← Акыда

Акыда · id 23586

ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي

سفر الحوالي

Полный текст (508 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الإيمان حقيقة مركبة سبق إيضاح أن حقيقة الإيمان هي أنه: " قول وعمل "، وأن ذلك مجمع عليه بين السلف، متواترة على تأييده النصوص، متضافرة عليه الأدلة، لم يخالف فيه إلا مبتدع متنكب طريق الحق، معرض عن دلالات نصوص الوحي وشواهد العقل والفطرة إلى ما نضحت به أذهان الفلاسفة والمناطقة، وتعمقت فيه أوهام المتكلمين والمجادلين. كما سبقت الإشارة - أولا الإشارات - إلى إن هذين الركنين -أو الشطرين - " القول والعمل " تتكون منهما حقيقة واحدة جامعة لأمور متعددة، مثلما تتركب حقيقة الإنسان من الجسد والروح، بحيث يكون فقدان إحداهما بالكلية نفياً للحقيقة ذاتها. ومن هنا كان القول والعمل بالمعنى الذي سبق شرحه في موضعه شطرين متمازجين متساويين في ضرورة الوجود وقوة الاشتراط، فكما أنه لا يصح وجود عمل لا قول معه قط، لا يصح كذلك وجود قول لا عمل معه قط. وهذا ما تضمنته الفصول التي عقدت لبيان علاقة عمل القلب بقول اللسان، وعلاقة عمل الجوارح بأعمال القلب، واثر كل منهما في الآخر، وهو ما نريد إيضاحه هنا منفردا، فنقول: إن أصل الخلاف بين أهل السنة والمرجئة في موضوع العمل هو أن المرجئة لا يقرون بهذه التركيبية، بل يعتقدون أن الإيمان شيء واحد؛ هو تصديق القلب دون سائر أعمال القلب والجوارح - كما سبق مراراً - وهم يوافقون على أن من أتى بجميع أعمال الجوارح الواجبة والمستحبة ظاهراً، لكن قلبه مع ذلك خال من الإيمان إنه لا يكون مؤمنا - وذلك باستثناء الخلاف اللفظي الذي شذت به الكرامية، حيث يطلق عليه اسم الإيمان - مع إقرارها أنه كافر مخلد فى النار، فخالفوا فى الاسم لا فى الحكم - ولكنهم يخالفون فى عكس هذه القضية وهي أن أحداً لم يعمل

стр. 422

عملاً من الأعمال الواجبة والظاهرة قط، حتى أنه لم ينطق بكلمة الشهادة (١) ؛ وهو مع ذلك مؤمن كامل الإيمان (٢) . وهي القضية التي ينفى أهل السنة وجودها في الواقع أصلا - كما سنرى -، والفرق بينهما وبين القضية الأولى والتي يقر بها المرجئة من حيث الوجود والعدم يرجع إلى الفرق بين مفهوم الإيمان المفترض وجوده عند الطائفتين، فلما كان الإيمان عند المرجئة هو التصديق على النحو الذي فسروه به - لم يصعب عليهم تصور وجوده مع فقد كل الأعمال الواجبة، لكنه لما كان عند أهل السنة له معنى أخر مركب، لم تصوروا أن يوجد باطن الإيمان ولا يوجد شيء من ظاهره؛ لأن ذلك من قبيل افتراض وجود الأصل اللازم والعلة التامة، مع انتفاء المجزوم والمعلوم، فهو نفى لتلك العلامة التركيبية المزجية. وهذا ما قرره السلف كثيراً؛ كقول أبى ثور في إلزام المرجئة: " أرأيتم أن رجلاً قال: أعمل ما أمر الله به ولا أقر به، أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال: أقر بجميع ما أمر الله به ولا أعلم منه شيئا أيكون مؤمناً؟ فإن قالوا: نعم، قيل لهم: ما الفرق وقد زعمتم أن الله أراد الأمرين جميعاً، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إذا ترك الآخر جاز أن يكون الآخر مؤمناً - إذا عمل ولم يقر - لا فرق بين ذلك (٣) . وسيأتى ما يؤيده من نصوص وآثار، والمقصود هو بيان أصل النزاع في المسألة، ويمكن تحرير ذلك باستخدام السبر والتقسيم فيقال: إن تعلق العمل بالإيمان منحصر في أربع حالات لا خامس لها (٤) : أن يجتمعا معاً - أى إيمان القلب وعمل الجوارح. أن ينتفيا معا. أن توجد أعمال الجوارح مع انتفاء إيمان القلب. أن يوجد إيمان القلب مع انتفاء عمل الجوارح. فأما القضية الأولى فمتفق عليها " مؤمن ".

стр. 423

فأما القضية الثانية فمتفق عليها " كافر ". أما القضية الثالثة فمتفق عليها "منافق" وأما القضية الرابعة فمختلف فيها. فالمرجئة يلحقون حكمها بحكم الأولى،بل يقولون: إن إيمان من تنطبق عليه القضية الأولى كإيمان من تنطبق عليه القضية الرابعة سواء بسواء؛إذ الأعمال عندهم خارجة عن الإيمان، والإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاضل الناس فيه -كما سبق بيانه، فهو لدى الاثنين سواء،بل قالوا ما هو أسوء من ذلك؛وهو إن ارتكاب جميع المحرمات وترك جميع الطاعات لا يذهب شيئاً من الإيمان؛إذ لو ذهب منه شيء لم يبق منه شيء (١) . وهذا القدر المشترك بينهم كاف في الرد عليهم جميعا رداً واحداً -أي من يعتبر النطق ومن لا يعتبره-. وأما أهل السنة والجماعة فينفون وجود الحالة الرابعة في الواقع أصلاً؛بناء على مفهومهم الخاص للإيمان. فتبين إن فساد تصور المرجئة للإيمان أدى إلى تصور هذه الحالة،وعليه: فبيان خطا قولهم هذا يستلزم فساد تصورهم للإيمان بلا ريب،وإن الإيمان الذي يتكلمون عنه ويصفونه ليس الإيمان الشرعي بحال. كما إنه يدل على تناقض من وافقهم من الفقهاء المنتسبين إلى السنة والأئمة في بعض الأحكام الظاهرة -كالقول بأن تارك الصلاة المصر على تركها حتى ضربت عنقه بالسيف إنما قتل حدا؛إذ إن مذهب المرجئة في حكم تارك الصلاة يتفق ومفهوم الإيمان عندهم،لكن من يعتقد قد أن الإيمان قول وعمل -ويكون ذلك مذهب إمامه -كيف يوافقهم على إن تارك جميع العمل لا يكفر،إلا إذا انتفى منهم تصديق القلب أي كان مستحلاً أو غير مقر بالوجوب ويوافقهم على أن شاتم الرسول ﷺ ومهين المصحف عمداً وقاتل النبي كافر ظاهراً،ويجوز أن يكون مؤمناً في الباطن؟! (٢) وأهل السنة حين يقرون أن ترك العمل ترك لركن الإيمان الذي لا يكون إلا به، لا يعتمدون على تفلسف أو نظريات ذهنية، وإنما ينطلقون من منطلق واقعي

