هو رأي، لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد، فأردت أن أدفعه عنكم إلى يوم، فقال السعدان: سعد بن عبادة وسعد بن معاذ ﵄:
والله يا رسول الله إنهم لم يطمعوا فيها منا إلا بشراء أو قراء، ونحن كفار، فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام، ولا نعطيهم إلا بالسيف، وشقا الصحيفة.
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ) ، الآية ... وقوله تعالى: (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) «١» .
وعلم الله تعالى سابق أزلي، فمعناه أن الله تعالى بيّن أن الواحد في ابتداء الإسلام يفي بعشرة لأمور:
منها: النصرة منه تعالى.
ومنها: الصبر والقوة.
ومنها: قوة النية والبصيرة.
ثم بعد زمان نسخ ذلك لنقصان القوة في الدين، وضعف النية في محاربة المشركين.
فهذا معنى قوله: (وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً) .
فقوله تعالى الآن، دخل في ضعف الناس لا في علم الله تعالى.
قوله تعالى: (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) ، الآية: ٦٧.
وذلك يدل على أن العدول عن القتل إلى الأسر حرام على كل نبي، حتى يكثر القتل منه، فتحصل هيبته في القلوب، وتمتلئ النفوس منه
стр. 667
رعبا، فإذا أثخن في الأرض بالإكثار من القتل، يجوز أن يكون له أسرى، فدل من هذا الوجه، أن الجهاد من تكليف سائر الأنبياء، فلذلك عمهم تعالى به.
وقال قائلون: كأن الله تعالى أمرهم بإكثار القتل بقوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) «١» ، لكي يعظم الرعب في قلوبهم، فيكفهم ذلك عن المحاربة، ويميل بهم إلى الإسلام والمسالمة ...
فأبى أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدر، إلا أسر بعضهم رغبة في الفداء، فصار ذلك معصية منهم ومخالفة.
فإن قيل: أفكان النبي ﵊ موافقا لهم؟
قيل: بل كان ﷺ أمرهم بالإثخان، وبلغهم ذلك من الله تعالى، ولذلك كانوا عصاة بترك الأمر.
فإن قيل: فلم أضاف الأمر إلى النبي ﵊؟ فقال:
ما كان لنبي أن يكون له أسرى؟
قيل: من الممكن أنهم أسروا الكفار ليسلموهم إلى النبي ﵊.
فإن قيل: لم توقف بعد الأسر في قتلهم، واستشار أصحابه، فأشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر باستبقائهم؟ فالجواب: أن ذلك لتجويز تغيير التعبد بعد الأسر، وإن كان الواجب من قبل القتل.
قوله تعالى: (لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ) ، الآية ٦٨:
حمله قوم على إسراع المسلمين في الغنائم، فأنزل الله تعالى هذه الآية،
стр. 668
وقد قيل: لولا تقدم دلالة القرآن على أن الصغائر مغفورة عند اجتناب الكبائر لمسهم العذاب، فعلى هذا ثبت كونهم عصاة، وإن كانت الصغائر مغفورة، فيصح أن يعاتبوا على ما فعلوه.
وقد قيل: معناه لولا أن الوعيد يتقدم العقاب، لمسكم فيما أخذتم، ولكن سبق الكتاب بأن لا مؤاخذة إلا بعد النهي.
وقد قال قائلون: يجوز أن يكون توقفه بعد الأسر في قتلهم، صغيرة ورد فيها العقاب.
ويقال: كيف يكون هذا صغيرة مع تقدم قوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) ، وأنتم إن جعلتم ذلك صغيرة، لم تجعلوا قوله: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) واردا بعد حرب بدر بل قبله، فإذا ثبت ذلك، فلا بد أن تكون مخالفة الأمر في ذلك كبيرة.
قيل: احتمل أنهم توهموا أن القتل لما كثر جاز العدول إلى الأسر.
قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً) ، الآية ٦٩:
ليس فيه بيان أكله بعد القسمة أو قبلها، أو بعد الغلبة والإحراز بدار الإسلام.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، الآية/ ٧٢.
يدل قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) «١» : على وجوب الهجرة، إلا أنها كانت واجبة في وقت، وقد زال ذلك الوجوب بالفتح لقوله ﷺ :
стр. 669
لا هجرة بعد الفتح «١» .
وإنما كانت واجبة للخوف من الكفار، والخوف من الافتتان، ولتقوية الرسول ﵊، وكل ذلك زال بالفتح.
ويحتمل أن يكون المراد بالولاية الوراثة، لأنهم كانوا من قبل يتوارثون بالإسلام والهجرة، ونسخ ذلك بقوله تعالى:
(وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) .
ويحتمل أن تكون الموالاة في الدين.
وقوله تعالى: (ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) ، يدل على أن من ترك الهجرة، فقد خرج عن أن يكون وليا لسائر المؤمنين، إلا أنه لو خرج عن الدين لما قال الله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) «٢» .
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) «٣» ، يدل على أنه أراد به الولاية في الدين، لأنه تعالى قال: (إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ) «٤» .
قوله تعالى: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) ، الآية/ ٧٥.
يحتمل التوريث بالرحم على قول ابن مسعود.
стр. 670
ويحتمل أن يكون أولى ما بيّن الله تعالى في كتابه من آي المواريث، ويجعل هذه الآية كأنها مجملة وتلك مفصلة، ولا يدل على أن بعضهم أولى ببعض في الميراث من حيث الظاهر، إلا أن يعلم الميراث بدليل.
стр. 671
الجزء الرابع
стр. 672
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة براءة «١»
قوله تعالى: (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، الآية/ ١.
اعلم أن الإمام إذا استشعر من أهل العهد جناية، أو توقع منهم غائلة، كان له نبذ عهدهم إليهم، دفعا لغائلتهم، حتى لا يؤتى من حيث لا يشعر، إلا أنه إنما يجوز ذلك بأن يجاهر بنبذ العهد إليهم، حتى لا يكتسبهم مغافصة «٢» ، فيشبه الغدر، ويجوز أيضا أن يعاهد المشركين إلى أن يرى فيه رأيه، كما عاهد أهل خيبر، وقال في العهد: أقركم ما أقركم الله ثم أجلاهم عمر، وكل ذلك جائز.
وإذا ثبت ذلك فقوله: (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) : يدل على أن عهدا قد تقدم بينهم، وأنه قد نقض.
стр. 673
يبقى أن يقال:
فلم قال: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) «١» ، وإذا انتقض العهد فلم جاز الإمهال؟
فيقال: لا يبعد جواز الإمهال لما فيه من المصلحة في تدبر من أمهل في عاقبة أمره ومآل حاله، وأن ذلك يكون داعيا إلى الإسلام، وإنما لا يحسن الامهال لمن يتوقع الغوث، فأما من لا يخشى الغوث، فلا يقبح منه الامهال، ودل عليه قوله:
(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ) «٢» .
ومعناه: غير معجزيه، بتمكين نبيه منهم، ونصرته عليهم، أو نفاذ مراد الله تعالى فيهم بما شاء، وهو معنى قوله تعالى: (وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ) .
فكان المقصود من التسمح بهذه المدة، التوصل إلى هذه البغية، وهو رجاء الإسلام.
