قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا) . الآية: ١٤٦.
هذا يحتج به الشافعي، في أن من حلف لا يأكل الشحم، حنث يأكل شحم الظهور، لاستثناء الله تعالى ما على ظهورها من جملة الشحم.
قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)
«١» :
إنما خص اليتيم بالذكر فيما أمرنا به من ذلك، لعجزه عن الإنتصار لنفسه، وتأكد الأطماع في ماله، فلا جرم أكد النهي عن أخذ ماله بتخصيصه بالذكر.
وقوله تعالى: (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
: يدل على أن للوصي أن يدفع مال اليتيم مضاربة. وجعل المرد بلوغ الأشد، وذلك هو البلوغ.
لأن الأشد والكمال لا يعرف إلا بوجود الحد الشرعي وهو البلوغ.
وأبو حنيفة يقول: بلوغ الأشد: بلوغ خمس وعشرين سنة، وهذا تحكم منه لا وجه له. ولا دليل عليه لا لغة ولا شرعا.
قوله تعالى: (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) . الآية: ١٥٣.
يدل على منع الارتياء «٢» والنظر مع وجود النص ومنع من الاختلاف.
стр. 632
وكذلك قوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً) ، الآية: ١٥٩.
وإنما قال ذل لأن بعض هؤلاء يكفر بعضا، من حيث لم يكن من السنة المأثورة عن رسول الله ﷺ ، وحرفوا الكلم تعصّبا وهوى، فحذر الله تعالى من ذلك ودعا إلى الاجتماع والألفة.
قوله تعالى: (قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) - إلى قوله تعالى- (وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) ، الآية: ١٦١، ١٦٢.
استدل به الشافعي على افتتاح الصلاة بهذا الذكر، فإن الله تعالى أمر نبيه به وأنزله في كتابه.
وروي عن علي ﵁ أن النبي ﵇ كان إذا افتتح الصلاة قال:
«وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي- إلى قوله- وأنا من المسلمين» «١» .
وروي عن عائشة، أن النبي ﵇ كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه ثم قال:
«سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وعلا جدك ولا إله غيرك» «٢» .
والأول كان يقوله قبل أن ينزل: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ
стр. 633
تَقُومُ) «١» ، فلما نزل ذلك وأمر بالتسبيح عند القيام إلى الصلاة، ترك الأول على زعم أبي حنيفة.
وأصحاب الشافعي يقولون: الأمر بالتسبيح لا ينافي الذكر عند افتتاح الصلاة، ويجوز أن يقول عند القيام: سبحان الله وبحمده، وإذا قام من القراءتين، وكذلك قوله:
(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ) ، وذلك يدل على ما قلناه من أن ذلك التسبيح ليس ذكرا في الصلاة.
قوله تعالى: (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها) ، الآية:
١٦٤.
يحتج به في عدم نفوذ تصرف زيد على عمرو، إلا ما قام الدليل عليه.
قوله تعالى: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) ، الآية: ١٦٤.
يحتج به في ألّا يؤاخذ زيد بفعل عمرو، وأن كل مباشر لجريمته فعليه مغبتها.
стр. 634
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة الأعراف
قوله تعالى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) ، الآية: ٢:
ظاهره النهي، ومعناه نفي الحرج عنه، أي لا يضيقن صدرك أن لا يؤمنوا به، فعليك البلاغ، وليس عليك سوى الإنذار به شيء من إيمانهم وكفرهم.
ومثله قوله:
(فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ) ، الآية «١» .
وقال:
(لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) «٢» .
قوله تعالى: (اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) ، الآية: ٣.
معناه معلوم، ومن جملة ما أنزل الله تعالى المباحات، فعلى ذلك يلزم من ظاهره الأمر باتباع المباح، ويلزم منه دخول المباح تحت الأمر.
стр. 635
ولكن يجاب عنه بأن اعتقاد الإباحة في المباحات، وتمييزه عن المعاصي والمناهي واجب، وذلك هو معنى اتباع ما أنزل الله علينا.
واعلم أن الذي أنزله الله علينا ينقسم إلى ما يتعلق بالتلاوة، وإلى ما يتعلق بالأحكام دون التلاوة، والكل من عند الله حتى لا يتوهم متوهم منع نسخ القرآن بالسنة.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) ، الآية: ١١:
فقوله: خلقناكم ثم صورنا كم ثم قلنا للملائكة، يقتضي أن يكون المراد بقوله خلقناكم آدم ﵇، ويجوز مثل ذلك، وهو التعبير بنا عن آدم، لأنه أصلنا، قال تعالى:
(وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) «١» .
وقال تعالى: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) «٢» .
والمخاطبون بذلك في زمن النبي ﷺ لم يقتلوا الأنبياء.
وقال آخرون: إن ثم راجعة إلى صلة المخاطبة، فكأنه قال: ثم إنا نخبركم أنا قلنا للملائكة، وقد شرحنا هذا في الأصول عند ذكر معاني الحروف.
قوله تعالى: (ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) الآية ١٢:
يدل بظاهره على اقتضاء الأمر الوجوب بمطلقه من غير قرينة، لأن الذم على ترك الأمر المطلق لا حق، وهو مذهب الفقهاء وقوله: (أَلَّا تَسْجُدَ) ،
стр. 636
لا، صلة مؤكدة، ومعناه ما دعاك إلى أن لا تسجد وما أحوجك؟
وقيل: في السجود لآدم وجهان:
أحدهما: التكرمة، ولذلك امتن عليه به.
والثاني: أنه جعله قبلة لهم.
والأول أصح.
قوله تعالى: (قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي) «١» : ظاهره مذهب أهل السنة، وهو أن الله تعالى أضله وخلق فيه الكفر، ووراء ذلك معاني ثلاثة:
أحدها: خيبتني، مثل قول الشاعر:
ومن يغو لا يعدم على الغي لائما.
أي من يخب، قال ابن الأعرابي: يقال غوى الرجل يغوي غيا، إذا فسد عليه أمره، أو فسد هو في نفسه، وهو أحد معاني قوله تعالى:
(وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) «٢» : أي فسد عيشه في الجنة، ويقال:
غوى الفصيل إذا لم يرو من لبن أمه «٣» .
ومعنى آخر: أغويتني أي حكمت بغوايتي، كقولك أضللتني أي حكمت بضلالتي، وقال: أغويتني أي أهلكتني.
قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) الآية: ١٩. قرن قربهما الشجرة بالوعيد، ومن الممكن أنهما نسيا الوعيد،
стр. 637
وظنا أنه نهى كراهة وبين به أو أمكن أنه أشير إلى شجرة بعينها، فظنا أن المراد به العين، وكأن المراد به الجنس، كقول النبي ﵇ حين أخذ ذهبا وحريرا فقال:
«هذان حرامان على ذكور أمتي» «١» .
