← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة ابراهيم قوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها) ، الآية/ ٢٥. روي عن ابن عباس أنه قال: غدوة وعشية، ولعله أخذ ذلك من قوله تعالى: (فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) «١» . وعن ابن عباس رواية أخرى أنه قال: هي النخلة تطعم في كل ستة أشهر «٢» . وعن علي أنه قال: الحين سنة. وقال ابن المسيب «٣» : الحين شهران من حين تصرم النخل إلى حين تطلع. وروي عنه أنه قال: النخلة لا يكون فيها أكلها إلا شهران. وقال تعالى: (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) «٤» ، وعنى به ثلاث عشرة سنة.

стр. 737

وقال تعالى: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) «١» : يوم القيامة. وعن عكرمة أن رجلا قال: إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه حر، فأتى إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن ذلك، فسألني عنها فقلت: إن من الحين حين لا يدرك. قوله تعالى: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) «٢» . فأرى أن يمسك ما بين صرام النخل إلى حملها، فأعجبه ذلك. وبالجملة: للحين مصارف، ولم ير للشافعي تعيين مصرف من هذه المصارف، لأنه لم يوضع في اللغة لمعنى معين، والذي ذكره أبو حنيفه من تقييد الحين في الحلف بستة أشهر اتباعا لعكرمة تحكم، وتخصيصه بإدراك النخل لا مأخذ له فلا معنى لاعتباره.

стр. 738

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الحجر قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) ، الآية/ ٧٢. قال المفسرون: معناه: حياتك، فقوله: لعمرك: لغة. وكره قوم أن يحلفوا بغير الله تعالى، وورد فيه خبر، وإن لم يقو إسناده «١» وكرهوا أيضا أن يقول: وحق الكعبة، وحق الرسول ﷺ ، فهذا ما فيه من الحكم «٢» .

стр. 739

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة النحل قوله تعالى: (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ) ، الآية/ ٥. قال ابن عباس: الدفء اللباس. وقال الحسن: الدفء ما استدفئ به من أصوافها، وأوبارها وأشعارها. واستدل به قوم على جواز الانتفاع بها في حالة حياة الحيوان وموته. وليس ذلك بصحيح، فإنه تعالى قال: (لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ) . فبين أن منها ما أكلنا «١» ، فدل ذلك على إباحة هذه الثلاثة بشرط الزكاة «٢» . ثم بين تعالى بقوله: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) ، الآية/ ٨، عظيم منة علينا.

стр. 740

وذكر ذاكرون من أصحاب أبي حنيفة، أن في الآية دليل على تحريم لحومها، فيقولون: في الأنعام ذكر الله تعالى في الكتاب، أنها للأكل، وفي البغال والحمير أنها للركوب والزينة، وذكروا في تحقيق ذلك أن الله تعالى ذكر في الأنعام منافع الركوب، وحمل الأثقال إلى البلاد، وذكر الجمال بها حين تريحون وحين تسرحون، فنبه على المنافع الأصلية، والنادرة، كالأكل والركوب على الأنعام، فلو كانت الخيل مأكولة لذكره. ويجاب عنه، بأن الله تعالى لم يذكر ذلك، لأنه لا يعد للأكل عرفا، وإنما يؤكل إذا أصابته زمانه، ونقصت قيمته، فلم يذكر الأكل بما فيه من نقصان وخسران. بخلاف الأنعام التي منها الأكل، وأن حمل الأثقال عليها هو المقصود. قوله تعالى: (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) ، الآية/ ١٤. يحتج به أبو يوسف «١» ومحمد والشافعي، فيمن حلف لا يلبس حليا فلبس لؤلؤا، أنه يحنث لتسمية الله تعالى إياه حليا «٢» . وأبو حنيفة لا يرى ذلك، لأن الحلي إذا أطلق لا يفهم منه اللؤلؤ، وذلك مكابرة منه. قوله تعالى: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ) ، الآية/ ٦٧. يدل على أن ذلك من الآيات التي يجب الإعتبار بها، لأنه عطف على ما تقدم.

стр. 741

وفيه بيان عظيم نعم الله تعالى لهذين الجنسين، والأمر ظاهر في مزيتهما، لكثرة وجوه الانتفاع بهما، بخلاف سائر الثمرات، فلذلك خصهما بالذكر. فأمّا السكر ففيه أقوال: قال الحسن: هو المسكر من الشراب. وقال الأصم: أن السّكر، كل ما حرمه الله تعالى من ثمرهما، والرزق الحسن ما أحله الله. وقال الحسن: هو الشراب المستلذ وإن لم يسكر، والرزق الحسن: الرطب والعنب وما يتفرع عنهما. والأقرب إلى الظاهر، هو ما يتخذ من الرطب والعنب، وما يتخذ من التين غيره، ويدخل فيما يتخذ منها السكر، وهو الشراب الذي يسكر، لأن ذلك هو مقتضى الآية، ويدخل في قوله رزقا حسنا، ما يتخذ منهما من خل وزبيب وغيره، مما يؤكل في الطعام الطيب وكل ذلك نعمة منه. والأقرب أن تحريم الخمر بعد ذلك. ووجب الاعتبار بثمرات النخيل والأعناب، فأظهر ما ذكره في اللبن في قوله: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً) «١» ، لأن ظهور الرطب والعنب من ذلك الرطب اليابس على اختلاف طعومهما، وذلك من أدل الدلائل على توحيد الله تعالى، ولذلك قال: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) «٢» ، الآية/ ٦.