وإذا بان السبب الذي لأجله يجوز نبذ عهود الكفار إليهم، فقد قال ابن عباس: إن المشركين أخذوا في نقض عهودهم التي بينهم وبينه ﷺ ، فأمر الله تعالى نبيه فيمن كان عهده أربعة أشهر، أن يقره إلى مضي هذه المدة، وذلك من يوم النحر إلى عشر من شهر ربيع الآخر، ومن كان له من العهد أكثر، أمر أن يحط إلى ذلك، ومن كان أقل، أمر أن يرجع به إلى هذا القدر، ومن لم يكن له عهد، أمر أن يجعل له خمسين ليلة من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، إلا حي من بني كنانة، كان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر، فأمر الله تعالى أن يتم عهدهم إلى مدتهم،
وهو معنى قوله:
стр. 674
(إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) - إلى قوله- (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ) ، الآية ٤.
وذكر التبري وقطع العصمة وبعث عليا بذلك، لينادي فيهم مع قوله تعالى:
(إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ) .
واعلم أن الذين تقدم ذكرهم، وقعت منهم مظاهرة أو مخابرة وخداع، يقتضي نقض العهد والإخلال به، ولذلك قال:
(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) ، الآية/ ٧.
فلو كان ممن تقدم ذكرهم الاستقامة في العهد، لم يجز منه تعالى أن يتبرأ منهم وينقض عهدهم، فكل ذلك يدل على أنه قد كان تقدم منهم نقض العهد، إما ظاهرا وإما سرا.
وقال ابن عباس في سورة التوبة: إنها هي الفاضحة، فهذا القول منه يدل على أنهم نكثوا وأسروا به، فأظهر الله تعالى لنبيه ما أسروه بالبراءة منهم، ونبذ العهد إليهم.
وذكر في النقض وجه آخر، من حيث استبعد هؤلاء النقض من جميع المشركين سرا، فقال: سبب نقض العهد، أن رسول الله ﷺ لما أراد أن يحج لقابل، وأن الله تعالى أعلمه ذلك، وأنه لا يتفرغ إلى الحج إلا بعد العام القابل، لقرب أجله، وكان المشركون يطوفون بالبيت عراة في الطواف، والتعري بحضرته شرك وكفر، فاقتضى ذلك نقض العهد.
стр. 675
وهذا باطل، فإنه لا يجوز من رسول الله ﷺ النقض لهذه العلة، فإن من الممكن أن يخلى له البيت ساعة، ولا يمكن المشركين من الطواف في تلك الحالة، كما طاف في عمرة القضاء وأخلى له المشركون البيت.
والذي يتعلق بالأحكام من الآية أنه:
لا يجوز نبذ عهد الكفار إلى الكفار إلا بنقض ظاهر منهم، أو توقع نقض، أو إبهام في مدة العهد، مثل أن يقول: نقركم ما أقركم الله.
ثم الأمان فسد أو صح، لا يجوز نقضه بالاغتيال، بل بإظهار نبذ العهد إليهم.
فهذا ما يتعلق بالفقه من الآية، وما ذكر في الآية: (إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً) ، الآية/ ٤.
والمتعلق بالأحكام منه وراء ما ذكرناه، أن من كان بين المسلمين وبينهم عهد، فإذا ظاهروا علينا قوما من الأعداء فهو نقض العهد، سواء ظاهروا سرا أو جهرا.
قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) ، الآية/ ٥.
وفيه سؤال: وهو أن النداء إنما كان يوم الحج الأكبر، والأشهر الحرم: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وهذه الثلاثة سرد ورجب فرد، فإذا ثبت ذلك، فكيف يقول: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ)
، وما بقي إلا أيام قلائل؟
وأجيب عن ذلك من وجوه:
منها: أنه لما كان آخر الأشهر الحرم المحرم، وكان بانقضائه تنقضي الأربعة أشهر، جاز أن يعلق قتال الكفار به.
стр. 676
والوجه الثاني: أن المراد بالأشهر الحرم: الأربعة التي حرم الله تعالى فيها قتالهم وأمنهم فيها، وهي: من يوم النحر إلى العاشر من ربيع الآخر.
فقوله تعالى: (الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ) ، هي التي حرم الله تعالى فيها القتل فقط، ولم يعن بالحرم الثلاثة السرد والواحد الفرد، وإنما أراد الأربعة المتوالية من وقت العهد إلى العاشر من ربيع الآخر، وهو قول الحسن.
وفيه شيء، وهو أن اسم الأشهر الحرم لا يتعارف منه غير المعهود، ولا يصير بسبب العهد الأشهر مسماة بالحرم، فلا جرم اختار كثير من العلماء القول الأول.
وقال الأصم: أريد بالآية من لا عهد له من المشركين، فأوجب أن يمسك عن قتالهم حتى ينسلخ المحرم، وهو مدة خمسين يوما على ما ذكره ابن عباس.
قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) «١» ، يدل على جواز الأسر بدل القتل والتخيير بينهما، ويدل على جواز قتلهم، أو أسرهم، على وجه المكيدة، لقوله تعالى: (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) .
وقال ابن عباس في قوله: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) «٢» و (ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) «٣» وقوله: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ) «٤» ،
стр. 677
وقوله: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) «١» ، قال: نسخ هذا كله بآية السيف وهو قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ، الآية، وقوله: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) «٢» ، الآية.
وقال موسى بن غفلة: كان النبي ﵊ قبل ذلك يكف عمن لا يقاتله، لقوله تعالى: (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا) «٣» ، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: (بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) - إلى قوله- (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) ، الآية.
وعموم ذلك يوجب قتل كافة المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، فإنه جعل المرد (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ) ، إلا أن الأخبار وردت في أخذ الجزية.
ويجوز أن يكون لفظ المشركين لا يتناول أهل الكتابين، ويقتضي ذلك منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان وغيرهم.
واعلم أن مطلق قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) ، يقتضي جواز قتلهم بأي وجه كان، إلا أن الأخبار وردت في النهي عن المثلة، ومع هذا يجوز أن يكون الصديق ﵁، لما قتل أهل الردة بالإحراق بالنار، والحجارة، والرمي من رؤوس الجبال، والتنكيس في الآبار، تعلق في ذلك بعموم الآية.
стр. 678
وكذلك إحراق علي ﵁ قوما من أهل الردة، بالإحراق بالنار، يجوز أن يكون ميلا إلى هذا المذهب واعتمادا على عموم اللفظ.
قوله تعالى: (يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) «١» ، الظاهر أنه يوم عرفة، قال ﵊: الحج عرفة.
ويجوز أن يكون يوم النحر، وورد في كل واحد منهما أثر، وتسميته الحج الأكبر يدل على أن العمرة أصغرهما.
قوله تعالى: (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) «٢» :
هذه الآية فيها تأمل، فإن الله تعالى علق القتل على الشرك، ثم قال:
(فَإِنْ تابُوا) ، والأصل، أن القتل متى كان الشرك يزول بزواله، وذلك يقتضي زوال القتل بمجرد التوبة، من غير اعتبار إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولذلك سقط القتل بمجرد التوبة قبل وقت الصلاة وإيتاء الزكاة، فهذا بين.
غير أن الله تعالى ذكر التوبة وذكر معها شرطين آخرين، فلا سبيل إلى إلغائهما، وصح أن الصدّيق ﵁ قاتل مانعي الزكاة، لا من جحد وجوب الزكاة فقط، بل من قال لا أؤديها إليك.