وقال في خبر آخر: هذان مهلكا أمتي.
وإنما أراد به الجنس لا العين.
قوله تعالى: (يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً) الآية ٢٦.
اعلم أن ظاهره الإنعام بإنزال اللباس، ويجوز أن يكون عين اللباس على هيئته قد أنزله الله تعالى على آدم حين أهبطه وتاب عليه، ويجوز أن يكون قد أنزل ما يحصل منه اللباس من بزره «٢» ، وقد ظن علي بن موسى القمي وأبو بكر الرازي، أن في ذلك دلالة على وجوب ستر العورة، وذلك أنه قال: (يُوارِي سَوْآتِكُمْ) ، فذلك إشارة إلى الوجوب، وليس فيه دلالة على ما ذكروه، بل فيه دلالة على الإنعام فقط.
واحتجوا عليه أيضا بأن قوله تعالى:
(لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما) «٣» .
وذلك يدل أيضا على التحذير من زوال النعمة، كما نزل بآدم ﵇، هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا، والأمر بخلاف ذلك.
стр. 638
قوله تعالى: (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) الآية: ٣١.
ظاهره الأمر بأخذ الزينة عند كل مسجد، للفعل الذي يتعلق بالمسجد، تعظيما للمسجد والفعل الواقع فيه، مثل الاعتكاف والصلاة والطواف، ولا يدل ظاهر ذلك على وجوب الستر في الصلاة في المسجد أو خارج المسجد، فإن القدر الذي يستر العورة لا يسمى زينة وتجملا.
وكثير من المتكلمين في أحكام القرآن زادوا في ذلك دلالة على الوجوب للصلاة، لأن الذي أمرنا بذلك عند كل مسجد لم يكن لعين المسجد، وإنما كان للفعل الواقع في المسجد، والذي عظم المسجد لأجله الطواف والصلاة، أما الطواف فلا يعم كل مسجد، وفي القرآن عند كل مسجد، والاعتكاف لم يشرف المسجد لأجله، بل كان عبادة لأجل المسجد، فلم يبق إلا الفعل الذي يشرف به المسجد، ووجب تعظيم المسجد لأجله وهو الصلاة.
فإذا قيل: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) ، عرف به أنه لم يجب للمسجد، وإنما وجب لما عظم المسجد لأجله وهو الصلاة، فمتى وجب الستر للصلاة كان شرطا، إلا أن الدليل قام على الزيادة على قدر الستر، وأنها غير واجبة، فبقي مقدار الستر واجبا.
ومالك لا يوجب الستر شرطا للصلاة، ويقول إن فقد الستر لا يبطل الصلاة، ويقول: قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) ، روى الرواة أنه نزل في ستر الطواف والنهي عنه عريانا، وهذا فيه نظر، فإنه تعالى قال: (عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) ، والطواف يختص بمسجد معين، والثاني: أنه إن ورد على سبب خاص، لا يمتنع لأجله التعلق بعموم اللفظ.
стр. 639
ويرد على هذا، أن الذي ورد الستر فيه- لم يجعل الستر شرطا- وهو الطواف، فكيف يجعل شرطا لما سواه؟
ويجاب عنه بأن وجوب الستر لأجل الطواف ظاهر في كونه شرطا له، وأنه يمتنع الاعتداد به دونه، ولكن قام الدليل في الطواف على خلاف الظاهر، وبقي ما عداه على ما يقتضيه الأصل.
وهذا يرد عليه، أن الأصل أن ما وجب لغيره يفهم منه أنه إذا أتى به دونه، كان تاركا للواجب، فمن أين أنه لا تجب الصلاة، دونه؟
والذي احتج به مالك، أن ستر العورة لم يجب للصلاة، فقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال:
قلت: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر فقال:
احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. قال فقلت:
يا رسول الله، فإذا كان أحدنا خاليا، فقال: الله أحق أن يستحى منه «١» .
فإذا لم يكن الستر من فروض الصلاة لم يكن وجوبها متعلقا بالصلاة، فإذا لم يتعلق بها لزم منه جواز الصلاة دونه، وهذا ينعكس في الطهارة التي لم يكن وجوبها إلا للصلاة.
فعلى هذا، النهي عن الصلاة دون الستر، كالنهي عن الصلاة في البقعة المغصوبة.
الجواب أن الستر في غير الصلاة إنما يجب عند ظهوره للناس، فلو استخلى بنفسه، فيجوز أن يكشف فخذه، وإن كان في السوأتين خلاف، وإذا أراد الصلاة وجب ستر جميع ذلك، فذلك يدل على أن الستر وجب للصلاة.
стр. 640
وروى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال:
«لا يصلين أحدكم في ثوب واحد ليس على فخذه منه شيء» «١» .
وعن عائشة أنها روت أنه ﵊ قال:
«لا يقبل الله صلاة امرأة إلا بخمار» «٢» .
فنفى قبولها لمن بلغت الحيض، فصلتها مكشوفة الرأس، كما نفى قبولها مع عدم الطهارة بقوله: «لا يقبل الله الصلاة بغير طهور» .
وقد روي عن مالك أنه قال فيمن صلّى في ثوب نجس أو عاريا، إنه يعيد ما دام الوقت، وهذا يتعلق به عليه، ويدل على بطلان قوله أنه لا تعلق له بالصلاة.
فهذا تمام هذا الكلام.
وذكر إسماعيل بن إسحاق في نصرة قول مالك، أن صلاة العريان جائزة، فلو كان الستر شرطا لما جاز، كما لا يجوز صلاة الحائض، لأن الحيض ينافي الطهارة.
وهذا غلط فاحش، فإن صلاة الأمي جائزة، مع أن القراءة شرط للصلاة أو فرضها، وأن منافاة الحيض للصلاة لا لمكان عدم الطهارة، فإن الحيض ينافي الصوم أيضا، وليس من شرطه الطهارة، ولكنه محض تعبد.
ومما نعلق به، أن الوضوء لما كان شرطا للصلاة وجب عليه أن ينوي الطهارة للصلاة، ولو كان الستر واجبا للصلاة، لوجب أن ينوي به الصلاة، وليس كالاستقبال، فإن الاستقبال الواجب يقترن بالصلاة بخلاف الستر، فنية الصلاة تشتمل على الاستقبال، وقد أجاب علماؤنا
стр. 641
عنه بأن نية الصلاة تشتمل عليه، وهذا قررناه في مسائل الخلاف «١» .
قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) الآية: ٣١.
