← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المرفوع في مثال الأمر أكدته. وذلك نحو قوله تعالى: (مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ) «١» لما عطف (الشركاء) على (مَكانَكُمْ) ، وكان قوله: (مَكانَكُمْ) بمنزلة قولك: اثبتوا، واسما لهذا الفعل، أكد بأنتم كما أنه لما عطف على المضمر المرفوع في مثال الأمر أكد في قوله تعالى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) «٢» ، و (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) «٣» . فإذا ثبت احتمال هذه الأسماء المسمى بها الفعل الضمير، كما احتملته أمثلة الأمر، ثبت أنها جمل. وإذا كانت جملاً لم تصح أن تكون من أسماء الله سبحانه، وأن القائل بذلك مخطئ، لادعائه ما لا دليل عليه. وقد قامت الدلالة على فساده. ألا ترى أن أسماء الله ليس فيها ما هو جملة، وأنها كلها مفردة، وهي على ضربين: أحدهما ما كان صفة، نحو: عالم، وقادر، وخالق، ورازق. والآخر ما كان مصدراً، نحو: الإله، والسلام، والعدل. فإذا لم تخل من هذين الضربين، ولم يكن «آمين» من واحد من هذين، ولا اسما غير وصف ولا مصدرا، كقولنا «شىء» ثبت أنه ليس منها. فأما ما روى عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن [المعتمر عن] «٤» هلال بن يساف، عن مجاهد أنه قال: آمين اسم من أسماء الله تعالى. فعندنا هذا الاسم لما تضمن الضمير المرفوع الذي وصفنا، / وذلك الضمير

стр. 142

مصروف إلى الله سبحانه، قال: إنه اسم الله على هذا التقدير، ولم يرد أن الكلمة اسم من أسماء الله دون الضمير، كعالم، ورازق. فإذا احتمل هذا الذي وصفت لم يكن فيما روى عنه حجة لمن قال: إن جملة الكلمة اسم. ومما يدل على أنه ليس باسم من أسماء الله تعالى، وأنه من أسماء الأفعال على ما ذكرت، أنه مبني، كما أن هذه الأسماء الموضوعة للأمر مبنية. وليس في أسماء الله تعالى اسم مبني. على هذا الحد. فلما كان هذا الاسم مبنياً كصه، وإيه، ونحوهما. دل ذلك على أنه بمنزلتهما، وليس من أسماء القديم سبحانه، إذ ليس في أسمائه اسم مبني على هذا الحد. فإن قال قائل: فقد حكى سيبويه وعامة البصريين في: لاه أبوك. أنهم يريدون لله أبوك. وهذا الاسم مبني. لأنه لا يخلو من أن يكون على قول من قال: [لاه] لأفعلن. فأضمر حرف الجر واختص به. أو على قول من قال: ألا رب من قلبي- له الله- ناصح لأنه ليس بمنون، فأوصل الفعل لما حذف الجار، وأعمله، فبين أنه ليس على إضمار حرف الجر، إذ هو مفتوح فى اللفظ «١» .

стр. 143

وليس في نحو: إبراهيم، وعمر. فيكون مفتوحاً في موضع الجر، أو منصوباً بلا تنوين، نحو: رأيت عمر، لتعرى الاسم مما يمنع الصرف. فإذا لم يكن على شىء من هذه الأنحاء، التي ينبغي أن يكون المعرب عليها. ثبت أنه مبني، وإذا كان مبنياً لم يمتنع أن يكون «آمين» اسما مثله وإن كان مبنياً. قيل له: إنما بني هذا الاسم الذي حكاه سيبويه لتضمنه معنى الحرف «ال» للتعريف. ألا ترى أنه زعم أنهم أرادوا: لله أبوك، فلما لم يذكر لام المعرفة وتضمن الاسم معناها بني كما بني آمين، لما تضمن معنى الألف واللام، وكما بني خمسة عشر «لما تضمن معنى حرف العطف، وكم، وكيف، وأين» لما تضمنت [معنى الاستفهام] أغنت عن حروف الاستفهام. والاسم إذا تضمن معنى الحرف بني. / فأما «آمين» لم يتضمن معنى الحرف على هذا الحد، ولا على نحو «كيف» وكم، وإنما بنى كما بنى «صه» و «مه» و «نزال» و «حذار» ، ونحو ذلك من الأسماء التي تستعمل في الأمر للخطاب. وحكى قطرب: له أبوك، بإسكان الهاء. وهذا صحيح في القياس مستقيم، وذلك أنه لما وجب البناء وحرك الآخر منه بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم حذف منه حرف اللين الواقع موقع اللام، كما حذف في نحو: يد ودم، وبقي على حرفين، زال التقاء الساكنين، فبني على السكون، لزوال ما كان يوجب التحريك من التقاء الساكنين. فإن قال: فهلا بني على الحركة وإن كان على حرفين، لأنه قد جرى متمكناً في غير هذا الموضع، كما بني «عل» عند سيبويه على الحركة، في قولهم:

стр. 144

من عل. وإن كان على حرفين، تجريه غير متمكن مجراه متمكناً، قبل حال البناء. قيل: لم يشبه هذا «عل» ، لأن «عل» ونحوه مما يلحقه الإعراب في التمكن على اللفظ الذي هو عليه. و «له» من قولهم: له أبوك، لحقه الحذف من شىء لم يتمكن قط في كلامهم. فإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون مثل «عل» لمفارقته ل «عل» في أنه لم يجر الاسم المحذوف هذا عنه متمكناً فلما كان كذلك صار بمنزلة حذفهم «مذ» في «منذ» في أن المحذوف مبني كما أن المحذوف منه كذلك، وفي أن المحذوف أسكن لزوال ما كان له حرك بالحذف، وهو التقاء الساكنين. فأما قوله تعالى: (مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ) «١» فالقول أنه مبني غير معرب من حيث صار اسما للفعل، كما كان «صه» و «هلم» ونحوهما مبنية. فإن قلت: إن «مكانكم» منصوب والنصب فيه ظاهر. قيل: ليست هذه الفتحة بنصب، وذلك أن انتصابه لا يخلو من أن يكون بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل، أو أن يكون بعد التسمية به في الانتصاب على ما كان عليه قبل ذلك، فلا يجوز أن يكون انتصابه/ الآن، وقد سمي به الفعل على ما كان قبل، ألا ترى أن تقديره معمولاً لذلك العامل، واتصاله به لا يصح كما يصح اتصاله به في هذه المواضع التي لا تكون أسماء للفعل وذلك قولك: زيد مكانك، والذي مكانك زيد فهذا سد مسد الفعل الذي عمل فيه، وأغنى من حيث كان تقدير العامل الذي تعلق به هذا الظرف في الأصل غير ممتنع، نحو: زيد استقر مكانك،

