وإنما المعنى: أعنده علم الغيب فهو يعلم الغيب كما/ يشهده، لأن من حصل له علم الغيب، يعلم الغيب كما يعلم ما يشاهد، والتقدير:
فهو يرى علم الغيب مثل المشاهدة، فحذفهما للدلالة عليه، قال «١» :
ترى حبها عاراً علي وتحسب «٢»
وأما قوله تعالى: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى) «٣» يجوز أن يكون من «الرؤية» التي هي حس، والضمير في «يرى» هو للسعي، فيكون على هذا كقوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) «٤» ألا ترى أن سعيه إنما هو حركات كما أن عمله كذلك.
وقد يجوز أن يكون «يرى» يفعل، من «رأيت» المتعدية إلى مفعولين، وذلك أن «سعيه» إن كان حركات ونحوها مما يرى، فقد يكون اعتقادات لا ترى، وإذا كان كذلك، حملته على المتعدية إلى مفعولين، لأن كل محسوس معلوم، وإن لم يكن كل معلوم محسوساً، فحمله على المتعدية إلى مفعولين أولى.
والموضع «٥» الذي يعلم ذلك منه قوله تعالى: (هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ) ، «٦» ، والذي أسلفته يكون اعتقادا غير مرئى، وأعمالنا مرئية.
стр. 422
ويعلم من قوله: (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) «١» .
وقوله تعالى: (مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها) «٢» فيكون التقدير على هذا: وأن سعيه سوف يرى محصىً، لقوله: «إلا أحصاها» أو محصلاً أو مجزياً، ويكون المبتدأ والخبر، قبل دخول «رأيت» : سعيك يحصى، أو يحصل، أو مجزى عمله، فحذف المفعول الثاني، إذا بنيت الفعل للمفعول، لدلالة قوله: (ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) «٣» .
والاقتضاء الأول المقام مقام الفاعل، كما حذف من قوله: (أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) «٤» وحذف المفعول.
وقال: (ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ) «٥» وهو يستدعي مفعولين، والمعنى: ثم يجزى مثل سعيه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وكذلك: (كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ) «٦» .
وإن شئت جعلت المضاف المحذوف «الجزاء» فقلت: المعنى: ثم يجزى الإنسان جزاء سعيه، وترى كل نفس جزاء ما كسبت، على أن يخرج الجزاء من أن يكون مصدراً، كما أخرج «الصيد» و «الخلق» عن ذلك، فيصير في موضع المفعول، فإذا لم يخرج المفعول عن المصدر لم يجز، لأنك حينئذ قد عدّيت/ الفعل ٧٤ ى إلى مصدرين، ولا يتعدى إلى مصدرين، كما لا يتعدى إلى حالين.
стр. 423
قال أبو إسحاق: جائز أن يقرأ: (سَوْفَ يُرى) «١» والأجود أن يقرأ:
«يرى» «٢» لأن قولك: إن زيداً سوف أكرمه، فيه ضعف لأن «إن» عاملة، و «أكرم» عاملة، فلا يجوز أن ينتصب الاسم من جهتين، ولكنه يجوز على إضمار الهاء، على معنى: سوف يراه، فلا يجوز في الكلام أن يقول: إن زيداً سأكرمه.
قال أبو علي: أما جواز هذا على إضمار الهاء في «سوف يراه» ، فلا يجوز في الكلام، وإنما يجوز في الشعر، كذلك يجيزه أصحابنا في الشعر قياساً على قوله:
... كله لم أصنع «٣»
وأجازوا على هذا الشعر: زيداً اضرب، يريد: اضربه.
ومنع غيرهم من هذا فقال: لا أجيزه في «زيد» ونحوه، وإنما أجيزه في «كل» ، لأن فيه معنى الجحد.
وأما إجازته في التنزيل فلا ينبغي أن يجيزه أحد.
стр. 424
وأما إضمار الهاء في «إن» فمثل الأول، في أنه لا يجوز في الكلام وإنما يجوز في ضرورة الشعر، كالأبيات التي أنشدها في «الكتاب» نحو قوله:
إن من لام «١» ...
وإنّ من يدخل الكنيسة «٢» ...
ومن ذلك قوله تعالى: (رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) «٣» فمفعول «يعلم» مضمر، والتقدير: قالت الرسل للمرسل إليهم: ربنا يعلم لم أرسلنا إليكم؟ لأن هذا جواب قولهم: (ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) «٤» يعنون كيف تكونون رسلاً وأنتم بشر مثلنا، فقالوا: (رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ) «٥» ، استئناف الكلام، وليس «٦» كسر «إن» لمكان اللام بل كسرها لأنه مبتدأ.
فأما قوله تعالى: (فَانْظُرْ ماذا تَرى) «٧» ، فمن فتح التاء فقال:
«ماذا ترى» كان مفعول «ترى» أحد شيئين، أحدهما: أن يكون «ماذا» بمنزلة «الذي» فيكون مفعول «ترى» الهاء المحذوفة من الصلة، ويكون «ترى» على هذا التي معناها الرأي، وليس إدراك الجارحة، كما تقول: فلان يرى رأي أبي حنيفة.
ومن هذا قوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ) «٨» .
стр. 425
فلا يخلو «أراك» من أن يكون نقلها بالهمزة من التي هي «رأيت» رؤية البصر، ٧٤ ش/ أو «رأيت» التي تتعدى إلى مفعولين، أو «رأيت» التي بمعنى الرأي، الذي هو الاعتقاد والمذهب، فلا يجوز أن تكون من الرؤية التي معناها: أبصرت بعيني، لأن الحكم في الحوادث بين الناس ليس مما يدرك بالبصر، فلا يجوز أن يكون هذا القسم، ولا يجوز أن يكون من «رأيت» التي تتعدى إلى مفعولين، لأنه كان يلزم بالنقل بالهمزة أن يتعدى إلى ثلاثة مفعولين، وفي تعديه إلى مفعولين- أحدهما الكاف التي للخطاب، والآخر المفعول المقدر حذفه من الصلة، تقديره: بما أراكه الله، ولا مفعول ثالث في الكلام- دلالة على أنه من «رأيت» التي معناها الاعتقاد والرأي، وهي تتعدى إلى مفعول واحد، وإذا نقل بالهمزة تعدى إلى مفعولين، كما جاء في قوله تعالى: (بِما أَراكَ اللَّهُ) «١» .