стр. 742

قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) الآية/ ٧٥. ذكر إسماعيل بن اسحق، أن المراد به عبد نفسه، وليس المراد عبدا للعباد، ويجوز أن يكون عبد الله. وهذا بعيد، والظاهر أنه أي عبد كان. واحتج به قوم في أنه لا يملك بالتمليك، فإنه لو ملك لقدر على شيء، وقد قال تعالى: (لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ) . ويمكن أن يجاب عنه، أن المراد به أنه إذا تصرف لا يمكنه أن يتصرف إلا بإذن غيره، كما يقال ذلك فيمن لا يملك أصلا، وإلا فهذا اللفظ لا يدل على نفي ملك الطلاق، ونفي ملك النكاح، فهذا ما يدل عليه الظاهر دون ما سواه، ولذلك عقبه بقوله: (وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ) ، فأبان بذلك أن نقيض هذا المعنى في العبد، عدم استقلاله بالإنفاق سرا وجهرا. وقال الأصم: المراد به، المملوك الذي ربما يكون أشد من مولاه «١» أسرا وأنضر وجها، وهو لسيده ذليل لا يقدر إلا على ما أذن له فيه، فقال الله تعالى ضربا للمثل: فإذا كان هذا شأنكم وشأن عبيدكم، فكيف جعلتم أحجارا أمواتا شركاء لله تعالى في خلقه وعبادته، وهي لا تسمع ولا تعقل؟ وهذا القول أولى بالظاهر، لأن العبد المملوك لا يكون جمادا، ولا يقال في الجماد لا يقدر على شيء، وهو بالصفة التي معها لا يجوز أن يقدر، فار حاجة والحالة هذه إلى صرفه عن ظاهره، فبين تعالى أن هذا العبد إذا لم يساوي من رزقناه رزقا حسنا، فهو ينفق منه سرا وجهرا مع اشتراكهما

стр. 743

في الحيوانية والقدرة والآلة، فكيف يجوز التسوية بين الأصنام التي لا يتأتى منها ضرر ولا نفع، وبين مالك الأمر والخلق. وإسماعيل بن اسحق روى عن ابن عباس، أن الآية واردة في رجل من قريش وعبده أسلما، وإنه كان مولى لعثمان يكفله وينفق عليه، ولذلك ذكر في الأبكم أنه لا يقدر على شيء كما ذكره في العبد، ثم لا يدل ذلك على أنه لا يملك «١» . قوله تعالى: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) ، الآية/ ٩٨. وقد روى جبير بن مطعم عن أبيه، قال: سمعت رسول الله ﷺ حين افتتح الصلاة قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفثه ونفخه» «٢» . وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة. وقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة، ويتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ. ونقل عن بعض السلف، التعوذ بعد القراءة مطلقا، احتجاجا بقوله تعالى: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) . ولا شك في أن ظاهر ذلك، يقتضى أن تكون الاستعاذة بعد القراءة كقوله تعالى: (فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً) «٣» ،

стр. 744

إلا أن غيره محتمل مثل قوله: (وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا) «١» . وقوله: (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) «٢» . ليس المراد به أن يسألا من وراء حجاب بعد سؤال متقدم، ومثله قول القائل: فإذا قلت فأصدق وإذا أحرمت فاغتسل. يعني فاغتسل قبل الإحرام. والمعنى في جميع ذلك: إذا أردت ذلك، كذلك، والاستعاذة قبل القراءة لنفي وساوس الشيطان لعنه الله قبل القراءة. قال الله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ) «٣» . قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ) ، الآية/ ١٠٦. وذلك يدل على أن حكم الردة لا يلزمه، غير أنه إن أمكنه أن يوري فيجب عليه أن يفعل وإلا كفر، ولو صبر حتى قتل شهيدا كان أعظم لأجره، وذلك يدل على أنه عند الإكراه قبيح أيضا، غير أن المشرع غفر له لما يدفع به عن نفسه من الضرر، ولو لم يكن قبيحا في نفسه، لوجب عليه أن يأتي به. واستدل به أصحاب الشافعي على نفي وقوع طلاق المكره وعتاقه،

стр. 745

وكل قول حمل عليه بباطل، نظرا لما فيه من حفظ حقه عليه، كما امتنع الحكم بنفوذ ردته حفظا على دينه، وإذا أكره على الزنا فلا يباح له الزنا، ولا يباح له القتل بالإكراه، فلولا الرخصة أمكن في الردة مثله، فكأن الذي يتلفظ بكلمة الردة مراده دفع الضرر، فليس يطلق على ما يأتي به الكفر، وما أراد الكفر لمعناه، وإنما أراد به دفع الضرر «١» . قوله تعالى: (ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) ، الآية/ ١٢٣. إيجاب إتباع ملته، وقد بينا ذلك في أصول الفقه «٢» . قوله تعالى: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) ، الآية/ ١٢٦. وذلك يدل على المماثلة في القصاص، وعلى وجوب المثل في المثليات، والقيم العادية في المقومات، وقد وردت الآية في الكفار يوم أحد، حيث مثلوا ببعض القتلى، كحمزة بن عبد المطلب وغيره، فأراد الرسول ﵊ أن يمثل بسبعين من المشركين بدله، فنزل قوله تعالى: (وَإِنْ عاقَبْتُمْ) الآية، وأبان أن الصبر أولى، ودل به على أن للولي الحق على غيره، وهو أن يعفو «٣» .

стр. 746

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الإسراء قوله : (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، الآية/ ١٥. يدل على صحة قول أهل الحق في أنه لا تكليف قبل السمع، وأنه لا وجوب قبل إرسال الرسل، ولا يقبح ولا يحسن بالعقل، خلافا لمن عدا أهل الحق، في كون العقل طريقا إلى معرفة وجوب الواجبات، وتحريم المحرمات، وإباحة المباحات، ثم الأكثرون منهم على أنه يجوز أن يقتصر ببعض المكلفين على دليل العقل دون السمع، إذا كانت مصلحته فيما دل عليه العقل، وأنه يقع في علم الله أنه ينهض بما كلفه دليل العقل، والغرض بالشرائع المصلحة، وإذا كان المعلوم من حال بعضهم نهوضه بالتكاليف العقلية تلقيا من دليل العقل، لم يكن لإرسال الرسل إليهم فائدة، وإنما يرسل الله تعالى عندهم الرسول إلى من وقع في المعلوم أن تمسك المتمسك بالشريعة داعي إلى المصلحة في التكاليف العقلية، فيرسل الرسول إليه بأمور سمعية يعلم الله تعالى كونها داعية إلى المستحسنات العقلية، ويحرم عليه من السمعيات ما يعلم كونه داعيا إلى المستقبحات العقلية.