стр. 145

أو مستقر والذي استقر مكانك. وقدرت هذا العامل في الموضع الذي سميت الفعل به لم يتعلق به، على حد تعلق الظرف في المعمولات بعواملها. ألا ترى أنك إن علقته بها على أنه ظرف بطل أن يكون جملة وزال عنه معنى الأمر، فإذا كان كذلك لم يتصل به بعد أن صار اسما للفعل كما كان يتصل به قبل. وإذا لم يتصل به لم يكن معمولاً له، ولم يجز أن يكون، وهو اسم للفعل، معرباً بالإعراب الذي كان يعرب به قبل. ولا يجوز أيضاً أن يكون انتصابه بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل، وذلك أنه بمنزلة الأمر، وهو نفسه العامل، كما أن أمثال الأمر نفس العامل، وكما أنه لا عمل لشىء في أمثلة الأمر، كذلك ما أقيم مقامه. فإن قلت: إن الأفعال المضارعة عاملة في فاعليها، ولم يمنعها ذلك من أن تكون معمولة لعوامل أخر فكذلك ما تنكر، ألا يمنع كون «مكانك» ونحوه عاملاً في الفاعل المضمر فيه أن يكون هو نفسه أيضاً معمولاً لغيره، كما لم يمنع المضارع أن يكون معمولاً لغيره وإن كان عاملاً في فاعله. قيل: إن المضارع لما أشبه الأسماء ووقع موقعها في بعض المواضع تعرف «١» ، للمشابهة التي بينه وبين الاسم، على ما ذكر في مواضع ذلك. وهذه الأسماء إذا سمي بها الفعل تخرج بذلك عن أن تقع مواقع الأسماء، فوجب بناؤها لوقوعها موقع ما لا يكون إلا مبنياً، كما بني قولهم: «فدى لك» / في قوله: مهلاً فداء لك يا فضاله ... أجرّه الرّمح ولا تهاله «٢»

стр. 146

لما وقع موقع الأمر، وكما بني المضارع- في قول أبي عثمان- لما وقع موقع فعل الأمر. كذلك بنى «دونك» و «حذرك» ونحوه، لوقوعه موقع فعل الأمر ألا ترى أنهم بنوا «رويد» في هذا الباب مع أنه مصغر. فما عداه من هذه الأسماء أجدر بالبناء. وإذا كان كذلك لم يجز أن يتعرب «مكانك» بإعراب بعد ما سمي به الفعل، فإذا لم يجز أن يتعرب بما كان متعرباً قبل أن سمي به الفعل، ولم يجز أن يعرب بشىء بعد ما سمي به ثبت أنه غير معرب. وهذا مذهب أبي الحسن الأخفش. وإذا لم يكن معرباً كان مبنياً، ولم يجز أن يكون في موضع رفع ولا نصب ولا جر، لأن ما يعمل في الأسماء لا يعمل فيه الآن عامل. فأما ما يعمل في الفعل فلا يعمل فيه أيضاً، لأنه ليس بفعل فإذا كان كذلك ثبت أنها غير معربة. فأما تحرك بعض هذه الأسماء بحركة قد يجوز أن تكون للإعراب، نحو: مكانك، وحذرك، وفرطك فإن ذلك لا يدل على أنها معربة. ألا ترى أن الحركات قد تتفق صورها وتختلف معانيها، كقولك: «يا منص» ، في ترخيم رجل اسمه «منصور» على قول من قال: «يا حارِ» «ويا حاٌر» . وكذلك من قال: درع «دلاص» ، و «أدرع» دلاص لا تكون الكسرة التي في الجمع الكسرة التي فى الواحد، لأن التي في الواحد مثل التي في «كناز» و «ضناك» والتي فى الجمع مثل التي فى «شراف» و «ظراف» .

стр. 147

وكذلك قوله تعالى: (فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ) «١» فضمة الفاء مثل ضمة «قفل» و «برد» . وقوله تعالى: (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ) «٢» ضمة الفاء فيه للجمع على حد «أسَدِ» و «أسد» و «وثن» و «وثن» . وكذلك لا ينكر أن تتفق الحركات في «مكانك» ويختلف معناها، لما ذكرنا من الدلالة على ذلك فتكون، إذا كان ذلك ظرفاً أو مصدراً، حركة إعراب، وإذا كان اسما/ للفعل حركة بناء ونحوه. ألا ترى اتفاق حركة الإعراب وحركة البناء فى: «يا ابن أمّ» ، و «لا رجل عندك» فكذلك اتفاقهما في «مكانك» . وفي «آمين» لغتان: قصر ومد فالمقصور عربي، لكثرة «فعيل» في العربي. والممدود مختلف فيه وقد حكينا عن الأخفش أنه أعجمي، لما لم ير هذا المثال في العربي. وهذا [لا] «٣» يصح لأن الأعجمي لا يخلو من قسمين: أحدهما: نحو: اللجام. والآخر: نحو: إبراهيم، وإسماعيل. وهذا ليس واحدا منهما، فإذن هو عربى.

стр. 148

والمدّ فيها لإشباع الفتح، كإشباع «منتزاح» «١» ، و «لا ترضّاها» «٢» ، و «أنظور» «٣» ، و «الصّياريف» «٤» ، وغير ذلك. [و] كما لا يجوز لأحد أن يقول إن هذه الكلمات أعجميات لخروجها عن كلامهم، فكذلك لا يقال في «آمين» . وإذا كان هذا للإشباع فيها، فكذلك في «آمين» . وقال محمد بن يزيد «٥» : «آمين» مثل «عاصين» . وأراد به أن الميم خفيفة كالصاد، ولم يرد به أنه جمع، لأنه إن كان اسماً من أسماء الله فالجمع فيه كفر، وإن كان اسماً للفعل فإنه نائب عن الجملة، فلا يجوز جمعه. وأما قول الأخفش: إنك إذا سميت ب «آمين» رجلاً لم تصرفه. فإن قال [قائل] : فأحد السببين المانعين من الصرف التعريف، فما السبب الثاني المنضم إلى التعريف، وليس «آمين» بمنزلة «هابيل» في أنه اسم جرى معرفة في كلام العجم فيمنعه الصرف، كما يمنع «إبراهيم» ونحوه؟

стр. 149

قيل: يجوز أن تقول: إنه مالم يكن اسم جنس ك «شاهين» أشبه [الأسماء] المختصة. فامتنع من الصرف كما امتنعت عنده «عريط» «١» . وهذا الشبه فيما لا ينصرف معمل. ألا ترى أنهم شبهوا «عثمان» في التعريف «بسكران» . ومن كان «آمين» عنده عربياً فالقياس أن يصرفه إذا سمي به رجلاً، على قول بني تميم، ولا يمنعه خروجه عن أبنية كلامهم من الانصراف، لأنه يصير بمنزلة عربي لا ثاني له من دونه، نحو «إنقحل» «٢» . وعلى قياس قول/ أهل الحجاز ينبغي أن يحكى، ألا ترى أنهم لو سموا رجلا بفعال، نحو: حذام، وقطام، لحكوه ولم يعربوه. فهذا هو القول في «آمين» . ومن ذلك قوله تعالى في قول الكسائي (كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) «٣» والتقدير عنده: عليكم كتاب الله. كقوله تعالى (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) «٤» أي: احفظوها. هذا عندنا لا يصح، لأن معمول «عليك» لا يتقدم عليه، وإنما «كتاب الله» نصب مصدر مؤكد ما تقدم «٥» . وسأعد لك من أخواته معه ما يفهم به صحته. فإن قلت: فقد جاء ذلك فى قولها: يا أيها الماتح دلوى دونكا ... إني رأيت الناس يحمدونكا

