← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ومثل ذلك جميع ما جاء في التنزيل من قوله تعالى: (وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ) «١» (وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) «٢» . فالمصدر مضاف إلى المفعول، و «جزى» فعل يتعدى إلى مفعولين، قال الله تعالى: (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) «٣» أي: سكنى جنة. قال أبو علي في قوله تعالى: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا) «٤» أي: جزيتهم بجزاء ما صبروا. ألا ترى أنهم لا يجزون صبرهم، إنما يجزون جزاء صبرهم، عما حظر عليهم ونهوا عنه. وكذلك: (الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) «٥» أي جزاء أعمالكم، إذ أنهم لا يجزون تلك الأعمال التي عملوها، ولكن جزاءها والثواب عليها. وأما قوله تعالى: (وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) «٦» فيكون على: وجزاهم بصبرهم سكنى جنة ولباس حرير، فيكون على الإلباس والإسكان الجزاء. وكذلك ما ذكر من قوله تعالى: (وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها) «٧» أي: جزاهم جنة، أي: سكنى جنة دانية عليهم ظلالها، فيكون في المعنى كقوله: (وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ) «٨» .

стр. 457

ومن حذف المفعول قوله تعالى: (فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً) «١» . تقديره: الذين اتخذوهم قرباناً آلهة. «قربان» لفظه مفرد في معنى الجمع، كما أريد به التثنية في قوله: (إِذْ قَرَّبا قُرْباناً) «٢» . والمعنى: قرب كل واحد منهما قرباناً، فحذف المضاف. يقوي ذلك أن «قرباناً» جمع أنه قد جمع في قول ابن مقبل: كانت لساسته تهدى قرابيناً «٣» فلو كان هذا على الظاهر، لثني، كما جمع «القرابين» في قول ابن مقبل و «قربان» فى الأصل مصدر ك «غفران» ، فمن أفرد، حمل على الأصل، ومن جمع، اعتبر اللفظ، لأنه صار اسماً، وخرج عن المصدرية، كقوله: لله در اليوم من لامها «٤» ألا ترى أنه قال: هو بمنزلة: لله بلادك. وأما قوله: (سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) «٥» ف «من» مبتدأ الاستفهام، و «يأتيه» الخبر و «يخزيه» صفة العذاب، و «العلم» معلق، مثلها في: علمت «٦» من في الدار، (وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ) ، «من» استفهام أيضا، و «هو كاذب» مبتدأ وخبر، في موضع خبر «من» .

стр. 458

وليس «من» موصولة، لأنه معطوف على «من يأتيه» ، وهو مبتدأ وخبر، لأنها علقت «العلم» ، والموصولة لا تعلّق. وأما قوله تعالى: (قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ) «١» ، «أروني» هنا منقولة من: رؤية القلب. و «شركاء» المفعول له الثالث. ويقويه: (أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ) «٢» . فأقام الجملة الاستفهامية مقام المفعولين. و «ألحقتم» من قوله: ألحق الحاكم الولد بأبيه، أي: حكم بذلك، والمعنى على ذلك، لأن التقدير: دلوني على هذا الذي تدعونه، وهو من باب علم القلب. وإن جعلت «أروني» من «رؤية البصر» كان «شركاء» حالاً، أي: أوجدونيهم مشركين، أي: في هذه الحال، ويكون من «رؤية العين» ، لأن الضلال قد يكون اعتقاداً فلا يحس. وإن جعلته من «رؤية البصر» جاز، لأنه أراد: عبادة الأصنام، وذلك مما يحس، فيكون (شُرَكاءُ) «٣» على هذا حالاً «٤» ويقوي ذلك قوله تعالى: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) «٥» فلم يذكر المفعول الثالث.

стр. 459

ويمكن أن يقال: إنه محذوف «أي «منا» فيكون «كذلك» حالاً. ويجوز أن يكون «كذلك» هو المفعول الثالث. وأما قوله تعالى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ) «١» ، (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ) «٢» ، (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ) «٣» . «ما» فيه استفهام. فمما يدل على ذلك قوله تعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً) . «٤» ألا ترى أن «ما» لا تخلو فيه من أن تكون استفهاماً أو موصولة. فلو كان صلة لم يخل من ذكر عائد إلى الموصول، فلما جاء (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً) «٥» . فلم يذكر «هو» دل على أنه استفهام وليس بوصل. فأما قوله تعالى: (فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ) «٦» تكون الموصولة، والعائد قد حذف من اسم الفاعل، كما يحذف من الفعل، وحذفه من اسم الفاعل لا يكثر كثرة حذفه من الفعل. ولو جعلت «ما» استفهاماً معناه الرفع، والوضع: مما يقتضيه، يريد: أن ما/ يقتضيه ليس في شيء، لأنك إنما تقتضي في العاجلة. ولو جعلت موضع «ما» نصبا ب «قاض» لكان قولا.

стр. 460

وأما قوله تعالى: (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ) «١» فنقول: من قال «يرون» يحتمل رؤية العين، ورؤية القلب، فمن قال: هو من رؤية القلب، ففي المعنى يتعدى إلى مفعولين، فإذا جعلتها المتعدية إلى مفعولين سد مسدهما. وأن تكون من رؤية العين أولى لأنهم يستنظرون في مشاهدة ذلك، والإعراض عنه، وترك الاعتبار به، وهذا أبلغ في هذا الباب من المتعدية إلى مفعولين ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر من المنصرف عما يشاهد. ومن قرأ (أَوَلا يَرَوْنَ) فبنى الفعل للمفعول به، كان «أنّ» فى موضع نصب «أنه» مفعول الفعل الذي يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك أنك تقول: رأى عمرو كذا وتقول: أرأيت عمراً كذا، فيتعدى إلى مفعولين بالنقل، فإذا بنيت الفعل للمفعول به تعدى إلى مفعول واحد، كالدرهم، في قولك: أعطى زيد درهماً. ولا يكون «يرون» هنا كالتي في قولك: أرى زيداً منطلقاً، لأن المعنى: ليس على: يظنون أنهم يفتنون في كل عام إنما المعنى: على أنهم يشاهدون ذلك ويعلمونه علم مشاهدة. وليس المعنى: أنهم يظنون الفتنة في كل عام لأن الظن في الفتنة ليس بموضع اعتبار، وإنما فزعوا على ترك الاعتبار بالمشاهدة، وأنهم مع ذلك لا يتوبون ولا يذكرون فيعتبروا ويتنبهوا على ما يلزمهم الانتهاء والإقلاع عنه.

