← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 23585

إعراب القرآن للباقولي - منسوب خطأ للزجاج

أبو الحسن الباقولي

Полный текст (1 085 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأوتينا العلم من قبلها، أي: كنا مؤمنين بأن الله يقدر من نقل العرش على ثقله، في المدة التي ذكرها أنه ينقله فيها، لأن ذلك بإقدار الله إياه على هذا، من هذا الذي هو معجز له. ومن حذف المضاف قوله تعالى: (شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ) «١» [أي] : «٢» إذا حضر أحدكم أسباب الموت حين الوصية شهادة اثنين. ومن ذلك قوله: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ) «٣» أي. من أحدكم. لأنه لم يأت الجن رسل. قاله ابن جريج. وقال الضحاك: بل أتتهم الرسل كما أتت الإنس. وقال غيرهما: الرسل التي أتتهم هم النفر المذكورون في قوله تعالى: (فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) «٤» . ومن ذلك قوله تعالى: (نَسِيا حُوتَهُما) «٥» أي: نسى أحدهما، وهو يوشع، لأن الزاد كان في يده. وقال الله تعالى: (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ) «٦» أي: فى إحداهما.

стр. 72

وقال: (عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) «١» أي: من إحدى القريتين، وقد تقدم. وقال: (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) «٢» أي: من أحدهما، وهو الملح دون العذب. ومثله: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً) «٣» أي: في إحداهن. وقال الله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ) «٤» أي على أحدهما، وهو الزوج لأنه آخذ ما أعطى. قال: ويراد الزوج دون المرأة، وإن كانا قد ذكرا جميعا، كما قال الله تعالى: / (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) «٥» وموضع طرح تعجل الإثم للمتعجل، فجعل للمتأخر الذي لم يقصر مثل ما جعل على المقصر. قال: وقد تحتمل هذه وجها آخر، وهو أن يريد: لا يقولن واحد منهما لصاحبه: أنت مقصر فيكون المعنى: لا يؤثمن أحدهما صاحبه. ومثله: (مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ) «٦» أي: من عذاب فرعون. ومن حذف المضاف قوله تعالى: (لا يَرْجُونَ لِقاءَنا) «٧» أي: لقاء رحمتنا.

стр. 73

ومثله: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) «١» أي: من ثوابها، لإنكارهم وكفرهم بها، في نحو قوله تعالى: (لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ) «٢» (وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا) «٣» . فأما قوله تعالى: (كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) «٤» أي: من بعث أصحاب القبور، يدل على ذلك قوله: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا) «٥» . أو يكون: من مجازاة أهل القبور، أي: لا يثابون ولا يعاقبون، ويكون (كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ) الموتى من الآخرة، فأضمر «من الآخرة» لجرى ذكره. ويكون قوله (مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) متعلقاً ب (الْكُفَّارُ) دون (يَئِسَ) محذوف، لجرى ذكره. ومن ذلك قوله تعالى: (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) «٦» أي: حج الكعبة، ليكون في المعنى (قِياماً لِلنَّاسِ) «٧» . ومنه قوله تعالى: (وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ) «٨» أي: على ذوى خيانة منهم (إِلَّا قَلِيلًا) «٩» . والاستثناء من المضاف المحذوف. ومن حذف المضاف قوله: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) «١٠» أي: إلا نجوى من أمر. قال أبو علي: قد تكون موضع «من» نصباً إذا استثنيته من المنتجين، كما جاء (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) «١١» أي. هم منتجون. وقد يكون جزاء، أي: لا خير

стр. 74

في كثير من نجواهم إلا في انتجاء من أمر بصدقة. ويكون هذا على قياس قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى) «١» . فهذا لا يكون من المنتجين، ولكن على الانتجاء. وإنما قال أبو علي: قد يكون نصباً على أصل الباب كقراءة ابن عامر «٢» : (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) «٣» وقوله تعالى: (إِلَّا امْرَأَتَكَ) «٤» إذا استثنيته من «أحد» ونصبته. وأما قوله تعالى: (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ) «٥» فالأظهر فيه أن تكون (ثلاثة) / وصفا لنجوى. والنّجوى هاهنا مثله في قوله تعالى: (وَإِذْ هُمْ نَجْوى) «٦» ولا يكون جراً بإضافة النجوى إليه، كقوله تعالى: (لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ) «٧» . ومنه قوله تعالى: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ) «٨» أي: لمسنا غيب السماء ورمناه. ومنه قوله تعالى: (لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى) «٩» أي: إلى قول الملأ الأعلى، وإلى كلام الملأ الأعلى. كقوله تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها) «١٠» أي: ذوات أسماء.

стр. 75

ومن ذلك قوله تعالى: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) «١» ، أي: عذاب الجحيم، لأن الوعيد برؤية العذاب لا برؤيتها، لأن المؤمنين أيضاً يرونها، قال الله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها) «٢» . ومن ذلك قوله تعالى: (الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ) «٣» أي: على مصالح النساء. ومن ذلك قوله تعالى: (فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) «٤» أي: فلا جزاء ظلم إلا على ظالم. ومن ذلك قوله تعالى: (فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها) «٥» أي: عن اعتقادها، ومثله: (لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا) «٦» أي: لن نؤثر اتباعك. ومن حذف المضاف قوله تعالى: (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً) «٧» أي: دين الله، أو جند الله، أو نبي الله. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ) «٨» التقدير: ولا تحسبن بخل الذين كفروا خيرا لهم، فيمن قرأ بالتاء، فيكون المضاف محذوفاً مفعولاً، وهو تكرار لطول الكلام. و «خيرا» المفعول الثاني.

стр. 76

ومن قرأ بالياء، فقد كفانا سيبويه حيث قال: ومن ذلك قوله : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) البخل (هُوَ خَيْراً لَهُمْ) ولم يذكر «البخل» اجتزاء لعلم المخاطب بأنه البخل، لذكره (يَبْخَلُونَ) . ومن ذلك قول العرب: من كذب كان شراً له. يريدون: كان الكذب شراً له. إلا أنه استغنى بأن المخاطب علم أنه الكذب، لقوله: كذب، في أول حديثه، فصارت «هو» هاهنا وأخواتها بمنزلة ما إذا كانت لغوا في أنها لا تغير ما بعدها عن حاله، قبل أن تذكر. ومن ذلك قوله تعالى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) «١» المعنى: لقبل عدتهن. لأن العدة الحيض، والمرأة لا تطلق في حيضها. ألا ترى أن ابن عمر «٢» لما طلق في الحيض، أمره بأن يراجعها ثم يطلقها. فإذا كانت العدة الحيض/، وكان النهى قد حصل وثبت عن الطلاق في الحيض، لم يجز أن يكون المراد إيقاع الطلاق في العدة، وإذا لم يجز ذلك ثبت أنه لقبل عدتهن، إذ ذلك هو الظرف، وهو المأمور بإيقاع الطلاق [فيه] «٣» ومن ذلك قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ) «٤» المعنى: خذ من مال كل واحد منهم. كقوله تعالى: (فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً) «٥» المعنى: فاجلدوا كل واحد. ألا ترى أنه لا تفرق الثمانون على الجماعة، إنما يضرب كلّ واحد ثمانين.