стр. 150

قال: التقدير: دونك دلوى، وهذا عندنا مبتدأ وخبر. ليس كما قالوا. فأما وقف من وقف على قوله تعالى: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ) «١» ثم يبتدئ فيقرأ (عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) فليس بالمتجه، لأن سيبويه قال: إن هذا يكون في الخطاب دون الغائب، فلا يجوز حمله على الإغراء. وهذا لفظ سيبويه. قال: حدثني من سمعه: أن بعضهم قال: عليه رجلاً ليسنى. هذا قليل، شبهوه بالفعل. يعني أنه أمر غائباً، فقال: عليه. وأما ما روى عن النبي «﵇» أنه قال: «من استطاع منكم الباءة فليتزوج وإلا فعليه بالصوم فإنه له وجاء» . وإنما أمر الغائب بهذا الحرف على شذوذه، لأنه قد جرى للمأمور ذكر، فصار بالذكر الذي جرى له كالحاضر، فأشبه أمر الحاضر. وإنما قوله (عَلَيْهِ) خبر (لا) أي: لا إثم عليه في التطوف بينهما، والطواف ليس بفرض. وأما قوله تعالى: (هَيْتَ لَكَ) «٢» فقد قالوا: معناه: هلم لك. قال رجل لعلي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: أبلغ أمير المؤمنين أخا العراق إذا أتيتا أن العراق وأهله ... عنق «٣» إليك فهيت هيتا

стр. 151

أي: هلم إلينا، وقد كسر قوم الهاء، وهو لغة في ذا المعنى، ورفعت في ذا المعنى «١» . / قال: وقراءة أهل المدينة: «هيت لك» في ذا المعنى، الهاء مكسورة والتاء مفتوحة. والمعروف: هيت وهيت بضم التاء وفتحها. وحكى الكسر أيضاً. وهو اسم للفعل. و «لك» على هذا للتبيين- بمنزلة «لك» في قولهم: هلم لك. ومثل تبيينهم: «رويدك» بالكاف في «رويدك» . وتبيينهم «هآء وهآء» بقولهم: «هاك، وهاك» . و «لك «في «هلم لك» - متعلق بهذا الاسم الذي سمي به الفعل. ولا يجوز أن يتعلق بمضمر، لأنك لو علقته بمضمر لصار وصفاً. وهذه الأسماء التي سميت الأفعال بها لا توصف، لأنها بمنزلة مثال الأمر، وكما لا يوصف مثال الأمر كذلك لا توصف هذه الأسماء. ومن ذلك «هلم» في قوله: (هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ) «٢» ، وفي قوله: (هَلُمَّ إِلَيْنا) «٣» . وهي «ها» ضمّت إلى «لمّ» فجعلا كالشىء الواحد. وفيه لغتان: إحداهما- وهو قول أهل الحجاز، ولغة التنزيل- أن يكون في جميع الأحوال للواحد والواحدة والآثنين والآثنتين والجماعة من الرجال والنساء على لفظ واحد، لا تظهر فيه علامة تثنية ولا جمع، كقولهم: «هلم إلينا» فيكون بمنزلة: رويد، وصه، ومه، ونحو ذلك، نحو الأسماء التي سميت بها الأفعال، وتستعمل للواحد والجمع، والتأنيث والتذكير على صورة واحدة.

стр. 152

والأخرى: أن تكون بمنزلة «رد» في ظهور علامات الفاعلين، على حسب ما تظهر في «رد» وسائر ما أشبهها من الأفعال. وهي في اللغة الأولى وفي اللغة الثانية، إذا كانت للمخاطب، مبنية مع الحرف الذي بعدها على الفتح. كما أن «هل تفعلن» مبنى مع الحروف على الفتح. وإن اختلف موقع الحرفين في الكلمتين، فلم يمنع الاختلاف من البناء على الفتح. ولخفة «ها» المنبهة، لكون الأمر موضعا للاستعطاف، كما لحقت «يا» (أَلَّا يَسْجُدُوا) «١» و «ها» (ها أَنْتُمْ) «٢» فحذف لكثرة استعمال الألف من «ها» ك «لا أدري، «ولم أبل» . ولأن الألف حذفت لما كانت اللام في نية السكون، وكأنه. هلمم. والساكن معتبر بدليل: جيل، ومول، فلم يعلوا اعتباراً بسكون الياء والواو في «موئل» ، «وجيأل» . وحسن حذف الألف جعلها مع «لم» كخمسة عشر، بدلالة اشتقاقهم الفعل منه. فيما حكى الأصمعي: إذا قيل لك. هلم. فقال: ما أهلم، فاشتقاقهم الفعل نظير «أهريق» زيادة لا معنى له. ويكون اشتقاق: هلل، وحوقل، وهو أحسن، لأنهم لم يغيروه في التثنية والجمع. وقال الفراء: إن: أصله: هل أم. و «أمّ «، من «قصدت» . والدليل على فساد هذا القول: أن «هل» لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بمعنى: قد، وهذا يدخل في الخبر. وأما أن يكون بمعنى الاستفهام، وليس لواحد من الحرفين تعلّق بالأمر.

стр. 153

وإن قلت: هو خبر بمعنى الأمر فإن ذلك لا يدخل عليه «هل» لأن من قال: «رحم الله» لا يقول: هل رحم الله، والفتح فيه كالفتح في «ليقومن» وليس لالتقاء الساكنين، كالفتح في «رد» لأن «رد» يجوز فيه الأوجه الثلاثة، و «هلمّ» لا يجوز فيه إلا الفتح، على لغة أهل الحجاز. ومن ذلك «أفٍّ» في قوله تعالى: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ) «١» وقوله: (أُفٍّ لَكُمْ) «٢» . وفي قوله: (وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما) «٣» . وفيه لغات: والمقروء منها الكسر بلا تنوين، والكسر بتنوين، عن نافع وحفص، والفتح بلا تنوين، ويجوز في العربية الضم بلا تنوين، والضم بتنوين. وفي لغة سابعة، أفي، مثل: أمليت، وأمللت «٤» . ومعنى كله: نتناً وذفراً. وقد سمي الفعل به فبني. وهذا في البناء على الفتح، كقولهم: سرعان ذا إهالة «٥» ، لما صار اسماً ل «يسرع» ، وكذلك «أف» ، لما كان اسماً لما يكره أو يضجر منه، ونحو ذلك. فمن نون نكرة، ومن لم ينون كان عنده معرفة مثل: صَهْ، وصَهٍ، ومَهْ، ومه، إلا أن «أف» فى الخبر، و «صه» فى الأمر.

