ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) «١» أي: في نفسه، فحذف «في» .
وقال قوم: سفه، بمعنى سفه.
وقال قوم: هو تمييز. والمعرفة لا تكون تمييزا.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) «٢» .
قال عثمان «٣» : يمكن أن يكون تقديره: فمن عفى له من أخيه عن شىء، فلما حذف حرف الجر ارتفع «شىء» لوقوعه موقع الفاعل كما أنك لو قلت: سير بزيد، ثم حذفت الباء، قلت: سير زيد.
ومثل حذف «عن» في التنزيل قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) «٤» والتقدير: فقد ضل عن سواء السبيل.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ) «٥» أي: بأن طهرا بيتي.
ومنه قوله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) «٦» أي: في أن يطوف وكذلك: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) «٧» أي: فى أن تبتغوا.
стр. 107
ومثله قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) «١» أي: في أن تبروا.
وقال أبو إسحاق: بل «أن تبروا» مبتدأ، والخبر محذوف. أي: البر والتقوى أولى.
ومنه قوله تعالى: (أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ) «٢» أي لأولادكم.
ومنه قوله تعالى: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ) «٣» أي: على عقدة النكاح، لقوله «٤» :
/ عزمت على إقامة ذي صباح ... ليوم «٥» ما يسود من يسود.
ومثله قوله تعالى: (وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) «٦» التقدير: ما لنا في ألا نقاتل، فحذف «في» .
وقال الأخفش: إن «أن» زائدة، أي ما لنا غير مقاتلين لأن قوله «لا نقاتل» في موضع الحال.
وعن بعض الكوفيين: إنما دخلت «أن» لأن معناه: ما يمنعنا، فلذلك دخلت «أن» ، لأن الكلام: مالك تفعل كذا وكذا.
قال أبو علىّ: والقول هو الأول.
стр. 108
وجه قول أبي الحسن إن «أن» لغو كإذن، يكون لغواً، كما تكون هي، وكما تكون عوامل الأسماء لغوا، ولا يمنعها كونها لغوا من العمل في معمولها، كما لم تمتنع عوامل الأسماء، كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) «١» .
فإن قال قائل: فهلا أجاز فى «لن» أيضا كما أجاز في «أن» كذلك، فإن هذا لا يلزمه، لأن «أن» أشد تصرفاً من «لن» وهي لذلك أحمل للتوسع وأجلد به.
ألا ترى أنها تدخل على الماضي والمستقبل، وتدخل على أمثلة الأمر، كقولك: كتبت إليه بأن قم، وليس شىء من هذا في «لن» .
ألا ترى أنها تلزم المستقبل ولا تتجاوز عن ذلك، إلا أن الوجه فيها مع ذلك ألا تكون ك «إذن» لأن «إذن» إذا وقع بعدها فعل الحال ألغيت ولم تعمل فيه، و «أن» قد عملت هنا، فلو كانت مثل «إذن» لوجب ألا تعمل فيما بعدها من الفعل، كما لم تعمل «إذن» إذا كان الفعل الذي بعده فعل الحال، ألا ترى أن الاسم في «مالك قائماً» ينتصب على الحال، فكذلك الفعل بعد «إذن» هنا فعل حال، فلو كانت «أن» ك «إذن» لوجب ألا تعمل في فعل الحال كما لم تعمل «إذن» فيه، في نحو قولك: إذا حدثت بحديث: إذن أظنك كاذباً. وأيضاً فلا يجوز أن تكون «أن» مثل «إذن» في أن تلغى كما تلغى «إذن» .
ألا ترى أن فيها من الاتساع أكثر مما في «أن» ، تقول: أنا أقوم إذن فلا توليه فعلا. وتقول: إذن والله أقوم، فتفصل بينه وبين الفعل.
стр. 109
والإلغاء سائغ فيه. فإذا كان له من التصرف ما ليس «لأن» ، لم/ ينكر أن يجوز فيه الإلغاء، فلا يجوز في «أن» لكون تصرفها أقل من تصرف «إذن» .
وجوز أبو الحسن أن يكون المعنى: وما لنا في ألا نقاتل. وهذا أوضح، ويكون «أن» مع حرف الجر في موضع النصب على الحال، كقوله تعالى:
(فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) «١» ونحو ذلك، ثم حذف الحرف فسد «أن» وصلتها ذلك المسد. والحال في الأصل هو الجالب للحرف المقدر، إلا أنه ترك إظهاره لدلالة المنصوب عنه عليه.
ومثل هذه الآية في التنزيل: (وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا) «٢» أي: ما لكم في ألا تأكلوا ومن إضمار حرف الجر قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) «٣» أي: لأن آتاه الله الملك.
ومنه قوله تعالى: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) «٤» أي: إلا على إغماض فيه، و «على» مع المجرور في موضع الحال، أي: إلا مغمضين فيه.
ومن حذف حرف الجر قوله تعالى: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ) «٥» .
стр. 110
الذي عليه البصريون حذف المضاف على تقدير: كراهة أن يؤتى.
قال أبو علي: في الآية «أن» لا يخلو من أن يكون منتصباً بأنه مفعول به، أو مفعول له فلا يجوز أن ينتصب بأنه مفعول به وذلك أن الفعل قد تعدى باللام إلى قوله: (لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) «١» كما تعدى بها في قوله: (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا) «٢» فإذا انتصب هذا بأنه مفعول به لم ينتصب به مفعول آخر، فإذا لم ينتصب بأنه مفعول به انتصب بالوجه [الآخر] «٣» ، والتقدير: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم: كراهة ذكر أن يؤتى أحد، وذكر أن يحاجوكم. والدليل على انتصابه بهذا الوجه: قوله فى الآية الأخرى (إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) «٤» وكما أن قوله «لِيُحَاجُّوكُمْ» في هذه الآية مفعول له، وقد دخلت اللام عليه وكذلك قوله (أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) منتصب بالعطف على ما هو مفعول له.
/ وهذه الآية عندنا على غير ما قاله الشيخ ﵀، والتقدير: ولا تؤمنوا بأن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم، إلا من تبع دينكم، فالباء مضمر، و «أن يؤتي» مفعول «لا تؤمنوا» واللام زيادة، ومن تبع دينكم استثناء من «أحد» على التقدير الذي ذكرنا.
ويجوز أن يكون قوله (لمن تبع دينكم) ، «من» صلة «تؤمنوا» وإنما لا يتعدى الفعل بحرفين إذا كانا متفقين، وأما إذا كانا مختلفين فالتعدى بهما جائز. وقد استقصينا هذه المسألة في غير كتاب من كتبنا.
стр. 111
ومن ذلك قوله تعالى: (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) «١» أي من قومه، فحذف «من» .