ظاهره يوجب الأكل والشرب من غير إسراف، وقد أريد به الإباحة في بعض الأحوال، والإيجاب في بعضها، فأما الإيجاب، فمثل أن يضعف عن أداء الواجبات، فواجب عليه أن يأكل ما يزول معه الضرر، وظاهر هذا يقتضي الأكل والشرب في المأكولات والمشروبات إلا أن يحظره دليل بعد أن لا يكون مسرفا فيما يأتيه من ذلك، فإنه أطلق الأكل والشرب على شرط أن لا يكون مسرفا فيهما، والإسراف هو مجاوزة الحد، فتارة يتجاوز حد الحلال إلى الحرام، وتارة في الإنفاق والتمحيق، كما قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) «٢» ، والإسراف مذموم، ونقيضه الإقتار وهما مذمومان، والاقتصاد والتوسط هو المشروع، ومنه قيل دين الله تعالى بين المقصر والغالي وقد قال تعالى:
(وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) «٣» .
وقال لنبيه ﷺ :
(وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) «٤» .
ومن الإسراف في الأكل، الأكل فوق الشبع، وكل ذلك محظور.
стр. 642
قوله تعالى: (إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ) ، الآية: ٣٣:
اعلم أن الفواحش في اللغة، تقع على كل قبيح بولغ في نعته بالقبح، ولذلك يقال قبيح فاحش.
وفي الآية ما يمنع من إجرائه على الفواحش كلها، فإنه ذكر الإثم والبغي، فدل على أن المراد بالفواحش بعضها، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنا، ليصح أن يعطف عليه الإثم، والإثم لا يمكن حمله هاهنا على كل معصية صغيرة وكبيرة، فإن ذلك يمنع العطف، بل المراد به شرب الخمر، لقوله تعالى: (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ) «١» ، وأما البغي بغير الحق فهو التطاول على الناس.
وقد قيل: ذكر الفواحش، والمراد بها الكبائر، وذكر الإثم، والمراد به صغائرها، ثم عطف على الأمرين ما يدخل فيهما، وهو البغي بغير الحق، والمعنى به أن يتجاوز في طلب الأمر، الحدّ الذي يحسن، فيوصف عنده أنه بغي، لأن الأصل في البغي الطلب، ثم جعل للطلب المذموم، فدخل في الآية كل أنواع الظلم والبغي على الناس، والانقياد بغير حق، ثم حرم اتباع ما لا دليل عليه، والقول بما لا نعلم صحته، فدخل في ذلك قبح التمسك بالمذاهب، وقبح اتباع ما لا يجب اتباعه، فجمعت الآية المحرمات، كما جمع ما قبلها المحللات في قوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) «٢» ، مع ما فيه من تحريم الإسراف فيه، ولما حرم المحرمات نبه على اتباع الحجج والأدلة لكي يكون المكلف متحرزا في أمر دينه ودنياه.
стр. 643
قوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) «١» : ظاهرها الندب إلى إحفاء الدعاء، فعلمنا ربنا كيف ندعوه، وروى أبو موسى الأشعري قال: كنا عند رسول الله ﷺ فسمعهم يرفعون أصواتهم فقال:
«أيها الناس انكم لا تدعون أصمّا ولا غائبا» «٢» .
وروى سعد بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال: «خير الذكر الخفى وخير الرزق ما يكفى» «٣» .
واستدل أصحاب أبي حنيفة بذلك، على أن إخفاء آمين، أولى من الجهر بها، لأنها دعاء، والدليل عليه ما روي في تأويل قوله تعالى: (قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما) «٤» .
قال: كان موسى يدعو وهارون يؤمن، فسماهما الله تعالى داعيين.
والجواب عنه أن إخفاء الدعاء كان أفضل، لأنه أبعد عن الرياء.
وأما ما يتعلق بصلاة الجماعة، فإشهارها اشهار شعار ظاهر، وإظهار حق يندب العباد إلى إظهاره، وقد ندب الإمام إلى إشهار القراءة المشتملة على الدعاء، والتأمين في آخرها، معناه: حقّق اللهم ما سألناك.
وإذا كان الدعاء مما سن الجهر فيه، فالتأمين على الدعاء تابع له، وجار مجراه، وهذا بين.
قوله تعالى: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها) الآية: ١٤٥.
стр. 644
قال بأحسن ما كنت فيه، وهو الفرائض، دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب، وكذلك قوله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) «١» .
قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) الآية: ١٩٩.
أمر بمراعاة مكارم الأخلاق ومداراة الناس.
وقال النبي ﷺ : «أثقل شيء في ميزان المرء يوم القيامة الخلق الحسن» «٢» .
وروى ابن عمر أن رجلا سأل النبي ﵊: أي المؤمنين أفضل؟ فقال أحسنهم خلقا.
وروى سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال:
«إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» «٣» .
والعفو هو التسهيل والتيسير.
فالمعنى استعمال العفو، وقبول ما سهل من أخلاق الناس، وترك الاستقصاء عليهم في المعاملات، وقبول العذر ونحوه.
وقال ابن عباس في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) ، قال: هو العفو من الأموال قبل أن ينزل فرض الزكاة، ومنه قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) «٤» أي ترك له، والعفو عن الذنب ترك العقوبة عليه.
стр. 645
وقوله: وأمر بالعرف: العرف المعروف، وفي الخبر الصحيح عن أبي جري جابر بن سليم قال:
ركبت قعودا ثم أتيت إلى المدينة فطلبت رسول الله ﷺ ، وأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني على رسول الله ﷺ ، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام عليك يا رسول الله، فقال: وعليك السلام، فقلت: إنا معشر البادية قوم فينا الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها، فقال: ادن ثلاثا، فدنوت، فقال: أعد عليّ، فأعدت، فقال:
اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا، وأن تلقى آخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من فضل دلوك في إناء المستسقى، وإن امرؤ سبك بما يعلم فيك فلا تسبه بما تعلم فيه، فإن الله تعالى جاعل لك أجرا وعليه وزرا، ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى. قال أبو جري: فوالذي ذهب بنفسه ما سببت بعده شاة ولا بعيرا «١» .
قوله تعالى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) .
يجوز أن يكون في ترك مخاوضتهم في الباطل، ويجوز أن يكون قبل الأمر بالقتال.
قوله تعالى: (وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا) :
الآية: ٢٠٤.
قد اختلف الفقهاء في القراءة خلف الإمام.
стр. 646
فقال أبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح:
لا يقرأ فيما جهر ولا فيما أسر.
وقال مالك: يقرأ فيما أسر ولا يقرأ فيما جهر، وهو قول للشافعي، رواه المزني عنه.
وروى البويطي عنه، أنه يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة فيما يسر فيه، ولا يقرأ فيما يجهر فيه إلا بفاتحة الكتاب.