стр. 424

وعلمي في غاية الوضوح؛ وهو أن هذه الحالة الرابعة لا وجود لها في مواقع الجيل الأول، ولا في تصوره، وكذا لا وجود لها في الواقع النفسي المحسوس، - كما لا يمكن أن تتفق مع حقيقة الإيمان الشرعية التي تشهد النصوص بأنها مركبة من القول والعمل معاً، كما لا تتفق مع النصوص الأخرى الكثيرة في حكم التولي عن طاعة الله ورسوله ﷺ ، وترك الامتثال لأوامره، والتخاذل عن القيام بفرائضه. وهو كذلك مناقض لما ورد عن السلف الأخيار، والأئمة الأعلام في هذا الأمر. ومع تقدم إيضاح بعض الاستدلالات نزيد هنا بإيضاح البعض الآخر - مع التذكير بما سبق، فنقول: أولا: ترك العمل في ضوء واقع الجيل الأول، وحقيقة النفس الإنسانية: إنه مع غض النظر مطلقا عن جدل الفرق في النصوص، وتعارضها - في نظرهم - وخلافات الفقهاء المتأخرين في فهمها، يظل المعيار الحقيقي للحكم على أي حالة هو معيار الصدر الأول، وواقع السلف الصالح قبل اختلاف الأمة، بل في حياة النبي ﷺ . وهذا المعيار - على وضوحه - هو أيسر المعايير وأصدقها، والفطرة الإيمانية تعرفه أكثر مما يعرف الذهن الجدل الكلامي والخلافات المتشعبة. وذلك أن ينظر المؤمن إلى الحالة المراد معرفة حكمها، متصوراً أنها وقعت في الصدر الأول، ويفكر ويتدبر ماذا يمكن أن يحكم به عليها ذلك الجيل القدوة، أو ماذا يمكن أن يكون وضعها لو وجدت فيه وعاشت معه؟ وسيجد الجواب بإذن الله أيسر وأقرب مما يجده في عويص الخلافات ودقائق الترجيحات التي لا يستطيع أن يخوض غمارها كل أحد. فما حكم ترك العمل في ضوء ذلك؟ أي ما حكم رجل عاش في ذلك الجيل الحي العامل المجاهد منتسبا إليه بالاسم، مقراً بصدق الرسول ﷺ باللسان ولكنه مع ذلك لا يؤدي فريضة من فرائض الله، ولا يجتنب معصية من معاصيه، ولا يحكم بما أنزل الله، ولا يتبع ما أنزل الله يأتي ويدع من أعمال، فلا يصلى، ولا يصوم، ولا يزكي، ولا يحج، ولا يوالي

стр. 425

المؤمنين ولا يجاهد معهم، ولا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، ولا يشارك بأي مشاركة إيمانية في ذلك المجتمع الأول، إلا أنه رأى الرسول ﷺ وآيات صدق نبوته الباهرة، فأقر في قلبه، وزاد على ذلك بالتلفظ بالشهادتين بلسانه؟ (١) الحق أنه لا يصح أن يسأل عن موقع هذا الرجل في صفوف المؤمنين، بل الصحيح أن يسأل أيمكن أن يوجد في صفوف المنافقين؟! فالمنافقون - كما أشرنا - سلفاً، وكما هو صريح القرآن - كانوا يجاهدون وينفقون ويصلون، ويشهدون مواقف الرعب والهول التي تكتنف الجماعة المسلمة الناشئة، فهل عاش أو يتصور أن يعيش بينهم هذا الذي لا صلاة له، ولا جهاد، ولا نفقة، ولا مشاركة للمؤمنين في عمل قط، ولو في الظاهر؟ بل نقول: أنه وجدت حالة أفضل من حالة هذا الرجل بكثير: وهي حكاية رجل دافع عن الدعوة وحمى صاحبها ﷺ ، وشاركه في مواقف الصبر والاضطهاد، معترفا في قرارة نفسه بصدق نبوته وصحة ما جاء به في شعره، ومع ذلك مات كافرا، وهو من أهل النار بنص الخبر الصحيح.. أعني أبا طالب عمه ﷺ . فإن قالت المرجئة: إنما كفر أبو طالب لامتناعه عن قول الشهادة عند الموت، وقوله: هو على ملة عبد المطلب. قلنا: ما تزال الحجة قائمة عليكم، وذلك أنه لو كان مؤمناً من قبل، ناجيا عند الله في الآخرة - كما يقولون في حكم من لم ينطق الشهادة - لما احتاج النبي ﷺ أن يعرض عليه ذلك قائلا: " يا عم، قل: لا إله إلا الله. كلمة أشهد لك بها عند الله " (٢) . فلما عرض عليه ذلك وألح عليه علمنا أنه لم يكن قبل ذلك مؤمناً ولا موعوداً بالنجاة قط، ولو كان كذلك لكان امتناعه عن الشهادة معصية فقط - كما قد صرح بعضكم (٣) في حق الممتنع عنها!! فإذا كان هذا حاله، فكيف من لم يعمل شيئاً قط إلا التصديق القلبي بصدق الرسول، أو أضاف إلي ذلك كلمة الشهادة مجردة من أعمال القلب والجوارح؟!

стр. 426

وإن في أقسام الناس على عهد النبي ﷺ ما يدل على ما قررناه بجلاء؛ وذلك أنهم لم يكونوا سوى ثلاثة أقسام: ١- عامل بجوارحه مؤمن بقلبه وهم المؤمنون. ٢- عامل بجوارحه كافر بقلبه وهم المنافقون ٣- كافر بجوارحه وبقلبه وهم الكافرون. روى الإمام أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الإيمان بسند صحيح إلى أبي قلابة التابعي أنه قال: حدثني الرسول الذي سأل عبد الله بن مسعود (١) ، فقال: " أنشدك بالله أتعلم أن الناس كانوا على عهد رسول الله ﷺ على ثلاثة أصناف: مؤمن السريرة مؤمن العلانية. وكافر السريرة كافر العلانية. ومؤمن العلانية كافر السريرة. فقال عبد الله: اللهم نعم " (٢) . فلم يكن في واقع الجيل الأول ولا في تصوره وجود لمؤمن السريرة كافر العلانية، أي التارك للإيمان بجوارحه المؤمن بقلبه، كما تزعم المرجئة (٣) . وانطلاقا من هذا يقول الخطابي: " قد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن، ولا يكون صادق الباطن غير منقاد الظاهر " (٤) . ولهذا ينقد شيخ الإسلام ابن تيمية بقوة العبارة التي يستخدمها بعض الفقهاء في حق من صدرت منهم أعمال كفرية صريحة، وهي قولهم: " كافر ظاهرا مؤمنا باطنا "، مبينا أنها لوثة من لوثات الإرجاء (٥) .

стр. 427

وأما حقيقة النفس الإنسانية، فغني عن البيان والإعادة أن نقول ان الإنسان لا يمكن أن ينفصل عمله عن همه وإرادته بحال؛ إذ الأعمال ما هى إلا الأثر الظاهر للهم والإرادة، ولا يتصور منافاتها لذلك مطلقا. غير أن من المهم هنا أن نعرج على الحالة المعاكسة - أي حالة المنافق الذي يستسلم ظاهراً وهو غير منقاد باطناً -؛ لنبين أن ذلك لا يتعارض مع هذه الحقيقة؛ وذلك أن أعمال المنافق هي بلا ريب أثر ما في قلبه؛ فقد يقال: لم لم يتلازم الظاهر والباطن في حقه، إذ نراه على ظاهر يخالف باطنه؟ والجواب: إن القاعدة صحيحة، وأن التلازم ثابت؛ فإن الالتواء أو التذبذب الخارجي هو أثر الالتواء والتذبذب الباطني المطابق له، والمنافق في الواقع ونفس الأمر ليس منقاداً لا ظاهراً ولا باطناً، فهذا هو حكمه عند الله الذي يعلم الأمور على حقائقها. ومخالفة ظاهره لباطنه إنما هي في علمنا البشرى القاصر، حيث يمكن أن يحجبنا بتصنعه وتكلفة أعمال الإيمان الظاهرة عما في قلبه من الكفر، ومع ذلك فليس الأمر على إطلاقه، فبصيرة المؤمنين لها أثر في معرفة المنافق، ولحن القول لا ينفك ينبئ عن المنافقين بين الحين والحين، كما أن اعوجاج المظهر من لوازمهم المعلمة عن حقيقة المخبر، ولولا وجود ضعاف الإيمان من غير المنافقين لكان أمرهم أجلى حداً، فأعمال المنافقين لا تشتبه وأعمال السابقين، وإنما تشتبه بأعمال هؤلاء. ثانيا: بعض النصوص الشرعية في حكم ترك العمل: وردت آيات وأحاديث كثيرة في أن العمل لا ينفك عن الإيمان الباطن، وأن العمل الصالح هو مناط النجاة فى الدنيا والآخرة، فهو الذي ينجي في الدنيا من سيف أهل الإيمان، وينجي يوم القيامة من عذاب النيران، ولم يعلق ذلك بأحد ركني الإيمان دون الآخر، إلا أن المنافق ينجو من السيف مادام نفاقه سراً، فإذا أظهره فهو الزنديق الذي تكلم العلماء في أحكامه بما لا يسعه المقام، وهذا دليل على التلازم والتركيب.