فقال أبو بكر: «لا والله حتى آخذها كما أخذها رسول الله ﷺ » «٣» .
وإنما فعل ذلك، فهم العلماء منه قتال مانعي الزكاة، لأن الله تعالى شرط أمورا ثلاثة في ترك القتال، فلا بد من وجودها جميعا، ودل قوله تعالى
стр. 679
في موضع: (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) ، وقال في موضع آخر:
(فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ) «١» .
على أن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مدخلا في تخلية سبيلهم، كما أن للتوبة مدخلا في ذلك، وبذلك احتج أبو بكر ﵁ في أن التوبة لا تكفى في تخلية سبيلهم والكف عن قتلهم، حتى ينضاف إليها فعل الصلاة وإيتاء الزكاة، وقال إنه ﷺ قال:
«فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» «٢» .
فلم تثبت العصمة بمجرد الإسلام، وذكر أن الزكاة من حقها.
وتعلق علي بذلك في قتال الفئة الباغية، وذهب إلى أن المشركين إذا أسلموا، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزّكاة، حل قتالهم وقتلهم.
وقال بعضهم: إنما أراد بذلك الاعتراف بالصلاة والزكاة لا فعلهما، فمن جحد أحدهما فقتله مباح، وهذا يستأصل وجه التخصيص.
فإن قيل: فإذا تاب قبل وقت الصلاة والزكاة فلا قتل عليه، ولم يقم الصلاة ولا الزكاة جميعا.
الجواب: أن التوبة إن كفت على هذا الرأي، فذكر الصلاة والزكاة لغو، وهو بمثابة من يقول: فإن تابوا ودخلوا الدار ولبسوا الثوب.
стр. 680
نعم، فهمنا من جعلهما شرطا خروج ما قبل حالة الوجوب، لأنه لا يجوز أن يجعلهما شرطا، ولما وجبا ولزما.
فالظاهر ما قاله الصدّيق، وهو جواز محاربتهم «١» إذا امتنعوا من القيام بهما.
وقد كان كثير من الناس يعترفون بوجوب الزكاة، لكنهم كانوا يمتنعون من دفعها إليه، وأمر مع ذلك بمحاربتهم وقال: لو منعوني عقالا مما أعطوا رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه.
فتبين بذلك أن الزكاة للإمام فيها حق الأخذ، فمتى امتنعوا وانحازوا إلى فئة حل قتالهم وقتلهم، ما داموا مصرين على الامتناع، وكذلك إذا امتنعوا من الصلاة، وفعلها على وجه يظهر.
فإن قيل: فقد خص الله تعالى هذا بالمشركين وقتالهم، فمن أين أن هذا جائز في حق المؤمنين؟
والجواب: أنه إذا ثبت أن التوبة تسقط القتل، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة تسقط القتل، فمقتضاه: أن المشرك إذا تاب ولم يصل ولم يزك وجب عليه القتل، وهذا ما نقوله.
يبقى أن يقال: إن الآية أوجبت التسوية بين منع الصلاة ومنع الزكاة، والشافعي يخصص بالصلاة.
والجواب: أن عند الشافعي لا فرق بين البابين، إلا أن في الزكاة أخذها ممكن قهرا، وفي الصيام يمكن أن يحبس في موضع فيجعل ممسكا، والركن الأعظم في الصوم الإمساك، فأما الصلاة، فاستيفاؤها منه غير
стр. 681
ممكن، فكان قتل تارك الصلاة من حيث تعذر استيفاؤها منه، بمثابة قتل تارك الزكاة إذا انحاز إلى فئة.
قوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) ، الآية/ ٦.
اعلم أن هذا لا دلالة فيه على أمان مشرك، ووجوب بذل الأمان فيمن يطلب الأمان، وذلك أن الله تعالى إنما ذكر ذلك وشرع الأمان لفائدة، وهي سماع الأدلة من كتاب الله تعالى، والكفار متى طلبوا تعرف التوحيد والعدل وبطلان ما هم عليه وجب ذلك، وإذا وجب على الرسول ﷺ ، وجب على سائر الأمة، بل على سائر المجاهدين.
ولا يحل للمجاهد قتل الكافر مع طلبه التعرف للدين، والوقوف على الأدلة، لأنه لو حل قتله، لم يجز أن يجار وأن يؤمن، فلذلك لا يجوز أن يخلو المجاهدون من العلماء، لأنه لا يأمن أن يكون في الكفار من يلتمس ذلك، فإذا لم يجد من يحل شبهته، ويثبت له طريقة الحق، لم تجز مقاتلته.
فلو قالوا: إنا نريد الوقوف على طريق الحق وتمييزه عن الباطل، فأمهلونا ودعوا مقاتلتنا، لوجب ذلك، وكما يجب أن يكون في عسكر الإسلام من يستعد لقوة الدين بالسلاح والعدة، فكذلك يجب أن يكون فيهم من يستقل بقوة المناظرة وتعريف الأدلة.
فقوله تعالى: (فَأَجِرْهُ) ، أمر دال على الوجوب، ولا وجوب إلا عند هذا الغرض، وليس هذا الغرض من الأمان المعروف في الشرع في شيء، فإن الامان هو الذي يحصل بسبب من المسلم موقوفا على خيرته: إن شاء فعل، وإن شاء لم يفعل، وفي الاستجارة لغرض الاستماع لكلام الله ، يجب الأمان، وتنكف السيوف عن رقبته، ويتحرس «١» دمه متى طلب ذلك، سواء كان جرى منا الأمان أو لم يجر.
стр. 682
ثم قال تعالى: (حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) ، الآية/ ٦.
أي بعد السماع، لأنه لا فائدة في مقامه عندنا. والأمان الذي تعارفه الفقهاء، أن يؤمن كافرا لا يبغي به سماع كلام الله ، حتى إذا استمع أبلغه مأمنه، بل يبغى به أمانه حتى يتجر ويتسوق ويقيم عندنا مدة لغرض لهذا المسلم، وذلك ليس ما نحن فيه بسبيل «١» .
قوله تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ) ، الآية «٢» .
يدل على أن من نفى أن يكون له عهد، إنما نفاه من حيث لم يستتم، بل غدر سرا أو جهرا، أو خيف منه الغدر، وذكر الشرك ذكر الباعث على الغدر ثم قال:
(إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «٣» .
فإنه لم يظهر منهم غدر.
(فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) «٤» .
وهذا يدل على أن من نقض عهده فإنما نقضه لمكان الغدر وتوقع الجناية، وإلا فلو استوى المستثنى والمستثنى منه في الاستقامة والوفاء لاستويا في وجوب الوفاء، ويدل عليه
قوله تعالى فيما بعد:
(كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً) «٥» .
стр. 683
فبين الله تعالى أن المعلوم من حالهم الغدر عند التمكن، وأنهم ينتهزون فرصة الاغتيال والمجاهرة بسر المكاشفة.
وبين أنهم في إظهار التمسك بالعهد منافقون لقوله: (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ) «١» وقوله: (إِلًّا) ، يحتمل القرابة والعهد والجوار.
