وكلماته بطريق اليقين، ولا يجوز أن يضيع منه شيء بأمثال هذه الأسباب فإن الله تعالى ضمن حفظه.
إذا ثبت ذلك، قال أبو أيوب الأنصاري، قلنا: يا رسول الله، عرفنا السلام في الاستئناس.
قال: يتكلم الرجل بتسبيح أو تكبير ويتنحنح، يؤذن به أهل البيت.
وفي قراءة ابن مسعود: حتى تستأذنوا.
وقال ابن عباس: تستأذن على أمك وعلى أختك، وكل من لا يجوز أن ترى منها عورة.
وما نرى الأمر في السلام يبلغ مبلغ الوجوب، إلا أن الاستئذان لا بد منه، وهذا الاستئذان ليس له حد عرفا، ولكن ورد في بعض الأخبار أن الاستئذان ثلاث، فإن أذنوا وإلا فارجع.
رواه أبو موسى وأبو سعيد عن رسول الله، وفيه قصة مع عمر ذكرناها في أصول الفقه.
قوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) ، الآية/ ٢٨.
معناه أنه ليس يجوز أن يقول ليس فيها أحد يمنع، فالدخول مباح، بل الحظر أصل، إلى أن يرد الإذن، لأنه تصرف في ملك الغير.
وقوله: (حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ) ، أي حتى تجدوا من يأذن لكم، وإن كان الآذن صبيا أو رسولا فيجوز الدخول.
قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) ، الآية/ ٣٠.
فلم يذكر تعالى ما يغض البصر منه ويحفظ الفرج، غير أن ذلك معلوم بالعادة، أن المراد به المحرم غير المحل:
стр. 807
فإن قيل: فهذا الخطاب خاصة للمؤمنين، أو يدخل معهم سائر المكلفين؟
فالجواب أن ظاهره للمؤمنين، ولكن المراد به كل الناس، من حيث علم أن ما يحل من ذلك وما يحرم لا تختلف أحوالهم فيه، وغض البصر قد يجب على كل حال في أمور، وقد يجب في حال دون حال في غيرها، فما ثبت أنه عورة، فغض البصر عنه واجب، وما ليس بعورة، فيجب أيضا كذلك، إلا لغرض صحيح، فإنه يباح عند ذلك «١» .
قوله تعالى: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها) .
الآية/ ٣١.
يعني إلا ما لا بد من النظر إليه، مثل ما يظهر من الثياب والدملج والخلخال والخاتم، والذي يتعلق بالمناظر، وما يباح منها وما لا يباح منها، يستقصى في كتب الفقه.
والمراد بما ملكت أيمانكم على المذهب الصحيح الأطفال. فأما الرجال فلا، إلا أن يكون محرما، والظاهر يقتضي خلاف ذلك، ولكن قياس الشرع يأبى مقتضى ذلك الظاهر.
وقيل المراد بقوله: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ) الإماء. حتى لا يتوهم متوهم أنهن لسن من نسائهن في قوله تعالى: (أَوْ نِسائِهِنَّ) :
واختلفوا في قوله: (غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ) ، فقال قوم: هو العنين، وقال آخرون: هو الأبله، وقال آخرون: هو الأحمق الذي لا إرب له.
стр. 808
قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ) ، الآية/ ٣٢.
ظاهره الأمر من الله تعالى بالنكاح الأيامى «١» .
واختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: المأمورون هم الأولياء، وهو مذهب الشافعي.
وفيه دليل على عدم استقلالهم.
ومنهم من قال: كل أحد إذا كان وليا أو مأذونا له.
والمقصود أنه إذا حصلت الرغبة منها وجب الإنكاح، وأنه لا يجوز العضل والمنع، وذلك يقتضي الاختصاص بالأولياء والحاكم، فإن هؤلاء الذين يجب عليهم التزويج دون الأجانب.
واستدل أصحاب الشافعي بما تعقبه من قوله: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ) ، وأن ذلك لما دل على سبب ولايتها، فكذلك في حق غيرها، وهذا تلقي الظاهر من اقتران المسلمين ذكرا، وذلك يدل على تساويهما حكما من وجه آخر، وهو أن الإنكاح قد يجب في حق الأيم والبكر البالغة، إذا طلب، وليس يجب في حق العبد والأمة.
فليس قوله: (وَأَنْكِحُوا) ، مما يمكن إجراؤه في الجميع على حد واحد، لأن منه ما يجب ومنه ما لا يجب، وهذا مما لا خفاء به، فاعلمه.
قوله تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) ، الآية/ ٣٣.
أمرهم بالتعفف- عند تعذر النكاح- عما حرمه الله تعالى، وذلك على الوجوب.
стр. 809
وفيه دليل على أن إباحة الاستمتاع موقوفة على النكاح. ولذلك يحرم ما عداه، ولا يفهم منه التحريم بملك اليمين، لأن من لا يقدر على النكاح لعدم المال لا يقدر على شراء الحارية غالبا.
وفيه دليل على بطلان نكاح المتعة، ودليل على تحريم الاستمناء «١» .
قوله تعالى: (فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) :
روي عن عطاء أنه قال: ما أراه إلا واجبا، وهو قول عمرو بن دينار.
واعلم أن إيجاب ذلك لا محمل له إلا التوقيف، وإلا فإجبار المالك على إزالة ملكه لا وجه له، ولا يقتضيه أصل الشرع وقياسه، لأن الكتابة بعيدة عن قياس الأصول، وتقتضي الأصول بطلانها، فيشبه أن يكون قوله:
(فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) ، رخصة في الكتابة رفعا للحرج المتوهم، مثل قوله تعالى:
(وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا) «٢» .
ومثل قوله: (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) «٣» .
وكل ذلك رفع للحرج.
وكذلك، إذا قلنا الأصل امتناع الكتابة، إلا أن الشرع أرخص فيها وجوزها بطريق الرخصة، فمطلق الأمر فيه لا يظهر منه الوجوب.
