واعتبر قوله: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ) «١» .
وقال أبو زيد: «البصيرة» هو الشاهد، وليس في قوله دلالة على أحد الوجهين المتقدمين.
قلت: هو رفع بالظرف، لأن الظرف خبر المبتدأ، وليس فيه خلاف.
قال «٢» سيبويه: «واعلم أنك إذا نصبته في هذا الباب فقلت: مررت برجل معه صقر صائداً به غداً فالنصب على حاله، لأن هذا ليس بابتداء» .
يعنى «معه صقر» ، لأن «معه» عنده هنا صفة، وهو يرفع هنا بالظرف، ويمتنع منه في غير هذا الموضع وإنما رفع هنا بالظرف، لأنه لا سبيل إلى التقديم، كما رفع في قولك: في الدار إنك منطلق، بالظرف.
وقوله «٣» «ولا يشبه: فيها عبد الله قائم غداي-، يعنى أن «معه» لا يشبه «فيها» ، و «صقر» لا يشبه «عبد الله» ، و «صائدا به غداً» لا يشبه «قائم غداً» - «لأن الظروف تلغى حتى يكون المتكلم كأنه لم يذكرها في هذا الموضع» - يعني في قوله: «فيها عبد الله قائم غدا» .
стр. 527
وقوله: «١» : «فإذا صار الاسم مجروراً» - يعني «برجل» ، يعني بقوله:
مررت برجل- أو عاملاً «فيه فعل» نحو قوله: مررت برجل معه صقر.
وقوله «٢» «أو مبتدأ» ، يعني مثل قولك: هذا رجل معه صقر.
فقال في الجميع: إذا صار الاسم كذا لم تلفه «٣» - يعني الظرف.
وقوله «٤» : «وفي الظروف، إذا قلت: فيها أخواك قائمان، رفعه الابتداء» .
هذا كلام فا «٥» . وقد ناقض في قوله: (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ) «٦» ، وقوله: (هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ) «٧» ، وقوله: (بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها) «٨» ، وقوله: (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ)
«٩» ، وقوله: (حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ) «١٠» ، وزعم أنه على الخلاف.
ومن ذلك قوله تعالى: (حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ) «١١» ، / فيمن قرأ «علي» بتشديد الياء يرتفع «أن» الظرف على المذهبين، كقوله تعالى:
(وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً) «١٢» .
стр. 528
الباب الثاني والعشرون
هذا باب ما جاء في التنزيل من «هو» و «أنت» فصلا، ويسميه الكوفيون ب «العماد» وذلك يجئ بين المبتدأ والخبر، وبين اسم كان وخبره، وبين اسم، «إن» وخبره، وبين مفعولي «ظننت» وبابه، وهو كثير في التنزيل.
فمن ذلك قوله تعالى: (وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) «١» ، ف «أولئك» مبتدأ و «المفلحون» خبر، و «هم» فصل. والكوفيون يقولون: عماد.
ويجوز أن يكون «هم» ابتداء ثانيا، و «المفلحون» خبر، والجملة خبر «أولئك» .
ومن ذلك: قوله تعالى: (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) «٢» ، فالكاف نصب اسم «إن» و «أنت» مبتدأ. وما بعده خبر. والجملة خبر «إن» .
ويجوز أن يكون «أنت» فصلاً في الكلام، والخبر «العليم» .
ويجوز أن يكون «أنت» نصباً صفة للكاف «٣» ، وإن كان ضميرا مرفوعا.
стр. 529
قال «١» سيبويه:
لو قلت: مررت بأنت، أو بإياك؟ لم يجز، لأن هذه علامات المنصوب والمرفوع.
إن قال قائل: إذا جاز: مررت بك أنت. ورأيتك أنت، ونحوه وفي التنزيل: (إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) «٢» ، فجاز أن يتبع هذه العلامات التي تختص بالرفع المجرور، كما فعل ذلك في قولك: مررت بك أنت، و: رأيتك أنت، ونحو ذلك.
فلم لا يجوز: مررت بأنت. ورأيت أنت؟ فالقول في ذلك: أنه يجوز في التابع ما لا يجوز في المتبوع، نحو: يا زيد والحارث. و: رب رجل وأخيه.
و: مررت بهم أجمعين. و: يا زيد الطويل، والطويل. وقوله:
فعلفتها تبناً وماءً بارداً «٣»
ومن ثم كان الصفة عند أبي الحسن معمول التبعية، وهذا كثير جداً.
ومثله قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) «٤» . و (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ) «٥» .
و (لا إِلهَ إِلَّا أَنَا) «٦» . في «أنا» الأوجه الثلاثة، وكذلك: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ) «٧» ، ويجوز فيه الصفة، والفصل دون الابتداء، لانتصاب قوله: «أقلّ» .
стр. 530
وقال الله تعالى: (إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) «١» . «هو» على الفصل والوصف.
وقال: (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) «٢» .
وقال: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) «٣» . ف «الذي أنزل» بصلته. المفعول الأول، و «الحق» هو المفعول الثاني، و «هو» فصل لا غير، كقوله: (هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) «٤» .
وقال: (وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ) «٥» ف «هم» فصل.
وقال: (وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً) «٦» ف «هو» فصل، أو وصف للهاء في «تجدوه» .
وقال الله تعالى: (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) «٧» ، وقال: (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ) «٨» فأدخل اللام على الفصل.
وكذلك قوله: (وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ) «٩» فيمن جعل اللام لام الابتداء في قوله: «لهم المنصورون» وارتفع «هم» بالابتداء.
وقوله: «كأنهم» مع اسمه وخبره خبر «هم» ، وكأن الوقف على قوله:
«ولا تستعجل» . ومن جعل اللام جارة من صلة «تستعجل» ، وقف [على] «١٠» «من نهار» .
стр. 531
والفصل يفارق حكمه حكم ما كان صفة للأول، ويفارق أيضاً حكم ما كان مبتدأ وخبراً في موضع خبر الأول.
فأما مفارقته للصفة، فإن الصفة إذا كانت ضميراً، لم يجز أن يوصف به غير المضمر.
تقول: قمت أنت، ورأيتك أنت، ومررت بك أنت ولا يكون صفة للظاهر، لا تقول: قام زيد هو، ولا: قام الزيدان هما.