فإذا جعلت قوله «ذا» من قوله: (ماذا تَرى) «٢» بمنزلة «الذي» ، صار تقديره.
ما الذي تراه؟ فيصير «ما» فى موضع ابتداء، و «الذي» في موضع خبره، ويكون المعنى: ما الذي نذهب إليه فيما ألقيت إليك، هل تستسلم له وتتلقاه بالقبول، أو تأتي غير ذلك؟
فهذا وجه قول من قال: «ماذا ترى» بفتح التاء.
وقرئ: «ماذا تري» بضم التاء وكسر الراء، فإنه يجوز أن يكون «ما» مع «ذا» بمنزلة اسم واحد، فيكونا في موضع نصب، والمعنى: أجلداً تري على ما تحمل عليه أم خوراً؟
ويجوز أن تجعل «ما» مبتدأة و «ذا» بمنزلة أحد، ويعود إليه الذكر المحذوف، من الصلة، والفعل منقول من: رأى زيد الشيء، وأريته الشيء
стр. 426
إلا أنه من باب أعطيت، فيجوز أن يقتصر على أحد المفعولين دون الآخر، كما أن «أعطيت» كذلك، ولو ذكرت المفعول، كان: أرأيت زيداً جلداً، فيكون التقدير في الآية: ماذا ترينيه؟.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) «١» أي: تزعمونهم إياهم، فالمفعولان محذوفان، لأنك إذا أظهرت العائد إلى «الذين» كان مفعولاً أول، فيقتضي مفعولاً ثانياً.
ومن حذف المفعول قوله تعالى: (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها) «٢» والتقدير: ننسكها، أي: نأمرك بتركها، أو بنسيانها، فالمفعول الأول محذوف، ٧٥ ى (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها) أي: نأتك بخير منها.
وأما قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) «٣» ينبغي أن تكون هذه من رؤية العين، لأنه اقتصر فيه على مفعول واحد، كأنه: أأبصرت؟ أو شاهدت؟
وهذا لا يسوغ أن يقع بعده الاستفهام، لأنه إنما يقع بعد الأفعال التي تلغى، فيعلق عنها.
وأما «أرأيت» الذي بمنزلة العلم، فإنها تكون على ضربين:
أحدهما: أن تتعدى إلى مفعول، ويقع الاستفهام في موضع خبره، كأنه قبل دخول «أرأيت» مبتدأ، وخبره الاستفهام، وعلى هذا الآي التي تلوها.
والثاني: أن يقع الاستفهام في موضع المفعول، فيعلق عنها، نحو:
أرأيت من زيد؟ فإذا قال: أرأيت زيدا؟ احتمل ثلاثة أضرب:
стр. 427
أحدها: أن يكون «رأيت» بمعنى: أبصرت، كقوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) «١» .
والآخر: أن يكون «رأيت» بمعنى: علمت، فيكون بمعنى: أخبرني.
فهذا: إذا كان كذلك، لم يجز أن يرتفع الاسم بعدها في قول من قال:
علمت زيدا أبو من هو؟
ويجوز: ألا يذكر قبل الاستفهام الاسم، نحو: أرأيت أبو من زيد؟
لأن دخول معنى آخر فيه لا يمنع من أن يستعمل على أصله الذي له.
وقوله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) «٢» ، وقوله تعالى:
(يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) «٣» ، وقوله: (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) «٤» و (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) «٥» ، وغير ذلك من الآي.
إن قال قائل: ما مفعول «ود» في هذه الآي، وما موضع «لو» بعده، وهل تقتضي «لو» هنا جواباً؟
فالقول في ذلك: إن «ود» فعل متعد، وإذا كان متعدياً اقتضى المفعول به، وليس من جنس الأفعال التي تعلق، لأنه لا يلغى كما ألغيت المعلقة، ولا هو مثل ما شبه به نحو «انظر» في قوله: انظر أزيد أبو من هو؟
стр. 428
ولا مثل: (بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ) «١» لأن هذه الأفعال تشبه الأول/ من حيث كانت بمعنى العلم، فلذلك أجريت مجراها، فأما ٧٥ ش «وددت» فليس من هذا الباب.
ألا ترى أنه لا يشبه العلم، ولا يضمر بعده القول أيضاً، كما أضمر بعد قوله:
(فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ) «٢» .
ولا مثل: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) «٣» .
ومثل قوله:
إني سأبدي لك فيما أبدي ... شجن لي ببلاد سند
وشجن لي ببلاد نجد «٤» لأن هذه الأفعال ونحوها لما كانت بمعنى «القول» استقام إضمار «القول» بعدها لسدها مسده، حتى قال بعض الناس: إنها بمنزلة «القول» ، وليس «وددت» كذلك.
وإذا لم تكن مثله، وكان معناها التعدي، قلنا: إن «لو» بعده زائدة، والتقدير في الفعل الواقع بعد «أن» ، وحذفت «أن» ووقع الفعل موقع الاسم، فالفعل في موضع المفعول.
وحسن هذا الحذف لذكر «لو» في الكلام أنه حرف، فصار الحرف المذكور كالبدل من المحذوف، كما صار اللام في: قولهم: ما كان ليفعل، بدلاً من «أن» .
стр. 429
وكما استجازوا أن يحذف حرف الجر مع «أن» في نحو: جئت أنك تريد الخير.
وذهب الخليل إلى أنه في موضع جر، ولم يقل ذلك أحد، إذ كان المصدر الصحيح لا تجوز إرادة الحذف معه.
وإذا كانوا قد حذفوا الحرف في الكلام لجري ذكر حرف فيه، نحو:
متى يمرر أمرر ونحو: ما مررت برجل إن صالح فطالح، فحذف الحرف حيث ذكرنا أسوغ.
وحسن ذلك ألا يظهر معه الحرف لكون المذكور بدلاً من المحذوف، ألا ترى أن الخليل وسيبويه استجازا حذف «١» الجار والمجرور من الصلة في قوله:
إن لم يجد يوماً على من يتكل «٢»
لجرى ذكر «على» قبل.
فإذا كان كذلك كان حذف هذا أجدر، لذكر الحرف، وكونه بدلاً من المحذوف.
