← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فهو كقولهم: ليس الطيب إلا المسك، على إضمارٍ في «ليس» وإدخال «إلا» بين المبتدأ والخبر، لأنه يؤول إلى النفي. والعامل في الظرف إذا كان حالاً هو «يكن» . وعلى قول البغداديين في «كفوا» المنتصب على الحال «لَهُ» ، و «لَهُ» متعلق بمحذوف في الأصل، و «أحد» مرتفع به على قولهم. وكانَّ «له» إنما قدمت وإن لم يكن مستقراً، لأن فيه تبييناً وتخصيصاً ل «كفو» . فلهذا قدم، وحسن التقديم وإن لم يكن مستقراً. فهذا كله في تقديم ما في حيز المبتدأ. فأما الظرف إذا كان خبراً ل «كان» فتقديمه على اسم «كان» كثير، كقوله: (وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ) «١» وقوله: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ) «٢» . وقوله: (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ) «٣» وكقوله: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) «٤» . فأما قوله: َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) «٥» فقيل: «نصر» يرتفع ب «كان» ، و «حقا» خبر مقدم. وقيل: بل اسم «كان» مضمر، والتقدير: كان الانتقام حقاً، فتقف على هذا، وتبتدئَ لَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) «٦» .

стр. 282

ومن هذا الباب قوله تعالى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) «١» ف «هم» مبتدأ، و «يستغفرون» الخبر، والجار في صلة «يستغفرون» ، وقدمه على المبتدأ كما قدم (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) «٢» . ومثله: (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) «٣» . ف «أنتم» مبتدأ، و «مدهنون» خبره، والجار من صلة «مدهنون» . وأما قوله (قَلِيلًا) «٤» فستراه في باب آخر إن شاء الله.

стр. 283

الباب الرابع عشر هذا باب ما جاء في التنزيل وقد حُذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه/ وهو جائز حسن في العربية يعد من جملة الفصاحة والبلاغة. وقد ذكره سيبويه في غير موضع من كتابه. فمن ذلك قوله: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) «١» والتقدير: وبالدار الآخرة هم يوقنون. ومن ذلك قوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) «٢» أي: في الدار الآخرة. كما أن قوله: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا) «٣» أي: في الدار الدنيا. دليله قوله: (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ) «٤» . وما جاء في التنزيل من قوله: (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) «٥» فهو على تقدير: ولدار الساعة الآخرة، فتكون «الآخرة» صفة للساعة المضمرة. وعليه قراءة ابن عامر فى قوله: (لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فى الأنعام «٦» .

стр. 284

وليست «الدار» مضافة إلى الآخرة لأن الشيء لا يضاف إلى صفته كما لا يضاف إلى نفسه. وعلى هذا: مسجد الجامع، أي الوقت الجامع وصلاة الأولى، أي: صلاة الساعة الأولى و (دِينُ الْقَيِّمَةِ) «١» ، أي: دين الملة القيمة وكذلك (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) «٢» أي: حب الزرع الحصيد و (حَقُّ الْيَقِينِ) «٣» أي: حق العلم اليقين. فمن قال بخلاف ذا فقد أخطأ. ومن ذلك قوله تعالى: (آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ) «٤» أي: آمنوا إيمانا مثل إيمان الناس، (قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) «٥» أي أنؤمن إيماناً كإيمان السفهاء. فحذف الموصوف وأقيمت الكاف التي هي صفته بمقامه. وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل من قوله: «كما» . ومثله: «كذلك» في نحو قوله: (كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) «٦» أي قولاً مثل ذلك قال الذين لا يعلمون. ويكون (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) بدلاً من الأول وتفسيراً. ومثله: (كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) «٧» ، و: (كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ) «٨» . ومثله: (كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ) «٩» أي: فعلا مثل ذلك، وقولا مثل ذلك.

стр. 285

وأما قوله: (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ) «١» إن «٢» شئت كان وصفاً لمصدر قوله: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) «٣» على تقدير: إتماما مثل إرسالنا الرسول. وإن شئت كان من صلة قوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) «٤» أي: ذكرا مثل إرسالنا الرسول. وأما قوله: (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) «٥» فإن شئت كان صفة لمصدر خبر مبتدأ تقدم/ ذكره، على تقدير: (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) «٦» أي: الأنفال ثابتة لله ثبوتاً كثبوت إخراج ربك إياك من بيتك. وإن شئت: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم إصلاحاً مثل إخراجك من بيتك. وأما قوله تعالى: (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) «٧» أي: تعودون عودا مثل بدئنا إياكم، كقوله: (بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ) «٨» . وعلى هذا قياس كاف التشبيه في التنزيل، وهذا نوع آخر من حذف الموصوف. ومن ذلك (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) «٩» فريق- (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) «١٠» فحذف الموصوف وجعل (يَوَدُّ) وصفا له.

стр. 286

وقدره آخرون: ولتجدنهم ومن الذين أشركوا، أي: ولتجدنهم وطائفة من الذين أشركوا أحرص الناس فهو وصف لموصوف منصوب معطوف على مفعول (لَتَجِدَنَّهُمْ) . وقدره الفرّاء: من يود. و «من» إن كان موصولاً فلا يجوز إضماره، وإن كان موصوفاً جاز إضماره، كقول حسان: فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء أي: من يمدحه ومن ينصره. ويكون «من» موصوفاً. ومن لم يقف على «حياة» ، فإنما أدخل «من» على قوله: (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) «١» حملاً على المعنى. إذ المعنى: ولتجدنهم أحرص من الناس ومن الذين أشركوا. ومن ذلك قوله تعالى: (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) «٢» قال أبو علي: ومن الذين هادوا فريق يحرف الكلم، فحذف الموصوف، كما قال: (وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) «٣» أي: ومن آياته آية يريكم البرق دليله قوله: (وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ) «٤» أي: سماعون من أجل الكذب. أي: يسمعون ليكذبوا عليك ويحرفوا ما سمعوا. فقوله «يحرفون» صفة لقوله «سماعون» وليس بحال من الضمير الذي في «يأتوك» . ألا ترى أنهم إذا لم يأتوا لم يسمعوا فيحرفوا، وإنما التحريف ممن يشهد ويسمع ثم يحرف.