стр. 461

فهذا وجه قراءة من ضم «الياء» أن قرئ به. قوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) «١» دخلت اللام في «إبراهيم» على حد دخولها في: (رَدِفَ لَكُمْ) . ألا ترى أن «بوأ» يتعدى إلى مفعولين، قال: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً) «٢» . وقال: (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) «٣» . فيجوز أن يكون «المبوأ» المفعول الثاني، كما أن (مَكانَ الْبَيْتِ) كذلك، كل واحد منهما يجوز أن يكون ظرفاً، و «أن» من قوله: (أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً) «٤» . يجوز أن يكون/ بمعنى «أي» ، لأن ما قبلها كلام تام، ويجوز أن تكون الناصبة للفعل، وصلت بالنهي كما توصل بالأمر. ويجوز أن يكون تقديره لإبراهيم، أي: لمكان إبراهيم، أي: مكان دعوته، وهو قوله: (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) «٥» . وأما قوله: (أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما) «٦» ، فكالتي في قوله: (رَدِفَ لَكُمْ) «٧» ، والمفعول الأول كعلامة الضمير في قوله: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) «٨» .

стр. 462

ألا ترى أن المطاوع من الأفعال على ضربين: أحدهما: لا يتعدى، نحو: انشوى، وانتأى، فى مطاوع: شويته، ونأيته. والآخر: أن يتعدى كما تعدى ما هو مطاوع له، وذلك نحو: تعلقته، وتقطّعته، ف «تعلقته» يتعدى كما تعدى «علقته» ، وليس فيه أن ينقص مفعول المطاوع عما كان يتعدى إليه ما هو مطاوع له. فإذا كان كذلك، كان «اللام» على الحد الذي ذكرنا. ويقوي ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ) «١» . فدخلت «اللام» على غير المطاوع في قوله: (أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما) . «٢» فأما قوله: (مَكانَ الْبَيْتِ) «٣» ، فيحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون ظرفاً. والآخر: أن يكون مفعولاً ثانياً. فأما الظرف: فيدل عليه قول ابن هرمة: وبوئت في صميم معشرها ... وتم في قومها مبوؤها «٤» فكما أن قوله «في صميم معشرها» ظرف، كذلك يكون (مَكانَ الْبَيْتِ) . والمفعول الثاني الذي ذكر في قوله تعالى: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً) «٥» لم يذكره في هذه، لأن الفعل من باب «أعطيت» ، فيجوز ألا يذكر، ويقتصر على الأول.

стр. 463

ويجوز أن يكون «مكان البيت» مفعولاً ثانياً. وكذلك قوله: (وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) «١» فيجوز أن يكون: مكاناً مثل مكان البيت، والمفعول الثاني فيه محذوف، وهو: القرية، التي ذكرت في قوله: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها) «٢» . ويجوز أن يكون مصدراً، أي: تبوأ صدق. ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً من وجهين: أحدهما: أن/ تجعله اسماً غير ظرف. والآخر: أن تجعله اسماً بعد أن استعملته ظرفاً، كما قال: ... وسطها قد تفلقا «٣» وفي التنزيل: (هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) «٤» . ويجوز فيه وجه ثالث: وهو أن يمتنع، فيقرر نصبه، بأن كان مصدراً انتصب انتصاب المفعول به. وقوله: (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ) «٥» فتقديره: بوأكم في الأرض منازل، أو بلاداً، وانتصاب قوله: (بُيُوتاً) «٦» على أنه مفعول به، وليست بظرف لاختصاصها بالبيوت.

стр. 464

كال «غرف» في قوله: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً) «١» . فأما قوله: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ) «٢» ، فيجوز في قياس قول أبي الحسن أن يكون قوله «من الجنة» كقولك: نتبوأ الجنة فأما قوله: (حَيْثُ نَشاءُ) فيحتمل أن يكون ظرفاً. فإذا جعلته ظرفاً، كان المفعول الثاني محذوفاً، كأنه: نتبوأ الجنة منازلها حيث نشاء. ويجوز أن يكون «حيث نشاء» في موضع نصب، بأنه المفعول الثاني و «بوأته منزلاً» من قولك: باء فلان منزلاً، أي: لزمه، وتعديه إلى مفعولين، وإن كنا لا نرى ذلك، ولكن يدل على ذلك «المباءة» وقالوا في «المباءة» هي المراح تبيت فيه، ف «المباءة» اسم المكان. فإذا كان اسم المكان: مفعلاً، أو مفعلة، فالفعل منه قد يكون: فعل، يفعل، أو يفعل فكأنه: باء المنزل، وبوأته أنا المنزل. ومن حذف المفعول قوله تعالى: (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا) «٣» أي: فإن أعطوا شيئاً منها رضوا. وعند الأخفش: إن أعطوها رضوا ومن ذلك قوله تعالى: (إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ) «٤» . تقديره: أسكنت ناساً أو جماعة من ذريتي. وعن الأخفش، أسكنت ذريتى.

стр. 465

ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى) «١» أي: أخفى سره، كقوله: (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً) «٢» وقيل: بل تقديره: بل أخفى من السر، فحذف الجار والمجرور، كقوله: الله أكبر، أي: أكبر من كل شيء. ومن حذف المفعول قوله تعالى: (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا) «٣» . وقيل: / التقدير: أتقولون للحق لما جاءكم هذا سحر؟ فحذف الجملة، ثم ابتدأ، فقال: أسحر هذا؟ فحسن الوقف على «جاءكم» . وقيل: هو على التكرير، كقولك: أتقول: أعندك مال؟ فيكون تأكيداً، لأنك لو قلت: أعندك مال؟ لكفى. وقيل: يجوز أن يكون حكاية قولهم على التعجب، فيكون قوله «أسحر هذا» مفعول «أتقولون» حكاية بينهم على التعجب. وزعم الرازي: (لَمَّا جاءَكُمْ) كأنه ذهب إلى قول قاسم: إن التقدير: أتقولون للحق لما جاءكم هذا سحر! فأضمر المفعول، ثم استأنف فقال: (أَسِحْرٌ هذا) «٤» . ومن حذف المفعول، قوله تعالى: (أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) «٥»