وليس الفصل كذلك، لأنه يدخل بعد الظاهر، ومفارقة البدل له أنك إذا أردت البدل قلت: ظننتك أنت خيراً من زيد وظننته هو خيراً منه ومما يفصل بين الفصل والصفة والبدل: أن الفصل يدخل عليه اللام، ولا يدخل على الصفة والبدل، كما تقول في الفصل: إن كان كذلك لهو الظريف.
وفي التنزيل: (إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ) «١» ، «وإن كنا لنحن الصالحين» .
فنصب: «الظريف» ، و «الغالبين» ، و «الصالحين» .
وقال الله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) «٢» ، (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) «٣» .
стр. 532
ولا يجوز أن تقول: إن كنا لنحن الصالحين، في الصفة والبدل، لأن اللام تفصل بين الصفة والموصوف، والبدل والمبدل منه.
وأما مفارقته لما كان مبتدأ وخبراً فإن الفصل لا يغير الإعراب عما كان قبل دخوله والمبتدأ يغير، تقول إذا أردت الفصل: كان زيداً هو خيراً منك.
/ وإذا جعلت «هو» مبتدأ قلت: كان زيدا هو خير منك. وليس للفصل موضع من الإعراب.
واعلم أنه لا يقع الفصل إلا بين معرفتين، أو بين معرفة وما قارب منها.
ولا يقع بين نكرتين، ولا بين معرفة ونكرة.
فقوله: (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً) «١» «خيراً» مقارب للمعرفة لأن «خيراً» «أفعل» ، و «أفعل» يستعمل معها «من كذا» ظاهراً أو مضمراً، فيخصصه ويوضحه.
وأما قوله تعالى: (هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) «٢» ، ف «هؤلاء» مبتدأ، و «بناتي» عطف بيان، و «هنّ» فصل، و «أطهر لكم» خبر، و «هؤلاء بناتي» معرفتان جميعا، و «أطهر لكم» منزلته منزلة المعرفة في باب الفصل لأنه من باب: زيد هو خير منك.
стр. 533
وقرأ محمد بن مروان من أهل المدينة: «أطهر» بالنصب. وقد روي عن عيسى بن عمر بأسانيد جياد مختلفة أنه قرأها: «هن أطهر لكم» بالنصب.
فقال: احتبى في لحنه.
وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ: «هن أطهر لكم» بالنصب.
ومعنى قول أبي عمر «١» : «احتبى في لحنه» : كقولك: اشتمل بالخطأ، وتمكن في الخطأ ونحو هذا مما يوجب تثبيت الخطأ عليه، وإحاطته به.
قال أبو عثمان: وجه النصب في «أطهر لكم» : أن تجعل «هنّ» أحد جزءى الجملة، وتجعله خبر «بناتي» كقولك: زيد أخوك هو.
وتجعل «أطهر» حالاً من «هن» أو من «بناتي» والعامل فيه معنى الإشارة كقولك: هذا زيد هو قائماً، أو جالساً، أو نحو ذلك.
وإنما لحن من لحن لأنه لم ير قوله «هن» تمام الكلام، وإنما رأى قوله «هن» فصلاً، ورأى «أطهر» الخبر. فلم ير ذلك ... «٢» تم به الكلام.
ومن طريف ما ذكرنا:
أن «٣» سيبويه قال: وأما أهل المدينة فينزلون «هو» هاهنا منزلة قوله:
ما أظن أحداً هو خيراً منك، ويجعلونها فصلا في هذا الموضع.
стр. 534
وزعم يونس: أن أبا عمرو رواه لحناً وقال: احتبى ابن مروان في ذه «١» ، في اللحن.
وذلك أنه كان يقرأ: (هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) .
وكان الخليل يقول: والله [إنه ل] عظيم جعلهم «هو» فصلاً في المعرفة، وتصييرهم إياها بمنزلة «ما» إذا كانت «ما» لغواً لأن «هو» بمنزلة/ «أبوه» ، ولكنهم جعلوها في ذلك الموضع لغواً [كما جعلوا «ما» في بعض المواضع بمنزلة «ليس» ، وإنما قياسها أن تكون بمنزلة «كأنما» و «إنما» .
ومما يقوي ترك ذلك في النكرة: أنه لا يستقيم أن تقول: رجل خير منك، ولا أظن رجلاً خيراً منك، حتى تنفي وتجعله بمنزلة «أحد» فلما خالف المعرفة في الواجب الذي هو بمنزلة الابتداء، وفي الابتداء لم يجر في النكرة مجراه، لأنه قبيح في الابتداء، وفيما أجري مجراه من الواجب، فهذا مما يقوي ترك الفصل] «٢» .
وهذه الآية ما وقع «هن» فيها بين نكرتين وليس بحجة لأهل المدينة ولكنه وقع في «الكتاب هاهنا موقعه في باب آخر، وقد بينا هذا.
وأما قوله تعالى: (وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً) «٣» يرتفع «مولود» بالعطف على «والد» لإعادة العاطف مؤكدا.
стр. 535
ولأن كونه مبتدأ، ممتنع لتنكيره، فيستدعي التخصيص بالوصف، ولو كانت الجملة وصفاً، احتاج إلى الخبر، ولا خبر هنا، وهو تأكيد لما فى «مولود» أو مبتدأ، و «جاز» خبره، والجملة وصف له، ولا يكون «هو» فصلاً لأن ما هو بينهما نكرتان.
وأما قوله تعالى: (وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ) «١» فإن «هو» فصل، و «يبور» خبر المبتدأ الذي هو «مكر أولئك» ، و «أولئك» جر بالإضافة.
قال أبو عثمان: زيد هو يقول ذاك، «هو» فصل، ولا أجيز: زيد هو قال ذاك لأنى أجيز الفصل بين الأسماء والأفعال «٢» .
ولا يجوز في الماضية، كما جاز في المضارعة وذلك أن سيبويه قد قال: إني لأمر بالرجل خير منك وبالرجل يكرمني وهما صفة، على توهم الألف واللام، فكذلك في الفصل أتوهم الألف واللام في الفعل، ويكون بمنزلة الغاية بين المعرفتين.
