← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

العرب لا تزيد على ثلاثين، ومنها ما ينقص، والذي ينقص لا يتعين له شهر، وإنما تفاوتها في النقصان والتمام على حسب سير القمر في البروج، ثم قال تعالى: (مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) . ولا خلاف أن هذه الأربعة الحرم لها ضرب من الاختصاص، وأنها رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وإذا خصها الله تعالى بأنها حرم، فلا بد أن يكون لهذا الاختصاص معنى، وليس يظهر ذلك المعنى في حكم سوى المقابلة، وقد نسخ ذلك، أو تحريم القتل، حتى إن الدية تتغلط بالأشهر الحرم، فهذا وجه التخصيص. قوله تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) ، على قول ابن عباس هو راجع إلى الجميع، وعلى قول بعضهم هو راجع إلى الأشهر الحرم خاصة، ومن يخصص بالأربعة يقول لأنها إليها أقرب ولها مزية تعظيم الظلم. قوله تعالى: (يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) . فيه دليل على أن الله تعالى وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها، على ما رتبها عليه يوم خلق السموات والأرض، وأنزل الله ذلك على أنبيائه في الكتب المنزلة، وهو معنى قوله تعالى. (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ «١» عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً) . وحكمها باق على ما كانت عليه، ثم نزلها عن مرتبتها تغير المشركين لأسمائها وتقديم المؤخر، وتأخير المقدم، في الإسم فيها، والمقصود من

стр. 702

ذلك اتباع أمر الله تعالى فيها، ورفض ما كانت عليه الجاهلية من تأخير أسماء الشهور وتقديمها، وتعليق الأحكام على الأسماء التي رتبوها عليها، ولذلك قال النبي ﵊ في حجة الوداع في خطبته بالعقبة: «أيها الناس إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض» «١» . وإن الذي تجعله الجاهلية، من جعل المحرم صفرا وصفر محرما، ليس يتغيرن ما وضعه الله تعالى. والذين صاروا إلى جعل بعض السنين ثلاثة عشر شهرا، ليس على ما توهموه، لأن الله تعالى لم يضع غير اثني عشر شهرا، فهذا وجه. ويحتمل أن يكون قوله في كتاب الله، أن الله تعالى قسم الزمان في الأصل اثني عشر قسما، فجعل نزول الشمس في كل برج من البروج الاثني عشر، قسما منها، فيكون قطعها للفلك في ثلث مائة وخمس وستين يوما وربع يوم، فيجيء نصيب كل قسم منها بالأيام ثلاثين يوما وكسر، وقسم الأزمنة أيضا على سير القمر، فصار القمر يقطع الفلك كل تسعة وعشرين يوما ونصف، وجعل السنة القمرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما وربع يوم، واختلفت سنة الشمس والقمر، مع اتفاق أعداد شهورها، وكان تفاوت ما بينها أحد عشر يوما بالتقريب، وكانت شهور القمر ثلاثين وتسعة وعشرين، فيما يتعلق بها من أحكام الشرع، ولم يكن للنصف الذي هو زيادة على تسعة وعشرين يوما حكم، وكان ذلك هو القسمة التي قسم الله تعالى عليها السنة في ابتداء وضع الخلق، ثم جاءت الأمم فغيرت هذا الوضع، وكان قصدهم بذلك أن لا تتغير الشهور عن

стр. 703

أوقاتها التي هي عليها شتاء وصيفا وخريفا وربيعا، فاقتضاهم ذلك أوضاعا مختلفة. فوضعت الروم اثني عشر شهرا، بعضها ثمانية وعشرون، وبعضها ثمانية وعشرون ونصف، وبعضها أحد وثلاثون، وكانت شهور الفرس ثلاثين إلا شهرا واحدا، وهو أباز ماه، فإنه خمسة وثلاثون، ثم كانت تكبس في كل مائة وعشرين سنة شهرا كاملا، فتصير السنة ثلاثة عشر شهرا، فأما أشهر العرب، فإنها تسعة وعشرون أو ثلاثون، وأبطل الله تعالى كبسه الفرس، وجعلها ثلاثة عشر شهرا في بعض السنة، وأبطل ما كان المشركون عليه من تغيير النظام، وصارت الشهور التي لها أسامي لا تؤدي الأسماء معانيها، لأنها تارة تكون في الصيف، وتارة تكون في الشتاء، وأراد الله تعالى أن يجعل شهر رمضان تارة في الصيف وتارة في الشتاء، استيغالهم مصالح الدين والدنيا في التخفيف تارة، وفي التغليظ أخرى، ولم يكن صومنا كصوم النصارى في الربيع لا يختلف. قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) ، الآية/ ٣٧. هو متعلق بما تقدم، وهو أن العرب كانت تجعل المحرم صفر وصفر المحرم في بعض السنين، على ما كانت تقضيه الكبسة التي كانت لهم. وأول من وضع ذلك من العرب ملك لهم يقال له القلمّس «١» ، واسمه حذيفة، وهو أول من أنسأ النسيء، أنسأ المحرم، فكان يحله عاما ويحرمه عاما، فكان إذا حرمه كان ثلاثا حرما متواليات، وهي التي يقال ثلاثة سرد، وهي العدة التي حرم الله تعالى في عهد ابراهيم، فإذا أحله دخل مكانه صفر في المحرم لتواطئ العدة، يقول قد أكملت الأربعة كما كانت، لأني لم أحل شهرا إلا وقد حرمت مكانه شهرا، لكنه ليس مسرورا،

стр. 704

فحج النبي ﷺ ، وقد عاد المحرم إلى ما كان في الأصل، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ) ، فأخبر الله تعالى أن النسيء الذي كانوا يفعلونه كفر، وأن الأشهر الحرم الثلاثة لا بد أن تكون متوالية، وأن صفر لا يقام مقامها، فهذا معنى هذه الآية. وقال قائلون في معنى هذه الآية إن روما من بني كنانة وغيرها، كانوا يؤخرون الحج عن وقته في كل سنة شهرا، فيوقعونه في المحرم بعد ذي الحجة، وفي السنة الثانية في صفر، فبين الله تعالى أن هذا الصنيع كفر. قوله تعالى: (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا) ، الآية/ ٤١. وقوله تعالى: (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) ، الآية/ ٣٨. اختلفوا في عمومه، فمنهم من قال: إنه أراد به كل المؤمنين. وعند أبي علي الجبائي الآية مخصوصة. واختلف العلماء في وجوب هذا التغير: فمنهم من قال: المراد به وجوب النفور إلى الرسول إذا دعا إلى الجهاد وأمر به، وهو الأصح. ومنهم من قال: إن المراد به عند الحاجة وظهور الكفرة واشتداد شوكتهم. وظاهر الآية يدل على أن ذلك على وجه الاستدعاء، فعلى هذا لا يتجه الحمل على وقت ظهور المشركين، فإن وجوب ذلك لا يختص بالاستدعاء، وإذا ثبت ذلك، فالاستدعاء والاستبقاء يبعد أن يكون موجبا شيئا لم يجب من قبل، إلا أن الإمام إذا عين قوما وندبهم إلى الجهاد، لم يكن لهم أن يتثاقلوا عنه، وله ولاية التعيين، ويصير بعينه فرضا على من عينه لا لمكان

