا فلا تأكلوه» ..
وروى «٢» سفيان الثوري وأيوب وحماد عن أبي الزبير موقوفا على جابر..
وبالجملة: هذه الأخبار لا نعرف صحتها على ما يجب، ولكن الإشكال في عموم كتاب الله تعالى، ويقابله أن عموم كتاب الله تعالى أنفقت الأمة على تطرق التخصيص إليه في غير الطافي من ميتات السمك فلم يبق وجه العموم معمولا به، وصار الحديث المتفق على صحته واستعماله في غير الطافي معمولا به في الطافي..
وروى أصحابنا عن سعيد بن بشير، عن أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك أن النبي ﵇ قال:
стр. 44
«كل مما طفا على البحر» ..
وأبان بن أبي عياش ليس هو ممن يثبت ذلك بروايته.
وقال شعبة: لأن أزني سبعين زنية أحب إليّ من أن أروى عن ابان ابن أبي عياش..
وقد أباح أبو حنيفة الميتة من الجراد «١» ، ومستنده قوله ﵇:
«أحلت لنا ميتتان» «٢» ، وقضى بذلك على عموم الكتاب في تحريم الميتة، مع أن مالكا يقول في الجراد أنه إذا أخذ حيا وقطع رأسه وشوي أكل، وما أخذ منه حيا فغفل عنه حتى مات لم يؤكل، إنما هو بمنزلة ما وجد ميتا قبل أن يصاد فلا يؤكل عنده، وهو قول الزهري وربيعة..
وقال مالك: ما قتله مجوسي فلا يؤكل..
وقال الليث بن سعد: أكره الجراد ميتا، فأما إذا أخذته وهو حي فلا بأس به وقال النبي ﵇ في الجراد:
«أكثر جنود الله: لا آكله ولا أحرمه» «٣» ولم يفصل بين ما مات وبين ما قتله آخذه..
وقال عطاء عن جابر: غزونا مع رسول الله ﷺ فأصبنا جرادا فأكلناه..
стр. 45
وقال عبد الله بن أبي أوفى:
«غزوت مع رسول الله ﷺ سبع غزوات فنأكل الجراد ولا نأكل غيره» «١» ..
وكانت عائشة تأكل الجراد وتقول: «كان رسول الله ﷺ يأكله» ..
وهذه الأخبار مستعملة بالإجماع في تخصيص بعض ما تناوله عموم الكتاب في السمك والجراد، وذلك يدل على بطلان مذهب مالك في الجراد، ومذهب أبي حنيفة في الطافي..
ولأن إسالة الدم إذا لم تعتبر فأي معنى لاشتراط الذكاة في النوعين، وأي أثر للآدمي واصطياده؟ ..
ودل ظاهر تحريم الميتة والمنخنقة على تحريم الأجنة كما قاله أبو حنيفة، وخالفه فيه صاحباه مع الشافعي..
ومالك يقول: إن تم خلقه ونبت شعره أكل وإلا لم يؤكل «٢» :
وهو قول سعيد بن المسيب، لأنه عند تمام خلقه تحصل فيه الحياة والذكاة، وقبل ذلك لا حياة، فيبقى على عموم تحريم الميتة.
وذلك ضعيف، فإنه إن لم يكن حيا فلا يكون ميتة، فالميتة ما زايلتها الحياة..
وقد وردت أخبار في أن ذكاة الجنين ذكاة أمه، وبعد حملها على
стр. 46
أن ذكاة الجنين مثل ذكاة الأم فإنه عند ذلك لا يكون جنينا، وإذا تم خرج حيا وفيه حياة مستقرة، فلا يخفى حكم الذكاة، فلا يكون في ذكره فائدة..
وقد روى مجالد عن أبي الوداك، عن أبي سعيد أن النبي ﵇ سئل عن الجنين يخرج ميتا فقال:
«إن شئتم فكلوه، فإن ذكاته ذكاة أمه» «١» .
وأما مالك فإنه ذهب إلى ما روى في حديث سليمان بن عمران عن ابن البراء، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قضى في أجنة الأنعام بأن ذكاتها ذكاة أمها إذا أشعرت.
وروى الزهري عن ابن كعب بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون:
(إذا أشعر الجنين فإن ذكاته ذكاة أمه» ..
والشافعي يقول: «نحن نقول بهما جميعا، إلا أن ذكر الإشعار كان تنبيها على مثله في الذي هو أولى بكونه جزءا من الأم» .
واقتضى عموم تحريم الميتة المنع من دبغ جلدها، لولا الخبر المخصّص «٢» واقتضى ظاهر الآية أيضا تحريم الانتفاع بدهن الميتة، وروى فيه محمد ابن إسحاق، عن عطاء، عن جابر قال:
стр. 47
لما قدم رسول الله ﷺ مكة أتاه أصحاب الصليب الذين يجمعون الأوداك فقالوا: يا رسول الله، إنا نجمع هذه الأوداك «١» وهي من الميتة وغيرها، وإنما هي للأدم والسفن، فقال ﷺ :
«لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها» «٢» فبين رسول الله ﷺ : أن الله تعالى إذا حرم شيئا حرمه على الإطلاق، ودخل تحته تحريم البيع..
وذكر عن عطاء أنه قال: يدهن بشحوم الميتة ظهور السفن، وهذا قول شاذ، فظن أصحاب أبي حنيفة ان تحريم الله تعالى عين الميتة منع الانتفاع بالميتة من الوجوه كلها، ومنع بيعها، ويجوز بيع الأعيان النجسة غير الميتة، إذ التحريم فيها ليس مضافا إلى العين.
قال الشافعي ﵀: ينبغي من قوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) تحريم لبنها، وأبو حنيفة حكم بطهارة أنفحتها وألبانها، ولم يجعل لموضع الخلقة أثرا في تنجيس ما جاوره بما حدث فيه خلقة، قال:
ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق بمع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير غسل ولا تطهير لها، فدل ذلك على أن موضع الخلقة لا ينجس بالمجاورة لما خلق فيه، ويلزمه على مساق هذا الحكم بطهارة ودك الميتة، فإن الموت لا يحله أصلا، ونجاسة الخلقة لا تؤثر فيما جاورها..