стр. 810
ولأن تعليقها بابتغاء العبد مما يدل على أنها غير واجبة، ولو وجبت لوجبت حقا للشرع، غير متعلقة بابتغاء العبد.
والذي يخالف في ذلك وينصر مذهب عطاء يقول: إنما احتمل الشرع مخالفة قياس القواعد ابتغاء تحصيل العتق الذي هو حق الله تعالى «١» ، والمقصود به تفريغ العبد بحريته لطاعة الله تعالى، بعد أن كان كثيرا من أوقاته لغير حق الله .
وإذا ثبت أن الأمر كذلك، فقد وضع الله تعالى ذريعة لتحصيل هذه المكرمة شرعا بلفظ الوجوب.
فمخالفة قياس الأصول كانت لتعظيم أمر الحرية، فمن أين مبعث الوجوب؟
نعم في قوله تعالى: (وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا) ، و (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا) . كل ذلك لغرض غير غرض الشهادة وغير مقصود الشرع، وهاهنا هذا فيه تحصيل الحرية، فاحتمل فيه ما احتمل من مخالفة قياس الأصول لهذا المعنى، حتى جعل له في الزكاة قسط، ولم يجعل ذلك إلا ليتوصل به إلى الحرية، وأوجب كثير من العلماء فيه التأجيل إرفاقا بالعبد، فكان هذا الإرفاق مقصود الشرع بلفظ الأمر الدال على الوجوب، فما الذي منع من وجوبه؟
يبقى أن يقال: ولو كان واجبا لما توقف على ابتغاء العبد.
قالوا: إذا لم يتمكن العبد، فإجباره على الإضرار بنفسه لا وجه له، وإن كان العبد قادرا على الاكتساب، فلا شك في أنه لا يقصر في حق نفسه في سعي الكتابة، فبنى الشرع على الغالب، ونظيره أن الشرع أوجب الطهارة
стр. 811
لدخولها في محاسن الأخلاق، وتحقيقا لمقصود النظافة والوضاءة وإحياء لمراسم العبادة، وعلم الشرع أن إيجابها عند تغيير الأكوان يجر حرجا، فوضع مراسم تفي بالمقصود.. كذلك هاهنا.
وهذا الذي ذكروه لا وجه له، فإن الترغيب فيه ليزيل عن القلوب ما فيها من منافاة قياس الأصول، ولو وجبت الكتابة لوجبت لمقصودها، وهو العتق، كالطهارة لما وجبت وجبت للصلاة، والعتق لا يجب بالإجماع.
ولا يتحتم بالاتفاق.
وقولهم إنها أوجبت ذريعة فضرب من الهذيان. فإن السيد قادر على استكساب العبد دون الكتابة، فليس يتجدد له بالكتابة حق «١» .
وفيه إزالة ملكه من غير أن يحصل على مقابل له، فهذا تمام ما يستدل به على نفس الوجوب.
ثم قال تعالى: (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ) ، الآية/ ٣٣.
قال الشافعي: ثم أمر من يكاتب بالإيتاء، ولا يتصور هذا الإيتاء إلا من جهة حط شيء، ولا يمكن حمله على الزكاة، فإن السيد لا يجب عليه أن يفرق الزكاة إلى عبده إجماعا.
ولا شك أن ظاهر اللفظ لا يقتضي الحط، لأنه ليس بإيتاء للمال، وإنما يدل عليه من حيث المعنى، لأن قوله: (مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ) .
لا بد أن يحمل على ملك تجدد بعد الكتابة، وصار مالا مستحقا للسيد، فمن هذا الوجه حسن إطلاق هذا اللفظ عليه.
стр. 812
وقال إسماعيل بن إسحاق في الرد على الشافعي: كيف تكون الكتابة ندبا والإيتاء واجبا؟ وإذا تبرع به لزمه أحكامه وتوابعه والقضايا المتعلقة به؟ ومعلوم أن النكاح غير واجب، وإذا نكح وجب فيه أحكام لها، وإذا طلق فلها المتعة واجبة على الزوج.
ومما ذكر أن إطلاق مال الله تعالى لا يقتضي إلا الزكاة، ومال الله تعالى في عرف الشرع لا يفهم منه إلا الزكاة، وما عداه لا يضاف إلى الله تعالى بحكم الإطلاق، وقد قسم الله تعالى الحقوق إلى ما يضاف إلى الله ، وإلى ما يضاف إلى الآدمي، وإن كان الكل حقا لله تعالى.
والجواب أن هذا لما وجب بحق الله تعالى، ولغرض الحرية، حسن أن يقال: مال الله تعالى، لأنه قصد به وجه الله وتحصيل ثوابه.
وربما قالوا: إن السيد لا يستحق على المكاتب مالا، حتى يصح أن يقال في الحط، إنه مال آتاه السيد، إنما كان مستحقا له، فأما ما ليس مستحقا له فلا يقال فيه توهم ما يملكه ويستحقه، فإذا لم يكن دين المكاتب مستحقا عليه، فمن أي وجه يوصف السيد بأنه آتاه مالا، وما آتاه شيئا ملكه، ولا شيئا استحقه.