стр. 287

وإذا كان كذلك فالمحرفون من اليهود بعضهم، وإذا كانوا بعضهم لا جميعهم كان حمل قوله: (مِنَ الَّذِينَ هادُوا) فريق (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ) أشبه من حمله على ما أجبنا نحن به أحد شيوخنا، لأنه لهذه الآية أوفق. يعني بذلك حين سأله أحد شيوخه عن تعلق (مِنَ) في قوله: (مِنَ الَّذِينَ هادُوا) «١» فأجابه بأنه يتعلق ب «نصير» من قوله (وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيراً) «٢» . كقوله (فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا) «٣» فإن قلت: فلم لا نجعل قوله (يُحَرِّفُونَ) «٤» حالاً منها في (لَمْ يَأْتُوكَ) «٥» على حد (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) «٦» أي مقدرا البلوغ فيه، فإن الذي قدمناه أظهر إن شاء الله «٧» . ومن حذف الموصوف، قوله: (أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) «٨» أي: قوماً حصرت صدورهم، فحذف الموصوف وقدر «قوم» فيه. أي: قد حصرت صدورهم، ليكون نصباً على الحال. وقال قوم: هو على الدعاء. ومن حذف الموصوف قوله: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) «٩» أي: عشر حسنات أمثالها. فحذف الموصوف. وفيه وجهان آخران نخبرك عنهما في بابيهما إن شاء الله. ومن حذف الموصوف قوله تعالى: (وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) «١٠» أي: شيء من نبأ المرسلين. لا بد من هذا التقدير، لأنك لو لم تقدر هذا

стр. 288

لوجب عليك تقدير زيادة «من» في الواجب، وليس «١» مذهب صاحب الكتاب. ومثله قراءة من قرأ: (يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ) «٢» بالجر. تقديره: وشيء من نحاس. فحذف الموصوف، إذ لا يجوز جر «نحاس» على النار، لأن النحاس لا يكون منه شواظ. ومن حذف الموصوف قوله: (وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ) «٣» أي: ما أنتم بمعجزين من في الأرض. «فمن» موصوف، وقد حذفه. ومن حذف الموصوف: (وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها) «٤» أي (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً «٥» ... وَدانِيَةً) أي: وجنة دانية، فحذف الموصوف. ومثله (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) «٦» أي ما منا أحد إلا ثابت له مقام، فالظرف صفة ل «أحد» المضمر. ولا بد من تقديره ليعود الهاء إليه، وهذا يدل على قول الفقهاء حيث قالوا فيمن قال لعبده: إن كان في هذا [البيت] إلا رجل فأنت حر. فإذا كان فيه رجل والصبى فإنه يحنث لأن التقدير: إن كان في/ هذا البيت أحد إلا رجل والصبي من جملة الأحد، إلا أن يعني أحداً من الرجال، فيدَّين إذ ذلك. والذي يقوله النحويون في قولهم «ما جاءني إلا زيد» : «زيد» فاعل ل «جاء» و «أحد» غير مقدر، وإن كان المعنى عليه لأن تقدير «أحد» يجوز نصب زيد، ولم يرد عن العرب نصبه في شيء من كلامهم بتة.

стр. 289

وحذف «أحد» جاء في التنزيل، وإن لم يكن موصوفاً، كقوله (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) «١» والتقدير: وإن من أهل الكتاب أحد. كذا: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) «٢» أي: إن منكم أحد. وإن جعلت الظرفين في الآيتين وصفاً ل «أحد» على تقدير: وإن أحد ثابت من أهل الكتاب، وإن أحد منكم إلا واردها، كان وجها. وإن طلبت شاهداً على حذف «أحد» من أشعارهم، فقد أنشد سيبويه: لو قلت ما في قومها لم تيثم ... يفضلها في حسب وميسم «٣» أي: ما في قومها أحد يفضلها. ولفظ سيبويه في ذلك: وسمعنا بعض العرب الموثوق به يقول: ما منهم مات حتى رأيته في حال كذا وكذا. وإنما أراد: ما منهم أحد مات، ومثل ذلك (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) «٤» ومثل ذلك في الشعر للنابغة «٥» : كأنك من جمال بنى أقيش ... يقعقع خلف رجليه بشن «٦» أي: كأنك جمل من جمال بني أقيش.

стр. 290

ومن ذلك قوله تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ) «١» والتقدير: وقوم أخذنا ميثاقهم، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقيل: إن التقدير: وأخذنا من الذين قالوا إنا نصارى ميثاقهم، ففصل بين الواو والفعل. وقيل: هو محمول على قوله: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ) «٢» (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا) «٣» ، فحمل على المعنى. ومن ذلك قوله: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ) «٤» أي: قوم مردوا (وَآخَرُونَ) «٥» (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) «٦» . والمعنى: ومنهم آخرون، ومنهم الذين اتخذوا. ومن ذلك قوله: (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) «٧» أي: كبرت كلمة تخرج، فحذف وأقام الجملة مقامه. قال أبو علي/: يحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون في «كبرت» ضمير مما جرى من اتخاذ الولد، وأنث على المعنى، لأن ذلك «كلمة» فعلى هذا لا يكون بمنزلة «نِعْمَ» ، لأن فاعل «نعم» لا يكون معهوداً. وتكون «كلمة» على هذا منتصبة على الحال. كما أن «مقتاً» في قوله (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا) «٨» حال.