وله أن يقول: إن الودك في حكم الجزء الباقي معه، واللبن خلق خلقا ينفصل عن الأصل فيحتلب ويستخرج منه، ولو انفصل الودك من الجملة في حياة الجملة كان نجسا بخلاف اللبن، فإذا لم ينجس اللبن
стр. 48
في حالة الحياة إذا انفصل فإنما ينجس بالمجاورة، ونجاسة الخلقة لا تؤثر فيما جاورها.
والشعر والعظم من جملة الميتة، فعموم التحريم يشملهما.
قوله تعالى: «وَالدَّمَ» أوجب تحريم الدم مطلقا، وقال في موضع آخر:
(أَوْ دَماً مَسْفُوحاً) «١» ، فلعل التقييد بالسفح تنبيه على ما يمكن سفحه ليخرج منه الكبد والطحال «٢» ، أو لئلا تتبع العروق وما فيها من الدم في اللحم «٣» ..
وقال تعالى: (وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) بعد قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) «٤» ، وقال: (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً) - إلى قوله- (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) ، فخص اللحم بالذكر، ولم يقل «حرمت الخنزير» كما قال: «حرمت الميتة» لأنه معظم ما يقصد منه، وفيه مراغمة للكفار الذين يتدينون بأكل لحمه، ومثله تحريم قتل الصيد
стр. 49
مع تحريم جميع الأفعال في الصيد. ونص على تحريم البيع إذا نودي للصلاة لأنه أعظم ما يبتغون به منافعهم.
فقيل لهم: فلم لا يخص كجسم الميتة تنبيها على الإجزاء؟ ..
فأجابوا بأنه أريد به مراغمة الكفار في تخصيص اللحم الذي هو أعظم مقاصدهم من الخنزير بالتحريم..
قوله تعالى: (وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) (١٧٣) ، ولا يرى ذلك أصحابنا محرما إلا من جهة الإعتقاد، ومقتضاه أن النصراني إذا سمى المسيح على الذبح يحل، وهو ظاهر مذهب الشافعي ومذهب عطاء ومكحول والحسن وسعيد بن المسيب، والمشرك وإن ذبح على اسم الله تعالى لا يحل.
ونقل عن الشافعي خلاف ذلك في النصراني يذبح على اسم المسيح، وليس بصحيح، فإن الله تعالى أباح لنا أكل ذبائحهم مع علمه بأنهم يهلون باسم المسيح، وأن النصراني إذا سمى الله ثالث ثلاثة فإنما يريد بمطلقه المسيح، وذلك معلوم من اعتقاده، وبه كفرناه، وليس كالمنافق الذي ليس يحكم بكفره ظاهرا بما يعتقده، والنصراني حكم بكفره لما يعتقده من الشرك فلا يغيره بالتسمية مع الإعتقاد القبيح «١» .
قوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ) (١٧٣) يحتمل غير باغ في الميتة ولا عاد في الأكل، ويحتمل العدوان بالسفر، فلا جرم اختلف قول الشافعي في إباحة أكل الميتة للمضطر العاصي بسفره.
ويشهد لأحد القولين قوله تعالى: (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) «٢» ، فإنه عام.
ويشهد للقول الآخر قوله: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) «٣» ...
стр. 50
وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا.
وليس تناول الميتة من رخص السفر، أو متعلقا بالسفر، بل هو من نتائج الضرورة سفرا كان أو حضرا، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضا، وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء، وهو الصحيح عندنا..
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ «١» فِي الْقَتْلى) الآية: (١٧٨) ظن ظانون أن أول الكلام تام في نفسه، وأن الخصوص بعده في قوله: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) لا يمنع من التعلق بعموم أوله، وهذا غلط منهم، لأن الثاني ليس مستقلا دون البناء على الأول، إذ قول القائل: «الحر بالحر والعبد بالعبد» لا يفيد حكم القصاص إلا على وجه البناء على الأول، فإن الثاني ليس الأول، وتقديره: كتب عليكم القصاص وهو الحر بالحر قصاصا، والعبد بالعبد قصاصا، فوجب بناء الكلام عليه.
قالوا: أمكن أن يقال: كتب عليكم القصاص مطلقا، وقوله:
(الْحُرُّ بِالْحُرِّ) لنفي قتل غير القاتل، وهو معنى قوله ﵇:
«إن من أعنى الناس على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة: رجل قتل غير
стр. 51
قاتله، ورجل قتل في الحرم، ورجل أخذ بذحول الجاهلية» «١» ..
والذي قالوه ممكن، إلا أن الأظهر ما قلناه من جعل القصاص على هذا الوجه، فتقديره: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) وكيفيته (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) الآية..
فمن هذا صار الشافعي إلى أن الحر لا يقتل بالعبد.
ونفى أبو حنيفة القصاص بين الأحرار والعبيد مطلقا من الجانبين إلا في النفس.
وأجرى ابن أبي ليلى القصاص بينهم في جميع الجراحات التي يستطاع فيها القصاص..
وقال الليث بن سعد: إذا كان العبد هو الجاني اقتص منه في الأطراف والنفس، ولا يقتص من الحر بالعبد.
وقال: إذا قتل العبد الحر فلولي القتيل أن يأخذ نفس العبد القاتل فيكون له، وإذا جنى على الحر فيما دون النفس فللمجروح القصاص إن شاء..
وقال قائلون من علماء السلف: يقتل السيد بعبده.
وكل ذلك من حيث التعلق بعمومات وردت في القصاص..، ورووا عن سمرة بن جندب، عن النبي ﵇ أنه قال:
стр. 52
«من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه» «١» .