стр. 428

وأنا أذكر بعض ما أستدل به السلف في ذلك - فهم أعلم الناس بدلالات النصوص - فمن ذلك قوله تعالى: ١- «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة» (البينة: ٥) وبهذه الآية استدل عليهم التابعي المشهور عطاء بن أبي رباح، وتبعه الشافعي والحميدي والإمام أحمد. ففي قصة سالم الأفطس المرجئ، التي نقلناها سابقاً (١) يقول الراوي: فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي، قلت: إن لنا حاجة فأدخلنا، ففعل، فأخبرته أن قوماً قبلنا قد أحدثوا، وتكلموا وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين (٢) . فقال: أو ليس الله يقول: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» (البينة: ٥) فالصلاة والزكاة من الدين. وتبعه الشافعي فقال للحميدي: ما يحتج عليهم - يعني أهل الأرجاء - بآية أحج من قوله: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ ... » (٣) الآية. وتبعه الحميدي والإمام أحمد فقد روى الخلال عن عبد الله بن حنبل عن ابن اسحاق بن حنبل قال: قال الحميدي: " وأخبرت أن أقواماً يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، ويظل مسنداً ظهره مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن - ما لم يكن جاحداً - إذا علم أن ترك ذلك فيه إيمانه، إذا كان مقراً بالفرض واستقبال القبلة. فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ وفعل المسلمين، قال : «حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ» .

стр. 429

قال حنبل: قال أبو عبد الله (يعني الإمام) : من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره، وعلى الرسول ﷺ ما جاء به. فانظر إلى هذا الحزم والوضوح مع تصريحهم بأنه مقر غير جاحد، ومع أن الكلام ليس فيمن عُرض على السيف فأصر على الترك!! وقال الإمام الآجري ﵀: " فالأعمال بالجوارح تصديق عن الإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمله؛ مثل الطهارة والصلاة والزكاة والحج والجهاد وأشباه لهذه، ورضى لنفسه بالمعرفة والقول دون العمل - لم يكن مؤمناً، ولم تنفعه المعرفة والقول، وكان تركه للعمل تكذيبا منه لإيمانه، فاعلم ذلك. هذا مذهب علماء المسلمين قديماً وحديثاً، فمن قال غير ذلك فهو مرجئ خبيث، أحذره على دينك، والدليل على هذا قو الله : «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيمون الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة» (١) . ٢- ومما استدل به السلف عليهم قوله تعالى: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» (البقرة: ١٧٧) . كما سبق في الاستدلال بها، وقد جعلها البخاري عنوانا لباب أمور الإيمان وقوله تعالى: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» وذكر الآية (٢)

стр. 430

٣- ومما استدلوا به آيات سورة التوبة، ومعلوم أنها من أخر ما أنزل، وهي قوله تعالى: «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» (التوبة: ٥) . ثم قال بعدها: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (*) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) (التوبة: ١١ - ١٢) فجعل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع الإيمان بالله وترك الشرك - شرطاً في تخليه السبيل، وعصمة الدم، واستحقاق الأخوة من المؤمنين، وجعل نقض ذلك موجباً للقتال على الكفر. ولهذا قال أنس رضى الله عنه - وهو ممن أدرك ظهور المرجئة -: " هو دين الله الذي جاء به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء؛ وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله: «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ» (١) . إلى أن قال: توبتهم خلع الأوثان وعبادة ربهم وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ» . قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها: " ولهذا اعتمد الصديق رضى الله عنه في قتال مانعي الزكاة على هذه الآية الكريمة وأمثالها؛ حيث حرمت قتالهم بشرط هذه الأفعال، وهي الدخول في الإسلام والقيام بأداء واجباته، ونبه بأعلاها على أدناها، فإن أشرف الأركان بعد الشهادة الصلاة التي هي حق لله ، وبعدها أداء الزكاة التي هي نفع متعد إلى الفقراء أو المحاويج، وهي أشرف الأفعال المتعلقة بالمخلوقين، ولهذا كثيراً ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة.

стр. 431

وقد جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ... " الحديث. وقال أبو إسحاق: عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: أمرتم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاة له. وقال عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم: أبى الله أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال: يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه " (١) إلى آخر ما ذكر ﵀ من أحاديث وآثار؛ هي مستند الإجماع الذي انعقد بين الصحابة بعد المناظرة الوجيزة بين الفاروق والصديق، ثم ظل من أعظم آحاد الإجماع ثبوتاً، حتى لقد قال الصحابة: " لو أطاعنا أبو بكر كفرنا "، بعد أن تبين لهم الأمر وزالت الشبهة. لقد كان الصحابة رضى الله عنهم أجل وأفقه من أن يقولوا: نسألهم، فإن كانوا مقرين بوجوبها مع الامتناع عن أدائها بالكلية فهم مسلمون، وإن كانوا جاحدين لوجوبها فهم مرتدون، ولكل حالة أحكامها!! فقد انعقد إجماعهم على أن الامتناع عن أدائها بالكلية - وهو الواقع من المرتدين - وليس عن دفعها للإمام - هو ردة صريحة، تضمن إسقاط حق الله في المال، والتفريق بين الصلاة والزكاة - وهم لم يخالف أحد منهم قط في تكفير تارك الصلاة (٢) -، ولذا ألزمهم الصديق رضى الله عنه وعنهم، حتى انعقد إجماعهم على هذه، كما انعقد على تلك، وبناء على ذلك سموا الممتنعين عن أداء الزكاة مرتدين في كل النصوص الواردة عنهم، وقاتلوهم قتال سائر المرتدين - أى كمن أدعى نبوة مسيلمة وسجاح والأسود، دون تفريق بينهم في شيء من أحكام القتال، وشهد لهذا فقهاء السلف، كمال قال الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀:

стр. 432

" والمصدق لهذا: جهاد أبي بكر الصديق - رحمه الله تعالى - بالمهاجرين والأنصار على منع الزكاة، كجهاد رسول الله ﷺ أهل الشرك سواء، لا فرق بينهما في سفك الدماء وسبي النساء واغتنام المال، فإنما كانوا مانعين لها غير جاحدين بها " (١) . قال شيخ الإسلام ﵀: " والصحابة لم يقولوا: أأنت مقر لوجوبها أو جاحداً لها؟ هذا لم يعهد عن الخلفاء والصحابة، بل لقد قال الصديق لعمر رضى الله عنه: والله لو منعوني عقالاً أو عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب، وقد روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن بخلوا بها، ومع هذا فسيرة الخلفاء فيهم جميعاً سيرة واحدة، وهي قتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعاً أهل الردة " (٢) وهذه المعاملة في القتال هي أشد أنواع معاملة المنتسبين للإسلام ممن يجب قتاله أو يجوز؛ لأنه قتال ردة، وكل قتال دونه فهو دون ذلك من المعاملة، حتى إن الخوارج الذين تواترت النصوص في قتالهم بأعينهم وصفاتهم الجلية - كان حكم الصحابة فيهم ومعاملتهم لهم ألا يتبع من أدبر منهم، ولا يجهز على جريح، ولا تسبي نسائهم، أو تخمس أموالهم. قال شيخ الإسلام: " وأما قتال مانعي الزكاة - إذا كانوا مانعين عن أدائها بالكلية أو عن الإقرار بها - فهو أعظم من قتال الخوارج " (٣) ومن الأدلة على فساد مذهب المرجئة في أن تارك العمل لا يكفر: أن من دخلت عليه شبهة الإرجاء من الفقهاء وشراح كتب السنة - لما لم يجعلوا قتال الصديق والصحابة لهم قتال ردة وكفر، جعلوه من باب قتال البغاة، ومنهم من يسمي