стр. 77

وإذا كان كذلك دل أن ما دون النّصاب بين الشّريكين لا يحتسب فيه شىء بظاهر قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ) «١» . ومن حذف المضاف قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) «٢» هو على حذف المضاف، كأنه قال: تيمموا استعمال صعيد. ولا يكون على الظاهر وغير حذف المضاف، لخلوّ اللفظ من الفائدة على هذا. ألا ترى أن قوله (فَامْسَحُوا) «٣» يغنى عن ذلك. وهذا الحذف ينبغي أن يكون على تأويل أبي حنيفة، لأن أبا يوسف روى عنه فيما حكى الشيخ أنه قال: أمر الله في آية التيمم شيئين: تيمم، ومسح. وفي قول زفر: لا يلزم أن يقدر هذا المضاف، لأن المراد كان عنده المسح، ولا ينبغي أن يكون المراد: تيمموا الصعيد: اقصدوه. لأن من الفقهاء من لم يذهب إليه لأن زفر كان المعنى عنده: امسحوا لأن زفر يقول: يصح التيمم بغير النية وأبو حنيفة يقول: لا يصح إلا بالنية لأن التيمم قصد، والقصد هو النية. وزفر يقيسه على الوضوء، فيصير في الآية تكرار، لأنه لا يقدر المضاف ولا يجعل التيمم النية. ومن حذف المضاف قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) «٤» أي من تأسيس أول يوم، لا بد من ذا، لأن «من» لا تدخل على «أوّل» . ومن ذلك قوله تعالى: (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) «٥» يجوز أن يكون الجار والمجرور صفة للمصدر المحذوف، كأنه: تدور أعينهم دورا

стр. 78

كدور الذي يغشى عليه، أي: كدور عين الذي يغشى عليه من الموت، أي: من حذر الموت، أو: من خوف الموت، أو: من مقارفة الموت. ويجوز/ أن يكون حالاً من المضاف إليه «الأعين» ، أي: تدور أعينهم مشبهين الذي يغشى عليه، لأن الذي يغشى عليه تدور عينه، فيكون الكاف على هذا حالا، وعلى القول الأول وصفا للمحذوف منه، وفي كلا الأمرين فيه ذكر من هو له. ومن حذف المضاف قوله تعالى: (هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ) «١» أي: فى ملك ما ملكناكم تخافونهم، أي: تخافون تسويتهم في الملك، لأن سياقة الكلام عليه، ولا يكون المعنى على: تخافون مكايدتهم أو بأسهم، لأن ذلك غير مأمون منهم. فالمعنى: تخافون تسويتهم إياكم، فتقدير المصدر الإضافة إلى الفاعل، فقوله (كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ) «٢» أي: كخيفتكم المساواة بينكم. فهو من باب (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ) «٣» ، لأن التسوية بين الأحرار قائمة واقعة، أي: تخافون المماليك كما تخافون الأحرار. والمراد بأنفسكم: الأحرار. ومن ذلك قوله تعالى: (وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ) «٤» ، أي ذا ثيابك فطهر، فحذف المضاف، فهذا كقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ) «٥» أي برأك مما رميت به. ومن ذلك قوله تعالى (قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ) «٦» أي صيد ما علمتم. ومنه قوله تعالى (طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً) «٧» أي ذا يبس.

стр. 79

ومن ذلك قوله تعالى: (سُبُلَ السَّلامِ) «١» أي: سبل دار السلام، يعني: سبل دار الله. ويجوز أن يكون «السلام» السلامة، أي: دار السلامة. ومن ذلك قوله تعالى: (فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ) «٢» أي: على مرآة أعين الناس. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ) «٣» أي: لا تعرضوا عن أمره وتلقوه بالطاعة والقبول، كما قال : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) «٤» . ومن ذلك قوله تعالى: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ) «٥» أي: أن إخراجكم إذا متم. لا بد من حذف المضاف، لأن ظرف الزمان لا يكون خبراً عن الجثة، كقولهم: الليلة الهلال. ومن ذلك قوله تعالى: (ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) «٦» أي: على ألسن رسلك. وقال: (ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ) «٧» أي: بردها، لأنهم إذا سألوا عما يسوؤهم «إذا أظهر لهم فأخبروا به» ردوها، ومن رد على الأنبياء كفر، فالتقدير فيه: بردها/ وتركهم قبولها.

стр. 80

وقال الله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ) «١» أي: كراهة أن يكونا ملكين. ومن ذلك قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً) «٢» أي: من بعد إمرار قوة، و «قوة» واحد فى معنى الجمع. و «أنكاثا» ، حال مؤكدة، لأن في النقض دلالة على النكث. ومن ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ) «٣» والجن قد تبينوا أنهم لا يعلمون الغيب، فهو على حذف المضاف، أي بتبين أمر الجن، فصار بمنزلة: اجتمعت اليمامة. وحمل «أن» على موضع المحذوف، ف «أن» بدل من أمر الجن. ومن ذلك قوله تعالى، في قصة شعيب: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ) «٤» أي: فعل الإصلاح، لأن الاستطاعة من شرط الفعل دون الإرادة. ومن ذلك قوله تعالى: (أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها) «٥» أي: دخول جنات عدن (وَمَنْ صَلَحَ) «٦» أي: دخول من صلح. فإن قلت: فهل يكون (وَمَنْ صَلَحَ) «٧» على: زيدا ضربته وعمرا، فتحمله على المضمر دون «ضربته» ، فإن ذلك لا يجوز. ألا ترى أن «يدخلونها» صفة وليس بخبر، لأن «جنات عدن» نكرة وليس كزيد. قاله أبو علىّ.