والذي ينفيه يقول: إنما جعل الله تعالى للولي السلطان في القصاص «٢» ، وولي العبد سيده، فلا يستحق القصاص على نفسه، إذ ليس يستحق السيد القصاص على وجه الإرث انتقالا من العبد إليه، فلا ملك للعبد، وإنما يستوفي الإمام نيابة عن المسلمين إذا كان القصاص ثابتا للمسلمين إرثا، ولا يمكن ذلك في حق العبد.
ولا خلاف أنه لو قتل السيد عبده فلا خطأ فلا تؤخذ قيمته منه لبيت مال المسلمين.
وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلا قتل عبده متعمدا، فجلده النبي ﵇، ونفاه سنة، ومحا سهمه من المسلمين.
ولم يقده به» «٣» .
ويحمل خبر سمرة على أنه كان بعد عتقه ثم قتله أو جدعه، فسماه عبدا استصحابا للاسم السابق..
ولهم أن يقولوا: وخبركم حكاية حال، فيحمل على أنه كان كافرا، أو أباح العبد له دم نفسه..
وقال الشافعي: يجري القصاص بين الرجال والنساء في النفس وما دونها من الأطراف، وهو قول مالك وابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي،
стр. 53
إلا أن الليث بن سعد قال: إذا جنى الرجل على امرأته عقلها ولم يقتص منه بها، وكأنه رأي أن النكاح ضرب من الرق فأقرن شبهه في القصاص.
وقال عثمان البتي «١» : إذا قتلت امرأة رجلا قتلت، وأخذ من مالها نصف الدية، وكذلك فيما دون النفس، وإن قتلها الرجل فعليه القود ولا يرد عليها شيء..
وعمدة من أوجب القصاص التعلق بالعمومات»
ولا مخصص، وليس في شيء منها ضم الدية إلى القصاص..
وقال ﵇: من قتل قتيلا فوليه بخير النظرين بين أن يقتص أو يأخذ الدية» «٣» ، ولم يذكر التخيير.
وترك الشافعي العمومات في قتل المسلم بالكافر لأنها منقسمة، فمنها قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) .. ومساق ذلك يدل على الإختصاص بالمسلم، فإنه قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) ، ولا يكون الكافر أخا للمسلم، وقال: (ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) .
وأما قوله: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) «٤» . فلا حجة فيه، فإنا نجعل له سلطانا وهو طلب الدية.
وأما قوله: (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها) «٥» . فإخبار عن شريعة
стр. 54
من قبلنا فلا يلزمنا ذلك إلا ببيان من شرعنا جديد، مع أن العموم ليس يسقط ببعض ما ذكروه بالكلية، إلا أنه يضعف..
وروى البيلماني ومحمد بن المنكدر عن النبي ﵇ أنه أفاد مسلما بكافر، وقال: «أنا آخر من وفى بذمته» «١» ، وهما مرسلان لم يلقيا رسول الله ﷺ ..
وتأول من أوجب قتل المسلم بالكافر ما روي أنه ﵇ قال:
«ألا لا يقتل مؤمن بكافر» «٢» على أنه ذكره في خطبته يوم فتح مكة، وقد كان رجل من خزاعة قتل رجلا من هذيل بذحل الجاهلية، فقال ﵇: «ألا إن كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» «٣» ، فكان ذلك تفسيرا لقوله ﵇: «كل دم كان في الجاهلية تحت قدمي هاتين» .
لأنه مذكور في خطاب واحد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وذكر أهل المغازي أن عقد الذمة على الجزية كان بعد فتح مكة، وأنه كان قبل ذلك بين النبي ﷺ والمشركين عهود إلى مدد، على أنهم داخلون في ذمة الإسلام وحكمه، وكان قوله يوم فتح مكة: «لا يقتل مؤمن بكافر» منصرف إلى المعاهد إذ لم يكن هناك ذمي ينصرف الكلام إليه..
стр. 55
ويدل عليه قوله ﵇: «ولا ذو عهد في عهده» ، وهذا يدل على أن عهودهم كانت إلى مدة، ولذلك قال: «ولا ذو عهد في عهده» ، كما قال الله تعالى: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ) «١» ، وقال: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) «٢» .
وكان المشركون حينئذ ضربين:
أحدهما: أهل الحرب، والآخر: أهل العهد، ولم يكن هناك أهل ذمة، فانصرف الكلام إلى الضربين «٣» .
وورود هذا الحديث في خطبة الوداع يبطل هذا التأويل جملة.. «٤»
وقال عثمان البتي: يقتل الوالد بولده، للعمومات في القصاص، وروى مثل ذلك عن مالك، ولعلهما لا يقبلان أخبار الآحاد في مقابلة عمومات القرآن، وتلك الأخبار منها ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لا يقتل والد بولده» «٥» .
стр. 56
وحكم به عمر بمحضر من الصحابة، واشتهر بينهم، فكان كقوله:
«لا وصية لوارث» في الاشتهار..
وروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ مثل الأول «١» .
وروى ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقاد الوالد بالولد» ..
ومنهم الذين نفوا القول من قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) «٢» . الآية، أنه لا يقتل الوالد بمن وليه ابنه إذا قتله الأب، فإذا لم يقتل به فلا يقتل بالابن، لأن حق القصاص له في الحالتين جميعا، وبنوا عليه أنه لا يقتل به إذا كان مشركا..
ونهى رسول الله ﷺ حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه، وكان مشركا محاربا لله ورسوله، وكان مع قريش يقاتل النبي ﵇ يوم أحد، ولذلك لو قذفه لم يحد على هذا القول..
أما إذا اشترك رجلان أو رجال في قتل رجل ظلما فلا شك أن وعيد القتل يلزمهم، ولا يمكن إخراجهم من كونهم قاتلين، فيجعل الكل كشخص واحد.
وإذا قدر ذلك تعظيما للقتل، فإذا قتل أحدهما عمدا والآخر خطأ فالمخطئ في حكم آخذ جميع النفس، فيثبت لجميعها حكم الخطأ، وانتفى منها حكم العمد، إذ لا يجوز ثبوت حكم الخطأ للجميع،
стр. 57
وثبوت حكم العمد للجميع، وإذا ثبت حكم العمد للجميع وجب القود فيه.