стр. 433

قتال أهل القبلة بكل أنواعه قتال بغاة (١) ، فكأن الصديق إنما قاتلهم لامتناعهم عن دفع الزكاة إليه، وهو إمام المسلمين وبيده بيت المال، والرد على هؤلاء واضح من وجوه: أنه لم يثبت أن امتناعهم مخصوص بأدائها إلى الإمام، بل الثابت بالنصوص الصحيحة امتناعهم عند أدائها مطلقا، أما ما ذكر من امتناع بعضهم هذا الامتناع المخصوص، فغايته إن ثبت أن تكون فئة منهم كذلك وليس عامتهم، والحكم إنما هو للأغلب والأعم. أن وصفهم بالردة والكفر بإطلاق - كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة - يدل على الامتناع المطلق لا على ما ذكروا. أن هذه المعاملة الشديدة لهم ومساوتهم بأصحاب مسيلمة والأسود ونحوهما لا تناسب إلا الامتناع المطلق. أن هؤلاء الفقهاء والشراح لا يلتزمون الحكم على من لم يدفع الزكاة للإمام بالكفر والردة ووجوب قتاله ومساواته بمدعي النبوة إلى أخر ما فعل الصحابة، بل غاية حكمه عن بعضهم جواز مقاتلته قتال بغي لا قتال ردة، فهم إما أن يقروا بأن المناط مختلف - وهو الصحيح - وإما أن يلتزموا مخالفة إجماع الصحابة، وهو تناقض!!

стр. 434

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فإن الصديق إنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله ﷺ لا على طاعته، فإن الزكاة فرض عليهم، فقاتلهم على الإقرار بها وعلى أدائها (١) ، بخلاف من قاتل ليطاع هو، ولهذا قال: الإمام أحمد وأبو حنيفة وغيرهما: من قال: أنا أؤدي الزكاة ولا أعطيها للإمام، لم يكن للإمام أن يقاتله، وهذا فيه نزاع بين الفقهاء؛ فمن يجوز القتال على ترك طاعة ولي الأمر جوز قتال هؤلاء، وهو قول طائفة من الفقهاء ويحكى هذا عن الشافعي ﵀، ومن لم يجوز القتال إلا على ترك طاعة الله ورسوله ﷺ ، لا على ترك طاعة شخص معين؛ لم يجوز قتال هؤلاء. وفي الجملة، فالذين قاتلهم الصديق رضى الله عنه كانوا ممتنعين عن طاعة رسول الله ﷺ والإقرار بما جاء به، فلهذا كانوا مرتدين، بخلاف من أقر بذلك ولكن امتنع عن طاعة شخص معين (٢) . أقول: فإذا انعقد الإجماع على عدم التفريق بين الصلاة والزكاة، وهما عملان ظاهران يمكن إنفكاك أحدهما عن الأخر من وجوه عدة، وقال الصديق: " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة " وأقره عليه الصحابة كلهم قولا وعملا - فما بالك بمن يفرق بين ركني الإيمان الظاهر والباطن، وجزئي الحقيقة الواحدة المركبة؛ فيفرق بين الإيمان القلبى والعمل الظاهر؟! وسيأتي في شرح حديث جبريل ﵇ ما يتعلق ببقية الأركان، ويزيد الأمر وضوحا.

стр. 435

وبهذا يتبين لطالب الحق أن ترك الأركان الأربعة وسائر عمل الجوارح كفر ظاهراً وباطناً؛ لأنه ترك لجنس العمل الذي هو ركن الحقيقة المركبة للإيمان، التي لا وجود لها إلا به، هذا مما لا يجوز الخلاف فيه، ومن خالف فيه فقد دخلت عليه شبهة المرجئة شعر أو لم يشعر. وتتميز الأركان الأربعة عن سائر الواجبات، بأن من لم يلتزم فعلها بقلبه ولمن يعزم على ذلك لا يكون مؤمنا أبداً - أى فى الباطن (١) -؛ لأنه تارك لعمل القلب الذي هو ركن الإيمان، وعنه ينشأ العمل الظاهر، وأما من يضعفه عزمه وينخرم التزامه، فهو على حرف الكفر وحافة النفاق. وما ورد عن فقهاء الأمة من اختلاف بشأن تارك الصلاة - أو غيرها من الأركان - لا يؤثر على ما سبق، وذلك لأمور: * الأول: أن ترك جنس العمل شيء وترك بعض آحاده شيء آخر، ولا سيما عند من لا يرى كفر تارك الصلاة؛ إذ هى عنده من جملة الواجبات، فيصح لديه أن يأتي العبد ببعض الواجبات وتنفعه عند الله - مع تركه للصلاة، فلا يلزم من قولهم: أن تاركها لا يكفر أنه عمل له صالحا له، وهذا هو ما يهمنا هنا، وإن كان ثبوت كفره واستلزمه لإحباط سائر عمله هو الحق - كما سنبين. * الثاني: أنه من خالف في تكفير تارك أحد المباني الأربعة - ولا سيما الصلاة - لا ينبغي الاعتداد بخلافه بعد ثبوت الإجماع من الصحابة رضى الله عنهم في تكفير تارك الصلاة والزكاة، وما أشرنا إليه بالنسبة للصيام والحج - فمع كثرة المخالفين من المتأخرين لم يستطع أحد منهم الإتيان بنقل ثابت صريح عن صحابي أو تابعي يخالف ذلك؛ وذلك أن أول من قال به هم المرجئة، ثم تبعهم من تبعهم، ومتى عرف المرء ذلك تبين له أن هذا القول خارج عن أقوال أهل الاجتهاد إلى أهل البدع، وإن لم يكن كل من قال به من أهل البدع، وإيضاح ذلك في الفقرة التالية.

стр. 436

* الثالث: إن ما تنقله كتب الفقهاء المتأخرين عن بعض الأئمة من خلاف في هذا، لا يخلو من أحوال: إما أن النقل عنه غير ثابت، وإن ثبت فهو إحدى الروايات عنه (١) ، والموافقة للإجماع هى الأولى بالأخذ. وإما أن يكون كلامه في مسألة فرعية، كمن ترك فريضة واحدة وليس في التارك المطلق، وسنوضح أهمية التفريق بينهم فى البند الرابع. وأما أن يكون كلامه ليس صريحا فى الترك، بل في التساهل والتضييع وترك المحافظة، كما سنبين أيضاً. وإما أن يكون كلامه في حالات مخصوصة، كقول حذيفة رضى الله عنه: " تنجيهم من النار " - أى عند دروس الإسلام واضمحلاله (٢) ، فجعله الناقل قولا عاما مطلقا. وإما أن يكون المخالف لم يبلغه الإجماع، أو قال بخلافه قبل أن يبلغه، أو لم يره إجماعاً ونظر إلى النصوص المطلقة؛ كحديث: " من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " ونحو ذلك، وهذا لا يؤثر في ثبوت الإجماع وقوته. وإما أن يكون المنسوب للإمام المتبوع - هو قول مجتهدي المذهب كلهم أو بعضهم لا قول الإمام نفسه، ولاسيما إذا اعتقد التابع أن القول بالتكفير هو مذهب الخوارج والمعتزلة، فينفي عن إمامه القول به، وهذا ما وقع فيه كثير من فقهاء المذاهب، بل وقع فيه من يحارب المذهبية كالشيخ الألباني (٣) . وإما أن يكون الناظر في قول الإمام من الأتباع لم يره التزام لازم القول، فظن أن ذلك رجوع عنه أو تناقض ينبغي تبرئته منه، وربما استدل بعضهم بترك لازم اللازم - وذلك مثل استدلال بعضهم بكون الصحابة وسائر المسلمين بعدهم لم يخصصوا مقبرة لتاركي الصلاة، وفاته أن تخصيص مقبرة لازم لإجراء الحكم الظاهر في الدنيا، وإجراء الحكم لازم للقول بالتكفير.