стр. 291

ويجوز أن تجعله بمنزلة «نِعْمَ» وتضمر فيها شائعا كما تضمر في: نِعْمَ رجلاً. فإذا جعلته كذلك احتمل قوله: (تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) «١» أمرين، ولكن لا بد منها لتبيين الضمير. والآخر: أن يكون صفة للمخصوص بالذم وقد حذف، والتقدير: كبرت الكلمة كلمةً تخرج من أفواههم، فحذف المخصوص بالذم، لأنه إذا جاز أن يحذف بأسره في نحو: نعم العبد، كان أن يحذف وتبقى صفتها أجود. وإن جعلت قوله (تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ) «٢» صلة ل «كلمة» المذكورة، كان المخصوص بالذم مرادا، ويكون ذلك قولهم (اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) «٣» فحذف ولم يذكر لجرى ذكرها، كما لم يذكر «أيُّوب» في قوله (نِعْمَ الْعَبْدُ) «٤» لجرى ذكره. ومن ذلك قوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) «٥» أي: قولا ذا حسن، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه بعد حذف المضاف. ومن قرأ (حسناً) فالتقدير: قولاً حسناً. قال أبو علي: وحسُن ذلك في حَسَن، لأنه ضارع الصفة التي تقوم مقام الأسماء، نحو: الأبرق، والأبطح، والأبتر «٦» . ثم يقولون: هذا حسن، ومررت بحسن، ولا يكادون يذكرون معه الموصوف.

стр. 292

ومثل ذلك في حذف الموصوف قوله: (قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا) «١» أي متاعاً قليلاً، يدلك على ذلك قوله: (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ) «٢» . وقوله: (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ) «٣» يحسن هذا، وإن كان قد جرى على الموصوف في قوله: (إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) «٤» . وكذلك يحسن في قوله: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) «٥» . أما قوله: (ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ) «٦» فينبغي أن يكون اسماً، لأنه قد عودل به ما لا يكون إلا اسما، وهو السوء. وأما قوله: (وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً) «٧» فيمكن أن يكون: / أمرا ذا حسن، ويمكن أن يكون: الحسن، مثل الحلو. ومن ذلك قوله: (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ) «٨» أي: إيماناً قليلاً يؤمنون. ف «قليلا» صفة إيمان، وقد انتصب ب «يؤمنون» أعني: إيماناً. وكذلك قوله: (قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ) «٩» أي: تذكرا قليلا تذكرون. و (قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ) «١٠» أي: شكرا قليلا تشكرون.

стр. 293

ومعنى (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ) «١» أي: الإيمان لهم، لأن القلة يراد به النفي. قال سيبويه: قَّل رجل يقول ذاك إلا زيد. والمعنى: ما رجل يقول ذاك إلا زيد. فزيد لا يجوز فيه إلا الرفع لأنه منفي وكذلك: قلما سرت حتى أدخلها، بالنصب. كما تقول: ما سرت حتى أدخلها. وأما قوله: (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) «٢» . فقد قال أبو علي: قلة إيمانهم قولهم: الله ربنا، والجنة والنار حق. وليس هذا بمدح إيمانهم، إذ ليس القدر مما يستحق به الجنة، ولا يكون التقدير إلا جماعة قليلاً لقوله: (لَعَنَهُمُ اللَّهُ) «٣» . فعمَّهم باللعن. وإنما التقدير: إيماناً قليلاً. وأما قوله: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ) «٤» أي: قليلاً في العدد من الليل لم يهجعوا، عن الضحّاك، وهو ضعيف. لأنه قدم الجار على المنفى. وقيل: كانوا قليلاً هجوعهم، و «ما» مصدرية، فتكون بدلاً من الضمير في «كانوا» ، أي: يرتفع بالظرف. و (قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ) «٥» خبره، لأنه حدث والجملة في موضع خبر «كان» . قال الشيخ: هذا سهو منه، لأنه إذا ارتفع بالظرف لم يرتفع بالابتداء، وإذا لم يرتفع بالابتداء لم يكن «قليلاً» خبراً، لا سيما و «قليلا» منصوب، فكيف يكون خبر «ما» ، إنما نصبه لأنه خبر «كان» .

стр. 294

ولا يمتنع أن يكون «قليلاً» خبراً عن «ما» وصلته، وإن لم يجز أن يكون خبراً عن المبدل منه لأن المقصود الآن هو البدل. ولا يجوز أن يرتفع «ما» ب «قليل» ، وهو موصول بالظرف لأن «القليل» لما وصلت به من قوله (مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ) «١» قد دل على أنه ليس بصفة الهجوع، إنما القلة للّيل. وإن علقت «من الليل» «بكانوا» أو ب «قليل» «ما» نفي لم يجز، ألا ترى أن «قليلاً» على هذا الخبر للضمير الذي في «كانوا» / ولا يكون من «الليل» فلا يتعلق أيضاً ب «كانوا» على حد قولك: «كانوا من الليل» . ولم يرض أبو علي أن يكون (مِنَ اللَّيْلِ) مثل قوله: (مِنَ الزَّاهِدِينَ) «٢» (وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) «٣» . قال أبو علي: في الآى التي تقدم ذكرها فصل «٤» نقلته لك، وهو أنه قال في قوله (فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ) «٥» ، أي: فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً، كما تقول: ضربته يسيراً وهيناً. وقال: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ) «٦» أي: المكرات السيئات. ويجوز أن يكون (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) أي: لا يؤمنون إلا نفراً قليلاً، كقوله: (وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) «٧» . فهذا قلة في العدد، ويكون حالاً. ولا يراد به القلة التي هي الوضع، والتي هي خلاف الكثرة فى قوله: وأنت كثير يا ابن مروان طيّب

стр. 295

وما روى من قوله: المرء كثير بأخيه، لأن ذلك لا يوصف به المؤمنون. وعكسه: (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) «١» . فأما قوله: (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا) «٢» فيكون العدد من الذل لأنهم لكفرهم لا يكثرون عند البأس، فهم خلاف الأنصار الذين قال فيهم: إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع. وقوله تعالى: (عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) «٣» ليس هو من قلة العدد، كأنه: عن زمان قليل يندمون. و «عَمَّا» متعلق بمحذوف يدل عليه (لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) «٤» . ومن حذف الموصوف قوله: (نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) «٥» أي: نعم شيئاً يعظكم به موعظته، فحذف المخصوص بالمدح، وكلاهما حسن. ومنه قوله: (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ) «٦» ، أي: فرقة خائنة. وقيل: على خيانة. وقيل: الهاء للمبالغة. فأما قوله: (فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ) «٧» أي: بالصيحة الطاغية. فحذف الموصوف.

