← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23582

أحكام القرآن للكيا الهراسي

الكيا الهراسي

Полный текст (904 стр.). Показаны 876–904 · переход к 881.

стр. 876

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الحديد قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ) ، الآية/ ١٠. عنى به فتح الحديبية، ودل به على أن فضيلة العمل على قدر رجوع منفعته إلى الإسلام والمسلمين، أو لكثرة المحنة به لقلة المسلمين وكثرة الكفار، وهو مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) «١» .

стр. 877

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة المجادلة قوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها) ، الآية/ ١. وهي مفتتحة بذكر الظهار، وكان طلاقا جاهليا، فجعله الشرع على حكم آخر. وروى أصحاب الأخبار: جاءت خولة بنت ثعلبة إلى النبي وزوجها أوس بن الصامت فقالت: إن زوجها جعلها عليه كظهر أمه، فقال النبي ﵊: ما أراك إلا حرمت عليه، وهو حينئذ يغسل رأسه فقالت: أنظر جعلني الله فداك يا رسول الله، فقال: ما أراك إلا حرمت عليه، فكرر ذلك مرارا، فأنزل الله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها) «١» . وقوله ﵊: «حرمت عليه» ، ظاهره يعني به تحريم الطلاق، وإلا فحكم الظهار بينه الله تعالى من بعد، وهذا يحتج به من يجوز

стр. 878

رفع الحكم بعد ثبوته في الشيء الواحد في الوقت الواحد، فإن رسول الله ﷺ قال لها: «حرمت عليه» ، ثم حكم فيها بعينها بالظهار بعد حكمه بالطلاق، وذلك القول بعينه في شخص واحد بعينه، والنسخ عند من يخالف هؤلاء، يوجب الحكم في المستقبل بخلاف الأول في الماضي. وغاية جواب المخالف، أن من الممكن أن الله تعالى وعد رسوله بذلك، فلم يحكم بالطلاق جزما، وإنما ذكره معلقا. قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ) ، الآية/ ٢. يدل على أن ذلك منكرا لأنه كذب. قوله تعالى: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا) ، الآية/ ٣. اعتبر العود، وقد اختلف الناس فيه، وأبو حنيفة، يقول: هو استباحة الوطء، فعليه الكفارة قبل الاستباحة، ومعنى الاستباحة العزم على الوطء «١» . والشافعي يقول: هو أن يمسكها بعد الظهار مدة يمكنه أن يطلقها فيه فلا تطلق. ورأى الشافعي أن ذلك أشبه بالعود، لأنه إذا رآها، كالأم فلم يمسكها، فإن الأم لا تمسك بالنكاح، وأما العزم على الفعل، فهو عزم على محرم، فلا أثر له قبل مواقعة المحرم «٢» .

стр. 879

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الحشر قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ) ، الآية/ ٢. وعنى به جلاء بني النضير من اليهود، فمنهم من خرج إلى خيبر، ومنهم من خرج إلى الشام. ومصالحة أهل الحرب على الجلاء من ديارهم من غير سبي لا تجوز الآن، وإنما جاز في أول الإسلام ثم نسخ، والآن فلا بد من قتالهم أو سبيهم أو ضرب الجزية عليهم «١» . قوله تعالى: (ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها) ، الآية/ ٥. قال مجاهد: كل نخلة لينة. وقيل: اللينة كرام النخيل. وقيل: إنه نهى بعض المهاجرين عن القطع، وقال: إنما هي مغانم للمسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى وتحليل من قطعها عن الإثم،

стр. 880

وهو يدل على أن كل مجتهد مصيب، وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود الرسول ﵊ بين أظهرهم. ولا شك أنّ النبي ﵊ رأى ذلك فسكت، فيؤخذ الحكم من تقريره فقط، ويجوز لنا إحراق زرعهم إذا لم يمكنا نقله، والمواشي تذبح وتحرق على هذا الوجه «١» . قوله تعالى: (وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) ، الآية/ ٦. كانت لرسول الله ﵊ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، ولم يكن لأحد فيه حق إلا لمن جعله النبي ﵊. ولما ذكر ما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، ذكر ما أوجف عليه المسلمون «٢» . فقال تعالى: (ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) ، الآية/ ٧. وذلك يمنع تنزيها للغانمين، ثم نسخ ذلك بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) «٣» . ولما فتح عمر العراق، سأل قوم من الصحابة قسمتها بينهم، فقال: إن قسمتها بينهم بقي آخر الناس لا شيء لهم، واحتج عليهم بهذه الآية