كما أقول: «كان زيد هو خيرا منك» على توهم الألف واللام في «خير منك» .
ولا يجوز: كان زيد هو منطلقاً. لأني أقدر على الألف واللام، وإنما يجوز هذا فيما لا يقدر فيه على الألف واللام.
стр. 536
وأما قوله تعالى: (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) «١» ، فموضع «أربى» رفع لأن قوله «أمة» اسم «تكون» وهي ابتداء، و «أربى» خبره، والجملة خبر «كان» ، ولا يجوز أن تكون «هي» هاهنا فاصلة لأن أمة» نكرة، و «أربى» وإن قاربت المعرفة فيستدعي كون معرفة قبلها.
وأما قوله: (قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ) «٢» ، فقوله «جزاؤه» مبتدأ. وقوله «من وجد» خبر المبتدأ، والتقدير:
أخذ من وجد، أي: أخذ الإنسان الذي وجد الصاع في رحله والمضاف محذوف، وفي «وجد» ضمير «الصاع» العائد إلى «من» ، الضمير المجرور بالإضافة، «فهو جزاؤه» ذكرت هذه الجملة تأكيداً للأول، أي أخذه جزاؤه، و «من» بمعنى الذي/ على هذا، وإن جعلت «من» شرطا، و «وجد في رحله» في موضع الجزم، والفاء في قوله «فهو جزاؤه» جواب الشرط، والشرط والجزاء خبر المبتدأ، جاد وجاز.
وكان «٣» التقدير: جزاؤه إن وجد الصاع في رحل إنسان فهو هو، لكنه وضع من الجملة إلى المبتدأ عائد، لأنه إذا كان «من» شرطاً، أو بمعنى «الذي» ، كان ابتداء ثانياً، ويكون الفاء مع ما بعده خبراً، وتكون الجملة خبر المبتدأ، والعائد هو الذي وضع الظاهر موضعه.
стр. 537
ويجوز أن يكون «جزاؤه» خبرا، و «هو» فصل.
وأما قوله: (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ) «١» لا يجوز الفصل هنا.
فإذا لم يجز الفصل كان «هم» الثانية: إما صفة، وإما ابتداء، وجازت الصفة، لأن الأول مضمر، فيجوز أن يكون المضمر وصفاً له.
ونراها أشبه لأنك إذا جعلته ابتداء، فصلت بين اسم الفاعل وما يتصل به بمبتدأ، وهما أذهب في باب كونها أجنبيات من الصفة لأن الصفة متعلق بالأول، والمبتدأ أجنبي من اسم الفاعل.
وأما قوله: (وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) «٢» . يحتمل «هم» ثلاثة أضرب:
أحدها- أن يكون مرتفعاً بمضمر دل عليه «ينتصرون» لأن هذا الموضع فعل.
ألا ترى أن جواب «إذا» حقه أن يكون فعلاً فإن أظهرت ذلك الفعل كان «ينتصرون» لأن الضمير حقه أن يتعلق بالفعل، كما يكون «أنت» ، فانظر في بيت عدى «٣» .
стр. 538
ومن أجاز إضمار الفاء واستدل بقوله: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) «١» جاز أن يرتفع «هم» على قوله بالابتداء، والتقدير: فهم ينتصرون، إلا أنه حذف الفاء «٢» .
وهو على تقدير العربية أن يكون صفة «٣» للضمير المنصوب في «أصابهم» ، وليس بالقوي في المعنى «٤» .
ألا ترى أن البغي إذا أصابهم هم، أو أصاب أصحابهم، وجب عليهم الانتصار لهم، كما يجب انتصارهم لأنفسهم.
وإنما قلنا قياس قول سيبويه رفع قوله «هم» بمضمر، لأنه قد قال في قوله «إن يأتني زيد يضرب» : إنه يرتفع بفعل مضمر يفسره «يضرب» ، ولا فصل بين «إذا» و «إن» .
ووصل «الذين» ب «إذا» يدل على صحة ما ذهب إليه من قوله: أزيد إذا أتاك يضرب إذا جعلته جوابا ولم تقدر به التقديم- وإن ذلك كان إذا كانت خبر مبتدأ/ مضمر يفسره «يضرب» ، ولا فصل بين «إذا» و «إن» ، ووصل «الذين» ب «إذا» يدل على صحة ما ذهب إليه من قوله:
أزيد إذا أتاك يضرب- إذا جعلته جوابا ولم تقدر به التقديم، وإن ذلك كان إذا كانت خبر مبتدأ مضمر أو صلة تشبّه ب «إن» ، كما شبهت «إذا» أيضاً بها في قول من جازى بها في الشعر.
ولا يجوز ذلك في «حين» ، ولا في غير الأسماء التي تتضمن معنى الشرط والجزاء.
стр. 539
ولا يحمل «إذن» على اسم الزمان في وصل «الذي» بها.
هذا كله، كما ترى، درر نظمتها لك، وفي الكتاب فصل يخالف هذا «١» .
قال سيبويه: واعلم أن «هو» تكون فصلاً إلا في الفعل، ولا تكون كذلك إلا في كل فعل الاسم بعده بمنزلته في حال الابتداء، وذكر باب «حسبت» و «كان» فقط «٢» .
قال أبو بكر: ولم يذكر باب «إن» هنا، ولا باب «الابتداء بإن» قال: فأذكر أنه لا يكون فصلاً إلا في الأفعال، وتأول الآية في حد «إن» على أنها مبتدأة، وهي قوله: (لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ) «٣» .
ويدل أيضاً على صحة قوله: أن سيبويه لما ذكر في هذا الكتاب ما يكون «هو وأخواتها فيه فصلاً» ذكر باب «حسبت وأخواتها» ، و «كان وأخواتها» ولم يذكر «إن» .
قال أبو سعيد: ومن مذهبه أنهن يكن فصلاً في «إن» وفي «الابتداء» .
وإنما ابتدأ بالفعل وخصه لأنه لا يتبين الفصل إلا فيه و «إن» و «الابتداء» لا يتبين الفصل بهما في اللفظ، لأنك إذا قلت: زيد هو خير منك فما بعد «هو» مرفوع على كل حال، وإن جعلت «هو» فصلا، أو جعلته مبتدأ.