стр. 747

فإذا لم يقع في المعلوم كون فعل من الأفعال داعيا إلى الواجب العقلي، ولا ناهيا عن القبيح العقلي، لم يكن للإرسال فائدة، وليس يجب أن يعلم الله تعالى ذلك من أحوال المكلفين جملة، وربما علم من أحوال بعضهم، فيجب إرسال الرسول إليه، وربما لا يعلم ذلك، فلا يجب إرسال الرسول إليه. وفيهم من يقول: يجب على الله تعالى إرسال الرسل، لأن ذلك أقرب إلى مظاهرة الحجة وأقوى في معنى اللطف. وهذا الإخفاء ببطلانه، إذ يلزم منه إبقاء الرسول أبدا أو توالي الرسل، لأن ذلك أقرب إلى اللطف، ولا شك أن إبقاء إبليس في الدنيا مع أعوانه أبعد عن اللطف من توالي الرسل، ومظاهرة الحجة بهم. وربما قالوا: العبد لا يعرى من مصالح في دينه لا يعلمها إلا بالسمع، كما لا يعرى عن مصالح في الدنيا لا تعلم إلا بالخبر. وهذا تحكم، ومن أين وجد ذلك؟ وإذا ثبت أن الأصح من قول المعتزلة المذهب الأول، فقال للمعتزلة: فما معنى قوله تعالى: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ؟ وعندكم يجوز في المعلوم أن ينهض العبد بالمصالح العقلية، من غير افتقار إلى أفعال تكون لطفا في تلك المصالح وتعلم بالسمع، وقد قال تعالى: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، وعندكم في تلك الحال يجب أن لا يبعث رسولا ويعذب دون الرسول، فتقدير الكلام: وما كنا نفعل ما يجب علينا فعله، دون أن نبعث رسولا لا يجوز لنا بعثه في بعض الأحوال. وهم اختلفوا في الجواب عن الآية، فقال قائلون: المراد به عذاب

стр. 748

الاستئصال في الدنيا، كقوله: (وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا) «١» . وهذا بعيد، فإن عذاب الاستئصال على حسب ما يقع في المعلوم كونه مصلحة، وإن كان الاستئصال مصلحة دون ابتعاث الرسل، وجب عندهم ذلك، فإن عذاب الاستئصال إنما استحقه من استحقه لمخالفة التكاليف، فإذا حصلت المخالفة قبل الرسل، فأي معنى لترك ذلك؟ وإن لم يكونوا مستحقين، فلا استئصال، لا بعد الرسل ولا قبلهم، وهذا بين حسن. وأجابوا من وجه آخر فقالوا: وما كنا معذبين فيما طريقه السمع، حتى نبعث رسولا، فأما ما كان طريقه العقل فلا، وهذا بعيد، فإن التكاليف إذا كانت منقسمة، وأقوى القسمين التكاليف العقلية، والسمعية مبنية عليها، لكونها داعية إليها ولطفا بها، فلا يجوز أن يقول: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا. وعندهم أنه يجب العذاب على ترك التكاليف العقلية، فتقدير الكلام: وما كنا نفعل ما يجب علينا فعله حتى نبعث رسولا، ولا شك أن ذلك من الله تعالى إبانة عن وجه العدل في أفعاله، أو القهر وإنفاذ المشيئة، وذلك عندهم على إطلاق قبيح، وهو على أصلهم مثل قول القائل: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا، ويعني بذلك بعض السمعيات دون بعض، مع أن ذلك وغيره بمثابة. واستدل به المعتزلة على رد قول بعض أصحابنا في أن الله سبحانه لا يعذب أطفال المشركين، لأنه إذا كان لا يعذب قبل إرسال الرسل، فهؤلاء الأطفال لم يعلموا الرسل ولا لهم مكنة في معرفتهم، فكيف يعذبون بذنوب آبائهم؟

стр. 749

وهذا من المحتج به جهل، وذلك أن الله تعالى إنما عنى بقوله: (وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، من يجوز إنفاذ الرسل إليهم، فيعذب على ترك ما كلف، فأما الأطفال فلا يعذبون عندنا على ترك ما كلفوا، وإنما جعل الله تعالى ذلك العذاب حكما منه نافذا، وقضاء ماضيا، كما يؤلم الأطفال والبهائم في الدنيا، فسقط ما قالوه جملة. واستدل قوم بهذا في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام فآمنوا، فلا تكليف عليهم فيما مضى، وهذا صحيح. ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق العذاب من جهة العقل عندنا. وهو مضمون على قائله عندنا. ولأبي حنيفة في ذلك خلاف، وله مأخذ فيه يستقيم على نظر الفقهاء من غير استمداد من أقوال المعتزلة، حتى لا يتوهم متوهم أن أبا حنيفة بنى تلك المسألة على أصول المعتزلة، فإنه بعيد منها، وذكرنا ذلك المأخذ في مسائل الخلاف في الكتاب الذي أفردناه للروايا. ثم أبان الله تعالى أنه إن لم يهلك القرى قبل انبعاث الرسل، فليس لأنه يقبح ذلك منه إن فعل، ولكنه وعيد منه ولا خلف في وعده، فإذا أراد إهلاك قرية مع تحقيق وعده، كان على ما قاله تعالى: (أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) «١» . ليعلم أن من هلك إنما هلك بإرادته، فهو الذي يسبب الأسباب ويسوقها إلى غاياتها، ليحق القول السابق من الله تعالى: قوله تعالى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ- إلى قوله- فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) الآية/ ١٨، ١٩.