ومنه قوله تعالى: (فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً) «٢» أي: بظلم وزور، فحذف الباء. وإن زعمت على أنه ليس على حذف الباء، وإنما هو من باب (وَالْعادِياتِ ضَبْحاً) «٣» لم يمكنك تقدير «زور» على لفظه، وإنما تقدره:
ظالمين مزورين، فتعدل أيضاً عما تلزمنيه. فقد ثبت أنه على تقدير: فقد جاءوا بظلم وزور.
ومنه قوله تعالى: (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا) «٤» أي: من أن يقولوا، أي: يضيق صدرك من مقالتهم: (لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ) «٥» .
ومن ذلك قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ) «٦» أي: لأن كان ذا مال، فحذف اللام. وفيما يتعلق به هذا اللام اختلاف واضطراب: في قول أبي علي، مرة: هو متعلق بمحذوف ولم يعلقه بقوله (إِذا تُتْلى) «٧» ولا بقوله [ «قال» الذي هو جواب «إذا» ] «٨» قال: لأن ما بعد «إذا» لا يعمل فيما قبله.
وقال مرة: بقوله «عتل» وهذا كلامه على تفرقة.
قال في التذكرة «٩» : ومن لم يدخل همزة «١٠» الاستفهام كان «أن» متعلقاً ب «عتل» وذلك كأنه القليل الانقياد، وأنشد أبو زيد:
وعتل داويته من العتل ... من قول ما قيل وقيل لم يقل
стр. 112
فإن قلت: كيف جاز تعلقه بقوله «عُتل» وهو موصوف؟ وما يعمل عمل الفعل، إذا وصف لم يعمل عمله، ألا ترى أنه لم يستجز ولم يستحسن:
مررت/ بضارب ظريف زيداً؟ وقد وصف «عتل» ب «زنيم» .
فالقول: إن ذلك إنما لم يستحسن لخروجه بالصفة إلى شبه الاسم، وبعده من شبه الفعل، وقد يعمل ما يبعد من شبه الأسماء، نحو: مررت برجل خير منه أبوه وإن كان غير ذلك أحسن. والإعمال في الآية له مزية، وإن كان قد وصف، وذلك أن حرف الجر كأنه ثابت في اللفظ، لطول الكلام ب «أن» ، ولأن «أن» . قد صارت كالبدل منه ومن ثم قال الخليل في هذا النحو: إنه في موضع جر، وإذا كان كذلك فقد يعمل بتوسط الحرف.
وقد ينتصب «أن» من وجه آخر غير ما ذكرنا، وذلك أن قوله: (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) «١» يدل على الإنكار والاستكبار وترك الانقياد، فأعمل هذا المعنى، الذي دل عليه هذا الكلام، في «أن» وكان التقدير، استكبر وكفر، لأن كان ذا مال وبنين.
فأما من أدخل الهمزة فقال: أأن كان ذا مال وبنين. فقد يكون في موضع النصب أيضاً من وجهين:
أحدهما: أن ما تقدم مما دلّ عليه من قوله «عتل» صار بمنزلة الملفوظ به بعد الاستفهام، فكأنه: ألأن كان ذا مال وبنين يعتل أو يكفر أو يستكبر، ونحو ذلك.
стр. 113
كما أن ما تقدم من ذكر قوله: (آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ) «١» صار كالمذكور بعد قوله: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) «٢» ، ويكون (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا) كلاما مستأنفاً.
[ثانيهما «٣» ] : ويجوز أيضاً مع الاستفهام أن يعمل في «أن» ما دل عليه قوله:
(إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ) .
كما جاز أن يعمل إذا لم يدخل الاستفهام ومثل ذلك قوله تعالى:
(يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ) «٤» .
ومن حذف الجر قوله: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ) «٥» أي: من أن تكون.
وكذلك: (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ) «٦» أي: من سؤالك.
فأما قوله في التنزيل: (يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً) «٧» إن حملت «السماء» / على التي هي تظل الأرض، أو على السحاب، كان من هذا الباب، وكان التقدير: يرسل من السماء عليكم مدرارا. فيكون «مدرارا» مفعولا به. وإن حملت «السماء» على المطر، كان مفعولا به، ويكون انتصاب «مدرارا» على الحال.
ويقوى الوجه الأول (فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً) «٨» ، (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ) «٩» ، (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) «١٠» وغير ذلك من الآى.
стр. 114
ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ) «١» والتقدير:
يخوفكم بأوليائه. فحذف المفعول والباء.
وقيل: الأولياء: المنافقون، لأن الشيطان يخوف المنافقين.
وأما قوله تعالى: (فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى) «٢» فقيل: التقدير:
لا يضل عن ربي، أي: الكتاب لا يضل عن ربي ولا ينساه ربي، فحذفت «عن» .
وقيل التقدير: لا يضل ربي عنه، فحذف الجار مع المجرور، والجملة في موضع جر صفة للكتاب.
ومن ذلك قوله تعالى: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) «٣» أي: على صراطك.
وقال: (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ) «٤» أي: على كل مرصد.
قال أبو إسحاق: قال أبو عبيدة: المعنى كل طريق.
وقال أبو الحسن: «على» محذوفة. المعنى: على كل مرصد. وانشد:
نغالى اللحم للأضياف نيئاً «٥»
أي: باللحم، فحذف الباء، وكذلك حذف «على» .
قال أبو إسحاق: (كُلَّ مَرْصَدٍ) ظرف، كقولك: ذهبت مذهبا، وذهبت طريقا، وذهبت كل طريق، فلست تحتاج إلى أن تقول فى هذا الأمر بقوله فى الظروف، نحو: خلف وقدام.
стр. 115
قال أبو علي: القول في هذا عندي كما قال، وليس يحتاج في هذا إلى تقدير «على» إذا كان «المرصد» اسماً للمكان. كما أنك إذا قلت: ذهبت مذهباً، ودخلت مدخلا، فجعلت «المدخل» و «المذهب» اسمين للمكان لم نحتج إلى «على» ولا إلى تقدير حرف جر. إلا أن أبا الحسن ذهب إلى أن «المرصد» اسم للطريق، كما فسره أبو عبيدة. وإذا كان اسما للطريق كان مخصوصا، وإذا كان مخصوصا وجب ألّا يصل/ الفعل الذي لا يتعدى إليه إلا بحرف جر، نحو: ذهبت إلى زيد، ودخلت به، وخرجت به، وقعدت على الطريق إلا أن يجىء فى شىء من ذلك اتساع، فيكون الحرف معه محذوفاً، كما حكاه سيبويه من قولهم: ذهبت الشام، ودخلت البيت «١» .
فالأسماء المخصوصة إذا تعدت إليها الأفعال التي لا تتعدّى فإنما هو على الاتساع. والحكم في تعديها إليها، والأصل أن يكون بالحرف.