ألا ترى أن هذه قد حذفت في مواضع لم يقع منها بدل، والمعنى على الحذف قولهم: عسينا نفعل، وقول الشاعر.
ألا أيها ذا الزّاجرى أحضر الوغى «٣»
стр. 430
/ و: (أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ) «١» ، فإذا حذفت، حيث لم يقع من حذفها عوض، كان حذفها هنا أجدر، لذكر «لو» فإذا كانت «لو» زائدة كان الفعل الواقع بعده في موضع المفعول، كما كان «ألهو» فيما أنشده أبو زيد من قوله:
وقالوا ما تشاء فقلت ألهو
واقعاً موقع المفعول، وهو فعل مشابه له.
ويدل على زيادة «لو» في هذا الموضع أنها تحذف بعد «وددت» فيقع الاسم بعده في موضع نصب.
فإذا صار دخولها وخروجها في المعنى واحداً كان كدخول «من» ونحوه، في نحو: ما جاءني من أحد.
وذلك نحو قوله تعالى: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) «٢» . فهذا في المعنى كقوله: (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي) «٣» ، فهذا يدل على زيادة «لو» .
فإن قلت: ما ننكر أن يكون الفعل معلقاً، لأنه قد وقع بعده «أن» الثقيلة في نحو: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) «٤»
стр. 431
كما وقعت بعد: «علمت أن زيداً منطلق» . فإذا جعل بمنزلة «علمت» في هذا جعل بمنزلته في التعليق.
فالقول: إن ذلك لا يوجب فيه التعليق، ولو جاز التعليق فيه لما ذكرت لجاز أن يعلق «سررت» لقول الأعشى:
هل سر حنقط أن القوم صالحهم ... أبو حريث ولم يوجد لهم خلف
ويروى: «ولم يؤخذ» . و «حنقط» امرأة، ويقال: حنقط: امرأة أبي حريث، وأبو حريث: رجل من بني ثعلبة بن يربوع، قتل يومئذ، يريد:
هل سرها أنه سلم ولم يتزوج بعد.
وكما أن هذا النحو من الأفعال لا يعلق وإن وقعت بعده «أن» كذلك لا يعلق «وددت» ، لأن «وددت» لا ينكر أن يقع بعدها «أن» الخفيفة كما وقعت الثقيلة، كما كان ذلك في «سررت» ، في نحو قوله:
هل سركم في جمادى أن نصالحكم
ومما يدل على زيادة «لو» في هذا النحو/ وأن الفعل في تقدير الحذف لأن معه رفعهم الفعل المعطوف عليه، في نحو قوله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) «١» ، و (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ) «٢» ، ثم قال:
стр. 432
(فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ) «١» ، فهو نحو: عسى زيد يقوم فيذهب، فهذا هو الوجه، لأن الكلام في تقدير إيجاب.
وإذا كان كذلك بعد النصب كما بعد في قولك: أليس زيد عندك فتضربه؟ لأن المعنى موجب.
والذي ذكرنا أنه في بعض المصاحف (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) «٢» بالنصب، على أحد أمرين:
إما أن يكون: لما كان معنى (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ) «٣» معنى: ودوا أن تدهن، بحمل المعطوف على المعنى، كما أن قوله: هو أحسن الفتيان وأجمله، محمول على المعنى، لأن «أحسن الفتيان» و «أحسن فتى» واحد في المعنى.
وإما أن تكون «لو» ، وإن كانت زائدة في هذا الموضع، لما كانت على لفظ «غير» الزائدة أجريت مجراها للشبه اللفظي، كما أجرى «أحمد» مجرى «أضرب» في منع الجر والتنوين.
ألا ترى أن «لو» هذه على لفظ «لو» التي معناها الآخر في قوله:
............... ..... ... لو تعان فتنهدا «٤»
والمعنى: أعانها الله.
стр. 433
وكذلك قوله تعالى: (فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ) «١» ، المعنى: لتكن لنا كرة، إلا أن الدعاء لا يقال فيه أمر، فالتقدير: أحدث لنا كرة فنكون.
ومثله في التشبيه اللفظي في الحروف قوله:
يرجى العبد ما إن لا يراه «٢»
وقوله: لما أغفلت شكرك.
فكذلك «لو» هذه أجريت مجرى غير الزيادة.
قوله تعالى: (رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) «٣» . التقدير: ربنا واجعلنا مسلمين لك وأمة مسلمة لك من ذريتنا، ففصل بين الواو والمفعول بالظرف.
وقوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) «٤» يكون على أحد أمرين:
يكون على قياس قول أبي الحسن «من» زائدة، والتقدير: واجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي/ مقيم الصلاة، والمفعول محذوف، لا بد من ذلك، ألا ترى أنه لا يجوز: رب اجعلنى من ذريتى.
стр. 434
قوله تعالى: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «١» َ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها)
«٢» .
قال أبو علي: وليتك القبلة، إذا صيرتك تستقبلها بوجهك، وليس هذا المعنى في «فعلت» منه.
ألا ترى أنك إذا قلت: وليت الحائط، ووليت الدار، لم يكن في «فعلت» منه دلالة على أنك واجهته، كما أنك في قولهم: وليتك القبلة، ووليتك المسجد الحرام، دلالة على أن المراد واجهته، ف «فعلت» في هذه الكلمة ليس بمنقول من «فعلت» الذي هو «وليت» ، فيكون على حد قولك:
«فرح» و «فرّحته» ، ولكن هذا المعنى الذي هو المواجهة عارض في «فعلت» ولم يكن في «فعلت» .
وإذا كان كذلك كان فيه دلالة على أن النقل لم يكن من «فعلت» كما كان قولهم: ألقيت متاعك بعضه على بعض، لم يكن النقل فيه من:
لقي متاعك بعضه بعضاً، ولكن «ألقيت» كقولك «أسقطت» .
ولو كان منه زاد مفعول آخر في الكلام، ولم يحتج في تعديته إلى المفعول الثاني إلى حرف الجر وإلحاقه المفعول الثاني في قولك: ألقيت بعض متاعك على بعض، كما لم يحتج إليه في: ضرب زيد عمراً، وأضربته إياه، ونحو ذلك.
وكذلك: وليتك قبلة، من قولك: وليت، كألقيت من قولك: «لقيت» .