وإذا ثبت ذلك، كأن هؤلاء الفقهاء اتفقوا على أن الإنصات مأمور به، فإنا رأيناهم يأمرون بالإنصات فيما يجهر، ويتركون لأجله إما الفاتحة وإما السورة، أما أبو حنيفة ليس يترك القراءة خلف الإمام لغرض الاستماع فإنه يقول فيما أسر فيه الإمام لا يقرأ المأموم، ولأن عنده مقدار الواجب من القراءة آية حقيقة، وذلك يمكن قراءته بعد الإنصات وسماع قراءة الإمام، أو حال هوى الإمام إلى الركوع، ولم يقل أحد إنه يترك دعاء الاستفتاح لقوله: (وَأَنْصِتُوا) ، ولا يترك تكبيرات الصلاة لقوله:
(أَنْصِتُوا) ، ولا أن أحدا يفهم من هذا، أن الواحد منا إذا كان يقرأ القرآن، فلا يجوز لغيره أن يقعد معه ويقرأ، ولا يجوز في المجلس الواحد أن يقرأ جماعة، كل واحد منهم يقرأ لنفسه، فإذا لم يكن للآية تعلق يمنع الناس من قراءة القرآن، لغرض استماع القرآن في غير الصلاة.
ولا للآية أيضا دلالة على منع قراءة الأذكار، لغرض استماع القرآن في الصلاة، فمن أين دلت الآية على منع القراءة، لا لغرض الاستماع مع إسرار الإمام في الصلاة؟
وقد اعتقد كثير من الناس أن هذه الآية نصا.
وقال عبد الجبار بن أحمد في كتاب فوائد القرآن، وهو مشهور
стр. 647
بانتحال مذهب الشافعي في الفروع: إن دلالة ظاهر الآية قوية، وصرح بهذه العبارة التي ذكرناها في الفروع.
وعندنا أن من فهم معنى الآية، وفهم الوجوه التي ذكرناها، لا يرى للآية تعلقا بما نحن فيه، وللآية محامل:
منها أن الناس كانوا يكثرون اللغط والشغب في قراءة رسول الله ﷺ ، ويمنعون الأحداث من سماعها تعنتا وعنادا على ما حكى الله عن الكفار حيث قال:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) «١» .
فأمر الله تعالى المسلمين حالة أداء الوحي، أن يكونوا على خلاف هذه الحالة، وأن يستمعوا، ومدح الله الجن على ذلك فقال:
(وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) «٢» .
ويدل على ذلك أن الله تعالى أمر بالاستماع، وأمر بالإنصات بعده، فلا يخفى على عاقل أن الإنصات للاستماع، وإنما يجب الاستماع متى وجب الإسماع والتبليغ، وإنما وجب ذلك فيما ذكرناه من تبليغ الوحي، فأما ما يقرؤه الإنسان لنفسه، فلا تعلق له بذلك.
نعم، يندب المأموم إلى أن لا يجهر بالقراءة خلف الإمام إذا جهر، حتى لا تثقل عليه القراءة، فهذا هو القدر المندوب إليه، وإذا لم يجب على
стр. 648
الإمام الإسماع، وليس في الاستماع غرض لأجله يجب الإسماع، فمن أين يجب الاستماع لما لا يجب إسماعه؟
ولو قال قائل مطلقا: لا يجب على المرء أن ينصت ويسمع قراءة القرآن، كان صدقا، وإنما هذا الذي قالوه في الصلاة.
ولئن قال قائل: إن الإنصات لتبليغ الوحي لا يختص بالقرآن، وكذلك إن حمل حامل الآية على الخطبة، فالاستماع للخطبة لا يختص بالقرآن، فالذي ذكرتموه يختص بلا دليل.
فيقال لهم: وأنتم أيضا خصصتم بلا دليل، فإنه قال: وإذا قرئ القرآن. وليس يجب الاستماع في غير الصلاة، فالذي ذكرتموه يخصّص بلا دلالة.
وقال كثير من أصحاب الشافعي:
إن المأموم يتحرى وقت سكتة الإمام، وكان لرسول الله ﷺ سكتتان في صلاته، فإن تعذر ذلك فيقرأ وقت قراءته سرّا.
وقال آخرون منهم: معنى الإنصات، لا يجهر بالقراءة منازعا للإمام، وإذا أخفى ذلك لم يخرج عن الإنصات.
وقد قيل: المراد به السكوت، حتى لا يقرأ البتة إلا عند فراغ الإمام.
وقال هؤلاء: لأجل ذلك أمر المأموم بتأخير القراءة عن حال الجهر أو تقديمه، وذلك إجماع.
واعلم أن الذي يوجب تأخير القراءة، ليس يوجب بدليل الآية على وجوب استماع قراءة القرآن مطلقا، فإن دلالة الآية في الصلاة وغيرها واحدة، وإنما يقول ذلك ليجمع بين سماع المتدبرين وإنصات المعتبرين
стр. 649
وقراءة المصلين، وإذا لم تكن القراءة في حالة سكتة الإمام، فالقراءة أولى، كما يكبر ويقرأ دعاء الاستفتاح، ولا يترك المفروض من القراءة لمكان فضيلة الجماعة، فهذا هو التأويل الظاهر.
وبالجملة، لا يخفى على عاقل أن الله إذا أمر بالاستماع.
والإنصات، فإنما أمر به ليكون داعيا إلى ترك باطل من اللهو والهزء وأشغال الدنيا، لا ليكون ذلك داعيا إلى ترك مفروض عند الله تعالى ، وهذا بين:
ويدل عليه ما روي عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه، فإذا قال بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا مثل ما يقول، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة، فلبث ما شاء الله أن يلبث، فنزل قوله تعالى:
(وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) «١» .
وهذا يدل على أن المعين بالإنصات، ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله ﷺ .
وقال قتادة:
في هذه الآية: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيقول:
كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله تعالى:
стр. 650
(وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) «١» .
وعن مجاهد قال:
كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجاتهم فنزل قوله:
(وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) «٢» .
стр. 651
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة الأنفال
قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) ، الآية: ١.
اعلم أن النفل هو الزيادة في اللغة، على القدر المستحق، ومنه النوافل «١» .
والنفل يكون من الإمام للسرايا التي تتقدم الجيش الأعظم، مثل أن يقول للسريّة: لكم الربع بعد الخمس.
أو يقول: من أصاب سهما فهو له، على وجه الحث على القتال والتضرية على العدو.
أو يقول: من قتل قتيلا فله سلبه.
فأما بعد إحراز الغنيمة، فلا يجوز له أن ينفل شيئا من نصيب الجيش، ويجوز له أن ينفل من الخمس.