стр. 881

إلى قوله: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) «١» ، الآية/ ١٠، وشاور عليا في ذلك، فأشار عليه بترك القسمة، وأن يقر أهلها عليها، وأن يضع الخراج عليها، ففعل، فقال أصحاب أبي حنيفة: فالآية غير منسوخة إذا، فإنها غير مضمومة إلى آية الغنيمة في الأراضي المفتتحة، فإن رأى قسمتها أصلح وأعود على المسلمين فعل، ثم قال: وتقدير الآيتين: واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه في الأموال سوى الأرضين، وفي الأرضين إذا اختار الإمام ذلك. والذي ذكروه بعيد جدا، فإن قوله: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) ، ليس لهم حقا في الغنيمة، وأن غير من شهد الوقعة يستحق، والعجب أن الذين هم في الحياة لا يستحقون إذا لم يشهدوا الوقعة، فكيف يستحق من جاء بعدهم، فدل أن معنى الآية ظاهرها وهو قوله: (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ) ، الآية/ ١٠، وهو ندب الآخرين إلى الثناء على الأولين، فدل أن الحق ما قاله الشافعي، إن ما كان غنموه من الأراضي وغيرها فخمسها لأهله وأربعة أخماسها للغانمين، فمن طابت نفسه عن حقه فللإمام أن يجعلها وقفا عليهم، ومن لم تطب نفسه فهو أحق بما له، وعمر ﵁ استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم «٢» . قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ

стр. 882

خَصاصَةٌ) . الآية/ ٩ «١» . والخصاصة الحاجة، فأثنى الله تعالى عليهم بإيثارهم المهاجرين على أنفسهم فيما ينفقون عليهم، وإن كانوا هم محتاجين إليه، ووردت أخبار صحيحة في النهي عن التصدق بجميع ما يملكه الإنسان، ولكن إنما كره ذلك في حق من لا يوثق منه بالصبر على الفقر، وخاف أن يتعرض للمسألة إذا فقد ما ينفقه، ألا ترى أنه قال: يأتيني أحدكم بجميع ما يملكه فيتصدق به ثم يقعد يتكفف وجوه الناس، فإنما كره الإيثار لمن كانت هذه صفته، فأما الأنصار الذين أثنى الله عليهم فلم يكونوا على هذه الصفة، بل كانوا كما قال تعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) «٢» . فكان الإيثار منهم أفضل من الإمساك، والإمساك لمن لا يصبر ويتعرض للمسألة أولى من الإيثار.

стр. 883

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الممتحنة قوله تعالى: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ) ، الآية/ ١. فيه دلالة على أن خوف الجائحة على المال والولد لا يبيح التقية في دين الله تعالى، وأن العذر الذي أبرزه حاطب بن أبي بلتعه لا أثر له «١» . ويحتمل أن يقال إن ذلك لم يكن إكراما، وإنما كان توددا إليهم، لما كان يأمل من نفع من جهتهم. قوله تعالى: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) ، الآية/ ٨. فيه دليل على جواز التصدق على أهل الذمة دون أهل الحرب، ووجوب النفقة للأب الكافر الذمي، وأما الحربي فيجب قتله. قوله تعالى: (إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ) ، الآية/ ١٠. كان الشرط في صلح الحديبية أن يرد على المشركين من هاجر إلى المدينة، ممن كان مسلما «٢» ، ونزلت سورة الممتحنة عن الصلح فكان من

стр. 884

أسلم من نسائهن تسأل: ما أخرجك؟ فإن كانت خرجت هربا من زوجها ردت عليه، وإن كانت خرجت رغبة في الإسلام أمسكت وردت على زوجها ما أنفق عليها. وقوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) ، الآية/ ١٠، أو بظاهر قولها. وفيه دليل على ارتفاع النكاح، فإنه تعالى منع ردها إلى زوجها، وأوجب عليها رد ما أنفق عليها. وفيه تنبيه على أن المنع من الرد لمكان الإسلام، فإنه تعالى قال: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) ، فلم يجعل الفرقة لاختلاف الدارين على ما قاله أبو حنيفة، وإنما جعل للإسلام. قوله تعالى: (وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) ، الآية/ ١٢. قال ابن عباس: لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. قوله تعالى: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) ، الآية/ ١٢. هو عموم في جميع طاعات الله تعالى، وقد علم الله تعالى أن النبي ﵊ لا يأمر إلا بمعروف، إلا أنه شرط في النهي عن عصيانه إذا أمرهن بالمعروف، لئلا يترخص أحد في طاعة السلاطين إذا لم تكن طاعة لله تعالى، إذ شرط في طاعة خير العالمين أن يأمر بالمعروف، وهو معنى قوله ﵊: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