стр. 154

فإن قلت: ما موضع «أف» في هذه الآى بعد «القول» ، هل يكون موضعه نصباً كما ينتصب المفرد بعده، أو كما تكون الجمل؟ وكذلك لو قلت: «أف» «١» وإذا لم يكن مع «أف» «لك» ، كان ضعيفاً، ألا ترى أنك لو قلت: «ويل» لم يستقم حتى توصل به «لك» فيكون في موضع الجر. ومن الأسماء/ التي سميت بها الأفعال قوله تعالى: (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) «٢» وفيها لغات: إحداها: هاك، للرجل، وهاك، للمرأة. والكاف للخطاب. يدل على ذلك أن معنى: هاك زيدا، أي: خذ زيداً «فزيداً» ، هو منصوب بهذا الفعل، ولا يتعدى إلى مفعولين. ويدلك على أن الكاف في «هاكَ» و «هاك» حرف لا اسم إيقاعهم موقعها ما لا يكون اسما على وجه وذلك قولك: «هاؤم» . وعلى هذا قوله تعالى: (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) «٣» . وعلى هذا قالوا للاثنين: هاؤما، وللنساء. هاؤن كما يقال: هاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن. وفيها لغة ثالثة، وهي أن تترك الهمزة مفتوحة على كل حال وتلحقها كافاً مفتوحة للمذكر، ومكسورة للمؤنث، فتقول: هاءك، وهاءكما، وهاءكم، وهاءك، وهاءكما، وهاءكن. وفيها لغة رابعة: وهي قولك للرجل: هأ، بوزن: هع. وللمرأة: هانىء، بوزن: هاعى، وللاثنين: هاءا، بوزن: هاعا، وللمذكرين: هاءوا، بوزن: هاعوا.

стр. 155

وللنساء: هأن، بوزن: هعن «١» . فهذه اللغة تتصرف تصرف «خف» و «خافى» و «خافا» و «خافوا» و «خفن» ، وهي لغة، مع ما ذكرناه، قليلة. فأما قول علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: أفاطم هائى السيف غير ذميم ... فلست برعديد ولا بلئيم لعمري لقد قاتلت في جنب أحمد ... وطاعة رب بالعباد رحيم وسيفي بكفي كالشهاب أهزه ... أجذّ به من حالق وصميم ومازلت حتى فض ربي جموعهم ... وأشفيت منهم صدر كل حطيم والوجه أن يكون على قول من كسر الهمزة للمؤنث، لأن القرآن بهذه اللغة نزل، وهو أفصح اللغات. ويجوز أن يكون على قول من قال: هائى، بوزن خافى. فحذف الياء لالتقاء الساكنين. وفيه لغة خامسة، وهو أن يقال للواحد والواحدة والتثنية والجمع على صورة واحدة. والذي ينبغي أن يحمل هذا عليه أن يجعل بمنزلة «صه» و «مه» و «رويد» و «إيه» . وأما «رويداً» من قوله : (فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) / «٢» فإن «رويداً» في الآية ليست بمبنية. اسما ل «ارفق» ، نحو: رويد علياً، ولكنه صفة مصدر مضمر، أي: أمهلهم إمهالا رويدا، ويجوز أن يكون حالا.

стр. 156

وفي كلا الوجهين تصغير «إرواد» تصغير الترخيم، أو تصغير «رود» «١» . فأما قوله تعالى: (قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ) «٢» فالتقدير: ارجعوا ارجعوا و «وراءكم» لا موضع له لأنه تكرير. ألا ترى قولهم: وراءك أوسع لك «٣» . وأما قوله تعالى: (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ) «٤» «فهيهات» مبنية على الفتح. وهو اسم ل «بعد» . والفاعل مضمر فيه. والتقدير: هيهات إخراجكم لأنه تقدم أنكم تخرجون. ولا يصح قول من قال: إن التقدير: البعد لما توعدون، أو البعيد لما توعدون، لأن هذا التقدير لا يوجب لها البناء على الفتح، وإنما يوجب بناءه كونه في موضع «بعد» ، كسرعان، في موضع سرع، وقد ذكرته في «المختلف» . وأما قولهم: «إيها» وقوله ﵇: «إيها أصيل «٥» ، دع القلوب تقر» «٦» . فإيها، مبني على الفتح، وهو بالتنوين، اسم «لكفّ» ، وهو نكرة.

стр. 157

الباب السابع هذا باب ما جاء في التنزيل من أسماء الفاعلين مضافة إلى ما بعدها، بمعنى الحال أو الاستقبال فمن ذلك قوله تعالى: (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) «١» . الإضافة فيه إضافة غير تحقيقيه، وهو في تقدير الانفصال، والتقدير: مالك أحكام يوم الدين وإذا كان كذلك لم يكن صفة لما قبله، ولكن يكون بدلا. فإن قلت: إنه أريد به الماضي فأضيف فجاز أن يكون وصفاً لما قبله، والمعنى معنى المستقبل، كما قال: (وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ) «٢» . فالوجه الأول أحسن لأنه ليس في لفظه ما يدل على الماضي، والشيء إنما يحمل في المعنى على ما يخالف في اللفظ، نحو «نادى» ، يقال لفظه لفظ الماضي والمعنى المستقبل، وهذا التقدير لا يصح في (مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) «٣» إذ لا يقال: لفظه لفظ الماضي ومعناه المستقبل. ومن ذلك قوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) «٤» لولا ذلك لم يجز خبراً على «كل» لأنه لا يكون المبتدأ نكرة والخبر معرفة. نظيره في الأنبياء: (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ) «٥» .

стр. 158

ومن ذلك قوله تعالى: (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) «١» أي: بالغاً الكعبة، إضافة في تقدير الانفصال، أي هديا مقدرا به بلوغ الكعبة، ليس أن البلوغ ثابت في وقت كونه هديا فإنما الحال هنا كالحال في قوله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها) «٢» أي: مقدرين الخلود فيها. ومثله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ثانِيَ عِطْفِهِ) «٣» أي: ثانياً عطفه، والإضافة في تقدير الانفصال، لولا ذلك لم ينتصب على الحال. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ) «٤» أي سابق النهار. والتقدير به التنوين. ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ) «٥» أي: لذائقون العذاب الأليم، فالنية به ثبات النون لأنه بمعنى الاستقبال. ومن ذلك قوله تعالى: (هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ) «٦» هو في تقدير التنوين، دليلة قراءة من نوّن ونصب «ضرّه» و «رحمته» . ومن ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ) «٧» أي: مستقبلا أوديتهم.

