← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال: (وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ) «١» ، فترك النون في سورة النحل، لأن سياق الآية: (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) «٢» بخلاف ما في سورة النحل، حيث جاءت بالنون. ومن المطابقة: قراءة حفص عن عاصم: (وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ) «٣» (وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ) «٤» بضم الميم مع كسرها في سائر التنزيل، ليطابق ضم القاف في «قتلتم» . وعلى هذا قراءة أبي عمرو: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ) «٥» بالتشديد مع تخفيفه في سائر التنزيل، ليطابق قوله: (لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) «٦» . كما أن ابن كثير خص الموضعين بالتشديد في قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ) «٧» . وقوله: (حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا) «٨» لمجاورة قوله: (وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) «٩»

стр. 387

وخص يعقوب بالتشديد قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ) «١» . لقوله: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) «٢» . وأظهر أبو عمرو الباء عند الميم في جميع التنزيل، نحو قوله: (وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) «٣» . وأدغمها/ في قوله: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) «٤» . في خمسة مواضع: في البقرة وآل عمران وفي المائدة في موضعين وفي سورة العنكبوت. لموافقة: (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ) «٥» وهو يدغم الراء في اللام والميم في الميم. ومن ذلك قوله تعالى: (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا) «٦» ، جاء منصوباً، لأن قبله (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ) «٧» - فنصب لما ذكرنا بفعل مضمر، ليكون مطابقاً وموافقاً. وكذا (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ) «٨» جاء منصوباً لهذا المعنى. وأما قوله تعالى: (أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) «٩» .

стр. 388

ففاعل «علم» الضمير على «كل» ولا يجيء على مذهب سيبويه. وما جاء عليه التنزيل من هذا النحو، أن يكون فاعل «علم الله» ، ولو كان كذلك لوجب أن ينصب «كل» . ألا ترى أنك تقول «يقوم زيد وزيداً أضرب غلامه» فتنصب «زيداً» لأن الذي من سببه منصوب. وكذلك قوله: «كل قد علم» ولو كان فاعل «علم» اسم الله دون الضمير العائد إلى «كل» لنصب. وكذلك قوله: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) «١» ففاعل «يرفع» الضمير العائد إلى «العمل الصّالح» ، و «العمل الصالح» مبتدأ. ولو كان فاعل «يرفعه» اسم الله أو «الكلم» على رفع الكلم العمل لوجب نصب العمل، لأنه معطوف على «يصعد» . وكأن المعنى «٢» : والعمل الصالح يرفع الكلم الطيب، في رفعه الكلم، أنه لا يحبط بالعمل السيء، ولا يرتفع إليه، ويخلص من غير إحباط يقع عليه، من أجل عمل سيىء. وذكر الضمير في يرفعه، لأنه للكلم، كشجرة وشجر.

стр. 389

ومن المطابقة: قراءة حفص «١» في سورة الكهف: (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) «٢» بضم الهاء من «أنسانيه» . لما رأى أن الهاء المتصل ب «أذكره» وهو في صلة «أن» الذي صار بدلاً من الهاء، وفق بين الحركتين في الهاء. ولهذا المعنى هرب في قوله: (وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً) «٣» عن الكسرة فأشبعها، كيلا يلزمه أن يتبع الهاء الميم. ومن المطابقة والمجاورة: قراءة ابن عامر، في جميع التنزيل (يا أبت) بفتح التاء تبعاً للباء. وعلى هذا حكاية سيبويه/ في: «يا طلحة لما رخموا» ثم ردوا التاء، فتحوها تبعاً للحاء. ومثل ذلك ما رواه أبو بشر عن ابن عامر: (ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً) «٤» بفتح اللام تبعاً للعين. وعن أبي حنيفة: (طَعامٌ تُرْزَقانِهِ) «٥» ، بضم النون تبعا للهاء. وعن الحلواني عن ابى عامر: (أَتَعِدانِنِي) «٦» ، بفتح النون تبعاً للألف، وطلباً للمطابقة.

стр. 390

وعن ابن أبي عبلة: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) «١» - بفتح التاء تبعاً لفتحة النون. وعن الأئمة السبعة فتح الميم من قوله: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا) «٢» غير نافع وابن عامر- وهم يعدون النصب في مثل- هذا شاذاً نحو: إن تقعد أقعد وأكرم. يختارون الجزم والرفع، دون النصب في وأكرم، ومع هذا أطبقوا خمستهم على فتح الميم تبعاً للام. وعلى هذا أطبقوا خمستهم على فتح الميم تبعاً للام. وأما قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) «٣» بنصب الميم. فيجوز أن يكون من هذا الباب فتح الميم إجماعاً. ولم يكن فتح العين في قوله: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ) » إجماعاً، وإنما هي قراءة ابن أبي عبلة. وقال النحويون في الآيتين: إن نصبهما على الصرف، فلم كان أحدهما إجماعاً، والآخر شاذاً؟ - وإن كانت التبعية عندك هي العلة، فقد وجدت التبعية أيضا فى النون من قوله: «ونمنعكم» .

стр. 391

فالجواب: أن المستحسن من هذا إنما هو الجزم، والنصب على الصرف ليس بمستحسن، فجاء: (وَنَمْنَعْكُمْ) مجزوماً على ما هو المختار. وإنما عدلوا إلى الفتح في: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) لأن إسكان الميم هنا محال، لما يتأتى من التقاء الساكنين، وكان الجزم ممتنعاً، فلا بد من التحريك، والتحريك هنا الكسر، كما هي قراءة بعضهم: (وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) . والأئمة عدلوا عن الكسر إلى الفتح، لأنها أخف مع انفتاح ما قبله. وليس في قوله: (وَنَمْنَعْكُمْ) - التقاء الساكنين فيجب التحريك. وعن شعيب عن أبي بكر عن عاصم: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) «١» بفتح النون، لتساوي (الْمُكْرَمِينَ) «٢» من بعده، و (تُرْجَعُونَ) «٣» من قبله. ولأن قوله (عون) بالكسر بعد الضم يصير كقولهم «زيدون» . فكما وجب فتح النون بعد الواو هنا وجب فتحه أيضا هاهنا. ومن المطابقة: / حذف الجار والمجرور في سورة الأعراف: (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ) «٤»

стр. 392

ولم يقل: كذبوا به، لما كان سياق الآية: (وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ) «١» ولما قال: (فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ) «٢» - في سورة يونس فأثبت الهاء- قال في سياقها: (بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) «٣» . ومن المطابقة: قوله تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ) «٤» نصبه بإضمار فعل- لأن قبله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ) «٥» وكان أن تضمر وخلقنا الجان- أحسن وأجود. وإذا لم تعرف أنت حيث تستبدل بأن النصب هو المختار في قوله: «قام زيد وعمراً كلمته» . إلا قوله: أصبحت لا أنقل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن هممت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا ولا تطلب هذه الآي التي عددتها لك، فما ذنبي من المطابقة.

