← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقوله تعالى: (وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ) ، الآية/ ٥١. يعني إيواء من أرجأ منهن. وفيه دليل على أن القسم لم يكن واجبا على النبي ﵊، وأنه كان مخيرا في القسم لمن شاء منهن وترك من شاء. قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) ، الآية/ ٥٢. قال مجاهد، من بعد ما سمى له من مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة. وقال ناس: له أن يشتري اليهودية والنصرانية، فهو معنى قوله (إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ) . ولا شك أن ظاهر الآية يقتضي تحريم سائر النساء على رسول الله ﷺ ، سوى من كن عنده حتى حل له النساء، وهذا يوجب نسخ الآية، وليس في القرآن ما يوجب نسخها فهي منسوخة بالسنة.. ويحتج به على جواز نسخ القرآن بالسنة. قوله تعالى: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ) ، الآية/ ٥٣: كان ذلك بعد نزول الحجاب، ودل عليه قوله تعالى: (وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ) . قوله تعالى: (لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ) ، الآية/ ٥٥: فيه بيان زوال حكم الحجاب في حق ذوي الأرحام، وعنى بما ملكت أيمانهن الإماء.

стр. 842

قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) ، الآية/ ٥٩: الجلباب: الرداء، فأمرهن بتغطية وجوههن ورؤوسهن، ولم يوجب على الإماء ذلك. وقوله تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) ، الآية/ ٦٠. فيه دليل على تحريم الإيذاء بالإرجاف.

стр. 843

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة سبأ قوله تعالى: (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً) ، الآية/ ١٣. قال ﵊: «ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي أهل داود، قيل: وما هن يا رسول الله قال: العدل في الغضب والرضا، والقصد في الغنا والفقر، وخشية الله في السر والعلانية» «١» . قوله تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ) ، الآية/ ١٣. يدل على جواز اتخاذ الصور في ذلك، وأنه نسخ في ديننا.

стр. 844

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة فاطر قوله تعالى: (وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها) ، الآية/ ١٢. فيه دليل على أن من حلف لا يلبس الحلي، حنث بلبس اللؤلؤ. وقوله تعالى: (وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ) ، الآية/ ٣٧. يجوز أن يكون هو النبي ﷺ ، ويجوز أن يكون الدلائل على التوحيد، وصفات الله تعالى وصدق الرسل.

стр. 845

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة يس قوله تعالى: (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ) ، الآية/ ٧٨، ٧٩. فيه دليل على استعمال القياس والاعتبار والتعلق بطريق الأولى، فإن الابتداء أصعب من الإعادة، والإعادة أيسر من الابتداء، والقادر على الأعظم قادر على الأهون الأدون لا محالة. فاستدل قوم من أصحاب الشافعي بذلك على أن العظام فيها حياة، وقد بينا ضعف ذلك في الفقه، وبينا أن الحياة تطلق بمعنى حياة النمو وذلك حقيقة في العظم والشعر، والأخرى الحس ولا يتحقق ذلك في العظام.

стр. 846

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الصافات قوله تعالى: (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) ، الآية/ ١٠٢، ظاهره أنه كان مأمورا بذبح الولد، ويجوز أن لا يكون في المأمور به سوى التل للجبين، ولكن ظن إبراهيم ﵇ أنه يتعقبه الأمر بالذبح فقال: (إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) . أي ما يدل على أني أذبحك. ويحتمل أن يكون قد أمر بذبحه حقيقة «١» ، ولكنه لو قدر ذلك، فلا يصح نسخه عند من لا يجوز النسخ، قبل إمكان الأمر، لأن الذبح متى كان حسنا في وقت، فلا يجوز أن يصير في ذلك الوقت قبيحا عندهم، فيصعب عليهم الخروج عند ذلك. ويحتمل أن يكون قد ذبح ولكنه كان يلتئم ويبرأ، وهذا أبعد الاحتمالات، لأنه لو كان جرى ذلك، لكان قد نبه الله تعالى عليه تعظيما لرتبة إبراهيم وإسماعيل صلوات الله عليهما، وكان أولى بالشأن من هذا، ولو حصل الفراغ من امتثال الأمر الأول ما تحقق الفداء.