стр. 466

التقدير: أو وزنوا لهم ما يوزن يخسرونهم الموزون، فحذف المفعول من «أو وزنوهم» والمفعولين من «يخسرون» . فأما قوله تعالى: (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) «١» ف «من» زيادة عند الأخفش، أي: لننزعن كل شيعة، والفعل معلق عند يونس، نحو: علمت لزيد في الدار، لأن النزع هذا يراد به التمييز. وقال الخليل: هو رفع على الحكاية، على تقدير: من يقال له: أيهم. وقال سيبويه: هو نصب، مفعول «لننزعن» لكنه بني على الضم، على تقدير: أيهم هو أشد. وقد ذكرنا وجه كل قول في الخلاف. وأما قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ) «٢» فيكون على: تبوءوا دار الهجرة واعتقدوا الإيمان، لأن الإيمان ليس بمكان فيتبوأ، فيكون كقوله: (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ) «٣» . ويجوز على: تبوءوا الدار مواضع الإيمان. ويجوز أن يكون: تبوءوا الإيمان، على طريق المثل، كما قال: تبوأ من بني فلان الصميم. وحذف المفعول كثير جداً. وأما قوله تعالى: (لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ) «٤» .

стр. 467

فيجوز أن يكون التقدير: والذين تدعونهم، فحذف العائد إلى «الذين» ، ويعني به الأصنام، والضمير في «تدعون» للمشركين، أي: الأصنام الذين يدعوهم المشركون من دون الله، لا تستجيب لهم الأصنام بشيء. ويجوز أن يكون التقدير: والمشركون الذين يدعون الأصنام، فحذف المفعول، والعائد إلى «الذين» «الواو» في تدعون. [وأما قوله تعالى] «١» (إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ) «٢» [أي] «٣» : إلا كاستجابة باسط كفيه إلى الماء، فالمصدر المحذوف المشبه به في تقدير الإضافة إلى المفعول به، وفاعل المصدر مراد في المعنى، وهو: الماء. المعنى: كاستجابة باسط كفيه إلى الماء الماء، كما أن معنى: (بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ) «٤» ، و (مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ) «٥» ، لم يذكر معهما الفاعل فكذلك هاهنا. و «اللام» متعلق بالبسط. وأما قوله: (وَما هُوَ بِبالِغِهِ) «٦» فيأتيك في اختلافهم في عود الضمير إلى ما قبله، وهو باب مفرد. وأما قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ) «٧» فيجوز فيه التقديران المتقدمان. يجوز: أولئك الذين يدعونهم يبتغون، فحذف العائد. ويجوز أن يكون التقدير: أولئك المشركون الذين يدعون غير الله يبتغون إلى ربهم الوسيلة. وحذف العائد من الصلة إلى الموصول أكثر من أن أحصيه لك في التنزيل.

стр. 468

قال: (أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) «١» أي: بعثه الله، ولم يأت في الصلة «الهاء» فى التنزيل إلا في مواضع معدودة، منها: قوله تعالى: (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ) «٢» وبعده: (يَعْرِفُونَهُ) «٣» في موضعين من البقرة. وقال الله تعالى: (إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ) «٤» . وقال: (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) «٥» في سورة الأنعام. وقال: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ) «٦» . وقال: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا) «٧» . وقال: (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ) «٨» . وقال: (وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) «٩» من ربك وقال: (أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) «١٠» في الأنعام أيضاً. وقال: (وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) «١١» فهذه مواضع، جاء فيها العوائد إلى الموصولات، وهي مفعولات، وأمكن حصرها، ولا يمكن حصر ما حذف لكثرته.

стр. 469

فأمّا إذا اتصل به الجار، فإنه قد جاء محذوفاً في موضعين: أحدهما قوله: (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا) «١» أي: خاضوا فيه. وقال: (ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ) «٢» / التقدير: ذلك الذي يبشر الله به، فحذف «الباء» ثم «الهاء» . ويحكى عن يونس أنه أجرى «الذي» في الآيتين مجرى «ما» ، فجعله في حكم المصدر، على تقدير: وخضتم كخوضهم، و: ذلك تبشير الله عباده. كقوله تعالى: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ) «٣» أي: بصبركم. وقال: (كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا) «٤» أي: نسيانهم. وغير ذلك. وأما قوله: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ) ، «٥» و (يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) «٦» . فقد ذكرنا أن التقدير: بما تؤمر به أي، بما تؤمر بالصدع به. وقد شرحناه في باب حذف المضاف. وقوله تعالى: (بِما عَهِدَ عِنْدَكَ) «٧» أي: بما عهد به عندك، فحذف «به» إن جعلت «ما» موصولة. ومن ذلك قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ) «٨» .

стр. 470

المعنى: لا تغني شفاعتهم أن لو يشفعوا، ليس أن هناك شفاعة مثبتة. فأطلق على المعنى الاسم، وإن لم يحذف، كما قال: لما تذكرت بالديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس «١» والمعنى، انتظار أصواتها. فأوقع عليه الاسم، ولما يكن، فإضافة الشفاعة إليهم كإضافة الصوت إليها. وقوله: (لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) «٢» أي: لمن يشاء شفاعته، على إضافة المصدر إلى المفعول به، الذي هو مشفوع له، ثم حذف المضاف، فصار: لمن يشاؤه، أي: يشاء شفاعته، ثم حذف الهاء «٣» ، كما أن «يرضى» تقديره: يرضاه. ومن ذلك قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) «٤» . «أفرأيتم» بمنزلة «أخبرونى» . و «اللات» المفعول الأول. و «لكم» سد مسد الثاني. والمعنى: أرأيتم أن جعلتم اللات والعزى بناتاً لله ألكم الذكر؟ فإن قلت: فقد نص على أن الموصول لا يحذف، فكيف ساغ هذا؟ قيل: هذا جائز لأن هذا المعنى قد تكرر، وهو معلوم، ودل على حذفه (أَلَكُمُ الذَّكَرُ) «٥» .