ويجاب عنه بأنه يجوز أن يطلق ذلك، إذا كان المال ينساق إليه، فكأنه آتاه ماله من حيث إنه ينساق إليه وبالجملة، قوله: (وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ) ، مجاز في الحط من وجوه بينة وحقيقة في الزكاة، وقوله: (فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ) ، حقيقة أنه خطاب للسادة الذين يكاتبون، مع أنه يجوز أن يحمل على وجه آخر بطريق المجاز، فلم يسلم كل واحد من المحملين على مجاز، فإن كان كذلك، فلا يظهر مذهب الشافعي من حيث التعلق بالظاهر، ويتجه للشافعي أن يقول: إيتاء المكاتب
стр. 813
الصدقات فهم من قوله تعالى: (وَفِي الرِّقابِ) ، فهذا لا بد أن يكون له فائدة زائدة، تشهد له أن ما آتاه الواحد منا، يجب أن يكون على وجه إذا حصل عند المعطى يتصرف فيه، ولم يحصل للسيد عليه بدلا يستحق الصفة بأنه من مال الله الذي آتاه إياه، ولو كان الإيتاء واجبا، لكان وجوبه متعلقا بالعبد، ويكون العبد هو الموجب وهو المسقط وذلك مستحيل، لأنه إذا كان العبد يوجبه وهو بعينه يسقطه، استحال وجوبه، لتنافي الإيجاب والإسقاط «١» .
وبالجملة، ما صار مستحق الإسقاط فحكمه أن يسقط، ولا نعرف في مسائل الشرع مسألة أعوص على أصحاب الشافعي من مسألة الإيتاء، ولا معتمد لهم فيها إلا آثار الصحابة، وهي معتمدة قوية ذكرناها في كتاب المصنف في الروايات «٢» .
واعلم أن الكتابة من الأسماء الشرعية، فإنها على الوجه الذي ثبت في الشريعة لم تكن معلومة، فحل ذلك محل الصلاة والصيام.
ثم اختلفوا بعد ذلك، فمنهم من قال: يعقل من ظاهرها التأجيل: إذا لم يكن شرطا فيها لم تكن كتابة.
وقال بعضهم: بل لا يعقل ذلك من الظاهر، وهذا أظهر، فإن الشيء قد يكتب ولا تأجيل فيه، كما قد يكتب وهناك تأجيل، فالظاهر لا يدل على ذلك، وقول من يقول إنها تجوز حالة، وقول من يقول لا تجوز إلا مؤجلة أو منجمة موقوف على الدليل، لأن الظاهر لا يشهد بأحد هذه الوجوه.
стр. 814
واختلفوا في صورة الكتابة، فقال بعضهم: يكفي أن يكاتبه على دراهم معدودة فيعتق بالآداء في وقته.
وقال بعضهم: بل لا بد أن يقول: فإذا أديته إلي فأنت حر، ليجمع بين العقد وبين تعليق الحرية بالصفة، لأن عنده أن العقد بينه وبين السيد لا يصح، فتحريره له تعلق بصفة تصح، فلا بد من ضم ذلك إليه.
ولم يختلفوا في أن ذلك رخصة، لأنا لو خلينا العقل، لكان يبطل، لأنه أزال ملكه بملكه، إذ الذي تحصل في يده ملك للمولى، لكنه بعقد الكتابة جعل لما يحتوي عليه حكم مخصوص، لم يبلغ حد الملك، ولا وقف على الحد الذي كان وهو رقيق خالص.
وأحكام الكتابة مبينة في مسائل الفقه.
قوله تعالى: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) ، الآية/ ٣٣.
روي عن جابر في سبب نزول الآية، أن عبد الله بن أبي بن سلول كانت له جارية يكرهها على الزنا «١» .
والعبرة بمطلق اللفظ، فتدل الآية بمطلقها على تحريم الإكراه على الزنا، وعلى تحريم أخذ البدل، وهو المراد بنهيه ﷺ عن مهر البغي، وتدل على أن الإكراه يصح في الزنا فيما يحصنها، لأنه مفعول فيها، فعلى كل الأقاويل يجوز أن تكره عليه، ويدل على أنها إذا أكرهت فلا إثم عليها، فإن الله تعالى قال: (فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ، الآية/ ٣٣.
стр. 815
فإن قيل: فإذا لم يكن عليها إثم لمكان الإكراه، فما الذي يغفر؟
فجوابها أن يقول:
لما كان لولا الإكراه لكان عليها إثم في ذلك، زال الإثم لمكان الإكراه، وبين أن دخول الإكراه فيه هو الذي أزال عقابه، ولذلك ألحقه بباب ما يغفر، وهذا كما قال الله سبحانه في تناول الميتة بلا إثم للمضطر: (فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
(إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً) :
إنما ذكر تصوير الإكراه، لأن الإكراه لا يتصور إلا مع بذلها نفسها، فذكر إرادة التحصن تصوير الإكراه.
قوله تعالى: (وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ) ، الآية/ ٤٨.
فيه دليل على أن من ادعى على غيره حقا ودعاه إلى الحاكم، وجبت عليه إجابته والمسير معه إليه، وعلى الحاكم أن يعد به عليه.
قوله تعالى: (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ) ، الآية/ ٥٨.
قال المفسرون: هذا في الإماء، فأما في العبيد فلا، لأنه ذكر بلفظ مذكر، بناء على لفظ المماليك المتناول للرجال والنساء، ولو حملناه على العبد البالغ، استوى في وجوب الاستئذان هذه الأوقات وغيرها، من حيث يحرم عليه أن ينظر إلى عورة سيده وبدن سيدته، ولو حمل على ما دون البلوغ، حصلت فائدته في قوله: (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ) ، إلا أنه يقال بين اتفاق حال الفريقين في ذلك، ودل على صحة ذلك بقوله:
стр. 816
(وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، الآية/ ٥٩.
ذكر إسماعيل بن إسحاق أن ابن عباس كان يقول: «ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم» ، وذلك يوافق ما قلناه.
وروى أن نفرا سألوا ابن عباس عن هذه الآية فقال: إن الله غفور رحيم، رفيق بالمؤمنين، يحب السترة، وكان الناس لا سترة لبيوتهم، فربما دخل الخادم «١» أو اليتيمة، والرجل مع أهله في الخلوة، فأمرهم الله تعالى بالاستئذان في تلك العورات.