стр. 437

ولا يشترط التزام اللازم فضلا عن لازمه؛ فإن العالم قد يقول بالتكفير لكن لا يجرى الحكم الظاهر حتى لو كان قاضيا أو إماما لمانع من الموانع، وقد يجرى الحكم الظاهر ولا يرى لازمه؛ كتخصيص مقبرة، فما أبعده من استدلال!! * الرابع: أن الخلاف في ذلك ليس على إطلاقه وإجماله كما تنقل كتب الخلاف ونحوها، بل تحرير القول وتفصيله في مناط النزاع يظهر حقائق لا يجوز إغفالها، ومن ذلك: أن المخالف ربما كان كلامه فى الحكم الظاهر وكلام غيره فى الحكم الباطن، وأكثر كلام السلف إنما هو في الحكم الباطن، بعكس كلام الفقهاء المتأخرين - كما سنبين، ولهذا كان الإجماع على تكفير تارك الصلاة أشهر وأظهر والتمثيل بذلك في كتب العقيدة أكثر، لأن المسألة إذا كانت حكمية - فالصلاة هي الركن الوحيد الذي يمكن الحكم على تاركه بيقين؛ بما تختص به من الظهور والتكرار، وعموم جوابها في سائر الأحوال والأوقات. ولهذا يقولون: " تارك الصلاة " ولا يقولون " تارك الزكاة " غالباً بل " الممتنع عن أدائها " لأنه لا يمكن معرفة ذلك إلا بالامتناع، والصيام أخفى من الزكاة، والحج إنما يجب في العمرة مرة. أن لفظ " الترك " وشبهه هو من الألفاظ التي وقع فيها الإجمال والالتباس. وكثير من الخلاف سببه الألفاظ وإطلاق الأحكام، كما بين شيخ الإسلام وغيره وتبعاً للإمام أحمد، ومتى وجد التفصيل والتقيد ارتفع الخلاف، ومن ذلك أن كتب العقيدة التي صنفها أهل السنة تعني بالتارك تارك الالتزام بالأمر - أي تارك عمل القلب التارك تبعا لذلك عمل الجارحة (١) ، لأنها كلها تقرر أن الإيمان قول وعمل بالقلب والجوارح - كما أسلفنا، وعليه فالتارك عندهم هو من يستحق الاسم بإطلاق، ولذلك لم تختلف هذه الكتب في حكم تارك الصلاة مثل كتب الفروع ولأن مقصود مصنفيها بيان الحقائق الشرعية ذاتها، وبيان ما يضادها من البدع، ودفع اللبس بينهما.

стр. 438

أما كتب الفروع فلكونها تبحث في أحكام أعيان المكلفين وتفصيل أحوالهم،ومقصودها غالبا إجراء الحكم الظاهر - كان التارك عند مصنفيها اسما عاما يتناول آحادا كثيرة، فيتكلمون عن التارك الجاحد للوجوب، والتارك المتكاسل والترك لفريضة واحدة، فيشمل كلامهم من جهة الباطن تارك عمل القلب، وضعيفه، والمتردد بين ضعف الإيمان والنفاق المحض (١) . والآيات الواردة في ترك الصلاة إنما هي في الكفار، كقوله تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ» وقوله: «فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (*) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى» وقوله: «مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (*) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (*) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ» . وفي هذا دليل على أن من تركها كافر لا حظ له في الإسلام وإن ادعاه، وأيضا أن التارك هو من لا يصلى بإطلاق؛ لأن الكافر كذلك، بقوله، فقوله ﷺ : " من تركها فقد كفر " وغيره من الأحاديث؛ يفسر هذا. فمن ترك الصلاة بالكلية فهو من جنس هؤلاء الكفار، ومن تركها في أكثر أحيانه فهو إليهم أقرب، وحاله بهم أشبه، ومن كان يصلى أحيانا ويدع أحيانا فهو متردد متذبذب بين الكفر والإيمان، والعبرة بالخاتمة. وقد يلتبس على بعضهم ما جاء في ذلك من ألفاظ النصوص، مثل: (الإضاعة) و (ترك المحافظة) بالترك الكلى، فالإضاعة كما في قوله تعالى: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ» ، ولذلك نص ابن مسعود وغيره على أن الإضاعة هى التأخير، ولو تركوها لكانوا كفارا (٢) .

стр. 439

وترك المحافظة - كما فى حديث عبادة بن الصامت " من لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " (١) ، وهو غير الترك الكلى الذي هو الكفر. ومن ذلك لفظ (الجحد) ، فهي لا تعني أحيانا عند السلف إلا الترك - كما تقدم -، فيخطئ بعض المتأخرين فيجعلها مقابل التارك ويفترض الخلاف، والواقع أن لا خلاف، وكل تفريق لم يرد في النصوص لا يصح اعتباره، والنصوص المطلقة لا جوز حملها على أحد المعنيين دون الآخر، ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: " وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليس لهم حجة وإلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عند الجاحد كان جواباً عند التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي " (٢) يعني الآيات، والأحاديث أكثرها جاء بلفظ الترك، ولفظ الجحد لم يأت غالبا إلا في كلام السلف، ويقصدون به الترك والتولي لا عدم الإقرار بالوجوب. وكذلك الكسل والتهاون والسهو عنها لا يعني الترك المطلق، ولهذا تعجب لمن يقول: " إذا تركها كسلا وتهاونا حتى يقتل " ونحوه، إذ يستحيل عقلا وواقعا أن يفضل السيف على الصلاة لمجرد الكسل ونحوه، فأي كسل يبقى والسيف على رأسه؟! فإن هذا تارك للإقرار والالتزام بها، وليس متكاسلا عن الأداء، والمتكاسل هو المتخاذل المهمل في العمل، الذي متى توافر الداعي للأداء عمل، وإذا ضعف الداعي فتر وأنقطع - كما قال تعالى: «وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى» وقال: «ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى» ، وهذا من

стр. 440

ضعف الهمة في العمل، فإذا أشتد به ضعفها ترك العمل نفسه أو أخره عن وقته ونقرها نقر الغراب، والمقصود أن هذا شيء وترك الالتزام بالأداء شيء أخر. ومن ذلك لفظة (الامتناع) ، فإنها تطلق على من يتعذر أو يتخلف أو يتلكأ، بخلاف ما يقوله العلماء في الطائفة الممتنعة، وهي التي تجتمع على ترك واجب أو فعل محرم، فهذا الاجتماع والمقاتلة دليل على عدم الالتزام بالأمر، ومن هنا كان قتالها قتال ردة كما سبق. * الخامس: أن حقيقة الخلاف بين من يرى قتل تارك الصلاة كفرا وبين من يرى قتله حدا؛ لأن القول بأنه يحبس ويضرب مهما أصر على الترك قول شاذ، وصلته بالإرجاء جلية؛ سواء من جهة القائلين به أو من جهة مضمونة. وعليه إذا تأمل الفقيه وجد أن كل ما أستدل به من يرى قتله حداً يصلح دليلاً لمن يرى قتله كفرا ولا عكس، فاجتمع للقائل بقتله كفراً أدلته وأدلة غيره، وإن شئت فقل: إن الأدلة في قتله والأدلة في تكفيره تجتمع بلا تعارض، فثبت أن قتله كفراً هو وحده الصحيح (١) ، لا سيما مع ما سبق من بيان استحالة أن يرضى مؤمن بأن يقتل ولا يصلي، فهذا لا يفعله إلا كافر معاند. وعلى هذا يقاس غيرها من الأركان. ومثل ما جاء من الوعيد في ترك المحافظة على الصلوات - كحديث عبادة - أو إضاعتها أو السهو عنها - ما جاء من الوعيد في ترك الزكاة؛ كقوله ﷺ : " ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرنها وتطؤه بأظلافها، كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتى يقضى بين الناس " (٢) وقد جاء في بعض الروايات: " حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار "، فقد يستدل على تارك الزكاة بإطلاق داخل تحت المشيئة، فلا يكون كافرا، أو على التفريق بين تارك الصلاة والزكاة (٣) ، وليس الأمر كذلك لوجوه:

стр. 441

أولا: أنه لا يدل على ترك الزكاة أو ترك حق المال بالكلية، ولابد من جمع الأحاديث والروايات فى هذه المسألة، وبمجموعها يتضح أن المقصود منه ليس تارك الالتزام، بل المفرط المتهاون أو المضيع - كما في الصلاة. ثانيا: أن هذه الرواية أشبه بالمختصر، ولفظ الرواية التامة: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ... ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها، ومن حقها حلبها يوم ورودها ... ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها ... " وقال في الخيل:" ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها "، وفي هذه الرواية التامة قال:" حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" وفي الرواية الأخرى قال في الإبل والبقر والغنم: " لا يفعل فيها حقها "، ثم قال: " ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه " ولم يذكر: " حتى يقضى " إلى أخره. في رواية أخرى في الصحيح: " من أتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاع أقرع ... " إلخ، وليس فيها " حتى يقضى " إلخ، فهذا لا يعنى أنه لا يدخل النار ولا يخلد فيها، بل هي على إطلاقها، فدل مجموع هذا على أن الوعيد وارد في ترك حق الله عامة لا في الزكاة المفروضة خاصة، وقوله:" ومن حقها حلبها يوم ورودها " وقوله في الخيل ما سبق - صريح في ذلك والمسلمون جميعا متفقون على أن في المال حقا سوى الزكاة لا يجوز تركه، كنفقة. من تجب عليه نفقته، وإطعام الملهوف، وعابر السبيل، والضيف إذا تعين ذلك عليه، هذا هو المراد. ويبين ذلك أن الوعيد ورد في حق المكتنز المدخر، الذي يؤدي فعله إلى حبس المال وتعطيل منافعه - وإن لم يكن مما تجب فيه الزكاة، كقوله ﷺ في الرجل الذي اكتنز ديناراً أو دينارين: " كية أو كيتان " وكقوله للمرأة ذات المسكتين: " أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار " وما أشبهه، ومعلوم أن هذا دون النصاب المقدر للزكاة، فلابد أن تكون العلة أمرا أخر سوى ترك الزكاة المفروضة. وبهذا تجتمع الأحاديث التي كثر فيها الاختلاف منذ عهد الصحابة رضى الله عنهم، ويوضح ذلك حال النبي ﷺ ، وكثير من أصحابه، فإنه لم يكن رسول الله ﷺ يكنز المال وينتظر حتى يحول الحول فيؤدي القدر المعلوم من النصاب المعلوم؛ بل ثبت عنه أنه قال: " ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا إلا أنفقته كله " فكان هو وكثير من

стр. 442

أصحابه ينفقون بالليل والنهار سرا وعلانية في نوائب الحق، ويسارعون فيما لا يتعين عليهم، ويتنافسون فيه مثلما كانوا يبادرون إلى صلاة التطوع ويحرصون عليها سواء. فمن تأمل حالهم ومجموع النصوص في الباب - لم يرد منها حديثا أو يصعب عليه توجيهه وفهمه، وأما من التزم طريقة أكثر الفقهاء المتأخرين، فلابد أن يرد البعض، أو يخطئ في توجيهه، أو يتعسف في تخريجه، كقولهم أن هذا مخالف للأصول، وأنه منسوخ نزل قبل تحديد الأنصبة، ونحو ذلك مما هو إلى الظن أقرب، والله أعلم. ولنعد إلى أصل موضوعنا عن الحقيقة المركبة، فنقول: في كتاب الإيمان الأوسط (١) ، والذي هو في الحقيقة شرح مستفيض لحديث جبريل ﵇ فصل شيخ الإسلام القول في هذا، وأظهر - بما لا يدع ريبة ولا شكا - حقيقة الإيمان المركبة، وكفر من ترك العمل الظاهر، بل كفر من ترك الالتزام بأحد الأركان الأربعة؛ الصلاة والزكاة والصوم والحج، وعزم على ألا يفعلها (٢) ؛ فإنه ﵀ قال: " وأما الفرائض الأربع (يعني ما عدا الشهادتين) فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواترة وتحريمها. . . ". ثم قال: " وهذه المسألة لها طرفان: أحدهما: في إثبات الكفر الظاهر. والثاني: في إثبات الكفر الباطن. فأما الطرف الثاني فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولاً وعملاً كما تقدم، ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة

стр. 443

والزكاة والصيام والحج، ويعيش وهو لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلي بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح (١) ثم ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على الامتناع عن الطاعة إنما هو من صفات الكفار لا المسلمين، وألزم المفرقين بين جاحد الوجوب والتارك بإلزام قوي وحجة برهانية؛ فقال: " وأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهى متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم على الجاحد كان جوابا لهم عن التارك " (٢) . وذلك أن النصوص لم تفرق، والصحابة رضى الله عنهم لم يفرقوا - كما فصلنا ذلك من قبل، وسنزيده وضوحا إن شاء الله في الصفحات التالية. والمقصود هنا أن شيخ الإسلام ﵀ نصر القول بكفره باطنا، وفند شبهات القائلين بخلافه في بقية كلامه. وأوضح أن من عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب " (٣) . وأن من إجراء الأحكام الظاهرة عليه أمر آخر - كما هو الشأن في المنافقين، وكذلك في المتأولين الذين يعتقدون عقيدة هي كفر، ولكن إجراء الحكم الظاهر عليهم له شروط (إقامة الحجة والاستتابة) ، وقال: " وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثير من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، وهم تاركيها بالجملة بل يصلون أحيانا ويدعون أحياناً، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجرى عليهم أحكام الإسلام الظاهر في المواريث ونحوها من الأحكام إذا جرت على المنافق المحض كابن أبي وأمثاله من المنافقين، فلأن تجرى على هؤلاء أولى وأحرى (٤) . وختم كلامه بقوله: " وبالجملة فاصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان: كفر ظاهر وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا فقد تجرى على المنافق أحكام المسلمين.

стр. 444

وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه ولسانه ولم يؤدي واجبا ظاهرا، ولا صلاة ولا زكاة ولا صياماً، ولا غير ذلك من الواجبات. . . " (١) . كما فصل القول فى أن عمل القلب هو إرادة جازمة، والإرادة الجازمة يستحيل تخلف الفعل عنها (٢) . فثابت أن تارك عمل القلب بالنسبة للأركان الأربعة أو أحدها، هو تارك الالتزام بها والعقد الجازم على فعلها كافر على الحقيقة؛ لأنه إما أنه ليس لديه عمل القلب (الذي هو الإرادة الجازمة المستلزمة للفعل) ، ولا قوله (الذي هو الإقرار بالوجوب) ، فهذا لا شك في كفره. وإما أن يكون لديه قول القلب، ولكنه إذ لم يستلزم فعل القلب لا يكفي في ثبوت الإيمان، فهو معرفة مجردة أو علم مجرد - كما تقدم إيضاحه، وهو من جنس إقرار أهل الكتاب بأن محمد ﷺ رسول واجب الاتباع ولكن لم يتبعوه، بل إقرار إبليس بأن الله أمره بالسجود ولكن لم يطعه. وهكذا فإطلاق القول بتكفير تارك الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج صحيح موافق لقاعدة أهل السنة في الإيمان كل الموافقة، وهو ليس من جنس تسمية بعض العصاة كفاراً وتسمية بعض المعاصي كفراً والقول بأن المسألة خلافية هكذا بإطلاق غير صحيح، إلا أن يراد عموم الأمة لا خصوص السلف ومن أتبعهم، وسيأتي في شرح حديث جبريل ﵇ وشرح حديث وفد عبد القيس - ما يزيد ذلك إيضاحا. ثالثا: ما ورد من الآيات في حكم التولى عن الطاعة: ولا شك أن تارك جنس العمل متول عن الطاعة معرض عن الأمتثال؛فالآيات الدالة على أن تارك الركن تارك للإيمان هي دليل على تركب حقيقة الإيمان من هذين الركنين معاً، ومنها: ١- قوله تعالى: «قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ» (آل عمران: ٣٢) ٢- قوله تعالى: «وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ» (النور: ٤٧) .