ولا خلاف أنه لا يجمع بين دية كاملة وقود، فوجب لذلك أنه متى وجب للنفس المتلفة على وجه الشركة شيء من الدية أن لا يجب معه قود على أحد، فإن وجوب القود يوجب ثبوت حكم العمد في الجميع، وثبوت حكم العمد في الجميع ينفي وجوب الأرش «١» لشيء منها..
وبنى أبو حنيفة عليه أنه لو كان أحدهما أبا فلا قصاص على الأجنبي، فإن المحل متى كان واحدا وخرج فعل الأب عن كونه موجبا «٢» لأنه لم يصادف المحل، صار أيضا الفعل الذي لا يوجب لجميع المحل.
وخروج الروح به شبهة في المحل، ومتى حصل في المحل شبهة امتنع ثبوت الحكم في هذا المحل بفعل الثاني لاتحاد المحل، وكل «٣» ذلك لحصول مثل الخطاء للنفس المتلفة، ولا جائز أن يكون خطأ عمدا موجبا للمال والقود في حالة واحدة «٤» ، فكل واحد من القاتلين في حكم المتلف لجميعها، فوجب بذلك قسط من الدية على من لم يجب عليه القود، فيصير حينئذ محكوما للجميع بحكم الخطأ، ولا جائز مع ذلك أن يحكم لها بحكم العمد.
وبنوا عليه أنه لو اشترك رجلان في سرقة مال ابن أحدهما، فلا قطع على واحد منهما..
стр. 58
فإن قيل: فقياس الوعيد وظاهر القرآن يوجب مؤاخذة العامد بجنايته وأن لا يؤثر خطأ صاحبه في حقه.
قيل: ولكنه لما وجب بفعله قسط من الدية على العاقلة، والدية وجبت في مقابلة المحل لخفة في جريمته صارت حرمة المحل الواحد واهية بالإضافة إلى الخاطئ، وانتفى عنه حكم العمد المحض، فيورث ذلك في حكم الآخر شبهة لاتحاد المحل المجنى عليه، واستحاله تبعضه، فصار الجميع في حكم ما لا قود فيه.
ولما كان الواجب على الشريك الذي لا قود عليه قسطه من الدية دون جميعها، ثبت أن الجميع قد صار في حكم الخطأ، لولا ذلك لوجب جميع الدية، ألا ترى أنهم لو كانوا من أهل القود لأقدنا منهم جميعا؟
فلما وجب على المشارك الذي لا قود عليه قسطه قسط من الدية قسط، ودل ذلك على «١» سقوط القود، وأن النفس قد صارت في حكم الخطأ، فلذلك توزعت الدية عليهم..
قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) .
وقال تعالى: (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) «٢» وقال تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً) «٣» الآية..، وذلك يدل لأحد قولي الشافعي على الآخر، وهو أنه يتعين القود في العمد، لأنه تعالى قال: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) ، وحيث يتخير فالواجب أحد أمرين، فلا يجوز أن يقال إن القصاص واجب بالقول «٤» المطلق، بل الواجب أحد الأمرين..
стр. 59
مثاله أنه إذا قيل لنا: ما الواجب بالحنث في اليمين؟ فلا يجوز أن نقول إنه العتق أو الكسوة أو الإطعام، بل نقول: أحد هذه الخلال الثلاثة لا بعينه.
فإذا لم يكن المال واجبا بالقتل وجب القود على الخصوم.
وروي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ :
«من قتل في رمياء أو عمياء تكون بينهم بحجر أو بسوط أو بعصا فعقله عقل خطأ، ومن قتل عمدا فقود يده، ومن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين «١» » .
ولو كان الواجب أحدهما لما اقتصر على ذكر القود دونهما، لأنه غير جائز أن يكون له أحد أمرين فيقتصر النبي ﵇ بالبيان على أحدهما دون الآخر..
وعلى القول الآخر يحتج بقوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) .. الآية، وهذا يحتمل معاني:
أحدها: أن العفو ما سهل، قال الله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ) «٢» يعني ما سهل من الأخلاق، وقال ﷺ : «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله» «٣» يعني تسهيل الله على عباده.
وقال تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) يعني الولي إذا أعطى شيئا من المال فليقبله وليتبعه بالمعروف وليؤد القاتل إليه بإحسان،
стр. 60
فندبه الله تعالى إلى أخذ المال إذا تسهل ذلك من جهة القاتل، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة، كما قال عند ذكر القصاص في سورة المائدة، (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) «١» ، فندبه إلى العفو والصدقة، وكذلك ندبه بما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني، لأنه بدأ بذكر عفو الجاني بإعطاء الدية، ثم أمر الولي بالاتباع، وأمر الجاني بالأداء بإحسان.
وهذا خلاف الظاهر من وجهين:
أحدهما: أن العفو بعد القصاص يقتضي العفو عنه من مستحقه بإسقاطه.
والثاني: أن الضمير في «له» يجب أن ينصرف إلى من عليه القصاص، لأنه الذي تقدم ذكره في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ) ، والولي لا ذكر له فيما تقدم حتى ينصرف الضمير إليه، إلا أنه يستظهر بظاهر قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ) وذلك يدل على أن القصاص هو المكتوب دون غيره..
التأويل الثاني: ما قاله ابن عباس قال: كان القصاص في بني إسرائيل ولم يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى) إلى قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) ..
قال ابن عباس: فالعفو أن يقبل الدية في العمد، (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) قال: على هذا أن يتبع بالمعروف، وعلى هذا أن يؤدي بإحسان، (ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) فيما
стр. 61
كان كتب على من قبلكم، (فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) ، قال: ذاك بعد قبوله الدية، فأخبر ابن عباس أن الآية نزلت ناسخة لما كان على بني إسرائيل من حظر قبول الدية، وأباحت للولي قبول الدية إذا بذلها القاتل، تخفيفا من الله تعالى علينا، ورحمة بنا.