стр. 540
وإنما يتبين فى «كان، وأخواتها» ، و «ظننت، وأخواتها» الفصل من الابتداء لأن أخبارها منصوبة، تقول: كان زيد هو أخوك، إذا جعلت «هو» ابتداء، و «أخوك خبره، والجملة خبر زيد» وكذلك:
ظننت زيداً هو أخوك، وإذا كان فصلاً قلت: كان زيد هو أخاك، وظننت زيداً هو أخاك.
стр. 541
الباب الثالث والعشرون
هذا باب ما جاء في التنزيل من المضمرين إلى أي شيء يعود مما قبلهم وهو كثير في التنزيل، لكنا نذكر نبذاً منها:
فمن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) «١» قيل: من مثل محمد- ﵇ فالهاء تعود إلى «عبدنا» .
وقيل: تعود الهاء إلى قوله «ما» ، أي: فأتوا بسورة من مثله/ ما نزلناه على عبدنا- فيكون «من» زيادة- على قول أبي الحسن- دليله قوله:
(فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ) .
وقيل: الهاء تعود إلى الأنداد، كما قال سيبويه في قوله: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) «٢» وفي الأخرى: (مِمَّا فِي بُطُونِها) «٣» لأن «أفعالا» و «أفعلا» و «أفعلة» و «فعلة» جرت عندهم مجرى الآحاد لأنهم جمعوها في قولهم: أناعيم، وأكالب، وأساق، وغير ذلك، وصغروها تصغير الآحاد في: أنيعام، وأكيلب. فجاز عودها إلى الأنداد في قوله:
(فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً) «٤» ، والمعنى يقتضي الأوجه الثلاثة، وقرب اللفظ يقتضى عوده إلى «عبدنا» .
стр. 542
ومن ذلك قوله: (وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ) «١» .
قيل: التقدير: أول كافر بالتوراة، وهو مقتضى قوله: (لِما مَعَكُمْ) «٢» فيعود إلى «ما» .
وقيل: يعود الهاء إلى قوله (بِما أَنْزَلْتُ) «٣» وهو القرآن. والوجه الأول أقرب.
ويجوز أن تعود الهاء إلى النبي- صلى الله عليه وعلى آله- وذلك مذكور دلالة، لأن قوله: (وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ) أي: أنزلته على محمد، ﵇.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ) «٤» .
قيل: الهاء تعود إلى «الصلاة» . أي: إن الصلاة لكبيرة- أي:
لثقيلة- إلا على الخاشعين، كقوله: (وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) «٥» .
وعندي: أن الهاء تعود إلى المصدر، لأن قوله: «واستعينوا» يدل على الاستعانة، أي: إن الاستعانة لكبيرة إلا على الخاشعين، كما قال:
من كذب كان شرّا له.
стр. 543
ومن ذلك قوله: (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) «١» .
قيل: يعود إلى ذبح الأبناء، واستحياء النساء. أي: في المذكور نقمة من ربكم.
ووحّد «ذا» ولم يقل: «ذينكم» ، لأنه عبّر به عن المذكور المتقدم.
وقيل: يعود «ذلكم» إلى «الإنجاء» من آل فرعون.
ومثل الأول قوله: (فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) «٢» ، أي: ذلكم المذكور المتقدم.
ومثله: (لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) «٣» .
أي: بين المذكور المتقدم، لأن «بين» يضاف إلى أكثر من واحد، كقولك: المال بين زيد وعمرو.
ومثله: (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ) «٤» ، «هو» عبارة عن المصدر، / أي. الإخراج محرم عليكم، ثم قال: «إخراجهم» .
فبين ما عاد إليه هو.
وقال: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى) «٥» أي: العدل أقرب للتقوى.
وقد تقدم (هُوَ خَيْراً لَهُمْ) «٦» على معنى: البخل خيراً لهم لأن «ينجلون» يدل عليه.
стр. 544
وقال: (إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً) «١» ، أي: إن أكله.
وقال: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) «٢» ، أي: إن أكله لفسق.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ) «٣» .
قيل: التقدير: وما أحد يزحزحه من العذاب تعميره. ف «هو» يعود إلى «أحد» وهو اسم «ما» .
وقوله: «بمزحزحه» خبر «ما» والهاء في «بمزحزحه» يعود إلى «هو» .
وقوله: «أن يعمر» يرتفع «بمزحزحه» .
ويجوز أن يكون «وما هو» «هو» ضمير التعمير، أي: ما التعمير [بمزحزحه] من العذاب. ثم بين فقال: «أن يعمر» ، يعني: التعمير، أي: ما التعمير.
وقال الفراء: «هو» ضمير المجهول، أي: ما الأمر والشأن يزحزح أحداً تعميره من العذاب. وهذا ليس بمستو، لمكان دخول الباء، والباء لا تدخل في الواجب، إلا أن يقول: إن النفي سرى من أول الكلام إلى أوسطه، فجلب الباء.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ) «٤» .
قيل: وآتى المال على حب الإعطاء.
[و] قيل: وآتى المال على حب ذوي القربى. فإن صح كان (ذَوِي الْقُرْبى) بدلاً من الهاء- وفيه نظر.
стр. 545
وقيل: على حب المال فعلى هذا يكون الجار والمجرور في موضع الحال، أي: آتاه محباً له.
وأما قوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ) «١» . أي: على حب الطعام، ويكون: على حب الإطعام، ويكون: على حب الله.
ومن ذلك قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) «٢» .
قيل: معناه: فمن عفي عن الاقتصاص منه، فاتباع بالمعروف، هو أن يطلب الولي الدية بمعروف، ويؤدي القاتل الدية بإحسان- عن ابن عباس.
فالهاء في «إليه» يعود إلى «من» .
وقوله: «فاتباع بالمعروف، أي: فعلى الولي اتباع بالمعروف، وعلى القاتل أداء إلى الولي بإحسان. فالهاء في «إليه» على هذا ل «الوليّ» .
وقيل: إن معنى قوله (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) «٣» بمعنى: فمن فضل له فضل- وهو مروي عن السدي، لأنه قال: الآية نزلت في فريقين كانا على عهد رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله- قتل من كلا الفريقين قتلى، فتقاصا ديات القتلى بعضهم من بعض، فمن بقيت له بقية/ فليتبعها بالمعروف، وليؤد من عليه الفاضل بإحسان.