وقد غلط أبو إسحاق في قوله: (كُلَّ مَرْصَدٍ) «٢» حيث جعله ظرفاً كالطريق، كقولك: ذهبت مذهبا، وذهبت طريقا، وذهبت كل مذهب، في أن جعل «الطريق» ظرفا كالمذهب، وليس «الطريق» بظرف.
стр. 116
ألا ترى أنه مكان مخصوص، كما أن البيت والمسجد مخصوصان. وقد نص سيبويه على اختصاصه، والنص يدل على أنه ليس كالمذهب.
ألا ترى أنه حمل قول ساعدة «١» :
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب «٢»
على أنه قد حذف معه الحرف اتساعا، كما حذف عنده من: ذهبت الشام.
وقد قال أبو إسحاق في هذا المعنى خلاف ما قاله هذا. ألا ترى أنه قال في قوله تعالى: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) «٣» أي: على صراطك.
قال: ولا اختلاف بين النحويين أن «على» محذوفة.
ومن حذف الجار قوله تعالى: (لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) «٤» أي: في أن يجاهدوا، فحذف «في» .
وقال: (وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً) «٥» أي: لأن دعوا، فحذف اللام.
وأما قوله: (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) «٦» فقد قالوا: التقدير: ثم يسره للسبيل، وإنها كناية الولد المخلوق من النطفة فى قوله (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ) «٧» ثم يسره للسبيل، فحذف اللام وقدم المفعول، لأن «يسر» يتعدى
стр. 117
إلى مفعولين، أحدهما باللام قال: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى) «١» ، / (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى) «٢» ، (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) «٣» .
ولو قالوا إن التقدير: ثم السبيل يسره له، فحذف الجار والمجرور، لكان أحسن. كقوله تعالى: (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) «٤» فينصب إذ ذاك «السبيل» بمضمر فسره «يسره» .
ومن ذلك قوله تعالى: (سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى) «٥» أي: إلى سيرتها، أو: كسيرتها.
ومن حذف حرف الجر قوله تعالى: (نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) «٦» فيمن فتح والتقدير: بأني أنا ربك، لأنك تقول: ناديت زيدا بكذا.
ومثله: (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ) «٧» فيمن فتح الهمزة، أي: نادته بأن الله.
فأما من كسر الهمزتين في الموضعين فبإضمار القول، وما قام مقام فاعل «نودي» ضمير موسى، أي: نودي هو يا موسى. ويجوز أن يقوم المصدر مقام الفاعل، ولا يجوز أن يقوم «يا موسى» مقام الفاعل، لأنه جملة.
هذا كلامه في «الحجة» «٨» . وقد جرى فيه على أصلهم حيث خالفوا سيبويه في قوله: (ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) «٩» ، من أن
стр. 118
الفاعل هو المصدر دون ليسجننه) . بخلاف مذهبه- أعني سيبويه- حيث جعل (لَيَسْجُنُنَّهُ) الفاعل وإن كان جملة. فإذا كان كذلك كان في قوله: (يا مُوسى) بمنزلة (لَيَسْجُنُنَّهُ) عند سيبويه، هذا سهو.
ومثله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) «١» في قراءة حمزة، بفتح الألف والتشديد والألف والنون على تقدير: ولأنا اخترناك فاستمع لما يوحى أي: استمع لما يوحى لأنا اخترناك، فاللام الأولى بمعنى إلى، لولا ذلك لم يجز، لأنه لا يتعدى فعل واحد بحر في جر متفقين، وإن اختلفوا في المختلفين.
وزعم الفارسىّ أن قوله (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) محمول على (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) «٢» فسبحان الله- إن من قرأ (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) بالفتح يقرأ (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) - وهو ابن كثير. وأبو عمرو- فكيف نحمل عليه! إنما ذلك على قوله (فَاسْتَمِعْ) أو على المعنى، لأنه لما قال (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً) «٣» / كأنه قال: اخلع نعليك لأنك بالوادي المقدس طوى.
ولو قال ذلك صريحا لصلح (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ) على تقدير: ولأنا اخترناك:
أي: اخلع نعليك لهذا ولهذا.
ومثله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) «٤» أي: لأن جاءه الأعمى، فحذف اللام.
ومثله: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) «٥» أي: وفجرنا من الأرض عيونا. أو يكون كقوله (جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً) «٦» [أي] «٧» بظلم. والتقدير: وفجرنا الأرض بعيون.
стр. 119
ومن ذلك قوله تعالى: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً) «١» أي: بيوم، فحذف الحرف، وأوصل للفعل، وليس بظرف، لأن الكفر لا يكون يومئذ لارتفاع الشبه لما يشاهد. وقيل: التقدير، كيف تتقون عقاب يوم؟
ومن ذلك قوله تعالى: (تَبْغُونَها عِوَجاً) «٢» حكم تعديه إلى أحد المفعولين أن يكون بحرف الجر، نحو: بغيت لك خيراً، ثم يحذف الجار.
وحكى في قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً) «٣» أي: دينا غير الإسلام ف، «غير» على هذا وصف للنكرة فتقدم عليها، فانتصب على الحال نحو: فيها قائما رجل.
ومن ذلك قوله تعالى: (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ) «٤» أي: على من في النار.
كما قال: (وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ) «٥» . وقال: (إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) «٦» .
فكأنه قال: باركت على من في النار من دخل فيها. ولكن على معنى:
من قرب منها ومن داناها، فحذف المضاف.
فإن قلت: ف «من حولها» بقربها، فما معنى التكرير؟
قيل: لا يدل «حول كذا» على التقريب، لأنك تقول: هو يطوف حول البيت، ويكون متراخيا عنه.
стр. 120
وأبين من هذا قوله تعالى: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ) «١» والأعراب لا يكونون في الأكثر إلا متراخين عن البلدان.
فالمعنى: أن بورك من في قرب النار أو طلب النار ومن في بعدها، ومن حولها: الملائكة وغيرهم. والقريب منها موسى، لأنه أراد أن يحمل نارا إلى أهله ليصطلوا بها.
ومثله قوله تعالى: (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ) «٢» أي: قربه ولم يتوغل فيه.
ومن ذلك: (أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً) «٣» فمن فتح أراد: لأن كنتم.
والمعنى: أفنضرب عنكم ذكر الانتقام/ منكم والعقوبة لكم لأن كنتم قوماً مسرفين.
وهذا يقرب من قوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً) «٤» وانتصاب «صفحا» على المصدر، من باب: (صُنْعَ اللَّهِ) «٥» ، و (كِتابَ اللَّهِ) «٦» ، و (وَعَدَ اللَّهُ) «٧» .