стр. 750

فيه دلالة على أمور، منها أن من يريد بما يتكلفه من الطاعات أحوال الدنيا، أو يريد تحصيل العاجلة بغير الطاعة فهو متوعد، مثل أن يتزهد مراءاة للناس، أو لاعتمادهم على أقواله وائتمانهم له على أموالهم، فهو متوعد بالنار، وأن من يريد الله تعالى بمساعيه فله الثواب بحكم وعد الله تعالى. قوله تعالى: (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً) ، الآية/ ٢٣. قرن ذكر الوالدين بعبادة الله سبحانه، فنبه به على عظيم إنعام الله تعالى المقتضي للشكر، ونبه بعد ذلك على عظيم نعم الوالدين، وبين إختلاف الوالدين، ليكون بره بهما وإحسانه إليهما على قدر حاجاتهما فقال: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) «١» ، فخص هذه الحالة بالذكر، وهي حالة حاجتهما إلى بره لتغيير الحال عليهما بالضعف النازل والكبر، فألزم في هذه الحالة من مراعاة أحوالهما أكثر مما ألزم من قبل، لأنهما قد صارا في هذه الحالة كلا عليه، فيحتاجان إلى أن يلي من أمرهما للضعف النازل منهما «٢» ، ما كان يحتاجه هو في صغره أن يليان منه، فذلك معنى تخصيص هذه الحالة بالذكر، ليبين ما يلزم من مزيد البر والتعاهد، وما يتصل بخدمة وإنفاق. ودل قوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ) ، على وجوب صبره عليهما حتى لا يتبرم ولا يضجر، فإن العادة جارية في المتضجر عند الأمر أن يقول أف أو تف في الأمور، فبين الله سبحانه تحريم هذا القدر من

стр. 751

التبرم على الولد عند ضعف الوالدين وحاجتهما إلى بره، ولم يقتصر تعالى على هذا القدر في بيان حقهما حتى قال: (وَلا تَنْهَرْهُما) ، مؤكدا لما تقدم ودالا به على أن الواجب في بره لهما سلوك طريقة اللين في القول: ثم قال: (وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) ، والكريم من القول ما يوافق مسرة النفس، ولا ينفر عنه الطبع. ثم أمر بمزيد التواضع فقال: (وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) «١» ، وهذا الكلام في أعلى مراتب الفصاحة والتعبير عن المقصود بلفظ المجاز، لأن الذل ليس له جناح، ولا يوصف بذلك، ولكنه أراد المبالغة في التذلل والتواضع، وهو كقول امرئ القيس في وصف الليل: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل يصف الليل المتقدم على هذا البيت في قوله: وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليّ بأنواع الهموم ليبتلي وليس لليل صلب ولا إعجاز ولا كلكل فهو مجاز، وأراد به تكامله واستواءه. ثم بين الله تعالى أن الذي يلزمه لهما ليس مقصورا على منافع الدنيا، بل يلزمه مع ذلك ما يمكن في باب الآخرة من الدعاء، لأنه لا يقدر منهما على ما سواه، فقال: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) «٢» . بين العلة في لزوم الدعاء لهما، وبين أنه يلزم الولد من الدعاء للوالدين، أكثر مما يلزمه في غيرهما.

стр. 752

قوله تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) ، الآية/ ٢٦. أبان الله تعالى أن على كل واحد منا مراعاة مراتب مستحقي الحقوق، فبدأ بحق الله تعالى فقال: (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) وقرنه بذكر الوالدين، وعقب ذلك بقوله: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) ، وظاهر العطف أنه قريب الإنسان. وقد قيل: عنى به قرابة رسول الله ﷺ . والأمر بالإحسان إلى الوالدين عام في جميع الناس، وكذلك ما عطف عليه من إيتاء ذي القربى. قوله تعالى: (وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً) . والتبذير عند الشافعي إنفاق المال في غير حقه، فلا تبذير في عمل الخير. وقال مجاهد: لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا. وقد ثبت في سورة البقرة الحجر على المبذر، وما يتعلق به من الأحكام. ثم أبان الله تعالى تحريم التبذير بقوله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ) ، الآية/ ٢٧. ثم قال تعالى في تخصيص نبيه ﷺ : (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً) ، الآية/ ٢٨. وهو تأديب عجيب، وقول لطيف بديع، فإنه تعالى قال: (وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها) : أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنا والقدرة فتحرمهم، وإنما يجوز له أن يعرض عنهم عند عجز يعرض، وعند عائق يعرض، وأنت عند ذلك ترجو من

стр. 753

الله فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل، فإن قعد بك الحال عن المواساة (فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً) ، يعمل في مسرة نفسه عمل المواساة فتقول: الله يرزق، والله يفتح بالخير. قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) ، الآية/ ٢٩: هو مجاز عن البخل والجود ومراعاة الإقتصاد فيهما جميعا، فقال: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ) : فلا تعطي من مالك شيئا. ولما كان العطاء في الأكثر باليد غير غل اليد عن الإمساك، فالذي لا يعطي شيئا جعله بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه، والعرب تصف البخيل بضيق اليد، فيقولون: فلان ضيق الكفين إذا كان بخيلا، وقصير الباع، وفي ضده رحب الذراع طويل الباع طويل اليدين. وقال النبي ﵊ لنسائه: «أسرعكن بي لحاقا أطولكن يدا» «١» . وإنما أراد به كثرة الصدقة، فكانت زينب بنت جحش، لأنها كانت أكثرهن صدقة. وقال الشاعر: وما كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أرحبهم ذراعا قوله تعالى: (وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ) ، فلا تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك وحاجة عيالك. (فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً) ، يعني ذا حسرة على ما خرج من يدك.

стр. 754

وهذا الخطاب لغير النبي ﵊، فإنه ﷺ لم يكن يدخر شيئا لغد، وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه. وقد كان كثير من فضلاء أصحابه ينفقون في سبيل الله جميع أملاكهم، فلم يعنفهم النبي ﵊، ولم ينكر عليهم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم. وإنما نهى الله تعالى عن الأفراط في الإنفاق، وإخراج جميع ما احتوت عليه يده من المال، من خيف عليه الحسرة على ما خرج من يده، فأما من وثق بموعود الله تعالى وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية. وقد روي أن رجلا أتى إلى النبي ﵊، فسلم إليه مثل بيضة من ذهب، فقال: يا رسول الله، أصبت هذه من معدن والله ما أملك غيرها، فأعرض عنه، فعاد ثانيا فأعرض عنه، فعاد ثالثا فأخذها النبي ﵊ ورماه بها لو أصابته لعقرته، وقال: «يأتيني أحدكم بجميع ما يملكه ثم يقعد ويتكفف وجوه الناس» «١» . وكان أبو بكر الصديق ﵁ ذا مال كثير، فأنفق جميع ماله على النبي ﵊، وفي سبيل الله، حتى بقي في عباءة، فلم يعنفه النبي ﵊ ولم ينكر عليه. فكل ذلك يدل على أن ذلك ليس بمخاطبة للنبي ﵊، وإنما خوطب به غيره مثل قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) «٢» . (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ) «٣» .