стр. 705

الجهاد، ولكن طاعة الامام واجبة، وإذا لم يكن كذلك وكان من أهل الثغور كفاية، فالذي قاله أصحابنا أنه يجب على الامام أن يفرق في الجهات الأربعة قوما في كل سنة، يظهر لهم النكاية في العدو، ويمنعهم ذلك من انتهاز فرصة الاحتشاد والاستعداد، وإذا حصلت الكفاية لقوم، سقط عن الباقين، فليس الجهاد على هذا الرأي فرضا على كل واحد، وإنما هو فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين. قوله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، الآية/ ٤٠. يستدل به على إضافة الفعل إلى غير فاعله، إذا كان منه تسبب، فإنه تعالى قال: (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، وما أخرجوه حقيقة بل أخافوه حتى اضطر إلى أن يخرج، وكان الصديق معه، فتارة كان يمشي بين يديه، وتارة يمشي خلفه، وقال يا رسول الله: إذا ذكرت الرصد مشيت بين يديك، وإذا ذكرت الطلب مشيت خلفك. وظن جهال الإمامية أن قول الرسول ﵊ لأبي بكر: «لا تحزن» ، يدل على جهل منه ونقيصة، وذلك يوجب مثله في قوله تعالى لموسى: (فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ) «١» . وقوله في قصة إبراهيم: (فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ) «٢» .

стр. 706

فإذا لم يكن ذلك طعنا عليهم ووصفا لهم بالنقص، فكذلك في أبي بكر، وليس حزنه من جهة الشدة والحيرة، بل لتجويزه وصول الضرر إلى رسول الله ﷺ ، وإليه، وما كان الخبر أتاه بأن الرسول كان معصوما من القوم محروسا منهم، حتى قال له الرسول لا تحزن، فسكن إلى ذلك. وقوله تعالى: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) «١» ، نزل بعد الهجرة بسنين، فلا يوجب كون أبي بكر عالما بعصمته، ولو علم أنه يسلم منهم بنفسه لم يأمن مضرة بجراحة أو غيرها، وفي ذلك جواز الحزن والخوف عليه. قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ) ، الآية/ ٦٠. ظاهر الآية أن المسكين غير الفقير. وقال قوم: هما واحد، إلا أنه ذكرهما باسمين لتأكيد الأمر فيه، وليس ذلك بصحيح. وإذا ثبت ذلك، فللشافعي وأبي حنيفة اختلاف في اللفظ في أيهما أعظم حاجة وأشد خصاصة، وليس يتعلق به كبير فائدة شرعية، وليس ببين أن يجعل المسكين صنفا والفقير صنفا، فيقال: يعطي الصنفان وهما فقيران إلا أن أحد الصنفين أشد فقرا من الآخر، فمن هذا الوجه يقرب قول من جعلهما واحدا. ومطلق لفظ الفقر لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة، ولكن تظاهرت الأخبار في أن الصدقة تؤخذ من أغنياء المسلمين، وترد في فقرائهم.

стр. 707

والذي يمكن أن يفهم من الآية، ومن السنة، أن الله تعالى أطلق الصدقات، وبين الرسول ﵊ أصناف الصدقات، وما تجب فيه الزكاة، وما لا تجب، والذي لا تجب قد تجب فيه إذا اتجر. وقد حكي عن زين العابدين أنه قال: إنه تعالى علم قدر ما يرتفع من الزكاة، وأنه بما تقع به الكفاية لهذه الأصناف فأوجبه لهم، وجعله حقا لجميعهم، فمن منعهم ذلك فهو الظالم لهم رزقهم. ولذلك قال قوم من العلماء: إن الزكاة تصير شركة للفقراء، وهو قول الشافعي. وظاهر الآية يقتضي ذلك، لأن قوله: إنما الصدقات للفقراء كالتمليك وإنما لم يجعله تمليكا حقيقة من حيث جعل لوصف لا لعين، وكل حق جعل لموصوف، فإنه لا يملكه إلا بالتسليم، إلا أن ذلك لا يمنع استحقاق الأصناف لأنواع الصدقات، حتى لا يحرم صنف منهم. واختلف العلماء في استيعاب هذه الأصناف: فمنهم من قال الفرض به بيان المصارف حتى لا يخرج عنهم، ثم الاختيار إلى من يقسم، وهو قول عمر وابن عباس وحذيفة وخلق من التابعين، كالحسن وابراهيم وغيرهما، حتى ادعى مالك الإجماع في ذلك. وقال الشافعي وبعض أهل الظاهر: يتعين استيعاب الجميع إلا إذا عدم بعضهم، فيصرف نصيبه إلى الباقين «١» . فمن هذا الوجه، فارق إضافة الأموال إلى مستحقيها، وفارق الوصية إلى أقوام، فإنه إذا تعذر الوصول إلى بعض من أوصى له لا يصرف نصيبه إلى الباقين.