стр. 445

٣- قوله تعالى في حق الكافر: «فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (*) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى» (القيامة:٣١، ٣٢) . ٤- قوله تعالى: «لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (*) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى» (الليل: ١٥، ١٦) . ٥- قوله تعالى على لسان موسى وهارون: (إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) (طه: ٤٨) . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " فعلم أن التولى ليس هو التكذيب، بل هو التولى عن الطاعة؛ فإن الناس عليهم أن يصدقوا الرسول فيما أخبر ويطيعوه فيما أمر، وضد التصديق التكذيب، وضد الطاعة التولى، ولهذا قال (فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى) وقد قال تعالى «ويقولون أمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين» (النور: ٤٧) . فنفى الإيمان عمن تولى عن العمل وإن كان قد أتى بالقول " إلى أن يقول: " ففي القرآن والسنة من نفي الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق، وأما العالم بقلبه مع المعاداة أو المخالفة الظاهرة، فهذا لم يسم قط مؤمنا، وعند الجهمية إذا كان العلم في قلبه مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين، ولو قال أو عمل ما عسى أن يقول ويعمل، ولا يتصور عندهم أن ينتفي الإيمان إلا إذا زال ذلك العلم من قلبه " (١) ويستمر ﵀ في مناقشة الأشعرية في ذلك، ناقلا عن كبار أئمتهم، ناقدا مذهبهم في صفحات طويلة. رابعا: الآيات في اقتران العمل بالإيمان: وهذا ما استدل به السلف قديما، وإن كان للمرجئة عليه اعتراض سنورده إن شاء الله ونرده، وممن استدل بذلك الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي، قال: " اعلموا - رحمنا الله تعالى وإياكم - يا أهل القرآن ويا أهل العلم، يا أهل السنن والآثار، ويا معشر من فقههم الله في

стр. 446

الدين بعلم الحلال والحرام، إنكم إن تدبرتم القرآن كما أمركم الله ، علمتم أن الله أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله: العمل. وأنه لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضى عنهم وقد رضوا عنه، والعمل الصالح وأثابهم على ذلك الدخول الى الجنة والنجاة من النار إلا الإيمان به والعمل الصالح، وقرن مع الإيمان على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار بالإيمان الذى قد وفقهم إليه، فصار الإيمان، لم يدخلهم الجنة بالإيمان وحده حتى ضم اليه العمل الصالح مصدقا بقلبه وناطقا بلسانه وعاملا بجوارحه. لا يخفى أن تدبر القرآن وتصفحه وجده كما ذكرت. واعلموا - رحمنا الله تعالى وإياكم - أني قد تصفحت القرآن، فوجدت فيه ما ذكرته في تسعة وخمسين موضعا من كتاب الله ، وأن الله ﵎ لم يدخل المؤمنين الجنة بالإيمان وحده، بل أدخلهم الجنة برحمته وإياهم، وبما وفقهم له من الإيمان بالعمل والعمل الصالح. وهذا رد على من قال: "الإيمان المعرفة" ورد على من قال:"المعرفة والقول وإن لم يعمل" نعوذ بالله من قائل هذا ". ثم شرع ﵀ في سرد هذه المواضع في قوله تعالى في سورة البقرة: «وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ» إلى قوله: «وَالْعَصْرِ (*) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (*) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ» (١) . أقول: إنه ﵀ لم يستكمل كل الآيات في اقتران العمل بالإيمان، بل اقتصر على ما كان فيه تقديم ذكر الإيمان على العمل، أما ما تقدم فيه العمل على الإيمان فلم يذكره، ومعلوم أن ذكر النوعين أدل على التلازم. ومن ذلك قوله تعالى في سورة طه: «ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى» وقد ذكرها، فإذا ضممنا إليها آية أخرى في السورة

стр. 447

نفسها لم يذكرها، وهي: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا» كان أدل في أنه لا عمل بلا إيمان ولا إيمان بلا عمل. وإنما كثر تقديم الإيمان؛ لأن المراد به قول القلب وعمله، وهو الأصل، فالباطن أصل للظاهر كما سبق لكن ورود بعض مواضع يتقدم فيها ذكر العمل عليه، يدل على التلازم، وعلى أهمية المقدم من أعمال الإيمان في ذلك السياق. ومن ذلك قوله تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ) " الإسراء:١٩" وقد استدل بهاء عطاء فى مناظرته لسالم الأفطس المرجئ التي سبق إيرادها نقلا عن ابن بطة - قال: فألزم الاسم العمل والعمل الاسم " وفى هذا تنبيه على مواضع أخرى تماثلها، مع قصد أهمية المقدم، كما سبق، ومنها: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ» (آل عمران:١١٠) . فلا يقال: إن الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، ليسا من الإيمان، أو يصحان بدونه، لأنه عطف الإيمان عليها، والعطف يقتضى المغايرة (١) بل المقصود التنبيه على أهمية هذه الميزة الإسلامية، بإفرادها عن سائر أعمال الإيمان، وتقدمها عليه، وإلا فمعلوم قطعا أن الإيمان لا يتقدم عليه شىء، إذ لا يقبل شىء بدونه. وقد ورد تقديم التوبة والتقوى والشكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإيمان فى آيات أخرى. أما التوبة، ففي أربعة مواضع، منها: «وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى» (طه:٨٢) . مع ورود التوبة بمعنى الإيمان نفسه فى الآية السابقة «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ»

стр. 448

وأما الشكر، ففي قوله تعالى: «مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ» ... (النساء: ١٤٧) وأما التقوى، ففى قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ» (الحديد: ٢٨) وأما الصلاة والزكاة، ففى قوله تعالى: «لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ» ... (المائدة:١٢) وورد عكس ذلك، وهو ذكر الإيمان ثم العطف عليه بذكر شىء من أعماله، تنبيها على أهميته أيضا، مثل قوله تعالى: «إن الذين أمنوا والذين هاجروا وجهدوا فى سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم» والمهاجرون هم من المؤمنين، وكل المؤمنين يرجون رحمة الله، ومواضع هذا كثيرة. وبالجملة فالإيمان فى هذه النصوص، أما أنه الإيمان كله باطنه وظاهره، لكن يعطف عليه بعضه، ويقدم عليه بعضه، وهذا واضح الدلالة. وأما أن يكون المقصود باطن الإيمان - أى الإيمان المذكور فى حديث جبريل. ويكون عطف الأعمال عليه، أو عطفه على أعمال هى أجزاء ظاهرة من الإيمان، ولا تصح بدون الإيمان الباطن ودلالة لا خفاء فيها أيضا وأقل المواضع دلالة على التركيب، هى التي يذكر فيه الإيمان مطلقا ومع ذلك لا يقتصر على لفظ الإيمان، بل له ألفاظ أخرى، كلفظ " البر " المذكور فى اية البقرة السابقة (ليس البر أن تولوا وجوهكم..) ولفظ " الدين " ولفظ " التقوى " ولفظ " العبادة " ولفظ " الهدى " ولفظ " الطاعة " ولفظ " المعروف " ولفظ " الخير " ونحوها من الألفاظ العامة التي تدخل فيها شعب الإيمان جميعا (١) .

стр. 449

ونختم هذا المبحث بذكر موضع مهم من المواضع التي قرن فيها العمل بالإيمان، للدلالة على التركيب والتلازم، وهو قوله تعالى: «وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا» (النساء:١٢٤) ووجه الأهمية أن الله تعالى ذكر ذلك ضمن الرد على دعوى الإيمان بالتسمى والقول، دون إصلاح العمل، ورد على من يزعم هذه الدعوى سواء أكان كتابيا أم حنفيا، فقال قبلها: «لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا» (النساء:١٢٣) وقال بعدها: «وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا» (النساء:١٢٥) فبين ان الإيمان ليس بالتحلى ولا بالتمنى، بل ما وقر فى القلب وصدقه العمل، وأنه لا أحد أحسن دينا ممن أسلم: أى انقاد وأطاع بلا حرج ولا منازعة وهذه هى ملة إبراهيم، التي لا يقبل الله دينا غيرها مهما كثرت الأمانى والدعاوى. خامسا: الأحاديث فى ذلك: وردت أحاديث صحيحة كثيرة تدل على حقيقة الإيمان المركبة وقد سبق أن أوردنا منها ما يدل على أن العمل إيمان، والإيمان عمل وهذه أهمها. ١ - حديث جبريل ﵇ المشهور: وهو حديث صحيح رواه الشيخان وغيرهما عن ابن عمر عن أبيه، وعن أبى هريرة، والأولى أتم، وهذه رواية مسلم: قال عبد الله بن عمر - بعد مقدمة عن القدرية التي هى سبب الحديث -: " حدثنى أبى عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند الرسول ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد منا، حتى جلس إلى النبى ﷺ فأسند ركبته إلى ركبتيه، ووضع فخذيه.