ومن ذلك قوله تعالى: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ) «٨» أي: على أمركم.
ومن هذا الباب قوله: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ) «٩» والتقدير:
يسبحون بالليل. كقوله تعالى: (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) «١٠» .
стр. 121
فأما قوله: (وَالنَّهارَ) فقيل: هو منصوب بقوله (لا يَفْتُرُونَ) والأحسن أن يكون عطفاً على «الليل» .
ومثله: (وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) «١» فإنه يجوز أن يحمل على «عن» تقديره: معكوفاً عن أن يبلغ محله. فلما كانت «أن» الموصولة بالفعل قد طال الكلام بها جاز إضمار الجار.
ويجوز النصب في موضع «أن» على هذا، والعامل فيه على ضريين:
أحدهما أن يكون التقدير: والهدى معكوفاً كراهة أن يبلغ، أو لئلا يبلغ محله على تقدير الكوفيين.
فإن قلت: فإن «معكوفاً» يقتضى حرف جر على تقدير «على» - ولا يكون متعدياً بنفسه، والتنزيل يشهد بصحة ذا قال عز من قائل:
(يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ) «٢» . و (سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ) «٣» .
قيل: هو محمول على المعنى، كأنه قال: والهدى محبوساً كراهة أن يبلغ، كالرفث حيث حمل على الإفضاء في قوله: (الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ) . «٤»
وجاز ذا لأن المسلمين أحصروا إذ ذاك، ويكون «معكوفاً» في بابه، كمدرهم «٥» ، حيث لم يقل درهم، ومفؤود، للجبان، و «بماء معين» «٦» ، ولم يقل: عين، وكذلك لم يقل: عكف.
стр. 122
وإن حملته على (وَصَدُّوكُمْ) كان فيه إضمار «عن» كالأول، أو يكون من باب (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) «١» أو يكون من باب: بمن تمرر أمرر ولم يحتج إلى: امر ربه لجرى الأول. فكذا لم يحتج إلى «عن» لذكره (عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) .
ومن ذلك قوله تعالى: (تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ) «٢» أي: لأن تكون. فموضع «أن» نصب، مفعول له وقدره الزجاج: بان يكون، فحذف الباء.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي) «٣» . أي:
في مكانه.
وكذلك/ قوله تعالى (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا) «٤» أي:
في أن تبتغوا. لقوله: (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ) «٥» فحذف «في» .
وقال: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) «٦» يجوز أن يكون: وترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن «٧» ويجوز أن يكون: وترغبون عن نكاحهن لدمامتهن.
وأما قوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ) «٨» فقد قيل: التقدير: يستضعفون في مشارق الأرض، أي.
جعلنا الذين يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها ملوك الشام ومصر.
стр. 123
وأنكر الطبري «١» هذا القول، واعتل بأنهم ما كانوا يستضعفون إلا في أرض مصر من جهة القبط.
وغلط الطبري، لأنه ظن أنهم لا يكونون مستضعفين إلا بعد أن يقتل أبناؤهم وتستحيا نساؤهم، ويلزموا أن يضربوا لبنا صلبا بلا تبن، وليس كذلك، لأنهم لما تفردوا بدين إبراهيم، ولم يكن يدين به في ذلك الوقت أحد، إلا وكانوا مدفوعين عندهم غير مقبولين، ومقهورين غير مالكين.
ألا ترى أن قوماً منهم صاروا بعد «بختنصر» إلى أرض فارس، وكانوا أذل من بها، لمفارقتهم لهم في أديانهم. والشأن في أنه أنكر هذا القول، ولم يذكر هو شيئاً يعبأ به، لأنه قال: أورثهم مشارق الشام وذلك مما يلي الشرق منها، ومغاربها التي باركنا فيها.
وقيل: التقدير: أورثنا مشارق هذه الأرض التي أغرقنا مالكيها وسالكيها.
فإذا نصبت «مشارق» بأورثنا، كان قوله «التي» جراً، صفة ل «الأرض» المجرورة، وإذا نصبت «مشارق» ب «يستضعفون» ، كان «التي» نصبا، صفة موصوف محذوف منصوب ب «أورثنا» أي: أورثناهم الأرض التي باركنا فيها.
стр. 124
ومثله قوله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) «١» ففي موضع (أَنِ) قولان:
أحدهما: أن يكون بتقدير الباء، أي: أرسلناه بأن اعبدوا الله فانتصب بالنزع.
والثاني: أن تكون (أَنِ) بمعنى «أي» المفسرة.
وأما قوله في التنزيل: (لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) «٢» و (لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) «٣» (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ/ فِي الْآخِرَةِ) «٤» فبعضهم يحمله على إضمار «من» .
أي: من أن لهم النار «٥» ، فيحمل «لا جرم» على معنى: لا بد. وهذا لا يصح، لأن «جرم» يقتضى مرفوعاً، لأنه فعل ماض عندنا.
وذهب الفراء «٦» إلى أن «جرم» معمول «لا» وهو اسم، وهو جار مجرى القسم.
وقيل: إن «أن» منصوبة الموضع، مفعول «جرم» .
وقال بعض الكوفيين: جرم: أصله الفعل الماضي، فحول عن طريق الفعل، ومنع التصرف، فلم يكن له مستقبل ولا دائم ولا مصدر، وجعل مع «لا» قسما، وتركت «الميم» على فتحها الذي كان عليها فى المضي، كما نقلوا
стр. 125
«حاشى» - وهو فعل ماض، مستقبله: يحاشى، ودائمه: محاش، ومصدره: محاشاة- من باب الانفعال إلى باب الأدوات، لما أزالوه عن التصرف.
والصحيح أنه فعل ماض، وتجعل «لا» داخلة عليه، وهو مذهب سيبويه.
ومن أصحابه من يجعلها جواباً لما قبله. ومثله: يقول الرجل كان كذا وكذا، وفعلوا كذا، فيقول: لا جرم أنهم سيندمون.
وبين غير الخليل «١» وقال: إنه رد على أهل الكفر فيما قدروه، من اندفاع عقوبة الكفر ومضرته عنهم يوم القيامة.
وقد ذكر حجاج هؤلاء في «المختلف» «٢» .
ومن ذلك قوله تعالى: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً) «٣» أي، كدعاء بعضكم على بعض. فالمصدر في قوله (دُعاءَ الرَّسُولِ) مضاف إلى الفاعل، أي: كدعاء الرسول عليكم.
وقيل: لا تجعلوا دعاءه إياكم إلى الحرب كدعاء بعضكم بعضا إليها، فيكون أيضاً مضافاً إلى الفاعل.