وإنما خص الله تعالى هذه الأوقات، لأنها في الغالب يخلو فيها المرء بأهله. ولذلك قال: (ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ) ، فنبه به على أنها أوقات تكشف العورة فيها وفي مثلها، لا يجوز لمن ليس ببالغ أن يدخل ويهجم.
فأما في سائر الأوقات، فالعادة أن يكون المرء مستترا عادلا عن التكشف، فجائز للخدم والصغار أن يدخلوا بلا إذن، لأنه كالمحتاج إليهم من حيث لا يستغني عنهم في خدمة الدار، ولذلك وصفهم الله تعالى بأنهم:
(طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ) ، كما قال ﵇ في الهرة: «إنها من الطوافين عليكم» لما صعب التحرز منها «٢» .
ولو جرت عادة قوم بالتكشف في غيرها من الأوقات، فذلك الوقت كهذه الأوقات في منع من لم يبلغ الحلم من الدخول بلا إذن، ولو جرت عادة قوم في الأوقات الثلاثة بالتستر، فالأوقات الثلاثة كغيرها.
стр. 817
قوله تعالى: (وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً) الآية/ ٦٠.
وعنى به الكبيرة السن، وجوز لها أن تضع الرداء أو اللحاف أو الخمار، قال ابن عباس:
المراد به الجلباب من فوق الخمار «١» ، ومعلوم أنه غير مجوز لها أن تكشف من بدنها عورة، لأنه إن كان حالة الخلوة بنفسها، فالعجوز والشابة سواء، وإن كان بين الناس، فالواجب حمله على الجلباب وما فوق الخمار لا نفس الخمار، لأن من شأن الجلباب أن يبلغ مع الستر النهاية، ومع الخمار قد ينكشف من رؤوسهن وأعناقهن بعض التكشف، فأبان الله تعالى أن هذا التحرز ليس وجوبه عليهن كوجوبه على الشابات، لأنه ليس في النظر إليهن من خوف الافتتان كما في النظر إلى الشابة، فلذلك قال في آخره: (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) .
قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ) ، الآية/ ٦١.
روى إسماعيل بن إسحاق عن سعيد بن المسيب، أن هذه الآية نزلت في ناس كانوا إذا خرجوا مع رسول الله ﷺ وضعوا مفاتيحهم مع الأعمى والأعرج وعند الأقارب، وكانوا يأمرونهم بأن يأكلوا من بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك، وكانوا يتقون الأكل خشية أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة، فأنزل الله تعالى هذه الآية «٢» .
стр. 818
وروى أيضا، أنهم كانوا إذا اجتمعوا للأكل، عزلوا الأعمى والأعرج والمريض كراهة أن يصيبوا من الطعام ما يصيبون، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وذكر الحسن أن المراد به رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في باب الجهاد، وأن قوله: (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) ، الآية/ ٦١. كلام مستأنف، فقد كان أحدهم لا يحلب ناقة إلا أن يجد من يشرب من لبنها، ولا يأكل في بيت أحد تكرما، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهو الذي اختاره الأكثرون، ويحمل قوله:
(وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) على أن ذلك كان رخصة في الأول، وأباح تعالى الأكل من مال من ذكره، وأباح أن يأكلوا من البيوت التي مفاتيحها في أيديهم، وبيوت أصدقائهم دون إذن، حضروا أم غابوا، ثم نسخ ذلك بما ظهر في الشرع، من أنه لا يحل مال أحد إلا بطيب نفس منه، ودل على ذلك بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) «١» ، وقد كان في أزواج النبي ﵊ من كان لهن الآباء والإخوان، فلما عم بالنهي علم به النسخ.
فإن قيل: فما الذي يليق بالظاهر؟ فجوابنا أنه يبعد أن يكون المراد به: ليس على الأعمى حرج، إلا ما يتصل بالأداء، لأنه رفع الحرج والجناح عنه، ثم إنه ذكر بعد ذلك أمرا مخصوصا، فوجب حمله على ذلك الأمر، فأما قوله تعالى: (وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ) ،
стр. 819
فلعل الأولى من الأقوال، أنه ورد فيمن كان يأذن ويشح من هذه الطائفة، وكان القوم يتوقون لبعض هذه الوجوه التي رويناها، فبين الله تعالى أن إباحة ذلك إن كان واردا مع طيبة النفس، لا وجه للنسخ فيه.
فإذا قيل: فإن كان كذلك، فلم إذا خصصهم بالذكر، وعند الإذن وطيب النفس الكل سواء؟
فالجواب أنهم خصوا بالذكر، لأنهم كانوا يتقدمون عند السفر والغزوات إلى أقربائهم، وإلى من خلفوهم من الزمنى والعرجي والعميان، أن يأكلوا من منازلهم، فنزلت الآية على هذا السبب. فلذلك خصوا بالذكر.. فأما حمله على أن ذلك يحل بلا إذن فبعيد.
ودل بقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً) على أمور:
منها أنه يحل للجماعة أن يجتمعوا على طعامها، وإن كان أكلها من ذلك الطعام يتفاضل، وقد كان يجوز أن يظن أن ذلك محرم، من حيث إنهم لا يستوون في قدر ما ظهر من الطعام، ثم يتفاضلون في الأكل، فأباح الله تعالى ذلك.
ومنها: أن مؤاكلة من يقصر أكله عن أكل الباقين، لأن الأعمى إذا لم يبصر، فلا يمكنه أن يأكل أكل البصير، فأباح الله تعالى ذلك، وأباح انفراد المرء عن الجماعة في الأكل، ويجوز أن يظن ذلك مستقبحا في الشرع كما يستقبحه أهل المروءة.
قوله تعالى: (فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) ، الآية/ ٦١.
стр. 820
حمله الحسن على سلام البعض على البعض، لما فيه من البركة والدعاء الصالح وتآلف القلوب.
وذكر إسماعيل بن إسحاق عن جماعة، أن المراد به أن يسلم المرء على نفسه إذا لم يكن هناك غيره يسلم عليهم، ومن السنة أن يقول:
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وهذا أليق بالظاهر.