стр. 159

ومثله ما بعده: (عارِضٌ مُمْطِرُنا) «١» أي: عارض ممطر إيّانا، لولا ذلك لم يجز وصفاً على النكرة. ومن ذلك قوله: (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) «٢» ، دليله قراءة «يزيد» «منذر من يخشاها» بالتنوين. فهذه الأسماء كلها إذا أضيفت خالفت إضافتها إضافة الماضي، نحو قوله تعالى: (فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً) «٣» لأن الإضافة في نحو ذلك صحيحة، وتوصف به المعرفة ألا ترى أن «فالق» صفة لقوله (ذلِكُمُ اللَّهُ) «٤» وإنما صحت إضافته لأنه لا يعمل فيما بعده، فلا يشبه الفعل، وإذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال عمل فيما بعده، لأنه يشبه «يفعل» بدليل أن «يفعل» أعرب. فأما قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) «٥» . وقوله تعالى: (فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ) «٦» . وقوله تعالى: (وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ) «٧» . وقوله تعالى: (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ) «٨» .

стр. 160

وقوله تعالى: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ) «١» . وقوله تعالى: (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ) «٢» . فالهاء والكاف عند سيبويه في موضع الجر بالإضافة، لكف «النون» ، كما أن الظاهر في قوله: (سابِقُ النَّهارِ) «٣» وقوله: (لَذائِقُوا الْعَذابِ) «٤» جر، وإن كانت الإضافة في تقدير الانفصال. وعند الأخفش: الكاف والهاء في موضع النصب، بدليل قوله: (وَأَهْلَكَ) «٥» فنصب المعطوف، فدل على نصب المعطوف عليه. وسيبويه يحمل قوله: (وَأَهْلَكَ) «٦» على إضمار فعل، كما يحمل: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً) «٧» على إضمار فعل. وكذلك: (وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً) «٨» . فسيبويه يعتبر المضمر بالظاهر. وكما جاز: (ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «٩» بجر «المسجد» وإضافة «حاضرى» إليه، فكذا هذا.

стр. 161

والأخفش يدعى أن النون لا يمكن إظهارها هنا، لا يجوز (مُنَجُّوكَ) «١» ، ولا: (بالِغِيهِ) «٢» ، ولا: (بالِغُوهُ) «٣» . فافترق الحال بين الظاهر والمضمر. وأما قوله: (فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) «٤» ليس بوصف لله، لأنه نكرة، والإضافة في تقدير الانفصال. بدليل تعلق الظرف به في «أحوج ساعة» «٥» . و (أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ) «٦» ، وقد جاء: ملك أضلع البرّية ما يو ... جد فيها لما لديه كفاء «٧» فإن «أحسن» مرتفع ب «هو» ، لأنه موضع بناء. وإن شئت كان بدلاً لأن إضافة «أفعل» في تقدير «من» . فإذا ثبت: زيد أفضل القوم والتقدير: أفضل من القوم فإضافته غير محضة، لا يتعرف بها، فوجب أن يكون «أحسن» بدلاً لا وصفاً. ومن ذلك قوله: (وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ) «٨» بالكسر، اسم الفاعل، ليكون معرفة فيشاكل المعطوف عليه، ومن فتح «٩» ، فهو مصدر، أي، ذا ختم.

стр. 162

الباب الثامن هذا باب ما جاء في التنزيل من إجراء «غير» في الظاهر على المعرفة فمن ذلك قوله تعالى: (صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) «١» . قال قوم: إنما انجر «غير» لأنه بدل من «الذين» وهو معرفة، ولا كلام في هذا. وقال قوم: بل هو صفة ل «الذين» . فقيل لهم: إن «غيراً» أبداً نكرة، فكيف تجري وصفاً على المعرفة؟ /. وإنما قالوا ذلك لأنك إذا قلت: مررت برجل غيرك، فكل الناس غير المخاطب. وقال أبو إسحاق في ذلك: إن «غيرا» جرى وصفا ل «الذين» هنا، لأن معنى: الذين أنعمت عليهم: كل من أنعم الله عليه منذ زمن آدم إلى قيام الساعة. وليسوا مقصوداً قصدهم. وقال أبو بكر بن دريد: «غير» إذا أضيف إلى اسم يضاد «الموصوف» وليس له

стр. 163

ضد سواه، يتعرف «غير» بالإضافة، كقولك: مررت بالمسلم غير الكافر، وعليك بالحركة غير السكون، لا يضاد المنعم عليهم إلا المغضوب عليهم، فتعرف «غير» . وقال أبو علي: يشكل هذا بقوله: (أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) «١» . ومثل (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ) قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) «٢» . فمن رفع «غيرا» جعله تابعاً ل «القاعدين» على الوجهين. وكذا قوله: (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ) «٣» ، فيمن جر «غيرا» .

стр. 164

الباب التاسع هذا باب ما جاء في التنزيل من كاف الخطاب المتصلة بالكلمة ولا موضع لها من الإعراب فمن ذلك «١» الكاف المتصلة بقوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) «٢» فالكاف هنا للخطاب. ومن ادعى فيه أنه جر بالإضافة فقد أحال، لأن «إيا» اسم مضمر، والمضمر أعرف المعارف، فلا يجوز إضافته بتة. فإن قال: إن «إيا» اسم ظاهر. قلنا: لم نر اسماً ظاهراً ألزم إعراباً واحداً إلا في الظروف، نحو: «الآن» ، و «إذ» - فى أغلب الأحوال- و «أين» ، و «إيّا» ليس بظرف. فإن قال: فقد قالت العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه والشواب «٣» ، فهذا نادر لا اعتبار به، ولا يجوز بناء القواعد عليه. وإذا كان كذلك كان «إياكما» و «إياكم» و «إياك» و «إياى» من قوله: (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) «٤» ، و «إياه» الياء والهاء أيضاً حرفان، وقد جردتا عن الاسمية وصارتا حرفين.