стр. 126
وقيل: لا تجعلوا دعاءكم الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، أي: لا تدعوه ب «يا محمد» ، وادعوه ب «يا نبي الله» ، كقوله تعالى: (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ) «١» فيكون المصدر مضافاً إلى المفعول.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ) «٢» أي: يسير في منازل، سائراً فيها.
ومن ذلك قوله تعالى: (لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) «٣» قيل: التقدير: بعلم اليقين لترون، فحذف الجار.
وقيل: بل هو نصب على المصدر.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ) «٤» أي: بخير، فحذف الباء.
ويجوز أن يكون التقدير: فمن تطوع تطوعاً خيراً، فحذف/ الموصوف.
ومن ذلك قوله تعالى: (آتِنا غَداءَنا) «٥» .
قال أبو علي: (آتِنا) ليس من الإعطاء، إنما هو من، أتى الغداء وآتيته، كجاء وأجأته، ومنه قوله تعالى: (تُؤْتِي أُكُلَها) «٦» أي: تجىء.
و (آتِنا غَداءَنا) يتعدى إلى غدائنا بإرادة الجار، لا بد من ذلك لأن الهمزة لا تزيده إلا مفعولاً واحداً بخلاف (وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ) «٧»
стр. 127
(وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ) «١» لأنه من الإعطاء إذ هو متعد إلى ضمير الموصول، وإلى الكاف والميم. وقد عددت لك هذه الآى.
وقد قال سيبويه في الباب المترجم عنه: «فهذا باب ما ينتصب من الأسماء ليست بصفة ولا مصادر، لأنه حال يقع فيه الأمر، فينتصب لأنه مفعول فيه» «٢» .
قال: وزعم الخليل أن قولهم: ربحت الدرهم درهما، محال حتى يقولوا: في الدرهم، أو للدرهم. كذلك وجدنا العرب تقول.
«٣» ومن زعم أنه يريد معنى الباء واللام ويسقطها، قيل له: أيجوز أن تقول له: مررت أخاك، وهو يريد بأخيك؟ فإن قال: لا يقال فإن هذا لا يقال أيضا.
стр. 128
الباب الخامس
باب ما جاء في التنزيل وقد زيدت فيه «لا» و «ما» وفي بعض ذلك اختلاف، وفي بعض ذا اتفاق وقد ذكر سيبويه «١» زيادة «لا» «٢» في قوله: «أما العبيد فذو عبيد» :
«وأما قول الناس للرجل: أما أن يكون عالما فهو عالم وأما أن يعلم شيئاً فهو عالم. وقد يجوز أن تقول: أما أن لا يكون يعلم فهو يعلم وأنت تريد: أن يكون كما جاءت: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) «٣» في معنى: «لأن يعلم أهل الكتاب، فهذا يشبه أن يكون بمنزلة المصدر» في كلام طويل.
فمن ذلك قوله تعالى: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) «٤» ف «لا» في قوله: (وَلَا الضَّالِّينَ) زيادة. وجاءت زيادتها لمجىء (غَيْرِ) قبل الكلام، وفيه معنى النفي.
ألا ترى أن التقدير: لا مغضوباً عليهم ولا الضالين، وكما جاء:
(وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ) «٥» فكرر «لا» وهي زيادة، وكذلك هذا.
стр. 129
ومن ذلك قوله تعالى: (قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) «١» .
والتقدير: ما منعك أن تسجد، ف «لا» زائدة.
وقيل: في قوله تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ) «٢» إن «لا» زائدة «٣» .
والمعنى: وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، فيمن فتح «أن» .
ولما كان فتح «أن» يؤدي إلى زيادة «لا» عدل الخليل إلى أنّ «أن» من قوله «أنها» بمعنى: لعلها. قال: والمعنى: وما يشعركم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون لأن في حملها على بابها عذراً لهم في ترك الإيمان حيث لم ينزل الآية، وذلك لأنه إذا قال: وما يشعركم أن الآيات إذا جاءت لا يؤمنون، فالمعنى: لو جاءت آمنوا. فلما كان كذلك حملها على «لعل» .
وقيل: بل إن «أن» على بابها. والتقدير: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون، فيكون من باب حذف الجمل.
وقال قوم: بل في الآية تقديم وتأخير، والتقدير: إنما الآيات عند الله ولا ينزلها، لأنها إذا جاءت لا يؤمنون.
فهذه ثلاثة أقوال.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) «٤» قالوا: «لا» زائدة. والتقدير: وحرام على قرية أهلكناها رجوعها إلى الدنيا،
стр. 130
ف «لا» زائدة وقال أبو علي: إن قوله: (أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) «١» داخل في المصدر، الذي هو حرام وخبر «حرام» مضمر. والتقدير: وحرام على قرية أهلكناها بأنهم لا يرجعون، موجود، أو كائن، أو مقضى. أي حرام عليهم بالاستئصال وجودهم في الدنيا أو رجوعهم إليها.
وأما قوله تعالى: (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) «٢» لا يخلو «لا» من أن يكون لتأكيد النفي، كالتي في قولك: ما قائم زيد ولا عمرو. فيفيد أن كل واحد منتف على حياله. أو يكون «لا» نفيا مستأنفا. فالدلالة على الوجه الأول أنك لو حملته على الوجه الثاني لم يجز حتى تكررها، كما تقول: لا زيد عندك ولا عمرو. فلما لم تكرر علمت أنها على الوجه الأول.
ولا يكون مثل:
حياتك لا نفع وموتك فاجع «٣» لأن ذلك يقع في الشعر.
فأما قوله تعالى: (لا أُقْسِمُ) «٤» فقيل: «لا» زائدة. وقيل: «لا» رد لكلامهم: (لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) . فقال: لا. أي: ليس الأمر كما تظنون.
стр. 131
ومن ذلك/ قوله تعالى: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) «١» قالوا: التقدير:
ليعلم أهل الكتاب ولا، زائدة. أجمعوا على هذا، غير ابن بحر «٢» فإنه زعم أن الأولى ألا يكون في كلام الله شذوذ وما يستغنى عنه. والذي يوجبه اللفظ على ظاهره أن يكون الضمير في (يَقْدِرُونَ) «٣» للنبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين. والمعنى: لئلا يعلم اليهود والنصارى أن النبي صلى الله عليه وآله والمؤمنين لا يقدرون على ذلك، وإذا لم يعلموا أنهم لا يقدرون فقد علموا أنهم يقدرون عليه. أي إن آمنتم كما أمرتم آتاكم الله من فضله فعلم أهل الكتاب ذلك ولم يعلموا خلافه. والعلم في هذا ومثله يوضع موضع وقوع الفعل لأنه إنما يعلم الأشياء واقعة بعد وقوعها.