стр. 847

إذا ثبت ذلك، فقد احتج قوم من أصحاب أبي حنيفة بهذه الآية في مصيرهم، إلى من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة عندهم، وقالوا: إن الله تعالى جعل الأمر بذبح الولد، في حالة حرم ذبح الولد سببا لوجوب ذبح شاة، فيجوز أن يكون إيجاب الواحد منا ذبح ولده على نفسه سببا لذبح شاة، ويجعل اللفظ عبارة عن ذبح شاة «١» . وهذا إغفال منهم، فإنه إن ثبت أن إبراهيم كان مأمورا بذبح الولد، فقد ارتفع الأمر إلى بدل جعل فداء، فكان الأمر متقررا في الأصل، ثم أزيل ونسخ إلى بدل، وفيما نحن فيه لا أمر بذبح الولد، بل هو معصية قطعا، فلم يكن للأمر تعلق بذبح الولد بحال، فإذا لم يتعلق به بحال، فلا يجوز أن يجعل له فداء وخلفا، وقد استقصينا هذا في كتب الفقه وهو مقطوع به. قوله تعالى: (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) ، الآية/ ١٤١. يحتج به من يرى للقرعة أثرا في تعيين المستحق بعد تردد الحق في أعيان لا سبيل إلى نفيه عنها، ولا إثباته في جميعها، فتدعو الحاجة إلى القرعة، وهذا بين. نعم في مثل واقعة يونس لا تجرى القرعة، لأن إلقاء مسلم في البحر لا يجوز، وفي ذلك الزمان جاز، فرجع الإختلاف إلى نفس الحق. وأما قولنا الحق تردد في محال وأعيان فلا يجوز إخراجه منها، فذلك شيء ثابت، وهو موضع احتجاجنا.

стр. 848

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة ص قوله تعالى: (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ) ، الآية/ ١٨. عن ابن عباس أنه قال: لم يزل في نفسي من صلاة الضحى شيء حتى قرأت: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ) . وعلى صلاة الضحى تأول ابن عباس قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) «١» . قوله تعالى: (وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ) ، الآية/ ٢١. ذكر المحققون الذين يرون تنزيه الأنبياء ﵈ عن الكبائر، أن داود ﵇ كان قد أقدم على خطبة امرأة كان قد خطبها غيره، ويقال: هي أوريا، فمال القوم إلى تزويجها من داود راغبين فيه «٢» ،

стр. 849

وزاهدين في الخاطب الأول، ولم يكن لذلك عارفا، وقد كان يمكنه أن يعرف فيعدل عن هذه الرغبة وعن الخطبة لها، فلم يفعل ذلك من حيث أعجب بها. إما وصفا أو مشاهدة على غير تعمد، وقد كان لداود من النساء العدد الكثير، وذلك الخاطب لا امرأة له، فنبهه الله تعالى على ما فعل، بما كان من تسور الملكين، وما أورداه من التمثيل على وجه التعريض، لكي يفهم من ذلك موضع العتب، فيعدل عن هذه الطريقة، ويستغفر ربه من هذه الصغيرة. ومتى قيل: فكيف يجوز أن يقول الملكان خصمان بغى بعضنا على بعض، وهو كذب، والملائكة لا تكذب وهي منزهة عن ذلك؟ فالجواب عنه: أنه لا بد في الكلام من مقدمة، فكأنهما قالا: قدرنا كأنا خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحق، وعلى هذا يحمل قولهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، لأن ذلك وإن كان بصورة الخبر، فالمراد به إيراده على سبيل التقدير لينبه داود على ما فعل. والقول في هذا مستقصى في تبرئة الأنبياء صلوات الله عليهم «١» . قوله تعالى: (وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ) ، الآية/ ٢٤: لا يرى فيه الشافعي سجدة لها، لأنه لا يرى التعلق بشريعة من قبلنا، ولأنها توبة، فليس فيه دلالة على الأمر بالسجود لنا، وإنما يعلم السجود عند ذلك توقيفا. قوله تعالى: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى) ، الآية/ ٢٦.

