← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وإذا أخذوا بهذا التشاكل «اللفظ» ، حيث لا تميز معنى من معنى آخر، فأن يلزموا ذلك حيث يزيل اللبس ويخاص معنى من معنى، أجدر وأولى. قال الرازي: وإذا ريم إدغام المتحرك سكن، غير أن القراءة يسمون الضم والكسر عند الإدغام إبانة عن الأصل، إذا اختلف حركتا المدغم فيه، أو حركة المدغم وما قبله، أو سكن، وكان الساكن جامدأ، فإن كان ذائباً فأنت مخير فيه بين إشمام الحركة وإتمام المد، أو الجمع بين قليل من المد وقليل من الإشمام، إلا إذا كانت الذائبة واواً قبلها ضمة، وكان المدغم مرفوعاً، أو كانت ياءً قبلها كسرة وكان المدغم مجروراً، فإنك تمده لا غير ولا إشمام للنصب. ومنهم من يفرق في ذلك بين حركات البناء والإعراب، فيشم للإعراب فقط، والإشمام للباء والميم الفاء في إدغامها. وكان الدوري لا يشم بتة، ولعل ذلك كان منه لضرر كان به، لأن الإشمام مرئى غير مسموع، وهو قول النّحاة. ومن ترك الإشمام لزمه تفخيم (الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا) «١» ونحوه حال الإدغام. وإشمام الكسر يسمى روماً وإشمام الضم دون الروم. قال الفراء: كان أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف يقفون بروم الحركة على المرفوع والمجرور ونحو (نَسْتَعِينُ) «٢» و (مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) «٣» و (يَشاءُ) «٤»

стр. 247

ونحو ذلك، إلا أن يكون هاء منقلبة عن تاء التأنيث، نحو (رَحْمَةٌ) «١» فإنهم لا يرومون فى ذلك، [و] الباقون يقفون على السكون. ومن هذا الباب ما رواه أبو بكر عن عاصم في قوله تعالى (بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) «٢» بإشمام الدال الضمة وكسر النون والهاء. قال أبو علي: هذا ليعلم أن الأصل كان في الكلمة الضمة، ومثل ذلك قولهم: «أنت تغزين» ، وقولهم: «قيل» ، أشممت الكسرة فيها الضمة لتدل على أن الأصل فيها التحريك بالضم. فإن كان إشمام «عاصم» ليس في حركة خرجت إلى اللفظ، وإنما هو تهيئة العضو لإخراج الضمة. / ولو كانت مثل الحركة في «تغزين» لم يلتق ساكنان، ولم يكسر النون لاجتماعهما، ولكن يجتمعان في أن أصل الحرف التحريك بالضم، وإن اختلفا في أن الحركة في «تغزين» قد خرجت إلى اللفظ ولم تخرج في قوله «لدن» . وأما وصله الهاء بباء في الوصل فحسن، ألا ترى أنه لو قال: ببابه، وبعبده، فلم يوصل الهاء بباء لم يحسن، ولكان ذلك مما يجوز في الشعر. وكذلك أبو بكر عن عاصم في قوله (مِنْ لَدُنَّا) «٣» يشم الدال شيئاً من الضم، واختلف عن يحيى والله أعلم.

стр. 248

الباب الثاني عشر هذا باب ما جاء في التنزيل ويكون الجار والمجرور في موضع الحال محتملاً ضميراً من صاحب الحال وذلك معروف في كلامهم، حكى عن العرب «خرج زيد بسلاحه» أي: متسلحاً. فمن ذلك قوله تعالى، في أحد التأويلين: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) «١» قال أبو علي: أي يؤمنون إذا غابوا عنكم، ولم يكونوا كالمنافقين الذين يقولون: (إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) «٢» وقد قال: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ) «٣» / وقال: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ) «٤» وقال أبو ذؤيب: أخالد ما راعيت من ذى قرابة ... فتحفظنِي بالغيب أو بعض ما تبدى فالجار مع المجرور في موضع الحال، أي: يحفظنى غائباً. ويخشون ربهم غائبين من مراءاة الناس، لا يريدون بإيمانهم التصنع والتقرب رجاء المنالة، ولكن يخلصون إيمانهم لله.

стр. 249

قال: ويجوز فيها وجه آخر: وهو أن هذه الآية إجمال ما فصل، في قوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) «١» والموصوفون فيها خلاف من وصف في قوله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً) «٢» وكفرهم بالملائكة ادعاؤهم بنات الله فيها، كما ادعوا في قوله: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ) «٣» وقوله: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) «٤» وكفرهم بالكتاب إنكار له فى قوله: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) «٥» وكفرهم بإرسال الرسل إنكارهم إرسالهم، نحو قوله: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ) «٦» وقوله: (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) «٧» وكفرهم بالآخرة، قوله: (لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي) «٨» وكل هذه الأمور غيب قد أنكروه ودفعوه، فلم يؤمنوا به ولم يستدلوا على صحته. فقال تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) «٩» أي: بهذه الأشياء التي كفروا بها، هؤلاء الذين ذكر كفرهم بها عنهم، وخصهم بالإيقان بالآخرة في قوله: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) «١٠» وإن كان الإيمان قد شملها، لما كان من كفر المشركين بها وجحدهم إياها، في نحو ما حكى عنهم في قوله تعالى: (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا) «١١» .

стр. 250

ومن ذلك قوله تعالى: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) «١» أي: حامدين لك. نظيره: (يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ) «٢» أي حامدين «٣» له. نظيره: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) «٤» أي: حامدين له، ومن ذلك قوله: (آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ) «٥» أي: مجدين مجتهدين. نظيره بعده فى الأعراف: (أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ) «٦» أي بجد واجتهاد. ومن ذلك قوله تعالى: (وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) «٧» أي: محسناً، أي له أن يؤدي إليه محسناً لا مماطلاً. ومن ذلك قوله: (فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) «٨» أي: مؤتمرة بأمر الله، فالباء في موضع الحال. ومن ذلك قوله تعالى: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً) «٩» ف «الكتاب» مفعول به، وقوله «بالحق» في موضع نصب على الحال، وهو متعلق بمحذوف. و «مصدقا» حال من الضمير الذي في قوله «بالحق» والعامل فيه المعنى، ولا يجوز أن تجعله بدلاً، لأن الاسم لا يبدل من الاسم، هكذا ذكروه، وفيه إشارة إلى أن الظرف لا يتعلق بالاسم، ويكون بدلاً من الاسم قبله.