стр. 885

وكذلك لا يجب طاعة أئمة العلم فيما يتعلق بالأغراض المتأولة، ولا يسوغ لمسلم اتباعهم. وقال ﵊: «من اتبع مخلوقا في معصية الخالق سلط الله عليه ذلك المخلوق» . وفي لفظ آخر: «عاد حامده من الناس ذاما» «١» .

стр. 886

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الصف قوله تعالى: (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ) ، الآية/ ٢. يحتج به في وجوب الوفاء بالنذر، في نذر اللجاج، على أحد قولي الشافعي.

стр. 887

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الجمعة قوله تعالى: (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) ، الآية/ ٩: وليس في الآية تعيين الصّلاة، إلا أن الاتفاق منعقد على أن المراد به الجمعة، والمراد بالنداء الأذان. قال تعالى: (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) ، الآية/ ٩. قرأ عمرو بن مسعود: فامضوا، قال عبد الله: لو قرأت فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي. ويجوز أن يكون ذلك تفسيرا كما قال: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ) «١» . وقيل: السعى بمعنى العمل، كما قيل: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى) «٢» . قوله تعالى: (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ) ، الآية/ ٩: يحتمل أن يريد به الصلاة، ويحتمل الخطبة، وهو عموم فيهما، وإنما ثبت وجوبهما بدليل آخر غير هذا اللفظ.

стр. 888

نعم في هذا اللفظ دليل على أن هناك ذكر يجب السعي إليه، فأما عين الذكر فلا دليل عليه. قال مالك، قوله: (وَذَرُوا الْبَيْعَ) : يدل على فساد البيع، ورآه أخص من العمومات الواردة في البيع، ورأى أن البيع لما حرم دل على فساده، وهذا مما بينا فساده في أصول الفقه. قوله تعالى: (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، الآية ١٠. بالتصرف في التجارة وغيرها، فهو إباحة. قوله تعالى: (وَتَرَكُوكَ قائِماً) ، الآية/ ١١: يدل على أن الإمام يخطب قائما، فإنهم كانوا انفضوا من الخطبة «١» .

стр. 889

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة المنافقون قوله تعالى: (قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ- إلى قوله- اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) ، الآية/ ١، ٢. فمنه قال الشافعي: إذا قال أشهد بالله ونوى به اليمين كان يمينا. وأبو حنيفة يجعلها دون الله يمينا، لأن الله تعالى أخبر عن الكفار أنهم يقولون نشهد إنك لرسول الله ولم يقولوا: نشهد بالله، وقال تعالى: (فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ) «١» . والشافعي يقول: أشهد، ينبئ عن مبالغة ما، ولكن إذا لم يقرنه بذكر الله لم يدل على معنى اليمين، فإن خاصية اليمين في ذكر اسم الله تعالى، أو صفة من صفاته «٢» . قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) ، الآية/ ١٠. فيه دلالة على أنه يجب تعجيل الزكاة، ولا يجوز تأخيرها أصلا.

стр. 890

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الطلاق قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) ، الآية/ ١. شرحنا معناه في سورة البقرة. وزمان الطلاق المشروع المعلوم من هذه الآية زمان الطهر لا غير، لا جرم قال الشعبي: يجوز أن يطلقها في طهر مسها فيه. وقوله تعالى: (لِعِدَّتِهِنَّ) . يدل على أن الطهر إن جعل وقت الطلاق، فالثاني والأول والثالث سواء، وأن اللفظ عموم فيه. وقد ظن قوم أنه لما قال: (لِعِدَّتِهِنَّ) ، فينبغي أن ينتظم الكلام على العدة. وهذا باطل، فإن فعل الطلاق من الزوج، إنما يتصور في سماعه، وإنما الشامل الحاوي وقت العدة والعدة وقت الطلاق. قوله تعالى: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ) ، الآية/ ١. فيه دليل على وجوب السكنى لها ما دامت في العدة، فإن بيوتهن التي نهى الله تعالى عن إخراجهن منها، هي البيوت التي كانت تسكنها قبل