ويحتمل أن يكون من أسماء الله تعالى يحلف به، فأبان أنهم لا يثبتون على العهد واليمين.
قوله تعالى: (فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ) ، الآية/ ١١.
هذا فيه تأمل، فإنا إن جعلنا لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على مذهب الشافعي أثرا في تخلية سبيلهم، فليس لهما اختصاص أصلا بكون مقيمهما أخا لنا في الدين، فإن مجرد الإسلام كاف في هذا المعنى ولا وجه له، إلا أن ذكرهما يدل على ما عداهما.
فإن الصلاة هي الوظيفة الكبرى المختصة بديننا وشرعنا.
والزكاة هي الوظيفة الشاقة على المكلفين وما كانت لهم عادة بهما.
فأبان أن الدخول فيهما دخول فيما سواهما.
وأبان أنه وإن تمسك بالكفر دهرا طويلا فإذا تاب صار في الحال بمثابة من كان معنا دهرا طويلا على الإسلام، حتى يجب علينا نصرته وموالاته.
قوله تعالى: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ) ، الآية/ ١٢.
стр. 684
يدل على أن المعاهد لا يقتل في عهده ما لم ينكث، وذكر الأمرين لا يقتضي توقف قتالهم على وجودهما، فان النكث يقتضي ذلك بانفراده عقلا وشرعا.
فالمراد به على هذا الوجه التمييز في الجمع، وتقديره:
فإن نكثوا حل قتالهم وإن لم ينكثوا وطعنوا في الدين مع الوفاء بالعهد حل قتالهم.
وهذا يقوي مذهب الشافعي، فإن المعاهد إذا جاهر بسب الرسول وطعن في الدين فإنه يحل قتله وقتاله.. وأبو حنيفة رأى أن مجرد الطعن في الدين لا ينقض به العهد، ولا شك أن دلالة الآية قوية فيما قاله الشافعي.
فإن قيل: فلم قال: فقاتلوا أئمة الكفر؟ ولم خصصهم بذلك مع وجود القتال من جميعهم؟
الجواب: أن من المحتمل أن يكون المراد به أن المقدم على الطعن في الدين ونكث العهد صار أصلا ورأسا في الكفر، فهو من أئمة الكفر على هذا التأويل، أو عنى به المقدمين والرؤساء منهم، وأن قتالهم قتال أتباعهم، وأبان أنهم لا يحترمون ولا يهابون.
وقد قيل: عنى به صناديد قريش، كأبي جهل وعتبة وشيبة وأمية ابن خلف.
وهذا بعيد: فإن الآية في سورة براءة، وحين نزلت وقرئت على الناس استؤصل شأفة «١» قريش فلم يبق منهم إلا مسلم أو مسالم.
стр. 685
قوله تعالى: (إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ) «١» أي لا أيمان لهم يفون بها، ويثبتون عليها.
قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) «٢» .
أبان به أن الغرض من قتال الكفار يجب أن يكون طلب إسلامهم، فمن رجا منهم الإسلام وتطلب تعريف الحق يجب السعي في بيان ذلك، لأن قوله: (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) ، أي كي ينتهوا عن كفرهم وباطلهم وأذيتهم للمسلمين، وذلك يقتضي أن يكون الغرض من قتالهم، إما دفع ضررهم فينتهون عن قتالنا، وإما الانتهاء عن كفرهم بإظهار الإسلام.
وقد قيل: قوله (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) ، نزل في اليهود الذين غدروا برسول الله ﷺ ، ونكثوا ما كانوا أعطوا من العهود والأيمان، على أن لا يعينوا عليه أعداءه من المشركين، وهموا بمعاونة المنافقين والكفار على إخراج النبي ﵊، فأخبر أنهم بدءوا بالنكث والنقض،
وقال بعده:
(أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ من بعد عهدهم وَهَمُّوا) «٣» وكل ذلك محتمل.
قوله تعالى: (وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً) «٤» ، الآية/ ١٦.
يقتضي لزوم اتباع المؤمنين، وترك العدول عنهم، كما يلزم اتباع النبي ﵊.
стр. 686
قوله تعالى: (ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ) ، الآية/ ١٧.
يدل على أن عمارة «١» المسجد بالزيارة، والزيادة في بنائه، ودخوله محرم على الكفار، فكأنه قال:
إن بناء المسجد إنما يليق بالمسلم الذي يتوصل به إلى رضاء الله، فأما الكافر فإن عمله في ذلك محبط، ولم يؤمر بعمل محبط، وإنما أمر بعمل مقبول عند الله تعالى.
قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ) ، الآية/ ٢٣:
يدل على أن حكم الله تعالى يغلب حكم القرب والنسب.
ويدل على أن تولي الكافر تعظيم، فلذلك أطلق تعالى فيمن يفعل ذلك أنه ظالم.
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) ، الآية/ ٢٨.
صار بعض الناس إلى الحكم بنجاستهم حقيقة حتى نجسوا الماء بملاقاتهم.
وقال آخرون: لم يرد تعالى نجاستهم حقيقة وإنما أراد به جعله فاتحة لمنع قربهم من المسجد، كما تمنع من ذلك النجاسات، فمعناه: إنما المشركون كالشيء النجس، وتعليق منعهم أن يقربوا المسجد الحرام بكونهم أنجاسا، يقتضي أن يكون المراد به التشبيه لا التحقيق، والنجاسة من حقها صحة إزالتها بالماء وذلك لا يتأتى في الشرك.
وقال الشافعي: يدخل كل مسجد إلا المسجد الحرام خاصة، ويجوز
стр. 687
للذمي دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة، والشافعي يعتبر الحاجة، ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام.
فأما الآية فظاهرها ألّا يقربوا المسجد الحرام، إلا أن قوله تعالى:
(فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا) «١» ، يدل على أن المراد به الحج، والتقييد بالعام يدل على أن المراد به الحج الذي لا يتأتى إلا في العام.
ويدل عليه أيضا قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ) «٢» .
قوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ- إلى قوله- عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) ، الآية/ ٢٩.
اعلم أن مطلق قوله (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) «٣» .
وقوله ﵊:
«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» .
وقوله تعالى: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) «٤» .
يدل كل ذلك على جواز قتل الكفار بأسرهم، ولو لم يكن إلا قوله تعالى: «اقتلوا المشركين» ، لكان اللفظ عاما في حق أهل الكتاب وغيرهم.
وقد قال قائلون: إن عموم لفظ المشركين مقصور على عبدة الأوثان، فإن قوله تعالى فرق في اللفظ بين المشركين، وأهل الكتاب، والمجوس،
стр. 688
بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) «١» .
فعطف المشركين على هذه الأصناف.
وقال آخرون: لما كان معنى الشرك موجود في مقالات هؤلاء الفرق من النصارى المشركين بعبادة الله تعالى عبادة المسيح ﵇.
والمجوس أشركت من حيث جعلت لله تعالى ندا مغالبا، والصابئون هم عبدة الكواكب، فهم مشركون حقيقة، وقد انتظم اللفظ، فعلى هذا دل قوله «المشركون» على نفي أخذ الجزية من هؤلاء كلهم، العرب والعجم على ما يقوله الشافعي.