стр. 850

فيه بيان وجوب الحكم بالحق، وأن لا يميل إلى أحد الخصمين، لقرابة أو لجاهه، أو سبب يقتضى الميل. وقوله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ) ، الآية/ ٤٤. فروى عن ابن عباس أن امرأة أيوب قال لها إبليس: إذا داويته وشفيته تقولين لي: أنت داويته، فأخبرت بذلك أيوب، فغضب وقال: ذلك الشيطان، وحلف أنه إن شفاني الله تعالى لأضربنك مائة سوط، فأخذ شماريخ فيها قدر مائة، فضربها ضربة واحدة «١» . وذلك خلاف قياس الأصول، والضغث هو ملء الكف من الخشب والعود والشماريخ، ونحو ذلك. فأخبر الله تعالى أنه إذا فعل ذلك، فقد بر في يمينه، لقوله تعالى: (وَلا تَحْنَثْ) . وهو قول الشافعي ومذهب أبي حنيفة ومحمد وزفر.. وقال مالك: لا يبر. ورأى أن ذلك مختصا بأيوب، وقال لا يحنث. وإذا قال افعل ذلك، ولا تحنث، علم أنه جعله بارا إذ لا واسطة. وفي الآية دليل على أن للزوج أن يضرب زوجته، وأن للرجل أن يحلف ولا يستثني، فهذا تمام القول في المعنى.

стр. 851

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة حم السجدة قوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) ، الآية/ ٣٤. كان ذلك قبل فرض القتال. قوله تعالى: (وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا) ، الآية/ ٤٤. فيه دليل على أن القرآن بلغة العرب، وأنه ليس أعجميا ... وإذا نقل عن اللسان العربي إلى غيره لم يكن قرآنا.

стр. 852

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة حم عسق قوله تعالى: (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها) ، الآية/ ٢٠، هو معنى قوله ﷺ : «من كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» «١» . فيه دليل على أن من حج عن غيره، لا يقع الحج عن الحاج، ومن توضأ للتبرد والتنظيف لا يكون متوضئا للصلاة، ولا يصح وضوءه عن جهة القربة شرعا. قوله تعالى: (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى) ، الآية/ ٢٣. قال قائلون في معناه: محبة الأقارب. وقال قائلون: معناه إلا المودة في القربى إلى الله تعالى، أي التقرب إلى الله ، والمودة بالعمل الصالح، ويدل عليه ما بعده: (وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً) .

стр. 853

وقد قيل في معناه: قل لا أسألكم عليه أجرا إلا أن تودوه مع القرابة التي بينكم وبينه «١» ، وخاطب بذلك قريشا، لأن كل قريش كانت بينها وبين رسول الله ﵇ رحم ماسة وقرابة. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) ، الآية/ ٣٩. قال إبراهيم النخعي في معنى الآية: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق. وقال السدي: هم ينتصرون ممن بغى عليهم من غير أن يعتدوا. وقد ندبنا الله تعالى في مواضع من كتابه إلى العفو عن حقوقنا قبل الناس، فمنها قوله تعالى: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) «٢» . وقوله في شأن القصاص: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) «٣» . وأحكام هذه الآي غير منسوخة. قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) : يدل ظاهره على أن الإنتصار في هذه المواضع أفضل، ألا ترى أنه قرنه إلى ذكر الاستجابة لله تعالى، وإقام الصلاة، وهو محمول على ما ذكره إبراهيم النخعي، أنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق، وهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك. والموضع المأمور فيه بالعفو إذا كان الجاني نادما.

стр. 854

وقد قال عقيب هذه الآية: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) ، الآية/ ٤١. يقتضي ذلك إباحة الانتصار لا الأمر به، وقد عقبه بقوله تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ، الآية ٤٣: وذلك محمول على الغفران عن غير المصر، فأما المصر على البغي والظلم فالأفضل الإنتصار منه بدلالة ما قبله.

стр. 855

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الزخرف قوله تعالى: (أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ) ، الآية/ ١٨، فيه دليل على إباحة الحلي للنساء والإجماع منعقد عليه، والأخبار في ذلك لا تحصى «١» . قوله تعالى: (بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ- إلى قوله- أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ) ، الآية/ ٢٢ و ٢٤: فيه دلالة على إبطال التقليد، لذمه إياهم على تقليد آبائهم، وتركهم النظر فيما دعاهم الرسول ﵊ إليه. قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) الآية/ ٨٦: يدل على معنيين: أحدهما: أن الشهادة بالحق غير نافعة إلا مع العلم، فإن التقليد لا يغني مع عدم العلم بصحة المقالة. والثاني: أن شرط سائر الشهادات في الحقوق وغيرها، أن يكون الشاهد عالما بها، ونحوه ما روي عن النبي ﵊ أنه قال: «إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع» «٢» .