стр. 708

ورأى الشافعي أن استيعاب جهات الحاجات، يجوز أن يكون أعظم في القربة، ولا يجوز رفع المزية بلا دليل مع موافقة الظاهر له، وإذا تعذر البعض، فالأقرب إلى القربة الصرف إلى الباقين. فعلى هذا لا نقول: إن الصرف على الأصناف على نحو صرف الوصاية إلى الأصناف والأشخاص، وأن الإضافة إليهم بلام التمليك، ولكنا ندعي أن استيعاب جهات الحاجات في القربة أو في الصرف إلى واحد. وإذا ثبت زيادة القربة في المنصوص عليه لم يجز الغاؤه، وهذا بين. وقد شنع علي بن موسى القمي على الشافعي بأن قال: إذا كان قدر الواجب نصف دينار، وكان هو القاسم لذلك، ووجد السهمان كيف يفرق ذلك فيهم، ولا يسد مسدا، فإنه ينقسم نصف دينار على ثمانية أصناف، ويصرف من كل صنف إلى ثلاثة، فيحتاج أن يقسمه على أربعة وعشرين سهما، وأحد السهام المكاتبون، والمقصود إزالة الرق، وأي أثر لهذا القدر في إزالة الرق. والذي ذكره جهالة تلزم عليه، إذا أوصى الموصي بها للأصناف. ولأنه ليس الأمر مقصورا عليه وحده، بل إذا كان بينه وبين غيره حصل الاستيعاب، وحصل مقصود الأصناف منه ومن غيره، فلا معنى لهذا التشنيع. ولا خلاف أن لا يجوز صرف الجميع إلى العاملين عليها، فإنه إنما يأخذ أجرته، فلو وضع فيه تناقض، فإنه يسعى للفقير، فكيف يأخذ الكل إلى نفسه، فهذا آخر فصول هذه الآية. الفصل الآخر في الفقراء والمساكين، وقد ذكرهما الله تعالى باسمين، فقال بعضهم:

стр. 709

ذكرهما باسمين ليؤكد أمرهم في هذه الصدقات بأشد من تأكيد غيرهم. ومنهم من قال: ذكرهما باسمين لكونهما صنفين، وهذا ما قدمناه. ثم اختلفوا في معنى الفقير: فمنهم من قال إنه المتعفف الساتر فقره عن الناس، وقد وصفه الله تعالى بذلك في قوله: (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ... إلى قوله: (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) «١» والمسكين الذي يسأل إذا احتاج، ويمسك إذا استغنى، ويتخاضع للمسألة، وذلك هو اختيار الأصم. ومنهم من قال: الفقير هو الضعيف الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، ورووه عن ابن عباس، وهو قريب مما قدمناه. وقد قيل: الفقير هو الزمن الذي لا يقدر على التكسب، والمسكين الصحيح. وقد قيل: الفقير أشد حاجة، فإنه مأخوذ من كسر فقار الظهر، والمسكين دونه في الحاجة. وقد وصف الله تعالى ملاك السفينة، بأنهم مساكين يعملون في البحر وأنه مأخوذ من السكون. وبالجملة: الفقر في ظاهره أدل على الحاجة من المسكنة، لأن المسكين إنما يدل حاله على الحاجة من حيث المعنى، وهو التخاضع الذي هو دليل الحاجة لا من حيث اللفظ، والفقر عبارة عن الحاجة. ومن جعلهما صنفا واحدا، قال لا فقير إلا ويحسن أن يسمّى مسكينا.

стр. 710

وللفقراء مراتب لا تنحصر في مرتين أو ثلاثة أو أربعة، والذي يعددها ينظر إلى العطف ومعناه، وذلك يقتضي الفرق بينهما، فيقال: الفقير هو الشديد الحاجة مع التعفف، والمسكين هو المظهر لحاجته بالمسألة. ولعل من جعل الفقير هو الزمن، فلأن الزمانة تقعد عن الطلب، ومن جعل المسكين الصحيح فلتمكينه من الطلب. واعلم أن مطلق الفقير ليس فيه شرط وتقييد، بل فيه دلالة جواز الصرف إلى ذوي القربى من بني هاشم وغيرهم، ولكن السنة وردت باعتبار شروط، منها أن يكون من بني هاشم. وروي عن أبي يوسف «١» جواز صرف صدقة الهاشمي إلى الهاشمي. ومن شرائطه ألا يكون كسوبا مقدار كفايته، فإنه ﵊ قال: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» «٢» . والظاهر يقتضي جواز ذلك، لأنه فقير مع قوته وصحة بدنه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. ومن شرائطه: أن يكون ممن لا تلزم المتصدق نفقته، ولكن هذا الوجه يحرم الزكاة للفقر لا للغرم أو غيره من الصفات. واختلفوا فيما به يخرج عن كونه فقيرا، فقال قوم: بألا يملك نصابا.

стр. 711

وقال قوم: إنه لا يتحدد ذلك، ويختلف باختلاف أحوال الناس، فمنهم من يكثر وجوه حرجه، فيعد فقيرا مع ملك نصب كثيرة، وربما احتاج في يوم إلى نصاب، فهذا يعد فقيرا، وهو أقرب إلى الظاهر، وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. واختلفوا في أنه هل يدفع له مقدار أم لا؟ فقال بعضهم: لا يجوز أن يدفع إليه أكثر مما يصير به غنيا. وقال آخرون: يجوز، وهو الأليق بالظاهر، فإنه تعالى جوز وضع الصدقة في الفقير ولم يفصل. واختلفوا في هل استحقاق الصدقات كلها بالفقير والحاجة فقط، أو بذلك مع غيره. فمنهم من قال بالوجه الأول، وزعم أن الله تعالى إنما ذكر الأصناف لاختلاف معنى الحاجة فيهم، فأكد ذلك وبينه، وإلا فالوجه الذي لأجله يجوز وضع الصدقة فيهم واحد، على ما قاله ﵊، وردها في فقرائهم. فبين أن الاستحقاق بهذا الوجه الواحد. وأما العاملون، فإنهم يأخذون من جهة الفقراء لا من جهة رب المال، إلا أنه لا يدفع إليهم إلا أجرة سعيهم، فهم كالوكلاء للفقراء، ومنهم يأخذون هذا السهم. وكذلك الجواب عن المؤلفة، حيث كانت، لأنهم مع الغنى كانوا يأخذون لإعزاز الدين. ومن قال بالقول الثاني قال: إن الغارم قد يأخذ مع الغنى، وكذلك ابن السبيل، وكذلك الغازي. والأقرب إلى الظاهر هذا القول، فإن الله تعالى ذكر هذه الأصناف، فإن أراد المريد بالحاجة أنه لا بد منها في جميعهم على بعض الوجوه