стр. 435
وقال : (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) «١» فهذا على المواجهة له، ولا يجوز على غير المواجهة مع العلم أو غلبة الظن، الذي ينزّله منزلة العلم، في تحري القبلة.
وقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة، وذلك في نحو قوله:
(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) «٢» ، (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) «٣» ، (عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى) «٤» أي: أعرض عنه.
وقال : (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ) . «٥»
(فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا) «٦» .
فهذا مع دخول الزيادة للفعل في غير الزيادة.
стр. 436
قوله تعالى: (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) «١» .
فالحال مؤكدة، لأن في «توليتم» دلالة على أنهم «مدبرين» ، فهذا على نحوين:
أما ما لحق التاء أوله فإنه يجوز أن يكون من باب «تحوّب» و «تأثّم» ، إذا ترك الحوب، والإثم، وكذلك إذا ترك الجهة، التي هي المقابلة.
ويجوز أن تكون الكلمة استعملت على الشيء وعلى خلافه، كالحروف المروية في الأضداد.
فأما قوله تعالى: (وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ) «٢» ، وقوله: (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ) «٣» ، وقوله: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) «٤» .
فهذا منقول من «فعل» ، تقول: داري تلي داره، ووليت داري داره، فإذا نقلته إلى «فعل» قلت: وليت مآخيره، وولاني مآخيره، ووليت ميامنه، وولاني ميامنه، فهو مثل: فرح وفرحته، وليس مثل: لقي وألقيته ولقيته.
وقوله: (لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ) «٥» ، وقوله: (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) «٦» ، المفعول
стр. 437
الثاني في نقل «فعل» إلى «فعل» محذوف، ولو لم يحذف كان كقوله:
(يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ) «١» .
وأما قوله تعالى: (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا) «٢» فيمن قرأ «تلوا» فمعناه والله أعلم: الإقبال عليهم، والمقاربة لهم في العدل في قسمهم.
ألا ترى أنه قد عودل بالإعراض في قوله تعالى: (أَوْ تُعْرِضُوا) ، فكان قوله: (وَإِنْ تَلْوُوا) ، كقوله: إن أقبلتم عليهم ولم تعرضوا عنهم.
فإن قلت: فهل يجوز أن يكون في «تلوا» دلالة على المواجهة فتجعل قوله (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ) «٣» منقولاً من هذا ثم اقتضى المواجهة، وتستدل على ذلك بمعادلته: على خلاف، الذي هو الإعراض.
فالقول إن ذلك في هذه الكلمة ليس بالظاهر، ولا في الكلمة دلالة على هذه المخصوصة التي جاءت في قوله: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) «٤» .
وإذا لم يكن عليها دلالة، لم يصرفها عن الموضع الذي/ جاء فيه فلم يتعدها إلى سواها.
وقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ) «٥» فالضمير في «عنه» إذا جعلته للرسول احتمل أمرين:
(لا تَوَلَّوْا عَنْهُ) : لا تنفضوا عنه، كما قال: (انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً) «٦» .
стр. 438
وقال: (وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) «١» وقال: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً) «٢» .
وعلى هذا المعنى قوله تعالى: (بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) «٣» أي: بعد أن تتفرقوا عنها. ولا يكون «لا تولوا عنه» : لا تعرضوا عن أمره، وتلقوه بالطاعة والقبول. كما قال : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) «٤» .
ومن إضمار المفعول قوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) »
المعنى:
فمن شهد منكم المصر في الشهر.
فحذف المفعول لا بد من تقديره، لأن المسافر شاهد الشهر، ولا يلزمه الصوم، بل يجوز له الإفطار، فانتصاب الشهر على الظرف، وإنما قال:
«فليصمه» : ولم يقل، فليصم فيه، والظروف إذا كنى عنها رد حرف الظرفية معها، لأنه قد اتسع فيها، ونصبه نصب المفعول بعد أن استعمله ظرفاً.
واعلم أن «شهد» فعل استعمل على ضربين:
أحدهما: الحضور والآخر: العلم.
فالذي معناه الحضور، يتعدى إلى مفعول.
стр. 439
ويدلك على ذلك قوله:
لو شهد عاد في زمان عاد «١»
وقوله:
ويوماً شهدناه سليماً وعامراً
فتقدير هذا: شهدنا فيه.
ومن ذلك قوله:
شهدنا فما نلقى [به] من كتيبة ... يد الدّهر إلّا جبرئيل أمامها
فهذا محذوف المفعول، التقدير فيه: شهدنا المعركة، أو: من تجمع لقتالنا.
ومنه قوله:
لقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم «٢»
فهذا الضرب المتعدي إلى مفعول واحد إذا نقل بالهمزة تعدى إلى المفعولين، تقول: شهد زيد المعركة، وأشهدته إياها.
فمن هذا قوله: (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) «٣» لما نقل بالهمزة صار الفاعل مفعولاً، والتقدير: ما أشهدتهم/ فعلى. وال «فعل» في أنه مفعول ثان، وإن كان غير عين، مثل «زيد» ، ونحوه من الأسماء المختصة.
وقالوا: امرأة مشهد، إذا كان زوجها شاهداً لم يخرج في بعث من غزو وغيره.
стр. 440
وامرأة مغيب، إذا لم يشهد زوجها، فكأن المعنى: ذات غيبة، أي: ذات غيبة وليها، وذات شهادة وليها. والشهادة خلاف الغيبة، قال الله تعالى:
(عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) «١» .
فهذا في المعنى قريب من قوله: (وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ) «٢» (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) «٣» .
وأما «شهدت» الذي بمعنى «علمت» فيستعمل على ضربين:
أحدهما: أن يكون قسماً.
والآخر: أن يكون غير قسم.
فاستعمالهم إياه قسماً، كاستعمالهم: علم الله، ويعلم الله، قسماً. تقول:
علم الله لأفعلن، فتلقّاه بما يتلقى به الأقسام، وأنشد سيبويه:
ولقد علمت لتأتين منيتي ... إن المنايا لا تطيش سهامها «٤»
وتقول: أشهد بالله إنك لذاهب، وأشهد إنك لذاهب.