стр. 393

وقوله تعالى: (وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها) «١» ومن ذلك قوله: (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) «٢» ولم يقل: من أعبد لأن قبله: (ما تَعْبُدُونَ) «٣» يعني الأصنام- فجاء على الأزدواج والمطابقة. إلى هنا ينتهي القسم الأول من اعراب القرآن من تجزئة المحقق، ويليه القسم الثاني وأوله: الباب المتم العشرين

стр. 394

[الجزء الثاني] الباب المتم العشرين «١» هذا باب ما جاء في التنزيل من حذف المفعول والمفعولين، وتقديم المفعول الثاني على المفعول [الأول] «٢» وأحوال الأفعال المتعدية إلى مفعوليها، وغير ذلك مما يتعلق به ونحن نذكر من ذلك ما يدق النظر فيه، لأن ذلك لو حاول إنسان أن يأتي بجميعه توالت عليه الفتوق، ولم يمكنه القيام به لكثرته في التنزيل، وكان بمنزلة من يستقى من بئر زمزم فيغلبه الماء. فمن ذلك قوله تعالى: (وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) «٣» أي: وما يشعرون أن وبال ذلك راجع إليهم. وكذلك: (وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ) «٤» أي: لا يشعرون أنهم هم المفسدون، (وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ) «٥» أي: لا يعلمون أنهم هم السفهاء. فأما قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً) «٦» فقيل: إن التقدير: كمثل الذي استوقد صاحبه ناراً، فحذف المفعول الأول. وقيل: إن «استوقد» و «أوقد» كاستجاب، وأجاب.

стр. 395

ومنه قوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) «١» . وجميع ما جاء من «لو شاء» كان مفعوله مدلول جواب «لو» ، والتقدير: ولو شاء الله إذهاب السمع والبصر لذهب بسمعهم وأبصارهم. ومن ذلك قوله تعالى: (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) «٢» أي: أضاء لهم البرق الطريق مشوا فيه. ومنه قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) «٣» أن: تتقون محارمه، وقيل: بل قوله (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً) «٤» مفعول «يتّقون» / و «الأرض» مفعول أول ل «جعل» ، و «فراشا» مفعول ثان، ومعنى «جعل» : صير. وقد يجيء «جعل» بمعنى: صنع، وخلق فيكون متعدياً إلى مفعول واحد، قال الله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) «٥» بمعنى: صنع، وخلق. وقال الله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها) «٦» . وإذا كانت بمعنى «صيرت» تعدت إلى مفعولين، لا يجوز الإقتصار على أحدهما، وهي في هذا الوجه تنقسم على ثلاثة أقسام: كما تنقسم «صيرت» . أحدها: بمعنى «سميت» ، كقوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) «٧» أي: صيروهم إناثاً بالقول والتسمية، كما تقول: «جعل زيد عمراً فاسقاً» . أي: صيره بالقول كذلك.

стр. 396

والوجه الثاني: أن تكون على معنى: الظن والتخيل، كقولك: اجعل الأمير غائباً وكلمه، أي: صيره في نفسك كذلك. والوجه الثالث: أن تكون في معنى النقل، فتقول: جعلت الطين خزفاً أي: صيرته خزفاً ونقلته عن حال إلى حال. قال الله تعالى: (اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً) «١» أي: صيره آمناً، وانقله عن هذه الحال. قال «٢» سيبويه: «وتقول جعلت متاعك بعضه فوق بعض» . وله ثلاثة أوجه في النصب: إن شئت جعلت «فوق» في موضع الحال، كما فعلت ذلك في «رأيت» ، [في رؤية العين] «٣» وإن شئت نصبت على ما نصبت عليه «رأيت زيداً وجهه أحسن من وجه فلان» ، [تريد رؤية القلب] «٤» . وإن شئت نصبت على أنك إذا قلت: «جعلت متاعك» تدخله «٥» معنى «ألقيت» ، فيصير كأنك قلت: «ألقيت متاعك بعضه فوق بعض» . وهذه الوجوه الثلاثة يرجع وجهان منها إلى وجه واحد مما ذكرنا، وهو أن يجعل «جعلت» متعدياً إلى مفعول واحد. غير أن معنى الوجهين اللذين ذكرهما مختلف، وإن كانا مجتمعين في التعدي إلى مفعول واحد.

стр. 397

فأحد الوجهين هو الأول الذي قال فيه: إن شئت جعلت «فوق» في موضع الحال، فيكون معناه: عملت الباب مرتفعاً، أي: أصلحته، وهو في هذه «الحال» . والوجه الثاني من هذين الوجهين هو الثالث مما ذكره سيبويه في قوله: وإن شئت نصبته، على أنك إذا قلت: جعلت متاعك، يدخله معنى: / ألقيت، فيصير كأنك قلت: ألقيت متاعك بعضه فوق بعض لأن «ألقيت» كقولك: أسقطت متاعك بعضه فوق بعض، فيكون هذا متعدياً إلى مفعول، وهو منقول من: سقط متاعك بعضه فوق بعض. فهو يوافق الوجه الأول في التعدي إلى مفعول واحد، ويخالف في غير ذلك، لأنك لم تعمل «المتاع» هاهنا لإصلاح شيء منه وتأثير فيه، كما تعمل الباب بنجره ونحته وقطعه. و «فوق» في هذا كالمفعول إلا في موضع الحال، لأنه في جملة الفعل الذي هو «ألقيت» ، لأنه منقول من: سقط متاعك بعضه فوق بعض، والسقوط وقع على «فوق» وعمل فيه، على طريق الظرف. وفي المسألة الأولى يعمل فيه «جعلت» ، وإنما عمل فيه الاستقرار، وصار في موضع الحال. وهذان الوجهان كوجه واحد. وقوله: وإن شئت نصبته على ما نصبت عليه: رأيت زيداً وجهه أحسن من وجه فلان فتعديه إلى مفعولين من جهة النقل والعمل، كما تقول: صيرت الطين خزفاً.