стр. 251

وأعجب من ذا جعله «مصدقاً» حالاً من نفس الحق، بعد أن قال في قوله (وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها) «١» أنه يجوز أن يكون عطفاً على الضمير في «حق» . وقال غيره وهو قد رضي به في قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) «٢» إن نصب «مثل» راجع إلى الضمير في «لحَقّ» . فلم لا تجعل قوله «مصدقاً» حالاً من الضمير في قوله «بالحق» ؟ ومثله: (وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ) «٣» حال من الضمير في «أنزلناه» . وأما قوله: (وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) «٤» فيحتمل الجار فيه ضميرين: أحدهما «أن يكون التقدير» نزل بالحق كما تقول: نزلت بزيد. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في «نزل» . ومثله: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) «٥» فمن رفع «الأمين» يكون الجار مثل الذي في: مررت بزيد ويكون حالاً، كما تقول: نزل زيد بعدته، وخرج بسلاحه. وفي التنزيل: (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) «٦» أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين. ومثله: (مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) «٧» .

стр. 252

ألا ترى أن «أنزلت» يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا بنيته للمفعول لم يبق له متعدًّى إلى مفعول به. وقوله «من ربك» على حد: (وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) «١» . و «بالحق» حال من «الذكر» الذي في «منزل» . ومما جاء الجار فيه حالاً كما جاء في الآى الآخر: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ) «٢» . المعنى: أنزله وفيه علمه. كما أن «خرج بعدته» تقديره: خرج وعليه عدته. والعلم: المعلوم. أي: أنزله وفيه/ معلومه. ومثل ذلك قوله تعالى: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ) «٣» . فالمعنى- والله أعلم-: يوم تشقق السماء وعليها الغمام. فالجار متعلق بمحذوف في موضع الحال كما تقول: خرج زيد بثيابه. ومنه قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ) «٤» الجار في موضع الحال، أي: ثابتا منه آيات محكمات. و «آيات» يرتفع بالظرف هنا على المذهبين. ومنه قوله تعالى: (وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً) «٥» أي: ثابتاً فيه هدى ونور. يدل عليه انتصاب قوله «ومصدقاً» ويرتفع «هدى» بالظرف في المذهبين.

стр. 253

ومن هذا الباب قوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) «١» قوله (فِي النَّارِ) لا يخلو من أن يكون متعلقاً ب «يوقدون» أو بمحذوف فلا يجوز أن يكون تعلقه ب «يوقدون» من حيث لا يستقيم «أوقدت عليه في النار» إلا أن الموقد عليه إنما يكون فى النار. فيصير (فِي النَّارِ) على هذا غير مفيد، وكذلك (فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ) «٢» . وكما أنه لو قيل هنا: أوقد لى يا هامان على الطين في النار، لم يستقم. كذلك الآية الأخرى. وإذا كان كذلك ثبت أن تعلق «في النار» من قوله: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) «٣» إنما هو المحذوف، والظرف الذي هو «في النار» في موضع حال. وذو الحال الهاء التي في «عليه» أي ومما يوقدون عليه ثابتاً في النار، أو كائناً في النار. ففي قوله «في النار» ضمير مرفوع يعود إلى الهاء التي هي اسم ذى الحال. ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) «٤» الجار في قوله (فِي بُطُونِهِمْ) حال من المذكور، وكان وصفاً له كقوله: لميّة موحشا طلل «٥»

стр. 254

ولا يتعلق ب «يأكلون» لأن الأكل لا يكون في بطنه. والمعنى: إنما يأكلون مثل النار في بطونهم، لأنه يؤدي إلى حصول النار في بطونهم. أو يجعله ناراً على الاتساع، لما يصير إليه من ذلك في العاقبة. ومن هذا الباب قوله: / (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) . فالباء في قوله (بِحَبْلٍ) «١» متعلق بمحذوف في موضع الحال. والتقدير: ضربت عليهم الذلة في جميع أحوالهم أينما ثقفوا إلا متمسكين بحبل الله. فحذف اسم الفاعل وانتقل الضمير إلى الظرف. وقال أبو علي: الاستثناء من «الذلة» المعنى: يذلون إلا أن يكون معهم حبل من الله، وهو ما يكونون به ذمة. ولا يكون متعلقا بقوله «ثقفوا» ألا ترى أنه لا يصح: أينما ثقفوا إلا بحبل من الله لأنه إذا كان معهم حبل من الله لم يثقفوا. ومن هذا الباب قوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا) «٢» الكاف في موضع الحال، أي مشابهة أحوالهم أحوال من [لم] «٣» يلبثوا. وفيه غير هذا، ذكرناه في باب آخر. ومن ذلك قوله تعالى: (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ) «٤» أي: بجد واجتهاد، أي: خذ الكتاب مجداً. ومثله. خذها بقوة. أي: بجدٍ، أي: مجداًّ.

стр. 255

ومثله قوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) «١» أي: هزى إليك رطبا جنيا متمسكة بجذع النخلة. فعلى هذا لا تكون الباء زائدة، بل يكون مفعول «هزى» فيمن أعمل الأول رطباً، وأضمر في «تساقط» ومن أعمل الثاني أضمر في «هزى» . ومثله: (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ) «٢» أي: فانبذ إليهم مستوين. كما أن قوله: (فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ) «٣» أي: آذنتكم مستوين. فالحال من الفاعل والمفعول جميعاً. كقوله: متى ما تلقنى فردين «٤» وقوله: وإن تلقنى برزين ولأبي علي في هذا كلام طويل ذكر فيه أن الحال كالصفة، من حيث لا يجوز تعريض الصفة لعاملين مختلفين. وكذا يقبح في الحال ما يقبح في الصفة من تعريضها لعمل عاملين مختلفين فيهما، كما قبح ذلك في الصفة. وقد حمل سيبويه شيئاً منها على المعنى، نحو ما أجازه من قولهم: هذا رجل مع رجل قائمين. حيث جعل ما عملت فيه «مع» داخلاً فى معنى الإشارة، فأجاز نصب «قائمين» على الحال، كما أجاز نصبهما في: هذا رجل ورجل قائمين.