стр. 165

ومن ذلك الكاف في «ذلك» من قوله: (ذلِكَ الْكِتابُ) «١» و «ذانك» من قوله: (فَذانِكَ بُرْهانانِ) «٢» وما أشبهه. الكاف للخطاب لثبات النون في «ذانك» . ولو كان جراً/ بالإضافة حذفت النون كما تحذف من قولهم: هذان غلاماك، لأن «ذا» اسم مبهم، وهو أعرف من المضاف، فلا يجوز إضافته بتة. ولأنك تقول: عندي ذلك الرجل نفسه. ولا يجوز أن تقول: ذاك نفسك، بالجر، ولو كان الكاف جراً لجاز، فثبت: ذلك نفسه، وذاك نفسه، يفسد كون الكاف مجروراً. ومن ذلك الكاف في قوله تعالى: (أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) «٣» فالكاف هنا للخطاب، ولا محل له من الإعراب لأن العرب تقول: أرأيتك زيداً ما صنع؟ ولو كان «الكاف» المفعول الأول لكان «زيدا» المفعول الثاني، و «زيدا» غير الكاف، لأن «زيدا» غائب وهو غير المخاطب، ولأنه لا فرق [بينه و] «٤» بين قول القائل: أرايتك زيدا ما صنع؟ ألا ترى قوله: (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ) «٥» . وقوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ) «٦» . فالكاف والميم ثبوتهما لا يزيد معنى يختل بسقوطهما، فعلى هذا فقس

стр. 166

جميع «الكاف» المتصل ب «إياك» ، و «ذلك» ، و «ذاك» ، و «ذانك» ، و «أرأيتك» ، و «أرأيتكم» . وهذا قوله: (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) «١» . وقوله: (وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ) «٢» . وقوله: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ) «٣» . «الكاف» في هذه المواضع للخطاب ولا محل لها من الإعراب. وهكذا «الكاف» في: «أولئك» ، و «أولئكم» ، في جميع التنزيل للخطاب، وليس لها محل من الإعراب، لاستحالة معنى الإضافة فيه.

стр. 167

الباب العاشر هذا باب ما جاء في التنزيل من المبتدأ ويكون الاسم على إضمار المبتدأ، وقد أخبر عنه بخبرين وقد ذكر سيبويه ذلك في «الكتاب» حيث يقول في باب ما يجوز فيه الرفع مما ينتصب في المعرفة «١» : وذلك قولك: هذا عبد الله منطلق. حدثنا بذلك يونس وأبو الخطاب عمن يوثق به من العرب. وزعم الخليل أن رفعه يكون على وجهين: فوجه أنك حيث قلت: هذا عبد الله منطلق، أضمرت «هذا» أو «هو» ، فكأنك قلت: هذا عبد الله هو منطلق. والوجه الآخر: أن تجعلهما/ جميعاً خبراً ل «هذا» ، كقولك: هذا حلو حامض. لا تريد أن تنقص الحلاوة، ولكن تزعم أنه قد جمع الطعمين. قال الله تعالى: (كَلَّا إِنَّها لَظى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوى) «٢» وزعم أنها في قراءة ابن مسعود: (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً) «٣»

стр. 168

وقال الشاعر «١» : من يك «٢» ذا بت فهذا بتى ... مقيظ مصيف مشتى «٣» البت: الكساء. انتهت الحكاية عن سيبويه. فمن ذلك قوله تعالى: (آلم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) «٤» ف «ذلك» مبتدأ و «الكتاب» عطف بيان، أي جمع أنه لا شك فيه، وأنه هدى. وكان أبو علي يقول: إنك إذا قلت: هذا حلو حامض، فالعائد إلى المبتدأ ضمير من مجموعهما. ألا ترى أنهم فسروه بقولهم: هذا مز. وكان عثمان يقول: قد قال هذا. وعندي أن الضمير يعود إليه من كل واحد منهما. وبينهما كلام طويل ذكرته في «الاختلاف» . ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) «٥» ف «الَّذِينَ كَفَرُوا» اسم «إن» بمنزلة المبتدأ. و «سواء عَلَيْهِم» ابتداء. وقوله «أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ» استفهام بمعنى الخبر في موضع الرفع: خبر «سواء» . والتقدير: سواء عليهم الإنذار وترك الإنذار. والجملة خبر «الذين» . وقوله (لاَ يُؤْمِنُونَ) جملة أخرى خبر بعد خبر، أي: إن الذين كفروا فيما مضى يستوي عليهم الإنذار وترك الإنذار، لا يؤمنون فى المستقبل.

стр. 169

وهذا يراد به قوم خاص كأبي جهل وأصحابه، ممن لم ينفعهم الإيمان، وليس على العموم. فإن قلت: فإن قوله: (أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) إذا كان خبرا ل «سواء» فليس في هذه الجملة ما يعود إلى المبتدأ الذي هو «سواء» ، فكيف صح وقوعه خبراً عنه؟ فالجواب: أن هذه جملة في تقدير المفرد، على تقدير: سواء عليهم الإنذار وترك الإنذار. ولو صرح بهذا لم يكن ليحتاج فيه إلى الضمير، فكذا إذا وقع موقعه جملة. وقدّر قوم أن «الإنذار» ، مبتدأ، وترك الإنذار عطف عليه، و «سواء» خبر. والأول أوجه، ولكنه على/ هذا المخبر عنه مقدر، وليس في اللفظ. وعلى الأول المخبر عنه في اللفظ. ومثله: (سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ) «١» . والتقدير: سواء عليكم الدعاء والصموت. ويجوز أن يكون «هدى» خبر مبتدأ مضمر، أي: هو هدى. لأن سيبويه جوز في المسألة المتقدمة هذا. ومن إضمار المبتدأ قوله: (وَقُولُوا حِطَّةٌ) «٢» والتقدير: قولوا: مسألتنا حطة أو إرادتنا حطة. فحذف المبتدأ. وأما قوله تعالى: (قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ) «٣» فحمله أبو إسحاق مرة على حذف المبتدأ، أي: لا هي فارض ولا بكر. وحمله مرة

стр. 170

أخرى على أن «فارض» صفة لبقرة، كما حكاه سيبويه: مررت برجل لا فارس ولا شجاع. وفي التنزيل: (وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) «١» ، فجر «مقطوعة» صفة ل «فاكهة» . ومن هذا الباب قوله تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا) «٢» ف (أَنْ يَكْفُرُوا) مخصوص بالذم. والمخصوص بالمدح والذم في باب «بئس» و «نعم» فيه قولان: أحدهما: أنه مبتدأ و «بئس» خبر، على تقدير: بئس كفرهم، بئسما اشتروا به أنفسهم. والقول الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر، لأنه كأنه لما قيل: بئسما اشتروا به أنفسهم، قيل: ما ذلك؟ قيل: أن يكفروا. والقول الثاني: «٣» أي: هو أن يكفروا، أي: هو كفرهم. وعلى هذا فقس جميع ما جاء من هذا الباب من قوله تعالى: (فَنِعِمَّا هِيَ) «٤» . وقوله: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ) وغير ذلك. ومن ذلك قوله تعالى- في قراءة أبي حاتم- (لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ) «٥» . ألا ترى أنه يقف على «ذلول» ثم يبتدئ فيقرأ «تثير الأرض» على: فهي تثير الأرض. وقال قوم: هذا غلط، لأنه لو قال [وتسقى الحرث لجاز، ولكنه] «٦» قال: (وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ) «٧» وأنت لا تقول: يقوم زيد ولا يقعد، وإنما تقول: يقوم زيد لا يقعد.