ولأجل ذلك توقف عمر في أخذ الجزية من المجوس، وليسوا أهل الكتاب تحقيقا، فإنه سلب الكتاب منهم كما نقل عن عليّ، وإن صح هذا النقل عن علي، فليسوا أهل الكتاب في الحال، وكون آبائهم من أهل الكتاب لا يقتضي أمرا في حقهم، وقول رسول الله ﷺ على ما نقله الرواة عنه «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» «٢» ، يدل على أنهم ليسوا أهل كتاب، إذا تبين ذلك، فأخذ الجزية من أهل الكتاب بحكم تخصيص الشرع إياهم من بين المشركين، لا يدل على مثله في المجوس، إذ لا يتناولهم لفظ مطلق لفظ الكتاب «٣» ، لقوله تعالى: (إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا) «٤» .
стр. 689
فإن قيل: فقوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) «١» ، يقتضي جواز أخذ الجزية منهم، ولا دلالة للفظ في حق غيرهم.
وقوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) ، إنما ورد في مشركي العرب، فإنه مرتب على قوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) .
وكذلك قوله: (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) «٢» .
وليس فيه دلالة على منع أخذ الجزية من عبدة الأوثان من العجم، والظاهر لا يقتضي في ذلك مشركي العجم منعا ولا إثباتا.
نعم، الظاهر يقتضي جواز أخذ الجزية من كافة أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما، وهذا هو الحق عندنا، وليس يظهر عن هذا السؤال جواب؟
نعم يمكن أن يقال: إن الأصل ألا تقبل الجزية من الكفار إلا فيما خص «٣» ، وذلك خروج عن موجب الظاهر ويتعلق بنوع آخر.
واعلم أن قوله تعالى: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ- إلى قوله في سياق الآية- مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) «٤» .
توهم قوم أنه منصرف إلى جميع الكفار وهم أصناف:
فمنهم الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وليس ذلك صفة أهل الكتاب، فإنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر.
стр. 690
وقوله: (وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) «١» ، صفة غير أهل الكتاب وكثير من الأحكام.
وقوله: (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) «٢» هو وصف أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد.
وذكروا أن ظاهر هذا يقتضي أخذ الجزية من أصناف الكفار، إلا ما قام دليل الإجماع عليه في حق مشركي العرب، وهذا باطل، فإن الله تعالى قال: (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فوصف الذين يقاتلون بأوصاف، فلتكن الأوصاف راجعة إلى الضمير المذكور أوّلا.
وقوله: (لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، وصف لهم.
(وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) يرجع إليهم أيضا.
وقوله: (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) ، ينبغي أن يكون نعتا للذين.
فإذا لم يقولوا ذلك فقد نعت قوما بنعت، وذكر بعده نعتا لا لمنعوت متقدم، وذلك يستحيل قطعا.
فلا جرم، رجع كل من يرجع إلى فهم، ونحصل إلى أن الآية نزلت في حق أهل الكتاب.
يبقى أن يقال: كيف وصفهم بأنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؟
قيل، يحتمل أن يقال: إنهم بمنزلة الذين لا يؤمنون في باب الذم، ومثله في من يوالي الكفار من المؤمنين، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي.
ومعناه أنهم لو كانوا ينتفعون بالإيمان بالله، ما اتخذوهم أولياء.
وقد قيل: معناه أنهم لم يؤمنوا عن يقين ومعرفة.
стр. 691
وقد قيل: لا يؤمنون بذلك على ما يؤمن به المؤمنون.
وقد قيل: لم تكمل معرفتهم بالله تعالى.
قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) .
فالجزية عطية مخصوصة.
قيل سميت جزية لأنها جزاء على الكفر، وقيل اشتقاقها من الأجزاء بمعنى الكفاية، أي أنها تكفي من يوضع ذلك فيه من المسلمين، وتجزى عن الكافر في عصمته.
قوله تعالى: (وَهُمْ صاغِرُونَ) ، الصغار هو النكال، وصف بذلك لأنه يصغر صاحبه، بأن يدفعوها عن قيام، والآخذ لها قاعد، ويعطيها بيده مشيا إلى الوالي الطالب.
وفائدة هذين الشرطين الفرق بين ما يوجد منهم مع كفرهم، وبين ما يوجد من المسلمين من الزكاة، فكما يقترن بالزكاة المدح والإعظام والدعاء له، فيقترن بالجزية الذل والذم، ومتى أخذت على هذا الوجه، كان أقرب إلى ألا يثبتوا على الكفر لما يتداخلهم من الأنفة والعار، وما كان أقرب إلى الإقلاع عن الكفر فهو أصلح في الحكمة، وأولى بوضع الشرع.
وعلى هذا، إذا قال القائل: كيف يجوز العدول عن استئصال الكفار وتطهير الأرض منهم إلى تعزيزهم في ديارنا ونصرتهم بأنفسنا وأموالنا مع عظيم كفرهم، ومع قوله تعالى: (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) »
، ثم يعصم ماله بقدر يسير، وهل هذا إلّا كالرضا بكفرهم، وتمهيد أسبابه لهم.
стр. 692
فيقال في إبطال ذلك: إن قتل الكافر مؤيس من التوبة، وإذا ترك بشريطة الجزية فيلحقه من الذل ما يضجره ويحمله على الإسلام، هذا مع نفع يعود إلى «١» المسلمين، ومع مخالطة الكافر للمسلمين الداعية له إلى تدبر أدلة الإسلام، وهذا المعنى لا فرق فيه بين طائفة وطائفة، إلا أنه يمكن أن يقال:
إن قتل من لا كتاب له أقرب إلى تعظيم أمر الدين، ولأن أهل الكتاب أقرب إلى تدبر معاني الكتاب لتقارب ما بين الأديان وتشاهدها على صدق نبينا ﷺ ، فيجوز أن يكون الأصحاب بالجزية أقرب إلى إيمان أهل الكتاب منه إلى غير أهل الكتاب.
وقوله تعالى: (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) ، تعظيم فيما يتعلق بالآخرة، ورجوع وبال كفره عليه في الميعاد، ومع هذا فيمهل الشرع أسبابا هي داعية إلى صلاح حاله في ماله.
وليس لقائل أن يقول: وإذا كان ذلك كذلك، فلم يرزقون ويحسن إليهم.
لأن نعمة الله تعالى لا تنافي استعظامه للكفر، فكذلك إقرارهم على المقام في بلادنا بأخذ الجزية لا تنافي استعظام كفره.
وإذا تقرر ذلك أمكن أن يقال:
الجزية عقوبة ليحصل بها زجره عن كفره.
والعقوبة منقسمة إلى ما يكون زجرا لمصلحة المعاقب، وإلى ما يكون جزاء.
فأما الجزاء فلم يشرع لمصلحة المعاقب، فعلى هذا لا نقول: يجب على
стр. 693
الكافر الجزية متى اقتضت عصمة، فكأنها دفع القتل عنه ليتدبر قبح القبح فيسلم، فجرى مجرى العبادات، وما يجب فعله لا يعد من العقوبات.