ولا خلاف في أنه لو كان في الدار غيره، صرف السلام إليه، وليس في الظاهر تخصيص، وذلك يقوي قول الحسن.
وفيه وجه آخر: وهو أن السلام بالشرع صار كالمخاطبة.
وقال الفقهاء في تسليم الرجل في الصلاة: أنه يجب أن ينوي من خلفه إن كان إماما أو ينوي الملائكة أو الحفظة، ومعلوم أن المرء قبل دخول البيت هو مندوب إلى أن يسلم على نفسه فيقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لأنه كالدعاء، مما يجرى فيه الخطاب.
قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ- إلى قوله- وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) ، الآية/ ٦٢.
يدل على أن من الايمان أن يستأذنوا الرسول في الانصراف عنه في كل أمر يجتمعون معه فيه، وقد روى مجاهد، أن المراد به الجمعة والغزو.
وقال الحسن: الجمعة والأعياد وكل ما فيه خطبة.
ثم خير الله تعالى رسوله في اختيار من يغزو معه، وبين أن الذي ينعته رسول الله ﷺ ليس له أن يتخلف ويحيل على غيره.
والذي يشهد به الظاهر، أن كل أمر جامع للرسول ﵇ فيه غرض، فليس لهم أن ينصرفوا عنه ما دام الغرض قائما، ويدخل فيه
стр. 821
الغزو والجماعات، ولكن هذا الأمر هو أخص بالغزو، فإنهم قد كانوا يتفرقون عنه من غير إذنه، فيؤثر ذلك في الغرض المطلوب، فمنع الله تعالى من ذلك، وبين أن الأمر في انصرافه موقوف على إذنه بقوله:
(لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ) ، على أنه لا يجوز لهم أن يستأذنوا، إلا إذا عرضت لهم حاجة تقتضي ذلك، لأنه إذا لم يكن لهم حاجة، فملازمة الرسول أولى.
وفيه دلالة على ما يلزم من أدب الدين، وأدب النفس، فمن هذا الوجه قال الحسن:
لا فرق بين الرسول والإمام فيما يلزمهم من ذلك، ولا يمنع من حيث تضمن هذا الظاهر أدب النفس أن يكون الأولى بالمراد:
إذا اجتمع جمع لخير أن لا يتفرق عنهم إلا بإذن، لما في تفرقته من اختلال ذلك الأمر المطلوب، والاجتماع عليه أقرب إلى التعاون على التقوى..
وقوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ) ، يدل على أن الرسول ﵊ لا يحل له أن يستغفر إلا لمن تكامل إيمانه، لأنه شرط فيه تقدم فيما ذكرناه.
ويحتمل أن يراد به أن من أذن له في مفارقة الجهاد لبعض شأنه، يكون في الظاهر مقصرا أو متأخرا في الفضل عن غيره، فأمر الله تعالى نبيه أن يستغفر لهم، ليكون استغفاره جبرا لهذا النقص، فلا ينكسر عند ذلك قلب هذا المتأخر عن الجمع.
قوله تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) ، الآية/ ٦٣.
فالمروي عن ابن عباس أنهم كانوا يقولون:
стр. 822
يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك وقال:
قولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهو المروي عن عكرمة والضحاك، وحمله مجاهد على خفض الصوت والتواضع، وهو معنى قوله تعالى:
(إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) «١» ...
قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) ، الآية/ ٦٣:
أراد به ذكر ما تقدم من تسللهم، وذلك يدل على وجوب امتثال مطلق أمر رسول الله ﷺ على ما بيناه في أصول الفقه «٢» .
стр. 823
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة الفرقان
قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً) ، الآية/ ٤٨.
قال قائلون: وصف الماء بأنه طهور، يفيد أنه يصلح للتطهير، وأنه يقع به هذا الحكم، كقولهم فطور وسحور إذا صلح لذلك.
وقال آخرون: إنه يفيد المبالغة في التطهير، والمعنى بيّن.
ولا اختلاف أن للماء هذا الحكم، إذا كان على خلقته وهو ينزل من السماء، فما دام على نعت المنزل من السماء وفي قرار الأرض، فهو طهور ومطلق.
وإذا خالفه غيره، انقسم المخالط أقساما: فمنه ما يكون نجسا، ومنه ما يكون طاهرا.
وإذا كان المخالط نجسا، فمالك لا يحكم بنجاسة الماء، ويبقيه على حكم وصفه الأصلي.
وأبو حنيفة يقول: ما دام يتوهم خلوص النجاسة إلى الماء الذي يغترف منه، فلا يجوز التوضؤ به.
стр. 824
والشافعي يقول: يعول على القلتين، وبعد ذلك لا يؤخذ من الظاهر، وإنما يؤخذ من المعنى.. وبعضه مأخوذ من الظاهر «١» .
والماء المستعمل مختلف فيه بين العلماء، فالظاهر يقتضي جواز التوضؤ به، والقليل من النجاسة لا يمنع من إطلاق اسم الماء عليه لغة، ولكن امتناع التوضؤ به لدليل آخر.
ومتى قيل: فالماء إذا جعل طهورا، فهو يطهر ماذا؟
قيل: إنه يطهر على وجهين:
أحدهما: طهارة الأحداث «٢» .
والثانية: الجنب «٣» .
فأما طهارة الحدث، فصريان غسل ووضوء، ولكل واحد منهما سبب، فسبب الغسل الجنابة والحيض والنفاس، ويتبع الجنابة التقاء الختانين وإن لم ينزل.
وأسباب الوضوء مستقصاة في كتب الفقه مع ما فيها من إختلاف العلماء.
واختلف الناس في الماء، هل خص بالتطهير في الأنجاس كلها؟
فمنهم من قال ذلك.