قال: وحدثنا أبو الحسن أن محمداً قال: إن زفر يذهب إلى أنه إذا قال: أشهد بالله، كان يميناً فإن قال «أشهد» ولم يقل «بالله» لم يره يمينا.
стр. 441
قال: وقال محمد: «أشهد» غير موصولة بقولك «بالله» في أنه يمين، كقولك: أشهد بالله.
وقال: واستشهد محمد على ذلك بقوله: (قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) «١» .
وقال: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً) «٢» .
فجعله يميناً ولم يوصل بقوله «بالله» .
وأما «شهدت» الذي يراد به «علمت» ، ولا يراد به اليمين، فهو ضرب من العلم مخصوص. وكل شهادة علم، وليس كل علم شهادة.
ومما يدل على اختصاصها بالعلم، انه [لو] «٣» قال عند الحاكم: أعلم أن لزيد على عمرو عشرة، لم يحكم به حتى يقول: أشهد.
فالشهادة مثل التيقن في أنه ضرب من العلم مخصوص، وليس كل علم تيقناً، وإن كان كل تيقن علماً، وكان التيقن هو العلم الذي عرض لعالمه إشكال فيه.
стр. 442
نتبين ذلك في قصة ابراهيم ﵇ (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) «١» ويبين ذا قول رؤبة:
/ يا دار عفراء ودار البخدن ... أما جزاء العالم المستيقن
فلو لم يكن في «المستيقن» زيادة معنى، لم يكن في الوصف الأول، لم يحسن هذا الكلام، وكان غير مفيد، وهذا كقول زهير:
فلأياً عرفت الدار بعد توهم «٢»
وقال بعد:
فلما عرفت الدار «٣»
أي: عرفتها بعد إشكال أمرها والتباسها علي.
وعلى هذا قول الآخر:
حيّوا الدّيار وحيوا ساكن الدار ... ما كدت أعرف إلا بعد إنكار
وكان معنى: أشهد أيها الحاكم على كذا، أي: أعلمه علماً يحضرني قد تذلل لي فلا أتوقف عنه ولا أتلبث فيه، لوضوحه عندي وتبينه لي وليس كذلك سبيل المعلومات كلها.
ألا ترى أن منها ما يحتاج إلى توقف فيه واستدلال عليه، وتذليل له ويدل على هذا، وأن الشهادة يراد بها المعنى الزائد على العلم، أنه لا يخلو من أن يكون العلم مجرداً مما ذكرناه، أو العلم مقترناً بما وصفناه من المعاني، والذي يدل على أنه المقترن بالمعنى، الذي ذكرنا.
стр. 443
وقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) «١» ، وقوله: (وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا) «٢» .
فلو كان معنى «شهد» العلم خالياً من هذه المعاني، لكان المعنى:
وما علمنا إلا بما علمنا، ومن علم الحق لم يقل: بما علما إلا ما علمنا، وهو يعلم.
فإذا لم يسهل حمله على هذا، علم أن معناه ما ذكرنا.
و «شهد» في هذا الوجه يتعدى بحرف جر، فتارة يكون الباء والأخرى «على» .
ومما يعدّى ب «على» قوله تعالى: (وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا) «٣» ، وقوله تعالى: (شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ) «٤» ، و (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ) «٥» ، وَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ)
«٦» .
ومن التعدي بالباء قوله تعالى: (وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا) «٧» ، و (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ) «٨» ، وقوله تعالى: (فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ) «٩» .
فإذا نقل بالهمزة، زاد بالهمزة مفعول، كسائر الأفعال المتعدية إذا نقلت بالهمزة.
وقال عز من قائل: (وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) «١٠» .
فأما قوله: (أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ) «١١» ، فمن الشهادة التي هي الحضور، كأنهم ونجوا على ما قالوا مما لم يحضروه/ مما حكمه أن يعلم بالمشاهدة.
стр. 444
ومن قرأ (أشهدوا خلقهم) «١» فالمعنى: أو أحضروا ذلك؟ وكان الفعل يتعدى إلى مفعولين بعد النقل، فلما بني للمفعول به نقص مفعول، فتعدى الفعل إلى مفعول واحد.
ويقوي هذه القراءة قوله تعالى: (ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ) «٢» ، فتعدى إلى مفعولين، لما بني الفعل للفاعل.
فأما قوله تعالى: (إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ) «٣» ، فعلى إعمال الثاني، كما أن قوله تعالى: (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) «٤» ، كذلك، والتقدير:
إني أشهد الله أنى برئ، وأشهد أنى برئ. فحذف المفعول الأول على حد:
ضربت وضربني زيد.
وهذا منقول من: شهد بكذا، إلا أن حرف الجر يحذف مع «أن» .
ومن حذف المفعول قوله تعالى: (وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى) «٥» أي: اتقى محارم الله.
وكذلك: (لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ) «٦» أي: اتقى محارمه.
وقال: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) «٧» .
وقال: (وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) «٨» .
ف «هلك» لازم في المعروف، و «يهلك» متعد، وقد جاء «هلك» متعديا، وأنشدوا:
стр. 445
ومهمهٍ هالك من تعرجا «١»
فكأنه قال: هالك من تعرج فيه، أي: هالك المتعرج، «فمن تعرج» ، على هذا التقدير، فاعل في المعنى، وعلى تقدير من حمله على «مهلك» أنه حذف مفعوله في المعنى، بمنزلة: ضارب زيد.
ومن حذف المفعول قوله: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ) «٢» ، أي: يغفر الذنوب، في جميع التنزيل.
ومن ذلك قوله تعالى: (لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا) «٣» .
قال أبو علي: يحتمل وجهين:
يجوز أن يكون من النسيان، الذي هو خلاف الذّكر، و «الخطأ» ، من الإخطاء، الذي ليس التعمد.
ويجوز أن يكون من «نسينا» ، على: أن تركنا شيئاً من اللازم لنا.
ومثله قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) «٤» أي: ترك عهدنا إليه.
ومنه قوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) «٥» .
أي: لم يلطف لهم كما يلطف للمؤمنين في تخليصهم أنفسهم من عقاب الله. والتقدير: ولا تكونوا كالذين نسوا أمر الله أو طاعته، فأنساهم تخليص نفسهم من عذاب الله.
стр. 446
وجاز أن ينسب الإنساء إلى الله، وإن كانوا هم/ الفاعلون له، والمذمومون عليه، كما قال: (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى) «١» .