стр. 296

وقيل: بفعل النفس الطاغية. فحذف المضاف والموصوف، وهو عاقر الناقة. وقيل: بل الطاغية للطغيان أي: أهلكوا بطغيانهم كالكاذبة. وقال: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها) «١» . وقيل: بالذنوب الطاغية، أي: المطغية. ولما قال: (وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ) «٢» فذكر العذاب، اقتضى ذلك الوجه الأول، كي يكون المعطوف كالمعطوف عليه. / واعلم أن فاعلة التي بمنزلة «العافية» و «العاقبة» أريتك فى هذه الآي الثلاث «الخائنة» و «الكاذبة» و «الطاغية» . وفي آيتين «الخالصة» في قوله: (ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ) «٣» أي: ذات خلوص. وقال: (إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ) «٤» ، أي: بإخلاصهم أو بالخلوص لهم، (ذِكْرَى الدَّارِ) . فهذه خمسة مواضع حضرتنا الآن. ومثله «الكافة» فهو كالعافية والعاقبة، ونحوه. ويدل عليه قوله: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) «٥» فأوقع على الجماعة. وقال: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً) «٦» .

стр. 297

ومثله «الفاحشة» في قوله: (وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً) «١» وقوله: (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ) «٢» . هي فاعلة بمعنى المصدر، عن أبي علي وعن غيره، بل هي صفة موصوف محذوف، أي: فعلوا خصلة فاحشة، وإن يأتين بخصلة فاحشة. ومثله (لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً) «٣» قيل: «لغواً» مثل العافية. وقيل: كلمة لاغيةً. وقيل: قائلُ لغو. ومثله قوله تعالى: (أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ) «٤» (أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً) «٥» أو ناخره، نرد في الحافرة. ف «إذا» فى موضع نصب بهذا الفعل. و «الحافرة» مصدر كالعاقبة، والعافية، و (لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ) «٦» كأنه أراد نرد إلى الطريق الذي حفرناه بسلوكنا. ومن حذف الموصوف جميع ما جاء في التنزيل من قوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) «٧» والتقدير: وعملوا الخصال الصالحات. كما أن السيئات في قوله: (وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا) «٨» و (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ) «٩» أي: الخصال السيئات.

стр. 298

ومن ذلك قوله: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ) «١» فحذف للدلالة عليه نحو قوله (وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ) «٢» . وقال: (مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ) «٣» فحذف الموصوف. وقال: (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) «٤» . أي: فريق دون ذلك. وعلى قياس قول أبي الحسن يكون «دون» في موضع الرفع، ولكنه جرى منصوباً في كلامهم. وعلى محمل قراءة من قرأ (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) «٥» على أنه ظرف ووقع موقع الفاعل. وكذا قوله: (يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) «٦» فيمن قرأه مرتباً للمفعول/ بجعله قائماً مقام الفاعل، لأنه جرى منصوباً. ويجوز (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) على: ما بينكم، فحذف الموصوف دون الموصول. ومنه قوله: (وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً) «٧» أي: عملاً صالحاً، لقوله قبله: (وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً) «٨» وقال: (يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ) «٩» أي: الأعمال السيئات الأعمال الحسنات، فلم أعده لك.

стр. 299

وصاحب الكتاب يقول: «لو» بمنزلة «إن» في هذا الموضع تبنى عليها الأفعال، فلو قلت: ألا ماء ولو باردا، لم يحسن إلا النصب لأن «بارداً» صفة. ولو قلت: ائتنى ببارد، كان قبيحاً. ولو قلت: ائتنى بتمر، كان حسنا. ألا ترى كيف قبح أن تضع الصفة موضع الاسم. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) «١» أي: فريق كافر به، فحذف «الفريق» . ومن ذلك قوله تعالى: (الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ) «٢» أي: النساء الخبيثات للرجال الخبيثين. وقيل: الكلمات الخبيثات للرجال الخبيثين، وكذا التقدير فيما بعدها. ومن ذلك قوله: (عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ) «٣» أي: عن قولهم كلاماً ذا الإثم. قال أبو علي: ويكون من باب: ضرب الأمير، ونسج اليمن، وتقديره: عن قولهم كلاماً مأثوماً فيه. ومن ذلك قوله تعالى: (لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ) «٤» . فقد قيل: هو صفة مصدر محذوف، وقيل: منتصب بفعل مضمر.

стр. 300

وعندي أنه على الاستثناء المنقطع، وليس على: تغلو غلوا غير الحق لأن «غُلُوا» نكرة، وإن كان لا يتعرف في غير هذا الموضع بالإضافة، فقد تعرف هنا، إذ ليس إلا الحق أو الباطل. ومن ذلك قوله تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ) «١» يجوز أن يكون «من» زيادة على قياس قول أبي الحسن. ويجوز أن يكون على حذف الموصوف، أي: وأوزارا من أوزار الذين يضلونهم. ويؤكد هذا قوله: (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ) «٢» ، فكما أن «مع» صفة فكذلك الجار هاهنا. ومن ذلك قوله تعالى: (وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً) «٣» أي: ما تتخذون، فحذف «ما» وهو موصوف. ومن ذلك قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً) «٤» أي: ارحمهما رحمة مثل رحمة تربيتهما/ إياى صغيراً فحذف ذا الكلام. ومعنى رحمة التربية: الرحمة التي كانت عنها التربية، مثل ضرب التلف. ويجوز أن يكون المعنى: على ما ربّيانى صغيرا.