стр. 856

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الجاثية قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) ، الآية/ ١٤. قال: نسخها قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) «١» . ومن سورة الأحقاف: قوله تعالى: (ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ) «٢» : فيه بيان مسالك الأدلة بأسرها: فأولها: المعقول، وهو قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ) «٣» . وهو احتجاج بدليل العقل أن الجماد لا يجوز أن يدعى من دون الله، وأنه لا يضر ولا ينفع، ثم قال: (ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا) . فيه بيان أدلة السمع. أو أثارة من علم.

стр. 857

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة محمد قوله تعالى: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ- إلى قوله- فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) الآية/ ٤. فيه بيان كيفية الجهاد، وما يجب التمسك به في محاربتهم، فبيّن أولا ما يجب عند لقاء الكفار، والمنعة قائمة، وهو ضرب الرقاب، لأن عند ذلك تجب هذه الطريقة، ثم بين الحكم إذا نحن أثخناهم وبنّنّا امتناعهم «١» ، فأمر أن نشدهم في الوثاق فإما أن نمن أو نفادى، وهذا لأنه تعالى كان قد حرم الأسر بقوله: (ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) «٢» : فأباح بهذه الآية أسرهم إذا أثخناهم بالجراح وغيره، وبين أن أمرهم إلى الإمام، فإن شاء منّ عليهم بإطلاق من غير فداء، وإن شاء فادى، وإن شاء قتل، على ما يراد الأصلح للإسلام والمسلمين. ودل بقوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) : أن ذلك غاية فيما

стр. 858

تقدم ذكره، ولا يجوز أن يكون غاية في حكم الأسرى، فإذا يجب أن يكون غاية في حكم، ما كان يجب أن يكون غاية في المقاتلة، فكأنه بين أن أثقال الحرب من قبلهم إذا زالت، فللمؤمنين مفارقة السلاح، ويدعوا الحرب إلى حال أخرى. قال الحسن: في الآية تقديم وتأخير، فكأنه قال: فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها، ثم قال: حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. وزعموا أنه ليس للإمام إذا حصل الأسير في يده أن يقتله بل هو بالخيار في ثلاثة مراتب: إما أن يمن أو يفادى أو يسترق. وقال السدي فيما رواه إسماعيل بن إسحاق: إن ذلك منسوخ بقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) «١» . وقال قتادة مثله، وجعل ناسخه قوله تعالى: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) «٢» . وقال إسماعيل بن إسحاق: المن والفداء حقه في الأسير إذا تمكن منه «٣» ، ولا يمنع ذلك من القتل الذي سنه الله تعالى في الكفار، فكأن الله تعالى حرم المن والفداء قبل التمكن، وأذن فيهما بعد التمكن، والقتل في الحالتين من حيث الكفر سائغ. وروى في قوله تعالى: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) أقوال: روي عن الحسن: حتى يعبد الله ولا يشرك به، وعن مجاهد: حتى لا يكون دين إلا الإسلام.

стр. 859

وعن سعيد بن جبير ومجاهد في رواية أخرى: حتى يخرج عيسى بن مريم فيسلم كل يهودي ونصراني وصاحب ملة، وتأمن الشاة من الذئب. قوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) ، الآية/ ٣٣. احتج به قوم في أن التحلل من التطوع، صلاة كان أو صوما بعد التلبس به لا يجوز، لأن فيه إبطال العمل، وقد نهى الله تعالى عنه. والجواب عنه: أن المراد بذلك إبطال ثواب العمل المفروض، وذلك العمل المفروض ينهى الرجل عن إحباط ثوابه، فأما ما كان فعلا فلا، فإنه ليس واجبا عليه. فإن زعموا أن اللفظ عام. قلنا: العام يجوز تخصيصه ووجه تخصيصه أن الفعل تطوع والتطور يقتضي تخيرا، وهذا مستقصى في كتب الفقه «١» . قوله تعالى: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) الآية/ ٣٥. فيه دليل على منع مهادنة الكفار إلا عند الضرورة، وتحريم ترك الجهاد إلا عند العجز عن مقابلتهم، لضعف يكون بالمسلمين والعياذ بالله. وهذا إتمام ما أردناه في هذه السورة.