стр. 81

وعندي فيه نظر، لأن كون قوله «يَدْخُلُونَهَا» صفة لجنات لا يمنع عطف «ومن صلح» على الضمير الذي فيه. ومن ذلك قوله تعالى: (قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) «١» أي: أخذ من وجد في رحله، فحذف المضاف. ومنه قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) «٢» أي: أمر الله. ومنه قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ) «٣» أي: أمم النبيين. وقال: َمَثَلِ رِيحٍ) «٤» ، أي: كمثل إنفاق زرع ذى ريح، فحذف، أي: فإنفاق بعض هذا الزرع لا يجدي عليه شيئاً، كذلك إنفاق هؤلاء لا يجدي عليهم نفعاً ولا يرد عنهم ضيراً. ووصف الزرع بأنه ذو ريح، في وقتها كان، كما أن من قرأ في قوله تعالى: (سَحابٌ ظُلُماتٌ) «٥» أضاف السحاب إلى الظلمات، لأنه في وقتها نشأت، وعلى هذا ينبغي أن يحمل، ليكون مثل النفقة. ولا تكون النفقة كالريح ولا كمثل الريح، فإنما هو كلام فيه اتساع لمعرفة المخاطبين بالمعنى، كقولهم: ما رأيت كاليوم رجلاً. وقدره أبو علي/ مرة أخرى: كمثل إهلاك ريح، أو فساد ريح. وإن جعلت «ما» بمنزلة «الذي» كان التقدير مثل إفساد ما ينفقون، وإتلاف ما ينفقون، كمثل إتلاف ريح، تقدر إضافة المصدر إلى المفعول في الأول، وفي الثاني إلى الفاعل.

стр. 82

وقال في قوله تعالى: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) «١» اللفظ على «تسؤهم» للحسنة، والتقدير على حذف المضاف، أي: تسؤهم إصابتك الحسنة، نقدر المصدر مضافاً إلى المفعول به. وكذلك (يَفْرَحُوا بِها) «٢» أي: بإصابتكم السيئة. ومن ذلك قوله تعالى: (لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ) «٣» أي كإبطال الذي ينفق، أو كإهلاك الذي ينفق. ومن ذلك قوله تعالى: (لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها) «٤» أي: لن ينال ثواب الله (وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى) «٥» ، أي: ينال ثواب التقوى ومن ذلك قوله تعالى: (لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) «٦» أي: قتال نفسك، أو: جهاد نفسك. وفي الأخرى: (وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً) «٧» ألا ترى أن الإنسان لا يكلف العين «٨» ، وإنما يكلف معنى فيه، كقول الأعشى: إلا كخارجة المكلف نفسه ... وابنى قبيصة أن أغيب ويشهدا «٩» والتقدير فيه شرة نفسه. المعنى: والمتكلف شرة نفسه، فحذف المضاف إليه «١٠» ، كما حذف في الآية. ومن ذلك قوله تعالى: (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) «١١» أي: من قتالهم فى شىء، نسختها سورة التّوبة. عن الكلبي.

стр. 83

وقيل: لست عن مخالطتهم في شيء. نهى نبيه- صلى الله عليه وآله- عن مقاربتهم، وأمره بمساعدتهم. عن قتادة. قال أبو علي: (لست منهم) ، كقوله: فإني لست منك، للمبارأة. وحمل الجار «فى شىء» على أنه حال من الضمير في «منهم» على الوجوه كلها. ومن ذلك قوله تعالى: (بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي) «١» أي: دخول جنات، فحذف المضاف. وقال: (جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ) «٢» أي: دخول جنات، كما أن قوله: (فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ) «٣» كذلك، لأن جهنم والجنة عين، فلا يكون حدثا. ومن ذلك قوله تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ) «٤» أي: خلاف خروج رسول الله. والخلاف والخلف واحد، وهو ظرف. وقيل: هو مصدر في موضع الحال، أي: فرح المخلفون/ بمقعدهم مخالفين رسول الله، والمقعد المصدر لا غير لتعلق «خلاف» به، والمكان لا يتعلق به شىء. وإن كان «خلاف» مصدراً فهو مضاف إلى المفعول به.

стр. 84

و «المقعد» ، و «المثوى» فى قوله تعالى: (النَّارُ مَثْواكُمْ) «١» [و «مغار» في قول حميد بن ثور] «٢» : مغار ابن همام على حي خثعما «٣» مصادر كلها، لما يتعلق به ما بعدها، فالمقعد: القعود. والمثوى: الثواء. والمغار: الإغارة. و «الملقى» ، في قول ذى الرمة: فظل بملقى واجف جرع المعا أي: فظل بالإلقاء. و «المجرّ» ، في قول النابغة: كأن مجر الراسيات ذيولها [فالملقى و] «٤» المجرّ مصدران. ومن ذلك قوله تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ) «٥» لا يكون إلا على الاتساع، أي: وقودها يلهب الناس. ومن ذلك قوله تعالى: (وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) «٦» . «ما» ، بمنزلة الذي. ويجوز أن تجعلها مصدراً، أي: الكتمان. ويريد مع هذا بالكتمان: المكتوم، أي: ذا الكتمان، فحذف المضاف، ويخرج على معنى الحكاية،

стр. 85

كقوله: (باسِطٌ ذِراعَيْهِ) «١» . وإنما قال: (ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) «٢» لمن علم القاتل وكتم أمره، دون القاتل، لأنه يجعد ولا يكتم. ومن ذلك قوله تعالى: (وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) «٣» . وقال أبو عبيدة «٤» : أي: وقوداً. وهذا يصح على حذف المضاف والمضاف إليه كله، أي وكفى بسعير جهنم سعيراً، لأن السعير هو الاستعار، و «جهنم» اسم مكان، فلا يكون ذو الحال الحال إلا على هذا التقدير، وتكون الحال مؤكدة كقوله: كفى بالنأى من أسماء كاف وقال أبو الحسن في «سعير» : أي مسعورة. واستدل على ذلك بقوله تعالى: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) «٥» . وإن أراد أبو عبيدة بالوقود الحطب، كان أيضاً على حذف المضاف، أي: وكفى بوقود جهنم وقودا، والحال أيضاً مؤكدة. ومن ذلك قوله تعالى: (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) «٦» انتصب «أجرا» لأن «فَضَّل» يدل على «أجر» ولا ينتصب بفضل، لاستيفائه المجاهدين أولاً، والثاني «٧» «على القاعدين» . و «درجات» ، أي: أجر درجات، فحذف، وهو بدل. أو يكون: «بدرجات» ، فهو ظرف. و «مغفرة» ، أي: وجزاهم/ مغفرة، أو يكون: وغفر مغفرة.