قال أبو سعيد السيرافي «٤» : إن لم تجعل «لا» زائدة جاز لأن قوله:
(يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ) «٥» أي: يفعل بكم هذه الأشياء ليتبين جهل أهل الكتاب وأنهم لا يعلمون ما يؤتيكم الله من فضله، لا يقدرون على تغييره وإزالته عنكم. فعلى هذا لا يحتاج إلى زيادة «لا» .
стр. 132
قلت:
وحمل ابن بحر زيادة «لا» على الشذوذ جهل منه بقواعد العربية. وليس كل من يعرف شيئاً من الكلام يجوز له التكلم على قواعد العربية. وليس كون «لا» زائدة في فحوى خطاب العرب مما يكون طعناً من الملحدة على كلام الله، لأن كلام الله منزل على لسانهم. فما كان متعارفاً في لسانهم لا يمكن الطعن به على كتاب الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وكيف يكون زيادة «لا» شاذة، وقد جاء ذلك عنهم وشاع، كقول الهذلى «١» :
أفعنك لا برق كأن وميضه ... غاب تسنمه ضرام مثقب
أي، أفمن ناحيتك أيتها المرأة هذا البرق الذي يشبه ضوؤه ضوء غاب.
/ وأنشد أبو عبيدة للأحوص «٢» :
وتلحيننى في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل
أي: فى اللهو أن أحبه و «لا» زائدة:
ومنه ما أنشده سيبويه لجرير:
ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين «٣»
لا «فيه» زائدة إذا قلت: علاك مشيب حين حين، فقد أثبت حيناً علاه فيه المشيب. فلو جعلت «لا» غير زائدة لوجب أن تكون نافية
стр. 133
على حدها في قولهم: جئت بلا مال، وأبت بلا غنيمة. فنفيت ما أثبت من حيث كان النفي ب «لا» عاماً منتظماً لجميع الجنس. فلما لم يستقم حمله على الجنس لتدافع العارض في ذلك حكمت بزيادتهما، فصار التقدير: حين حين. وهو من باب: حلقة فضة، وخاتم حديد لأن الحين يقع على الزمان القليل كالساعة ونحوها وعلى الطويل كقوله تعالى: (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) «١» وعلى ما هو أقصر من ذلك كقوله تعالى:
(تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ) «٢» . فصار: حين حين، كقوله:
ولولا يوم يوم ما أردنا
ومنه قول الشماخ:
أعايش ما لأهلك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع «٣»
وروى التوزى عن أبي عبيدة أن «لا» زائدة.
ومنه قول المرار، بيت الكتاب «٤» -:
ولا ينطق الفحشاء من كان منهم ... إذا جلسوا «٥» منا ولا من سوائنا
стр. 134
وأما قوله تعالى: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) «١» فإن موضع قوله (فِي الْأَرْضِ) يحتمل ضربين:
أحدهما: أن يكون مفعولاً فيه ظرفاً.
والآخر: أن يكون وصفاً.
فإن جعلته ظرفاً احتمل أن يكون ظرفاً ل «أصاب» واحتمل أن يكون ل «مصيبة» . ولا ذكر فيه على شىء من هذين التأويلين. كما أن قولك:
بزيد، من: مررت بزيد. كذلك يؤكد ذلك. ويحسنه دخول «لا» في قوله:
(وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) . فصار ذلك مثل: ما ضربت من رجل ولا امرأة.
والضرب الآخر أن يكون صفة للنكرة، ويكون متعلقاً بمحذوف.
/ وفيه ذكر يعود إلى الموصوف. وقوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) صفة معطوفة على صفة، لأنه صفة منفى، فيكون كالبدل في قوله:
في ليلة لا ترى بها أحداً ... يحكى علينا إلا كواكبها «٢»
من الضمير في «يحكى» لما جرى على المنفى.
وزيادة الحروف في التنزيل كثير، فأقرب من ذلك إلى ما نحن فيه قوله: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ) «٣» وقوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ) «٤»
стр. 135
وقوله تعالى: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ) «١» وكقوله: (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ) «٢» أي: عن قليل وكقوله: (جُنْدٌ ما هُنالِكَ) «٣» أي: جند هنالك.
وقيل في قوله تعالى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ) «٤» «ما» صلة.
وكذلك قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ) «٥» أي: مثل أنكم.
وقيل في قوله: (فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ) «٦» فكقوله:
فهي ترثى بأبي وابنيما «٧» وكقولهم: أفعله آثرا ما.
فهذه حروف جاءت للتأكيد عند سيبويه.
وعند قوم، هو اسم ولا خلاف في زيادتها. فمن قال: هو اسم، قال:
قد جاء من الأسماء مثله مزيداً، كقولهم: كان زيد هو العاقل.
قال الله تعالى: (إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ) «٨» «فهو» فصل. وقال (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً) «٩» وقال: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) «١٠» وقال: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ) «١١» .
وسأعد لك الفصل فيما بعد.
стр. 136
والصحيح قول سيبويه، إذ لا معنى لها سوى التوكيد، ولا تكاد الأسماء تزاد. فأما «هو» فإنما جىء به ليفصل الخبر عن الوصف، فهو لمعنى.
فثبت أن «ما» حرف زيدت كزيادة «من» في النفي، وزيادة الباء في: ألقى بيده وساعده لك.
[و] زيادة «أن» و «إن» في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ) «١» وقوله:
فما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا «٢»
وأما قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) «٣» فإن الكسائي يقول: إن «إْن» زائدة، والتقدير: في الذي مكناكم فيه.
والفراء يقول: في الذي نمكنكم فيه. وإياه اختار أبو علي، وزعم أنه من جهة المعنى واللفظ أقرب.
فأما المعنى، فلأن قوله: (فِيما/ إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) في المعنى في قوله: (مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) «٤» .
وكما أن «لم» نفى بلا إشكال، وكذلك «إن» ، ويبين ذلك قوله: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها) «٥» فهذا كله يدل على أن تمكين من تقدمهم يزيد على تمكينهم، فهذا بمنزلة (ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ) .
стр. 137
وأما اللفظ فلأن «ما» موصولة، و «أن» لا يزاد بعد «ما» الموصولة وإنما يزاد بعد النفي في نحو: «ما إن طبنا جبن» .
والذي جاء من ذلك في الشعر فيما أنشده سيبويه وأبو زيد من قوله:
ورج الفتى للخير ما إن رأيته «١» إنما هو لتشبيه اللفظ.
فثبت بهذا كله وتحقق أن من تكلم في الجوهر والعرض والجزء الذي يتجزأ «٢» أو لا يتجزأ لا يعرف معنى قوله: «حين لا حين» لأن ذاك عقلى وهذا سماعى، وبين ما يكون مبنيّا على السماع، وبين ما يكون مبنياً على العقل تفاوت وبون.