стр. 171

وقد ذكرنا في غير موضع من كتبنا: أن الواو واو الحال، أي: تثير الأرض غير ساقيه. / والأحسن أن يكون «تثير» داخلاً في النفي. ومن حذف المبتدأ قوله تعالى: (مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها) «١» أي هي مسلمة. وإن شئت كان قوله: «لا ذلول» أي: لا هي ذلول مسلمة، خبر بعد خبر. ومن حذف المبتدأ قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) «٢» أي: فالواجب عدة. وكذلك: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) «٣» أي: فالواجب ما استيسر من الهدى. وأما قوله تعالى: (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ) «٤» من رفع «رفثا» و «لا فسوقاً» ونصب «لا جدال في الحج» «٥» فإن خبر المرفوعين مضمر، على قول الأخفش، لأنه يزعم أن رفعهما بالابتداء، ويجعل الناصب «جدال» نفس «لا» ولا يجعل «لا» مع «جدال» مبتدأ، كما هو مذهب سيبويه، وإنما يجعل «لا» بمنزلة «أن» ، فلا يجوز أن يشترك المنصوب المرفوع في الخبر، وعلى هذا مذهب سيبويه خبر الجميع قوله (فِي الْحَجِّ) لأن الجميع مبتدأ. وعلى هذا الخلاف قوله: فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدا مقيم «٦»

стр. 172

ومن ذلك قوله تعالى: (لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ) «١» أي: هذا الشرع، وهذا المذكور لمن اتقى، أي: كائن لمن اتقى. ومن ذلك قوله تعالى: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) «٢» أي: فالواجب إمساك بمعروف. ومنه: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) «٣» أي: فالواجب نصف ما فرضتم. ومنه قوله تعالى: (وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ) «٤» أي: فالواجب وصية لأزواجهم. فأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) «٥» فإن أبا إسحاق وأبا العباس حملا قوله «يتربصن» على أنه خبر ابتداء محذوف، مضاف إلى ضمير «الذين» ، على تقدير: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً أزواجهم يتربصن. والجملة خبر «الذين» . والعائد إلى «الذين» من الجملة المضاف إليه «الأزواج» . وقد جاء المبتدأ المضاف محذوفاً في قوله تعالى: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ) «٦» أي. تقلبهم متاع قليل، فحذف المبتدأ. في مواضع. وقال الأخفش: / التقدير في الآية: يتربصن بعدهم، فحذف «بعدهم» العائد إلى «الذين» وإن كان متصلاً بالظرف لأنه قد جاء مثل ذلك كقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) «٧» . التقدير: وكأن لم يلبثوا قبله. لا بد من إضمار «قبله» . وسترى ذلك في مواضع إن شاء الله.

стр. 173

وقال الكسائي: إن قوله «يتربصن» جرى خبراً عن الاسم الذي تقدم في صلة الموصول، لأن الغرض من الكلام: أن يتربصن هن. وأنشد الفراء: لعلى إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي الذبان أن يتندما فأخبر عن ابن أبي الذبان، الذي تعلق بقوله: «إن مالت بي الريح» فقال: أن يتندما. ولا حجة له في البيت، لأنه قد عاد من جملة الكلام إلى ياء المتكلم ضمير، وهو قوله «إن مالت بي الريح» فبطل حجته بالبيت. وصح قول أبي الحسن وقول أبي العباس، ومن ذلك قوله تعالى: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) «١» . قال سيبويه: قال الله : (فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ) «٢» فارتفع لأنه لم يخبر عن الملكين أنهما قالا: فلا تكفر فيتعلموا لنجعل قولهما «لا تكفر» سبباً للتعلم، ولكنه قال «فيتعلمون» أي فهم يتعلمون «٣» . ومثله: (كُنْ فَيَكُونُ) «٤» كأنه قال: إنما أمرنا ذاك فيكون، أي: فهو يكون. قال أبو علي: تقدير قولك: لا تقرب الأسد فيأكلك، هاهنا غير سائغ. ألا ترى أن كفر من نهى عن أن يكفر في الآية ليس سبباً لتعلم من يتعلم ما يفرق به بين المرء وزوجه وذلك أن الضمير الذي في قوله (فَيَتَعَلَّمُونَ) لا يخلو من أحد أمرين:

стр. 174

إما أن يكون راجعاً إلى «الناس» من قوله (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) «١» ، أو إلى (أَحَدٍ) «٢» . فإن كان راجعاً إلى «الناس» فلا تعلق له بقوله (فَلا تَكْفُرْ) ، لأنه لا معنى لقوله (فَيَتَعَلَّمُونَ) إذا كان فعل الغير أن يحمل على (فَلا تَكْفُرْ) ، لفساده في المعنى. وإن كان راجعاً إلى (أَحَدٍ) لم يكن (فَيَتَعَلَّمُونَ) أيضاً جواباً لقوله (فَلا تَكْفُرْ) ، لأن التقدير: لا يكن كفر فتعلم. / والمعنى: إن يكن كفر يكن تعلم، وهذا غير صحيح، ألا ترى أنه يجوز أن يكفر ولا يتعلم، فليس الأول سبباً للثاني، فإذا لم يجز ذلك لم يخل من أحد أمرين: إما أن تجعل الفعل معطوفاً بالفاء على فعل قبله وإما أن نجعله خبراً لمبتدأ محذوف. والفعل الذي قبله لا يخلو من أن يكون (كَفَرُوا) أو (يُعَلِّمُونَ) أو (يُعَلِّمانِ) ، أو فعلا مقدراً محذوفاً من اللفظ، وهو «يأبون» . فإن عطفت على «كفروا» جاز، ويكون موضعه رفعاً كموضع «كفروا» . وإن عطفت على (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) فيتعلمون، جاز. و (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ) يجوز أن يكون منصوباً على الحال من الواو في (كَفَرُوا) . ويجوز أن يكون بدلاً عن (كَفَرُوا) ، لأن تعليم السحر كفر.

стр. 175

فأما ما اعترض به أبو إسحاق على المعطوف على (يُعَلِّمُونَ) من أنه خطأ، لأن قوله (مِنْهُما) دليل هاهنا على التعلم من الملكين خاصة، فهو ساقط غير لازم من جهتين: إحداهما، أن التعلم إن كان من الملكين خاصة لا يمنع أن يكون قوله (فَيَتَعَلَّمُونَ) عطفاً على (كَفَرُوا) وعلى (يَتَعَلَّمُونَ) ، وإن كان متعلقاً ب (مِنْهُما) فكأن الضمير في (مِنْهُما) راجع إلى الملكين. فإن قلت: كيف يجوز هذا؟ وهل يسوغ أن يقدر هذا التقدير (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر فيتعلمون منهما) . فتضمر الملكين قبل ذكرهما؟. قيل له: أما المضمر فعلى ما ذكرته صحيح. فأما الإضمار قبل الذكر فساقط هنا، ليس يلزم على تقديره في قول سيبويه إضمار قبل الذكر. ألا ترى أن (مِنْهُما) إذا كان ضميراً عائداً إلى الملكين، فإن إضمارهما بعد تقدم ذكرهما، وذلك شائع. ونظيره قوله: (وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ) «١» فإن قال: إن المعطوف على قول سيبويه بعيد من المعطوف عليه، وعلى قول غيره قريب، ومهما احتملت الآية من غير تأويل كان أولى. قيل له: إن بعد المعطوف عن المعطوف عليه وتراخيه عنه لا يمنع من عطفه عليه وإتباعه إياه.