ومنهم من قال غير قوله.. وشرح ذلك في كتب الفقه.
والذي يجوز إزالة النجاسة بغير الماء، ليس يجوزه بطريق القياس على الماء فقط، فإن من الممكن أن يقال إن التعبد بإزالة النجاسة، فإن لم تكن
стр. 825
نجاسة زال محل التعبد، ولأجل ذلك صار داود مع نفي القياس إلى إزالة النجاسة بغير الماء، لا قياسا لغير على الماء، لكن لزوال محل التعبد، فهذا تمام هذا الفن.
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً) ، الآية/ ٥٤.
يدل على أن الله سبحانه جعل الماء سبب الاجتماع والتآلف والرضاع والخقونة «١» .
وفيه إشارة إلى المحرمات بالسبب والنسب، وأن كل ذلك تولد من الماء.
وفيه دليل على أن حرمة المصاهرة تثبت بطريق الكرامة لا بطريق النقمة والعقوبة، ولذلك قال الشافعي: لا يتعلق بالزنا وتحريم المصاهرة.
стр. 826
(بسم الله الرّحمن الرّحيم) «١»
سورة الشعراء
قوله تعالى: (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) ، الآية/ ٨٤.
فنبه على استحباب اكتساب ما يورث الذكر الجميل «٢» .
قوله في حق الشعراء:
(وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) ، الآية/ ٢٢٤.
فيه دليل على كراهة اللهج بالشعر في مدح أو قدح، من غير أن يحقق معناه لاكتساب مال.
стр. 827
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة القصص
قوله تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ) ، الآية/ ٢٧.
فيه دليل على جواز جعل منافع الحر صداقا شرعا.
قوله تعالى:
(وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ- إلى قوله- سَلامٌ عَلَيْكُمْ) ، الآية/ ٥٥.
هو سلام متاركة، وليس بتحية، ومثله قوله:
(وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) «١» .
وقوله تعالى: (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) «٢» .
قال إبراهيم: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) «٣» .
стр. 828
ومن الناس من اقتبس منه جواز مفاتحة الكفار بالسلام، وليس كذلك، لما وصفنا من أن السلام يتصرف إلى معنيين.
والمراد به هاهنا، معنى المتاركة.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال في الكفار:
«لا تبدؤوهم بالسلام، فإن بدءوكم فابدؤوهم، وأنه إذا سلّم عليكم أهل كتاب فقولوا: وعليكم» .
стр. 829
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة العنكبوت
قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً) ، الآية/ ٨.
قد ذكرنا من قبل ما يتعلق ببر الوالدين.
قوله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) :
الآية/ ٤٥.
روى ابن عباس وابن مسعود: تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
وقال ابن مسعود: الصلاة لا تنفع إلا من أطاعها.
وإنما قيل: تنهى عن الفحشاء والمنكر، لاشتمالها على أفعال وأذكار لا يتخللها شيء من أمور الدنيا، ولا فرض هو بهذه المنزلة، فهي تنهى عن المنكر وتدعو إلى المعروف، بمعنى أن ذلك مقتضاها.
قوله تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) ، الآية/ ٤٥.
قال مجاهد: لذكر الله لكم برحمته أكبر من ذكركم له بطاعته.
قوله تعالى: (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) الآية/ ٤٦.
стр. 830
قال قتادة: نسخها قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) «١» ، وقوله: (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ) «٢» :
قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، الآية/ ٤٦:
يعني إلا الذين ظلموكم في جدالهم أو غيره مما يقتضي الإغلاظ لهم، وهو نحو قوله تعالى: (وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) «٣» .
وقال مجاهد: إلا الذين ظلموا منهم: مانعي الجزية.
وقيل إلا الذين ظلموا منهم: بالثبات على كفرهم بعد إقامة الحجة.
стр. 831
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة الروم
قوله تعالى: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ) :
الآية/ ٣٩.
في معناه: أن تهب الشيء تريد أن تثاب عليه بما هو أفضل منه، فذلك الذي لا يربو عند الله تعالى، ولا يؤجر صاحبه عليه ولا إثم فيه «١» .
(وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ) ، وهو الرجل يعطي ليثاب عليه.
وعن عكرمة، قوله تعالى: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ) .
الربا ربوان: ربا حلال وربا حرام، فأما الربا الحلال: فهو أن تهدي هدية تلتمس بها ما هو خير منها.
وروى زكريا عن الشعبي في قوله تعالى:
стр. 832
(وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ) ، قال: كان الرجل يسافر مع الرجل، فيجعل له من ربح ماله ليتجر له بذلك «١» .
وعن الضحاك في هذه الآية: أن الربا الحلال كالرجل، يهدي ليثاب بأفضل منه، فذلك لا له ولا عليه، ليس فيه أجر ولا عليه فيه إثم.
وروى منصور عن إبراهيم في قوله: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) «٢» ، قال: لا تعطى لتزداد «٣» .
стр. 833
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة لقمان
قوله تعالى: (وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) ، الآية/ ١٤.
وفي آية أخرى: (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) «١» .
فنحصل من مجموع الآيتين أن الحمل أقله ستة أشهر.
فاستدل به ابن عباس على مدة الحمل، واتفق أهل العلم عليه.
قوله تعالى: (يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ) ، الآية/ ١٧، من الناس في الأمر بالمعروف، فظاهره يقتضي وجوب الصبر.
قوله تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) ، الآية/ ١٨، نهي عن التكبر.
قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) ، الآية/ ١٤.
بيناه في مواضع.
قوله تعالى: (وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ) ، الآية/ ١٥. مثل
стр. 834
قوله: (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) «١» . إلا أن دلالة هذا على الإجماع أبعد لأن وصية لقمان لابنه لا تقتضي الاحتجاج بالإجماع.
قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) ، الآية/ ٦.