стр. 301

وكذلك تأول أبو الحسن قوله: (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) «١» . أي: على ما اُمرت، فكذلك ارحمهما على ذلك. ونحو منه في أول السورة: (وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ) «٢» . التقدير: دعاء مثل دعائه الخير. ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ) «٣» أي: زماناً غير بعيد من الزمان، فيكون فاعل «مكث» «سليمان» . وقيل الفاعل: «الهدهد» أي: بمكان غير بعيد. ومن ذلك قوله: (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) «٤» أي: وحبّ الزرع الحصيد. و (حَبْلِ الْوَرِيدِ) «٥» أي: حبل عرق الوريد. و (دِينُ الْقَيِّمَةِ) «٦» و (حَقُّ الْيَقِينِ) «٧» كل هذا على حذف المضاف الموصوف. ومن ذلك قوله تعالى: (أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ) «٨» يحتمل موضع «الذين من قبلهم» وجهين: الأول: أن يكون رفعاً بالعطف على «قوم تبع» ، تقديره: أهم خير أم هذا؟، فإذا جعلته على هذا أمكن في صلة «الذين» أن تكون «أهلكناهم» ، ويكون «من قبلهم» متعلقاً به. ويجوز أن يكون صلة «الذين من قبلهم» ، فيكون على هذا في الظرف عائد إلى الموصول.

стр. 302

فإذا كان كذلك كان «أهلكناهم» على أحد أمرين: إما أن يكون يريد فيه حرف العطف، وقد يكون في موضع الحال أو يقدر حذف موصوف كأنه: قوما أهلكناهم. وهذان على قول أبي الحسن. والمعنى: أفلا تعتبرون أنا إذا قدرنا على إهلاك هؤلاء واستئصالهم قدرنا على إهلاك هؤلاء المشركين. ويجوز أن يكون «الذين» مبتدأ، و «أهلكناهم» الخبر، أي: الذين من قبل هؤلاء أهلكناهم، فلم لا تعتبرون. و [الثاني] «١» يجوز أن يجعل «الذين» جراً بالعطف على «تبَّع» ، أي قوم تبع والمهلكين من قبلهم. ومن ذلك ما قاله الفرّاء في قوله: (وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ) «٢» أي: ما ثم، فحذف. قال أبو علي: قول الكسائي وإجازته: نعم الرجل يقوم، وأنه منع في النصب: نعم رجلاً يقوم. فأما منعه في النصب فبيِّن، وذلك أن «يقوم» يصير صفة/ للنكرة، فيخلو الكلام من مقصود بالذم أو المدح مخصوص به، وإذا خلا منه لم يجز. ولو زاد فى الكلام مقصود بالمدح جازت المسألة. وأما: نعم الرجل يقوم، فإنه أجازه

стр. 303

على أنه أقام الصفة مقام الموصوف، كأنه: نعم الرجل رجل يقوم، فحذف «رجلا» المقصود بالمدح أو الذمِ. قال أبو بكر: هذا عندي لا يجوز، لأن إقامة الصفة مقام الموصوف، إذا كانت الصفة فعلاً، غير مستحسن. قال: فإذا كان كذلك وجب ألا يجوز إذا لم يكن اسماً، إذ الاسم الموافق للمحذوف في أنه مثله اسم، لذلك، غير مستحسن فيه، فإن «١» هذا الذي ذكره حسن. فإن قيل: قد جاء (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) «٢» ، (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) «٣» . [وقول الشاعر] «٤» : وما منهما قد مات حتى رأيته [وقوله] «٥» وما الدهر إلا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغى العيش أكدح «٦» والتقدير: تارة منهما أموت وتارة منهما أكدح، ونحو هذا. فحذف الموصوف في هذه الأشياء. قيل: إنما جاز الحذف في قوله: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) «٧» لأنه مبتدأ غير موصوف، إنما هو محذوف من قوله: وإنَّ من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به. فهذا خبر محذوف على هذا التقدير، والمبتدأ حذفه سائغ.

стр. 304

وكذلك: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) «١» (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ) «٢» . أي: ما منا أحد إلا له مقام معلوم. ويستدل متأول هذا على أن قوله أرجح بقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ) «٣» ألا ترى أن «منكم» ليس صفة ل «أحد» ، فإذا كان كذلك لم يكن فيه دلالة. وما جاء من نحو ذا في الشعر، لا يحمل الكلام عليه، لأنه حال سعة، وليس حال ضرورة. فإن قيل: «منكم» متعلقة بحاجزين، ولا يصح أن يعلق «منكم» في قوله: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) «٤» (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) «٥» بما بعد «إلاَّ» ولا يصح أن يكون خبراً عن «أحد» لأن «واردها» خبر عنه. و «له مقام معلوم» خبر عنه، ولا يكونان خبرين، كقولهم: هذا حلو حامض، لأن «إلا» لا يفصل بينهما لأنهما بمنزلة اسم واحد/ في المعنى. وأيضاً فإن المعنى يمنع من ذلك، لأنه ليس يريد: إنه لا أحد منهم. فهذا يمنع من أن يكون «منكم» خبراً، ويمنع أن يكون «واردها» صفة ل «أحد» . وكذلك «له مقام معلوم» . ويمنع من ذلك أن «إلا» لا مدخل لها بين الاسم وصفة.

стр. 305

فأما: ما جاءني أحد إلا ظريف، فإنه على إقامة الصفة مقام الموصوف، كأنه: إلا رجل ظريف. أو على البدل من الأول، فكذلك (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) «١» . وهذا يمنع فيه من تعلق «من» بقوله «ليؤمنن» أعني اللام من «إلا» . وإذا كان كذلك فلا وجه ل «مِنْ» إلا الحمل على الصفة. قيل: هي متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله: (لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) «٢» و (وارِدُها) «٣» ، و (لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) «٤» ومعناها البيان ل «أحد» . فإن قياس قول الكسائي في: «نعم الرجل يقوم» ، أن يجوز في المنصوب: نعم رجلاً يقوم يذهب. على أن يكون «يذهب» صفة محذوف، كأنه: نعم رجلاً يقوم رجل يذهب. كما كان التقدير في حذف الموصوف، فمرة أجازوه مستحسناً، ومرة منعوه ولم يستحسنوا. وكثرة ذلك في التنزيل لا محيص عنه، على ما عددته لك.