стр. 398

وإنما حملنا هذا الوجه على هذا، لأنه في ذكر «جعلت» الذي في معنى: عملت، وأثرت. قال: والوجه الثالث: أن تجعله مثل: ظننت متاعك بعضه أحسن من بعض. فهذا أحد وجوه «صيرت» التي ذكرناها، وهو الذي في معنى التخيل، والذي هو من طريق التسمية يشبه هذا الوجه، إلا أنه لم يذكره اكتفاء بهذا «١» . فأما قوله تعالى: (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ) «٢» ف «الخبيث» هو المفعول. و «بعضه» بدل منه. وقوله «على بعض» ظرف ل «يجعل» ، كما تقول: يلقي الخبيث بعضه على بعض، ومن هذا الباب قوله تعالى: (أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) » وقوله: (أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ) «٤» . قال: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ) «٥» أي: اخبرهم عن ضيفه. وقال: (يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ) «٦» أي: يخبر به.

стр. 399

فلما كان «النبأ» مثل «الخبر» كان «أنبأته عن كذا» ، بمنزلة «أخبرته عنه» ، «ونبأته عنه» مثل «خبّرته عنه» ، و «نبأته به» مثل «خبرته به» . وهذا يصحح ما ذهب إليه سيبويه، من أن معنى «نبأت زيداً» : نبأت عن زيد، فحذف حرف الجر، لأن «نبأت» قد ثبت أن أصله «خبرت» / بالآي التي تلوناها، فلما حذف حرف الجر وصل الفعل إلى المفعول الثاني، ف «نبّأت» يتعدى إلى مفعولين: أحدهما، يصل إليه بحرف جر، كما أن «خبرته عن زيد» كذلك. فأما ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين نحو: نبأت زيداً عمراً أبا فلان. فهو في هذا الأصل إلا أنه حمل على المعنى، فعدي إلى ثلاثة مفعولين. وذلك أن الإنباء، الذي هو إخبار، إعلام، فلما كان إياه في المعنى، عدي إلى ثلاثة مفعولين كما عدي الإعلام إليها. ودخول هذا المعنى فيه، وحصول مشابهته للإعلام لم يخرجه عن الأصل الذي هو له من الإخبار، وعن أن يتعدى إلى مفعولين، أحدهما: يتعدى إليه بالباء أو ب «عن» نحو: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ) «١» ونحو قوله: (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ) «٢» . كما أن دخول «أخبرني» في: «أرأيت» لم يخرجه عن أن يتعدى إلى مفعولين، كما كان يتعدى إليهما إذا لم يدخله معنى «أخبرني به» ، إلا أنه امتنع من أجل

стр. 400

ذلك أن يرفع المفعول بعده على الحمل على المعنى، من أجل دخوله فى حيّر الاستفهام، فلم يجز: «أرأيت زيداً أبو من هو» كما جاز: «علمت زيدأ أبو من هو» حيث كان المعنى: علمت أبو من زيد، وذلك دخول معنى الإعلام في الإنباء، والتنبؤ لم يخرجهما عن أصليهما وتعديهما إلى مفعولين، أحدهما يصل إليه الفعل بحرف الجر، ثم يتسع فيه فيحذف حرف الجر، ويصل الفعل إلى الثاني. فأما من قال: إن الأصل في «نبأت» على خلاف ما ذكرنا، فإنه لم يأت على ما ادعاه بحجة ولا شبهة. وأما قوله تعالى: (نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) «١» . فيحمل على وجهين: أحدهما: أن يكون (نَبِّئْ) بمنزلة «أعلم» ، ويكون (أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) قد سد مسدهما. فيكون في هذه، في قول الخليل على هذا، في موضع جر، وعلى قول غيره، في موضع نصب. فأما قوله تعالى: (قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ) «٢» ، فإن جعلت «اللام» متعلقة «بأنبئكم» ، جاز الجر، في «جنات» على البدل من «خير» وإن جعلته صفة «خير» لأنه نكرة، جاز الجر فى «جنات» أيضا.

стр. 401

وإن جعلتها متعلقة بمحذوف لم يجز الجر في «جنات» / وصار مرتفعاً بالإبتداء أو بالظرف، ولم يجز غير ذلك، لأن اللام حينئذ لا بد لها من شيء يكون خبراً عنها. فأما قوله: (قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ) «١» فلا يجوز أن يكون «من» فيه زيادة، على ما يتأوله أبو الحسن من زيادة «من» في الواجب، لأنه يحتاج إلى مفعول ثالث. ألا ترى أنه لا خلاف في أنه إذا تعدى إلى الثاني، وجب تعديه إلى المفعول الثالث. وإن قدرت تعديه إلى مفعول محذوف، كما تأول قوله تعالى: (يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها) «٢» أي: شيئاً ما، لزم تعديته إلى آخر، فإن جعلت «من» زيادة أمكن أن تضمر مفعولاً ثانياً، كأنه: نبأنا الله أخباركم مشروحة. ويجوز أن تجعل «من» ظرفاً غير مستقر، وتضمر المفعول الثاني والثالث، كأنه: نبأنا الله من أخباركم ما كنتم تسرونه تبييناً، كما أضمرت في قوله: (أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) «٣» أي: تزعمونهم إياهم. وأما قوله تعالى: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ) «٤» فيكون «يستنبئونك» : يستخبرونك فيقولون أحق هو؟. ويكون «يستنبئونك» : يستعلمونك، والاستفهام قد سد مسد المفعولين.