стр. 712

فصحيح، فإن العامل وإن كان غنيا، ففي صرف أجرته إليه تقوية لأمر الصدقات، فالحاجة إليهم ماسة، وفي الصرف إلى المؤلفة قلوبهم تقوية الإسلام، فالحاجة واقعة، وكذلك الغارم بالديات، تمس الحاجة إليه لتسكين الفائزة «١» ، وتطفية الفتنة. وقد استدل قوم في نصرة قول الشافعي ومذهب أبي حنيفة، على أن ذكر العامل يدل على وجوب دفع الزكاة إليهم، وأنه لا يجوز أن يفرق بنفسه، وهذا فيه نظر، لأن ذكرهم يتضمّن أنهم إذا كانوا أعطوا نصيبهم، فأما إذا لم يكونوا فلا، وليس في الظاهر أنه لا بد منهم، كما أنه ليس في الظاهر أنه لا بد من رقاب وغارم ومؤلفة. فأما المؤلفة، فقد قيل كان ذلك وزال. وقد قيل: للإمام أن يتألف قوما إذا رأى في تأليفهم صلاحا للمسلمين، لما فيه من دفع ضررهم أو الضرر بمكانهم، فله أن يدفع إليهم سهم المؤلفة قلوبهم، فإن الله تعالى لم يخص وقتا دون وقت. وأما الرقاب، فقد اختلف فيه. فقال قائلون أراد به العتق، وهو قول ابن عباس «٢» ، وكان لا يرى بأسا أن يعطي الرجل من زكاته في عتق رقبة، وهو قول الحسن. وقال الأكثرون: المراد به المكاتبون، وهو قول إبراهيم وسعيد بن جبير والشعبي وغيرهم، وعلل سعيد بن جبير وقال: لا يعتق من الزكاة مخافة جر الولاء «٣» .

стр. 713

وذكر علي بن موسى القمي أنهم أجمعوا على أن المكاتب مراد، واختلفوا في عتق الرقاب، وذكر هو وجوها بينة في منع ذلك. منها: أن العتق إبطال ملك وليس بتمليك، وما يدفعه إلى المكاتب تمليك، ومن حق الصدقة ألا تجري إلا إذا جرى فيها التمليك، وقوى ذلك بأنه لو دفع الزكاة عن الغارم في دينه من غير إذنه، لم يجزه من حيث إنه لم يملك، فلأن لا يجزى ذلك في العتق أولى. وذكر أن في العتق جرّ الولاء إلى نفسه، وذلك لا يحصل في دفعه إلى المكاتب. وذكر أن ثمن العبد إذا دفعه إلى العبد لم يملك، وإن دفعه إلى السيد فقد ملكه الغنى، وإن دفعه بعد الشراء والعتق، فهو قاض دينا، وذلك وذلك لا يجوز في الزكاة. وأما حق الغارمين، فقد قيل هو المستدين من غير سرف ولا وفاء في ماله بدينه، وروى قريب من ذلك عن ابن عمر وعائشة، وروى علي بن موسى القمي بإسناده عن الحسن بن علي أنه قال: أن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: لذي فقر مدقع، ولذي غرم مفظع، ولذي دم «١» موجع، وعلى هذا إذا تحمل مما له فيها مصلحة للمسلمين. وروي عنه ﷺ في حديث قبيصة بن مخارق أنه قال: تحملت حمالة فأتيته ﷺ فسألته فقال: «يؤديها عنك إذا جاءت نعم الصدقة» . ثم قال: «أما علمت أن المسألة لا تحل إلا لثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو سدادا من عيش.

стр. 714

ورجل أصابته فاقة وحاجة حتى تكلم ثلاثة من ذوي الحجر من قومه، فحلت له المسألة، حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك» . فدل قوله من تحمل حمالة، أن المسألة تحل له حتى يؤدي ثم يمسك، على أنه غني، لأنه لو كان فقيرا لم يلزمه أن يمسك، بل كان يحل له أن يسأل لفقره. وظاهر الغارم يتناول الغارمين كلهم. وقوله: وفي سبيل الله: قد قيل، إن المراد به الغازي وإن كان غنيا «١» وقيل: هذا يختص بالفقير. ومنهم من يقول: إن كان مستغنيا بالفيء ولم يعط، وإلا أعطى. والظاهر أنه الغازي، وأنه لا فرق بين أن يكون محتاجا أو معه من الفيء ما يحرم أخذ الصدقة، لأنه يحتاج لعدة جهاده وتقوية قلبه، إلى ما لا يحتاج إليه غيره، فصرف الصدقة إليه جائز والحالة هذه. وقد روي أنه ﵊ قال: «لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله» . وهذا موافق للظاهر. وفي رواية: لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله وابن السبيل. وابن السبيل يأخذ الزكاة مع غناه، وقد قيل: هو مختص بمن يوجد مسافرا. وقد قيل: يلحق به من يهم بسفر لا يضره تركه «٢» .

стр. 715

قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) ، الآية/ ٦٥: فيه دلالة على أن اللاعب والخائض سواء في إظهار كلمة الكفر على غير وجه الإكراه لأن المنافقين ذكروا أنهم قالوا ما قالوه لعبا، فأخبر الله تعالى عن كفرهم باللعب بذلك. ودل أن الاستهزاء بآيات الله تعالى كفر. قوله تعالى: (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) «١» . روى ابن مسعود أنه قال: «جاهدهم بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم» . وقال ابن عباس: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان. قوله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) ، الآية/ ٧٤: والذي قالوه من كلمة الكفر قول الخلامس بن سويد بن الصامت: إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن شر من الحمير. وقول عبد الله بن أبي في قوله تعالى: (لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) «٢» ، وفيما قص الله تعالى علينا من نبأ المنافقين مع استيعابهم، دليل على أن توبة الزنديق مقبولة إذا لم يظهر الكفر.

стр. 716

قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ) ، الآية/ ٧٥. ذكر ابن عباس في سبب نزول هذه الآية، أن حاطب بن أبي بلتعة أبطأ عنه ماله بالشام، فحنف في مجالس الأنصار، إن سلّم ذلك لأتصدق منه، ولأصلن منه، فلما سلم بخل بذلك، وهذا نذر التبرر المتفق عليه. وقيل نزل ذلك في شأن المنافقين الذين عاهدوا ثم أخلفوا. واستدل به قوم على أن من حلف إن فعل كذا، فعلي كذا لله تعالى، أنه يلزمه. وظاهر الآية لا يدل عليه، لأنه ليس بنذر، ولا قصد فعله، ولا إنه مما يقال فيه: لئن آتانا من فضله. وقد استدل به على أن من قال إن آتاني الله مالا تصدقت به وفعلت وصنعت. قوله تعالى: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ) «١» : يحتمل أن يكون ذلك من الله تعالى، ويحتمل أن يكون بعض المعاصي داعيا إلى البعض، فكأن البخل أعقب النفاق. وأبان به إن بعض الأفعال قد تكون لطفا في بعض، وبعضها فسادا في بعض. وقد يدل ذلك على أن الذي عاهد لم يكن منافقا من قبل. فأعقبهم نفاقا. ثبتوا عليه إلى الممات، وهو معنى قوله إلى يوم يلقونه «٢» . قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) ، الآية/ ٨٠.