стр. 256

فأما قوله: متى ما تلقنى فردين «١» وتعلقت [من] ليلى صغيرين «٢» و: «إن تلقنى برزين» لا يعتد به. ولا أعلم لسيبويه في ذلك نصاً، ولا يجوز أن نقول: إنه/ لا يجوز على قياس قوله، لأن السائل الذي منع ذلك فيها عاملان، وليس في هذا إلا عامل واحد. فإذا كان هناك عامل واحد، وذو الحال واحد من جهة تعريضه لعاملين، لا يصح لأنه ليس هناك عاملان. فإن قلت: فهلا فسد حمله على الحال لأن الحال تقتضى أن يكون فيها ذكر من ذى الحال، وذو الحال مفردان وحالهما مثناة، فلا يرجع إذن إليهما من حاليهما ذكر، وإذا لم يرجع فسد أن يكون حالاً لهما، فاحمله على فعل مضمر. قلنا: لا يفسد أن يكون ذلك حالاً لأنا نحمله على المعنى، ألا تراهم قالوا: مررت برجلين قائم وقاعد. فرددت الذكر إليهما على المعنى، فكما رددت إلى المثنى المفردين، للحمل على المعنى، كذلك ترد إلى المفردين من المثنى للحمل على المعنى.

стр. 257

ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ) «١» . أي: فصلناه عالمين. وقال : (عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ) «٢» والتقدير: علمها ثابت في كتاب ثابت عند ربي، ف «عِنْدَ رَبِّي» كان صفة للمجرور. فلما تقدم انتصب على الحال. ومن ذلك قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ) «٣» . أي: مضطجعين، ففي الظرف ضمير لوقوعه موقع مضطجعين وقائمين. ومثله: (وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً) «٤» أي: دعانا مضطجعاً. لا بد من ذا التقدير في الموضعين ليصح العطف عليه. وأبو إسحاق حمل اللام وما بعده على المس دون الدعاء، وإذا مس الإنسان مضطجعاً أو قائماً أو قاعداً الضُّر دعانا. وحمله على الدعاء أولى من حمله على المس لكثرة الآى في ذلك. من قوله: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ) «٥» . وقوله: (وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) «٦» وغيرهما.

стр. 258

فأما قوله: (وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ) «١» فقد يكون من هذا الباب، أي: لم يخرج منفرداً عن مدين. ويجوز أن يكون كقوله: (أَسْرى بِعَبْدِهِ) «٢» فتعديه بالباء. وأما قوله في (أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ/ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) «٣» أي: لزمت حب الخير معرضاً عن ذكر ربي. والجار فى موضع الحال. و «أحببت» بمعنى: لزمت الأرض، من قولهم: أحبَّ البعير: إذا برك. ومن قال: «أحببت» بمعنى: آثرت، كان «عن» بمعنى «على» ، أي: آثرت حب الخير على ذكر ربي. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) «٤» فيما يتعلق به الجار وما ينتصب عنه «نُزُلاً» أوجه: يجوز أن يكون «نزلاً» جمع نازل، مثل: شارف وشُرف. قال الأعشى: أو تنزلون فإنا معشرٌ نُزُلُ «٥» فإذا حملته على ذلك أمكن أن يكون حالاً من شيئين: أحدهما: الضمير المرفوع في «تدَّعون» .

стр. 259

والآخر: أن يكون من الضمير المجرور في قوله «لكم» . والآخر: أن يكون «النزل» كالتي في قوله: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) «١» فإذا حملته على هذا كان حالاً للموصول والعامل فيها «لكم» . فأما قوله: (مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) «٢» فمتعلق بمحذوف، وهو صفة للحال، كقوله: جاءني زيد رجلاً صالحاً. ولا يجوز أن يكون «من» متعلقاً ب «تدَّعون» إذا جعلت «نزُلاً» حالاً من «ما» لأنك لا تفصل بين الصلة والموصول بأجنبي. ألا ترى أن الحال إذا كانت من الموصول كانت بمنزلة الصفة له، ولا يجوز أن يعترض بها بين الصلة والموصول، كما لا يجوز ذلك في الصفة. ولو جعلت «نُزُلاً» جمع نازل، حالاً من الضمير المرفوع لجاز أن يكون «من غفور رحيم» متعلقاً ب «تدَّعون» ولم تكن لتفصل بها لأن الحال والجار جميعاً في الصلة. ولو جعلت الحال- أعني: نزلاً- من «كُمْ» في «ولَكُمْ» والجار متعلق ب «تدَّعون» لم يجز أيضاً للفصل بأجنبي بين الصلة والموصول. ولا يجوز أن يكون متعلقاً ب «لكم» على أن يكون ظرفاً، لأنه تعلق به ظرف آخر وهو «فيها» .

стр. 260

ويجوز أن يكون «من» والمجرور به في موضع حال من الضمير المجرور في «لكم» . وفي هذا نظر، لأنك لو قدرت «لكم» ثابتين «من غفور رحيم» لم يكن له معنى، فإذا حملته على ذلك جعلت «نزلاً» حالاً من الضمير المرفوع في «تدعون» أو من «ما» . ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير المجرور في «لكم» لأنه لا يكون منه/ حالان، كما لا يكون له ظرفان. فإن جعلت «من» صفة لنزلٍ جاز أن يكون «نزلاً» حالاً من الضمير المجرور في «لكم» . فأما قوله تعالى: (كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) «١» . فإن جعلت «نزلاً» ، من قوله (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ) «٢» فعلى حذف المضاف، كأنه: كانت لهم كل جنات الفردوس نزلاً، لأن الجنات مكان. وإن جعلته جمع نازل، كانت حالاً من الضمير المجرور فى «لهم» . ومن ذلك قوله تعالى: (فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ) «٣» . فإن: «قِبلك» ينتصب على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون ظرفاً لمعنى الفعل في اللام الجارة.