стр. 755

فاقتضت هذه الآيات من قوله: (وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ، الأمر بالتوحيد، والإحسان إلى الوالدين، وإلى ذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل، والنهي عن تبذير المال وإنفاقه في معصية الله تعالى، والأمر بالاقتصاد في الإنفاق والنهي عن الإفراط. قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) ، الآية ٣١. وهو كلام يتضمن ذكر السبب الخارج عليه، فإنه كان من العرب من يقتل بناته خشية الفقر، لئلا يحتاج إلى الإنفاق عليهن، ويتوفر ما يريد إنفاقه عليهن على نفسه وعلى بيته، فكان ذلك شائعا فيهم وهي «الموعودة سئلت» ، والموعودة هي المدفونة حية؟ وكانوا يدفنون بناتهم أحياء. وقال ابن مسعود: سئل النبي ﵊ فقيل: «ما أعظم الذنوب؟ فقال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك خيفة أن يأكل معك، وأن تزني بحليلة جارك» «١» . قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً) ، الآية/ ٣٢. يدل على تحريم الزنا، وهو الذي تعرى عن نكاح وعن شبهة نكاح. ووصف الله تعالى نكاح امرأة الأب بما وصف الزنا به، فقال تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا) «٢» . وذلك يدل على مساواته في التحريم، وبينا ما يعترض به عليه. واختلف العلماء في اللواط، وأنه هل يدخل تحت الزنا؟ والشروع فيه ليس من غرضنا «٣» .

стр. 756

قوله تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً) الآية/ ٣٣. السلطان مجمل يحتمل: الحجة والدية والقود، ويحتمل الجمع لا جرم، الشافعي يخير بين القتل وغيره، لأن الكل بالإضافة إلى اللفظ سواء. قوله تعالى: (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) . قال الحسن ومجاهد وسعيد بن هبير والضحاك. لا يقتل غير قاتله، ولا يمثل به «١» ، وذلك أن العرب كانت تتعدى إلى غير القليل من الحميم والغريب، فلما جعل الله تعالى له سلطانا نهاه عن التعدي، وعلى هذا المعنى قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ) «٢» . فإن كان لبعض القبائل طول على الأخرى، فكان إذا قتل منهم العبد لا يرضون إلا بأن يقتل الحر منهم، وهذا في هذه الآية: (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) بأن يتعدى إلى غير القاتل. ذكر إسماعيل بن اسحق المالكي، في قوله: لوليه، ما يدل على خروج المرأة عن مطلق الولي، فلا جرم، ليس للنساء حق القصاص، كذلك قال، ولا أثر لعفوها وليس لها الاستبقاء. ولم يعلم أن المراد بالولي هاهنا الوارث، وقد قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ

стр. 757

وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) «١» . وقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) «٢» ، الآية. وقال تعالى: (وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) «٣» : فاقتضى ذلك إثبات القود لسائر الورثة. احتج إسماعيل في ذلك بوجوه ركيكة منها: أن الولي في ظاهره على التذكير وهو واحد، ولم يعلم أن ما كان بمعنى الجنس استوى فيه المذكر والمؤنث. ومما ذكره أن المرأة لا تستحق كل القصاص، والقصاص لا بعض له، فلزمه من ذلك إخراج الزوج من جملة الأولياء في القصاص، وعلى أنه لم يمتنع أن تكون المرأة بنفسها لا تستحق، ولكنها مع غيرها كالورثة، واعتذر عن ذلك بأن سبب الورثة واحد، وقد اختلف السبب هاهنا، فلزمه ألا يثبت القصاص بين الزوج والأخ ولا الأخ من الأم. وذكر فيما ذكر أن المقصود من القصاص تقليل القتل، والمقصود بكثرة القتل الرجال دون النساء. ولزم على هذا ألا يجب القصاص على المرأة بقتل الرجل، ولا على الرجل بقتل المرأة. قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، الآية/ ٣٤.

стр. 758

قال مجاهد: التي هي أحسن التجارة، خص اليتيم بذلك، لأنه إليه أحوج، وعن الاستقلال أبعد، وإلى المرحمة والشفقة أقرب. ذكر الرازي «١» أن الله تعالى لما قال حتى يبلغ أشده، علم أن إيناس الرشد عند بلوغ الأشد لا يعتبر، ولو اعتبر لذكر كما قال: (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) «٢» . والأشد مذكور على وجوه مختلفة في القرآن، قال تعالى في موضع آخر: (حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) «٣» . وقال في موضع آخر: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى) «٤» ، الآية. وذكروا أنه بلوغ الحلم. وذكروا أنه بلوغ أربعين سنة. فليس للأشد مرد معلوم. ويجوز أن يكون المراد ببلوغ الأشد قبل الأربعين سنة، وتختلف أحوال الناس فيه، والذي ذكره من أن إيناس الرشد ليس معتبرا مع الأشد فبعيد، فإن الله تعالى قال: (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ

стр. 759

أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) «١» ، فاقتضى ذلك جواز التصرف إلى بلوغ الأشد مطلقا، ولا يتحقق ذلك إلا عند جعل الأشد بمعنى البلوغ. والولي لا يتصرف في مال اليتيم بعد البلوغ، ولا أنه يسمى يتيما إلى أربعين سنة. قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) الآية/ ٧٨: قيل: دلوكها: زوالها، وقيل: غروبها، وقد وردت فيها آيات. فإن كان الدلوك الزوال، وقد دلت الآية على صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، لقوله: لدلوك الشمس إلى غسق الليل. قال ابن عباس: غسق الليل اجتماع الليل وظلمته، وقيل غسق الليل انتصابه، ووقت الإختيار للعشاء يمتد إلى ذلك الوقت. قوله تعالى: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) ، مرتب على قوله: (أَقِمِ) ، فتقديره، أقم قرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا. وفيه دلالة على وجوب القراءة في صلاة الفجر. وقال قائلون: المراد بقوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) : صلاة الفجر، فإنه يبعد تخصيص صلاة الفجر بالقراءة فيها، والصلاة كما تشتمل على القراءة تشتمل على ما عداها من الأذكار. والأولون استدلوا على ذلك بقوله تعالى في آخر الآية: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) ، والتهجد بالقراءة لا بصلاة الفجر. ويجاب عنه، بأن المراد به التهجد بالصلاة، مرتبا على قوله: أقم الصلاة «٢» .