وقد اختلف في سبب نزول الآية فقد روي عن سعد أنه قال:
стр. 652
أصبت يوم بدر سيفا، فأتيت به النبي ﷺ ، فقلت له: نفلنيه:
فقال: ضعه من حيث أخذت، فنزل قوله: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) ، قال فدعاني رسول الله ﷺ فقال: اذهب خذ سيفك.
وروي عن ابن عباس أنه قال: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ) ، الأنفال هي الغنائم التي كانت لرسول الله ﷺ خاصة ليس لأحد فيها شيء، ثم أنزل الله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) «١» .
وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كانت تنزل نار من السماء فتأكلها، فلما كان يوم بدر أسرع الناس في الغنائم، فأنزل الله تعالى:
(لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً) «٢» .
ورووا عن عبادة بن الصامت وابن عباس وغيرهما، أن رسول الله ﷺ نفل يوم بدر أنفالا كثيرة مختلفة وقال: من أخذ شيئا فهو له.
واختلفت الصحابة فقال بعضهم:
نحن حمينا رسول الله ﷺ وكنا ردءا لكم «٣» .
وقال قوم: نحن قاتلنا وأخذنا، فلما اختلفنا وساءت أخلاقنا انتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله ﷺ ، فقسمه غير الخمس، وكان في ذلك تقوى وطاعة رسول الله، وصلاح ذات البين لقوله تعالى:
стр. 653
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) ، فقال ﷺ : ليرد قوي المسلمين على ضعيفهم.
وبين الله تعالى، أن ذلك مما يظهر به إيمانهم، وأنه لا يجدون في أنفسهم حرجا بما قضى به رسول الله تعالى، فهو معنى قوله: إن كنتم مؤمنين.
قال الرازي: وهذا غلط، وإنما قال النبي ﵊ يوم حنين: «من قتل قتيلا فله سلبه» «١» .
وقوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) .
نزل بعد حيازة غنائم بدر، وما كانت الغنائم قبل ذلك تحل.
وهذا ليس بصحيح، لإمكان أن الله تعالى أحلها يوم بدر للمسلمين، ولكن لما اختلفوا انتزع منهم وجعل ذلك لرسول الله ﷺ .
ومما قاله في ذلك، أنه ﵊ كيف يقول: من أخذ شيئا فهو له ويخلف وعده.
وهذا ليس بشيء، فإنه ما أخلف وعده، لإمكان أنه كان كذلك، ولكن ورد بعده الناسخ، لما اختلفوا، وإنما جعل لهم ذلك بشرط ألا يختلفوا، خلا خبر فيما قاله.
فإذا ثبت ذلك، فاعلم أن قوله: يسألونك عن الأنفال، ظاهر في أنهم سألوه عن مال معلوم، وأن الجواب في ذلك، أن ذلك لله والرسول،
стр. 654
ومعلوم أن كل شيء فهو لله تعالى ملكا حقا، فلم يختلف العلماء أن المراد به استضياع كلام.
فتحصل من الجواب أن الأنفال للرسول.
وظاهر هذا القول يقتضي أمرين:
إما أن يكون ملكا لرسول الله ﷺ ، أو وضعه حيث يريد، وإن لم يملكه حقيقة.
فعلى هذا الوجه اختلف العلماء، فقال بعضهم:
إن للرسول ﵊ أن ينفل ذلك على المجاهدين على ما يراه صلاحا.
وقال بعضهم: بل ذلك ملك الرسول أو كالملك له، حتى يصرفه إلى من شاء.
وظاهر قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) ، كالدلالة على أنه متى أراد وضع ذلك فيهم، تنازعوا واختلفوا، فأنزل الله تعالى ذلك، بعثا لهم على الرضا بما يفعله من القسمة بينهم، وذلك دليل على أنه ليس بملك له ولا لهم وإلا كانوا في ذلك كغيرهم، وكان لا يكون لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) معنى، فإن أراد المريد بالملك أن له أن يتصرف فيه على ما يراه ويختاره فنعم، وإن أراد به الاستبداد والانتفاع به، فما ذكرناه كالمانع منه، وقيل لذلك نفل، لأن الغنائم لما لم تكن مباحة من قبل، كانت كأنها عطية زائدة من الله تعالى، فسميت أنفالا لذلك «١» .
قوله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ) ، الآية: ١٦.
стр. 655
روى أبو نضرة «١» عن أبي سعيد، أن ذلك إنما كان يوم بدر، وقال أبو نضرة: لأنهم لو انحازوا يومئذ، لانحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم.
وهذا الذي قاله أبو نضرة فيه نظر، لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي ﵊ بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرجوا لرسول الله ﷺ فيمن خف معه.
فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم، وإنهم لو انحازوا انحازوا إلى المشركين، غلط لما بيناه.
وقد قيل: إنه لم يجز لهم الانحياز يومئذ، لأنهم كانوا مع رسول الله ﷺ ، فلم يكن الانحياز جائزا لهم، قال الله تعالى:
(ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) «٢» .
فلم يكن لهم أن يسلموا نبيهم، وإن تكفل الله بنصرته وعصمته من الناس، كما قال تعالى:
(وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) «٣» .
فكان ذلك فرضا عليهم، قلّ أعداؤه أو كثروا، وكان رسول الله ﷺ فئة المسلمين يومئذ، ومن كان ينحاز عن القتال، فإنما كان ينحاز إلى فئة، وما كان للمسلمين فئة غير رسول الله ﷺ .
стр. 656
قال ابن عمر: كنت في جيش، فخاض الناس خيضة، ورجعنا إلى المدينة فقلنا: نحن الفرارون، فقال النبي ﵊: أنا فئتكم «١» .
فلم يكن للمسلمين إذ ذاك أن ينحازوا، قل عدد العدو أو كثر، وقال تعالى في آية أخرى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ) «٢» ، ثم نسخ بقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) «٣» ، وليس عند أصحاب الشافعي في ذلك تفصيل، فيجوز فرار الواحد من ثلاثة.
وقال محمد: إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفا، فليس لهم أن يفروا من عدوهم وإن كثر عددهم، ولم يذكر عن أصحاب أبي حنيفة خلافا فيه، واحتج بحديث الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ :
خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة، وفي بعضها ما يغلب قوم يبلغون اثني عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم.
وهذا ليس بيان حكم شرعي وإنما هو بيان حكم العرف.
وذكر الطحاوي أن مالكا سئل فقيل له: أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله تعالى وحكم بغيرها؟ فقال مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك فلا يسعك التخلف، وإلا فأنت في سعة من التخلف.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً) ، الآية: ٢٥:
стр. 657
عنى بذلك هرجا يعم المصلح والمفسد.
قوله تعالى: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) الآية: ٣٩، معناه شرك.