стр. 261

والآخر: أن يكون ظرفاً «لمهطعين» . والثالث: أن يكون الظرف في موضع الحال، وكون الظرف في موضع الحال كثير فاش. ومثله: (يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ) «١» أي ركبانا. كقوله تعالى في الأخرى: (فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً) «٢» فيكون فيه ذكر فيمكن أن يكون «مهطعين» «٣» حالاً من ذلك الضمير. وأما قوله (عِزِينَ) «٤» فيجوز أن ينتصب من ثلاثة أضرب: أحدها أن يكون صفة للحال الذي هو «مهطعين» . ويجوز أن ينتصب عن «مهطعين» وفيه ضمير يعود إلى ما في «مهطعين» . ويجوز أن ينتصب عما في قوله: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ) «٥» . ذلك أن الظرف يجوز أن يكون صفة ل «مهطعين» لأنه نكرة، وإذا كان كذلك تضمن ضميراً، وإذا تضمن الضمير أمكن أن ينتصب «عزين» عن ذلك. ويجوز في قوله: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ) «٦» أن يكون متعلقاً ب «مهطعين» . ويجوز أن يتعلق ب «عزين» على حد قولك: أخذته عن زيد. ومن ذلك قوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) «٧» أي: أتبعهم عقوبته. مستعدا جامعا لجنوده.

стр. 262

ومن ذلك قول الفراء: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ) «١» أي: مسافراً لأن «مسافراً» حال عند الفراء، وخبر «كان» على قولنا. وقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ) «٢» . ومثله: (يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ) «٣» - أي: ركبانا- ففي الظرف ضمير، كما في قوله (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ) «٤» أي: مضطجعين. ومن ذلك قوله: (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) «٥» أي: يكلمهم صبياً وكهلاً. وكذلك قوله: (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) «٦» أي: صالحاً. كما أن ما قبله (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) «٧» حال، أي: مقرباً. / ومن ذلك قوله: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ) «٨» فقوله «بالليل» جنس «٩» في موضع الحال، أي: مصبحين ومظلمين، وفيه ذكر. ومن ذلك قوله تعالى: (فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) «١٠» أي: متزيِّنا. ومن ذلك قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) «١١» . الجار يتعلق بمحذوف في موضع النصب على الحال من الضمير في قوله (وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) «١٢» .

стр. 263

أي: خلوا من قبلكم ثابتين في بيوت أذن الله، وما بينهما من الكلام تسديد لهم وبيان أحوالهم. وإن قدرت مبتدأ على معنى: أولئك في بيوت أذن الله أن ترفع، جاز، وجاد. وقال: والمراد بهم الأنبياء، صلوات الله عليهم، والمؤمنون معهم. وقيل: بل هو متعلق بمحذوف صفة «مصباح» في قوله: (فِيها مِصْباحٌ) «١» أي: المصباح ثابت في بيوت. وقيل: بل هو صفة ل «مشكاة» ، أي كمشكاة ثابتة في بيوت. وقيل: هو من صلة «توقد» أي توقد في بيوت أذن الله. وقيل: إن البيوت لا تكون مسجداً واحداً، ولا يستعمل مصباح واحد إلا في مسجد واحد، فالمشكاة إذا كانت كوة غير نافذة فمصباحها لا يضىء عدة مساجد. وقيل: بل هو من صلة «يسبِّح» فيمن جعل «رجالاً» فاعلين. ومن رتب المفعول للمفعول فإنه يمكن أن يكون كقولهم: في الدار زيد. فيكون «رجال» مبتدأ والظرف خبراً «٢» . وهكذا في تفسير الدمياطي. فتسقط خصومة الفارسي من أن رجالا يرتفع ب مضمر، كقوله: ... ليبك يزيد ضارع لخصومة

стр. 264

ولعل الحارثي لم يحتج بهذه الآية لهذا المعنى، واحتج بقراءة الذمارى: (قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ) «١» ، وقد رجحنا قول قطرب على ذلك. ومن ذلك (فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) «٢» أي: من دين الله، فيكون «فى شىء» حالاً من الضمير في «من الله» . ومعنى «ليس من الله» البراءة وخلاف الموالاة، ألا تر ى إلى قوله: عرينٌ من عرينة ليس منىِّ ... برئت إلى عرينة من عرين «٣» وقد يكون [منه] قوله: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) «٤» . ومن ذلك قوله تعالى: (وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) «٥» . وقوله: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ) «٦» أي: تمشون ولكم هذا النور. فيجوز أن يكون ذلك علماً للمؤمنين وفصلاً لهم ممن خالفهم ورغب عن دينهم. ومن ذلك قوله: (قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) «٧» . قال أبو علي: (فِي أُمَمٍ) متعلق ب «ادخلوا» ولا يجوز أن يتعلق «بخلت» نفسه، لتعلق حرف الجر به. و «فى النَّار» يجوز أن يكون صفة ل «أمم» .

стр. 265

ويجوز أن يكون حالاً من الضمير الذي في الظرف، الذي هو (مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) «١» . ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي في «خلت» ومتى جعلت الشيء حالاً لم يجز أن تكون عنه حال أخرى. ومن ذلك قوله تعالى: (وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ) «٢» . قيل: الباء زيادة. ومعنى «منعنا» : اقتضى منا ألا نفعل. وكل ما أوجب ألا يفعل شيء فهو مانع منه، وإن لم تزل القدرة عليه، وموضع «أن نرسل» نصب، لأنه مفعول «منع» . وقيل: الباء في «بالآيات» باء الحال، أي: نرسل رسولنا ومعه الآيات. ومن ذلك قوله: (يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ) «٣» . قال أبو علي: لا تكون الباء زائدة، لأن الفاكهة لا تدعى، فتكون على وجهين. إما أن تكون حالاً من الداعين، أي: يدعون مقدرين فيها الملابسة بكل فاكهة، فيكون كقولهم: خرج بناقته، وركب بسلاحه. وإما أن تكون صفة للمصدر المحذوف، كأنه: يدعون فيها دعاء بكل فاكهة، أي: قد التبس الدعاء بكل فاكهة.