стр. 402

ومما يتجه على معنى الإخبار دون الإعلام قوله تعالى: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) «١» فالمعنى: يخبركم فيقول لكم: إذا مزقتم، وليس على الإعلام. ألا ترى أنهم قالوا: (أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) «٢» . ومن ذلك قوله تعالى: (وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) «٣» أي: تكتمونه. (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ) «٤» أي: أبى السجود واستكبر عنه. (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) «٥» أي: اتخذتموه إلهاً. وكذلك: (بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ) «٦» أي: باتخاذكم إياه إلها. فخذف المفعول الثاني، لا بد من إضماره، لأنهم عوتبوا بذلك، ولا يعاتب أحد باتخاذ صورة العجل. فإن قال قائل: فقد جاء في الحديث: «يعذب المصورون يوم القيامة» «٧» . وفي بعض الحديث: يقال لهم: «أحيوا ما خلقتم» ، قيل: «يعذب المصورون» يكون على من صور الله تصوير الأجسام. وأما الزيادة من أخبار الآحاد، التي لا توجب العلم، فلا يقدح في الإجماع ما ذكر الله. وأما «اتخذت» فإنه في التعدي، على ضربين: أحدهما: / أن يتعدى إلى مفعول واحد. والثاني: أن يتعدى إلى مفعولين.

стр. 403

فأما تعديه إلى مفعول واحد، فنحو قوله: (يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) «١» ، و (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ) «٢» ، و (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً) «٣» و (لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ) «٤» . وأما إذا تعدى إلى مفعولين، فإن الثاني منهما الأول في المعنى، قال: (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) «٥» ، وقال: (لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ) «٦» ، [وقال] : (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) «٧» . وأما قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) «٨» فإن من أجاز زيادة «من» في الإيجاب جاز على قوله أن يكون قد تعدى إلى مفعولين، ومن لم يجز ذلك كان عنده متعدياً إلى مفعول واحد. ومن حذف المفعول «٩» قوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) «١٠» أي: أنعمتها عليكم، فحذف [و] قوله تعالى: (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) «١١» أي: ثواباً وكرامة لأن «زدت» فعل يتعدى إلى مفعولين، قال الله تعالى: (وَزِدْناهُمْ هُدىً) «١٢» ، وقال: (زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ) «١٣» ، وقال: (وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ) ١» . فأما قوله تعالى: (فَزادَهُمْ إِيماناً) «١٥» فالمعنى: زادهم قول الناس إيماناً، أضمر المصدر فى الفعل، وأسند الفعل إليه.

стр. 404

وكذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً) «١» أي: مازادهم مجيء النذير. وقال: (وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً) «٢» أي: ما زادهم نظرهم إليهم أو رؤيتهم لهم إلا إيماناً. وأما قوله: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا) «٣» أي: ما زادوكم قوة ونصرة إلا خبالاً، فحذف المفعول الثاني. وليس انتصاب «خبالاً» كانتصاب «إيماناً» لقوله: (وَما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً) «٤» لكن على الاستثناء، أي: يوقعون خبالاً وفساداً. هذا هو الصحيح في هذه الآية، وأظنني نقلت عن بعضهم غير هذا في هذه الأجزاء. وقوله تعالى: (وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ) «٥» أي: لأوضعوا بينكم ركائبهم عن أبي الهيثم. وقال أبو اسحاق: لأوضعوا فيما يحل بكم. ومن حذف المفعول قوله تعالى: (وَإِذِ اسْتَسْقى / مُوسى لِقَوْمِهِ) «٦» أي: استسقى ربه، وكذلك: (يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) «٧» ، التقدير: يخرج لنا شيئاً مما تنبت الأرض، فالمفعول مضمر، وقوله: (مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) «٨» في موضع الوصف له، أي: شيئاً مما تنبت الأرض.

стр. 405

وهذه مسألة عرضت، فنقول فيها: إن «من» لا تزاد في الواجب عندنا. وقال الأخفش: تجوز زيادتها في الواجب، كما جازت زيادتها في النفي، وكما جاز: (ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) «١» و (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) «٢» ، و (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ) «٣» ، و (وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ) «٤» ، بالإتفاق، فكذا في الواجب، والتقدير عنده: (يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) «٥» ، وكذا: (وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) «٦» . وسيبويه يحمل هذا ونظائره في التنزيل على حذف الموصوف، الذي هو المفعول، وإقامة الصفة مقامه. فأما قوله تعالى: (وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) «٧» ، فإن التقدير: ولقد جاءك شيء من نبأ المرسلين. وجاز إضمار «شيء» وإن كان فاعلاً، لأن الفعل لا بد له من الفاعل، وقد تقدم هذا. فأما قوله: (وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) «٨» ، فمن خفف، كان «ما» بمنزلة «الذي» ، وفيه ذكر مرفوع يعود إلى «ما» .

стр. 406

ولا يجوز فيمن خفف، أن يجعل «ما» بمنزلة المصدر مع الفعل، لأن الفعل يبقى بلا فاعل. ولهذا المعنى، حملنا قراءة أبي جعفر: (حافظات للغيب بما حفظ الله) «١» بالنصب، على أن «ما» بمعنى «الذي» ، أي: بالشيء الذي حفظ أمر الله. فلا تكون «ما» مصدرية، كما ذهب إليه عثمان «٢» في «المحتسب» «٣» ، لأنه يبقي «حفظ» بلا فاعل. ولا يجوز فيمن جوّز زيادة «من» في الإيجاب، أن يكون «الحق» مع الجار في موضع الحال، وقد جعلت «ما» بمنزلة «الذي» لأنه لا يعود إلى الموصول شيء. ومن شدد، كان الضمير الذي في «نزل» لاسم الله تعالى، والعائد محذوف من الصلة. فأما دخول الجار، فلأن «ما» لما كان على لفظ الجزاء حسن دخول «من» معه، كما دخلت في قوله: فما يك من خير أتوه «٤» فأما قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) «٥» ، / فإن أبا الحسن ذكر أن التقدير: وينزّل من السماء جبالا فيها بردا «٦» .