وقيل حتى لا يفتن مؤمن عن دينه، ويدل على ذلك أن قتل الكفار لدفع الضرار لا جزاء على الكفر، وقد شرحناه من قبل.
قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) ، الآية: ٤١.
وقال في آية أخرى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً) «١» .
قال ابن عباس ومجاهد: إن هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) ، وذلك أنه ﵊، جعل ينفل ما أحرزوه بالقتال لمن شاء، ولم يكن لأحد فيه حق، إلا من جعله الرسول له، وذلك كان في يوم بدر، وقد روينا حديث سعد في قصة السيف الذي استوهبه من رسول الله ﷺ يوم بدر وقال:
إنك سألتني هذا السيف، وليس هو لي ولا لك، ثم نزل: (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) ، فدعاه فقال:
إنك سألتني هذا السيف، وما كان لي ولا لك، وإن الله تعالى جعله لي وجعلته لك «٢» .
وروى أبو صالح عن أبي هريرة قال:
لما كان يوم بدر، تعجل ناس من المسلمين، فأصابوا من الغنائم، فقال رسول الله ﷺ :
لم تبح الغنائم لقوم سود الرؤوس من قبلكم، كان النبي إذا غنم هو
стр. 658
وأصحابه جمعوا غنائمهم، فتنزل نار من السماء فتأكلها، فأنزل الله تعالى:
(لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً) «١» .
وقوله: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً) ، يقتضي بظاهره أن تكون الغنيمة للغنائم فقط، وأن يكونوا مشتركين فيها على سواء، إلا أن قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) ، بين وجوب إخراج الخمس منه وصرفه إلى الوجوه المذكورة، ثم بعده يخلص للقائمين بعد الصفي والسلب والعطايا المتقدمة، ولولا الأخبار المأثورة لكان الفارس كالراجل، والعبد كالحر، والصبي كالبالغ.
واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله: (غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) : مال الكفار، إذا ظهر به المسلمون على وجه الغلبة، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع: وسمى الشرع الواصل إلينا من الكفار من الأقوال باسمين:
أحدهما: الفيء، وهو الذي يصل إلينا من الكفار من غير حرب، كالجزية والخراج الحق.
ثم إن الله تعالى كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين، أضاف الفيء إلى رسول الله ﷺ ، فقال:
(ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى) «٢» .
فاقتضى ظاهر الآية، أن يجعل بعد إخراج الخمس أربعة أخماس،
стр. 659
والفيء لرسول الله ﷺ ، كما يختص الغانمون بأربعة أخماس الغنيمة، فإنه تعالى قال: (أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) .
وقال: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً) .
فاقتضى ظاهره أن يكون كله له، خص منه البعض، بقي الثاني على مقتضى الإضافة، وهذا حسن بين.
ومن جملة الفيء، مال المرتد إذا قتل على الردة.
ومال الكافر غنيمة، إن كان وصوله إلينا بقهره وقتله، فإن مات من غير قتال، فوجدنا ماله فهو فيء.
وإذا ثبت القول في أربعة أخماس الفيء والغنيمة فنقول:
أما الخمس، فإن الذي لا خلاف فيه، أن لليتامى والمساكين وابن السبيل حقا باقيا في خمس الغنيمة.
واختلف الناس بعد الثلاثة في قوله: (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى) «١» .
فأما قوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) ، فأكثر العلماء على أنه استفتاح كلام، وأن لله تعالى الدنيا والآخرة.
وروى الطحاوي عن أبي العالية، أن سهم الله تعالى مصروف في نفقات الكعبة، والذي ذكره بعيد، فإنا إن أقررنا سهما لله تعالى، أدى ذلك إلى أن يكون الخمس مقسوما على ستة، فعلى هذا يجب أن نقول: فأن لله سدسه، ولأنه ليس بأن يجب صرفه إلى بيت الله تعالى بأولى من صرفه إلى أولياء الله.
نعم قد قال تعالى: (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) ، يعني كل ذلك الخمس يصرفه
стр. 660
فيما شاء، وأراد لا أن له البعض دون البعض، ولا يجوز أن يعتقد من الإطلاق، كون مال الفيء مشتركا بين الله وبين غيره.
وأما سهم الرسول، فقد كان له الخمس من خمس الغنيمة، فيصرفه في كفاية أولاده ونسائه، ويدخر من ذلك قوت سنة، وما يفضل يصرفه إلى الكراع والسلاح وغير ذلك من المصالح.
وقال الشعبي: ما كان رسول الله ﷺ يطلب من الغنائم لنفسه شيئا قط، إلا الصفي من المغنم، وهو ما كان يتناوله من عبد أو أمة أو فرس.
حكى الطحاوي ذلك عن الشعبي، وذكر عنه أن سهمه من الغنيمة، كان كسهم رجل من المسلمين وراء ما خص به من الصفي.
والظاهر يدل على أن الخمس مشترك بين رسول الله وبينهم، ولا يمكن أن يقال إن الصفي من جملة ذلك، فإن الصفي كان يتناوله من جملة الغنيمة قبل القسمة، فهو حق، سوى هذا الخمس المذكور.
ولرسول الله ﷺ إذا حضر الوقعة، ما لسائر من حضرها من أربعة أخماس الغنيمة.
واختلفوا في سهمه، فقال الطحاوي:
إن طائفة قالت: هو للخليفة بعده.
وقالت أخرى: يصرف في الحمل والعدة في سبيل الله.
وطائفة قالت: بل زال بموته.
ولا يدل الظاهر على أكثر من استحقاقه في حياة رسول الله ﷺ ، ولا يدل على مصرف من هذه المصارف بعده.
وقد دل الدليل، على أن ملك رسول الله ﷺ المستقر في حالة حياته، لا يورث عنه، فلأن لا يورث عنه ما يتجدد من الغنيمة، ولا يوجد سبب ملكه أولى.
стр. 661
ولا دليل على قيام الإمام مقامه بعده، لأنه اختص به لمنصب النبوة، كما اختص بالصفي من المغنم، وأقرب شيء يتخيل فيه صرفه في الكراع والسلاح، بدلالة أنه ﵇ كان يصرف الفاضل من الخمس في هذا الوجه.
والجواب: أنه كان يصرفه اختيارا لا استحقاقا، ولو ثبت أنه كان يصرفه إلى هذا الوجه استحقاقا، لقرب أن يقال: إن الأولى بهذا السهم هذا الوجه، فعلى هذا الأقرب، أنه يصرف خمس الخمس إلى الباقين، قياسا على الصدقة الواجب صرفها إلى الأصناف، إذا تعذر صنف وجب صرفه إلى الباقين.