стр. 860

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الفتح قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ) ، الآية/ ١٦. المراد به: فارس والروم «١» . وقيل: المراد به بني حنيفة. وفيه دلالة على صحة إمامة أبي بكر وعمر ﵄، لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال فارس والروم، ولزمهم بذلك إتباع طاعة من يدعوهم إليه. قوله تعالى: (تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) ، الآية/ ١٦. أوعدهم على التخلف عن دعاء من دعاهم إلى قتال هؤلاء، فدل ذلك على صحة إمامتهما، إذ كان المتولى عن طاعتهما مستحقا للعذاب، ولا يجوز أن يكون الداعي لهم هوازن وثقيف يوم حنين، لأنه يمتنع أن يكون الداعي لهم الرسول ﵊، لأنه قال: (فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) «٢»

стр. 861

فدل أن المراد بالدعاء غير الرسول ﵊. ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي ﵊ إلا أبو بكر وعمر ﵄. قوله تعالى: (وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) ، الآية/ ٢٥. ولو كان بلغ الحرم وذبح فيه لم يكن ممنوعا عن بلوغ الحرم، ثم لما وقع الصلح زال المنع، فبلغ محله في الحرم، وذلك أنه إذا حصل المنع في أدنى وقت، فجائز أن يقال قد منع كما قال تعالى: (يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ) «١» . وإنما منع في وقت وأطلق في وقت آخر.. فالأول احتجاج أصحاب الشافعي، والثاني تأويل أصحاب أبي حنيفة، والأول أظهر، فإنه لو ذبح في الحرم لم يطلق على الشيء الواحد أنه منع عن بلوغه محله، وقد وصل محله، وليس كما احتجوا به في الآية، فإن الكيل منع في وقت وقيل: (فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ) «٢» مطلقا، وإن أحضرتموه فلكم الكيل، وهاهنا بخلافه، فإن الهدي بعد الصلح إن بلغ محله لم يجز أن يقال إنه بعينه منع عن محله، وهذا ظاهر بين «٣» . وأصحاب أبي حنيفة يحتجون بقوله: (يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) ، وذلك يدل على أن المحل هو الحرم.. وقال: (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى

стр. 862

يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) «١» وهو الحرم. قوله تعالى: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) ، الآية/ ٢٥. فيه دلالة على ما قاله الشافعي ومالك، إنه لا يحرق سفينة الكفار إذا كان فيها أسارى المسلمين، ولو تزيل المؤمنون لعذب الكفار.. وكذلك في إحراق الحصون إذا كان فيها أسارى المسلمين «٢» . وأبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري جوزوا رمي حصون الكافرين، وإن اشتملت على الأسارى والأطفال من المسلمين، وزادوا فقالوا: لو تترس الكفار بأطفال المسلمين رمى المشركون، وإن أصابوا أحدا من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة.. «٣» وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية فيه. نعم، لا يمنع نصب المجانق على الحصون مع اشتمالها على أطفال المشركين مع أنه لا عصمة للأطفال تحقيقا للحكم بكفرهم، ولأطفال المسلمين عصمة وحرمة. ويحتج الشافعي أيضا بقوله تعالى: (وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ) ، الآية/ ٢٥، وفيه دلالة على منع رمي الكفار لأجل

стр. 863

من فيهم من المسلمين «١» ، وتمام الاحتجاج بقوله تعالى: (لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) ، الآية/ ٢٥. فلولا الحظر ما أصابتهم معرة من قتلهم بإصابتهم إياهم.