стр. 266

ومن ذلك قوله تعالى: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً) «١» . قال أبو علي: هو حال مؤكدة منتصبة عن معنى الفعل الذي دلت عليه الجملة. ولو جعلت قوله «إليكم» متعلقاً بمحذوف وجعلته حالاً مؤكدة كقوله «ومصدقاً» فيمن جعل إليكم غير متعلق بالرسول ولكن بالمحذوف، أمكن أن يكون «مصدقاً» حالاً من الضمير في «إليكم» فكان العامل في الحال ما فى معنى الفعل من «إليكم» . ومن ذلك قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ) «٢» . قيل: الباء للحال. / والمعنى: فسبح حامداً، أو: فسِّبح تسبيحك حامداً. لتكون الحال مضامة للفعل. وقيل: الباء للسبب، أي: سبّحه بأن تحمده. والمعنى: احمده لتكون مسبحاً له. وأما قوله تعالى: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) «٣» . أي: عن قوله، فتصير معه محاذراً ما جاءك من الحق. وقال: (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ) «٤» .

стр. 267

وأما قوله: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ- إلى قوله- يَسِيرٌ) «١» . فقد قال أبو علي: يجوز أن يكون «في» ظرفاً ل «أصاب» ول «مصيبة» أيضاً. يؤكد ذلك ويحسنه دخول «لا» في قوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) فصار بمنزلة: ما مررت برجل ولا امرأة. ويجوز أن يكون صفة للنكرة. وقوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) «٢» صفة أخرى لها. فيحتمل على ذلك أن يكون موضعه جراً على لفظ «مصيبة» رفعاً على الموضع. وجاز دخول «لا» هنا وإن لم يكن الكلام على هذا التأويل نفياً لأنه لما كان معطوفاً على ما هو منفي في المعنى، حمل عليه، كقوله: يحكى علينا إلا كواكبها «٣» وكذلك قوله: (فِي الْأَرْضِ) «٤» لما كان صفة لمنفى حمل الأمر على معناه. وإن شئت قلت إن «لا» زائدة. والأول أبين، لأن الحمل على معنى [لا] «٥» قد كثر. قالوا: إن أحدا لا يقول ذاك إلا زيد.

стр. 268

وقوله: (إِلَّا فِي كِتابٍ) «١» منصوب الموضع على الحال. ولا يجوز أن يكون صفة، لأن «إلا» لا تدخل بين الموصوف والصفة كدخولها بين الحال وذى الحال، نحو: ما جاء زيد إلا قائماً. وذلك لأن الصفة مع الموصوف كالجزء الواحد، وما بعد «إلا» جار مجرى ما بعد حرف النفي في انقطاعه من الأول، والحال بمنزلة الخبر، وليس الخبر مع المخبر عنه كالشيء الواحد. فأما العامل في الحال إذا كان «في الأرض» ظرفاً. فشيئان: أحدهما «أصاب» وذو الحال نكرة. والآخر: أن يجعل حالاً مما في «مصيبة» من الذكر. وحسنت الحال من النكرة لتعلق الظرف به، ك «منك» في «خير منك» لأنه قد خصصه. وأما من جعل (فِي الْأَرْضِ) وصفاً فيجوز أن يكون هو العامل في الحال، وذو الحال الذكر الذي فيه. / ويجوز أن يكون ذو الحال الذكر الذي في قوله: (وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ) «٢» والعامل فيها الظرف. ولا يجوز أن تكون الحال منهما جميعاً، لأنه لا يعمل في معمول واحد عاملان.

стр. 269

فأما قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) «١» فمتعلّق «في» بقوله: «في كتاب» ويكون ذو الحال (إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) . وفي قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) ذكر من الفاعل الظاهر. ولا شيء في قوله: (فِي كِتابٍ) لارتفاع الظاهر به في القولين. والمعنى: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا مكتوبا، بتيسير ذلك على الله من قبل أن نبرأها. ويجوز في قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) أن يتعلق بما دل عليه ما تقدم قبل (إِلَّا) ، فيكون المعنى: ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم من قبل أن نبرأها إلا في كتاب، تيسير ذلك على الله. ونظير هذا المعنى قوله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) «٢» . ومثله قول الأعشى: ولا قائلاً إلاّ هو المتعتِّبا «٣» ولا يمتنع هذا الوجه من أجل الفصل الذي وقع بين الفاعل وما ارتفع به بذلك، لأنه مما يلابسه، فلا يتنزّل منزلة الأجنبي منه. ومع ذلك فالظرف أحمل للفصل من غيره. انتهت الحكاية عن أبى على، وفيه غير سهو:

стр. 270

أما تشبيهه «إلا» بحرف النفي، ومنع ما بعد «إلا» متعلقا بما قبلها كحرف النفي، فليس كذلك. ألا ترى قوله: (وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ) «١» فجر «مقطوعة» حملا على ما قبل «إلا» . وقال: (إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ) «٢» . وقال: (إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ) «٣» . ومسألة الكتاب: مررت برجلين لا شجاع ولا جبان. وأما قوله: (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) «٤» أنه متعلق بمحذوف حال، وصاحب الحال (إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) «٥» فهو فاسد، كسرت «إن» أو فتحت. أما الكسر فلأن ما بعد «إنَّ» لا يتقدم عليه، لأن «إنَّ» تقطع ما بعدها مما قبلها. وقد ذكرنا هذا في هذا الكتاب. وأما فتح «أنَّ» فإنه لم يقرأ به، وهو في تقدير المصدر، / وما في حيّز المصدر لا يتقدم عليه. وقد وقعت هذه المسألة في عدة نسخ من «التذكرة» ، وليس فيه هذا الفصل الأخير. وإنما وقع في تهذيب عثمان، وهو يتكلم على مثل هذه الأشياء، ولم يتكلم هنا بشيء، فلا أدري كيف سها عنه مع وضوحه؟.