стр. 760

قوله تعالى: (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) ، الآية/ ١١٠. روي أن أبا بكر كان يخافت، وكان عمر يجهر، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: لم لا تجهر؟ فقال: أناجي ربي وهو أعلم بحاجتي. وقال لعمر: كيف تجهر؟ قال: أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، فقال النبي ﵊: أحسنتما، ثم نزلت هذه الآية، فقال ﵊ لأبي بكر: أرفع شيئا، وقال لعمر: اخفض شيئا «١» . وقالت عائشة في هذه الآية: أراد بها الدعاء والمسألة. وروت عائشة أن رسول الله ﷺ سمع صوت أبي موسى فقال: «لقد أوتي أبو موسى من مزامر آل داود ﷺ » «٢» .

стр. 761

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) سورة الكهف قوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) ، الآية/ ٧. وذلك يدل على أن ما جعله على وجه الأرض، جعله لطفا لعباده، الذين أراد بهم الخير في إختيار الطاعات. قوله تعالى: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) ، الآية/ ١٩. يدل ذلك على جواز خلط دراهم الجماعة والشراء بها، والأكل من الطعام الذي بينهم بالشركة، وإن كان فيهم من يأكل أكثر ومن يأكل أقل، وهو الذي يسميه الناس المناهدة، ويفعلونه في الأسفار، وذلك أنه قال: (فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) فأضاف الورق إلى الجميع. ومثله قوله تعالى: (وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) «١» .

стр. 762

وفي الآية دليل على جواز الوكالة بالشراء، لأن الذي بعثوا به كان وكيلا. قوله تعالى: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) ، الآية/ ٢٣. لأن المقصود بذلك ألا يكون محققا لحكم المخبر عنه، فإنه إذا قال لأفعلن ذلك فلم يفعل كان كاذبا، وإن قال لأفعلن ذلك إن شاء الله، خرج عن كونه محققا للمخبر عنه. فإن قال قائل: أي معنى في ذلك، ولا يتصور أن يفعل فاعل فعلا إلا أن يشاء الله، هل ذكر ذلك وعدم ذكره إلا بمثابة واحدة، وهل هذا إلا بمثابة من يقول لأفعلن ذلك إن كنت فاعلا وإن كنت قادرا وإن شئت، وأي أثر لذكر شرط للفعل لا محالة في العقل. والجواب: أن الأمر وإن كان على ما ذكرتم، غير أنه إذا قال القائل لأفعلن في وقت كذا، فقد أوهم أنه يفعل لا محالة، وأبان أن شرط الفعل يوجد، فإذا لم يفعل لعدم الشرط وهو مشيئة الله تعالى، أو عائق آخر، كان كاذبا في قوله عرفا، وإذا قال لأفعلن كذا إن شاء الله، أو إن شاء زيد، فلم يقطع بأنه يفعل، بل ردد وميل القول، فكأنه قال: لا أدري هل أفعل أم لا، فهذا هو المعنى فيه. وكأن الله سبحانه أدب رسوله ﷺ فقال: (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) . أي كن متذكرا للعوائق، وناظرا في العواقب، ولعل عائقا يعترض دون مرامك، فردد القول فيما لا يعلمه، لئلا يجري ما ينسب فيه إلى خلف في القول عرفا. ومن أجله قال علماؤنا: إذا حلف واستثنى لم يحنث إذا كان موصولا، وإن انفصل يؤثر الاستثناء.

стр. 763

وروي عن معاذ بن جبل، عن رسول الله أنه قال: «إذا قال الرجل لعبده: أنت حر إن شاء الله، فهو حر، وإذا قال لامرأته أنت طالق إن شاء الله فليس بطالق» «١» . وهذا حديث ضعيف، واهي السند مخالف للإجماع. وقيل للمعتزلة: عندكم أن فعل الفاعل لا يتعلق بمشيئة الله تعالى، فما معنى قوله عندكم لأفعلن إن شاء الله تعالى، وهو يفعل وإن لم يشأ الله. فأجابوا بأن معناه: إلا أن يشاء الله ألا يلجئني إليه، أو يقطعني عنه باخترام أو موت، فيخرج عن كونه قاطعا على الخبر، فيحسن منه الخبر «٢» . وقال آخرون منهم: الغرض بالاستثناء، إخراج الخبر عن أن يكون قطعا وخبرا تاما من غير إرادة ما يجرى مجرى الشرط، فكأنه وضع في اللغة لهذه الطريقة التي تقتضي التوقف في الخبر، وهذا أقرب، لأن الاستثناء يؤثر في هذا الخبر، سواء وقع ممن له قصد إلى ما ذكرناه أو من لا قصد له. فحمله على هذا الوجه الثاني أولى. ومما قيل للمعتزلة: إذا قال القائل عبدي حر إن شاء الله فلا يعتق، وقياس قولكم أنه يعتق، لأن الله تعالى قد شاء ذلك تعبدا، وجوابهم عنه على ما قاله أبو علي الجبائي، أنه لم يخصص المتثنى المشيئة بطريق التعبد، ولو خصصه بذلك لصار حرا بأن ينوي بالاستثناء، مشيئة التعبد فقط. نعم إذا أطلق الاستثناء فلا حرية، فأما إذا قيد الاستثناء، صار كأنه قال للمملوك: أنت حر إن أراد الله مني إعتاقك، وقد علم أن الله تعالى أراد ذلك مع سلامة الأحوال، وإنما تصح هذه الطريقة متى قيل لا بد في