قال ابن عباس: هو الغناء، والله الذي لا إله إلا هو يرددها ثلاث، ومثله عن مجاهد وزاد فيه: هو الغناء والاستماع إليه.
وقال الحسن: هم الكفر والشرك، وأنهم يضلون عن سبيل الله بغير علم.
وتأوله قوم على الأحاديث التي يتلهى بها أهل الباطل واللعب، وذلك أن المعنيّ بذلك، النضر بن الحارث، الذي قتله رسول الله ﷺ ، فإنه قد كان يشتري كتبا فيها أحاديث الفرس، فكان يتلهى بها في مجالسهم ويجعلها كالمعارضة للقرآن.
وهذه الأقوال أليق بالظاهر، لأن الغناء لا يطلق عليه الوصف بأنه حديث ولا إضلال، وإنما يطلق ذلك على الأحاديث الكاذبة الجارية مجرى القدح في القرآن، على ما روي فيما كان يتعاطاه النضر بن الحارث، فمن هذا الوجه يدل على أن الاقدام على كل قوم بغير علم لا يحسن، لأن الله تعالى قبح ذلك من حيث إنه كان إقداما بغير علم «٢» .
стр. 835
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة الأحزاب
قوله تعالى: (اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ) ، الآية/ ٤:
أبان الله تعالى أنها لا تصير أمه بمجرد قوله، وألزمه تحريما غايته الكفارة.
قوله تعالى: (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) ، الآية/ ٤.
قيل: نزلت في زيد بن حارثة، وكان النبي ﵊ قد تبناه، فكان يقال له: زيد بن محمد، وهذا يدل على نسخ السنة بالقرآن، لأن الحكم الأول ثابت بغير القرآن ونسخه بالقرآن.
قوله تعالى: (ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ) ، الآية/ ٤.
يعني أنه لا حكم له، وإنما هو قول لا معنى له ولا حقيقة.
وقوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ) ، الآية/ ٥.
فيه إباحة اطلاق الأخوة، وحظر اطلاق اسم الأبوة من غير جهة النسب.
стр. 836
قوله تعالى: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ) ، الآية/ ٥:
قال قتادة: معناه أنك لو دعيت رجلا لغير أبيه، وأنت ترى أنه أبوه، ليس عليك بأس.
وسمع عمر رجلا يقول:
اللهم اغفر لي خطاياي، فقال استغفر الله في العمد، فأما في الخطأ فقد تجوز عنك.
وكان يقول: ما أخاف عليكم الخطأ، وإنما أخاف عليكم العمد.
قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) ، الآية/ ٦.
معناه ما قاله ﵊: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، وأيما رجل مات وترك دينا فإلي، وإن ترك مالا فهو لورثته» .
وقيل في معنى: (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ) ، أنه أحق أن يختار ما دعاه النبي ﵊ إليه من غيره، وما تدعوه أنفسهم «١» إليه، وهو أحق بأن يحكم على الإنسان في نفسه، لوجوب طاعته المقرونة بطاعة الله .
وقوله تعالى: (وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) ، الآية/ ٥:
يحتمل أن يكون بمعنى الإجلال والتعظيم، والثاني: في تحريمه نكاحهن.
وليس لأنهن كالأمهات في القضايا كلها، ولا يجعلن أخوات للنساء، ولا إرث لهن منا ولا محرمية.
وقوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً) ، الآية/ ٦.
стр. 837
أنزلت في جواز وصية المسلم لليهودي والنصراني.
وعن الحسن قال: أن تصلوا أرحامكم.
قوله تعالى: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ، الآية/ ٢١.
يحتج به بعض الناس في وجوب التأسي بأفعال رسول الله ﷺ .
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها) ، الآية/ ٢٨.
ظاهر الآية التخيير بين الدنيا والآخرة والله ورسوله، وليس فيه ذكر الطلاق.
وقد قال قوم: إنه كناية عن التخيير للطلاق على شرائطه، ولذلك قالت عائشة لما سئلت عن الرجل يخير امرأته قالت: خيرنا رسول الله وكان طلاقا.
وفي بعض الأخبار: ما خيرناه فلم يعد طلاقا.
ولم يثبت عن رسول الله ﷺ إلا التخيير المأمور به، وقد قال ﷺ لعائشة ﵂: أنا ذاكر لك أمرا فلا عليك أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، فقالت: إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة.
ومعلوم أنه لم يرد الاستئمار في اختيار الدنيا على الآخرة، فثبت أن الاستئمار إنما وقع في الفرقة وفي النكاح.
واعلم أن اختيارهن للدنيا وزينتها وإرادتهن الطلاق، لا يجوز أن يكون صريحا في الطلاق، ولا كناية، وإنما ذلك إرادة المفارقة، فكان القياس أن الزوج يطلقها إن شاء، غير أن الطلاق لا بد أن يكون مستحقا واجبا،
стр. 838
إذ لو لم يكن مستحقا واجبا ما كان للتخير معنى، فإذا تبين أن ذلك طريق خلاصهن، فوجوب الفراق لا محالة يقتضي بتخييره، فإن النكاح صار مستحق الرفع وهذا بين «١» .
قوله تعالى: (يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) ، الآية/ ٣٠.
فيه وجهان، أحدهما: أن تضعيف عذابهن لتضاعف نعم الله تعالى عليهن، ولذلك قال:
(وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) ، الآية/ ٣٤.
وهذا لا نقطع به، فإن مصاحبة الرسول ﵊، يجوز أن تكون سببا في تخفيف العقوبة عنهن والتجاوز عن سيئاتهن، فالحق هو الوجه الثاني، وهو عظم الضرر في جرأتهن بإيذاء رسول الله ﷺ ، فكانت العقوبة على قدر عظم الجريمة في إيذاء رسول الله ﷺ ، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) «٢» .
قوله تعالى: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ) ، الآية/ ٣٢.
يريد تليينا للقول يطمع أهل الريب.