ويكون معنى قوله: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) «٤» . أي: فمن فضل من قتل أخيه القاتل له شيء.
стр. 546
ولعل فارس الصناعة «١» أراد هذا حين قال «فمن عفي له» أي: من يسر من قتل اخيه القاتل شيء فاتباع بالمعروف، أي، ليتبعه ولي المقتول، وليؤد إليه بإحسان، فلا يمطله، والأداء في تقدير فعل المفعول، أي فله: أن يؤدي إليه، يعني الميسر له، ولو قدر تقدير: أن يؤدي القاتل، جاز، والباء حال، ولم يكن من تمام الأداء ليعلق إلى «به» .
فمقتضى ما قدمنا في قوله: (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) «٢» قولان:
أحدهما: أنهما عائدان إلى القاتل والمقتول «اتباع بالمعروف» عائد إلى ولي المقتول أن يطالب بالدية بمعروف، والأداء بإحسان عائد إلى القاتل أن يؤدي الدية بإحسان.
والثاني: أنهما عائدان إلى القاتل، أن يؤدي الدية بمعروف وإحسان فالمعروف أن لا ينقصه والإحسان أن لا يؤخره.
ففى الآية ثلاث كنايات:
أحدها: الهاء في «له» .
والثاني: الهاء في «أخيه» .
والثالث: الهاء في «إليه» .
فيقال الهاء في «له» وفي «أخيه» للقاتل الذي عفي له للقصاص،
стр. 547
وأخوه ولي القتيل. والضمير في «إليه» أيضاً له. أي: يؤدي القاتل الدية إلى الولي العافي بإحسان عن غير مطل.
وبين الفريقين في هذه الآية كلام في موجب العمد، هل هو القود؟
أو أحد الشيئين من القود والدية لا بعينه.
فقال الشافعي في موجبه أحدهما: فإن شاء استوفى القصاص، وإن شاء أخذ الدية، فقال في الآية: إن الله شرع القصاص عيناً ابتداء، ثم ألزم القاتل أداء المال إلى الولي إذا عفى له، ولأن قوله: (فَمَنْ) «١» كلمة مبهمة، وذكرت لبيان تغيّر حكم القصاص بعفو يقع له فدل ضرورة أن كلمة «من» تنصرف إلى من عليه القصاص، ليسقط به، وهي كناية عن الاسم المراد بقوله (فَمَنْ) «٢» .
فثبت ضرورة أن الثابت في اسم القاتل، الذي دل عليه القصاص، وأن العفو وقع له.
والله تعالى علق بالعفو وجوب الاتباع والقبول والأداء، فإن قوله:
(فَاتِّباعٌ) «٣» على/ سبيل التعليق بالأول. بمنزلة قوله: «فاتبعوا» .
كقول الله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) «٤» في باب الكفارة.
ثم بين أن هذا الحكم من الله تخفيف ورحمة، فإن الحياة لا عوض لها، وقد حي بعد الهلاك بالدية.
стр. 548
و (عُفِيَ لَهُ) «١» يجئ بمعنى: عفي عنه، فلما ثبت أن العفو وقع للقاتل علم أن العافي هو الولي ضرورة، وما لأحد غيره حق في هذا الباب، وقد تقدم الجواب عن هذا الكلام.
ودل قوله «شيء» على التنكير، فإن الله أوجب القصاص ابتداء، ثم قال: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) «٢» على سبيل التنكير، فينصرف إلى شيء من الواجب عليه، أي: أي شيء من القصاص.
فإن قيل: تأويله: شيء من العفو بعفو القصاص دون البدل.
قلنا: لما كان «شيء» نكرة من جملة وجب صرفها إلى الجملة المذكورة شائعة، وهو القصاص، دون العفو، الذي لم يذكر، كما يجب في الكناية والتعريف.
ومن ذلك قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) «٣» .
فيه قولان:
أحدهما: «الهاء» لنمرود، لما أوتي الملك، حاج في الله تعالى. عن الحسن.
الثاني: هو لإبرهيم، لما آتاه الله الملك، حاجه نمرود: عن أبى حذيفة.
و «الملك» النبوة.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ) «٤» .
стр. 549
فيه قولان:
أحدهما: أنه لا يمد في عمر معمر حتى يهرم (وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) «١» أي: من عمر آخر، حتى يموت طفلا (إِلَّا فِي كِتابٍ) . «٢» .
وقيل: (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ) «٣» قدر الله مدة أجله، إلا كان ما ينقص منه بالأيام الماضية وفي كتاب، جل ، فالهاء على هذا للمعمر، على الأول، كقولك: عندي درهم ونصفه، أي، نصف مثله، كذلك:
لا ينقص من عمر مثل معمر، ولا يشبه الآية «درهم ونصفه» ، لأنه ليس المعنى:
لا ينقص آخر من عمر ذلك الآخر.
إنما المعنى: ولا ينقص آخر من عمر هذا المعمر، أي: لا ينقص بجعله أنقص عمراً منه.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) «٤» فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت المسيح، إذا نزل من السماء.
عن ابن عباس.
الثاني: إلا ليؤمنن بالمسيح قبل موت الكتابي عند المعاينة، فيؤمن بما أنزل الله من الحق وبالمسيح-/ عن الحسن- فيعود الهاء من «موته» إلى «أحد» المضمر، لأن التقدير: وإن أحد من أهل الكتاب.
стр. 550
والقول الثالث: إلا ليؤمنن بمحمد- صلى الله عليه وعلى آله- قبل موت الكتابي. عن عكرمة. وفيه ضعف لأنه لم يجر هاهنا لمحمد- ﵇ ذكر.
فإن قيل: إذا كان الاختيار الأول، فما وجه قوله : (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) «١» ؟ وكيف يشهدون على من لم يشاهدهم، ولم ير منهم ما يشهد به عليهم؟
فالجواب: أنه ليس واجباً على الشاهد ألّا يشهد إلا بما شاهد لأن الشهادة علم، وإذا علم الشيء وتحققه فله أن يشهد.