стр. 86

ومن ذلك قوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ) «١» أي: اصطياد صيد البر، لأن الأسم غير محرم. وإن حملت الصيد على المصدر، والتقدير: صيد وحش البر، لأن البر لا يصاد، فالصيد هنا مثله في قوله: (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ) «٢» على الوجه الأول. ومن ذلك قوله تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ) «٣» يحتمل أمرين: أحدهما: رسلاً قصصنا أخبارهم عليك ورسلاً لم نقصص عليك، أي: لم نقص أخبارهم عليك. وقد يكون على: رسلا قصصنا أسماءهم عليك، ورسلا لم نقصص أسماءهم. ففي كلا القولين يكون على تأويل حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. ومن ذلك قوله : (وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ) «٤» . ومن ذلك قوله تعالى: (أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ) «٥» . والتقدير: أو مثل من كان ميتا، ليطابق قوله (كَمَنْ مَثَلُهُ) «٦» فحذف المضاف. وإن شئت كان التقدير: كمن مثله. فهو كقولهم: أنا أكرم مثلك، أي أكرمك. وقال : (كَمَنْ هُوَ أَعْمى) «٧» .

стр. 87

ومن ذلك قوله تعالى: (قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ) «١» ، أي: من استمتاع الإنس، أي: من استمتاعكم بالإنس، فحذف بعد ما أضاف إلى المفعول مع الجار، والمجرور مضمر لقوله: (اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ) «٢» . ومن ذلك قوله تعالى: (لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا) «٣» أي: هدم بنيانهم، أو حرق بنيانهم. ومن ذلك قوله تعالى: (وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ) «٤» أي: كتب ثواب قطعه، فحذف المضاف، فصار: كتب لهم قطعه ثم حذف أيضاً «القطع» فارتفع الضمير. ومن ذلك قوله تعالى: (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) «٥» أي «جزاء فضله، لأن الفضل قد أوتيه. ومن ذلك قوله تعالى: (بِدَمٍ كَذِبٍ) «٦» أي: ذي كذب وقيل: بدم مكذوب فيه. ومن ذلك قوله تعالى: (إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً) «٧» أي: عنب خمر، فحذف. ومن ذلك قوله تعالى: (وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً) «٨» أي: على معصية ربه، فحذف المضاف. قال أبو علي: أي: ساقطاً. مثل قوله: جعل قضاء حاجتي بظهر، أي: نبذه وراء ظهره، ولم يلتفت إليه.

стр. 88

وقوله تعالى: / (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً) «١» أي: عقاب يوم. ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ) «٢» أي: إن دخولها، لقوله: (لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها) «٣» . ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا) «٤» أي ذا العهد [كان] مسئولا عنه، وذا الأمانة، فحذف. وقوله تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا) «٥» أي: كل أفعال أولئك، أي: إن ذا العهد كان مسئولا عنه، أي عن كل الأفعال. وقيل: أي: يكون الإنسان هو المسئول عن السمع والبصر والفؤاد، تسأل عن الإنسان لتكون شهوداً عليه وله، بما فعل من طاعة وارتكب من معصية «٦» . وقيل: يعود إلى «البصر» «٧» . وقيل: يعود إلى «كل» . ومن ذلك قوله تعالى: (لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ) «٨» أي: لن تخرق عمقها، أي: لن تبلغ طول ذا ولا خرق ذا وأنت ضعيف عاجز. ومن ذلك قوله تعالى: (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) «٩» أي: تزيدهم تلاوته خشوعا، أو سماعهم له.

стр. 89

ومن ذلك قوله تعالى: (كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا) «١» أي: دخول جنات الفردوس، ف «نزلاً» ، حال من الضمير المجرور فيمن جعلها جمع نازل. ومن جعله كقوله: (هذا نُزُلُهُمْ) «٢» كان خبراً، والتقدير: كانت لهم ثمر الجنات، فحذف المضاف. ومن ذلك قوله تعالى: (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) «٣» أي: كما بدأ خلقكم تعودون. أي: يعود خلقكم عودا كبدئه. والخلق: اسم الحدث، لا الذي يراد به المخلوق. ومن ذلك قوله تعالى: (وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) «٤» أي: كان الانفاق ذا قوام بين ذلك. وإن شئت علقت الظرف بما دل عليه القوام، كأنه: [قال] «٥» : مستقيما بين الإسراف والإقتار، فلا تجعله متقدماً على المصدر وما يجرى مجراه، لأن ذلك لا يستقيم. وإن شئت علقته [به] «٦» فكان على هذا النحو. وإن شئت علقته بمحذوف جعلته الخبر، كأنه قال: بين الإسراف أو التبذير والإقتار، فأفرد ذلك كما أفرد في قوله: (عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ) «٧» وكلا «ذلك» وجه حسن. ومن ذلك قوله تعالى: َسِبَتْهُ لُجَّةً) «٨» أي: حسبت صحن الصرح من القوارير ماء ذا لجة.

стр. 90

وقال تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ) «١» بمعنى: أدرك ولحق فالمعنى: أنهم لم يدركوا علم الآخرة، أي: لم يعلموا حدوثها وكونها. ودل على ذلك/: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ) «٢» أي: من عملها. ف «في» بمعنى الباء، أي: لم يدركوا علمها، ولم ينظروا في حقيقتها فيدركوها، أي إدراك علمهم بحدوثها، بل هم في شك من حدوثها، بل هم عن علمها عمون. ومن ذلك قوله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ) «٣» أي: صاحب سقاية الحاج. وقال عز من قائل: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) «٤» أي: من أهل قرية (هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ) «٥» أي: أخرجك أهلها. ومن ذلك قوله تعالى: (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ) «٦» أي: تمليك مغانم، ويراد به المفعول، لأن الحرث لا يؤخذ «٧» . ومن ذلك: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا) «٨» [أي: تأويل الرؤيا] لأن «الرؤيا» إنما هي مخايل ترى في المنام وليس بحديث فيحتمل الصدق والكذب. والتأويل: حديث، فيحتمل الصدق والكذب، و «صدق» . فعل يتعدى إلى مفعولين. ومن ذلك قوله تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) «٩» أي: من رهبة الله. والمعنى: يرهبونكم أشد مما ترهبون الله.