ولو كان الأمر على ما ادعاه مخالفنا من إيجاب التخيير لما قال:
فالعفو بأن يقبل الدية، لأن القبول لا يطلق إلا فيما بذل له غيره، ولو لم يكن أراد ذلك لقال: إذا اختار الولي.
وكان المقصود بذلك أن الذي قاله الله تعالى أنه كتب لم يعن به أنه كتب على وجه لا يمكن إسقاطه برضا من كتب له مثل ما كان على بني إسرائيل، بل يجوز إسقاطه، فإذا جاز إسقاطه رغب في إسقاطه من جهة من عليه القصاص بالمال، فهذان معنيان..
المعنى الثالث للآية ما رواه سفيان بن حسين عن ابن أشوع عن الشعبي قال: كان بين حيّين من العرب قتال، فقتل من هذا ومن هذا، فقال أحد الحيين: لا نرضى حتى يقتل بالمرأة الرجل، وبالرجل الرجلين، وارتفعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال ﵇: القتلى بواء- أي سواء- فاصطلحوا على الديات، ففضل لأحد الحيين على الآخر، فهو قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ) .. إلى قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) ..
قال سفيان بن حسين: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) يعني فمن فضل له على أخيه شيء فليؤده بالمعروف، فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية، وذكر سفيان أن العفو ها هنا الفضل، وهو معنى يحتمله اللفظ، قال الله تعالى: (ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى)
стр. 62
(عَفَوْا)
«١» . يعني حتى كبروا فسمنوا، وقال ﷺ :
«أعفوا اللحى» ، فتقدير الآية: فمن فضل له على أخيه شيء من الديات التي وقع الإصطلاح عليها فليتبعه مستحقه بالمعروف، وليؤد إليه بإحسان..
المعنى الرابع: أنهم قالوا في الدم بين جماعة إذا عفا عنهم تحول أنصباء الآخرين مالا، وقوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) يدل على وقوع العفو عن شيء من الدم لا عن جميعه، فيتحول نصيب الشركاء مالا، فعليهم اتباع القائل بالمعروف، وعليه أداؤه إليهم بإحسان..
والإتباع بالمعروف أن لا يكون بتشدد وإيذاء، وعلى المطلوب منه الأداء بإحسان، وهو ترك المطل والتسويف، (ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ) أي جواز العفو على مال تخفيف، ولم يكن ذلك إلا لهذه الأمة، (فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ) أي قتل القاتل بعد أخذ الدية، (فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) .
المعنى الخامس: أخذ ولي الدم المال بغير رضا القاتل، وهو أحد قولي الشافعي ﵀، فقيل لهؤلاء: العفو لا يكون مع أخذه، ألا ترى أن النبي ﵇ قال: «العمد قود إلا أن يعفو الأولياء» «٢» فأثبت له أحد السببين من قتل أو عفو، ولم يثبت له مالا، فلئن قيل:
إنه إذا عفا عن الدم ليأخذ المال كان عافيا وتناوله لفظ الآية، قيل له: لو كان الواجب أحد سببين لجاز أيضا أن يكون عافيا بتركه المال،
стр. 63
وأخذ القود، فلا ينفك الولي في اختيار أحدهما من عقد «١» قتل أو أحذ المال، وهذا بعيد.
ويجاب عنه بأن يقال: عفا لسقوط أثر المال في حق من عليه القود بالإضافة إلى القتل، وإذا عدل عن المال إلى القتل لم يظهر لإسقاط المال وقع، فلا يقال: عفا، فإن العفو يؤذن بتخفيف وترفيه عرفا، وإن كان العدول عن أحدهما إلى الآخر عفوا عن المعدول عنه، وإسقاطا له.
فقيل لهم: فهذا ينفيه الظاهر من وجه آخر، وهو أنه إذا كان الولي هو العافي بتركه القود وأخذه المال، فإنه لا يقال عفا له- وإنما يقال عفا عنه- إلا بتعسف، فيقيم اللام مقام عن، أو بحمله على أنه عفا له عن الدم، فيضم حرفا غير مذكور.
وعلى تأويل من يخالفه: العفو بمعنى التسهيل، وهو أن يسهل له القاتل إعطاء الأموال، كما يقال: سهل الله لك كذا ويسر لك، فيكون العفو بمعنى التسهيل من جهة القاتل بإعطائه المال، ولأن قوله: (مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) يقتضي التبعيض.
وعلى أحد قولي الشافعي هو عفو عن جميع الدم لا عن شيء منه، فمتى حمل على الجميع كان مخالفا مقتضى الكلام، وفي الحمل على كل محمل حيد عن الظاهر من بعض الوجوه، فلا يبعد أن يكون الجميع مرادا، فإن اختيار الدية يوجب إسقاط القصاص، حتى لو أراد العدول إليه بعده لا يجوز.
وشهد لأحد القولين قوله تعالى: (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الآية، وقوله ﷺ في قصة الربيع
стр. 64
حين كسرت بنته جارية: «كتاب الله تعالى القصاص» أخبر أن موجب الكتاب القصاص، فإن قوله (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ) محكم ظاهر المعنى.
وقوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) محتمل للمعاني والمتشابه يجب رده إلى المحكم.
وقوله تعالى (عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ) يدل على أن دية العمد على القاتل.
وقال: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) (١٧٩) وذلك تنبيه على الحكمة في شرع القصاص، وإبانة الغرض منه، وخص أولي الألباب مع وجود المعنى في غيرهم لأنهم المنتفعون به، كما قال: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) «١» . وقال: (نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ) «٢» ، فأبان أنه منذر الجميع، ولكنه خص في موضع «من يخشاها» لأنهم المنتفعون بإنذاره، وقال: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) مع قوله في موضع آخر (هُدىً لِلنَّاسِ) لأن المتقين هم الذين ينتفعون به.. وقال في قصة مريم: (قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا)
«٣» ، لأن المتقي هو الذي يعيذ من استعاذ بالله تعالى.