فأضاف الرمي إلى الله، لما كان يقويه إقداره، فكذلك نسب الإنساء إليه لما لم يلطف لهذا المنسي كما لطف للمؤمن الذي قد هدى.
وكذلك قوله تعالى: (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا) «٢» أي:
الاستعداد للقاء يومكم هذا، والعمل من التخلص من عقابه.
وأما قوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ) «٣» فعلى معنى الترك، لأنه إذا كان المقابل للذكر لم يكن مؤاخذاً.
وقوله تعالى: (وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) «٤» أي: نسي السامري أي: ترك التوحيد باتخاذه العجل، وقيل: نسي موسى ربه عندنا، وذهب يطلبه في مكان آخر.
وأما قوله تعالى: (اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) «٥» . فإن إنساء الشيطان هو أن يسول له، ويزين الأسباب التي ينسى معها. وكذلك: (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) «٦» .
ويجوز أن يكون الضمير في «أنساه» ليوسف، أي: انسى يوسف ذكر ربه.
كما قال: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى) «٧» .
стр. 447
ويجوز أن يكون الضمير في «أنساه» للذي ظن أنه ناج منهما، ويكون ربه ملكه.
وفي الوجه الأول، يكون «ربه» الله ، كأنه أنساه الشيطان أن يلجأ إلى الله في شدته.
وأما قوله تعالى: (فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ) «١» .
والتقدير: تنسون دعاء ما تشركون، فحذف المضاف، أي: تتركون دعاءه والفزع إليه، وإنما يفزعون إلى الله- . ويكون من النسيان الذي هو خلاف الذكر، كقوله تعالى: (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) «٢» أي: تذهلون عنه فلا تذكرونه.
وقال: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي) «٣» .
فهذا يجوز أن يكون منقولاً من الذي بمعنى الترك، ويمكن أن يكون من الذي هو خلاف الذكر، واللفظ على: أنهم فعلوا بكم النسيان.
والمعنى: أنكم أنتم أيها المتخذون عبادي سخرياً/ نسيتم ذكري، باشتغالكم باتخاذكم إياهم سخرياً، وبالضحك منهم، أي: تركتموه من أجل ذلك، وإن كانوا ذاكرين غير ناسين. فنسب الإنساء إلى عباده الصالحين وإن لم يفعلوا، لما كانوا كالسبب لإنسائهم.
فهذا كقوله: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ) «٤» .
стр. 448
وعلى هذا قوله تعالى: (فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ) «١» فأسند النسيان إليه، والمعنى على أنهم نسوا ذلك.
وأما قوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى) «٢» فالأشبه أن يكون من الذي هو خلاف الذكر. وهذا أشبه من أن يحمل على ما يراد به الترك.
وذلك أن النبي، صلى الله عليه وعلى آله، كان إذا نزل عليه القرآن أسرع القراءة وأكثرها مخافة النسيان، فقال: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ) «٣» أي تنساه، لرفعه ذلك بالنسيان كرفعه إياه بالنسخ بآية أو سنة.
ويؤكد ذلك قوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)
«٤» .
وقوله تعالى: (وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) «٥» فحمل قوله: «فلا تنسى» ، إذا كان يسلك هذا المسلك، ليس بالوجه.
ومما حذف المفعول قوله: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) «٦» أي: بشرهم بالجنة.
ومن حذف المفعول قوله: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) «٧» أي كحب الله المؤمنين. فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والمفعول محذوف.
стр. 449
وإن شئت كان: كحب المؤمنين الله، فحذف الفاعل، والمضاف إليه مفعول في المعنى.
ويقوي الأول قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) «١» .
ومثله: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) «٢» إن شئت، كان التقدير: أقم الصلاة لأذكرك، فيكون مضافاً إلى الفاعل. وإن شئت كان التقدير:
لذكرك إياي فيها.
كقوله تعالى: (فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي) «٣» أي: عن ذكرهم إياي.
ومثله: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) «٤» إن شئت كان التقدير: ولذكركم الله أكبر من كل شيء، فحذف الفاعل، وأضافه إلى المفعول، كما قال: (مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) «٥» ، أي: من دعائه الخير.
وقال: (بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ) «٦» أي: بسؤاله نعجتك.
وقال: (رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) «٧» أي: هذا ذكر الله رحمة/ عبده، فحذف الفاعل، وأضاف إلى المفعول، وهو الرحمة، والرحمة مضاف إلى الفاعل.
ونصب «بعضا» به، كقوله: (كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) «٨» .
стр. 450
وكقوله: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) «١» أي: أن دفع الله الناس، فأضاف إلى الفاعل ونصب المفعول به.
ومنه قوله تعالى: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) «٢» أي: من بعد أن غلبهم الفرس «٣» يغلبون الفرس «٤» ، فالمصدر مضاف إلى المفعول وقد حذف الفاعل، كأن المشركين سرتهم غلبة الفرس «٥» الروم، فرجع أبو بكر إلى النبي- صلى الله عليه وعلى آله- وأخبره بأنه ذكر للمشركين ذلك، وأن بينه وبينهم خطراً، والصديق ضرب المدة في ثلاث سنين.
فالنبي- صلى الله عليه وآله- أمره أن يرجع إليهم، ويزيد في الأجل وفي الخطر، ففعل ذلك.
وقرأها الحسن: (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) «٦» مرتباً للمفعول به. وقرئ:
(غُلِبَتِ الرُّومُ) بفتحتين. مرتباً للفاعل. وفسر ابن عمر: غلبت الروم على أدنى ريف الشام. يعني بالريف: السواد، فيكون المصدر- أعني «من بعد غلبهم» - مضافاً إلى الفاعل، أي: من بعد أن غلبوا على الريف.
وهذه القراءة أيضاً مروية عن علي وابن عمر وابن عباس ومعاوية عن قرة.
ومثله: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي) «٧» .
стр. 451
أي: عن ذكرى ربي، فحذف الفاعل وأضاف إلى المفعول، يعني به صلاة العصر.
وقال قوم: بل التقدير: عن ذكر ربي إياي حيث أمرني بالصلاة، فيكون قد حذف المفعول والمصدر.