فعلى هذا قال الشافعي: يقسم الخمس بعد وفاة رسول الله ﷺ على أربعة، وهذا مذهب الشافعي، فإنه قال:
إن لبني هاشم وبني عبد المطلب سهما من الخمس.
وقال أبو حنيفة: يقسم الخمس على ثلاثة أسهم: على اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وخالفه أبو يوسف.
وقال قائلون: هو لفقرائهم عوضا عما حرموا من الصدقة.
وقال آخرون: هو للفقراء والأغنياء منهم.
ثم إن الذين أثبتوا لهم الاستحقاق اختلفوا:
فمنهم من قال: يقسم قسمة الغنيمة على التساوي.
ومنهم من قال: يقسم كقسمة المواريث، فإنه مال مستحق بالقرابة.
والظاهر تعلق الاستحقاق بالقرابة، إلا أن القرآن ورد بذكر ذي القربى، وقد صار بعض السلف لأجله، إلى أنه لجميع قريش، وثبت أنه ﵊ لم يعط من ذلك من انتمى إليه باقرابه مطلقا، والمراد
стр. 662
به الخصوص، وليس يتأتى تعليله بالقرابة المطلقة، لأن سعيد بن المسيب، روى عن جبير بن مطعم، أنه وعثمان جاءا إلى رسول الله ﷺ يكلمانه فيما قسمه من خمس الخمس بين بني هاشم وبني المطلب، فقالا:
يا رسول الله، قسمت لإخواننا بني المطلب وقرابتنا وقرابتهم واحدة، فقال:
«إنما أرى هاشما والمطلب شيئا واحدا» «١» .
وروى أنه قال: «إن بني المطلب لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام» «٢» .
فلم يعط لبني أمية ولا لبني نوفل شيئا، وقرابتهم كقرابة بني المطلب، وهذا يدل على التخصيص.
فعلى هذا، رأى أبو حنيفة استحقاقهم بالنصرة في حياة رسول الله.
وقال آخرون: لا بل لا استحقاق لهم إلا بالفقر، إلا أن ذكر ذوي القربى مع أن الفقر مستقل، كذكر اليتامى، ولا يصرف إلى اليتامى إلا إذا كانوا فقراء، ولا فرق ... ولا معنى لقول من يقول: إن اليتم عبارة عن الحاجة، فإن اليتم عبارة عن الحاجة إلى الكافل لا إلى المال، وليس في اسم اليتم ما يدل على عدم المال، ولعلهم يقولون:
إنما ذكر ذوي القربى مع أن الفقر شرط، حتى لا يتوهم متوهم، أنهم كما فارقوا الفقراء من المسلمين في أن لا تصرف الصدقات إليهم مع الفقر، فكذلك الخمس، فقطع الشرع هذا الاحتمال، وهذا محتمل، ويصرف إلى اليتامى مع أن الفقر شرط، والمقصود من ذكره أن الخمس يقسم على أربعة أسهم عند الشافعي، وعلى ثلاثة عند أبي حنيفة، ولا بد من الصرف إلى هذه الأجناس.
стр. 663
والمقصود من ذكرها مع اشتراط الفقر فيها، تعديد جهات الحاجات واستيعابها، فأما الأربعة أخماس، فظاهر القرآن يقتضي أنها لمن غنمه.
وقوله (أَنَّما غَنِمْتُمْ) : يشتمل الرقاب والعقار، إلا أن الرقاب الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف، وفي الديار اختلف العلماء فيها.
وليس في كتاب الله تعالى تفضيل للفارس على الراجل، بل فيه أنهما على سواء.
وفي المأخوذ على جهة التلصص، اتفق العلماء على أنه لا تخميس، وظاهر القرآن يقتضي تخميس كل مغنوم، وذلك يستوي فيه هذا وما سواه.
وظاهر اللفظ أيضا يقتضى التسوية فيه بين الصبي والبالغ، إلا أن الدليل قام على أن الصبي يرضخ له.
واعلم أن ظاهر قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) ، ربما لا يظهر عند الناس في تعارف اللغة، أن من استولى على مثله فقد غنمه، وأنه يصرف خمسه إلى كذا وكذا، في أن الحرية تسلب عن المسترق، وإنما ظهر ذلك بعرف الشرع، وعرف الشرع دل على أن الغنيمة اسم للمأخوذ من الكفار بطريق القهر، ولا يدل على أخذ أنفسهم من حيث عرف اللغة، وفي الشرع، الإمام على التخيير بين الخلال التي بينها الفقهاء.
قوله تعالى: (إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً) ، الآية ٤٥:
الأمر بالثبات تقدم بيانه عند النهي عن القرار من الزحف، إلا على تفصيل ذكرناه، وقوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً) : يحتمل الذكر بالقلب، وذلك بأحد وجهين:
стр. 664
إما بتذكر ما عند الله تعالى من ثواب المجاهدين، وتهوين أمر الدنيا في جنب ما عند الله تعالى.
والثاني: ذكر دلائله ونعمه وما يستحقه الله تعالى على عباده من بذل المهج في مرضاته، وأنهم وإن بلغوا الغاية في طاعته، فلا يبلغ كنه جلاله، وكل ذلك مما يعين على الصبر والثبات، ويستمد بها النصر من الله تعالى، والجرأة على العدو والاستهانة بهم.
قوله تعالى: (وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا) ، الآية ٤٦:
نهى عن الاختلاف المؤدي إلى الفشل وجرأة العدو.
وقوله تعالى: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) «١» .
أبان أن المقصود من التنكيل بالأسر، زجر من سواهم، ولأجله شرعت العقوبات، ولأجله أمر الصديق بالتنكيل بأهل الردة، وإحراق بعضهم بالنيران، ورمي بعضهم من رؤوس الجبال، وطرحهم في الآبار.
قوله تعالى: (وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ) ، الآية ٥٨:
أباح الله لرسوله إذا توقع من أعدائه غائلة من مكر، أن ينبذ إليهم على سواء، حتى لا يقول المبطل: إنك نقضت العهد بنصب الحرب، ولم ينبذ إلى أهل مكة عهودهم، بل غزاهم نبذا، لأنهم كانوا نقضوا العهد، لمعاونة هذيل على خزاعة حلفاء النبي، ولذلك جاء أبو سفيان إلى المدينة يسأل تجديد العهد بينه وبين قريش، فلم يجبه الرسول ﵊ إلى ذلك، فلأجل ذلك لم يحتج إلى النبذ إليهم، إذ كانوا أظهروا نقض العهد بنصب الحرب لحلفاء الرسول ﵊.