стр. 471

ومن ذلك قوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً) «١» أي: جعلها الله لكم قياما، أي: ذا قوام معايشكم ومعايش سفهائكم. فعلى هذا «جعل» بمعنى «صير» ، فحذف المفعول الأول، وهو الهاء، والمفعول الثاني المصدر الذي هو بمعنى: القوام. وقيل: يعني الأموال التي جعلتم قواماً عليها وحفظة لها على السفهاء. فعلى هذا «قياماً» جمع «قائم» . وهو في معنى الحال، والمفعول مضمر، أي: جعلها لكم قياماً على هذا، أي: لسفهائكم، كما أن «أموالكم» في أحد التأويلين: أموال سفهائكم، فحذف، والذكر إلى الموصول كان مجرورا ب «على» ، فحذف كما حذف: كالذي كانوا عليه، أي: جعلكم الله قواما لسفهائكم قياما عليها. قوله تعالى: (وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) «٢» ، «في السماء» أي: في كتاب، لقوله: (وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) «٣» ، و (وَما تُوعَدُونَ) أي: توعدونه من الثواب والعقاب، لأن هذا اللفظ قد وقع عليهما بالثواب قوله: (هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ) و (هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ) «٤» . قوله: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً) «٥» ، «فجر» فعل يتعدى إلى مفعول واحد. قال الله: (وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً) «٦» فالعيون يحتمل انتصابها على وجهين: أحدهما: أن يكون بدلاً من «الأرض» ، على حد: ضرب زيد رأسه، لأن «العيون» بعض «الأرض» .

стр. 472

أو يريد «١» : فجرناها بعيون، فحذف الجار، ولا يكون حالاً، لأنه ينبغي أن يكون ذا الحال، «والعيون» لا تكون كل الأرض. ويجوز أن يقدر: ذات عيون، على حذف المضاف. ومن هذا الباب قوله تعالى: (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) «٢» . أي: يسقون مواشيهم. (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ) «٣» . أي: تذودان مواشيهم. (قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي) «٤» . أي: لا نسقي مواشينا (حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ) «٥» . أي: يصدروا مواشيهم، فيمن ضم الياء. ومن هذا الباب قوله تعالى: (وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) «٦» . «فتنة» مفعول ثان، و «الشّجرة» معطوفة على «الرؤيا» . ومفعولها الثاني مكتفى منه بالمفعول الثاني الذي هو «الفتنة» ، و «الرؤيا» ليلة الإسراء، و «الشجرة» : الزقوم. و «الفتنة» أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة، والنار تأكل الشجرة. ومن ذلك قوله تعالى: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ) «٧» . يحتمل أمرين: أحدهما: يكون: مكاناً فوق الأعناق، فحذف المفعول/ وأقيمت الصفة مقام الموصوف، وفيها ذكر منه. ويجوز أن يجعل المفعول محذوفاً. أي: فاضربوا فوق الأعناق الرؤوس، فحذفت.

стр. 473

والآخر: أن تجعل «فوق» مفعولاً على السعة، لأنه قد جاء اسماً نحو: (وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ) «١» . وقالوا: فوقك رأسك، فتجعل «فوق» على هذا مفعولاً به، ويقوي ذلك عطف البيان عليه، كأنه قال: اضربوا الرأس، واضربوا كل بنان. وقال: (فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) «٢» ، كأن المعنى: ارتفعن على هذه العدة، أي: زدن عليها، وكأن الآية علم منها الزائدات على اثنتين، وعلم حكم الاثنتين، وأنهما ترثان الثلثين، كما ترث الثلثين الزائدات على الاثنتين، من أمر آخر من توقيف وإجماع عنه. وأما قوله تعالى: (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ) «٣» ، يكون «فوق» ظرفاً، ويكون حالاً، فإذا كان ظرفاً كان كقوله: (وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ) «٤» ، ويعلق بالظاهر. ويجوز أن يكون ظرفاً حالاً فيه ذكر مما في اسم الفاعل، ولا يجوز أن يكون فيه ذكر من الألف واللام. ويجوز في (على أمره) أن يكون حالا مما فى «غالب» .

стр. 474

قال سيبويه: وتقول: «أخذتنا بالجود» . قوله: امتنع «فوق» من الحمل على «الباء» وإن كانت «من» تدخل عليها، كما امتنعت «عند» من ذلك، أي: من مع ذلك، ولهذا امتنعت، لا لأن «الجود» ليس فوقه مطر، ألا ترى أن «الوابل» فوق الجود، قال: إن دوموا جادوا وإن جادوا وبل «١» ومعنى هذا الكلام: أخذتنا السماء بالجود من المطر، وبمطر فوق الجود. لأن العرب لا تكاد تدخل «الباء» على «فوق» لا يقولون: أخذتنا بفوق الجود. وإنما يقولون: أخذتنا بمطر فوق الجود، ولو جررت جاز، وليس الاختيار. ومن ذلك قوله تعالى: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) «٢» . أي: كيف تتقون عذاب يوم، أو جزاء يوم، ف «اليوم» على هذا اسم لا ظرف. ومن هذا الباب قوله تعالى: (وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ) «٣» . من أجرى الطعام مجرى الإطعام، كما حكاه البغداديون: عجبت من طعامك طعامنا، كان المصدر مضافاً إلى المفعول/ والفاعل محذوف، أي: من إطعامه المسكين، وأصله: على طعام المطعم المسكين.

стр. 475

ومن لم يعمل «الطعام» عمل الفعل كان «الطعام» عنده عيناً كقوله: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ) «١» تقديره عنده: على إطعام طعام المسكين، لا يكون إلا كذلك، لأن الحض لا يقع على العين، والطعام على هذا منصوب الموضع، بالإطعام المراد، وإضافة الطعام على هذا إلى المسكين، هو للملابسة بينهما. ومن ذلك قوله تعالى: (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ) «٢» . التقدير: ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب بنيه. ومن حذف المفعول قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ) «٣» أي: غير باغ الميتة قصداً إليها، أي: لا يطلبها تلذذاً بها، واقتضاءا لشهوة، ولا يعدو حد ما يسد به رمقه، فحذف المفعولين من «باغ» و «عاد» . والتقدير: فمن اضطر فأكل الميتة غير باغيها ولا طالبها تلذذاً بها فانتصاب قوله «غير باغ» على الحال من الضمير الذي في «أكل» المضمر، لدلالة الكلام عليه. ألا ترى أن المنصوب يقتضي الناصب. وفي الآية إضمار الجملة، وإضمار المفعولين. فإن قلت: فلم لا تجعل «غير باغ» حالاً من الضمير في «اضطر» دون الضمير في «أكل» ؟ فإن الآية سيقت في تحريم أكل الميتة. ألا ترى أن قبل الآية: (إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) «٤» ثم عقب التحريم بقوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ) ، فوجب أن يكون التقدير: فأكل غير باغ بها.