стр. 91

وهذا مثل قوله تعالى في صفتهم: (وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) «١» . وقال عز من قائل: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ) «٢» فوصفوا في ذلك بالجبن والفرق. والتقدير: رهبتهم لكم تزيد على رهبة الله. فالمصدر المقدر حذفه في تقدير الإضافة إلى المفعول به. ومن ذلك قوله تعالى: (قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ) «٣» أي: من صفاء فضة. ويكون قوله «من فضة» صفة للقوارير، كما أن «قدروها» صفة. ومن ذلك قوله تعالى: (وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ) «٤» أي: اقتحام العقبة. ثم قال: (فَكُّ رَقَبَةٍ) «٥» أي: اقتحامها فك رقبة. (ثُمَّ كانَ) «٦» أي: إن كان، أي: ثم كونه من الذين، فحذف «أن» كقوله: «أحضر الوغى «٧» » . ومن ذلك قوله تعالى: (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ) «٨» أي: من كل ذى أمر. ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ) «٩» أي: من خشية عقاب ربهم. والخشية: خوف فيه تعظيم للمخشى منه، بخلاف الإشفاق، فكأنه قال: هم حذرون المعاصي من أجل خشية عقاب الله.

стр. 92

الباب الثالث باب ما جاء في التنزيل معطوفاً بالواو والفاء وثم من غير ترتيب الثاني على الأول/ فمن ذلك قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) «١» ألا ترى أن الاستعانة على العبادة قبل العبادة. ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ) «٢» . وقال عز من قائل في سورة الأعراف: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) «٣» والقصة قصة واحدة، ولم يبال بتقديم الدخول وتأخيره عن قول الحطة. ومثله: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) «٤» لأن العفو ألا يكون في القلب من ذنب المذنب أثر، والصفح أن يبقى له أثر ما، ولكن لا تقع به المؤاخذة. ومن ذلك قوله تعالى: (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) «٥» والسجود قبل الركوع، ولم يبال بتقديم ذكره لما كان بالواو، فوجب أن يجوز تقديم غسل اليد والرجل على غسل الوجه في قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) «٦» .

стр. 93

ومن ذلك قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ) «١» والرفع قبل التوفي. ومن ذلك قوله تعالى: (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ) «٢» إلى قوله: (وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً) «٣» فأخر لوطا عن إسماعيل وعيسى. نظيره في النساء: (وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ) «٤» وعيسى بعد جماعتهم. ومن ذلك قوله تعالى: (رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) «٥» في الأعراف، وفي طه: (بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)) «٦» . وفي الشعراء» أيضاً، فبدأ أولا بموسى ثم قدم هارون في الأخريين. ومن ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً) «٨» وإمطار الحجارة قبل جعل الأسافل أعالي. فقدم وأخر الإمطار. نظيره في سورة الحجر «٩» . وقال تعالى: (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) «١٠» والنذر قبل العذاب. وفسر قوله تعالى: (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) «١١» أي: وانتفخت لظهور نباتها، فيكون من هذا الباب وفسروها بأضعف نباتها، فلا يكون من هذا الباب.

стр. 94

وأما قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا) «١» فلا يخلو «أهلكناها» من أن يكون خبراً أو صفة فالذي يقوى الخبر قوله تعالى/: (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها) «٢» . وقوله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ) «٣» . فكما أن «كم» في هذه المواضع محمولة على «أهلكنا» كذلك إذا شغل عنها الفعل بالضمير ترتفع بالابتداء، مثل زيداً ضربت، وزيد ضربته. ومن قال: زيدا ضربته، كان قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها) «كم» في موضع النصب. فإن قلت: فما وجه دخول الفاء في قوله (فَجاءَها بَأْسُنا) والبأس لا يأتي المهلكين، إنما يجيئهم البأس قبل الإهلاك، ومن مجىء البأس يكون الإهلاك، فإنه يكون المعنى في قوله (أَهْلَكْناها) قربت من الهلاك ولم تهلك بعد، ولكن لقربها من الهلاك ودنوها وقع عليها لفظ الماضي، لمقاربتها له وإحانته إياها. ونظير هذا قولهم: قد قامت الصلاة، إذا كان المقيم مفرداً، وإن لم تقع التحريمة بها، للقرب من التحريمة بها. ومنه قول رؤبة: يا حكم الوارث عن عبد الملك ... أوديت إن لم تحب حبو المعتنك «٤» فأوقع لفظ الماضي على الهلاك لمقاربته منه، ومراده الآتي. ألا ترى أنك لا تقول: أتيتك إن قمت وإنما تقول: آتيك إن قمت. فمن حيث كان معناه الآتي، قال: إن لم تحب، ومن حيث قارب ذاك أوقع عليه لفظ

стр. 95

الماضي، وكأن المعنى: كم من قرية قاربت الهلاك فجاءها البأس ليلاً أو نهاراً فأهلكناها، خبر على هذا. وقوله (فَجاءَها) معطوف. فإن جعلت (أَهْلَكْناها) صفة للقرية ولم تجعله خبراً، ف «كم» في المعنى هي القرية. فإذا وصفت القرية فكأنك قد وصفت «كم» إذ كان «كم» في المعنى هو القرية. ويدلك على ذلك قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً) «١» فعاد الذكر على «كم» على المعنى، إذ كانت الملائكة في المعنى. وعلى هذا قال: (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) «٢» فيعاد مرة الذكر على لفظ القرية، ومرة على معناها، فيكون دخول الفاء في قوله: (فَجاءَها بَأْسُنا) «٣» على حد: كل رجل جاءني فله درهم فيكون المعنى: كم من قرية جاءها الهلاك فقاربت البأس، فكان سبب الإهلاك/ مجىء البأس، لأن الإهلاك إنما يكون عما يستحق له الإهلاك، فكأنها استحقت الإهلاك فجاءها البأس، فصار نزول البأس استحقاق ذلك. فإذا سلكت فيه هذا المسلك لم يجز في موضع (كَمْ) النصب «٤» لأن من قال: زيدا ضربته، لا يقول: أزيداً أنت رجل تضربه إذا جعلت تضربه صفة للرجل. وكذلك (أَهْلَكْناها) إذا جعلتها صفة ولم تجعلها خبراً. ويكون قوله (فَجاءَها) في موضع الخبر، كما أن قوله فله درهم، من قولك: كل رجل يأتيني فله درهم، في موضع الخبر. ويجوز أيضاً أن تكون الفاء عاطفة جملة على جملة، على تقدير: جاءها البأس قبل الإهلاك لأن المعنى يدل على أن البأس مجئ الإهلاك، فصار (فَجاءَها بَأْسُنا) كالتبيين للإهلاك لهم، والتعريف لوقته.