ويجوز إضافته إلى الفاعل، وينصب به المفعول.
ويجوز حذف المفعول، إذا أضيف إلى الفاعل به.
ويجوز إضافته إلى المفعول ورفع الفاعل.
ويجوز في هذا الوجه حذف الفاعل.
ويجوز أن ينون، يرفع الفاعل به، وينصب المفعول.
ويجوز حذف الفاعل مع التنوين، وحذف المفعول مع التنوين.
فمما جاء من ذلك في التنزيل قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً) «١» «شيئا» ينتصب/ ب «رزقا» ، أي: ما لا يملك لهم أن يرزقوا شيئاً. فحذف الفاعل، ونصب المفعول بالمصدر المنون.
وأما قوله: (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً (١٠) رَسُولًا) «٢» . فيجوز أن ينتصب رسولا ب (ذكرا) أي: أنزل الله إليكم بأن ذكر رسولاً. ويجوز أن ينتصب بفعل مضمر، أي: أرسل رسولا.
стр. 452
ويجوز أن يكون التقدير: أنزل الله إليكم ذا ذكر رسولاً، فحذف المضاف، ويكون «رسولاً» بدلاً منه.
ومن ذلك قوله تعالى: (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً) «١» أي:
أن تطعم يتيما، فنصب «يتيما» ب «إطعام» .
وأما قوله تعالى: (إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) «٢» .
فمن نون احتمل أمرين:
أحدهما: أن يكون «ذكري» بدلاً من «الخالصة» ، تقديره: إنا أخلصناهم بذكر الدار.
ويجوز أن يقدر في قوله: «ذكري» التنوين، فيكون «الدار» في موضع نصب، تقديره: بأن يذكروا الدار، أي: يذكرون بالتأهب للآخرة ويزهدون في الدنيا.
ويجوز ألا يقدر البدل، ولكن تكون «الخالصة» مصدراً.
فتكون مثل: (مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) «٣» فيكون المعنى: بخالصة تذكير الدار.
ويقوي هذا الوجه: ما روي من قراءة الأعمش: (بخالصتهم ذكر الدار) فهذا يقوي النصب، ويقوي أن من نون «خالصة» أعملها في «ذكرى الدار» ، كأنه: بأن أخلصوا تذكير الدار.
فإذا نونت «خالصة» احتمل أمرين:
أحدهما، أن يكون المعنى: بأن خلصت لهم ذكرى الدار، فيكون «ذكرى» في موضع رفع بأنه فاعل.
стр. 453
والآخر: أن تقدر المصدر الذي هو «خالصة» من الإخلاص، فحذفت الزيادة كما حذفت من نحو: دلو الدالي، ونحوه:
فيكون المعنى: بإخلاص ذكرى، فيكون في موضع نصب، كانتصاب لاسم في: عمرك الله الدار، ويجوز أن يعنى بها الآخرة.
والذي يدل على أنه يجوز أن يراد بها الدنيا: قوله تعالى في الحكاية عن ابراهيم: (وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ) «١» .
وقوله تعالى: (وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا) «٢» ، فاللسان هو القول الحسن والثناء عليه، وليس اللسان هنا الجارحة.
وأما جواز كون «الدار الآخرة» في قوله تعالى: (إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) «٣» فيكون: ذلك بإخلاصهم ذكرى الدار، ويكون/ ذكرهم لها وجل قلوبهم منها ومن حسابها.
كما قال: (وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) «٤» ، (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها) «٥» .
стр. 454
ف «الدار» مفعول بها، وليست كالوجه الآخر المتقدم.
وأما من أضاف فقال: (بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) «١» فإن «الخالصة» تكون على ضروب: تكون للذكر وغير الذكر.
فإذا أضيفت إلى «ذكرى» اختصت «الخالصة» بهذه الإضافة، فتكون الإضافة إلى المفعول به، بإخلاصهم ذكرى الدار، أي: أخلصوا ذكرها والخوف منها لله.
ويكون على إضافة المصدر، الذي هو «الخالصة» إلى الفاعل، تقديره:
بأن خلصت لهم ذكرى الدار.
و «الدار» على هذا يحتمل الوجهين اللذين تقدما من كونها للآخرة والدنيا.
وأما المصدر المعرف باللام فإنهم كرهوا إعماله، ومع ذلك فقد جاء في التنزيل في موضعين:
أحدهما قوله تعالى: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) «٢» .
ف «من» في موضع الرفع من «الجهر» ، أي: لا يحب الله أن يجهر بالسوء من القول إلا المظلوم.
والموضع الآخر قوله تعالى: (وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ) «٣» أي: أن يشفع أحد إلا الشاهد بالحق.
стр. 455
ومن حذف المفعول قوله تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) «١» .
إن أضمرت المفعول به، كما أضمر في قوله: (كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) «٢» ، والمعنى: كلما أضاء لهم البرق الطريق مشوا فيه، جاز ذلك.
وحذف المفعول وإرادته قد كثر عنهم، فلا يكون (أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ) «٣» على هذا التأويل مراداً، ولكن يكون مفعولاً له، ويكون المفعول المحذوف كأنه: أنا أريد كفك عن قتلي وامتناعك منه. ونحو ذا مما يدل عليه قوله تعالى:
(ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ) «٤» .
ألا ترى أن معنى هذا أنه يريد الكف والامتناع عن مقاتلته، والتقدير:
إني أريد كفك عن قتلي كراهة أن تبوء بإثمي وإثمك، ولأن تبوء بإثمي وإثمك.
وقال: (قَتْلَ أَخِيهِ) «٥» أي: قتله أخاه، فحذف الفاعل، وقال: (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ) «٦» / المصدر فيه مضاف إلى الفاعل.
والمعنى: أنكم أشركتم الآلهة مع الله- سبحانه- وكفرتم، كقوله:
(تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ) «٧» في نحو آي تشبهها.
وقوله: (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) «٨» أي: يحبون الأنداد كحب الله، فحذف على ما تقدم.
стр. 456
ومثل ذلك جميع ما جاء في التنزيل من قوله تعالى:
(وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) «١» (وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) «٢» .
فالمصدر مضاف إلى المفعول، و «جزى» فعل يتعدى إلى مفعولين، قال الله تعالى: (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) «٣» أي: سكنى جنة.