стр. 476

وإذا لم تحمله على «أكل» ، وحملته على «اضطرّ» ، لم يكن لقوله «باغ» مفعول، و «باغ» متعد. ألا ترى قوله: (تَبْغُونَها عِوَجاً) «١» والتقدير: تبغون لها عوجاً. فإن قيل: لا يكون «باغ» هاهنا بمعنى: الطالب، وإنما يكون من قوله: (إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ) «٢» . فيكون التقدير في الآية: فمن اضطر غير باغ على الإمام، ولا عاد على الأمة بقطع الطريق. قلنا: أنك في هذا القول أضمرت الجار والمجرور، ونحن أضمرنا المفعول، وكلاهما وإن جاء في التنزيل، فإضمار المفعول أحسن، لأنه أقرب وأقل إضماراً، على أن الآية في ذكر الميتة، وليس من ذكر الإمام والأمة في شيء. وأبداً إنما يليق الإضمار بما تقدم في/ الكلام حتى يعود إليه، ولا يضمر شيء لم يجر ذكره، والآية متعلقة به، فجميع ما جاء في التنزيل من قوله: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ) «٣» إنما جاء عقيب ذكر الميتة، وتحريم أكلها، ولم يأت في موضع بعد حديث الإمام والأمة، فما بال العدول عن نسق الآية إلى إدخال شيء في الكلام، وإضماره، ولم يجر له ذكر، فانتصاب «غير» إنما هو على الحال من الضمير في «أكل» لا فى «اضطرّ» .

стр. 477

فإن قلت: فهل يجوز حذف الصلة، وإبقاء الموصول، والصلة بعض الموصول، ولا يجوز حذف بعض الاسم، فإذا أضمرتم «أكل» فهو داخل في صلة «من» ، فما وجه ذلك؟ قلنا: إن «من» وصلت بفعلين: أحدهما «اضطر» والآخر «أكل» ، فإذا ذكر «اضطر» وذكر ما انتصب عن فاعل «أكل» كان «أكل» كالمذكور الثابت في اللفظ، إذ المنصوب لا بد له من الناصب. وإذا ذكرت «اضطر» وجعلت «غير باغ» حالاً من الضمير فيه، ثم أضمرت بعده «أكل» كنت أضمرت شيئاً يستغنى عنه في الصلة لأن الموصول قد تم بالفعل وما يقتضيه، ولم تذكر معمولاً يحتاج إلى عامل، وكنت كأنك أضمرت شيئاً فاضلاً. فالأحسن أن تضمر الفعل بجنب الفعل، ويصرف الحال إلى الضمير في الفعل المضمر دون الفعل الظاهر، وإضمار «أكل» على الحد الذي أضمرنا يقتضيه نصب «غير باغ» وتعليق الغفران به. وعلى الحد الذي يقوله السائل، يضمره لتعلق الغفران به، دون تعليق الحال به. وهكذا القول [في] «١» : (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ) «٢» فأكل غير متجانف لإثم.

стр. 478

فانتصاب «غير» إنما هو من فاعل «أكل» وفيه قولان: أحدهما: أن يأكل ما حرم عليه مما قدم ذكره من غير ضرورة. والثاني: ألا يتجاوز في الضرورة ما أمسك الرمق، ولا ينتهي إلى حد الشبع. ويجوز، على القول الأول، أن ينتهي إلى حد الشبع. فإن قيل: إذا كان هذا الأكل مباحاً فلماذا «١» عقبه قوله: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) «٢» ولا معصية هناك؟ فجوابنا: أن المراد به أنه غفور إن وقع في هذه/ الرّخصة ضرب من التجاوز، لأن ذلك مبنىّ على الاجتهاد وأنه رحيم من حيث رخص في ذلك عند الشدة. ومن ذلك قوله تعالى: (وَما أَكَلَ السَّبُعُ) «٣» أي: ما أكله السبع، أي: أكل بعضه، فحذف المضاف المفعول. ومن ذلك قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ) «٤» . أي: والسموات غير السموات. ومثله ما روى من قوله ﵇: «ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده» أي: ولا ذو عهد في عهده بكافر. ونحو ذلك مما يذكر على تكرير المفعول فيه، وحذفه لتقدم ذكره فيما تقدم من الكلام. ومن حذف الفاعل وإضافة المصدر إلى المفعول قوله تعالى: (يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) «٥» أي: كخشيتهم من الله. وقوله: (يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) «٦» .

стр. 479

وأما قوله: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) «١» ، ف «الساعة» مفعول به حقيقة، وليس على الاتساع، وجعل الظرف مفعولاً على السعة. ألا ترى أن الظرف إذا جعل مفعولاً على السعة فمعناه: متسعاً فيه، بمعنى الظرف. وإذا كان كذلك كان المعنى: يعلم الساعة، وليس ذلك بالسهل، لأنه سبحانه يعلم على كل حال، وإنما معنى «يعلم الساعة» أي: يعرفها وهي حق، وليس أمرها على ما أنتم عليه من إنكارها، من قوله: (لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) «٢» . وإذا كان كذلك فمن نصب «وقيله» «٣» كان حملاً له على المعنى، وموضع «الساعة» منصوب في المعنى، لأنه مفعول بها. وقيل: إن «قيله» منتصب بالعطف على قوله: (لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ) «٤» ، «وقيله» . قال أبو علي: ووجه الجر في قوله «وقيله» على قوله: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) «٥» أي: يعلم الساعة، ويصدق بها، ويعلم قيله «٦» . ومعنى يعلم «قيله» أي: يعلم أن الدعاء مندوب إليه، نحو قوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) «٧» . و (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً) «٨» .