فإن قيل: إنما يجب عليهم ما يحسن لا ما يقبح ويحرم، فكيف يحسن منه دفع الجزية، ومن الإمام أخذها، وإذا أخذناها منه على طريق عصمة دمه، فقد رضينا بمقامه على كفره، وهم متى أرادوا دفع الجزية فقد أرادوا مقامهم على الكفر، وذلك يوجب قبح الدفع والأخذ، ولو كانوا بالجزية حاقنين دماءهم كما بالإسلام، كانوا مخيرين بينهما، فلا يمكن أن يقال:
إن الجزية واجبة تحقيقا، ولكن يقال إن الجزية إضجار ومعاقبة ليرجع عن كفره؟
ويجاب عن هذا بأن يقال:
بأن الذي في الكافر من كفره، يقتضي إباحة دمه، لكن حرمة الكتاب تقتضي استبقاءه لما في استبقائه من توقع إسلامه، ولولا ذلك لكان القتل أولى به، وإذا كان كذلك فقد دفع الكافر إلى القتل، أو دفع الجزية، وفي دفعها إزالة القتل، فواجب عليه أن يفعل ذلك لإزالة الضرر العظيم.
فإن قيل: إن القتل امتنع ببذل الجزية لما في أخذ الجزية من توقع إسلامه، والمقصود ذلك، فيلزم على مساقه أن يكون ذلك محتوما، ويجب علينا أخذ الجزية منه، ويمتنع قتله.
والجواب: أن الكافر إذا لم يعرف حسن الإسلام، فقد دفعه الشرع إلى أحد أمرين.
إما القتل، وإما الجزية، وهو يعلم أن الجزية أهون عليه من القتل، وفي الجزية حقن الدم، فيحسن بقضية العقل والشرائع كلها دفع الجزية، تحقيقا لمقصود دفع شر القتل، ووجب بحكم شرعنا الجزية عليه، لما فيه
стр. 694
من حسن توقع إسلامه، ودفع قتل يعجله إلى النار، ففي ذلك مصلحة للكافر بحكم دينه الذي هو عليه عند جهله بحسن الإسلام، وبحكم ديننا الذي به عرفنا حسن الإسلام، وتوقعه منه ببذل الجزية، إلا أنه إذا امتنع فلا يمكن تقريره في ديارنا على كره منه، لما فيه من غائلة هربه وترصده لأذية المسلمين، فوجب قتله لدفع الضرر، أما إذا توطن وتأهل وطلب منا الذمة اندفعت غائلته، فحسن بذل الجزية لهذا المعنى.
ومعلوم أن من أكره على دفع ماله بالقتل، وجب عليه دفع ماله لدفع شر القتل عن نفسه. فعلى هذا يجب على الذمي بذل الجزية لدفع شر القتل عن نفسه، ويحسن من المسلمين أخذها منهم، لما يتوقع في ذلك من إسلامه، وقد قيل: يحسن أخذ الجزية في مقابلة مساكنتهم لنا وذبنا «١» عنهم.
فالكافر ليس يبذل على هذا القصد، ولكن يبذلها لدفع القتل، ووجه الوجوب عليه هذا.
فأما المسلم، فإنما يأخذها لحق المساكنة، ولأجل ذبنا عنهم، فقيل لهم: فإذا وجبت الجزية عليهم لهذا المعنى، فلا بد أن يكون الحقن مقصودا، وإنما يكون الحقن مقصودا، وتقرير هم في ديارنا مقصودا معنيا، إذا كان البقاء على الكفر مرادا، فإن من ضرورة تقرير الكافر في ديارنا والتزام الذب عنه، الرضا بفعله، وارادة الكفر منه، فلا بد أن تكون الجزية عقوبة وزجرا عن الكفر، حتى تكون إرادة الزاجر كراهة المزجور عنه.
فأما إذا كانت الجزية عرضا عن المساكنة أو عن الذب، كان الذب مقصودا، ووجوب تعظيمه وصيانته والذب عنه، يقتضي إرادة الكفر لا محالة.
стр. 695
وإن جعلت الجزية لدفع القتل، فدفع القتل واجب، كما أن الإسلام وجب لدفع العقاب، ودفع العقاب واجب، فإذا يجب أن يكون مخيرا بين الإسلام الذي يدفع به العقاب، وبين الجزية التي يدفع بها القتل، فعلى هذا يمكن أن يكون اختيار من اختار، كون الجزية في مقابلة الذب والساكنة ضعيفا، وإنما المعتمد كون الجزية دافعة للقتل في حق الكافر، ونحن نأخذها لمنفعة المسلمين، وغرضنا منها توقع إسلامه، وفيه مصلحة له من هذه الجهة في دفع القتل عنه، ومنفعة للمسلمين من هذه الجهة لا يبعد وجوبها.
وعلى أنه يقال: متى قلنا إن الجزية تقتضي العصمة كالإسلام، فإنما نقول ذلك في أحكام الدنيا، وفي أحكام الدنيا كلمة الشهادتين مثل الجزية.
ونحن نقول: يجب على الكافر كلمة الشهادتين، ولا تنفعه الشهادة في إزالة العقاب، وإنما ينتفع بالتوبة والإيمان والمعرفة، وكذلك لا يحقن الدم، ويتبين كيف يحسن دفع الجزية وأخذها وكيف يقبح.
وأما مقدار الجزية، فليس في كتاب الله تعالى، وهو مأخوذ من السنة، ويجوز أن يكون للاجتهاد مدخل فيه على ما بيناه في الفقه.
والذي يدل عليه القرآن، أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين، فإنه تعالى قال:
(قاتِلُوا ... حَتَّى) .
فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل، ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلا لأنه لا مال له، وقد قال تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) ، ولا يقال لمن لا يملك: حتى تعطي، والظاهر يقتضي أنه المفتدي بماله، وأن ذلك كالعقوبة، فلا تجب على السيد بسبب عبده.
стр. 696
واختلف العلماء فيمن دان من المشركين بدين أهل الكتاب بعد المنهب «١» ، وظاهر القرآن يقتضي القبول لأنهم من أهل الكتاب.
وكما ليس في القرآن بيان مقدار الجزية المؤداة، فليس فيه بيان مدة أداء الجزية، وتكررها بتكرر الحول، وإنما فيه بيان أن الجزية ينتهي بها وجوب المقاتلة، والظاهر يقتضي وجوبها مرة واحدة.
وأبو حنيفة لا يرى تعدد وجوبها بتكرر الحول، بل يقول: إنهم يقاتلون إلى أن يؤدوا الجزية، إلا أنها تؤخذ منهم عند انفصال السنة، ولا ذكر لذلك في القرآن.
ويدل قوله: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) .
على أن بالإسلام يزول هذا المعنى، فلا جرم لا خلاف أنهم إذا أسلموا فلا يؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون.
والشافعي لا يأخذ بعد الإسلام على الوجه الذي قاله الله تعالى، وإنما يقول: الجزية دين، وجب عليه بسبب سابق، وهو السكنى أو لدفع شر القتل، فصار كالديون كلها، فإذا ثبت للشافعي أنها دين، فإنها لا تسقط، وإذا كان وجوب الدية على نحو وجوب الديون، وفيها غرض، وهو دفع القتل، فهي طاعة مأمور بها، والذمي قد أطاع الله تعالى بدفعها، إلا أن ثواب طاعته محبط، كثواب الطاعات كلها، فهذا تمام ما أردنا بيانه.