وفيه دليل على أن الأحسن بالمرأة أن لا ترفع صوتها بحيث يسمعها الرجال.
وقوله تعالى: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) ، الآية/ ٣٣.
стр. 839
قيل لسودة بن زمعة: لم لا تخرجين كما تخرج أخواتك؟ فقالت:
والله لقد حججت واعتمرت، ثم أمرني الله تعالى أن أقر في بيتي، فو الله ما أخرج من بيتي، فما خرجت حتى أخرجوا جنازتها.
قوله تعالى: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى) ، الآية/ ٣٣.
أي المشي على تكسر وتغنج وإظهار المحاسن للرجال.
قوله تعالى: (وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، الآية/ ٣٦.
وذلك يدل على أن أوامر الله تعالى ورسوله على الوجوب.
وقال الله تعالى بعد ذلك: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) ، وذلك يؤكد ما تقدم.
قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ) ، الآية/ ٣٧.
دلت الآية على أحكام عدة منها:
الإبانة عن علة الحكم في إباحة ذلك للنبي ﵊، وأن ذلك قد اقتضى إباحته للمؤمنين، فدل ذلك على إثبات القياس في الأحكام، واعتبار المعاني في إيجابها.
والثاني: أن النبوة من جهة النبي ﵊ لا تمنع جواز النكاح.
والثالث: أن الأمة مساوية للنبي ﵊ في الحكم، إلا ما خصه الله تعالى، أخبر أنه أجاز ذلك للنبي ليكون المؤمنون مساوين له فيه:
стр. 840
قوله تعالى: (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) ، الآية/ ٤٢:
يعني صلاة الصبح والعصر.
وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) ، الآية/ ٤٩:
يدل على أن لا طلاق قبل النكاح، فإنه رتب عليه بكلمة ثم.
وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) ، الآية/ ٥٠.
فيه دليل على إباحة الأزواج لرسول الله ﷺ مطلقا، وتخصيص رسول الله ﷺ بلا مهر أو بلفظ الهبة، إلا أن التعري عن المهر أظهر من لفظ الهبة، لأنه فسوق على قوله: (آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) ، وذلك المهر، ثم قال: (اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ) .
وقوله تعالى: (تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ) ، الآية/ ٥١.
قال أبو رزين: في هذه الآية المرجئات: ميمونة، وصفية وسودة، وجويرية، وأم حبيبة.
وكانت عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب سواء في القسم.
وكان ﷺ يسوي بينهن.
وقد قيل: ما أرجأ رسول الله ﷺ واحدة منهن، ولكن وهب نسوة منهن لرسول الله ﷺ حصصهن، فظاهر الآية يقتضي تخيير النبي ﵊ في إرجاء من شاء منهن وإيواء من شاء منهن، وليس يمتنع أن يختار إيواء الجميع إلا سودة، فإنها رضيت بأن تجعل يومها لعائشة.
стр. 841
وقوله تعالى: (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ) ، الآية/ ٥١.
يعني إيواء من أرجأ منهن.
وفيه دليل على أن القسم لم يكن واجبا على النبي ﵊، وأنه كان مخيرا في القسم لمن شاء منهن وترك من شاء.
قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) ، الآية/ ٥٢.
قال مجاهد، من بعد ما سمى له من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة.
وقال ناس: له أن يشتري اليهودية والنصرانية، فهو معنى قوله (إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ) .
ولا شك أن ظاهر الآية يقتضي تحريم سائر النساء على رسول الله ﷺ ، سوى من كن عنده حتى حل له النساء، وهذا يوجب نسخ الآية، وليس في القرآن ما يوجب نسخها فهي منسوخة بالسنة..
ويحتج به على جواز نسخ القرآن بالسنة.
قوله تعالى: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ) ، الآية/ ٥٣:
كان ذلك بعد نزول الحجاب، ودل عليه قوله تعالى: (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) .
قوله تعالى: (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ) ، الآية/ ٥٥:
فيه بيان زوال حكم الحجاب في حق ذوي الأرحام، وعنى بما ملكت أيمانهن الإماء.
стр. 842
قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) ، الآية/ ٥٩:
الجلباب: الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن، ولم يوجب على الإماء ذلك.
وقوله تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) ، الآية/ ٦٠. فيه دليل على تحريم الإيذاء بالإرجاف.
стр. 843
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة سبأ
قوله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً) ، الآية/ ١٣.
قال ﵊: «ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي أهل داود، قيل: وما هن يا رسول الله قال:
العدل في الغضب والرضا، والقصد في الغنا والفقر، وخشية الله في السر والعلانية» «١» .
قوله تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ) ، الآية/ ١٣.
يدل على جواز اتخاذ الصور في ذلك، وأنه نسخ في ديننا.
стр. 844
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة فاطر
قوله تعالى: (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) ، الآية/ ١٢.
فيه دليل على أن من حلف لا يلبس الحلي، حنث بلبس اللؤلؤ.
وقوله تعالى: (وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ) ، الآية/ ٣٧.
يجوز أن يكون هو النبي ﷺ ، ويجوز أن يكون الدلائل على التوحيد، وصفات الله تعالى وصدق الرسل.
стр. 845
(بسم الله الرّحمن الرّحيم)
سورة يس
قوله تعالى: (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، الآية/ ٧٨، ٧٩.
فيه دليل على استعمال القياس والاعتبار والتعلق بطريق الأولى، فإن الابتداء أصعب من الإعادة، والإعادة أيسر من الابتداء، والقادر على الأعظم قادر على الأهون الأدون لا محالة.
فاستدل قوم من أصحاب الشافعي بذلك على أن العظام فيها حياة، وقد بينا ضعف ذلك في الفقه، وبينا أن الحياة تطلق بمعنى حياة النمو وذلك حقيقة في العظم والشعر، والأخرى الحس ولا يتحقق ذلك في العظام.