стр. 717

كلمة (أو) هاهنا ليست للتخيير، لأن التخيير، لا يصح مع قوله: (فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) . وذكر السبعين كالمبالغة، مثل قول القائل: لو سالتني مائة مرة ما أجبتك. ولا يكون المراد به التحديد، وذلك معلوم من الفحوى. ويدل عليه، أنه علل بأنهم كفروا بالله، والعلة قائمة بعد السبعين، فظهر أن ذلك ليس بتخيير، بل هو منع من الاستغفار. وروي في بعض الأخبار أنه ﵊ قال في هذه الآية: خيرني ربي، والصحيح الأول. قوله تعالى: (وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً) ، الآية/ ٨٤. وكان قد صلّى على عبد الله بن أبي، بناء على الظاهر من لفظ إسلامه، وأما لأنه لم يعرف نفاقهم، ثم لم يكن يفعل ذلك لما نهي عنه. قوله تعالى: (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ، الآية/ ٩١. يحتج به في إسقاط الضمان عن قاتل البهيمة الصائلة. وقوله تعالى: (السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ) ، الآية/ ١٠٠. يدل على تفضل السابق إلى الخير على التالي، لأنه داع إليه بسبقه، والتالي تابع له، فهو إمام له وله أجر مثله، كما قال ﷺ : «من سن سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة» ، الحديث «١» . قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً) ، الآية/ ١٠٣: الأكثرون من المفسرين، على أن المراد بالآية الصدقات الواجبة في

стр. 718

الأموال، وليس في الآية بيان مقدار المأخوذ ولا المأخوذ منه، وليس في الآية بيان شروط معتبرة في المأخوذ منه، ولا معتبرة في المأخوذ، ولا شروط في المؤدي، ولا شروط في الآخذ: قوله تعالى: (تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها) . يدل على أن الله تعالى جعل الزكاة تطهيرا، ودعاء رسول الله ﷺ طمأنينة لقلوبهم، وعلما على أن الله تعالى غفر لهم، فإنه لا يصلي على قوم إلا أن يؤذن له في ذلك، ولا يؤذن له في ذلك إلا أن يكون مغفورا له. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ) ، الآية/ ١٠٧. يدل على أن الأفعال تختلف بالقصود والإرادات، ولذلك قال:- (وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى) ، وإن الذي اتخذ لقصد التفريق بين المؤمنين لا تحل به حرمة، ولذلك قال: (لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً) ، وأمر رسول الله ﷺ بهدمه. قوله تعالى: (فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) ، الآية/ ١٠٨. وذلك يدل على فضيلة الطهارة. ثم قال: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ) ، الآية/ ١٠٩. هو من المجاز المستحسن، وذم اتخاذ المسجد للطعن على الإسلام والتفريق بينهم، وبين أن هذا الصنيع يوجب انهيارهم في نار جهنم، فعبر عن ذلك بقوله: (أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ) .

стр. 719

ثم أبان عن موتهم على الإصرار بقوله: (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) «١» . ومن المجاز المستحسن قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ) ، الآية/ ١١١. فجعل بذل أنفسهم في الجهاد وإنفاقهم في ذلك طلبا للثواب بيعا، وجعل ما طلبوه ثمنا. ولما كان تعالى هو المرغب في ذلك والداعي إليه، وصف نفسه بأنه اشترى أنفسهم، كما وصفوا بأنهم باعوا وابتاعوا، وفي ذلك دلالة على عظم محل الجهاد ومنزلته. ودل أن هذا التعبد كما ورد به القرآن، فكذلك التوراة والإنجيل. ودل به على أن الله تعالى لا يخلف الوعد، ولذلك قال: (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) ؟ ويدخل في الوعد الوعيد. ثم أبان تعالى ما يتعلق به تمام البشارة في معاهدة الله فقال: (التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ) ، فبين الله تعالى أنه لا بد في المؤمن المجاهد أن يكون على هذه الصفات، وعند ذلك يكون مبشرا على ما قال في آخره: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) ، الآية/ ١١٢. وانطوت الآية على سائر العبادات من توبة وعبادة، وقيام بشكر، وأمر بمعروف، ونهي عن منكر. ثم أجمل ما يأتي على كل مكلف به، وهو الحفظ لحدود الله تعالى، فيدخل تحت ذلك اجتناب الكبائر كلها، والقيام بالطاعات كلها» .

стр. 720

قوله تعالى: (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) ، الآية/ ١١٣. فأبان أنه لا يغفر لهم، وحرم ذلك، لأنه طلب مغفرة مأيوس منها سمعا. وأبان أن استغفار إبراهيم لأبيه، كان على توقع الإيمان منه إذا آمن، فلما علم أنه لا يؤمن امتنع من الاستغفار. قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) ، الآية/ ١١٩. فيه دلالة على التأمل في الأقوال، وأن لا نتبع منها إلا ما دلت الدلالة عليه، وبان صدقه، فأما أن نأخذ تقليدا دون أن نعلم صدقه فلا وليس فيه دلالة على رد أخبار الآحاد والظنون، فإنها لا تقبل عندنا إلا إذا دل الدليل القاطع على وجوب اتباعها والعمل بها عند ذلك الدليل، الذي يوجب العلم به، معلوم صدقه حقيقة، فيكون الإتباع للصادق تحقيقا. وقال تعالى في سورة البقرة: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ- إلى قوله- أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) «١» . وهذه صفة أصحاب النبي ﵊، المهاجرين والأنصار منهم، ثم قال في هذه الآية: (كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) «٢» . فدل على وجوب إتباعهم والاقتداء بهم، لإخباره أن من فعل ما ذكر

стр. 721

في الآية فهم الذين صدقوا، ولا يدل ذلك على وجوب اتباع إجماعهم، إلا إذا بان بالدليل صدقهم فيه. قوله تعالى: (ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) ، الآية/ ١٢٠. بيّن في هذه الآية وجوب الخروج على أهل المدينة مع رسول الله في غزواته، إلا المعذورين ومن أرخص له رسول الله ﷺ في القعود. وقال الله : (وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) ، الآية/ ١٢٠. أي لا يطلبون المنفعة بتوقية أنفسهم دون نفسه، بل كان الواجب عليهم أن يوقوا رسول الله ﷺ بأنفسهم، وقد كان من المهاجرين والأنصار من يفدي رسول الله ﷺ بنفسه، ويبذل نفسه للقتل، ليبقى بذلك رسول الله. وقال تعالى: (وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ) ، الآية/ ١٢٠. استدل به قوم على أن وطء ديارهم إذا جعل بمنزلة النيل من الكفار، وأخذ أموالهم، وإخراجهم من ديارهم- وهو الذي يغيظهم ويدخل الذل عليهم- فهو بمنزلة نيل الغنيمة، ولذلك قال علي: ما وطئ قوم في عقر ديارهم إلا ذلوا. قوله تعالى: (وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) ، الآية/ ١٢٢. روي عن ابن عباس أنه نسخ بقوله تعالى: (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا)