стр. 891

الطلاق، فأمره بإقرارها في بيتها، ونسبه إليها بالسكنى كما قال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) «١» . قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) ، الآية/ ١. فالفاحشة تحتمل البذاء، وتحتمل الزنا وتحتمل النشوز «٢» . قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) ، الآية/ ٢. يدل على الإشهاد، إلا أن الإشهاد لا يظهر انصرافه إلى الطلاق الذي يستحق الزوج به أبدا من غير حاجة إلى فترة، والرجعة هي التي إذا تأخرت إلى انقضاء العدة امتنعت. فالظاهر رجوع قوله: (وَأَشْهِدُوا) إلى الرجعة لا إلى الطلاق. قوله تعالى: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ) ، الآية/ ٤. فدلت الآية على إثبات الإياس بعد ارتياب، فلا يجوز أن يكون قوله (إِنِ ارْتَبْتُمْ) إثبات حكم الإياس في أول الآية، فلا جرم اختلف أهل العلم في الريبة المذكورة في الآية «٣» ، فروي أن أبي بن كعب قال: يا رسول الله، إن عددا من عدد النساء لم يذكر في الكتاب الصغار والكبار وذوات الأحمال أجلهن، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وأبان أن سبب نزول هذه الآية كان ارتيابهن في عددهن، صغير أو

стр. 892

كبير من الصغار «١» والكبار، فتقدير الكلام (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ) ، الآية/ ٤. واختلف السلف في التي ترتفع حيضتها، فروى سعيد بن المسيب عن عمر أنه قال: أيما امرأة طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها، فإنه ينتظر بها تسعة أشهر، فإن استبان بها حمل فذاك، وإلا اعتدت بعد ستة أشهر بثلاثة أشهر «٢» . وأمر ابن عباس بالتربص بستة أشهر وقال: تلك الريبة. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: التي ترتفع حيضتها تبقى إلى سن اليأس، ثم تعتد بثلاثة أشهر، وهو الحق، فإن الله تعالى جعل عدة الآيسة ثلاثة أشهر، والمرتابة ليست بآيسة. قوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ، الآية/ ٤. ولم يختلف السلف والخلف في أن عدة المطلقة الحامل في أن تضع حملها.. واختلف السلف في عدة المتوفى عنها زوجها، وأنها تعتد بأقصى الأجلين أو بوضع الحمل: فقال علي ﵁ بأقصى الأجلين. وقال عمر ﵁ في نفر من الصحابة: إنها تعتد بوضع الحمل.

стр. 893

ولا شك أن قوله تعالى: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ) ، معطوف على ذكر المطلقات، غير أنه عموم، وقد نزل بعد قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) «١» على ما قال ابن مسعود، وأنه قال: من شاء لاعنته، ما نزلت: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ) ، إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها.. فكان قوله: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) عام في كل من يتوفى عنها زوجها، وقوله: (وَأُولاتُ الْأَحْمالِ) ، عموم ورد بعده.. ولا دليل من الأول على تخصيص الثاني، فوجب اعتبار المتأخر. قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) ، الآية/ ٦. يدل على أنه لا نفقة للحامل. نعم قوله: (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ) ، وإن عم الرجعية والبائنة، وللرجعية النفقة في عموم الأحوال، فذلك خرج بدليل الإجماع، وبقي ما عداه على موجب المفهوم من الآية، ويزيده تأكيد أنه أطلق السكنى، وقيد النفقة، فلو كان الحكم فيها سواء لم يكن لذلك معنى. قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ، الآية/ ٦. دلت الآية على أحكام: منها إذا أرضعت بأن ترضعه بأجر مثلها، لم يكن للأب أن يسترضع غيرها بمثل ذلك الأجر.

стр. 894

ويدل على أن الأم أحق بحضانة الولد. ويدل على أن الأجرة إنما تستحق بالفراغ من العمل، وإن احتمل أن يراد به غير ذلك «١» . قوله تعالى: (وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى) . وقوله: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ) ، الآية/ ٧. يدل على أن النفقة تختلف باختلاف أحوال الزوج في يساره وإعساره، وأن نفقة المعسر أقل من نفقة الموسر خلافا لأبي حنيفة، فإنه اعتبر كفايتها. قوله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها) ، الآية/ ٧. فيه دليل على أنه لا يجوز التفريق بين الزوج والمرأة، لعجزه عن نفقتها، لأن الله تعالى لم يوجب النفقة في هذه الحالة. والذي يخالف هذا من أصحاب الشافعي يقول: إنما فرقنا بينهما لا لأنه ترك واجبا عليه في هذه الحالة من النفقة، ولكنه عجز عن الإمساك بالمعروف، فعليه التسريح بالإحسان، فإنه إذا صار لا بد من أحدهما فمتى فات أحدهما تعين الثاني، ولا شك أن العاجز عن نفقة عبده أو أمته أو بهيمته لا يجب عليه نفقتها، لكن يجبر على بيع المملوك، كذلك هاهنا. ولأجله ارتفع الحبس عنها في الدار، وإن لم تجب النفقة على ما ذكروه «٢» .