стр. 480

قلت: في قول أبي علي هذا فيه نظر، لأن الضمير في قوله: (وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) «١» يعود إلى الله سبحانه، هو العالم بوقت حلولها. وإنما التقدير: وعنده علم وقت الساعة، ولا يتوجه على هذا عطف «وقيله» على موضع «الساعة» / على معنى ما قال أبو علي «ويعلم قيله» . أي: يعلم أن الدعاء مندوب إليه، لأن هذا مما الأشبه به أن يكون من صفة الرسول، وبعد أن يعلم أن المصدر، الذي هو «قيل» ، مضاف إلى «الهاء» ، وهي مفعولة في المعنى لا فاعلة، أي، وعنده علم أن يقال: (يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ) «٢» والمصدر هنا مضاف إلى المفعول لا إلى الفاعل. وإنما هو من باب قوله: (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ) «٣» أي: بسؤاله إياك نعجتك، لا بد من هذا التقدير. ألا ترى أنه لا يجوز أن نقدره على أنه: وعنده علم أن يقول الله: (يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ) «٤» لأن هذا إنما يقال لله تعالى دون أن يكون هو سبحانه يقول: «يا رب إن هؤلاء» كذا، فتم الكلام على «يؤمنون» . وأحسن من جميع ما ذكره أبو علي: أن يكون نصب «قيل» ، بالعطف على مفعول «يعلمون» . والتقدير: وهم يعلمون الحق، «وقيله» أي قول الحق، أو قول محمد ﵇، والمراد ب «قيله» : شكواه إلى ربه. ويجوز أن يكون ينتصب «قيله» بفعل مضمر، أي: قال قيله وشكواه.

стр. 481

ومن ذلك قوله تعالى: (وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى) «١» . أي: أخذ ربك القرى، إذا أخذ القرى، إن أخذه القرى أليم شديد، فحذف المفعولين في الموضعين. ومن ذلك قوله تعالى: (إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ) «٢» ، إذا جعلته من «الإحباب» الذي هو إرادة، فإن الحب في القياس كان ينبغي أن يكون الإحباب، ولكن المصدر حذف منه، كما حذف من: عمرك الله، وكما حذف في قوله: ... وإن يهلك فذلك كان قدري أي: بقدري. وكما قال: أبغضت قوماً، يريد: قياماً. وأضاف المصدر إلى المفعول، وإن كان محذوفاً، كما نصب الاسم في «عمرك الله» وأضافه إلى المفعول، وإن كان محذوفاً منه، وكما قال: وبعد عطائك المائة الرتاعا «٣» أي: «إعطائك» ، واستغنى بإضافة المصدر إلى المفعول عن إعمال الفعل الذي هو «أحببت فيه» . لأن المفعول قد يحذف من الكلام، إذا قامت عليه دلالة في مواضع، ومن حمل «أحببت» على البروك، من قوله: بعير السّوء إذ أحبا «٤» فإن «حب الخير» ينبغي أن ينتصب على أنه مفعول له.

стр. 482

قوله تعالى/: (فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً) «١» . فانتصاب «مكان» على أحد أمرين: إما أن تنصبه «بموعد» على: موعد مكاناً. أي: تعدنا مكاناً، مثل: مغار ابن همام على حي خثعما «٢» والآخر: أن يكون مفعولا ثانيا ل «جعلت» ، على أن يكون على الكلام قبل دخول «جعل» : موعدك مكاناً سوى، كما تقول: موعدك باب الأمير، وكما قرئ: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) «٣» ، فيجعل «الموعد» الباب، و «اليوم» المكان على الاتساع، وتدخل «جعلت» عليه كما دخلت في قوله تعالى: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً) «٤» . وأن تحمله على» جعلت «أوجه، لأن «الموعد» قد وصف، وإذا وصف لم يسغ أن يعمل عمل الفعل. ألا ترى أنه لم يستحسن: هذا ضارب ظريف زيداً، ولا يكون (مَكاناً سُوىً) محمولاً «٥» على «نخلفه» لأنه ليس المعنى: لا نخلف الموعد في مكان عدل ووسط بيننا وبينكم، إنما المعنى: تواعدوا مكانا وسطا بيننا لنحضره جميعا.

стр. 483

ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ) «١» ، العامل في «اللام» المصدر الذي هو «العلم» ، ونحمله على ضربين: أحدهما: أن يكون مفعولاً له. والآخر: أن يكون مثل: (رَدِفَ لَكُمْ) » . والمعنى أنه يعلم ما علمناه، أي: لم ينسه، ولكن تمسك به فلم يضيعه. وقال: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) «٣» ، لا يجوز أن يكون «ما» نفياً. ألا ترى أن من نابذهم أصحاب الكهف وخرجوا عنهم كانوا كفاراً فإذا حملت «ما» على النفي كان عكس المعنى، فإذا لم يجز أن يكون «ما» نفياً مع القراءة بالياء، احتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى «الذي» ، كأنه: وإذ اعتزلتموهم والذين يعبدونه من دون الله، وذلك آلهة كانوا اتخذوها. يدلك على ذلك قوله: (هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً) «٤» . ويقوي ذلك قوله تعالى: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) «٥» في قصة إبراهيم، وكانوا قد اتخذوا أيضاً آلهة. ويجوز أن تكون «ما» مصدرية/ على تقدير: وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله، فيكون الاستثناء منقطعا والمضاف محذوفا، و «ما» منصوب المحل بالعطف على المفعول.

стр. 484

ومن حذف المفعول قوله تعالى: (فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ) «١» . أي: فلما آتاهم ما تمنوا. ومثله: (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) «٢» أي: لمن نريد تعجيله له، و «الهاء» في «تعجيله» يعود إلى «ما نشاء» ، والتي في «له» تعود إلى الموصول. وليس هذا على حد: الذي مررت زيد، وأنت تريد: الذي مررت به، فيمكن أن يكون على حد: من تنزل عليه أنزل. ألا ترى أن «اللام» الجارة والتعجيل قد جرى ذكرهما، وما حذف على هذا النحو كان في حكم المثبت، فأما اللام في «لمن نريد» فيحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون المعنى: هذا التعجيل «لمن نريد» ليس لكل أحد، كقوله تعالى: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى) . «٣» أي: هذه التوسعة لمن اتقى ما أمر أن يتقيه. والآخر: أن يكون بدلاً من «اللام» الأولى التي في قوله: (عَجَّلْنا لَهُ) «٤» ، كأنه: عجلنا لمن نريد ما نشاء، فيكون «ما نشاء» منتصبا ب «عجّلنا» . ومن حذف المفعول قوله تعالى: (وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ) . «٥» أي: ووهبنا لهم من ذرياتهم فرقاً مهتدين، لأن الاجتباء يقع على من كان مهتديا.