стр. 96

قال أبو سعيد «١» : دخول الفاء في هذا الموضع ونحوه يجري مجرى الفاء في جواب الشرط، وجواب الشرط قد يكون متأخراً في الكلام ومتقدماً في المعنى، كقول القائل: من يظهر منه الفعل المحكم فهو عالم به ومن يقتصد في نفقته فهو عاقل. ومعلوم أن العلم بالفعل المحكم قبل ظهوره، وعقل المقتصد قبل الاقتصاد [ممتنع] «٢» . وإنما يقدر في ذلك: من يظهر منه الفعل فيحكم أنه عالم به. وكذلك لو جعلناه «٣» جزاء فقلنا: زيد إن ظهر منه الفعل المحكم فهو عالم، فهو محكوم له بالعلم بعد ظهور ذلك. وكذلك قوله تعالى: (فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً) «٤» لما أهلكها الله حكم بأن البأس جاءها بياتاً أو بالنهار. ونحو هذا في القرآن والكلام كثير. قال الله تعالى: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ) «٥» والخطاب لليهود بعد قتل أسلافهم الأنبياء، على معنى: لم ترضون بذلك؟ وقال عز من قائل: (إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها) «٦» إلى قوله (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) «٧» الآية. ومعلوم أنه لا يشترط في الآخرة شروط الثواب والعقاب. وفي هذا جوابان، أحدهما: أن معنى (فَمَنْ يَعْمَلْ) أي: فمن يظهر ذلك اليوم فى صحيفته خير أو شر يرى مكافأته.

стр. 97

والآخر: / أن المعنى: فمن يعمل في الدنيا. ويكون كون الفاء بعد ذكر ما ذكر في الآخرة على معنى: أن ما يكونه الله في الآخرة من الشدائد التي ذكرها توجب أنه من عمل في الدنيا خيراً أو شراً يره، كما يقول القائل: الآخرة دار المجازاة فمن يعمل خيراً يره. ولم يرد خيراً مستأنفاً دون ما عمله العاملون. وقد يكون ذلك أيضاً على مذهب الإرادة، فيكون التقدير: وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا كما قال الله تعالى (إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) «١» والقيام بعد غسل الوجه. والمعنى: إذا أردتم القيام إلى الصلاة. قال الفراء: ربما أتى ما بعد الفاء سابقاً إذا كان في الكلام دليل السبق. فإذا عدم الدليل لم يجز. وذكر قول الله تعالى: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا) «٢» فذكر عن قوم قالوا: البأس قبل الإهلاك، كما تأولوا في «ثُمَّ» مثل هذا في قوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها) «٣» [أي] ثم خلقكم منها. وقيل: معناها: خلقكم من نفس وحدها ثمّ جعل الزوج منها بعد التوحيد، فأفادت واحدة هذا المعنى. قال: والأجود في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ) «٤» أن يريد: ولقد خلقنا أصلكم الذي هو آدم، كما قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا) «٥» ، معناه: خلق أصلكم، الذي هو آدم، من طين.

стр. 98

وقال الفراء في قوله تعالى: (فَجاءَها بَأْسُنا) «١» إذا كان الشيئان يقعان في حال واحدة نسقت بأيهما شئت على الآخر بالفاء كقولك: أعطيتني فأحسنت، وأحسنت فأعطيتني لا فرق بين الكلامين لأن الإحسان والإعطاء وقتهما واحد. قال أبو سعيد «٢» : وهذا مشبه الذي بدأت به في تفسيره، إلا أنه متى جعلنا أحدهما شرطاً جاز أن يجعل الآخر جواباً، فتدخل الفاء حيث جاز أن تكون جواباً، كقولك: إن أعطيتني أحسنت، وإن أحسنت أعطيت، وإن يعط فإنه محسن، وإن يحسن فإنه معط. وقال غير الفراء في قوله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ) «٣» /: معناه/ ثم كان قد استوى على العرش قبل أن يخلق السموات والأرض. وهذا يشبه الجواب الذي حكاه الفراء في قوله: (فَجاءَها بَأْسُنا) «٤» . وقالوا فيها جواباً آخر، على جعل «ثم» للتقديم، تقديره: هو الذي خلق السموات والأرض، أي أخبركم بخلقهما، ثم استوى، ثم أخبركم بالاستواء. ومثله: (اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ) «٥» أي: فأخبرهم بالإلقاء، ثم أخبرهم بالتّولّى.

стр. 99

ومثله: (ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ) «١» وقد قال قبله: (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) «٢» وقال: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) «٣» ثم يكون «ثم استوى» على الإخبار، ويكون الدحو بعد «٤» ، وخلق الأرض قبل خلق السماء، وقيل في قوله تعالى: (ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ) «٥» فليس التولي الانصراف، وإنما معناه، تنح عنهم بعد إلقاء الكتاب إليهم بحيث يكونون عنك بمرأى ومسمع، فانظر ماذا يردون من جواب الكتاب. وقيل في قوله تعالى: (وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها) «٦» أي: مع ذلك. كما قال: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ) «٧» أي: مع ذلك. وعكسه قوله تعالى: (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ) «٨» أي: بعد العسر. وأما قوله تعالى: (لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى) «٩» أي: ثم دام وثبت على الاهتداء. وهذا كقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) «١٠» . والمعنى في ذلك: الدوام على الإيمان والعمل الصالح، لأن الإيمان الذي يحظر النفس والمال قد تقدم فيما ذكر في قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ

стр. 100

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) فقال بعد: (إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا) «١» . ومما يبين أن المعنى فيه ما ذكرت قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ) «٢» وفي الأخرى (إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) «٣» والمعنى: اتبعوا التوحيد ثم داموا عليه وأقاموا. فاستقام/ مثل أقام، كاستجاب وأجاب. وقال أبو الحسن «٤» في قوله تعالى: (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) «٥» : إن «ثم» زيادة. والمعنى على ما قال: لأن المعنى: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت تاب عليهم ليتوبوا. فجواب الجزاء، إن لم تقدّر «ثم» زيادة، غير مذكور. فإن قال قائل: إن «ثم» زيادة في قوله: (ثُمَّ اهْتَدى) «٦» كما قال أبو الحسن «٧» في الآية الأخرى، فإنه يكون قوله (اهْتَدى) بعد تقدير زيادة «ثم» على تقديرين: أحدهما: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً) «٨» إنساناً مهتدياً، ويكون حالا. ولم يقع بعد، فإنه كقوله: (هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ) «٩» . ويجوز أن يكون على إضمار «قد» على تقدير: (وَكُنْتُمْ أَمْواتاً) «١٠» أي: قد كنتم. وقال أبو على في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) «١١» على ما تقدم من حذف المضاف. وعلى قولهم: هزمناكم، أي: هزمنا إياكم، كقوله: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ) «١٢» أي: فلم قتلتم.