стр. 306

الباب الخامس عشر هذا باب ما جاء في التنزيل من حذف الجار والمجرور وقد جاء ذلك في خبر المبتدأ، وصفة الموصوف، وصلة الموصول، وفي الفعل جميعاً. فأما في الفعل، فكقوله : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ) . «١» والتقدير: إن الذين كفروا بالله، وهو شائع في التنزيل، أعني حذفها من «كفروا» . قال: (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ) «٢» . (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ) «٣» . (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ) «٤» . والتقدير في كله: كفروا بالله، وكفروا بربهم. كما أن قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا) «٥» ، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا) «٦» ، وقوله (لا يُؤْمِنُونَ) «٧» التقدير في كله: بالله.

стр. 307

فأما قوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا) «١» فالباء من صلة التكذيب عندنا، وقد حذف صلة كفروا لدلالة الثاني عليه، وهو متعلق بالفعل الأول عند الكوفيين/ دون الثاني. نظيره (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) «٢» . وهذا باب من إعمال الفعلين، سنأتي عليه هناك إن شاء الله. ومما جاء وقد حذف منه العائد إلى المبتدأ من خبره قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) «٣» إلى آخر الآية. ف «مَنْ آمنَ» مبتدأ وخبره (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ) «٤» والجملة خبر «الذين» ، والتقدير: من آمن منهم بالله. وقال: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) «٥» والتقدير: يتربصن بعدهم. وقال قوم: إن قوله (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ) «٦» مبتدأ، والخبر مضمر. أي: فيما يتلى عليكم الذين يتوفون منكم. ومثله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ) «٧» ، و (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي) «٨» . وقوله: (مَثَلُ الْجَنَّةِ) «٩» . وقوله: (شَهْرُ رَمَضانَ) «١٠» .

стр. 308

هذا كله على إضمار الخبر، أي: فيما يتلى عليكم. كما أضمر الخبر في قوله: (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ) «١» . والتقدير: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر، فأضمر المبتدأ والخبر. وإضمار الخبر على أنواع، فنوع منها هذا الذي ذكرناه، ونوع آخر يضمر الخبر لتقدم ذكره، كقوله: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) «٢» . والتقدير: والله أحق أن يرضوه ورسوله أحق أن يرضوه. وقوله: (أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) «٣» أي: ورسوله برىء من المشركين. وإذا جاز حذف الخبر بأسره، فحذف الضمير أولى. ومن حذف الضمير في حذف المبتدأ، قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ) «٤» أي فإن حزب الله هم الغالبون معه، لأن «من» موصولة مبتدأة، وتمت بصلتها عند قوله «آمنوا» و «إن» مع اسمه وخبره خبر «من» والعائد مضمر. ومثله: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) «٥» أي المصلحين منهم.

стр. 309

وقال: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) «١» أي: أجر من أحسن منهم. وقال: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) «٢» أي/ منه. ومثله: (إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ) «٣» أي للأوابين منكم، فحذف. ومما جاء من العائد المحذوف في الوصف إلى الموصوف قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ) «٤» أي: لا تجزي فيه. وكذلك (وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ) «٥» أي: فيه. (وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ) «٦» أي: فيه. (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) «٧» أي: فيه. كل هذه جمل جرت وصفاً على «يوم» المنتصب بأنه مفعول به، وقد حذف منه «فيه» . وفي هذه المسألة اختلاف: ذهب سيبويه إلى أن «فيه» محذوف من الكلام، قال في قولهم: أما العبيد فذو عبيد. المعنى: أما العبيد فأنت منهم ذو عبيد. كما قال: (وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) «٨» أي: فيه. وقال أبو الحسن في ذلك: اتقوا يوما لا تجزى فيه.

стр. 310

قال: وقال قوم: لا يجوز إضمار فيه، ألا ترى أن [من يقول] «١» ذلك لا يقول: هذا رجل قصدت، وأنت تريد: إليه. ولا: رأيت رجلاً، وأنت تريد: فيه. فالفرق بينهما: أن أسماء الزمان يكون فيها ما ليس في غيرها. وإن شئت حملته على المفعول في السعة، كأنك تقول: قلت: واتقوا يوماً لا تجزيه، ثم ألغيت الهاء، كما تقول: رأيت رجلا أحب، نريد: أحبه. قال أبو علي: حذف الظرف في الأسماء مراد، وإن كان محذوف اللفظ فيها، فمن أجل ذلك تمتنع الإضافة إليها، والحديث عنها، وأن تجعلها مفعولاً بها في حال ما هي ظروف، لأن ما يقدر من الحرف المراد يمنع ذلك ويحجر عنه. ويدلك على إرادة الحرف في كل ذا إظهارك إياه في جميع ذلك، إذا كنيت عنها عن «خلف» ونحوه في قولك: قمت خلفك، وخلفك قمت فيه، كما تقول: السوق قمت فيها. وكما أعلمتك من إرادة الحرف معها إذا كانت ظروفاً كثيراً ما ترى سيبويه إذا علم أنها مفعولة على الاتساع يذكرها مضافة، ليبدي بذلك أن الظرفية زائلة عنها. والجائز عندي من هذه الأقاويل التي قيلت في الآية: قول من قال. إن «اليوم» جعل مفعولاً على الاتساع، ثم حذفت الهاء من الصفة كما تحذف من الصلة، لأن حذفها منها في الكثرة/ والقياس كحذفها منها.