стр. 764

الاستثناء من تقييد، حتى يصير كالشرط، ويجري مجرى قول القائل: أنت حر إن دخل زيد الدار، وإن شاء زيد، فيمكن عند ذلك ادعاء مخالفة الإجماع على المعتزلة، فأما إذا قيل بالوجه الآخر، وهو أن الاستثناء يخرج الخبر عن كونه خبرا، إلى أن يكون مشكوكا فيه موقوفا فليس فيه دلالة «١» . قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) ، الآية/ ٢٤. قال ابن عباس: إنه إن نسي الاستثناء ثم ذكر ولو بعد سنة، لم يحنث إن كان حالفا. وذكر إسماعيل بن اسحق ذلك عن أبي العالية في قوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) ، قال يستثنى إذا ذكر. والأصح أن قوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) ابتداء كلام. قوله تعالى: (هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا) ، الآية/ ١٠٣. فيه دليل على أن من الناس من يعمل العمل وهو يظن أنه محسن فيه، وقد حبط سعيه، الذي يوجب إحباط السعي إما فساد الإعتقاد أو المراءاة. والمراد به هاهنا الكفر، فإن الله تعالى قال بعد ذكر هؤلاء: (أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ) . أبان عن كفرهم وأنه سبب ضياع أعمالهم. قوله تعالى: (وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) ، الآية/ ١١٠. دل على أن من عمل لغير الله تعالى مراءاة ومباهاة وطلبا للنجاة، فلا نصيب له في الآخرة، وقد مضى شرحه غير مرة.

стр. 765

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة مريم قوله تعالى: (إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) ، الآية/ ٣. يدل على أن أفضل الدعاء ما هذه حاله، لأنه أبعد عن الرياء، وأقرب إلى الإخلاص. قوله تعالى: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) ، الآية/ ٤. يدل على أنه يستحيى للمرء أن يذكر في دعائه نعم الله تعالى عليه، وما يليق بالخضوع، لأن قوله: (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) ، إظهار للخضوع، وقوله: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا) ، إظهارا لعادات تفضله في إجابة أدعيته، ثم عقب ذلك بالمسألة فقال: (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) ، الآية/ ٥: يدل على أن رفع الحاجة إليه، إنما يستحب عند مخافة الضرر في الدين، فإنه خاف من أقاربه الفساد والشر، فطلب من الله تعالى ولدا يقوم بالدين بعده، فيرثه النبوة، ويرث من آل يعقوب، ولا يجوز أن يهتم بالدعاء هذا الاهتمام، ومراده أن يورثه المال، فإن ذلك مباين لطريقة الأنبياء،

стр. 766

ولأنه جمع وراثته إلى وراثة آل يعقوب، ومعلوم أن ولد زكريا لا يرثهم. فإن قيل: كيف أقدم على مسألة ما يخرق العادة من غير إذن!؟ الجواب: أن ذلك جائز، في زمان الأنبياء، وفي القرآن ما كشف عن هذا المعنى، فإنه قال تعالى: (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) «١» . فلما رأى خارق العادة استحكم طمعه في إجابة دعوته، فقال تعالى: (هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) «٢» . قوله تعالى: (إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا) ، الآية/ ٥٨. فيه دلالة على أن لتلاوة آيات الرحمن تأثيرا، فقال الحسن: إذ تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا: في الصلاة. وقال الأصم: المراد بآيات الله كتبه المتضمنة لتوحيده وحجته، وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوتها، ويبكون عند ذكرها. والمروي عن ابن عباس، أن المراد به القرآن، خاصة وأنهم كانوا يسجدون عند تلاوته ويبكون، ففي ذلك دلالة من قوله على أن القرآن هو الذي كان يتلى على جميع الأنبياء، ولو كان كذلك لما كان الرسول ﷺ مختصا بإنزاله عليه.

стр. 767

واحتج الرازي به على وجوب سجود القرآن على المستمع والقارئ، وهذا بعيد، فإن هذا الوصف شامل لكل آيات الله تعالى، وضم إلى السجود البكاء، وأبان به عن طريقه الأنبياء في تعظيمهم الله تعالى وآياته، وليس فيه دلالة على وجوب ذلك عند سماع آيات مخصوصة. قوله تعالى: (وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً) ، الآية/ ٩٢، ٩٣. فيه دلالة على أن الولد لا يكون مملوكا لأبيه خلافا لمن قال: إنه يشتريه فيملكه ولا يعتق إلا إذا أعتقه، وقد أبان الله تعالى المنافاة بين الولادة والملك. واستدل إسماعيل بن إسماعيل بن اسحق بدليل آخر، ونقله الرازي في كتابه عنه فقال: وقد اتفق أهل العلم على أن أمة الرجل إذا حملت منه، فإن الولد يتحرر في بطن أمه، مع أن العبرة في رق الولد برق الأم، وحرية الوالد لا تقتضي حرية الولد، فلم يكن عتق الولد من جهة كون الأب حرا، وإنما كان من جهة أن الولد لو علق رقيقا، لكان ملكا للوالد، ولا يثبت الملك للوالد على الولد أصلا. إلا أن الولد تم حر الأصل، لأنه لا حاجة إلى إثبات الرق والملك للولد، فعلق الولد حرا هنالك، حتى لا يثبت للوالد على الولد ملك. وإذا اشترى، فلا يمكن أن يقال إن الملك لا يثبت، فإن الملك لو لم يثبت لم يصح الشراء، ولا بد من تصحيح الشراء. وقال مالك: ينقل المالك الملك إلى المشتري، فيثبت له الملك بقدر ما يحصل به الانتقال ضرورة تصحيح الشراء، وامتنع بعد ذلك ثبوت ملك الوالد عليه.

стр. 768

وقال بعض العلماء: إن شراء الولد لا يثبت له ملكا أصلا، وإنما هو عقد عتاق، فإما أن يقال إن الملك يثبت حقيقة في زمان، وحصل العتق بعده في زمان آخر فلا، ولكن العتق ثبت مقارنا للشراء، وجعل الشراء عقد عتاق وإسقاط لملك المالك، لا على حقيقة شراء فيما سواه، ولم يجعل الشراء سبب الملك، لوجود الأبوة المنافية له، كما لم يجعل ملك المحل سببا لملك الولد لوجود سبب ما ينافيه، فيقال حدث حرا، وكذلك يقال حصل الشراء مع الحرية. فهذا قول فيه تأمل. وعلى كل حال تبين به أنه لا يدوم ملك الوالد على ولده «١» .