стр. 895

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة التحريم قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) ، الآية/ ١. قيل: إن الآية وردت في تحريم العسل «١» . وقيل: وردت في تحريم مارية لما أصابها في بيت حفصة، فعلمت به، فخرجت منه فقال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها؟ فقالت: بلى. فحرمها فنزلت الآية. والأشبه هذا، فإنه تعالى قال: (لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ) ؟ وفي حديث العسل، روي أنه حلف، وروي أنه حلف في الجارية أيضا، واحتجوا عليه بقوله تعالى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ) ، الآية/ ٢. ولا أيمان في مجرد التحريم «٢» . قوله تعالى: (قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ) ، الآية/ ٦. قال علي ﵁ في تفسيره: علموا أنفسكم وأهليكم الخير.

стр. 896

وقال الحسن: نعلمهم ونأمرهم وننهاهم. وهذا يدل على أن علينا تعليم أولادنا وأهلينا الدين والخير، وما لا يستغنى عنه من الأدب، وهو معنى قوله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها) «١» ، ونحو قوله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) «٢» . وفي الحديث «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر» «٣» . قوله تعالى: (جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) ، الآية/ ٩: وفيه دليل على التشدد في دين الله تعالى.

стр. 897

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة المزمل قوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) ، الآية/ ٢. روي أن النبي ﵊ قام هو وأصحابه حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا، ثم أنزل الله تعالى التخفيف في آخر السورة، فكان قيام الليل تطوعا بعد كونه فريضة «١» . قوله تعالى: (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) ، الآية/ ٢٠. فنسخ به قيام الليل المفروض فكان ندبا. ودلت الآية على لزوم فرض القراءة في الصلاة، بقوله تعالى: (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) . ومن سورة المدثر: قوله تعالى: (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) ، الآية/ ٤. يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات للصلاة. وقال عكرمة: أمره أن لا يلبس ثيابه على عذرة، وذلك محتمل. قوله تعالى: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) ، الآية/ ٦.

стр. 898

أي لا تمنن حسناتك عند الله تعالى مستكثرا، فينقصك ذلك عند الله تعالى. ومن سورة القيامة: قوله تعالى: (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) ، الآية/ ١٤. يدل على قبول شهادة الإنسان على نفسه «١» . ومن سورة الإنسان: قوله تعالى: (وَأَسِيراً) ، الآية/ ٨. يدل على أن إطعام المشرك يتقرب به إلى الله تعالى، غير أنه صدقة التطوع، وأما المفروض فلا دليل عليه «٢» . ومن سورة المرسلات: قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً، أَحْياءً وَأَمْواتاً) ، الآية/ ٢٥، ٢٦. وعنى بالكفات الضمام، فأراد به تعالى أنها تضمهم في الحالتين جميعا «٣» . وهذا يدل على وجوب مواراة الميت ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله. ومن سورة الأعلى: قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى، وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) ، الآية/ ١٤ و ١٥. يدل على زكاة الفطر وزكاة المال.

стр. 899

وذكر اسم ربه، يدل على ذكر يناسب الزكاة، وذلك تكبيرات العيد. ومن سورة الانشقاق «١» : قوله تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) ، الآية/ ١٦. قال مجاهد: الشفق النهار، ألا تراه قال: (وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ) ، الآية/ ١٧. وقال قائلون: الشفق البياض. وقال آخرون: الحمرة، وعلى كل واحد من اللفظين أمارات، واللفظ يحتملهما جميعا. قوله تعالى: (وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ) ، الآية/ ٢١: لا يظهر في سجود التلاوة، لأن ذلك يبعد أن يكون مرادا من بين الواجبات كلها، فدل أن المراد به أنهم لا يذعنون ولا يطيعون في العمل بموجباته: ومن سورة الضحى: قوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ) ، الآية/ ٩: يحتمل أن يكون نهيا عن قهره وظلمه وأخذ ماله، وخص اليتيم بالذكر، لأنه لا ناصر له إلا الله، فغلظ في أمره بتغليظ العقوبة على ظالمه. وأما قوله: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ) ، الآية/ ١٠.