стр. 311

أما القياس فإن الصفة تخصص الموصوف، كما أن الصلة تخصص الموصول، ولا تعمل في الموصوف، ولا تتسلط عليه، كما لا تعمل الصلة في الموصول، ومرتبتها أن تكون بعد الموصوف، كما أن مرتبة الصلة كذلك. وقد تلزم الصفة في أماكن كما تلزم الصلة، وذلك إذا لم يعرف الموصوف. إلا بها. ولا تعمل فيما قبل الموصوف كما لا تعمل الصلة فيما قبل الموصول. وتتضمن ذكرا من موصوفها كما تتضمنه الصلة من موصولها. وشدة مشابهة الصفة الصلة على ما تراه. وقد كثر مجيء الصلة محذوفاً منها العائد إذا كان مفعولاً في التنزيل، وجميع التنزيل والنظم، حتى إن الحذف في التنزيل أكثر من الإثبات فيها، والصفة كالصلة فيما ذكرت لك من جهات الشبه، فإذا كان كذلك حسن الحذف منها حسنه من الصلة. فإن قيل: ما تنكر أن يكون المحذوف من الآية فيه دون الهاء على التأويل الذي ذكرته، وإن حذف الجار والمجرور في هذا ونحوه كحذفهما في قولهم: السمن منوان بدرهم. وما شبَّه سيبويه به ونحوه؟ قيل له: ليس يسوغ حذفهما، ولا يحسن حسنه من خبر المبتدأ كحذفهما من الخبر، لأن خبر المبتدأ قد يحذف بأسره حتى لا يترك منه شيء فيما كثر تعداده، فإذا حسن حذف الخبر وجاز كان حذف بعضه أسوغ وأجود. وإبقاء البعض في باب الدلالة على المحذوف وإرادته أقوى

стр. 312

من حذف الكل، وليس كذلك الصفة، ألا ترى أن الصفة لا تحذف كما يحذف الخبر، فيسوغ حذف هذا البعض منها كما حسن حذف كلها، فلا يجوز تقدم حذف الجار والمجرور هنا من حيث جاز حذفهما في الخبر لما ذكرنا. قال: وليس حذف «فيه» في الآية كحذف «الهاء» من قوله: ويوم نسر «١» لأن «فيه» جار ومجرور. ولا يجوز في الصلة: الذي مررت زيد: تريد: مررت به، / وكذا لا يجوز حذف «فيه» بخلاف قوله: يوم نسر «٢» لأنه يحسن: الذي ضربت زيد. وهذا الذي قاله عندي غيره قد جاء في التنزيل: قال الله تعالى: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) «٣» أي خاضوا فيه. وقال: (ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ) «٤» أي: يبشر الله به عباده. قال: (ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا) «٥» أي: لما لبثوا فيه. على أنه حكى عن يونس أن «الذي» في الآيتين بمنزلة المصدر، والتقدير خضتم كخوضهم. (والذي يبشر) بمنزلة التبشير.

стр. 313

رجع إلى كلام أبي علي قال أبو علي: فإن قلت: أو- كلام سيبويه في هذا مثل قول من قال: إن الحذف «١» وجب فيه من حيث وجب في المظهر في البعد من الصواب؟ فالجواب: أن قول سيبويه أقرب إلى الصواب وأبعد من الخطأ، وذلك أنه لم يذكر أن الحذف «٢» في هذا أوجب من حيث يحذف في المظهر. لكنه شبهه بما يحذف للدلالة عليه كخبر المبتدأ ونحو ذلك، وكأنه عنده حذف حذفاً لذلك، لا من حيث حذف في المظهر. وقد قدمنا الفصل بين هذا وبين خبر المبتدأ، فإن الحذف فيه أسوغ من الحذف في هذا لأنه صفة. وليس الوصف من المواضع التي يسوغ فيها الحذف، وليس قول سيبويه في حذف (فيه) كقول من قال: إن الحذف مع المضمر يجوز، كالحذف مع المظهر في: سرت اليوم. فأما ما احتج به أبو الحسن على من منع جواز إضمار «فيه» في الآية عند قولهم لا يجوز هذا، كما لا يجوز: هذا رجل قصدت، وأنت تريد: قصدت إليه. ولا: رأيت رجلاً أرغب، وأنت تريد: فيه. فالفرق بينهما أن أسماء الزمان يكون فيها ما لا يكون في غيرها. فالذي في أسماء الزمان مما لا يكون في غيرها- ما جاز فيها من إضافتها إلى الفعل، وتعدى الفعل إلى كل ضرب منها مختصها ومبهمها.

стр. 314

وأما إضافة الفعل. فليس شىء يوجب حذف هذا، وإن أراد أن قوة دلالة الفعل عليها يسوغ الحذف فيها، فهو كأنه شبيه بما ذهب إليه سيبويه أنه حذف حذفاً. وليس في قوة/ دلالة الفعل على أسماء الزمان ما يوجب الحذف من الصفة كما قدمنا، إلا أن هذا القول أقرب إلى الصواب من غيره كما ذكرت لك «١» . ومن هذا الباب قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ) «٢» . قال أبو علي في قوله: (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) «٣» ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون صفة لليوم. والآخر: أن يكون صفة للمصدر المحذوف. والثالث: أن يكون حالاً من الضمير في «نحشرهم» . فإذا جعلته صفة لليوم احتمل ضربين من التأويل: أحدهما: أن يكون التقدير: كأن لم يلبثوا قبله إلا ساعة، فحذفت الكلمة لدلالة المعنى عليها. ومثل ذلك في حذف [الظرف] «٤» لهذا النحو، منه قوله تعالى: (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) «٥» أي أمسكوهن قبله.

стр. 315

وكذلك قوله: (فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ) «١» ، أي، قبل الأربعة الأشهر. [الثاني] «٢» ويجوز أن يكون المعنى: كأن لم يلبثوا قبله، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ثم حذفت الهاء من الصفة، كقولك: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت. وإن جعلته صفة للمصدر كان على هذا التقدير الذي وصفنا، وتمثيله: ويوم نحشرهم حشراً كأن لم يلبثوا قبله، فحذف. وإن جعلته حالا من الضمير المنصوب لم يحتج إلى حذف شيء من اللفظ، لأن الذكر من الحال قد عاد إلى ذي الحال. والمعنى: نحشرهم مشابهة أحوالهم أحوال من لم يلبث إلا ساعة، لأن التقدير: كأن لم يلبثوا، فلما خفف أضمر الاسم كقوله: كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم «٣» فأما قوله (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) «٤» فإنه يصلح أن يكون منصوبا ب «يتعارفون» في هذا اليوم، فيكون ظرفاً له، أو مفعولاً به على السعة. ويجوز أن يعمل فيه فعلاً مضمراً دل عليه (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) «٥» أي: يستقلون المدة يوم نحشرهم، فيكون (يَتَعارَفُونَ) «٦» صفة ل «يوم» أيضاً، كما أن (لَمْ يَلْبَثُوا) صفة. والتقدير: يتعارفون فيه بينهم، فحذف «فيه» ..