стр. 722

فقال تعالى: مالهم أن يتفرقوا في السرايا ويتركوا النبي ﵇ في المدينة وحده ولكن تبقى بقية لتنفعه، ثم ينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم. وقال الحسن: لتتفقه الطائفة النافرة، ثم تنذر إذا رجعت إلى قومها. وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية. قال الله تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) ، الآية/ ١٢٢. فظاهر الكلام يقتضي أن تكون الطائفة النافرة هي التي تتفقه وتنذر قومها. وفي الآية دلالة على وجوب طلب العلم، وأنه من فروض الكفاية في بعض المعلومات، وفرض عين في بعض. وفيه دلالة على لزوم قبول خبر الواحد في أمور الديانات التي لا يجب على الكل معرفتها، ولا تعم الحاجة إليها. قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) ، الآية/ ١٢٣. وقال في موضع آخر. (قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) «١» . وأوجب قتال جميع الكفار في وقت واحد، وإن الممكن فيه قتال طائفة، وكان من قرب منهم أولى وأقرب إلى الجرم، وليس ذلك نافيا لقوله: (قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ) فإنه إذا قال: (الَّذِينَ يَلُونَكُمْ) ، فإذا فرغ منهم وصارت الديار للإسلام فالذي يليهم بمثابته، حتى يستوعب الكفار. فهذا تمام ما أردنا بيانه في هذه السورة.

стр. 723

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة يونس قوله تعالى: (قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ) ، الآية/ ١٥. يستدل به في منع نسخ الكتاب بالسنة «١» ، لأنه تعالى قال: (قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي) ، الآية/ ١٥. وهذا بعيد، فإن الآية وردت في طلب المشركين مثل القرآن نظما، ولم يكن الرسول ﵊ قادرا عليه، ولم يسألوه تبديل الحكم دون اللفظ، ولأن الذي يقوله الرسول ﵊، إذا كان وحيا لم يكن من تلقاء نفسه، بل كان من الله تعالى. قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا، قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) ، الآية/ ٥٩. يستدل به في القياس وهو بعيد، فإن القياس دليل الله تعالى، فيكون التحريم والتحليل من الله، عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم،

стр. 724

فإن خالف في أن القياس دليل الله تعالى، فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى غيره. قوله تعالى: (وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) ، الآية/ ٨٧. قال ابن عباس: كانوا خائفين من الظهور، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم قبلة، فيصلوا في بيوتهم، وفيه دليل على أن الصلاة في المسجد أفضل إلا لعذر.

стр. 725

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة هود قوله تعالى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ) ، الآية/ ١٥. معناه معنى قوله: إنما الأعمال بالنيات، الحديث «١» . ويدل ذلك على أن من صام في رمضان لا عن رمضان لا يقع عن رمضان، ويدل على أن من توضأ للتبرد والتنظف لا يقع قربة عن جهة الصلاة. وقوله تعالى: (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) ، الآية/ ٤٥. سمى ابنه من أهله، وهذا يدل على أن من أوصى لأهله دخل تحته ابنه، ومن تضمنه منزله وهو في عياله، فدل قول نوح على ذلك، وقال تعالى في آية أخرى: (وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ، وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) «٢» .

стр. 726

فسمى جميع من تضمنه منزله من أهله. وقوله ﵇ ان ابني من أهلي: الذين وعدتني أن تنجيهم، فأخبر الله تعالى أنه ليس من أهلك الذي وعدت أن أنجيهم. وقد قيل: إنه لم يكن ابنه حقيقة، وظاهر القرآن يدل على خلافه «١» . وفيه دليل على أن حكم الاتفاق في الدين أقوى من النسب. قوله تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) ، الآية/ ٦١. يدل على وجوب عمارة الأرض، فإن الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى للوجوب. قوله: (قالُوا سَلاماً) ، الآية/ ٦٩. يدل على أن السلام الذي هو تحية الإسلام، كان تحية الملائكة «٢» . قوله تعالى: (إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) ، الآية/ ٧٠. ثم ساق الكلام، إلى أن قال: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ) ، الآية/ ٧٤- حين قالوا: (إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ) ، الآية ٧٠، لنهلكهم. وقوله: (قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً- قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها) «٣» : وذلك يحتج به من يجوز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، لأن الملائكة أخبرت إبراهيم أنها تهلك قوم لوط، ولم تبين المنجين منهم، ومع ذلك إبراهيم ﵇ جادلهم وقال: أتهلكونهم وفيهم كذا وكذا من المسلمين،

стр. 727

وتعرف منهم أمر العذاب، وأنه عذاب واقع بهم لا محالة، أم يعفى عنهم إذا رجعوا؟ وهذا دلالة لا محالة على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة، وهو بين حسن. قوله تعالى: (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا) ، الآية/ ٨٧. يستدل به على أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقد قيل: الصلاة هاهنا الدين، فيستدل به على أن الصلاة تطلق بمعنى الدين «١» . قوله تعالى: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) ، الآية/ ١١٣. يدل على النهي عن مجالس الظالمين ومؤانستهم، والإنصات إليهم، وهو مثل قوله تعالى: (فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) «٢» . قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ) ، الآية/ ١١٤. عنى بطرفي النهار على قول ابن عباس: الفجر، والعصر، وعنى بقوله: زلفا من الليل المغرب والعشاء.