стр. 485

وأما قوله تعالى: (وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) «١» الضمير الذي بعد الضمير المرفوع في «كالوا» منصوب، وليس بمرفوع على أن يكون وصفاً للمضمر، لأن المعنى ليس عليه. وذلك أن المراد: أنهم إذا قبضوا من الناس استوفوا منهم المكيال، وإذا دفعوا إليهم بخسوهم، فمن هنا استحقوا الوعيد في التطفيف، وإنما هو على: «كلتك» و «وزنتك» . فالمعنى: إذا قبضوا من الناس استوفوا، وإذا أقبضوا الناس لم يوفوهم، فهذا موضع ذمهم، والمكان الذي استحقوا منه الوعيد. والتقدير: وإذا كالوا الناس أو وزنوهم، أخسروهم مكيلهم وموزونهم فيخسرون، يراد تعديته إلى مفعولين/، وحذف المفعولين، يدلك على ذلك، أن «خسر» يتعدى إلى مفعول، بدلالة قوله تعالى: (خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ) «٢» فإذا نقلته بالهمزة تعدى إلى مفعولين، تقول: أخسرت زيداً ماله، فتعديه إلى مفعولين، وهو من باب «أعطيت» ، فكذلك أريد المفعولان في قوله: (يُخْسِرُونَ) ، فحذف المفعولان، كما حذف فيما يتعدى إلى مفعولين، الثاني منه هو الأول في المعنى، كقوله: (كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) «٣» وقوله: (فَهُوَ يَرى) «٤» .

стр. 486

ومن حذف المفعول قوله: (بِما حَفِظَ اللَّهُ) «١» . أي: بما حفظهن الله. وقد قرئ بالنصب. قال الفراء: وتقدير هذا: بالذي حفظ أمر الله، نحو قوله: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى) «٢» . وقوله: (مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ) «٣» . ولست أشتهي النصب، لأنه مصدر، وليس يقصد شيئاً، فأما إذا كان مصدراً، خلا الفعل من الفاعل، لأنه حرف عندهم ذهبو فيه إلى قول سيبويه، ولكن إذا نصب جعل «ما» بمنزلة «الذي» . قوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) «٤» . استدل مستدل على أن الحركات «ترى» لأنه لم يتعد «رأيت» إلا إلى مفعول واحد. فلولا أن معناها الرؤية، التي هي حس البصر، لتعدى إلى مفعول ثان. فالقول عندنا: إن الذي ذهب إليه في ذلك ليس له دلالة فيه، على ما ذكر، لغير شيء: أحدها: أن (سيرى) من قوله: (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) «٥» لا يراد به الحس، لأن من أعمالهم ما لا يحس بالأبصار، نحو الآراء والاعتقادات.

стр. 487

ولأن المعنى في (فَسَيَرَى اللَّهُ) أنهم يجازون على أعمالهم جزاء هو ثواب أو عقاب، كما يعرف عريف الجيش من هو عليهم بحلاهم وصفاتهم. وعلى هذا تقول لمن توعد: قد علمت ما صنعت، لا تريد أن تفيده أنك فهمته، ولكن توعده وتهدده بالجزاء عليه. وكذلك قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) «١» أي: يرى الجزاء عليه، / وليس يراد به الرؤية التي هي إدراك البصر ألا ترى أن في الجزاء وفي الثواب أو العقاب ما لا يعلم بإدراك البصر. ومثله قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ) «٢» أي: يجازيهم عليه. وكذلك قراءة من قرأ: (فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ) «٣» . أي: جازى على بعض، وهو إفشاء السر، الذي كان أسره- ﵇ إلى بعض أزواجه، وأعرض عن بعض ما أغضى عنه، ولم يخبر به. وليس المعنى على أنه عرف ذلك عرفاناً، ألا ترى أنه- ﵇ عرف جميع ما أسره، ولا يجوز أن يكون عرف بعضاً، ولم يعرف بعضاً. فكما أن هذه الآي على الجزاء، فكذلك (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) «٤» .

стр. 488

وجزاء الرسول هو دعاؤه لهم أو عليهم، وتزكيته إياهم بذلك أو لعنه لهم، وجزاء المسلمين هو الولاية أو البراءة. ومن ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا جاوَزا) «١» أي: مكان الحوت فحذف المفعول. قوله: (فَأَتْبَعَ سَبَباً) «٢» (ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً) «٣» ، فالقول في ذلك أن «تبع» فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقلته بالهمزة تعدى إلى مفعولين. يدلك على ذلك قوله تعالى: (وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً) «٤» ، وفي أخرى: (وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً) . «٥» لما بني الفعل للمفعول، قام أحد المفعولين مقام الفاعل. فأما «أتبع» ، ف «افتعل» يتعدى إلى مفعول واحد، كما تعدى «فعل» إليه، مثل: شويته واشتويته، وحفرته واحتفرته، وجرحته واجترحته. وفي التنزيل: (اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ) «٦» . وفيه: (وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ) «٧» .

стр. 489

وكذلك: فديته وافتديته، وهذا كثير. وأما قوله تعالى: (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) «١» فتقديره: فأتبعوهم جنودهم، فحذف أحد المفعولين، كما حذف من قوله: (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) «٢» ، ومن قوله: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا) «٣» . المعنى: لا يفقهون أحداً، ولينذر الناس بأساً شديداً. (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ) «٤» أي: عذابه أو حسابه. فقوله: (فَأَتْبَعَ سَبَباً) «٥» إنما هو افتعل/ الذي للمطاوعة فيعدى إلى مفعول واحد، كقوله: (وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ) » (وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) «٧» . وأما قوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً) «٨» . فتقديره: أتبعهم فرعون طلبته إياهم، أو تتبعه لهم. كذلك (فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ) «٩» . المعنى: أتبعه شهاب مبين الإحراق، أو المنع من استراق السمع. وقوله تعالى: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا) «١٠» . مطاوع «تبع» يتعدى إلى مفعول

стр. 490

واحد ومثله. (وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ) «١» . ومن قرأ (فَأَتْبَعَ سَبَباً) «٢» أي: أتبع سبباً سبباً، أو: أتبع أمره سبباً، أو أتبع ما هو عليه سبباً. وقوله: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ) «٣» فقد يكون «الباء» زيادة، أي: أتبعهم جنوده، وقد يكون «الباء» للحال، أي: أتبعهم عقوبته، ومعه جنوده. قوله: (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ) «٤» ، «هدى» فعل يتعدى إلى مفعولين، يتعدى إلى الثاني منهما بأحد حرفي الجر: إلى، واللام. فمن تعدّيه ب «إلى» قوله: (فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ) «٥» ، (وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ) «٦» . ومن تعدّيه ب «اللام» قوله تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا) «٧» . وقوله: (قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ) «٨» .