وأبو حنيفة لا يرى الجزية واجبة على الذمي طاعة، بل يقول يقام عليه إضجارا له واتعابا، وذلك لا يكون طاعة في حقه، وإنما هي طاعة في حقنا، فأما في حق الدافع فلا، فهم إذا امتنعوا من الجزية وجب
стр. 697
قتالهم، وإذا بذلوا الجزية امتنع قتالهم، إلا أن الجزية عندهم عقوبة زاجرة عن الكفر، بالإضافة إلى الذمي والذي يخالط المسلمين، فتوقع الإسلام منه يزيد على توقعه ممن لا يخالطونا، فهذا تمام هذا المعنى على المذاهب كلها.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) ، الآية/ ٣٤.
ذكر الأصم: أنه راجع إلى أهل الكتاب، لأنه مذكور بعد قوله:
(إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) .
وغيره حمل ذلك على كل كافر، وذلك مدلول اللفظ، ومعطوف على المتقدم باللفظ العام، لأنه وصف لما تقدم، ولأنه مستقل، وإن لم يتعلق بما تقدم.
وقد روي عن أبي ذر ﵁ أن قائلا قال له وهو بالربذة:
ما أنزلك هذا المنزل؟
فقال: كنا بالشام فقرأت هذه الآية، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب لا فينا.
فقلت: لا، بل فينا وفيهم.
وكتب معاوية إلى عثمان أن أبا ذر يطعن فينا ويقول كذا، فكتب إليّ عثمان بالإقبال إليه، فأقبلت، فلما قدمت المدينة، كثر علي الناس حتى كأنهم لم يروني فآذوني، فشكوت إلى عثمان فقال: تنح قريبا، فتنحيت إلى منزلي هذا.
وأكثر العلماء على أن الوعيد على الكنز على من يمنع حق الله تعالى فيه، فما لم يؤد حق الله تعالى منه، فهو كنز كان على وجه الأرض أو تحته.
وروي أنه ﵊ قال:
стр. 698
«ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلا جيء يوم القيامة فيحمى ويكوى به جنبه وجبينه» «١» .
وقال: «من له مال فأدى زكاته فقد سلم» .
ولا خلاف في جواز دفن المال المزكى أو غير المزكى إذا أدى زكاته من موضع آخر.
وقد روي عن بعض السلف، أن المراد بالآية العدول عن الإكثار وجمع المال، وعن رسول الله ﷺ قال:
«يجيء كنز أحدكم شجاع أقرع فإذا رأى صاحبه هرب منه فيطلبه فيقول: أنا كنزك» «٢» .
وعلى الجملة، المعقول من الآية تعليق الوعيد على من كنز ولم ينفق في سبيل الله، ولم يتعرض للواجب وغيره، غير أن صفة الكنز لا ينبغي أن تكون معتبرة، فإن من لم يكنز ومنع الإنفاق في سبيل الله، فلا بد أن يكون كذلك، فلا أثر لصفة الكنز، وليس في الآية بيان الواجب من غيره، ولكن من المعقول أن صورة الكنز كما لا تعتبر، فالامتناع من أداء ما ليس بواجب لا يعتبر أيضا، وإذا لم يعتبر هذا ولا ذاك جملة، فليس إلا أن المراد منع الواجب من الزكاة وغيره، إلا أن الذي يخبأ تحت الأرض هو الذي يمنع إنفاقه في الواجبات عرفا، فلذلك خص الوعيد به.
وإذا كان المقصود من ذكر الكنز أن صاحبه يمسكه ولا ينفق منه في سبيل الله تعالى، فظن قوم أن من صاغ الدراهم حليا ولا يزكي منه فهو كانز.
стр. 699
وهذا استدلال بطريق المعنى، وإلا فاللفظ من حيث الظاهر لا يدل عليه أصلا.
ويحتمل أيضا من وجه آخر، وهو أن هذه الآية إنما نزلت في وقت شدة الحاجة وضعف المهاجرين وقصور يد رسول الله ﷺ ، عن كفايتهم، ولم يكن في بيت المال ما يسعهم، وكانت السنون والحوائج هاجمة عليهم، فنهوا عن إمساك شيء من المال زائد على قدر الحاجة، ولا يجوز ادخار الذهب والفضة في مثل ذلك الوقت، وإلا فقد ثبت بالنقل المستفيض عن النبي ﵊ إيجابه في مائتي درهم، خمسة دراهم، وفي عشرين دينار، نصف دينار، ولم يوجب الكل، واعتبر مدة الاستنماء، وكان في الصحابة ذوو ثروة ونعمة وأموال جمة، مثل عثمان وعبد الرحمن بن عوف.
أو يحتمل أن قوله: ولا ينفقونها، أي لا ينفقون منها تحذف من، وبينه في مواضع أخر من قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) «١» .
وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ) ، فكبر ذلك على المسلمين، فقال عمر:
أنا أفرج عنكم، فانطلق فقال: يا نبي الله إنه كبر على أصحابك هذه الآية.
فقال ﵊:
«إن الله تعالى لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي «٢» من أموالكم، وإنما فرض المواريث لتكون لمن بعدكم» ، فكبر عمر.
стр. 700
فأبان بهذا الحديث أن المراد به انفاق بعض المال لا جميعه، وأن قوله (الَّذِينَ يَكْنِزُونَ) المراد به منع الزكاة «١» .
وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
«ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة كنزه إلّا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيكوى به جنبه وجبينه حتى يحكم الله تعالى بين عباده» .
فأخبر في هذا الحديث، أن الحق الواجب في الكنز هو الزكاة دون غيرهما، إلى قوله تعالى: (فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) «٢» .
يعني أنه لم يؤدوا زكاته.
وروى ابن عمر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الذي لا يؤدي زكاته يمثل له ماله يوم القيامة شجاع أقرع له ذبيبتان تلزمه أو يطوقه، فيقول أنا كنزك أنا كنزك» ، فأخبر أن المال الذي لا يزكى هو الكنز، فبان به أن الكنز اسم لما لا يؤدى زكاته في عرف الشرع، والوعيد انصرف إليه، فاعلمه.
قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ) . الآية/ ٣٦.
وظاهر ذلك يدل على أن الواجب تعليق الأحكام المتصلة بالشهور والسنين، من عبادات وغيرها، بالأشهر العربية دون الشهور التي يعتبرها العجم والروم، وإن شهور الروم وإن لم تزد على اثني عشر، ولكنها مختلفة الأعداد، منها ما يزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، وشهور
стр. 701
العرب لا تزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، والذي ينقص لا يتعين له شهر، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب سير القمر في البروج، ثم قال تعالى: (مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) .
ولا خلاف أن هذه الأربعة الحرم لها ضرب من الاختصاص، وأنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم.
وإذا خصها الله تعالى بأنها حرم، فلا بد أن يكون لهذا الاختصاص معنى، وليس يظهر ذلك المعنى في حكم سوى المقابلة، وقد نسخ ذلك، أو تحريم القتل، حتى إن الدية تتغلط بالأشهر الحرم، فهذا وجه التخصيص.
قوله تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) ، على قول ابن عباس هو راجع إلى الجميع، وعلى قول بعضهم هو راجع إلى الأشهر الحرم خاصة، ومن يخصص بالأربعة يقول لأنها إليها أقرب ولها مزية تعظيم الظلم.
قوله تعالى: (يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) .