ألا ترى أنا نشهد بأن محمداً رسول الله، ولم نره ولم نشاهده، لأنا علمنا بالتواتر كونه، وبالدليل رسالته، فكذلك عيسى نشهد بعلمه.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) «٢» .
فيه قولان:
الأول: أنها كفارة للجارح لأنه يقوم مقام آخذ الحق.
والثاني: كفارة للمجروح. عن ابن مسعود.
وعن ابن عباس، هذا محمول على من عفي عنه بعد التوبة.
ويجوز أن يعود الضمير في قوله إلى المقتول، أي: إذا عفا وليه زاد الله فى ثواب المقتول.
стр. 551
ويجوز أن يرجع إلى القاتل، والهاء الأولى للقتل، أي: من تصدق بتبيين القتل منه، وأنه هو الذي فعله، وقصد استتار القاتل، وخفي أمره على الأولياء. فذلك التصدق كفارة للقاتل لأنه إنفاذ لحكم الله، وتخليص الناس من التهم والظنون.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ) «١» .
قيل: الهاء لنوح.
وقيل: لإبرهيم لأن الله أراد تعداد الأنبياء من ولد إبراهيم- ﵇، امتناناً عليه بهذه النعمة.
وليس القصد ذكر أولاد نوح، فهو له «٢» ، ولوطا ويونس ب «هدينا» مضمرة عند من قال: إنه لإبرهيم. ولا وجه لإختلاف العطف.
ومن ذلك قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) «٣» . أي:
للذكر لقوله: (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) «٤» وقيل: «وإنا له» يعني لمحمد صلى الله عليه وعلى آله كما قال: (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) «٥» .
ومن ذلك قوله: (هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ) «٦» .
стр. 552
قيل: «فنسي» / أي: نسيه موسى، فمضى يطلب رباً سواه، فعلى هذا تقف على قوله: «فنسي» دون «موسى» .
وقيل: «هذا إلهكم وإله موسى» تمت الحكاية ثم قال: «فنسي» أي: فنسي السامري.
ومن ذلك قوله تعالى: (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) «١» .
قيل: علم الله صلاة نفسه، وتسبيح نفسه.
وقد ذكرنا ما في هذا من الاختيار فيما تقدم.
ومن ذلك قوله: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) «٢» أي: فإن المذكور، كما قال: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) «٣» .
أي: إن المذكور كما قال: (وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ) «٤» . أي:
ما جعل الله الإمداد، فكنى عن الإمداد لأن قوله: (أَنْ يُمِدَّكُمْ) «٥» ، يدل عليه نظيره في الأنفال: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ) «٦» .
ومن ذلك قوله: (لِنُحْيِيَ بِهِ) «٧» أي: بالماء، ثم قال: (وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ) «٨»
стр. 553
فقالوا: يعني المطر، صرفه بين الخلق، فلم يخص به مكاناً دون مكان، ليعتبروا ويتعظوا، ومع ذلك أبوا إلا كفوراً، حين قالوا: مطرنا بنوء كذا.
وقال قوم: ولقد صرفنا القرآن بينهم لأنه ذكره في أول السورة.
والأول أوجه لأنه أقرب.
ومن ذلك قوله: (وَجاهِدْهُمْ بِهِ) «١» أي: بالقرآن، وقيل: بالإنذار لأن قبله «نذيراً» يدل على الإنذار.
ومن ذلك قوله: (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ) «٢» ، أي: بالله، لقوله: (مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ) «٣» .
وقيل: بالرسول، صلى الله عليه وعلى آله.
فأما قوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) «٤» .
فقيل: الضمير للأمر والشأن، أي: قل الأمر والشأن «الله أحد» .
وقيل: «هو» إشارة إلى «الله» ، وقوله: «الله» بدل منه، مفسر له.
وأما قوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) «٥» فيمن اختلس كسرة الهاء كان كناية عن المصدر، أي: اقتد اقتداء.
стр. 554
وعلى هذا قراءة من قرأ: (لَمْ يَتَسَنَّهْ) «١» بالهاء في الوصل، يكون كناية عن المصدر.
وأما قوله: َ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها)
«٢» .
ففي «هو» وجهان:
أحدهما- أن يكون ضمير (كل) ، أي: لكل أهل وجهة وجهة هم الذين يتولونها ويستقبلونها عن أمر نبيهم. عن مجاهد.
والثاني- الله تعالى هو الذي يوليهم إليها، وأمرهم باستقبالها. عن الأخفش.
وقد قرئ: «هو مولاها» . وهذا حسن.
يدل على الثاني من القولين قال: (مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ) «٣» .
قيل: الهاء تعود إلى الله، أي: هو عصمني ونجاني من الهلكة.
وقيل: إنه سيدي أحسن مثواي لأنه قال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً) «٤» .
فأما قوله: (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) «٥» أي: الإجابة أو المقالة أو الكلمة، ولا يكون قوله: (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) «٦» تفسيراً لقوله (فَأَسَرَّها) لأنه لا نظير لمثل هذا المثل، والمفسر في كلامهم لأن المفسر في جملة، والمفسر في جملة أخرى، وإنما يكونان في جملة واحدة، نحو: نعم رجلاً زيد، وربه رجلاً وما أشبه ذلك.
стр. 555
ومن ذلك قوله: (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) «١» .
أي: زاد الإنس الجن عظماً وتكبراً.
وقيل: بل زاد الجن الإنس رهقاً، ولم يعيذوهم، فيزدادوا خوفاً.
ومن ذلك قوله: (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ) «٢» أي: فذلك النقر، فعبر عن المصدر ب «ذا» .
ومن ذلك قوله: (إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ) «٣» .
أي: على رجع الإنسان وبعثه.
وقيل: على رجع الماء إلى الإحليل.
ومن ذلك قوله: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) «٤» .
الهاء الأولى ل «ما» من قوله: (لَما آتَيْتُكُمْ) «٥» والثانية للرسول، إذا جعلت «ما» بمعنى «الذي» ، وإذا جعلته شرطاً، كلاهما للرسول.
ومن ذلك قوله: (الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ) «٦» .
قيل فاعل «أملى» هو الله لقوله «أملى لهم» .
وقيل: هو الشيطان، لأنه أهملهم، ورجاهم، وسول لهم، وزين لهم.
ومن ذلك قوله: (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ) «٧» ، أي: من الكافرين من أهل الكتاب.