стр. 728

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة يوسف قوله تعالى: (لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ) ، الآية/ ٥. وذلك يدل على جواز ترك إظهار النعمة، عند من يخشى غائلته حسدا وكيدا. وقال النبي ﵊: استعينوا على حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود «١» . قوله تعالى: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) الآية/ ١٨. يدل صدر الآية: على جواز الحكم بالعلامة، فإنه لما رأى القميص صحيحا قال: يا بني، ما عهدت والله الذئب حليما. وقوله: فصبر جميل، يدل على أن من أدب الدين حسن الصبر والعزاء، وترك الشكوى، وهو مثل قوله تعالى:

стр. 729

(الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ) «١» . قوله تعالى: (وَأَسَرُّوهُ «٢» بِضاعَةً) ، الآية/ ١٩. قال ابن عباس: أسرّه إخوته وكتموا أنه أخوهم، وبايعهم يوسف على ذلك الكتمان لئلا يقتلوه. وعن الحسن بن علي ﵄، أنه قضى في اللقيط أنه حر، وقرأ: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) ، الآية/ ٢٠. وروى الزهري عن سفيان بن أبي جميل قال: وجدت منبوذا على عهد عمر، فقال ﵀: عسى الغوير أبؤسا، فقيل إنه لا يتهم، فقال: هو ذاك ولاه أبي ولايته إذ هو حر الأصل في الظاهر. ومعنى قوله لعل الغوير أبؤسا: الغوير تصغير غار، وهو مثل:- معناه: عسى أن يكون البائس جاء من قبل الغار، فإنهم غمزوا الرجل. وقال: عسى أن يكون الأمر جاء من قبلك في هذا الصبي اللقيط، وأن يكون من مغالك، فلما شهد وآله بالستر، أمره بإمساكه، وقال ولاؤه لك، أي إمساكه والولاية عليه. قوله تعالى: (وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ) ، الآية/ ٢٠: قيل إن إخوته كانوا في الثمن من الزاهدين، فإن ما كان من أبيهم ألا يغيبوه عن وجه أبيه.

стр. 730

وقوله تعالى: (وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها) ، الآية/ ٢١. روى ابن عباس أنه صبي في المهد. وروى أيضا أنه رجل، ومن الناس من يحتج بذلك في الحكم بالعلامة في اللقطة وكثير من المواضع، حتى قال مالك في اللصوص: إذا وجدت معهم أمتعة فجاء قوم فادعوها وليست لهم بينة، أن السلطان يتلوم في ذلك، فإن جاء غيرهم يطلبها، وإلا دفعها إليهم. وقال أبو حنيفة ومحمد في متاع البيت: إذا اختلف فيه الرجل والمرأة فهو للرجل. ولا يحكم في كثير من المواضع بمثله، فإنه لو تنازع عطار وسقاء قربة وهما متعلقان بها، فهي بينهما، ولأن الأشبه في حديث يوسف، والعلامة أن ذلك كان آية من جهة الله تعالى، وإلا فما يدريهم أن امرأة ورجلا إذا تداعيا أمرا بينهما، فيكون قد قدّ قميص أحدهما أو قميصها، أو من الممكن أن يقال إن الرجل هم بها فطلبته ممتعضة وقدت قميصه من دبر، وليس في ذلك دلالة إلا من جهة خرق الله العادة، بانطلاق الصبي في المهد. وكان شريح وإياس بن معاوية يعملان على العلامات في حكومات، وأصل ذلك على هذه الآية، ولعل ذلك فيما طريقه التهمة، لا على سبيل بت الحكم، وقد يستحي الإنسان إذا ظهر مثل هذا منه للإقامة على الدعوى فيقر، فيحكم عليه بالإقرار. قوله تعالى: (أَضْغاثُ أَحْلامٍ) ، الآية/ ٤٤. وقد كانت الرؤيا صحيحة، ولم تكن أضغاث أحلام، فإن يوسف ﵇ عبرها على سني الخصب والجدب.

стр. 731

وهذا يبطل قول من يقول: إن الرؤيا على أول ما تعبر، فإن الأقوام قالوا أضغاث أحلام، ولم تقع كذلك. ويدل على فساد الرواية: أن الرؤيا على رجل طائر، فإذا عبرت وقعت. قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ) ، الآية/ ٥٠. يدل على ثبات النفس والصبر، وطلب براءة الساحة، ليكون أجل في صدره عند حضوره، وأقرب إلى أن يقبل منه ما دعاه إليه من التوحيد. الأمّارة: الكثيرة الأمر بالشيء، والنفس بهذه الصفة، لكثرة ما يشتبه، وتنازع إليه مما يقع الفعل من أجله. قوله تعالى: (اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ، الآية/ ٥٥: وصف نفسه بالعلم والحفظ، فدل ذلك أنه جائز أن يصف الإنسان نفسه بالفضل عند من لا يعرفه، وأنه ليس من المحظور تزكية النفس لقوله: (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ) «١» . قوله تعالى: (لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ) ، الآية/ ٦٧: ذهب به إلى حرف العين «٢» . قوله تعالى: (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) ، الآية/ ٧٢: أصل في الجعالة، مثل أن يقول: من ردّ إليّ عبدي الآبق فله كذا.

стр. 732

فقوله تعالى: (وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) ، ظن ظانون أن ذلك كفالة، وليس بكفالة إنسان عن إنسان، وإنما كفل بذلك عن نفسه، وضمنه نعم هو جعاله. قوله تعالى: (كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ) ، الآية/ ٧٦. دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح، وما فيه من العظة والصلاح، واستخراج الحقوق، ومثله قوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) «١» . وحديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر والذي أهداه من التمر إلى رسول الله ﷺ وما قاله في ذلك. وقال ﵊ لهند: «خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك ووهدك بالمعروف» «٢» . وكان إذا أراد سفرا ورّى بغيره. وأرسلت بنو قريظة إلى أبي سفيان، أن ائتونا فإنا نستعين على بيضة المسلمين من ورائهم، فسمع ذلك نعيم بن مسعود، وكان موادعا للنبي ﵊، وكان عند عينيه حين أرسلت بذلك بنو قريظة إلى الأحزاب، أبي سفيان بن حرب وأصحابه، فأقبل نعيم إلى رسول الله ﷺ ، فأخبره خبرها وما أرسلت به بنو قريظة إلى الأحزاب، فقال رسول الله ﷺ لعلنا أمرناهم بذلك، فقام نعيم بكلمة رسول الله من عند رسول الله، وكان نعيم رجلا لا يكتم الحديث، قال: فلما ولى من عند رسول الله ﷺ ذاهبا إلى غطفان، فقال عمر: يا رسول الله، ما هذا الذي

стр. 733

قلت؟ إن كان أمر من الله تعالى فامضه، وإن كان هذا رأيا رأيته من قبل نفسك، فإن شأن بني قريظة أهون من أن تقول شيء يؤثر عنك، فقال النبي ﵊: إن هذا رأي، إن الحرب خدعة. وعن عمر أنه قال: إن لفي معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب. وقال ابن عباس: ما سرني بمعاريض الكلام حمر النعم. وقال إبراهيم حين سئل عن سارة من هي؟ فقال هي أختي، لئلا يأخذوها، وإنما أراد به أختي في الدين «١» . وقال إبراهيم حين تخلف ليكسر آلهتهم: إني سقيم، معناه إني سأسقم يعني أموت، كما قال تعالى إنك ميت، فعارض عن كلام مبهم سألوه عنه إلى غيره على وجه لا يلحقه في ذلك كذب «٢» . قوله تعالى: (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ) ، الآية/ ٨٨. وقال: ألا ترون أني أوف الكيل. هذا مما يحتج به في أجرة الكيال والوزن أنها على البائع، فإنه إذا كان عليه أن يوف الكيل فيتعين عليه أن يقوم بمئونة ما يجب عليه «٣» .