стр. 271

الباب الثالث عشر هذا باب ما جاء في التنزيل دالاً على جواز تقديم خبر المبتدأ وإنما ذكرنا هذا الباب لأن أبا علي خيل إلى عضد الدولة أنه استنبط من الشعر ما يدل على جواز ذلك فقال: ومما يدل على جواز تقديم خبر المبتدأ على المبتدأ قول الشماخ: كلا يومي طوالة وصل أروى ... ظنون آن مطرح الظّنون «١» قال: ف «وصل أروى» مبتدأ، و «ظنون» خبره. و «كلا» ظرف لظنون. والتقدير فيه: كلا يومي مشهد طوالة، كأنها رباب بها في اليومين، كقول جرير: كلا يومي أمامة يوم صدٍ ... وإنْ لم تأتها إلاَّ لماما المعنى: كلا يومي زيارة أمامة يوم صد. أي: إن زرناها لماما أو دراكا صدت عنا كلا يومي زيارتها. ولو كان أبو الحسن حاضراً لم يستدل بقول الشماخ، وإنما يتبرك بقوله عزّ من قائل: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) «٢» ألا ترى أن «هم» مبتدأ و «يوقنون» في موضع خبره، والجار، من صلة (يُوقِنُونَ) وقدمه على المبتدأ. ومثله: (وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ) «٣» أي: هم خالدون فى النار.

стр. 272

وأما قوله تعالى (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ) «١» فليس من هذا الباب، لأن «هم» مبتدأ. و «كافرون» خبره. والجار من صلة الخبر. وكذلك في هود ويوسف قوله: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) «٢» «هم» مبتدأ: و «كافرون» الخبر، والجار من صلة الخبر، فكرر «هم» تأكيداً. وسأعدُّه في جملة المكررات. ومثله قوله: (وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ) «٣» . «ما فرطتم» في موضع ابتداء، ولا يكون مرتفعاً بالظرف، لأن «قبل» لما بُني خرج من أن يكون خبراً. ألا ترى أنه/ قال: لا يبنى عليه شيء ولا يبنى على شيء. فإذا لم يجز أن يكون مستقراً علمت أن قوله: «في يوسف» وأن قوله: «من قبل» معمول هذا الظرف. الذي هو: «في يوسف» وإن تقدم عليه، لأن الظرف يتقدم على ما يعمل فيه، وإن كان العامل معنى قوله: أكلَّ يومٍ لك ثوبٌ؟ والتقدير: لك ثوب كل يوم. والتقدير: وتفريطكم في يوسف من قبل، فوقع الفصل بين حرف العطف والمبتدأ بالظرف. وإذا كان كذلك فالفصل فيه لا يقبح في الرفع والنصب كما قبح في الجر. ويجوز ألا يكون ذلك فصلاً ولكن الحرف يعطف جملة على ما قبل.

стр. 273

وكما استدل أبو الحسن بجواز تقديم الخبر على المبتدأ بالبيت، استدل بجواز تقديم خبر كان على كان بقوله: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ) «١» . والتقدير: أكنتم تستهزئون بالله. وقد جاء تقديم خبر «كان» ، على «كان» ، في قوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ) «٢» . وقوله: (هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) «٣» . ف «أينما» في الآيتين خبر «كان» . وكذلك فى قصة عيسى: (وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ) «٤» . فأما قوله: (حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) «٥» ف «ما» موصولة بمعنى: الذي، والفعل بعده صلة له والعائد إليه محذوف، أي: كنتم تدعونه أو تدعونهم، لقوله «ضلُّوا» . والموصول مرفوع بالابتداء، «وأين» خبر مقدم عليه. بخلاف ما في الآيتين المتقدمتين، لأنها صلة زائدة والتقدير: أين كنتم؟ وأين كانوا؟

стр. 274

وكما استدل بهذين فيما ذكرنا استدل بتقديم خبر «ليس» على «ليس» بقوله تعالى: (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) «١» . فقال: التقدير: ألا ليس العذاب مصروفاً عنهم يوم يأتيهم. ف «يوم» ، منصوب بمصروف، وقدمه على «ليس» فدل على جواز: قائماً ليس زيد. فزعم عثمان أن الآية تحتمل وجهين غير ما قاله. أحدهما: أن «يوماً» ظرف، والظرف يعمل فيه الوهم، فيجوز تقديم الظرف الذي عمل فيه خبر ليس على ليس، ولا يدل على/ جواز «قائماً ليس زيد» والوجه الثاني: أن «يوماً» منصوب بمعنى «ألا» لأن معنى «ألا» تنبيه. قال سيبويه: «ألا» تنبيه، تقول: ألا إنه ذاهب. و «ألا» حرف واحد، وليست «لا» التي للنفي دخل عليها الهمزة. ألا ترى وقوع «إنَّ» بعدها في قوله: (أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ) «٢» (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ) «٣» (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ) «٤» ، (أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ) «٥» . ولو كانت تلك لم تخل من أن يقع بعدها اسم أو فعل، نحو: ألا رجل، وألا أمرأة، وألا يقوم زيد، ففي وقوع «إن» بعدها دليل على ما ذكرنا.