стр. 556
ومن ذلك قوله: (وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) «١» .
قيل: الهاء للمصدر، أي: يذرؤكم في الذرء.
ويجوز أن يكون «٢» ، لقوله: (أَزْواجاً) كما قال: (فِي بُطُونِهِ) «٣» .
فأما قوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ) «٤» أي: من قبل هدايته لأن قبله:
(وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ) «٥» .
وأما قوله: (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ) «٦» . أي:
من قبل السحاب لأن السحاب جمع سحابة فجرى مجرى النخل والحب، وقد قال: (يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) «٧» كما، قال: (أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) «٨» / و (أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) «٩»
. وقال: (مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ) «١٠» ، ولم يقل: «مواضعها» .
فأما قوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ) «١١» .
ففيما يعود إليه «منهما» ثلاثة أقوال:
стр. 557
أحدها- أنه لهاروت وماروت.
والثاني- من السحر والكفر.
والثالث- من الشيطان والملكين، يتعلمون من الشياطين السحر، ومن الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه.
ومن ذلك قوله: (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ)
«١» .
فالمعنى في الآية: أن مجترحي السيئات لا يستوون مع الذين آمنوا، كما قال: (أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ) «٢» .
وكما قال: (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ) «٣» .
فالمراد في الآية هذا المعنى، والضمير في قوله: (مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ)
«٤» لا يخلو من أن يكون للذين آمنوا دون الذين اجترحوا السيئات، أو للذين اجترحوا من دون المؤمنين أولهما جميعاً.
فيجوز أن يكون الضمير في «محياهم ومماتهم» للذين آمنوا دون غيرهم.
ويكون المعنى: كالذين آمنوا مستوياً محياهم ومماتهم، فتكون الجملة في موضع الحال من «الذين آمنوا» ، كما يكون الحال من المجرور في نحو: مررت بزيد.
ويجوز أن تكون الجملة في موضع المفعول الثاني من «نجعل»
стр. 558
أي: نجعلهم مستوياً محياهم ومماتهم، كالذين آمنوا، أي: لا ينبغي ذلك لهم، فيكون الضمير فى (مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ)
«١» للذين اجترحوا السيئات، و «محياهم ومماتهم» يعود الضمير منه إلى الضمير الذي في (نَجْعَلَهُمْ)
«٢» .
ويدل على ذلك أنه قد قرئ فيما زعموا: «سواء محياهم ومماتهم» فنصب الممات «٣» . وقد حكي عن الأعمش.
فهذا يدل على أنه أبدل المحيا والممات من الضمير المتصل ب «نجعلهم» فيكون كالبدل، كقوله: (وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ) «٤» .
فيكون الذكر في «محياهم ومماتهم» على هذا المعنى: للذين اجترحوا السيئات.
ويجوز أن نجعل قوله: (كَالَّذِينَ آمَنُوا)
«٥» في موضع المفعول الثاني ل «نجعل» ، ويكون الضمير في «محياهم ومماتهم» للقبيلين.
ويكون العامل في الحال «أن نجعلهم» الذي هو مفعول «الحسبان» «٦» .
ويكون المعنى: أن نجعلهم والمؤمنين متساوين في المحيا والممات.
وقد روي عن مجاهد أنه قال/ في تفسير هذه الآية: يموت المؤمن على إيمانه ويبعث عليه، ويموت الكافر على كفره ويبعث عليه.
فهذا يكون على الوجه الثالث يجوز أن يكون حالاً، من «نجعلهم» والضمير للقبيلين.
стр. 559
فإن قلنا: إن من الكفار من يلحقه مكانه في الدنيا، ويكون له نعم ومزية، فالذى يلحق ذلك ليس يخلو من أن يكون من أهل الذمة، أو من أهل الحرب.
فإن كان من أهل الذمة، فليس يخلو من أن يكون قد أدركه ما ضرب عليهم من الذلة في الحكم.
وإن كان من أهل الحرب، فليس يخلو من إباحة نفسه وماله، لكونه حرباً.
ومن أن يكون ذلك جارياً عليه في الفعل من المسلمين بهم أو الحكم، والمؤمن مكرم في الدنيا لغلبته بالحجة، وفي الآخرة في درجاته الرفيعة ومنازله الكريمة.
ومن ذلك قوله: (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا) «١» . أي: الله سماكم المسلمين، من قبل إنزال القرآن، وفي هذا القرآن. عن ابن عباس.
وقيل: بل إبراهيم سماكم المسلمين لقوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) «٢» .
عن ابن زيد.
ومن ذلك قوله تعالى: (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ) «٣» .
فى الهاء ثلاثة أقوال:
الأول- أنه من التكذيب.
والثاني- أنه للكتاب.
والثالث- للإنذار، وإن جاء «لتنذر» بعده.
стр. 560
ومن ذلك قوله: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) «١» .
قال سعيد بن جبير: إن الرسل يئسوا من قومهم أن يؤمنوا به، وإن قومهم ظنوا أن الرسل قد كذبوا فيما قالوا لهم، فأتاهم نصر الله على ذلك.
والضمير في قوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) «٢» للمرسل إليهم، أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به، من أنهم إن لم يؤمنوا نزل العذاب بهم، وإنما ظنوا ذلك لما شاهدوه من إمهال الله إياهم وإملائه.
ودل ذكر الرسل على المرسل إليهم، فكنى عنهم، كما كنى عن الرعد حين جرى ذكر «البرق» في قوله:
أمنك البرق أرقبه فهاجا ... فبت إخاله دهماً خلاجاً «٣»
وفيمن شدد «كذبوا» فالضمير للرسل، تقديره: ظن الرسل، أي: تيقنوا.
«وظنوا» ليس/ الظن الذي هو حسبان.
ومعنى «كذبوا» تلقوا بالتكذيب، كقولهم: خطأته، وفسقته، وجدعته، وغفرته، فتكذيبهم إياهم، يكون بأن تلقوا بذلك.
وقيل في قوله تعالى: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً) «٤» أي: تساقط ثمرة النخلة، فأضمر «الثمرة» لجري ذكر «النخلة» ، كالرعد مع البرق، والرسول مع المرسل إليه.