стр. 734

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الرعد قوله تعالى: (اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) ، الآية/ ٨. قال قائلون: فيه دلالة على ظهور الحيض في أيام الحمل، وهو المراد بقوله: (وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ) ، فلا جرم قال قائلون: إن الحامل تحيض، تعلقا بهذا الظاهر. وقال بعضهم: لا تحيض. وقال آخرون: المراد به السقط، فإنه من غيض الأرحام حقيقة. وقال بعضهم: هو نقصان مدة الحمل، حتى يقابله قوله: (وَما تَزْدادُ) ، يعني في مدة الوضع، فجعلوا الغيض في ستة أشهر، وما تزداد: ما يزيد على ذلك. ويحتمل أن يكون معناه أن الله تعالى يعلم حمل كل أنثى، ويعلم ما تغيض الأرحام، وفي الدم والحيض في غير حال الحمل، وما تزداد بعد

стр. 735

غيضها من ذلك، حتى يجتمع في رحمها الدم، وذلك لا يعلمه إلا الله تعالى، فعلى هذا لا يدل ظاهر الآية على أن الحامل تحيض، إلا أن يقال إنه عام، فإذا بين الله تعالى في الأرحام أنها تغيض بالدم، فيجب أن يكون حيضا، لأن الحيض هو الذي تساقط عن الرحم، والاستحاضة دم عرق لا من الرحم «١» .

стр. 736

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة ابراهيم قوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها) ، الآية/ ٢٥. روي عن ابن عباس أنه قال: غدوة وعشية، ولعله أخذ ذلك من قوله تعالى: (فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) «١» . وعن ابن عباس رواية أخرى أنه قال: هي النخلة تطعم في كل ستة أشهر «٢» . وعن علي أنه قال: الحين سنة. وقال ابن المسيب «٣» : الحين شهران من حين تصرم النخل إلى حين تطلع. وروي عنه أنه قال: النخلة لا يكون فيها أكلها إلا شهران. وقال تعالى: (لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) «٤» ، وعنى به ثلاث عشرة سنة.

стр. 737

وقال تعالى: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) «١» : يوم القيامة. وعن عكرمة أن رجلا قال: إن فعلت كذا وكذا إلى حين فغلامه حر، فأتى إلى عمر بن عبد العزيز فسأله عن ذلك، فسألني عنها فقلت: إن من الحين حين لا يدرك. قوله تعالى: (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) «٢» . فأرى أن يمسك ما بين صرام النخل إلى حملها، فأعجبه ذلك. وبالجملة: للحين مصارف، ولم ير للشافعي تعيين مصرف من هذه المصارف، لأنه لم يوضع في اللغة لمعنى معين، والذي ذكره أبو حنيفه من تقييد الحين في الحلف بستة أشهر اتباعا لعكرمة تحكم، وتخصيصه بإدراك النخل لا مأخذ له فلا معنى لاعتباره.

стр. 738

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الحجر قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) ، الآية/ ٧٢. قال المفسرون: معناه: حياتك، فقوله: لعمرك: لغة. وكره قوم أن يحلفوا بغير الله تعالى، وورد فيه خبر، وإن لم يقو إسناده «١» وكرهوا أيضا أن يقول: وحق الكعبة، وحق الرسول ﷺ ، فهذا ما فيه من الحكم «٢» .

стр. 739

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة النحل قوله تعالى: (وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ) ، الآية/ ٥. قال ابن عباس: الدفء اللباس. وقال الحسن: الدفء ما استدفئ به من أصوافها، وأوبارها وأشعارها. واستدل به قوم على جواز الانتفاع بها في حالة حياة الحيوان وموته. وليس ذلك بصحيح، فإنه تعالى قال: (لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ، وَمِنْها تَأْكُلُونَ) . فبين أن منها ما أكلنا «١» ، فدل ذلك على إباحة هذه الثلاثة بشرط الزكاة «٢» . ثم بين تعالى بقوله: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً) ، الآية/ ٨، عظيم منة علينا.

стр. 740

وذكر ذاكرون من أصحاب أبي حنيفة، أن في الآية دليل على تحريم لحومها، فيقولون: في الأنعام ذكر الله تعالى في الكتاب، أنها للأكل، وفي البغال والحمير أنها للركوب والزينة، وذكروا في تحقيق ذلك أن الله تعالى ذكر في الأنعام منافع الركوب، وحمل الأثقال إلى البلاد، وذكر الجمال بها حين تريحون وحين تسرحون، فنبه على المنافع الأصلية، والنادرة، كالأكل والركوب على الأنعام، فلو كانت الخيل مأكولة لذكره. ويجاب عنه، بأن الله تعالى لم يذكر ذلك، لأنه لا يعد للأكل عرفا، وإنما يؤكل إذا أصابته زمانه، ونقصت قيمته، فلم يذكر الأكل بما فيه من نقصان وخسران. بخلاف الأنعام التي منها الأكل، وأن حمل الأثقال عليها هو المقصود. قوله تعالى: (وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) ، الآية/ ١٤. يحتج به أبو يوسف «١» ومحمد والشافعي، فيمن حلف لا يلبس حليا فلبس لؤلؤا، أنه يحنث لتسمية الله تعالى إياه حليا «٢» . وأبو حنيفة لا يرى ذلك، لأن الحلي إذا أطلق لا يفهم منه اللؤلؤ، وذلك مكابرة منه. قوله تعالى: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ) ، الآية/ ٦٧. يدل على أن ذلك من الآيات التي يجب الإعتبار بها، لأنه عطف على ما تقدم.
следующие страницы →