стр. 407

قال: وقال بعضهم: ينزل من السماء من جبال فيها من برد. أي: في السماء جبال من برد. يريد به أن يجعل الجبال من برد في السماء، ويجعل الإنزال منها. قال أبو علي: قلت أنا في هذه الآية، قبل أن أعرف هذا القول لأبي الحسن: إن قوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) «١» . المعنى: وينزل من السماء جبالاً فيها من برد. فموضع «من» الأولى نصب، على أنه ظرف، والثانية: نصب على أنه فى موضع المفعول. و «فيها» صفة ل «جبال» ، و «من» الثالثة للتبيين، كأنه بين من أي شيء هذا المكثر، كما تقول: عندي جبال من المال، فيكثر ما عنده منه، ثم تبين المكثر بقولك: من المال. ويحتمل أن يكون موضع «من» من قوله «من جبال» نصبا على الظرف على أنه منزل منه. ويكون «من برد» نصبا، أي: وينزل من السماء من جبال فيها بردا «٢» . ويكون «الجبال» على هذا التأويل، تعظيماً لما ينزل من البرد من السحاب. ويحتمل أن يكون موضع «من» في قوله: «من برد» رفعا، وموضع «من» من قوله «من جبال» نصباً على أنه مفعول به، كأنه فى التقدير:

стр. 408

وينزّل من السماء جبالا فيها برد. فيكون «الجبال» على هذا تعظيماً وتكثيراً. لما ينزل من السماء من البرد والمطر، ويكون «من برد» مرفوع للموصوف، لصيرورة موضع قوله «من برد» رفعاً. قال: وقد جعلنا «من» في بعض هذه التأويلات زائدة في الإيجاب، وذلك مذهب أبي الحسن والكسائي. وحكى أبو الحسن أنهم يقولون: «قد كان من مطر» و «كان من حديث» . يريدون: كان مطر، وكان حديث. ولم يجز سيبويه هذا فقال: ولا يفعلون هذا «بمن» في الواجب. يريد أن «من» لا تزاد كما زيدت «الباء» في «كفى بالله» و «ليس بزيد» . وحمل أبو الحسن قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ) «١» على هذا. وقال: المعنى: فكلوا ما أمسكن عليكم. وإذا ثبت رأى ثقة بما لا يدفعه قياس لزم قبوله واستعماله، ولم يجب دفعه. وجعل أبو الحسن «من» زائدة في التأويل الأول/ الذي ذكره. ٧٠ ش

стр. 409

قال: أما أنا فجعلت «من» الثانية في التأويل الأول زائدة منصوبة الموضع، على أنه مفعول به، والثالثة للتبيين وجعلت الثانية في التأويل الثاني زائدة نصباً على الظرف، والثالثة أيضاً زائدة في موضع نصب وجعلت الثانية في التأويل الثالث زائدة نصباً على المفعول، والثالثة أيضاً زائدة رفعاً، على أنه مرتفع بالظرف وجعلت «من» الأولى في الآية، في التأويلات الثلاث، نصباً على الظرف. وأما أبو الحسن: فجعل «من» الثانية والثالثة في الآية في التأويل الأول زائدة. فأما موضعهما من الإعراب، فالأولى نصب على أنه مفعول به، وهي الثانية من الآية. وموضع «من» الثالثة في الآية رفع بالظرف، وهذا هو التأويل الثالث، الذي ذكرناه نحن. فأما القول الثاني: الذي ذكره في الآية «فمن» الثانية في الآية نصب بالظرف، والثالثة للتبيين من «الجبال» ، فكأنه على هذا التأويل ذكر الموضع الذي ينزل منه، لم يذكر المنزل للدلالة عليه. ولا أدري ما صحة هذا الوجه الذي ذكره- أعني أبا إسحاق- عن بعضهم في التأويل.

стр. 410

وأما قوله: (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) «١» فقد قالوا: إن التّقدير: كلوا طيبات المن والسلوى بدل «طيبات ما رزقناكم» ، وفوتموها أنفسكم بجنايتكم التي لأجلها جعلتم تتيهون في الفلوات أربعين سنة. يدل على جواز هذا المعنى أنه قال: (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ) «٢» فجمع «الطيب» ، ثم جعل الطيبات بعض ما رزقوه، وهذا يفهم منه أنهم رزقوا أرزاقاً، منها الطيبات، ومنها الخبيثات، فأمروا بأكل الطيبات منها دون الخبيثات. وليس هناك كل هذا، وإنما هناك المن والسلوى فقط، لم يكن لهم طعام غيرهما، ولأنهم اشتاقوا من المن والسلوى إلى البقل والقثاء، فأي استطابه لهما مع ذا؟ فثبت: أنه مغنى من «طيبات» ، أي بدلها، لا من هذه الطيبات. ومن ذلك قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ) «٣» ، (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً) «٤» ، (كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ/ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا) «٥» ، ٧١ ى (وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) «٦» . هذا كله على مذهب سيبويه، المفعول محذوف. وعلى مذهب الأخفش «من» زيادة.