стр. 275

فإن قلت: إذا كان حرف تنبيه فكيف جاز أن يدخل على التنبيه في مثل قوله: ألا يا اسلمى «١» ، و (أَلَّا يَسْجُدُوا) «٢» . فإنما جاز ذلك: لأن «يا» لما استعمل استعمال الجمل سد مسدها في النداء، جاز دخول هذا الحرف عليه كما جاز دخولها على الجمل. ويدلك على أنها ليست للنفي قوله تعالى: (أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ) «٣» ولو كان نفياً لم يدخل على «ليس» ، إذ تقلب المعنى إلى الإيجاب، وليس الأمر كذلك، لأن معنى النفي «بلا» قائم صحيح في «ليس» هذا، فهذا يدلك على أنها ليست «لا» التي للنفي. ويدلك على ذلك أيضاً أن «لا» النافية لم تدخل على «ليس» في موضع، فحملها على النافية هنا لا يصح، لأنه لم يوجد له نظير، ف «ألا» بمعنى: انتبه. وقد عمل في (يَوْمَ يَأْتِيهِمْ) ، فلا يدل على جواز: قائماً ليس زيدٌ. وإنما يدل عليه: (أَيْنَ ما كانُوا) «٤» (أَيْنَ ما كُنْتُمْ) «٥» لأن «ليس» من أخوات «كان» .

стр. 276

وقد جاء «ألا» في التنزيل يراد ب «لا» فيه معنى النفي في موضعين في ابتداء الكلام: أحدهما: قوله (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ) «١» . والموضع الآخر: (أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) «٢» . وما ذكرناه من أن قوله: (ما فَرَّطْتُمْ) «٣» مبتدأ، و (فِي يُوسُفَ) «٤» خبره. لأنه لا يجوز أن يكون (مِنْ قَبْلُ) «٥» خبراً لما نقلناه عن سيبويه، يقودك إليه في قول الشاعر: وما صحب زهرٍ في السنين التي مضت ... وما بعد لا يدعون إلا الأشائما ألا ترى أن شارحكم زعم أن «ما» موصولة و «بعد» صلته، ولم يكن له حسّ ولا علم بقول صاحب الكتاب من أن «قبل» و «بعد» في حالتي البناء لا يخبر عنهما ولا بهما، ولا توصل بهما الموصولات. ف «ما» في البيت زيادة غير موصولة كقوله: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) «٦» فأما تقدم خبر «كان» على اسمها فقد شاع عنهم، وجاء في التنزيل في مواضع منها: قوله (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) «٧» فيمن نصب «البر» وقوله: (وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا) «٨» وهي قراءة أهل الأمصار أعني قولهم (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا) «٩» فيمن نصب.

стр. 277

وقوله: (إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا) «١» . وقوله (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ) «٢» . فإن «يعلمه» اسم «يكن» و «آية» خبر مقدم على الاسم، وهي قراءة الناس سوى ابن عامر، فإنه قرأ «أو لم تكن» بالتاء، «وآية» رفعا. فحمله الفارسي على إضمار القصة، وأن «يعلمه» مبتدأ و «آية» ، خبره والجملة خبر (تكن) ، كقوله: (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ) «٣» . إلا أن التقدير: أو لم تكن القصة، وقوله (تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ) «٤» فعل وفاعل في موضع الجر. ومثل قوله: (وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ) «٥» قوله: (ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا) «٦» . ومثل قوله: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) «٧» قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) «٨» . فهو مبتدأ. و «فى شأن» خبره. أي: هو كائن في شأن كل يوم. ف «كل يوم» ظرف لقوله «في شأن» ف «في شأن» ضمير انتقل إليه من اسم الفاعل، وليس في «كل يوم» ضمير لتعلقه بالظرف دون المضمر.

стр. 278

وهذا على قول من وقف على قوله «كلّ يوم» ، فهو منصوب ب «يسأله» . وقوله «هو في شأن» مبتدأ وخبر. ومثل الأول ما حكاه سيبويه من قولهم: أكل يوم لك ثوب. وأما جعل «أن» بصلته اسم «كان» ، وليس في الآى التي تلوناها، فإنما كان لأن «أن» وصلتها أولى وأحسن لشبهها بالمضمر في أنها لا يوصف [بها] «١» المضمر، وكأنه اجتمع مضمر ومظهر. والأولى إذا اجتمع مضمر ومظهر أن يكون المضمر الاسم من حيث كان أذهب في/ الاختصاص من المظهر، فكذلك إذا اجتمع مع مظهر غيره كان أن يكون اسم كان المضمر والمظهر الخبر أولى. فلهذا المعنى قال قوم: إذا قلت: في الدار إنك قائم، ونحو قوله: (وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً) «٢» (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) «٣» (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ) «٤» . إنما رفع بالظرف لأنه يشبه المضمر. و «غدا الرحيل» ، هو «أن» مع الفعل، فيشبه المضمر. ويلزم على تشبيه «أن» بالمضمر أن تكون «أن» الناصبة للفعل مرتفعة في قوله بالظرف لاجتماعها مع «أن» فيما ذكرنا.

стр. 279

وليس الأمر في «أن» كذلك لارتفاعها بالابتداء، وإن لم يجز تقديمه في قوله: (وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ) «١» و (وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ) «٢» . ولا يستقيم أن يفصل بينهما ب «أن» يقال: إنّ «أنْ» الخفيفة قد ابتدئت والثقيلة لم تبتدأ. لأنه يقال له: ارفعه بالابتداء، وإن لم يجز تقديمه، كما رفعت «زيدا» ونحوه بالابتداء، وإن لم يجز أن يبتدأ بها في أول الكلام. وأما قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) «٣» ، فمذهب سيبويه أن في «كاد» ضمير القصة والحديث، وفسر بالجملة من الفعل والفاعل. وجاز ذلك فيها وإن لم تكن مثل «كان» وبابها من الأفعال المجردة من الدلالة على الحدث، لمشابهتها لها في لزوم الخبر إياها. ألا ترى أنها لا تخلو من الخبر، كما أن تلك الأفعال كذلك. وقد أجاز أبو الحسن في قوله: (مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) «٤» أن يكون في «كاد» ضمير ممن تقدم، ويرفع (قُلُوبُ فَرِيقٍ) «٥» «تزيغ» . قال: وإن شئت رفعتها، يعني «القلوب» ب «كاد» وجعلت «تزيغ» حالا.