стр. 900

فيه نهي عن إغلاظ القول له، لأن الانتهار هو الزجر وإغلاظ القول. ومن سورة الشرح: قوله تعالى: (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) ، الآية/ ٧، ٨: في العبادة والدعاء.

стр. 901

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة القدر قوله تعالى: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) ، الآية/ ٣: ليس فيها ليلة القدر، وإنما فضيلة الزمان بكثرة ما يقع فيه من الفضائل، وفي تلك الليلة يقسم الخير الكثير الذي لا يوجد مثله في ألف شهر. واختلفت الروايات عن النبي ﵊ في ليلة القدر، ولا دليل في الآية على التعيين، وليس في الشرع قاطع على التعيين، ولذلك إذا قال لامرأته أنت طالق ليلة القدر لا تطلق حتى يمضي حول، لأنه لا يجوز إيقاع الطلاق بالشك، ولم يثبت اختصاصها بوقت، فلا يتيقن وقوع الطلاق إلا بمضي حول: ومن سورة البينة: قوله تعالى: (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ، الآية/ ٥: يدل على وجوب النية في العبادات، لأن الإخلاص عمل القلب، وهو أن يريد وجه الله تعالى بالعمل، ولا يراد غيره به أصلا. ومن سورة الماعون: قوله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ) ، الآية/ ٥. أي مؤخرون لها عن ميقاتها.

стр. 902

قوله: (وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ) ، الآية/ ٧: كل ما فيه منفعة. ومن سورة الكوثر: قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) ، الآية/ ٢. قال الحسن: صلاة يوم النحر والبدن. قال مجاهد وعطاء: صل الصبح بجمع، وانحر البدن بمنى. ومن سورة النصر: قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) ، الآية/ ٣. عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان النبي ﵊ فيما يكثر أن يقول قبل أن يموت: سبحانك اللهم وبحمدك استغفرك وأتوب إليك «١» .

стр. 903

(بسم الله الرّحمن الرّحيم) سورة الفلق عن عقبة بن عامر قال: بينما أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة والأبواء، إذ غشيتنا ريح شديدة مظلمة فجعل رسول الله يتعوذ بأعوذ برب الفلق، وأعوذ برب الناس ويقول: «يا عقبة، تعوذ بهما فما تعوذ متعوذ بمثلهما» «١» . و (النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) ، الآية/ ٤: السواحر ينفثن على العليل، ويرقونه بكلام هو كفر وتعظيم للكوكب، ويطعمن العليل الأدوية الحارة الضارة والسموم القاتلة، ويحتلن في التوصل إلى ذلك، ويزعمن أن ذلك من رقاهن، ومن أردن نفعه نفثن عليه، وأوهمن أنهن نفعنه بذلك، وربما أضفن إلى ذلك بعض الأدوية النافعة. وروت عائشة أن النبي ﵊ قال: «العين حق ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين، فإذا استعنتم فاغتسلوا» «٢» .

стр. 904

وقال قوم من الفلاسفة: إن ضرر العين، إنما هو من جهة شيء ينفصل من العين ويتصل بالمعاين. والحق في ذلك إذا اتفق ضرر فهو من فعل الله تعالى، وإنما يفعل ذلك عند إعجاب الإنسان بما يراه، تذكيرا له لأن لا يركن إلى الدنيا ولا يعجب بشيء منها. وعن أنس أن النبي ﵊ قال: «من رأى شيئا يعجبه فقال: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره شيء» «١» . تم الكتاب بحمد الله ومنه، وقد أتينا على جمل ما يحتاج إليه من أحكام الفقه اشتمل القرآن عليها، وأوضحنا قدر مقصودنا من اختلاف العلماء، وبيان أقرب الأقوال إلى معاني القرآن، ولم نغادر جهدا في تلخيص ما أردناه وحذف الحشو المستغنى عنه. ونسأل الله تعالى أن يجعل سعينا مصروفا إلى ابتغاء مرضاته، وابتغاء الزلفى لديه، فإنه رؤوف رحيم بعباده، وصلّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وآله وسلّم تسليما «٢» .