стр. 864

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الحجرات قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) ، الآية/ ١: قيل: إنها نزلت في قوم ذبحوا قبل النبي، فأمرهم أن يعيدوا الذبح. وعموم الآية النهي عن التعجيل في الأمر والنهي دونه «١» . ويحتج بهذه الآية في اتباع الشرع في كل ورد وصدر. وربما احتج به نفاة القياس، وهو باطل منهم، فإن ما قامت دلالته فليس في فعله تقدم بين يديه.. وقد قامت دلالة الكتاب والسنة على وجوب القول بالقياس في فروع الشرع، فليس إذا تقدم بين يديه. قوله تعالى: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ) ، الآية/ ٦: فيه دليل على أن خبر الفاسق لا يعمل به. قيل: وقد استثنى الإجماع من جملة ذلك ما لا يتعلق بالدعوى والجحود، وإثبات حق مقصود على الغير، مثل قوله: هذا عبدي، فإنه

стр. 865

يقبل قوله.. وكذلك قوله: وقد أنفذ فلان هذا إليك هدية، فإنه يقبل ذلك.. كذلك يقبل خبر الكافر في مثله. قوله تعالى: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ) ، الآية/ ٩. فيه دلالة على جواز قتال البغاة، وأن ذلك من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه أخذ علي ﵁ قتال الفئة الباغية بالسيف، وكان معه كبار الصحابة: وقال ﷺ لعمار: «ستقتلك الفئة الباغية» «١» . والذي ورد في الخبر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ستكون فتنة القائم فيها خير من الماشي والقاعد خير من القائم» . وإنما أراد به الفئة التي يقتل الناس فيها من جهة الدنيا والعصبية والحمية، من غير إمام تجب طاعته. قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) ، الآية/ ١٠. يعني أنهم إخوة في الدين. وقوله: (فَأَصْلِحُوا) : يدل على وجوب الإصلاح عند التنازع بين المسلمين. قوله تعالى: (لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ) ، الآية/ ١١. نهى الله تعالى بهذه الآية عن عيب من لا يستحق أن يعاب تحقيرا له، لأن ذلك هو معنى السخرية به، فأخبر أنه وإن كان أرفع حالا منه في الدنيا، فعسى أن يكون المسخور منه خيرا في الآخرة، وخيرا عند الله تعالى.

стр. 866

وقوله تعالى: (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) ، الآية/ ١١. قال أبو بكر ﵀: هو كقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) «١» أي لا يقتل بعضكم بعضا ولا يلمز بعضكم بعضا لأن المؤمنين كنفس واحدة فكأنه بقتله أخيه قاتل نفسه، وكقوله: (فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ) «٢» أي يسلم بعضكم على بعض. واللمز: العيب، يقال لمزه إذا عابه، ومنه قوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ) «٣» . فأما من كان معنيا بالفجور فتعينه بما فيه جائز، قال الحسن في الحجاج: اللهم إنك أنت أمته فاقطع عنا سنته، وفي رواية شينه، فإنه أتانا أخفش أعيمش يمد بيد قصيرة البنان، والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله تعالى، برجل جمثه، ويخطر في مشيته، ويصعد المنبر فيهذر حتى تفوت الصلاة، لا من الله يتقى، ولا من الناس يستحي، فرقه الله تعالى وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاة أيها الرجل.. ثم قال الحسن: هيهات والله، حال دون ذلك السوط والسيف. قوله تعالى: (وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ) ، الآية/ ١١. ذكر عن الحسن أنه كان أبو ذر عند النبي ﵊، وكان بينه وبين رجل منازعة، فقال له أبو ذر: «يا ابن اليهودية، فقال له النبي ﵊: أما ترى هاهنا بين أحمر وأسود ما أنت

стр. 867

أفضل منه إلا بالتقوى» «١» ، قال فنزلت هذه الآية: (وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ) «٢» . قال قتادة: ذلك لأن لا تقول لأخيك المسلم يا فاسق يا منافق. والنهي يختص بما يكرهه الإنسان، فأما الأوصاف الجارية غير هذا المجرى فغير مكروهة، وقد سمى النبي ﵊ عليا أبا تراب «٣» وقال لأنس: يا أبا الأذنين، وغير النبي ﵊ أسماء قوم فسمى العاص عبد الله، وسمى شهابا هشاما، وسمى حزنا سهلا. قوله تعالى: (اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) ، الآية/ ١٢. يدل على أنه لم ينه عن جميعه. ففي الظنون ما هو محظور، مثل سوء الظن بالله تعالى، وسوء الظن بالمسلمين الذين ظاهرهم العدالة. وكل ظن استند العلم به إلى دليل يقيني، فالعمل به واجب، كالشهادات وقبولها وقيم المتلفات والأقيسة. وقد يكون الظن مباحا، كقول أبي بكر لعائشة ﵂: ألقى في روعي أن ذا بطن خارجة جارية، فاستجاز هذا الظن لما وقع في قلبه. وأما الظن المندوب إليه، فهو حسن الظن بالأخ المسلم. ويجوز أن لا يظن الخير ولا الشر.