стр. 411

ومن حذف المفعول قوله تعالى: (اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ) ، «١» أي: ما سألتموه بينكم، فحذف المفعولين. و «سألت» فعل يتعدى إلى مفعولين، مثل «أعطيت» . ويجوز أن يقتصر فيه على مفعول واحد، فإذا اقتصر فيه في التعدي إلى مفعول واحد، كان على ضربين: أحدهما: أن يتعدى بغير حرف، والآخر: أن يتعدى بحرف. فأما تعديه بغير حرف فقوله تعالى: (وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا) «٢» ، وقال: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) «٣» . وأما تعديه بحرف، فالحرف الذي يتعدى به حرفان: أحدهما: «الباء» كقوله تعالى: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ) «٤» والآخر: «عن» كقولك: سل عن زيد. فإذا تعدى إلى مفعولين كان على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون بمنزلة «أعطيت» ، وذلك كقوله: سألت زيدا بعد بكر حقّنا بمعنى: استعطيته هذا، أي: سألته أن يفعل ذلك. والآخر: أن يكون بمنزلة: اخترت الرجال زيداً، (وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً) . «٥» فالمعنى هاهنا: ولا يسأل حميم عن حميمه، لذهوله عنه، واشتغاله بنفسه،

стр. 412

كما قال الله تعالى: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) «١» فهذا على هذه القراءة، كقوله تعالى: (وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ) «٢» . والثالث: أن يتعدى إلى مفعولين، فيقع موقع المفعول الثاني منهما استفهام، وذلك كقوله تعالى: (سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) «٣» وقوله تعالى: (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) «٤» . فأما قول الأخطل: واسأل بمصقلة البكري ما فعلا «٥» «فما» استفهام، وموضعه نصب «بفعل» ، ولا يكون «ما» جراً على البدل من «مصقلة» على تقدير: سل بفعل مصقلة، ولكن بجعله مثل الآيتين اللتين تلوناهما. وإن شئت جعلته بدلاً، فكان بمنزلة قوله: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) «٦» . ولو جعلت المفعول مراداً محذوفاً من قوله: «واسأل بمصقلة» ، فأردت: واسأل الناس بمصقلة ما فعل، لم يسهل أن يكون «ما» استفهاما، ٧١ ش لأنه لا يتصل بالفعل.

стр. 413

ألا ترى انه قد استوفى مفعوليه، فلا تقع الجملة التي هي استفهام موقع أحدهما. كما تقع موقعه في قوله تعالى: (سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) «١» . فإن جعلت «ما» موصولة وقدرت فيها البدل من «مصقلة» لم يمتنع. وإن قلت: أجعل قوله «ما فعل» استفهاماً؟ وأضمر «قل» لأني إذا قلت: أسأل الناس بمصقلة، فإنه يدل على «قل» لأن السؤال قولٌ، فأحمله على هذا الفعل، لا على أنه في موضع المفعول، لاستغناء الفعل بمفعوليه، فهو قوله، يدل على ذلك قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها) «٢» . ألا ترى أنه قد استوفى مفعوليه؟ أحدهما الكاف، والآخر قد تعدى إليه الفعل ب «عن» ، فلا يتعلق به «أيان» إلا على الحد الذي ذكرناه، وهو أن نقدر (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) ، قائلين: أيان مرساها؟ وأما قوله: (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ) «٣» ، فكان المعنى: سأل سائل النبي صلى الله عليه وآله والمسلمين بعذاب واقع، فلم يذكر المفعول الأول. وسؤالهم عن العذاب، إنما هو استعجالهم له، لاستبعادهم لوقوعه، ولردّهم ما يوعدون به منه.

стр. 414

وعلى هذا، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ) «١» ، (يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) «٢» ، (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ) «٣» . ويدلك على ذلك قوله: (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً) «٤» وأما قوله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ) «٥» ، فإنه يحتمل أمرين: أحدهما: أن يجعل «عنها» متعلقا بالسؤال، كأنه: يسألونك عنها كأنك حفي بها، فحذف الجار والمجرور. وحسن ذلك لطول الكلام ب «عنها» التي من صلة السؤال. ويجوز: أن يكون «عنها» بمنزلة «بها» وتصل الحفاوة مرة بالباء، ومرة «بعن» كما أن السؤال فصل مرة بالباء ومرة «بعن» ، فيما ذكرنا. ويدلك على تعديه بالباء قوله تعالى: (إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا) «٦» . وقال: (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ/ خَبِيراً) «٧» . ٧٢ ى فقوله: «فاسأل به» مثل: سل عنه خبيراً.

стр. 415

فأما «خبيراً» فلا يخلو انتصابه من أن يكون على أنه حال أو مفعول به، فإن كان حالاً لم يخل أن يكون حالاً من الفاعل أو من المفعول، ولو جعلته حالاً من الفاعل السائل لم يسهل، لأن الخبير لا يكاد يسأل إنما يسأل. ولا يسهل الحال أيضاً من المفعول، لأن المسئول عنه خبير به، فليس للحال كبير فائدة. فإن قلت: يكون حالاً مؤكدة، فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون «خبيراً» إذن مفعولاً به، كأنه: فاسأل عنه خبيراً، أي: مسئولاً خبيراً. وكأن معنى «اسأل» : تبين بسؤالك وبحثك من تستخبر، ليتقرر عندك مما اقتص عليك، من خلقه ما خلق، وقدرته على ذلك، وتعلمه بالفحص عنه، والتبين له. ويجوز في قوله: «فاسأل به» أي: اسأل بالله خبيراً، أي: اسأل الله خبيراً، كما قال: .... منه النّوفل الزّفر «١» وسنعيد ذا لك إن شاء الله. ومن حذف المفعول قوله تعالى: (فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ) «٢» أي: تؤمرونه، أي، تؤمرون به. وقال: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) «٣» .

стр. 416

وقال: (يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) «١» . فإذا كانت «ما» خبرية، كان على هذا الوجه وإذا كانت مصدرية، لم يحتج إلى الضمير. (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) «٢» أي: ذبح البقرة، (مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) «٣» أي تكتمونه. وقوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) «٤» . قال أبو علي في «التذكرة» : المعنى- والله أعلم-: ما يهبط رائيه، أو متأمله، أو المعتبر به، أي إذا رآها فتأمل ما فيها، هبط المتأمل له، والمعتبر به من أجل خشية الله، لأن ذلك يكسبه خشوعاً واتباعاً، ويزيل عنه العناد، وترك الانقياد للحق الذي علمه، فلما حدث ذلك بتأمل الحجر نسب إليه. و «هبط» متعد على هذا، وحذف المفعول، كقول لبيد: إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا ... يوماً فهم للفناء والنفد «٥» ومن حذف المفعول قوله تعالى: (بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) «٦» أي: فتحه الله. (أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ) «٧» أي: يسرونه ويعلنونه، إذا جعلت «ما» / خبراً، وإذا جعلته استفهاماً لم تقدر شيئا، وكان مفعولا. ٧٢ ش (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) «٨» أي: يظنون ما هو نافع لهم، فحذف المفعولين، وحذفهما جائز.