стр. 491

فهذا الفعل بتعديه مرة باللام، وأخرى بإلى، مثل: (أَوْحى) في قوله: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) «١» ، وقوله: (بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها) «٢» . وقد يحذف الحرف في قولك من قولهم: هديته لكذا وإلى كذا، فيصل الفعل إلى المفعول الثاني، كما قال: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) «٣» أي دلنا عليه، واسلك بنا فيه، فكأنه سؤال واستنجاز لما وعدوا به. وقوله: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ) «٤» أي: سبل دار السلام، بدلالة قوله: (لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) «٥» . ومن ذلك قوله: (ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا) «٦» أي: ثم ائتوني صفاً، إن جعلت «صفاً» حالاً أضمرت المفعول، ويجوز أن تجعل «الصف» مفعولاً به. ومن ذلك قوله تعالى: (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ) «٧» ، أي: إما أن تلقي العصا، وإما أن نكون أول من ألقى ما معه. قال: (بَلْ أَلْقُوا) . «٨» أي: ألقوا ما معكم.

стр. 492

ومثل هذا كثير يتسع على العاد الخرق اتساعه على الراقع. / ومن ذلك قوله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) «١» . قال كعب: ألف قصر في الجنة، كل قصر مخلوق من در واحد. «فترضى» أفترضى بالعطاء عن المعطي؟ قال: بلى «٢» (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى) «٣» أي: فآواك. (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) «٤» عن الطريق (فَهَدى) «٥» أي: فهداك، (وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى) أ «٦» أي: فأغناك، كما قال: (أَغْنى وَأَقْنى) «٧» ، و (أَضْحَكَ وَأَبْكى) «٨» ، و (أَماتَ وَأَحْيا) «٩» . فحذف المفعول فيهن كلهن. (لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ) «١٠» أي: تعبدونه، (وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ) «١١» أي: ما أعبده، وكذلك: (ما عَبَدْتُّمْ) «١٢» أي: ما عبدتموه. (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) «١٣» أي: فسبحه. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً) ١» . التقدير: وألقيناه على كرسيه جسداً، ذا جسد. أي: مريضاً، فقوله: «جسداً» ، في موضع الحال، والمفعول محذوف. وقال قوم بخلاف هذا، وجعلوا «جسداً» مفعولاً به، وإنه ما أقعد مكانه جسد آخر، في قصة يذكرونها طويلة.

стр. 493

ومن ذلك قوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) «١» ، أي: أوتيت من كل شيء شيئاً. وعليه قوله: (فَغَشَّاها ما غَشَّى) «٢» . أي: ما غشاها إياه، فحذف المفعولين جميعاً. ومن ذلك قوله تعالى: (وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ) «٣» ، ف «جعل» هنا من أخوات «ظننت» ، وقد قالوا: زيداً ظننته منطلقاً، فلما أضمرت الفعل، فسرته بقولك «ظننته» ، وحذفت المفعول الثاني من الفعل الأول المقدر، اكتفاء بالمفعول الثاني الظاهر في الفعل الآخر، وكذلك بقية أخوات «ظننت» . ومن ذلك قوله تعالى: (وَدَعْ أَذاهُمْ) «٤» ، والتقدير: دع الخوف من أذاهم. فحذف المفعول والجار، كقوله: (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً) «٥» . ومن ذلك قوله تعالى: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا) «٦» . قيل: التقدير: آتنا ما نريد في الدنيا، فحذف المفعول الثاني. وقيل: «في» زائدة، أي: أتنا الدنيا. ومن ذلك قوله تعالى: (إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ) «٧» . يجوز أن يكون المراد بالبلاغ، ما بلغ النبي- صلى الله عليه وعلى آله- عن الله وآتاه.

стр. 494

والمعنى: لا يجيرني إلا أن أعمل بما آتاني. وهو قوله: (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ/ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها) «١» . ويجوز أن يكون المراد بالبلاغ ما يبلغ به عن الله إلى خلقه، كما قال: (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) «٢» ، أي: أن تبلغ ما أمرت في أداء الرسالة. فعلى الأول: يكون «ورسالاته» جراً عطفاً على لفظة «الله» . وعلى الثاني: يكون نصباً عطفاً على المفعول المحذوف، الذي يقتضيه «بلاغ» ، فكأنه قال: إلا أن أبلغ من الله ما يحب هو أن يعرف، وتعتقد صفاته. فأما قوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) «٣» . أي: يفعلون ويعملون بالطاعة لأجل طهارة النفس عن المعاصي، كقوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) «٤» و (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) «٥» . ومن حذف المفعول قوله: (عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ) «٦» ، أي: على أن يبدلكم بأمثالكم، و (عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ) «٧» ، التقدير: على أن نبدلهم بخير منهم، كقوله: (لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ) «٨» . وأما قوله: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا) «٩» . فالتقدير: تذكروا اسم الله، فحذف.

стр. 495

وقال: (لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) «١» أي: نعم الله ويفكر ليدرك العلم بقدرته، ويستدل على توحيده. وتخفيف حمزة، على: أنه يذكر ما نسيه في أحد هذين الوقتين في الوقت الآخر. ويجوز أن يكون: على أن يذكر تنزيه الله وتسبيحه. وأما قوله تعالى: (فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) «٢» . فروي عن الحسن: (كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ) «٣» قال: القرآن. وأما قوله: (فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ) «٤» فتقديره: إن ذلك ميسّر له. كما قال: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) «٥» . أي: لأن يحفظ ويدرس، فيؤمن عليه التحريف والتبديل، الذي جاز على غيره من الكتب. لتيسيره للحفظ، وكثرة الدرس له، وخروجه بذلك عن الحد الذي يجوز معه كذلك له، والتغيير أي: من شاء الله ذكره، أي ذكر القرآن. وقال الله تعالى: (فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً) «٦» أي: خاف ظهور الجنف. وقال: (وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ) «٧» . أي: وما أكل السبع بعضه، فحذف. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ) «٨» . أي: / أرسلنا رسلا.
следующие страницы →