قال أبو علي في قوله تعالى: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا) «٤» أي: جزيتهم بجزاء ما صبروا.
ألا ترى أنهم لا يجزون صبرهم، إنما يجزون جزاء صبرهم، عما حظر عليهم ونهوا عنه.
وكذلك: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) «٥» أي جزاء أعمالكم، إذ أنهم لا يجزون تلك الأعمال التي عملوها، ولكن جزاءها والثواب عليها.
وأما قوله تعالى: (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) «٦» فيكون على: وجزاهم بصبرهم سكنى جنة ولباس حرير، فيكون على الإلباس والإسكان الجزاء.
وكذلك ما ذكر من قوله تعالى: (وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها) «٧» أي: جزاهم جنة، أي: سكنى جنة دانية عليهم ظلالها، فيكون في المعنى كقوله:
(وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) «٨» .
стр. 457
ومن حذف المفعول قوله تعالى: (فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً) «١» . تقديره: الذين اتخذوهم قرباناً آلهة.
«قربان» لفظه مفرد في معنى الجمع، كما أريد به التثنية في قوله:
(إِذْ قَرَّبا قُرْباناً) «٢» .
والمعنى: قرب كل واحد منهما قرباناً، فحذف المضاف. يقوي ذلك أن «قرباناً» جمع أنه قد جمع في قول ابن مقبل:
كانت لساسته تهدى قرابيناً «٣»
فلو كان هذا على الظاهر، لثني، كما جمع «القرابين» في قول ابن مقبل و «قربان» فى الأصل مصدر ك «غفران» ، فمن أفرد، حمل على الأصل، ومن جمع، اعتبر اللفظ، لأنه صار اسماً، وخرج عن المصدرية، كقوله:
لله در اليوم من لامها «٤»
ألا ترى أنه قال: هو بمنزلة: لله بلادك.
وأما قوله: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) «٥» ف «من» مبتدأ الاستفهام، و «يأتيه» الخبر و «يخزيه» صفة العذاب، و «العلم» معلق، مثلها في: علمت «٦» من في الدار، (وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) ، «من» استفهام أيضا، و «هو كاذب» مبتدأ وخبر، في موضع خبر «من» .
стр. 458
وليس «من» موصولة، لأنه معطوف على «من يأتيه» ، وهو مبتدأ وخبر، لأنها علقت «العلم» ، والموصولة لا تعلّق.
وأما قوله تعالى: (قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ) «١» ، «أروني» هنا منقولة من: رؤية القلب. و «شركاء» المفعول له الثالث.
ويقويه: (أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) «٢» . فأقام الجملة الاستفهامية مقام المفعولين.
و «ألحقتم» من قوله: ألحق الحاكم الولد بأبيه، أي: حكم بذلك، والمعنى على ذلك، لأن التقدير: دلوني على هذا الذي تدعونه، وهو من باب علم القلب.
وإن جعلت «أروني» من «رؤية البصر» كان «شركاء» حالاً، أي: أوجدونيهم مشركين، أي: في هذه الحال، ويكون من «رؤية العين» ، لأن الضلال قد يكون اعتقاداً فلا يحس.
وإن جعلته من «رؤية البصر» جاز، لأنه أراد: عبادة الأصنام، وذلك مما يحس، فيكون (شُرَكاءُ) «٣» على هذا حالاً «٤» ويقوي ذلك قوله تعالى: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) «٥» فلم يذكر المفعول الثالث.
стр. 459
ويمكن أن يقال: إنه محذوف «أي «منا» فيكون «كذلك» حالاً.
ويجوز أن يكون «كذلك» هو المفعول الثالث.
وأما قوله تعالى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) «١» ، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ) «٢» ، (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ) «٣» .
«ما» فيه استفهام.
فمما يدل على ذلك قوله تعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً) . «٤» ألا ترى أن «ما» لا تخلو فيه من أن تكون استفهاماً أو موصولة.
فلو كان صلة لم يخل من ذكر عائد إلى الموصول، فلما جاء (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً) «٥» . فلم يذكر «هو» دل على أنه استفهام وليس بوصل.
فأما قوله تعالى: (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ) «٦» تكون الموصولة، والعائد قد حذف من اسم الفاعل، كما يحذف من الفعل، وحذفه من اسم الفاعل لا يكثر كثرة حذفه من الفعل.
ولو جعلت «ما» استفهاماً معناه الرفع، والوضع: مما يقتضيه، يريد:
أن ما/ يقتضيه ليس في شيء، لأنك إنما تقتضي في العاجلة. ولو جعلت موضع «ما» نصبا ب «قاض» لكان قولا.
стр. 460
وأما قوله تعالى: (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) «١» فنقول: من قال «يرون» يحتمل رؤية العين، ورؤية القلب، فمن قال: هو من رؤية القلب، ففي المعنى يتعدى إلى مفعولين، فإذا جعلتها المتعدية إلى مفعولين سد مسدهما. وأن تكون من رؤية العين أولى لأنهم يستنظرون في مشاهدة ذلك، والإعراض عنه، وترك الاعتبار به، وهذا أبلغ في هذا الباب من المتعدية إلى مفعولين ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر من المنصرف عما يشاهد.
ومن قرأ (أَوَلا يَرَوْنَ) فبنى الفعل للمفعول به، كان «أنّ» فى موضع نصب «أنه» مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك أنك تقول: رأى عمرو كذا وتقول: أرأيت عمراً كذا، فيتعدى إلى مفعولين بالنقل، فإذا بنيت الفعل للمفعول به تعدى إلى مفعول واحد، كالدرهم، في قولك: أعطى زيد درهماً.
ولا يكون «يرون» هنا كالتي في قولك: أرى زيداً منطلقاً، لأن المعنى: ليس على: يظنون أنهم يفتنون في كل عام إنما المعنى: على أنهم يشاهدون ذلك ويعلمونه علم مشاهدة.
وليس المعنى: أنهم يظنون الفتنة في كل عام لأن الظن في الفتنة ليس بموضع اعتبار، وإنما فزعوا على ترك الاعتبار بالمشاهدة، وأنهم مع ذلك لا يتوبون ولا يذكرون فيعتبروا ويتنبهوا على ما يلزمهم الانتهاء والإقلاع عنه.