стр. 101

وأما قوله تعالى: (ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) «١» بعد قوله (قُلْ تَعالَوْا) «٢» فالتقدير: ثم قل: آتينا موسى الكتاب. وكذلك قوله: (خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) . «٣» هو على ترتيب الخبر، أي: أخبركم أولا بخلقه من تراب، ثم أخبركم بقوله «كن» . وأما قوله: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) «٤» وبعده (ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) «٥» فهو مثل الأول في ترتيب الخبر. وأما قوله تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) «٦» أي: اثبتوا على التوبة ودوموا عليه. قال عثمان «٧» في بعض كلامه في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ) «٨» : «الواو» وإن كان لا يوجب الترتيب، فإن لتقديم المقدم حظاً وفضلاً على المؤخر. ألا ترى كيف قال: (أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) فقدم المؤخر في موضع تعداد النعم، فكان أولى. وقال أبو علي أيضاً في موضع آخر في قوله تعالى (ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ) «٩» ثم، زائدة وقد يجوز أن يكون جواب «إذا» محذوفا، و «ثمّ تاب عليهم»

стр. 102

معطوف على جملة الكلام، أي: حتى إذا/ ضاقت عليهم الأرض تنصلوا وتندموا، ثم تاب عليهم. و «إذا» بعد «حتى» للجزاء، وهي بمعنى: متى، أي: متى ضاقت عليهم الأرض. وأما قوله تعالى: (ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) «١» فإن «ثم» للعطف على تراخ، وقد عطفت في الآية «النحر» الذي هو بآخرة، أو «الطواف» الذي هو الخاتمة، على الانتفاع بما يقام في المناسك في الدين، أو بمنافع البدن والهدايا في الدنيا، على القولين، وكذلك «إلى» التي هي غاية الفرائض، إما لنحر الهدايا، وإما للطواف الذي هو غاية إقامة جمع الواجبات. وقيل معناه: إن أجرها على رب البيت العتيق. وأما قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) «٢» فقد قيل هذا على الإخبار أيضاً، أي: ثم أخبركم بالسؤال عن النعيم، لأن السؤال قبل رؤية الجحيم. وقيل: بل المعنى يقال لكم: أين نعيمكم في النار وأين نمتعكم به؟ وشاهد هذه الآى البيت المعروف، وهو قوله: قل للذي ساد ثم ساد أبوه ... ثم ساد من بعد ذلك جده «٣» ومعلوم أن سيادة الجد قبل سيادة أبيه، وسيادة أبيه قبل سيادته أولا، ثم أخبركم بسيادة أبيه ثانيا، ثم أخبركم بسيادة جده ثالثا.

стр. 103

الباب الرابع هذا باب ما جاء في التنزيل وقد حذف منه حرف الجر فمن ذلك قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) «١» . التقدير: اهدنا إلى الصراط، فحذف «إلى» ، دليله قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) «٢» ، وقوله تعالى: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً) «٣» لأن العرب تقول: هديته إلى الطريق فإذا قال: هديته الطريق، فقد حذف «إلى» . ومن ذلك قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ) «٤» أي: بأن لهم، فحذف الباء وانتصب «أن» على مذهب سيبويه، وبقي الجر عند الخليل والكسائي. وحجاجهم مذكور في الخلاف. وعلى هذا جميع ما جاء فى التنزيل من قوله: (يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً) «٥» في/ بني إسرائيل والكهف، دليله ظهوره في قوله تعالى: (بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ) «٦» . وقوله: (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ) «٧» ، وقوله: (فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ) «٨» ، وقوله: (بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ) «٩» ، وقوله: (يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى) «١٠» ، وقوله: (لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ) «١١» . ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها) «١٢» أي: لا يستحيى من ضرب المثل، فحذف «من» . ويكثر

стр. 104

حذف المثل لجر من أن «١» ويقل مع المصدر يحسن «أن يصرب» والتقدير: من أن يضرب، ولا يحسن حذف: من ضرب. وأما قوله «بعوضة» فقيل: التقدير: أن يضرب مثلا ببعوضة، و «ما» صلة زائدة، فحذف الباء. وقيل: أن يضرب مثلا ما بين بعوضة فما فوقها- عن الفراء- فحذف «بين» . وقيل: «ما» ، نكرة في تقدير: شىء، و «بعوضة» بدل منه. وقال أبو علي، في معنى الآية: لا يجوز في القياس أن يريد أصغر منها. وقد حكى عن الكلبي أنه يريد: دونها. وقال ابن عباس «فما فوقها» الذباب فوق البعوضة، وهو الحسن. قال أبو علي: وإنما يجوز هذا في الصفة، هذا صغير وفوق الصغير، وقليل وفوق القليل، أي جاوز القليل. فأما هذه نملة وفوق النملة، وحمار وفوق الحمار يريد أصغر من النملة ومن الحمار، فلا يجوز ذلك لأن «هذا» اسم ليس فيه معنى الصفة التي جاز فيها ذلك. الفراء: «فما فوقها» ، يريد: أكبر منها، وهو العنكبوت والذباب. ولو جعلت في مثله من الكلام «فما فوقها» تريد أصغر منها، لجاز، ولست

стр. 105

أستحسنه، لأن البعوضة غاية في الصغر، فأحب إلى أن أجعل «فما فوقها» أكبر منها. ألا ترى أنك تقول: تعطى من الزكاة الخمسون فما دونها، والدرهم فما فوقه، ويضيق الكلام أن تقول: فوقه فيهما، أو دونه فيهما. وموضع حسنها في الكلام أن يقول القائل: إن فلاناً لشريف. فيقول السامع: وفوق ذلك يريد المدح. أو يقول: إنه لبخيل. فيقول: وفوق ذلك. يريد بكليهما معنى أكبر. فإذا عرفت الرجل فقلت: دون ذاك فكأنك تحطه عن غاية الشرف، أو غاية البخل. / ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً) «١» أي: بأن تذبحوا، لأن «أمر» فعل يتعدى إلى مفعولين، الثاني منهما بالباء دليله (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ) «٢» . ومثله: (أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ) «٣» أي: من أن أكون. ومثله: (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) «٤» أي: في أن يؤمنوا لكم. ومن ذلك قوله تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ) «٥» أي: بغيا لأن ينزل الله، فإن «ينزل الله» متعلق ب «بغيا» بواسطة حرف الجر. و «بغيا» مفعول له، و «أن يكفروا» رفع مخصوص بالذم. و «ما اشتروا» ، «ما» يجوز أن يكون نصباً على تقدير: بئس شيئا ويجوز أن يكون رفعا على تقدير: بئس الذي اشتروا به.