стр. 280

فأما احتماله الضمير مما جرى، فوجهه: أنه لما تقدم قوله: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) «١» . وكانوا قبيلا، ومن عاندهم من الكفار والمنافقين قبيلا، أضمر في كاد، قبيلا. فأما كون «يزيغ» حالاً فيدل على صحته قول العجاج: إذا سمعت صوتها الخرَّارا ... أصم يهوى وقعها الصوارا ألا ترى أنه قد تقدم «يهوى» على «وقعها» في موضع هاويا، وهذا يدل على جواز تقديم الحال من المضمر. ومن تقديم خبر «كان» قوله: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) «٢» فالظرف حشو و «أحد» اسم «كان» ، و «كفوا» خبره، وأجاز أن يكون «له» وصفا للنكرة، فلما تقدم انتصب على الحال. وحمله الكوفي على إضمار المجهول في «يكن» ، وفي «يكن» ضمير القصة، و «كفوا» حال. وهذا إنما جاز عندهم للحاق النفي الكلام، وإلا كان كفرا، لأنك إذا قلت: لم يكن الأمر له كفواً أحد، كان إيجابا، تعالى الله عن ذلك وتقدّس.

стр. 281

فهو كقولهم: ليس الطيب إلا المسك، على إضمارٍ في «ليس» وإدخال «إلا» بين المبتدأ والخبر، لأنه يؤول إلى النفي. والعامل في الظرف إذا كان حالاً هو «يكن» . وعلى قول البغداديين في «كفوا» المنتصب على الحال «لَهُ» ، و «لَهُ» متعلق بمحذوف في الأصل، و «أحد» مرتفع به على قولهم. وكانَّ «له» إنما قدمت وإن لم يكن مستقراً، لأن فيه تبييناً وتخصيصاً ل «كفو» . فلهذا قدم، وحسن التقديم وإن لم يكن مستقراً. فهذا كله في تقديم ما في حيز المبتدأ. فأما الظرف إذا كان خبراً ل «كان» فتقديمه على اسم «كان» كثير، كقوله: (وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ) «١» وقوله: (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ) «٢» . وقوله: (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ) «٣» وكقوله: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ) «٤» . فأما قوله: َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) «٥» فقيل: «نصر» يرتفع ب «كان» ، و «حقا» خبر مقدم. وقيل: بل اسم «كان» مضمر، والتقدير: كان الانتقام حقاً، فتقف على هذا، وتبتدئَ لَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) «٦» .

стр. 282

ومن هذا الباب قوله تعالى: (كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) «١» ف «هم» مبتدأ، و «يستغفرون» الخبر، والجار في صلة «يستغفرون» ، وقدمه على المبتدأ كما قدم (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) «٢» . ومثله: (أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ) «٣» . ف «أنتم» مبتدأ، و «مدهنون» خبره، والجار من صلة «مدهنون» . وأما قوله (قَلِيلًا) «٤» فستراه في باب آخر إن شاء الله.

стр. 283

الباب الرابع عشر هذا باب ما جاء في التنزيل وقد حُذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه/ وهو جائز حسن في العربية يعد من جملة الفصاحة والبلاغة. وقد ذكره سيبويه في غير موضع من كتابه. فمن ذلك قوله: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) «١» والتقدير: وبالدار الآخرة هم يوقنون. ومن ذلك قوله: (وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) «٢» أي: في الدار الآخرة. كما أن قوله: (وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا) «٣» أي: في الدار الدنيا. دليله قوله: (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ) «٤» . وما جاء في التنزيل من قوله: (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ) «٥» فهو على تقدير: ولدار الساعة الآخرة، فتكون «الآخرة» صفة للساعة المضمرة. وعليه قراءة ابن عامر فى قوله: (لَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) فى الأنعام «٦» .

стр. 284

وليست «الدار» مضافة إلى الآخرة لأن الشيء لا يضاف إلى صفته كما لا يضاف إلى نفسه. وعلى هذا: مسجد الجامع، أي الوقت الجامع وصلاة الأولى، أي: صلاة الساعة الأولى و (دِينُ الْقَيِّمَةِ) «١» ، أي: دين الملة القيمة وكذلك (وَحَبَّ الْحَصِيدِ) «٢» أي: حب الزرع الحصيد و (حَقُّ الْيَقِينِ) «٣» أي: حق العلم اليقين. فمن قال بخلاف ذا فقد أخطأ. ومن ذلك قوله تعالى: (آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ) «٤» أي: آمنوا إيمانا مثل إيمان الناس، (قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ) «٥» أي أنؤمن إيماناً كإيمان السفهاء. فحذف الموصوف وأقيمت الكاف التي هي صفته بمقامه. وعلى هذا جميع ما جاء في التنزيل من قوله: «كما» . ومثله: «كذلك» في نحو قوله: (كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) «٦» أي قولاً مثل ذلك قال الذين لا يعلمون. ويكون (مِثْلَ قَوْلِهِمْ) بدلاً من الأول وتفسيراً. ومثله: (كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ) «٧» ، و: (كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ) «٨» . ومثله: (كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ) «٩» أي: فعلا مثل ذلك، وقولا مثل ذلك.

стр. 285

وأما قوله: (كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ) «١» إن «٢» شئت كان وصفاً لمصدر قوله: (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) «٣» على تقدير: إتماما مثل إرسالنا الرسول. وإن شئت كان من صلة قوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) «٤» أي: ذكرا مثل إرسالنا الرسول. وأما قوله: (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) «٥» فإن شئت كان صفة لمصدر خبر مبتدأ تقدم/ ذكره، على تقدير: (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) «٦» أي: الأنفال ثابتة لله ثبوتاً كثبوت إخراج ربك إياك من بيتك. وإن شئت: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم إصلاحاً مثل إخراجك من بيتك. وأما قوله تعالى: (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) «٧» أي: تعودون عودا مثل بدئنا إياكم، كقوله: (بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ) «٨» . وعلى هذا قياس كاف التشبيه في التنزيل، وهذا نوع آخر من حذف الموصوف. ومن ذلك (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) «٩» فريق- (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) «١٠» فحذف الموصوف وجعل (يَوَدُّ) وصفا له.
следующие страницы →