стр. 561
ومن ذلك قوله: (فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها) «١» . أي:
فسوى الدمدمة بينهم، وهو الدمار.
وقيل: سواهم بالأرض، أو سوى بهم بعدهم من الأمم.
(وَلا يَخافُ عُقْباها) «٢» أي: الله تعالى، لا يخاف عاقبة إهلاكه إياهم، ولا تبعة من أحد لفعله، كقوله: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) «٣» .
وقيل: لم يخف الذي عقر الناقة عقباها. أي: عقبى عقر الناقة، على حذف المضاف. عن الضحاك.
وقيل: لا يخاف صالح- رسول الله صلى الله عليه- تبعتها، أي:
قد أهلكها الله ودمرها وكفاه مؤونتها.
و «الواو» يجوز أن تكون للحال، أي: فسواها غير خائف عقباها، أي: غير خائف أن يتعقب عليه في شيء مما فعله.
وقيل: فعقروها غير خائف عقباها. ولم يقل: ولا تخافون لأن لفظ «أشقى» مفرد، فهو كقوله: (مَنْ يَسْتَمِعُ) «٤» ، و (مَنْ يَسْتَمِعُونَ) «٥» .
ومن ذلك قوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ) «٦» ، فيكون على إضافة المصدر إلى المفعول، مثل: (بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ) «٧» (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ) «٨» لأن الضمير للروم، وهم المغلوبون، كأنه لما قيل: (فَخُذْها بِقُوَّةٍ) «٩» أي: بجد واجتهاد، علمنا أنه أخذ بما أمر به وتلقّاه بالقبول.
стр. 562
والمعنى: من لقاء موسى الكتاب، فأضيف المصدر إلى ضمير «الكتاب» وفي ذلك مدح له على امتثاله ما أمر به، وتنبيه على الأخذ بمثل هذا الفعل.
كقوله: (اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) «١» و (فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)
«٢» .
ويجوز أن يكون الضمير لموسى- ﵇ والمفعول به محذوف، كقوله: (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) «٣» والدعاء مضاف إلى الفاعل.
ويجوز أن يكون التقدير: من لقائك موسى، فحذف/ الفاعل، فيكون ذلك في الحشر، والاجتماع للبعث، أو في الجنة، فيكون كقوله:
(فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها) «٤» .
ومن ذلك قوله: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ) «٥» . أي: مثل نور الله في قلب محمد- صلى الله عليه وعلى آله.
وقيل: مثل نور القرآن.
وقيل: بل مثل نور محمد- ﵇.
وقيل: بل مثل نور قلب المؤمن.
[و] «٦» قوله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) «٧» ، «ذا» إشارة إلى الإحياء، أو إلى ذكر القصة، أو للإباحة، أو للإبهام.
стр. 563
وفي الضمير الآخر قولان:
أحدهما- للقلوب.
والثاني- أنها للحجارة، لأنها أقرب المذكورين.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) «١» الضمير لله، لتقدم ذكره في قوله: (آمَنَّا بِاللَّهِ) «٢» ، أو لجميع المذكورين «٣» .
وفي قوله: (يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) «٤» غير وجه:
قيل: يعرفون تحويل القبلة إلى الكعبة.
وقيل: يعرفون محمداً.
وقيل: يعود إلى العلم، من قوله: (مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) «٥» وهو نعته.
وأما قوله تعالى: (بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ) «٦» .
قال أبو علي: الهاء تعود إلى «ما عقدتم» بدلالة أن الأسماء المتقدمة:
اللغو، والأيمان، وما عقدتم.
ولا يجوز أن يعود إلى اللغو لأن اللغو لا شيء فيه، بلا خلاف.
قال: ولا يعود إلى «الأيمان» إذ لم يقل: فكفارتها.
والمعقود عليه ما كان موقوفاً على الحنث والبر، وما عدا ذلك لم يدخل تحت النص.
وعندي أنه يعود إلى «الأيمان» ، كقوله: (نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) «٧» .
стр. 564
ومن ذلك قوله: (أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ) «١» ولم يقل: ألا إنهما قربة.
ولا يجوز أن يعود إلى «الصلوات» ، لأن المفعول الثاني من «يتخذ» هو الأول، والنفقة قربة، وليست بدعاء الرسول، والضمير في «إنه» للنفقة التي عليها ما ينفق، فلا يكون قوله: (وَصَلَواتِ الرَّسُولِ) «٢» عطفاً على (قُرُباتٍ) «٣» ولكن يكون عطفاً على لفظة (اللَّهِ) «٤» .
وقيل: يكون عطفاً على لفظة «ما» ، أي يتخذ ما ينفق قربات، ويتخذ صلوات الرسول قربات.
وأما قوله: (فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ) «٥» ، فاعل «انهار» : «الجرف» فكأنه: فانهار الجرف بالبنيان في النار لأن البنيان مذكر، بدلالة (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا) «٦» .
ويجوز أن يكون/ الفاعل ضمير (مِنَ) «٧» وسقوط البنيان زيادة في غضب الباني كالصنم زيادة في عقاب عابده.
وإنما قوله: (وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ) «٨» .
قيل: «اللام» للعاقبة، أي: إلى الاختلاف صار خلقهم لأنهم خلقوا للعبادة.
стр. 565
وقيل: هو مردود إلى قوله: (وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ) «١» ، أي. خلقهم لئلا يهلكهم وأهلها مصلحون.
وقيل: للرحمة خلقهم.
وقيل: للشقاوة والسعادة خلقهم. عن ابن عباس.
وقيل: للاختلاف خلقهم عن مجاهد.
ومن ذلك قوله: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً) «٢» .
قال أبو علي:
الهاء ضمير المصدر الذي دل عليه قوله: (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) «٣» ، أي: ولا يحيطون علماً بعلمه.
ومما يبين ذلك قوله: (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) «٤» .
ومن ذلك قوله: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) «٥» ، أي: الإعادة أهون على الخالق، وجاز لأن الفعل يدل على مصدره، أي: الإعادة أهون على الخالق من الابتداء في زعمكم.
ومن ذلك قوله تعالى: (وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) «٦» .
أي: ما كان الله معذب المشركين.
«وهم» أي: المسلمون يستغفرون بين أظهرهم.