стр. 176

ألا ترى أن الناس/ حملوا قوله تعالى: (وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ) «١» فيمن جر على (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) «٢» وعلم «قيله» ، وليس بعده من المعطوف عليه وتراخيه عنه بأقل من هذا، وهذا كثير. والجهة الأخرى، وهي أن الضمير لهاروت وماروت. والتقدير: (ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا يعلمون الناس السحر فيتعلمون منهما) . فلا يعود إلى الملكين، إنما يعود إلى هاروت وماروت، وجاز (يُعَلِّمُونَ) حملا على المعنى. ويجوز عطف (يَتَعَلَّمُونَ) على (ما يُعَلِّمانِ) ، فيكون التقدير: وما يعلمان من أحد فيتعلمون منهما، فيكون الضمير الذي في (يَتَعَلَّمُونَ) على هذا التأويل «لأحد» . إلا أنه جمع لما حمل على المعنى، كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) «٣» . وارتفاعه لا يمنع عطفك إياه على هذا الفعل الذي ذكرناه، لأن هذا الفعل، وإن كان منفيا في اللفظ، فهو موجب في المعنى. ألا ترى أن معناه: يعلمان كل أحد إذا قالا له: (إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) . ويجوز أن يكون معطوفاً على مضمر دل عليه الكلام، وهو: يأبون فيتعلمون. إلا أن قوله (فَلا تَكْفُرْ) نهى عن الكفر، فدل (فَيَتَعَلَّمُونَ) على إبائهم.

стр. 177

فأما كونه خبرا المبتدأ المحذوف، فعلى أن تقدره: فهم يتعلمون منهما، فهذا ما احتملته هذه الآية. ومن إضمار المبتدأ قوله تعالى: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) «١» فأضمر المبتدأ وأخبر عنه بثلاثة أخبار. وكان عباس بن الفضل يقف على (صُمٌّ) ثم على (بُكْمٌ) ثم على (عُمْيٌ) فيصير لكل اسم مبتدأ، والأول أوجه. ودل قوله في الأخرى: (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ) «٢» على أن الواو هنا مقدرة أيضاً وأنه في قولهم: هذا حلو حامض، مقدر أيضاً. والجار في قوله (فِي الظُّلُماتِ) متعلق بمحذوف. والتقدير: صم وبكم ثابتون في الظلمات. ومن هذا الباب قوله تعالى: (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) «٣» . إذا وقفت على (هُوَ) كان (الْحَيُّ) خبر مبتدأ مضمر. ولا يجوز أن يكون (الْحَيُّ) وصفاً ل «هو» لأن المضمر لا يوصف. ويجوز أن يكون خبراً لقوله (اللَّهُ) . ويجوز أن يرتفع (الْحَيُّ) / بالابتداء و (الْقَيُّومُ) خبره. ويجوز أن يكون (الْحَيُّ) مبتدأ و (الْقَيُّومُ) صفة، و (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ) «٤» جملة خبر المبتدأ. ويكون قوله (ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) «٥» الظرف، وما ارتفع به خبر آخر، فلا تقف على قوله (وَلا نَوْمٌ) «٦» .

стр. 178

ومن ذلك قوله تعالى: (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) «١» . هذا خبر مبتدأ مضمر، والتقدير فيه: وجوب صدقة البر (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا) . وقيل اللام بدل من اللام في قوله تعالى: (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) «٢» . (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا) «٣» . وهذا لا يصح، لأن «الفقراء» مصرف الصدقة، والمنفقون هم المزكون، فإنما لأنفسهم ثواب الصدقة التي أدوها إلى الفقراء. وإن قال: إن المراد بالعموم الخصوص، يعني بالأنفس: بعض المزكين الذين لهم أقرباء فقراء، فهو وجه ضعيف. ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ) «٤» أي: فالواجب إمساك بمعروف. ومنه قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) «٥» أي: فالواجب تحرير رقبة. وقوله بعده: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) «٦» أي: فالواجب. وكذلك (فَدِيَةٌ) أي: فالواجب دية. وكذلك في سورة المجادلة: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) «٧» أي: فالواجب تحرير رقبة.

стр. 179

فأما قوله تعالى: (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا) «١» ف «ذلك» مبتدأ، و (جَزاؤُهُمْ) خبر «ذلك» ، و (جَهَنَّمُ) خبر ثان. ويجوز أن يكون: «ذلك» خبر مبتدأ مضمر، أي ذلك جزاؤهم ثابتاً بما كفروا. ومثله قراءة ابن مسعود (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً) «٢» في الأوجه المتقدمة. فأما المخصوص بالذم والمدح فإنه على أحد الوجهين، نحو قولهم: نعم الرجل زيد. وقال قوم: زيد خبر، مبتدأ مضمر لأنه لما قال: نعم الرجل كأنه قيل: من هو؟ فقيل: زيد، أي: هو زيد. فعلى هذا يكون قوله: (وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ جَنَّاتُ عَدْنٍ) «٣» أي: هي جنات عدن. ومن قال (جَنَّاتُ عَدْنٍ) مبتدأ، ويكون قوله (وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ) خبراً عنه، كان المقدر في نحو قوله تعالى (نِعْمَ الْعَبْدُ) «٤» (وَبِئْسَ الْمِهادُ) «٥» (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) «٦» (وَبِئْسَ/ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) «٧» و (فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) «٨» . وفى الزمر والمؤمن: (فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) «٩» وقوله تعالى: (نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) «١٠» و (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا) «١١» .

стр. 180

فهذه الأشياء كلها على الوجه الأول، حذف الخبر والمبتدأ جميعاً. وعلى القول الثاني، حذف المبتدأ وحده. فأما قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) «١» . فقيل: إن الذين ظلموا) خبر مبتدأ مضمر، كأنه قال: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى) . قيل: من هم؟ فقال: الذين ظلموا، أي: هم الذين ظلموا. وقيل: بل (الَّذِينَ ظَلَمُوا) مبتدأ. وقوله تعالى: (هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) «٢» في موضع الجر، وقيل: هو بدل من الواو في (وَأَسَرُّوا) . كقوله: (ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ) «٣» . وقوله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما) «٤» فيمن قرأ بالألف. وقيل: إن «كثيراً منهم» مبتدأ، وخبره: عموا وصموا، أي: كثير منهم عموا وصموا. ومما لا يتجه إلا على إضمار المبتدأ: قوله: (وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) «٥»
следующие страницы →