وقوله: (وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ) «٤» يدل على مراعاة المماثلة في الجراح، على ما قاله الشافعي ﵀، وأن يفعل بالقاتل مثل ما فعله، فإن لم يمت وجب قتله، فإن القتل لا بد منه قصاصا لأخذ النفس بالنفس فجمعنا بين قوله تعالى: (وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ) وبين قوله: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وهذا أولى من طرح أحدهما..
стр. 65
قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ..)
الآية (١٨٠) :
فقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) يدل على وجوب الوصية «١» ، وقوله (بِالْمَعْرُوفِ) أي بالعدل الذي لا شطط فيه ولا تقصير، كقوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) «٢» ، (وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) «٣» .
وقوله (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) يؤكد الوجوب ...
ووردت أخبار عن رسول الله ﷺ تدل على وجوب الوصية، فمنها ما رواه نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ .
«ما حق امرئ مسلم له مال يوصي فيه، يمر عليه ليلتان إلا ووصيته عنده مكتوبة» «٤» .
ثم اختلف الناس في وجوبها أولا:
فمنهم من قال: كان ذلك ندبا.
والصحيح أن ذلك كان واجبا.
وقال ابن عباس في قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) .. الآية. إنه منسوخ بقوله: (لِلرِّجالِ نَصِيبٌ) «٥» الآية، ورووا بطرق أنه ﷺ قال: «لا وصية لوارث» .
стр. 66
فإن قيل: كيف جوزتم نسخ القرآن بأخبار الآحاد؟ ..
فأجابوا: بأن ذلك لا يمتنع من طريق النظر في الأصول، فإن بقاء الحكم مظنون فيجوز أن ينسخ بمثله، وشرح ذلك في الأصول.
وقد قيل: إن الإجماع انعقد على تلقي هذا الخبر بالقبول، ومثل ذلك يجوز أن ينسخ به الكتاب.
وليس في إيجاب الميراث للورثة ما ينافي جواز الوصية لهم، لإمكان أن يجتمع الحقان للورثة بالطريقين، وإنما ينسخ الشيء ما ينافيه، والله تعالى لما جعل الميراث بعد الوصية فمن الذي يمنع من أن يعطي الوارث قسطه من الوصية، ثم يعطى الميراث بعدها؟.
وقال الشافعي في كتاب الرسالة: يحتمل أن تكون المواريث ناسخة للوصية، ويحتمل أن تكون ثابتة معها، ثم قال: فلما روي عن النبي ﷺ من طريق مجاهد- وهو منقطع- أنه قال: «لا وصية لوارث» «١» ، استدللنا بما روي عنه ﵇ في ذلك أن المواريث ناسخة للوصايا بالوالدين والأقربين مع الخبر المنقطع.
أما قول الشافعي: يحتمل أن تكون المواريث ناسخة، فوجه الاحتمال أن الوصية إنما كانت واجبة لتعطي كل ذي حق حقه، من ماله بعد موته، فكان إثبات الحق للوارث في ماله لمكان القرابة، ثم كان يميل الموصي بقلبه إلى بعض الورثة ويقصر في حق بعض الورثة، فعلم الله تعالى ذلك منهم، فأعطى كل ذي حق حقه، ولهذا قال النبي ﵇:
«إن الله لم يكل قسمة مواريثكم إلى ملك مقرب» الحديث.. إلى أن
стр. 67
قال: «ألا لا وصية لوارث» ، فكان الميراث قائما مقام الوصية فلم يجز الجمع بينهما..
والذي ذكره الشافعي ﵀ من أن ناسخه الخبر يعترض عليه من وجهين:
أحدهما: أنه منقطع وهو لا يقبل المراسيل.
الثاني أنه لو كان متصلا كان نسخ القرآن بالسنة وعنده أن ذلك غير جائز.
ثم قال الشافعي: قوله ﵇: «ألا لا وصية لوارث» لا ينفي الوصية أصلا للأقربين الذين لا يرثون ودل لفظ الكتاب عليهم ولم يرد ما يوجب نسخه.
وقال الشافعي: حكم النبي ﵇ في ستة مملوكين أعتقهم رجل ولا مال له غيرهم، فجزّأهم رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء، فأعتق إثنين وأرق أربعة، والذي أعتقهم رجل من العرب، والعرب إنما تملك من لا قرابة بينهم وبينه من العجم، فأجاز لهم رسول الله ﷺ الوصية، فالوصية لو كانت تبطل لغير قرابته بطلت للعبيد المعتقين لأنهم ليسوا بقرابة للميت وبطلت الوصية للوالدين..
ويعترض على هذا بأنه يجوز أن يكون أمه أعجمية فيكونوا أقرباء من قبل أمه عجما فيكون العتق وصية لأقربائه، ولأن فيه نسخ القرآن بالسنة.
والذي يقال في ذلك: أن قوله (وَالْأَقْرَبِينَ) ليس نصا في حق غير الوارث بل يجوز أن يكون قد عنى بالأقربين الوارثين منهم، فغاية ما في ذلك تخصيص العموم لا النسخ.
стр. 68
فيقال: اللفظ احتمل الوارث ونسخ، ويحتمل أن يقال: إن الناسخ له مطلق قوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) ، ولم يعرف الوصية حتى ينصرف إلى المتقدم المذكور مثل قوله: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ) إلى قوله: (فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ) معرفا..
واستدل محمد بن الحسن على أن مطلق الأقربين لا يتناول الوالدين بهذه الآية، ولا خفاء لما فيه من الضعف..
قوله تعالى: (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ) (١٨١) :
يدل على أن الفرض يسقط عن الموصي بنفس الوصية وإن أثم التبديل لا يلحقه.
ويدل أيضا على أن من كان عليه دين وأوصى بقضائه أنه قد سلم من تبعته في الآخرة، وإن ترك المعاصي والوارث قضاءه لا تلحقه تبعته.
قوله تعالى: (فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً «١» أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) (١٨٢) .