стр. 106

ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) «١» أي: في نفسه، فحذف «في» . وقال قوم: سفه، بمعنى سفه. وقال قوم: هو تمييز. والمعرفة لا تكون تمييزا. ومن ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) «٢» . قال عثمان «٣» : يمكن أن يكون تقديره: فمن عفى له من أخيه عن شىء، فلما حذف حرف الجر ارتفع «شىء» لوقوعه موقع الفاعل كما أنك لو قلت: سير بزيد، ثم حذفت الباء، قلت: سير زيد. ومثل حذف «عن» في التنزيل قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) «٤» والتقدير: فقد ضل عن سواء السبيل. ومن ذلك قوله تعالى: (وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ) «٥» أي: بأن طهرا بيتي. ومنه قوله تعالى: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) «٦» أي: في أن يطوف وكذلك: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) «٧» أي: فى أن تبتغوا.

стр. 107

ومثله قوله تعالى: (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا) «١» أي: في أن تبروا. وقال أبو إسحاق: بل «أن تبروا» مبتدأ، والخبر محذوف. أي: البر والتقوى أولى. ومنه قوله تعالى: (أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ) «٢» أي لأولادكم. ومنه قوله تعالى: (وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ) «٣» أي: على عقدة النكاح، لقوله «٤» : / عزمت على إقامة ذي صباح ... ليوم «٥» ما يسود من يسود. ومثله قوله تعالى: (وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) «٦» التقدير: ما لنا في ألا نقاتل، فحذف «في» . وقال الأخفش: إن «أن» زائدة، أي ما لنا غير مقاتلين لأن قوله «لا نقاتل» في موضع الحال. وعن بعض الكوفيين: إنما دخلت «أن» لأن معناه: ما يمنعنا، فلذلك دخلت «أن» ، لأن الكلام: مالك تفعل كذا وكذا. قال أبو علىّ: والقول هو الأول.

стр. 108

وجه قول أبي الحسن إن «أن» لغو كإذن، يكون لغواً، كما تكون هي، وكما تكون عوامل الأسماء لغوا، ولا يمنعها كونها لغوا من العمل في معمولها، كما لم تمتنع عوامل الأسماء، كقوله تعالى: (فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ) «١» . فإن قال قائل: فهلا أجاز فى «لن» أيضا كما أجاز في «أن» كذلك، فإن هذا لا يلزمه، لأن «أن» أشد تصرفاً من «لن» وهي لذلك أحمل للتوسع وأجلد به. ألا ترى أنها تدخل على الماضي والمستقبل، وتدخل على أمثلة الأمر، كقولك: كتبت إليه بأن قم، وليس شىء من هذا في «لن» . ألا ترى أنها تلزم المستقبل ولا تتجاوز عن ذلك، إلا أن الوجه فيها مع ذلك ألا تكون ك «إذن» لأن «إذن» إذا وقع بعدها فعل الحال ألغيت ولم تعمل فيه، و «أن» قد عملت هنا، فلو كانت مثل «إذن» لوجب ألا تعمل فيما بعدها من الفعل، كما لم تعمل «إذن» إذا كان الفعل الذي بعده فعل الحال، ألا ترى أن الاسم في «مالك قائماً» ينتصب على الحال، فكذلك الفعل بعد «إذن» هنا فعل حال، فلو كانت «أن» ك «إذن» لوجب ألا تعمل في فعل الحال كما لم تعمل «إذن» فيه، في نحو قولك: إذا حدثت بحديث: إذن أظنك كاذباً. وأيضاً فلا يجوز أن تكون «أن» مثل «إذن» في أن تلغى كما تلغى «إذن» . ألا ترى أن فيها من الاتساع أكثر مما في «أن» ، تقول: أنا أقوم إذن فلا توليه فعلا. وتقول: إذن والله أقوم، فتفصل بينه وبين الفعل.

стр. 109

والإلغاء سائغ فيه. فإذا كان له من التصرف ما ليس «لأن» ، لم/ ينكر أن يجوز فيه الإلغاء، فلا يجوز في «أن» لكون تصرفها أقل من تصرف «إذن» . وجوز أبو الحسن أن يكون المعنى: وما لنا في ألا نقاتل. وهذا أوضح، ويكون «أن» مع حرف الجر في موضع النصب على الحال، كقوله تعالى: (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) «١» ونحو ذلك، ثم حذف الحرف فسد «أن» وصلتها ذلك المسد. والحال في الأصل هو الجالب للحرف المقدر، إلا أنه ترك إظهاره لدلالة المنصوب عنه عليه. ومثل هذه الآية في التنزيل: (وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا) «٢» أي: ما لكم في ألا تأكلوا ومن إضمار حرف الجر قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) «٣» أي: لأن آتاه الله الملك. ومنه قوله تعالى: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) «٤» أي: إلا على إغماض فيه، و «على» مع المجرور في موضع الحال، أي: إلا مغمضين فيه. ومن حذف حرف الجر قوله تعالى: (وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ) «٥» .

стр. 110

الذي عليه البصريون حذف المضاف على تقدير: كراهة أن يؤتى. قال أبو علي: في الآية «أن» لا يخلو من أن يكون منتصباً بأنه مفعول به، أو مفعول له فلا يجوز أن ينتصب بأنه مفعول به وذلك أن الفعل قد تعدى باللام إلى قوله: (لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) «١» كما تعدى بها في قوله: (وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا) «٢» فإذا انتصب هذا بأنه مفعول به لم ينتصب به مفعول آخر، فإذا لم ينتصب بأنه مفعول به انتصب بالوجه [الآخر] «٣» ، والتقدير: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم: كراهة ذكر أن يؤتى أحد، وذكر أن يحاجوكم. والدليل على انتصابه بهذا الوجه: قوله فى الآية الأخرى (إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ) «٤» وكما أن قوله «لِيُحَاجُّوكُمْ» في هذه الآية مفعول له، وقد دخلت اللام عليه وكذلك قوله (أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) منتصب بالعطف على ما هو مفعول له. / وهذه الآية عندنا على غير ما قاله الشيخ ﵀، والتقدير: ولا تؤمنوا بأن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم، أو يحاجوكم عند ربكم، إلا من تبع دينكم، فالباء مضمر، و «أن يؤتي» مفعول «لا تؤمنوا» واللام زيادة، ومن تبع دينكم استثناء من «أحد» على التقدير الذي ذكرنا. ويجوز أن يكون قوله (لمن تبع دينكم) ، «من» صلة «تؤمنوا» وإنما لا يتعدى الفعل بحرفين إذا كانا متفقين، وأما إذا كانا مختلفين فالتعدى بهما جائز. وقد استقصينا هذه المسألة في غير كتاب من كتبنا.
следующие страницы →