стр. 665
قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) ، الآية: ٦٠:
هو الأمر بالاستعداد للعدو، وبإعداد الكراع والسلاح قبل وقت القتال إرهابا للعدو، والتقدم في ارتباط الخيل استعدادا لقتال المشركين، ومنه أخذ إعداد الأموال والخزائن لحاجة المسلمين إليها يوم القتال.
قوله تعالى: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) ، الآية ٦١:
منسوخ بقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) «١» ، و (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) «٢» وهو الظاهر.
فإن سورة براءة، آخر ما نزلت، فكان العهد بين رسول الله والمشركين قبل ذلك، وقد قال تعالى:
(فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) «٣» .
فنهى عن المسالمة عند القوة على قهر العدو وقتلهم، ولذلك قال بعض أصحابنا: إذا قدر بعض أهل الثغور على قتال العدو لم يجز مسالمتهم، قالوا: وإن قدروا بعد ذلك على قتالهم، نبذوا إليهم على سواء إن توقعوا منهم غائلة، وإن لم يمكنهم دفع العدو عن أنفسهم إلا بمال يبذلونه لهم، جاز لهم ذلك، لأن النبي ﵊ قد كان صالح عيينة بن حصن وغيره يوم الأحزاب على نصف ثمار المدينة، حتى إنه لما شاور الأنصار، قالوا: هذا مما أمرك الله به أم الرأي والمكيدة «٤» ؟ فقال: لا بل
стр. 666
هو رأي، لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، فأردت أن أدفعه عنكم إلى يوم، فقال السعدان: سعد بن عبادة وسعد بن معاذ ﵄:
والله يا رسول الله إنهم لم يطمعوا فيها منا إلا بشراء أو قراء، ونحن كفار، فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام، ولا نعطيهم إلا بالسيف، وشقا الصحيفة.
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ) ، الآية ... وقوله تعالى: (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) «١» .
وعلم الله تعالى سابق أزلي، فمعناه أن الله تعالى بيّن أن الواحد في ابتداء الإسلام يفي بعشرة لأمور:
منها: النصرة منه تعالى.
ومنها: الصبر والقوة.
ومنها: قوة النية والبصيرة.
ثم بعد زمان نسخ ذلك لنقصان القوة في الدين، وضعف النية في محاربة المشركين.
فهذا معنى قوله: (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) .
فقوله تعالى الآن، دخل في ضعف الناس لا في علم الله تعالى.
قوله تعالى: (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) ، الآية: ٦٧.
وذلك يدل على أن العدول عن القتل إلى الأسر حرام على كل نبي، حتى يكثر القتل منه، فتحصل هيبته في القلوب، وتمتلئ النفوس منه
стр. 667
رعبا، فإذا أثخن في الأرض بالإكثار من القتل، يجوز أن يكون له أسرى، فدل من هذا الوجه، أن الجهاد من تكليف سائر الأنبياء، فلذلك عمهم تعالى به.
وقال قائلون: كأن الله تعالى أمرهم بإكثار القتل بقوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) «١» ، لكي يعظم الرعب في قلوبهم، فيكفهم ذلك عن المحاربة، ويميل بهم إلى الإسلام والمسالمة ...
فأبى أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر، إلا أسر بعضهم رغبة في الفداء، فصار ذلك معصية منهم ومخالفة.
فإن قيل: أفكان النبي ﵊ موافقا لهم؟
قيل: بل كان ﷺ أمرهم بالإثخان، وبلغهم ذلك من الله تعالى، ولذلك كانوا عصاة بترك الأمر.
فإن قيل: فلم أضاف الأمر إلى النبي ﵊؟ فقال:
ما كان لنبي أن يكون له أسرى؟
قيل: من الممكن أنهم أسروا الكفار ليسلموهم إلى النبي ﵊.
فإن قيل: لم توقف بعد الأسر في قتلهم، واستشار أصحابه، فأشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر باستبقائهم؟ فالجواب: أن ذلك لتجويز تغيير التعبد بعد الأسر، وإن كان الواجب من قبل القتل.
قوله تعالى: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ) ، الآية ٦٨:
حمله قوم على إسراع المسلمين في الغنائم، فأنزل الله تعالى هذه الآية،
стр. 668
وقد قيل: لولا تقدم دلالة القرآن على أن الصغائر مغفورة عند اجتناب الكبائر لمسهم العذاب، فعلى هذا ثبت كونهم عصاة، وإن كانت الصغائر مغفورة، فيصح أن يعاتبوا على ما فعلوه.
وقد قيل: معناه لولا أن الوعيد يتقدم العقاب، لمسكم فيما أخذتم، ولكن سبق الكتاب بأن لا مؤاخذة إلا بعد النهي.
وقد قال قائلون: يجوز أن يكون توقفه بعد الأسر في قتلهم، صغيرة ورد فيها العقاب.
ويقال: كيف يكون هذا صغيرة مع تقدم قوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) ، وأنتم إن جعلتم ذلك صغيرة، لم تجعلوا قوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) واردا بعد حرب بدر بل قبله، فإذا ثبت ذلك، فلا بد أن تكون مخالفة الأمر في ذلك كبيرة.
قيل: احتمل أنهم توهموا أن القتل لما كثر جاز العدول إلى الأسر.
قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً) ، الآية ٦٩:
ليس فيه بيان أكله بعد القسمة أو قبلها، أو بعد الغلبة والإحراز بدار الإسلام.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، الآية/ ٧٢.
يدل قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) «١» : على وجوب الهجرة، إلا أنها كانت واجبة في وقت، وقد زال ذلك الوجوب بالفتح لقوله ﷺ :
стр. 669
لا هجرة بعد الفتح «١» .
وإنما كانت واجبة للخوف من الكفار، والخوف من الافتتان، ولتقوية الرسول ﵊، وكل ذلك زال بالفتح.
ويحتمل أن يكون المراد بالولاية الوراثة، لأنهم كانوا من قبل يتوارثون بالإسلام والهجرة، ونسخ ذلك بقوله تعالى:
(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) .
ويحتمل أن تكون الموالاة في الدين.
وقوله تعالى: (ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، يدل على أن من ترك الهجرة، فقد خرج عن أن يكون وليا لسائر المؤمنين، إلا أنه لو خرج عن الدين لما قال الله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) «٢» .
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) «٣» ، يدل على أنه أراد به الولاية في الدين، لأنه تعالى قال: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ) «٤» .
قوله تعالى: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) ، الآية/ ٧٥.
يحتمل التوريث بالرحم على قول ابن مسعود.
стр. 670
ويحتمل أن يكون أولى ما بيّن الله تعالى في كتابه من آي المواريث، ويجعل هذه الآية كأنها مجملة وتلك مفصلة، ولا يدل على أن بعضهم أولى ببعض في الميراث من حيث الظاهر، إلا أن يعلم الميراث بدليل.