ولولا أني خفت أن تقول بعدي ما لا يحل لك في هذا الكتاب لسقت جميع ما اختلفوا في زيادته في التنزيل في هذا الباب، لكني ذكرتها فى مواضع ليكون أحفظ عندك.
стр. 138
الباب السادس
هذا باب ما جاء في التنزيل من الأسماء التي سميت بها الأفعال وهي أبواب ذكرها سيبويه، نحو: صه، ومه، ورويد، والنجاء، وإياك، وعليك، وهاك، وهلم. كما تراه في الكتاب «١» . فهذه كلها أسماء سميت بها الأفعال.
وقد أبطلنا قول من قال: هي قسم رابع، في غير كتاب من كتبنا.
فما جاء في التنزيل من ذلك قولهم في الدعاء بعد الفاتحة (آمين) .
وفيه لغتان: أمين، وآمين، بالقصر والمد وكلاهما اسم ل «استجب» كما أن «صه» اسم. ل «اسكت» و «مه» كذلك. وفي «آمين» ضمير المخاطب.
وروى عن الأخفش أنه اسم أعجمي، مثل: هابيل وقابيل فإن سميت به رجلاً لم ينصرف.
قال أبو علي «في التذكرة» : لو قال قائل إنه ليس/ بأعجمي، لأنه لا يخلو لو كان أعجمياً من أن يكون اسم جنس، أو منقولاً من معرفة، وليس باسم جنس ولا منقولاً من معرفة. فإذا لم يخل من هذين الوجهين في العجمة، وليس واحداً منهما، ثبت أنه ليس بأعجمي، فهو وجه.
стр. 139
فإن قلت: إنه وزن جاء في الأعجمية.
قيل: لا ينكر، وإن كان جاء في الأعجمى: مثل، هابيل، أن يجىء هذا عربياً، ويكون إفراده في الأبنية العربية مثل: درى، ومرنق، ونحو ذلك من الأبنية التي تجىء مفردة، نحو: انقحل، وما أشبه. فبعضهم لا يصرفه لتوهم العجمة، وبعضهم يصرفه ويجعله مثل: قيراط، وفيروز.
قال أبو علي في موضع آخر: اختلف في «آمين» فقال قائلون:
إنه اسم من الأسماء التي سمي بها الفعل، نحو: صه، ومه، وإيه، ورويد، وما أشبه ذلك. وقال قائلون: هو اسم من أسماء الله.
فما يدل على أنه اسم سمي به الفعل: ما روى حجاج «١» عن ابن جريح «٢» عن عكرمة «٣» قال: أمن هارون على دعاء موسى ﵇، فقال الله:
(قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما) «٤» .
وكما أن قول موسى: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ) «٥» جملة مستقلة وكلام تام، كذلك قول هارون (آمِّينَ) جملة مستقلة وكلام تام. ولولا أنه كذلك لم يكن هارون داعياً، لأن من تكلم باسم مفرد أو كلمة مفردة لم يكن داعيا،
стр. 140
كما لا يكون آمرا، ألا ترى أن الدعاء لفظه كلفظ الأمر، فيقول القائل: اللهم اغفر لي في الأمر لي، كقوله لصاحبه: اذهب بي. إلا أنه استعظم في الدعاء أن يقال إنه أمر.
كما أن قولهم: صه، بمنزلة: اسكت ومه، بمنزلة: اكفف.
كذلك في الدعاء: آمين، بمنزلة: استجب. وفيه ضمير مرفوع بأنه فاعل.
كما أن في سائر هذه الأسماء التي سمي بها الفعل أسماء مضمرة مرتفعة.
ويدل على ذلك ما رواه عبد الوهاب «١» عن إسماعيل بن مسلم قال:
كان الحسن إذا سئل عن «آمين» قال: تفسيرها: اللهم استجب.
عبد الوهاب، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن في «آمين» : ليكن ذلك.
ومن حيث كان دعاء كما ذكرنا، أخفى في قول أبي حنيفة وأصحابه في الصلاة ولم يجهر به، لأن المسنون في الدعاء الإخفاء، بدلالة قول الله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) «٢» . ولما روى من قول النبي صلى الله عليه وعلى آله أنه قال لقوم رافعي أصواتهم بالدعاء: إنكم لا تنادون أصم ولا غائباً، وإن الذي تنادونه أقرب إليكم من رءوس مطيكم.
ومما يدل على أن هذه الأسماء المسمى بها الفعل فيها ضمير فاعل، كما أن في قولنا «اضرب» وما أشبهه- من أمثلة الأمر- ضمير فاعل، إنك لما عطفت عليه المضمر المرفوع أكدته، كما أنك لما عطفت على الضمير
стр. 141
المرفوع في مثال الأمر أكدته. وذلك نحو قوله تعالى: (مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ) «١» لما عطف (الشركاء) على (مَكانَكُمْ) ، وكان قوله: (مَكانَكُمْ) بمنزلة قولك: اثبتوا، واسما لهذا الفعل، أكد بأنتم كما أنه لما عطف على المضمر المرفوع في مثال الأمر أكد في قوله تعالى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا) «٢» ، و (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) «٣» . فإذا ثبت احتمال هذه الأسماء المسمى بها الفعل الضمير، كما احتملته أمثلة الأمر، ثبت أنها جمل.
وإذا كانت جملاً لم تصح أن تكون من أسماء الله سبحانه، وأن القائل بذلك مخطئ، لادعائه ما لا دليل عليه. وقد قامت الدلالة على فساده.
ألا ترى أن أسماء الله ليس فيها ما هو جملة، وأنها كلها مفردة، وهي على ضربين:
أحدهما ما كان صفة، نحو: عالم، وقادر، وخالق، ورازق.
والآخر ما كان مصدراً، نحو: الإله، والسلام، والعدل. فإذا لم تخل من هذين الضربين، ولم يكن «آمين» من واحد من هذين، ولا اسما غير وصف ولا مصدرا، كقولنا «شىء» ثبت أنه ليس منها.
فأما ما روى عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن [المعتمر عن] «٤» هلال بن يساف، عن مجاهد أنه قال: آمين اسم من أسماء الله تعالى.
فعندنا هذا الاسم لما تضمن الضمير المرفوع الذي وصفنا، / وذلك الضمير
стр. 142
مصروف إلى الله سبحانه، قال: إنه اسم الله على هذا التقدير، ولم يرد أن الكلمة اسم من أسماء الله دون الضمير، كعالم، ورازق.
فإذا احتمل هذا الذي وصفت لم يكن فيما روى عنه حجة لمن قال: إن جملة الكلمة اسم.