فيه دليل على أن الله تعالى وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها، على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض، وأنزل الله ذلك على أنبيائه في الكتب المنزلة، وهو معنى قوله تعالى.
(إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ «١» عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً) .
وحكمها باق على ما كانت عليه، ثم نزلها عن مرتبتها تغير المشركين لأسمائها وتقديم المؤخر، وتأخير المقدم، في الإسم فيها، والمقصود من
стр. 702
ذلك اتباع أمر الله تعالى فيها، ورفض ما كانت عليه الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها، وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليها، ولذلك قال النبي ﵊ في حجة الوداع في خطبته بالعقبة:
«أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض» «١» .
وإن الذي تجعله الجاهلية، من جعل المحرم صفرا وصفر محرما، ليس يتغيرن ما وضعه الله تعالى.
والذين صاروا إلى جعل بعض السنين ثلاثة عشر شهرا، ليس على ما توهموه، لأن الله تعالى لم يضع غير اثني عشر شهرا، فهذا وجه.
ويحتمل أن يكون قوله في كتاب الله، أن الله تعالى قسم الزمان في الأصل اثني عشر قسما، فجعل نزول الشمس في كل برج من البروج الاثني عشر، قسما منها، فيكون قطعها للفلك في ثلث مائة وخمس وستين يوما وربع يوم، فيجيء نصيب كل قسم منها بالأيام ثلاثين يوما وكسر، وقسم الأزمنة أيضا على سير القمر، فصار القمر يقطع الفلك كل تسعة وعشرين يوما ونصف، وجعل السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وربع يوم، واختلفت سنة الشمس والقمر، مع اتفاق أعداد شهورها، وكان تفاوت ما بينها أحد عشر يوما بالتقريب، وكانت شهور القمر ثلاثين وتسعة وعشرين، فيما يتعلق بها من أحكام الشرع، ولم يكن للنصف الذي هو زيادة على تسعة وعشرين يوما حكم، وكان ذلك هو القسمة التي قسم الله تعالى عليها السنة في ابتداء وضع الخلق، ثم جاءت الأمم فغيرت هذا الوضع، وكان قصدهم بذلك أن لا تتغير الشهور عن
стр. 703
أوقاتها التي هي عليها شتاء وصيفا وخريفا وربيعا، فاقتضاهم ذلك أوضاعا مختلفة. فوضعت الروم اثني عشر شهرا، بعضها ثمانية وعشرون، وبعضها ثمانية وعشرون ونصف، وبعضها أحد وثلاثون، وكانت شهور الفرس ثلاثين إلا شهرا واحدا، وهو أباز ماه، فإنه خمسة وثلاثون، ثم كانت تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهرا كاملا، فتصير السنة ثلاثة عشر شهرا، فأما أشهر العرب، فإنها تسعة وعشرون أو ثلاثون، وأبطل الله تعالى كبسه الفرس، وجعلها ثلاثة عشر شهرا في بعض السنة، وأبطل ما كان المشركون عليه من تغيير النظام، وصارت الشهور التي لها أسامي لا تؤدي الأسماء معانيها، لأنها تارة تكون في الصيف، وتارة تكون في الشتاء، وأراد الله تعالى أن يجعل شهر رمضان تارة في الصيف وتارة في الشتاء، استيغالهم مصالح الدين والدنيا في التخفيف تارة، وفي التغليظ أخرى، ولم يكن صومنا كصوم النصارى في الربيع لا يختلف.
قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) ، الآية/ ٣٧.
هو متعلق بما تقدم، وهو أن العرب كانت تجعل المحرم صفر وصفر المحرم في بعض السنين، على ما كانت تقضيه الكبسة التي كانت لهم.
وأول من وضع ذلك من العرب ملك لهم يقال له القلمّس «١» ، واسمه حذيفة، وهو أول من أنسأ النسيء، أنسأ المحرم، فكان يحله عاما ويحرمه عاما، فكان إذا حرمه كان ثلاثا حرما متواليات، وهي التي يقال ثلاثة سرد، وهي العدة التي حرم الله تعالى في عهد ابراهيم، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم لتواطئ العدة، يقول قد أكملت الأربعة كما كانت، لأني لم أحل شهرا إلا وقد حرمت مكانه شهرا، لكنه ليس مسرورا،
стр. 704
فحج النبي ﷺ ، وقد عاد المحرم إلى ما كان في الأصل، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ) ، فأخبر الله تعالى أن النسيء الذي كانوا يفعلونه كفر، وأن الأشهر الحرم الثلاثة لا بد أن تكون متوالية، وأن صفر لا يقام مقامها، فهذا معنى هذه الآية.
وقال قائلون في معنى هذه الآية إن روما من بني كنانة وغيرها، كانوا يؤخرون الحج عن وقته في كل سنة شهرا، فيوقعونه في المحرم بعد ذي الحجة، وفي السنة الثانية في صفر، فبين الله تعالى أن هذا الصنيع كفر.
قوله تعالى: (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا) ، الآية/ ٤١.
وقوله تعالى: (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) ، الآية/ ٣٨.
اختلفوا في عمومه، فمنهم من قال: إنه أراد به كل المؤمنين.
وعند أبي علي الجبائي الآية مخصوصة.
واختلف العلماء في وجوب هذا التغير:
فمنهم من قال: المراد به وجوب النفور إلى الرسول إذا دعا إلى الجهاد وأمر به، وهو الأصح.
ومنهم من قال: إن المراد به عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم.
وظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستدعاء، فعلى هذا لا يتجه الحمل على وقت ظهور المشركين، فإن وجوب ذلك لا يختص بالاستدعاء، وإذا ثبت ذلك، فالاستدعاء والاستبقاء يبعد أن يكون موجبا شيئا لم يجب من قبل، إلا أن الإمام إذا عين قوما وندبهم إلى الجهاد، لم يكن لهم أن يتثاقلوا عنه، وله ولاية التعيين، ويصير بعينه فرضا على من عينه لا لمكان
стр. 705
الجهاد، ولكن طاعة الامام واجبة، وإذا لم يكن كذلك وكان من أهل الثغور كفاية، فالذي قاله أصحابنا أنه يجب على الامام أن يفرق في الجهات الأربعة قوما في كل سنة، يظهر لهم النكاية في العدو، ويمنعهم ذلك من انتهاز فرصة الاحتشاد والاستعداد، وإذا حصلت الكفاية لقوم، سقط عن الباقين، فليس الجهاد على هذا الرأي فرضا على كل واحد، وإنما هو فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين.
قوله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، الآية/ ٤٠.
يستدل به على إضافة الفعل إلى غير فاعله، إذا كان منه تسبب، فإنه تعالى قال: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، وما أخرجوه حقيقة بل أخافوه حتى اضطر إلى أن يخرج، وكان الصديق معه، فتارة كان يمشي بين يديه، وتارة يمشي خلفه، وقال يا رسول الله: إذا ذكرت الرصد مشيت بين يديك، وإذا ذكرت الطلب مشيت خلفك.
وظن جهال الإمامية أن قول الرسول ﵊ لأبي بكر:
«لا تحزن» ، يدل على جهل منه ونقيصة، وذلك يوجب مثله في قوله تعالى لموسى:
(فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ) «١» .
وقوله في قصة إبراهيم:
(فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ) «٢» .