стр. 417

فأما قوله تعالى: (وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) «١» . فمن وقف على «ظنوا» كان من هذا الباب، أي: ظنوا ما كانوا عليه في الدنيا منجياً لهم، ومن جعله مما يتلقى به القسم، جعل قوله: (ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) «٢» جواباً للقسم، فيتلقى بما يتلقى به «٣» القسم، نحو: (أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ) «٤» ، (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ) «٥» إذ لم يذكر «للظن» مفعولاه، فالأحسن أن يجعل بمنزلة القسم. قال أبو عمر: يقبح الاقتصار على «علمت» و «ظننت» ، وألا يتعدى إلى مفعولين، وإن لم يقبح ذلك في باب «علمت» ، فإن «٦» هذا عندي كما قال، وذلك لأنه لا يخلو مخاطبك، من أن يعلم أنك تعلم شيئاً وتظن آخر، فإذا كان كذلك، صار كالابتداء بالنكرة، نحو: «رجل منطلق» و «قام رجل» وليس كذلك قولك: «أعطيت» ولا «أعلمت» ، لأن ذلك مما قد يجوز أن لا تفعله، فلذلك حسن هذا وامتنع ذاك. وأما قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ) «٧» فمن قرأ بالياء، ف «الذين» هم الفاعلون، و «أن» مع اسمه وخبره بدل من «الذين كفروا» . قالوا: وهذا يوجب نصب قوله (خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ) «٨» وليس كذلك، لأن ذلك إنما يكون إذا جعلت «أن» باسمه هو البدل دون خبره.

стр. 418

وكذلك القول في قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) «١» من قرأ بالتاء كان المفعول الأول: المضاف المحذوف، أي: لا تحسبن بخل الباخلين هو خيراً لهم. ومن قرأ بالياء كان التقدير: ولا يحسبن الذين يبخلون البخل خيراً فيكون «هو خيراً لهم» كناية عن البخل. وأما قوله تعالى: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) «٢» ، فمن قرأ بالياء كان «الذين يفرحون» هم الفاعلون. ولم يذكر له مفعولين، لأن قوله: (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ) «٣» يدل عليه، ويكون الضمير في «يحسبن» يعود إلى «الذين» أي: لا يحسبن أنفسهم بمفازة، فهذا فيمن قرأهما بالياء. وأما من قرأ بالتاء، فإنه جعل [الذين] «٤» / مفعولاً أول، والمفعول الثاني قوله: (بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ) . ويكون قوله: (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) «٥» تكراراً للأول، وتكون الفاء زيادة في الوجوه كلها، إذ لا وجه للعطف، ولا للجزاء.

стр. 419

وإذا أخذ الرجل في الكلام طالباً منك باب التكرار، فاقرأ عليه ما أثبته لك هنا. وقوله تعالى: (وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ... فَلَمَّا جاءَهُمْ) «١» فهذا تكرير للأولى. ألا ترى: أنا لا نعلم «لما» جاء جوابها بالفاء في موضع، فإذا كان كذا، ثبت أنه تكرير. ومما يكون كذلك أيضاً: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً) «٢» . ثم قال: (رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) «٣» . وقال: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) «٤» . بعد قوله: (كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ) «٥» فكرر «في» . وقال عز من قائل: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها) «٦» فكرر «في» . قال أبو بكر: في آيات في سورة «الجاثية» إنها تكرار، وعند الجرمى أن قوله: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) «٧» (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ) «٨» إلى قوله (أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) «٩»

стр. 420

أنه تكرار، وقال: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ) «١» إلى قوله: (فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ) «٢» فيكون هذا كله تكرارا. وأما قوله: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) «٣» ، فمن «٤» قرأ بالتاء، فلا إشكال فيه، لأن «الذين كفروا» مفعول أول، و «سبقوا» مفعول ثان. ومن قرأ بالياء، فيجوز أن يكون التقدير: ولا يحسبن الكافرون أن سبقوا، فحذف «أن» ويكون «أن سبقوا» قد سد مسد المفعول الأول. ويجوز أن يكون في «ولا يحسبن» ضمير الإنسان، أي: لا يحسبن الإنسان الكافرين السابقين. وأما قوله تعالى: (لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) «٥» فمن «٦» قرأ «بالتاء» فلا إشكال فيه.، ويكون «الذين كفروا» مفعولاً أول، ويكون «معجزين» مفعولاً ثانياً. ومن قرأ بالياء، كان في «لا يحسبن» ضمير الإنسان، أو يكون التقدير: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين، فحذف «أنفسهم» . وأما قوله: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى) «٧» ، ف «يرى» هذه هي التي تعدى إلى مفعولين، لأن «علم الغيب» لا يوجبه الحس، حتى إذا علمه أحسّ شيئا.

стр. 421

وإنما المعنى: أعنده علم الغيب فهو يعلم الغيب كما/ يشهده، لأن من حصل له علم الغيب، يعلم الغيب كما يعلم ما يشاهد، والتقدير: فهو يرى علم الغيب مثل المشاهدة، فحذفهما للدلالة عليه، قال «١» : ترى حبها عاراً علي وتحسب «٢» وأما قوله تعالى: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى) «٣» يجوز أن يكون من «الرؤية» التي هي حس، والضمير في «يرى» هو للسعي، فيكون على هذا كقوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) «٤» ألا ترى أن سعيه إنما هو حركات كما أن عمله كذلك. وقد يجوز أن يكون «يرى» يفعل، من «رأيت» المتعدية إلى مفعولين، وذلك أن «سعيه» إن كان حركات ونحوها مما يرى، فقد يكون اعتقادات لا ترى، وإذا كان كذلك، حملته على المتعدية إلى مفعولين، لأن كل محسوس معلوم، وإن لم يكن كل معلوم محسوساً، فحمله على المتعدية إلى مفعولين أولى. والموضع «٥» الذي يعلم ذلك منه قوله تعالى: (هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ) ، «٦» ، والذي أسلفته يكون اعتقادا غير مرئى، وأعمالنا مرئية.