стр. 316

ولا يجوز أن يعمل (كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) «١» في (يَوْمَ) لأن الصفة لا تعمل في الموصوف. وكذلك الحال لا تعمل فيما قبل صاحبها/ وكذا صفة المصدر لا يعمل فيما قبل المصدر، وفي الآية كلام طويل. ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) «٢» أي: إن ربي في تدبيركم على صراط مستقيم. فالجار الثاني خبر «إن» والمحذوف متعلق بالخبر معمول له. ذكره الرماني. وقيل: إن ربي على طريق الآخرة، فيصيركم إليها لفصل القضاء. وقيل: إن ربي على الحق، دون آلهتكم والعبادة له دونهم. ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ) «٣» أي: إن أحصرتم بمرض وغيره. وقوله: (فَإِذا أَمِنْتُمْ) «٤» أي: من العدو، فالأول عام والثاني خاص. ومن ذلك قوله: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) «٥» (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) «٦» والتقدير فى كله «بالجنة» .

стр. 317

أبو عبيد: يُبَشِّرُكَ، ويَبْشُرُكَ، ويُبْشِرُكَ، واحد، أبو الحسن: في «يُبشر» ثلاث لغات: بشر، وأبشر إبشاراً، وبشر، يبشر، وبشر يبشر بشراً وبشوراً، بكسر الشين. يقال: أتاك أمر بشرت به. وأبشرت به، في معنى بشرت، ومنه: (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ) «١» وأنشدوا: وإذا رأيت الباهشين إلى العلا ... غبراً أكفهم بقاع ممحل «٢» فأعنهم وابشر بما بشروا به ... فإذا هم نزلوا بضنك فانزل قال أبو زيد: وبشرني القوم بالخير تبشيراً. والاسم: البشرى. ومما حذف فيه الجار والمجرور قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ) «٣» . التقدير: فله أن له نار جهنم، ويقوى رفعه بالظرف فتح «أن» ويكسر هو في الابتداء، واستغنى عن الظرف بجريه في الصلة، كما استغنى عن الفعل بعد «لو» في: [لو] «٤» أنه ذهب لكان خبراً له. ومن حذف الجار والمجرور قوله تعالى: (أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) «٥» أي واسمع به. وقال: (أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ) «٦» أي وأبصر بهم.

стр. 318

قال أبو علي: لا يكون من باب حذف المفعول، لأن «بهم» فاعل، نحو قولهم: ما جاءني من رجل. والفاعل لا يحذف. وإن قدرت حذف الباء لكان: أبصروا. لكنه جرى «أبصر» مجرى الاسم به، لدلالة: ما أميلح زيداً، وما أقوله! ويجري مجرى نِعْم، وبِئْسَ، أو يصير، كقوله: ونار، توقد بالليل نارا «١» حيث حذف «كلا» لجرى ذكره في قوله: أكلّ امرئ تحسبين امرأ ولأنك لم تجمع الضمير في «ما أفعل» في موضع، فحمل عليه. ومن ذلك قوله تعالى: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) «٢» بعد قوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) «٣» . روى عن ابن عباس أنه قال: المعنى: وكثير من الناس في الجنة. وهذا حسن، كأنه جعله استئناف كلام، لأن ما تقدم من قوله: (يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) ، قد دخل تحته كثير الناس وقليلهم. فلم يحمله على التكرير، وأضمر الخبر لدلالة ما يجىء بعد عليه.

стр. 319

لأن قوله (وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ) «١» يدل على أن من تقدمهم لهم حالة أخرى. ونظيره: (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) «٢» وقوله تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ) «٣» . وإن حملت قوله: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) «٤» على أنه معطوف على (يَسْجُدُ) «٥» ويرتفع بذلك، كان تكريراً، كقوله: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) «٦» . ومن حذف الجار والمجرور قوله تعالى: (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ) «٧» أي: ما أمره به. فحذفت الباء، فصار: ما أمره هو. فحذف الأول دون الثاني. ومثله (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) «٨» وإن شئت كان على ما تؤمر به، ثم تؤمره، ثم تؤمر. قال أبو عثمان: الضميران عندي في الآيتين مختلفان، وذلك أن الضمير المحذوف في: (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) «٩» هو عائد إلى الموصول. والضمير المحذوف من قوله سبحانه: (أَمَرَهُ) ليس ضمير الموصول إنما هو ضمير الرجل المذكور. ولعمري إن حذف الضمير من الصلة، وإن كان عائدا على غير

стр. 320

الموصول جائز كقراءة من قرأ: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ) «١» فيمن فتح الياء. ومن ذلك قوله تعالى: (جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ) «٢» فقوله: (مُفَتَّحَةً) صفة لجنات، والأبواب مرتفعة بها. وليس فيه ضمير يعود إلى الموصوف. فيجوز أن يكون التقدير: مفتحة لهم الأبواب منها. فحذف «منها» للدلالة عليه. ويجوز أن يكون «الأبواب» / بدلاً من الضمير في «مفتحة» لأن التقدير: مفتحة هي، كما «٣» تقول: فتحت الجنان، أي: أبوابها. وقال الكوفيون: التقدير، مفتحة أبوابها، فقامت الألف مقام الضمير. قال أبو إسحاق: إلا أنه على تقدير العربية: الأبواب منها أجود من أن تجعل الألف واللام بدلاً من الهاء والألف، لأن معنى الألف واللام ليس من معنى الهاء والألف في شيء، لأن الهاء والألف أسماء، والألف واللام دخلتا للتعريف، ولا يبدل حرف جاء لمعنى من اسم، ولا ينوب عنه، هذا محال. قال أبو علي: اعلم أنه لا تخلو الألف واللام في قوله «الأبواب» من أن يكون للتعريف كما تعرف: الرجل والفرس، ونحو ذلك. أو يكون بدلاً من الهاء التي هي ضمير التأنيث التي كان يضاف «أبواب»
следующие страницы →