стр. 868

قوله تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) ، الآية/ ١٢. روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: هي ذكرك أخاك بما يكره. قال: أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته «١» . وروى أبو هريرة أن الأسلمي جاء إلى رسول الله ﷺ ، وشهد على نفسه بالزنا، فرجمه رسول الله، فسمع ﷺ رجلين من أصحابه يقول أحدهما للآخر: أنظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يدع نفسه حتى رجم رجم الكلاب، فسكت عنهما ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شار «٢» شائل برجله فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: نحن ذا يا رسول الله، فقال: انزلا وكلا من جيفة هذا الحمار. فقالا: يا رسول الله، من يأكل من هذا؟ فقال: ما نلتما من عرض أخيكما أشد من الأكل منه والذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها «٣» .

стр. 869

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة ق قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) ، الآية/ ٣٩. اختلف في معناها، فقال قائلون: عنى به صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وروي ذلك عن رسول الله ﷺ أنه قال: فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) «١» . وقال ابن عباس وقتادة: المراد به صلاة العصر. قوله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ) ، الآية/ ٤٠. قال مجاهد: هي صلاة الليل، ويجوز أن يراد به صلاة المغرب والعتمة. وأدبار السجود على قول أكثر المفسرين: ركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم ركعتان قبل الفجر. وعن ابن عباس مثله. وعن مجاهد عن ابن عباس: وأدبار السجود: إذا وضعت جبهتك على الأرض فسبح ثلاثا «٢» .

стр. 870

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الذاريات قوله تعالى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ) ، الآية/ ١٧. ورد في صلاة الليل، وأنهم كانوا لا يزورون. قوله تعالى: (وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) ، الآية/ ١٨. قال: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار. قوله تعالى: (وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) ، الآية/ ١٩. هو الزكاة، إذ لا فرض في المال سواها، ووراء ذلك ربما وجبت حقوق مثل النفقات وضروب المواساة: قوله تعالى: (لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) : الذي يطلب فلا يرزق، ويكون مجازفا.

стр. 871

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الطور قوله تعالى: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) ، الآية/ ٤٨: قال ابن مسعود: حين تقوم من كل مكان تقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك» . وهذا فيه بعد، فإن قوله حين تقوم، لا يدل على التسبيح بعد التكبير، فإن التكبير هو الذي يكون بعد القيام، والتسبيح يكون وراء ذلك، فدل أن المراد به حين تقوم من كل مكان فتقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك» .

стр. 872

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة النجم قوله تعالى: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى) ، الآية/ ٣ و ٤: يحتج به من لا يجوز لرسول الله ﷺ الاجتهاد في الحوادث. قوله: (إِلَّا اللَّمَمَ) ، الآية/ ٣٢: يجوز أن يراد به الصغائر المغفورة عند اجتناب الكبائر. وقيل: هو أن يصيب الذنب ثم يتوب. وقيل: اللمم مقارفة الشيء، من غير أن يدخل فيه. قوله تعالى: (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) ، الآية/ ٣٨، كقوله: (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ) «١» ، وقوله: (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها) «٢» ، وقوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) ، الآية/ ٣٩.

стр. 873

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة القمر قوله تعالى: (وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ) ، الآية/ ٢٨. يدل على جواز المهايأة «١» على الماء.

стр. 874

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الرحمن قوله تعالى: (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) ، الآية/ ٦٨. يحتج به من يخرج الرمان والنخل من مطلق اسم الفاكهة، لأن الشيء لا يعطف على نفسه، وإنما يعطف على غيره، هذا ظاهر الكلام. والشافعي يقول: هو كقوله تعالى: (مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) «١» .