стр. 769

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة طه قوله تعالى: (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) ، الآية/ ١٢. يحتمل أن يكون الأمر به تعبدا تبركا بالموضع ليمسه قدمه حافيا. وقد قيل: كان ذلك من جلد حمار ميت غير مدبوغ، فأمره بخلعه، لأنه لم يكن مدبوغا، أو كان نجسا مدبوغا مع الدبغ في شريعة موسى، ونسخ في شرعنا «١» . قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) ، الآية/ ١٤. صح أن رسول الله ﷺ نام عن صلاة الصبح فصلاها بعد طلوع الشمس وقال: «إن الله تعالى يقول: أقم الصلاة لذكري» «٢» .

стр. 770

وقال ﵊: «من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة له إلا ذلك» . وفي السلف من خالف ذلك وقال: يصبر إلى مثل وقته ويصلي، وإذا فاتت الصبح يصليها من الغد، وهذا قول شاذ بعيد «١» .

стр. 771

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الأنبياء قوله تعالى في سورة الأنبياء «١» : (وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ) ، الآية/ ٧٨. حكم داود بأن الشياء تسلم إلى صاحب الزرع ويقضى بها له. وقال سليمان: تدفع إليه الغنم ليصيب من ألبانها وأصوافها حتى يعود الزرع كما كان. وصار الحسن إلى مثل ذلك في شرعنا، إذ لم ير في شرعنا ناسخا مقطوعا به عنده. وقال قائلون: سليمان أوحى إليه بذلك، فكان ناسخا لما قضى به داود، وهذا على قول من منع اجتهاد الأنبياء في الوقائع. وقال آخرون: بل اجتهد داود فلم يصب الأشبه وأصابه سليمان. وقال آخرون: بل أخطأ خطأ مغفورا له.

стр. 772

وقال آخرون: لا يجوز أن يكون ما حكما به مستدركا بالاجتهاد، فإن الاجتهاد مبني على أصول، وذلك لا يستدرك إلا توقيفا. وهذا يحتمل الخلاف، فإن النظر في المصالح يجوز أن يقود إلى هذا: وأن داود أراد جبر حق صاحب الزرع، وسليمان أراد الجمع بين الحقين. وأبو حنيفة لا يرى الضمان أصلا على صاحب البهيمة، والشافعي يفصل بين الليل والنهار، وهو قول مالك. والمسألة مستقصاة في أصول الفقه، ومتعلقنا منها بالآية ما ذكرناه فقط «١» .

стр. 773

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الحج قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) ، الآية/ ٥. قوله: (مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ) ، يقتضي أن لا تكون المضغة إنسانا كما اقتضى ذلك في العلقة والنطفة والتراب، وإنما نبهنا الله تعالى على كمال قدرته، بأن خلق الإنسان من غير إنسان، وهي المضغة والنطفة التي لا تخطيط فيها ولا تركيب، وإذا لم يكن إنسانا يجوز أن يقال إنه ليس يحمل مثل النطفة «١» . ويحتمل أن يقال: إنه أصل الإنسان الذي ينعقد ويشتمل عليه الرحم وصار حملا، وليس كالنطفة المجردة التي لا ندري ما يكون منها. وزعم إسماعيل بن اسحق أن قوما ذهبوا إلى أن السقط لا تنقضي به العدة، ولا تصير به أم ولد، وزعم أن هذا غلط، لأن الله تعالى أعلمنا

стр. 774

أن المضغة التي هي غير مخلقة قد دخل فيما ذكر من خلق الناس كما ذكرت المخلقة، ودل على أن كل ما يكون من ذلك إلى خروج الولد من بطن أم فهو حمل، وقد قال تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) «١» . وهذا لا حجة فيه، فإن الله تعالى لم يذكر أنه حمل، وإنما نبه على قدرته بأن خلقنا من المضغة والعلقة والتراب والنطفة، وليس الولد نطفة ولا مضغة، بل خلق منه الولد، وما دخلت العلقة في اسم الإنسان، ولا النطفة ولا المضغة التي ليست مخلقة. وقوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ، فالمراد به ما يسمى ولدا. واستدل إسماعيل بن إسحاق أنه يرث بهذا وهو غلط «٢» ، فإنه يرث عند الولادة حيا مستندا إلى حالة كونه نطفة، ولا كلام فيه حتى لو طلقها من أربع سنين وأتت بولد، يعلم أنه في تلك الحالة كان نطفة يرث أيضا، ولو انفصل ميتا وقد تكامل خلقه لم يرث، وانقضت به العدة، فهما بابان متباينان. قوله تعالى: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) ، الآية/ ٢٥: احتج به قوم على منع بيع دور مكة، فإنها مخلاة للساكنين، لا يتخصص سكانها بها، وهذا في غاية البعد، ولا شك أن أبنيتها لملاكها لا يزاحمون فيها دون إذنهم، إلا ما كان وقفا على الصادر والوارد، وأكثر

стр. 775

دور مكة كذلك «١» . وقوله تعالى: (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) ، الآية/ ٢٥. يظهر حمله على المسجد الذي لا يتخصص به قوم عن قوم، وأنه يشترك في الانتفاع به قعودا وصلاة كافة الناس. وذكر إسماعيل بن إسحاق عن علقمة بن فضلة قال: توفي رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن لم يحتج لم يسكن «٢» . وروي أن عمر كان يمنع أن تغلق دور مكة في زمن الحج، وكانوا ينزلون حيث وجدوا، حتى كانوا يضربون الفسطاط في جوف الدور «٣» . ونهى عمر أهل مكة أن يجعلوا لبيوتهم أبوابا «٤» . وروي عن عمر أنه اشترى دارا بأربعة آلاف. وبينا بعد قول من يقول لا اختصاص لأهل مكة بدورهم المعروفة بهم، الموروثة عن آبائهم وأسلافهم، وأن من شاء أزعجهم، وما زالوا يتصرفون فيها هدما وبناء وبيعا وإجارة وإعارة من غير نكير، ولعل عمر إنما فعل ذلك عند ازدحام الناس وضيق المنازل، فأباح ذلك لا أنه أزال ملك الرباع، وإلا فقد روي عنه أنه اشترى بها دارا بأربعة آلاف، ولا يمكن الجمع بينهما إلا على هذا الوجه.
следующие страницы →