стр. 422

ويعلم من قوله: (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) «١» . وقوله تعالى: (مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها) «٢» فيكون التقدير على هذا: وأن سعيه سوف يرى محصىً، لقوله: «إلا أحصاها» أو محصلاً أو مجزياً، ويكون المبتدأ والخبر، قبل دخول «رأيت» : سعيك يحصى، أو يحصل، أو مجزى عمله، فحذف المفعول الثاني، إذا بنيت الفعل للمفعول، لدلالة قوله: (ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) «٣» . والاقتضاء الأول المقام مقام الفاعل، كما حذف من قوله: (أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) «٤» وحذف المفعول. وقال: (ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ) «٥» وهو يستدعي مفعولين، والمعنى: ثم يجزى مثل سعيه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وكذلك: (كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ) «٦» . وإن شئت جعلت المضاف المحذوف «الجزاء» فقلت: المعنى: ثم يجزى الإنسان جزاء سعيه، وترى كل نفس جزاء ما كسبت، على أن يخرج الجزاء من أن يكون مصدراً، كما أخرج «الصيد» و «الخلق» عن ذلك، فيصير في موضع المفعول، فإذا لم يخرج المفعول عن المصدر لم يجز، لأنك حينئذ قد عدّيت/ الفعل ٧٤ ى إلى مصدرين، ولا يتعدى إلى مصدرين، كما لا يتعدى إلى حالين.

стр. 423

قال أبو إسحاق: جائز أن يقرأ: (سَوْفَ يُرى) «١» والأجود أن يقرأ: «يرى» «٢» لأن قولك: إن زيداً سوف أكرمه، فيه ضعف لأن «إن» عاملة، و «أكرم» عاملة، فلا يجوز أن ينتصب الاسم من جهتين، ولكنه يجوز على إضمار الهاء، على معنى: سوف يراه، فلا يجوز في الكلام أن يقول: إن زيداً سأكرمه. قال أبو علي: أما جواز هذا على إضمار الهاء في «سوف يراه» ، فلا يجوز في الكلام، وإنما يجوز في الشعر، كذلك يجيزه أصحابنا في الشعر قياساً على قوله: ... كله لم أصنع «٣» وأجازوا على هذا الشعر: زيداً اضرب، يريد: اضربه. ومنع غيرهم من هذا فقال: لا أجيزه في «زيد» ونحوه، وإنما أجيزه في «كل» ، لأن فيه معنى الجحد. وأما إجازته في التنزيل فلا ينبغي أن يجيزه أحد.

стр. 424

وأما إضمار الهاء في «إن» فمثل الأول، في أنه لا يجوز في الكلام وإنما يجوز في ضرورة الشعر، كالأبيات التي أنشدها في «الكتاب» نحو قوله: إن من لام «١» ... وإنّ من يدخل الكنيسة «٢» ... ومن ذلك قوله تعالى: (رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) «٣» فمفعول «يعلم» مضمر، والتقدير: قالت الرسل للمرسل إليهم: ربنا يعلم لم أرسلنا إليكم؟ لأن هذا جواب قولهم: (ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) «٤» يعنون كيف تكونون رسلاً وأنتم بشر مثلنا، فقالوا: (رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) «٥» ، استئناف الكلام، وليس «٦» كسر «إن» لمكان اللام بل كسرها لأنه مبتدأ. فأما قوله تعالى: (فَانْظُرْ ماذا تَرى) «٧» ، فمن فتح التاء فقال: «ماذا ترى» كان مفعول «ترى» أحد شيئين، أحدهما: أن يكون «ماذا» بمنزلة «الذي» فيكون مفعول «ترى» الهاء المحذوفة من الصلة، ويكون «ترى» على هذا التي معناها الرأي، وليس إدراك الجارحة، كما تقول: فلان يرى رأي أبي حنيفة. ومن هذا قوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ) «٨» .

стр. 425

فلا يخلو «أراك» من أن يكون نقلها بالهمزة من التي هي «رأيت» رؤية البصر، ٧٤ ش/ أو «رأيت» التي تتعدى إلى مفعولين، أو «رأيت» التي بمعنى الرأي، الذي هو الاعتقاد والمذهب، فلا يجوز أن تكون من الرؤية التي معناها: أبصرت بعيني، لأن الحكم في الحوادث بين الناس ليس مما يدرك بالبصر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم، ولا يجوز أن يكون من «رأيت» التي تتعدى إلى مفعولين، لأنه كان يلزم بالنقل بالهمزة أن يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، وفي تعديه إلى مفعولين- أحدهما الكاف التي للخطاب، والآخر المفعول المقدر حذفه من الصلة، تقديره: بما أراكه الله، ولا مفعول ثالث في الكلام- دلالة على أنه من «رأيت» التي معناها الاعتقاد والرأي، وهي تتعدى إلى مفعول واحد، وإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، كما جاء في قوله تعالى: (بِما أَراكَ اللَّهُ) «١» . فإذا جعلت قوله «ذا» من قوله: (ماذا تَرى) «٢» بمنزلة «الذي» ، صار تقديره. ما الذي تراه؟ فيصير «ما» فى موضع ابتداء، و «الذي» في موضع خبره، ويكون المعنى: ما الذي نذهب إليه فيما ألقيت إليك، هل تستسلم له وتتلقاه بالقبول، أو تأتي غير ذلك؟ فهذا وجه قول من قال: «ماذا ترى» بفتح التاء. وقرئ: «ماذا تري» بضم التاء وكسر الراء، فإنه يجوز أن يكون «ما» مع «ذا» بمنزلة اسم واحد، فيكونا في موضع نصب، والمعنى: أجلداً تري على ما تحمل عليه أم خوراً؟ ويجوز أن تجعل «ما» مبتدأة و «ذا» بمنزلة أحد، ويعود إليه الذكر المحذوف، من الصلة، والفعل منقول من: رأى زيد الشيء، وأريته الشيء
следующие страницы →