стр. 875

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الواقعة قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ، الآية/ ٧٧- ٧٩. يدل على منع مس المصحف من غير وضوء «١» .

стр. 876

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الحديد قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ) ، الآية/ ١٠. عنى به فتح الحديبية، ودل به على أن فضيلة العمل على قدر رجوع منفعته إلى الإسلام والمسلمين، أو لكثرة المحنة به لقلة المسلمين وكثرة الكفار، وهو مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) «١» .

стр. 877

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة المجادلة قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها) ، الآية/ ١. وهي مفتتحة بذكر الظهار، وكان طلاقا جاهليا، فجعله الشرع على حكم آخر. وروى أصحاب الأخبار: جاءت خولة بنت ثعلبة إلى النبي وزوجها أوس بن الصامت فقالت: إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه، فقال النبي ﵊: ما أراك إلا حرمت عليه، وهو حينئذ يغسل رأسه فقالت: أنظر جعلني الله فداك يا رسول الله، فقال: ما أراك إلا حرمت عليه، فكرر ذلك مرارا، فأنزل الله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها) «١» . وقوله ﵊: «حرمت عليه» ، ظاهره يعني به تحريم الطلاق، وإلا فحكم الظهار بينه الله تعالى من بعد، وهذا يحتج به من يجوز

стр. 878

رفع الحكم بعد ثبوته في الشيء الواحد في الوقت الواحد، فإن رسول الله ﷺ قال لها: «حرمت عليه» ، ثم حكم فيها بعينها بالظهار بعد حكمه بالطلاق، وذلك القول بعينه في شخص واحد بعينه، والنسخ عند من يخالف هؤلاء، يوجب الحكم في المستقبل بخلاف الأول في الماضي. وغاية جواب المخالف، أن من الممكن أن الله تعالى وعد رسوله بذلك، فلم يحكم بالطلاق جزما، وإنما ذكره معلقا. قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ) ، الآية/ ٢. يدل على أن ذلك منكرا لأنه كذب. قوله تعالى: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) ، الآية/ ٣. اعتبر العود، وقد اختلف الناس فيه، وأبو حنيفة، يقول: هو استباحة الوطء، فعليه الكفارة قبل الاستباحة، ومعنى الاستباحة العزم على الوطء «١» . والشافعي يقول: هو أن يمسكها بعد الظهار مدة يمكنه أن يطلقها فيه فلا تطلق. ورأى الشافعي أن ذلك أشبه بالعود، لأنه إذا رآها، كالأم فلم يمسكها، فإن الأم لا تمسك بالنكاح، وأما العزم على الفعل، فهو عزم على محرم، فلا أثر له قبل مواقعة المحرم «٢» .

стр. 879

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الحشر قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ) ، الآية/ ٢. وعنى به جلاء بني النضير من اليهود، فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام. ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير سبي لا تجوز الآن، وإنما جاز في أول الإسلام ثم نسخ، والآن فلا بد من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم «١» . قوله تعالى: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها) ، الآية/ ٥. قال مجاهد: كل نخلة لينة. وقيل: اللينة كرام النخيل. وقيل: إنه نهى بعض المهاجرين عن القطع، وقال: إنما هي مغانم للمسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى وتحليل من قطعها عن الإثم،

стр. 880

وهو يدل على أن كل مجتهد مصيب، وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود الرسول ﵊ بين أظهرهم. ولا شك أنّ النبي ﵊ رأى ذلك فسكت، فيؤخذ الحكم من تقريره فقط، ويجوز لنا إحراق زرعهم إذا لم يمكنا نقله، والمواشي تذبح وتحرق على هذا الوجه «١» . قوله تعالى: (وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) ، الآية/ ٦. كانت لرسول الله ﵊ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، ولم يكن لأحد فيه حق إلا لمن جعله النبي ﵊. ولما ذكر ما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، ذكر ما أوجف عليه المسلمون «٢» . فقال تعالى: (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، الآية/ ٧. وذلك يمنع تنزيها للغانمين، ثم نسخ ذلك بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) «٣» . ولما فتح عمر العراق، سأل قوم من الصحابة قسمتها بينهم، فقال: إن قسمتها بينهم بقي آخر الناس لا شيء لهم، واحتج عليهم بهذه الآية
следующие страницы →