ومما يدل على أنه ليس باسم من أسماء الله تعالى، وأنه من أسماء الأفعال على ما ذكرت، أنه مبني، كما أن هذه الأسماء الموضوعة للأمر مبنية. وليس في أسماء الله تعالى اسم مبني. على هذا الحد. فلما كان هذا الاسم مبنياً كصه، وإيه، ونحوهما. دل ذلك على أنه بمنزلتهما، وليس من أسماء القديم سبحانه، إذ ليس في أسمائه اسم مبني على هذا الحد.
فإن قال قائل: فقد حكى سيبويه وعامة البصريين في: لاه أبوك. أنهم يريدون لله أبوك. وهذا الاسم مبني. لأنه لا يخلو من أن يكون على قول من قال: [لاه] لأفعلن. فأضمر حرف الجر واختص به.
أو على قول من قال:
ألا رب من قلبي- له الله- ناصح لأنه ليس بمنون، فأوصل الفعل لما حذف الجار، وأعمله، فبين أنه ليس على إضمار حرف الجر، إذ هو مفتوح فى اللفظ «١» .
стр. 143
وليس في نحو: إبراهيم، وعمر. فيكون مفتوحاً في موضع الجر، أو منصوباً بلا تنوين، نحو: رأيت عمر، لتعرى الاسم مما يمنع الصرف.
فإذا لم يكن على شىء من هذه الأنحاء، التي ينبغي أن يكون المعرب عليها.
ثبت أنه مبني، وإذا كان مبنياً لم يمتنع أن يكون «آمين» اسما مثله وإن كان مبنياً.
قيل له: إنما بني هذا الاسم الذي حكاه سيبويه لتضمنه معنى الحرف «ال» للتعريف.
ألا ترى أنه زعم أنهم أرادوا: لله أبوك، فلما لم يذكر لام المعرفة وتضمن الاسم معناها بني كما بني آمين، لما تضمن معنى الألف واللام، وكما بني خمسة عشر «لما تضمن معنى حرف العطف، وكم، وكيف، وأين» لما تضمنت [معنى الاستفهام] أغنت عن حروف الاستفهام. والاسم إذا تضمن معنى الحرف بني. / فأما «آمين» لم يتضمن معنى الحرف على هذا الحد، ولا على نحو «كيف» وكم، وإنما بنى كما بنى «صه» و «مه» و «نزال» و «حذار» ، ونحو ذلك من الأسماء التي تستعمل في الأمر للخطاب.
وحكى قطرب: له أبوك، بإسكان الهاء. وهذا صحيح في القياس مستقيم، وذلك أنه لما وجب البناء وحرك الآخر منه بالفتح لالتقاء الساكنين، ثم حذف منه حرف اللين الواقع موقع اللام، كما حذف في نحو: يد ودم، وبقي على حرفين، زال التقاء الساكنين، فبني على السكون، لزوال ما كان يوجب التحريك من التقاء الساكنين.
فإن قال: فهلا بني على الحركة وإن كان على حرفين، لأنه قد جرى متمكناً في غير هذا الموضع، كما بني «عل» عند سيبويه على الحركة، في قولهم:
стр. 144
من عل. وإن كان على حرفين، تجريه غير متمكن مجراه متمكناً، قبل حال البناء.
قيل: لم يشبه هذا «عل» ، لأن «عل» ونحوه مما يلحقه الإعراب في التمكن على اللفظ الذي هو عليه. و «له» من قولهم: له أبوك، لحقه الحذف من شىء لم يتمكن قط في كلامهم. فإذا كان كذلك لم يلزم أن يكون مثل «عل» لمفارقته ل «عل» في أنه لم يجر الاسم المحذوف هذا عنه متمكناً فلما كان كذلك صار بمنزلة حذفهم «مذ» في «منذ» في أن المحذوف مبني كما أن المحذوف منه كذلك، وفي أن المحذوف أسكن لزوال ما كان له حرك بالحذف، وهو التقاء الساكنين.
فأما قوله تعالى: (مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ) «١» فالقول أنه مبني غير معرب من حيث صار اسما للفعل، كما كان «صه» و «هلم» ونحوهما مبنية.
فإن قلت: إن «مكانكم» منصوب والنصب فيه ظاهر.
قيل: ليست هذه الفتحة بنصب، وذلك أن انتصابه لا يخلو من أن يكون بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل، أو أن يكون بعد التسمية به في الانتصاب على ما كان عليه قبل ذلك، فلا يجوز أن يكون انتصابه/ الآن، وقد سمي به الفعل على ما كان قبل، ألا ترى أن تقديره معمولاً لذلك العامل، واتصاله به لا يصح كما يصح اتصاله به في هذه المواضع التي لا تكون أسماء للفعل وذلك قولك: زيد مكانك، والذي مكانك زيد فهذا سد مسد الفعل الذي عمل فيه، وأغنى من حيث كان تقدير العامل الذي تعلق به هذا الظرف في الأصل غير ممتنع، نحو: زيد استقر مكانك،
стр. 145
أو مستقر والذي استقر مكانك. وقدرت هذا العامل في الموضع الذي سميت الفعل به لم يتعلق به، على حد تعلق الظرف في المعمولات بعواملها.
ألا ترى أنك إن علقته بها على أنه ظرف بطل أن يكون جملة وزال عنه معنى الأمر، فإذا كان كذلك لم يتصل به بعد أن صار اسما للفعل كما كان يتصل به قبل. وإذا لم يتصل به لم يكن معمولاً له، ولم يجز أن يكون، وهو اسم للفعل، معرباً بالإعراب الذي كان يعرب به قبل. ولا يجوز أيضاً أن يكون انتصابه بعامل عمل فيه بعد أن جعل اسما للفعل، وذلك أنه بمنزلة الأمر، وهو نفسه العامل، كما أن أمثال الأمر نفس العامل، وكما أنه لا عمل لشىء في أمثلة الأمر، كذلك ما أقيم مقامه.
فإن قلت: إن الأفعال المضارعة عاملة في فاعليها، ولم يمنعها ذلك من أن تكون معمولة لعوامل أخر فكذلك ما تنكر، ألا يمنع كون «مكانك» ونحوه عاملاً في الفاعل المضمر فيه أن يكون هو نفسه أيضاً معمولاً لغيره، كما لم يمنع المضارع أن يكون معمولاً لغيره وإن كان عاملاً في فاعله.
قيل: إن المضارع لما أشبه الأسماء ووقع موقعها في بعض المواضع تعرف «١» ، للمشابهة التي بينه وبين الاسم، على ما ذكر في مواضع ذلك. وهذه الأسماء إذا سمي بها الفعل تخرج بذلك عن أن تقع مواقع الأسماء، فوجب بناؤها لوقوعها موقع ما لا يكون إلا مبنياً، كما بني قولهم: «فدى لك» / في قوله:
مهلاً فداء لك يا فضاله ... أجرّه الرّمح ولا تهاله «٢»