يحتمل أن يكون معناه أن يعلم من الموصي جنفا أو غيظا على بعض الورثة، وأن ذلك ربما يحمله عن زي «٢» الميراث عن الوارث، فعلى من خاف ذلك منه أن يرده إلى العدم ويخوفه عاقبة الجور، ويدخل بين الموصى له والورثة على وجه الإصلاح لئلا يقطع عنه الميراث بوصيته، أو يرجع عن وصية كانت منه إلى غير أهلها قاصدا قطع الميراث،
стр. 69
وهذا وإن كان فيه أجر عظيم ولكنه قد يظن الظان امتناع جواز ذلك، ولذلك قال: (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ، وقد وعد بالثواب على مثله وغيره، فقال: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) إلى قوله:
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) «١» ..
الضمير في قوله (بَيْنَهُمْ) يجوز أن يكون يرجع إلى الموصى له والورثة إذا تنازعوا، ويجوز أن يرجع إلى الموصي والورثة، فأفاد بهذه الآية أن على الوصي والحاكم والوارث، وكل من وقف على جور في الوصية من جهة الخطأ والعمد ردها إلى العدل.
ودل على أن قوله: (بَعْدَ ما سَمِعَهُ) خاص في الوصية العادلة دون الجائرة.
وفيها الدلالة على جواز اجتهاد الرأي، والعمل على غالب الظن، لأن الخوف من الميل يكون في غالب ظن الخائف.
وفيها رخصة في الدخول بينهم على وجه الإصلاح مع ما فيه من زيادة أو نقصان عن الحق بعد أن يكون ذلك بتراضيهم..
فرض الصيام في
قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ «٢» كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) (١٨٣) .
وقوله: (كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يحتمل ثلاثة معاني كلها منقوله عن أهل التفسير.:
стр. 70
قال الحسن والشعبي، وقتادة: كتب على الذين من قبلنا وهم النصارى شهر رمضان أو مقداره من عدد الأيام، وإنما حولوه وزادوا فيه.
وقال ابن عباس: كان الصوم من العتمة إلى العتمة ولا يحل بعد النوم أن يأكل ويشرب وينكح، ثم نسخ فكان ذلك صوما بالليل لا تشبها بالصائمين ولا عقوبة على أكل حرام بل كان عبادة ...
وقال آخرون: معناه أنه كتب علينا صيام أيام، ولا دلالة فيه على مساواته في المقدار، بل جائز فيه الزيادة والنقصان..
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال: أحيل الصيام ثلاثة أحوال، قدم أولا رسول الله ﷺ المدينة فجعل يصوم كل شهر ثلاثة أيام، وصيام عاشوراء، ثم إن الله تعالى فرض الصيام فقال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ) . وذكر نحو قول ابن عباس الذي ذكرناه وقدمناه، وليس في قوله: (كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) دلالة على المراد في العدد في أو صفة الصوم أو في الوقت فكان اللفظ مجملا..
وقوله تعالى: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ) (١٨٤) يقتضي تعليق جواز الإفطار على اسم المرض والسفر، إلا أن المريض الذي لا يضره الصوم مخصوص إجماعا، ولا يعرف له مأخذ أقوى من الإجماع.
وأطلق السفر ولم يذكر له حدا، والمسافة القريبة لا تسمى سفرا في العرف، فلا جرم اختلف العلماء في تحديده، فحده أبو حنيفة بثلاثة أيام والشافعي بستة عشر فرسخا، ولكل مأخذ..
قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) (١٨٤) :
стр. 71
قال الشافعي. ظاهره أن الذين يطيقونه إذا لم يصوموا أطعموا، ونسخ ذلك في غير الحامل والمرضع، وهي في حقهما ظاهره، ومنه قال علي ﵁ في المريض والمسافر إنه يفطر ويطعم كل يوم مسكينا صاعا، ثم قال: وذلك قوله: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) .
وكانت عائشة تقرأ: «وعلى الذين يطوقونه فدية» وذلك في الشيخ الهرم «١» .
والذي قاله علي- ﵁ فيه نظر، فإن قوله: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ) يتبع «٢» دلالة قوله بعد ذلك:
(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) على المسافر والمريض، لأن ما عطف على الشيء غيره لا «٣» محالة، وليس يظهر أيضا حمله على الشيخ الكبير، فإنه ليس مطيقا، بل كان مطيقا ثم عجز، فعلى هذا قال مالك وربيعة في حق الشيخ الكبير: لا أرى عليه إطعاما فإن فعل فحسن، ولم يروا الفدية قائمة مقام الصوم الذي هو عبادة بدنية، ولا أن تكليف الصوم لاقاه، وهم يقولون: الذي نسخ كان ترك الصوم إلى الإطعام لا قضاء الصوم مع الإطعام، وقد سمى الله تعالى ذلك فدية، والفدية ما يقوم مقام ما يفدى عنه، فالجمع بين الفدية والقضاء لا وجه له، وكان الواجب في الأصل أحد سببين من فدية أو صيام لا على وجه
стр. 72
الجمع، فكيف يجوز الاستدلال به على إيجاب الجمع بينهما على الحامل أو المرضع..
نعم قال ابن عباس في الحامل والمرضع عليهما الفدية ولا قضاء عليهما، فله حجة في ظاهر القرآن في اقتصاره على إيجاب الفدية دون القضاء، فكانت الآية دالة في الأصل على التخيير بين الفدية والصوم، فلا يجوز أن يتناول الحامل والمرضع لأنهما غير مخيرين، لأنهما إما أن يخافا فعليهما الإفطار بلا تخيير، أو لا يخافا فعليهما الصيام بلا تخيير، ولا يجوز أن تتناول الآية فريقين: تقتضي بظاهرها إيجاب الفدية، ويكون المراد في أحد الفريقين التخيير بين الإطعام والصيام، وفي الفريق الآخر إما الصيام على وجه الإيجاب بلا تخيير أو الفدية بلا تخيير، وقد تناولهما لفظ الآية من وجه واحد، فثبت بذلك أن الآية لم تتناول الحامل أو المرضع.
قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ) (١٨٥) يحتمل معاني، منها:
من كان شاهدا لمعني مقيما غير مسافر، كما يقال الشاهد والغائب، فمقتضاه أن لا يجب على المسافر، لكنه لما قال: (وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (١٨٥) بين حكم المرضى والمسافرين في الإيجاب.
ويحتمل أن يكون قوله (شَهِدَ ... الشَّهْرَ) أي علمه، وذلك يدل على أن من أفاق من الجنون بعد مضي شهر رمضان فلا قضاء عليه، خلافا لمالك فإنه قال فيمن بلغ وهو مجنون، فمكث سنين ثم أفاق، فإنه يقضي صيام تلك السنين ولا تقضى الصلاة، ومالك يحمل قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) على شهوده بالإقامة وترك السفر دون ما ذكره غيره من شهوده بالتكليف.
стр. 73
ويصعب عليه الفرق بين الصغر والجنون فإنهما ينافيان التكليف وليس اسم المرض متناولا له..
وأبو حنيفة يقول: قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) لا يمكن أن يراد به شهود جميع الشهر لأنه لا يكون شاهدا لجميع الشهر إلا بعد مضيه كله، ويستحيل أن يكون مضيه شرطا للزوم صومه كله، لأن الماضي من الوقت يستحيل فعل الصوم فيه، فعلم أنه لم يرد شهود جميعه، فتقدير الكلام عنده: فمن شهد منكم بعض الشهر فليصم ما لم يشهده منه، وهذا بعيد جدا..
ومالك يقول: شهد أي أدرك، كما يقال: شهد زمان النبي ﵇ أي أدرك، والمجنون قد أدرك ذلك الزمان فلزمه الصوم لزوما في الذمة..
قوله تعالى: (فَلْيَصُمْهُ) :
والصوم في اللغة: الإمساك المطلق، غير مختص بالإمساك عن الأكل والشرب دون غيرهما، بل كل إمساك فهو مسمى في لغة صوما، غير أن الله تعالى أحل الأكل والشرب والجماع إلى أن يصبح، ثم أمر بإتمام الصوم إلى الليل، ففحوى الكلام تحريم أباحه الليل وهو الأشياء الثلاثة، ولا دلالة فيه على غيرها بل هو موقوف على الدليل، ولهذا ساغ الإختلاف فيه واختلف فيه علماء السلف.
وأما الحيض والاستقاء فلمنافاتهما للصوم، فلا يعلل «١» أصلا، فقاس قوم الجنابة على الحيض، وقاس قوم الحجامة على الاستقاء، لأنهما استخراج الفضلة من البدن..
стр. 74
وروى ابن عباس أن رسول الله ﷺ احتجم صائما «١» .
قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) يدل على جواز القضاء متتابعا ومتفرقا، فإنه ذكر الأيام منكرة، فإذا فرق فقد أتى بما اقتضاه الأمر، وفهمنا أن تتابع صوم رمضان للشهر لا لنفس الصوم، ولذلك لم يكن إفساد يوم منه مانعا صوم الباقي، وقد قال الله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) فدل على جواز التأخير من غير أن يتحدد بوقت، وهو كالأمر المطلق الذي لا يتقيد بوقت، ويجوز مفرقا ومجموعا..
والشافعي رأى تقييد القضاء بالسنة قبل دخول رمضان آخر وقال:
إذا دخل رمضان آخر فدى عن كل يوم بمد، ورواه عن ابن عباس وابن عمر.
فأما ما روي عن ابن عباس أن رجلا جاء إليه فقال: مرضت رمضانين، فقال ابن عباس: استمر بك المرض أو صححت فيما بينهما؟ ..
قال: بل صححت، قال: صم رمضانين، واطعم ستين مسكينا..
وعن ابن عمر: أنه سئل عمن فرط في قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر؟ .. قال: يصوم الذي أدركه ويطعم عن الأول كل يوم مدا من تمر ولا قضاء عليه، وهذا يشبه مذهبه في الحامل والمرضع أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وأقوال الصحابة على خلاف القياس قد يحتج بها..
فقيل لهم فالقضاء بعد الصوم الآخر مأخوذ من قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) . واللفظ قد تناول الأوقات فلا يجوز أن يكون قد
стр. 75
أوجب القضاء على قوم والفدية على قوم آخرين، بل يقتضي أن يكون الحكم في الكل واحدا، وغاية قول الصحابي على خلاف القياس، أن يتوهم فيه توقيف، مع احتمال كون احتجاجه بالتوقيف فاسدا وغلطا، فظهور هذا من كتاب الله تعالى أولى بالاعتبار والإتباع.
وذكر داود الأصفهاني «١» أن قضاء رمضان يجب على الفور، وأنه إذا لم يصم اليوم الثاني من شوال أثم لأنه لو مات عصى، وبنى عليه أنه لو وجب عليه عتق رقبة، فوجد رقبة تباع بثمن، فليس له أن يتعداها ويشتري غيرها، لأن الفرض عليه أن يعتق أول رقبة يجدها فلا يجزيه غيرها، ولو كان عنده رقبة فلا يجوز أن يشتري غيرها، ولو مات الذي عنده فلا يبطل العتق كما يبطل فيمن نذر أن يعتق رقبة بعينها فماتت يبطل نذره، وذلك يفسد قوله..
وقد قال بعض الأصوليين: إذا مات بعد مضي اليوم الثاني من شوال لا يعصى على شرط العزم.
وقال الرازي أبو بكر إنه لا يعصى إلى السنة القابلة، فإن آخر الوقت معلوم، فبنى عليه أنه لو مات في خلال السنة لا يعصى، فقدر القضاء بالسنة، وذلك خلاف قول الجماعة، وجعله كوقت الصلاة لما كان التأخير موسعا عليه إلى آخره، لم يكن مفرطا بتأخيره إلى أن مات قبل مضي الوقت، فكذلك قضاء رمضان.
وأجمعوا على وجوب الفدية إذا مات قبل مضي السنة لا لكونه