стр. 450

وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ فقال الرسول ﷺ :الإسلام ان تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتى الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرنى عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: فأخبرنى عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فاخبرنى عن الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل. قال: أخبرنى عن أمارتها؟ قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون فى البنيان. قال: ثم أنطلق فلبثت مليا، ثم قال لى يا عمر: أتدرى من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل اتاكم يعلمكم دينكم (١) وعند ابن منده من رواية على شرط مسلم (٢) ، أنه سأله بعد ذكر أركان الإسلام: "فإن فعلت هذا فأنا مسلم" قال: نعم

стр. 451

وبعد ذكر أركان الإيمان: فإن فعلت هذا فأنا مؤمن؟ قال: نعم (١) وفى طريق أخر عنده: " لقد حدثنى عمر أن رجلا فى أخر عمر الرسول ﷺ جاء إلى رسول الله ﷺ الحديث " (٢) قال الحافظ: " أخر عمره، يحتمل أن يكون بعد حجة الوداع، فإنها أخر سفراته، ثم بعد قدومه بقليل دون ثلاثة أشهر مات، وكأنه " يعنى جبريل ﵇ " إنما جاء بعد إنزال جميع الأحكام، لتقرير أمور الدين التي بلغها متفرقة فى مجلس واحد لتنضبط " (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: " أن جبريل لما سأل النبى ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان، كان فى أخر الأمر بعد فرض الحج والحج إنما فرض سنه تسع أو عشر ... " (٤) فهذا نص الحديث وزمانه الذى بمعرفته نعرف أمورا تأتى فى الشرح. ٢ - والحديث الثانى: هو حديث شعب الإيمان: عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " الإيمان بضع وسبعون أو: بضع وستون شعبة - فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق (٥) وفى رواية: " والحياء شعبة من الإيمان " ٣ - والحديث الثالث: عن ابن عباس رضى الله عنهما، أن وفد عبد القيس أتوا النبى ﷺ ، فقال: " من الوفد؟ أو من القوم؟ قالوا: ربيعة. فقال: مرحبا بالقوم - أو: بالوفد - غير خزايا ولا ندامى. قالوا: إنا نأتيك من شقة بعيدة، وبيننا وبينك هذا الحى من كفار مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا فى شهر حرام، فمرنا بأمر نخبر به من وراءنا ندخل به الجنة. فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: أمرهم بالإيمان بالله وحده؟ قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.

стр. 452

قال: شهادة أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وتعطوا الخمس من المغنم. ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت. قال شعبة: ربما قال: النقير، وربما قال: المقير (١) قال: احفظوا واخبروه من وراءكم (٢) وهذه الأحاديث من اعظم الأحاديث فى الإيمان، وقد اكتفيت بها، لأنها تشير إلى ما سواها وأهمها وأشرفها وأخرها هو حديث جبريل (٣) وتقدم القوم فى وقته. أما حديث الشعب، فيحتمل أنه بعد نزول الفرائض واكتمال الشعب، ويحتمل أن يكون الله تعالى أطلعه على عددها، قبل أن ينزلها عليه كلها، والأول أقرب والله أعلم (٤) وأما حديث وفد عبد القيس فمتقدم، ولذلك لم يذكر فيه الحج وما ذكر فيه من كون مضر ما تزال على الكفر، يدل على ذلك. ولكن أهميته ظاهرة فى أنه فسر الإيمان بالأركان الأربعة، فدل على أن الإيمان إذا انفرد عن الإسلام يشمل باطن الدين وظاهره أى مجموع ما ذكر فى حديث جبريل من أركان الإسلام وأركان الإيمان. وكذلك حديث الشعب، فإن أركان الإسلام الخمسة داخله فى الشعب، بدليل أنه جعل كلمة الشهادة أفضل الشعب وأعلاها. فالإيمان بهذا المفهوم العام - لا بمفهومه الخاص، الذى هو مرتبه من مراتب الدين، كما فى حديث جبريل - مرادف لكلمة الدين كما بينها أخر حديث جبريل. وهذا الإيمان يشمل الظاهر والباطن معا، كما دلت هذه الأحاديث الثلاثة، فمضمونها يدل على أن الإيمان حقيقة مركبة من الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة معا، لا يصح تصور أحدهما بدون الآخر في تحقيق الإيمان.

стр. 453

ومن ترك العمل الظاهر فقد ترك ركن الإيمان ومن زعم أن الإيمان يتحقق لأحد بدون العمل الظاهر، وأنه ينجو بمجرد ما يسمونه التصديق القلبى، فضلاله بين. وعلى هذا نص علماء الإسلام وشراح السنة لاسيما فى شرحهم لحديث جبريل، والذى سنورد طرفا من كلامهم فيه ودلاله ذلك على التركيب. " قال إسماعيل بن سعيد: وسألت أحمد عمن - فى الذى قال جبريل للنبى محمد ﷺ إذ سأله عن الإسلام: فإذا فعلت ذلك فأنا مسلم؟ فقال: نعم - فقال قائل: وإن لم يفعل الذي قال جبريل للنبى ﷺ ، فهو مسلم أيضا؟ فقال أي الإمام -: هذا معاند للحديث " (١) والإمام أحمد هو - فى أكثر الروايات عنه (٢) وأوفقها لأصوله - ممن يرى أن تارك أحد الأركان الأربعة عدا الشهادتين متعمدا كافر. فتكفيره لمن يأت بشيء من العمل الظاهر متيقن، وكذا تارك الأربعة جميعا ووجه استدلاله بهذه الرواية، أن حديث جبريل اشتمل على أركان العمل الظاهر " الإسلام " وأركان الاعتقاد الباطن " الإيمان "، وهو لتأخره قاض على كل ما سبق من أحاديث فيها إطلاق دخول الجنة بمجرد الشهادة، أو نقص فى عدد الأركان ونحو ذلك. وقد صرح فيه بأنه إذا فعل الأركان الظاهرة فهو مسلم، وإذا فعل الأركان الباطنة فهو مؤمن، ومن هذين يتركب الدين وتتكون حقيقته. ومعلوم أنه لو ترك أركان الإيمان كان كافرا اتفاقا، فكذا إذا ترك أركان الإسلام لا يكون مسلما، فمن قال: إنه مسلم مع ترك الأركان الأربعة، التي هى رأس العمل الظاهر، فقد عاند الحديث فى قوله: "فإن فعلت هذا فأنا مسلم؟ قال: نعم". وهذه الأعمال الظاهرة التي سماها إسلاما في حديث جبريل، سماها إيمانا في حديث الشعب، وحديث وفد عبد القيس، فدل هذا على ما هو معلوم بالضرورة، من أن ذكره فى حديث جبريل من الأعمال الظاهرة، ليس المقصود به عمله بلا إيمان باطن، وإلا فهذا حال المنافق، وكذا ما ذكره من الأعمال الباطنة، التي سماها إيمانا،

стр. 454

ليس المقصود منه أن لا عمل ظاهرا معها، بل هى درجة ومرتبة من الدين فوق مرتبة الإسلام، كما بين ذلك شراح الحديث قاطبة. (١) يقول الإمام الخطابي في قول النبي ﷺ " الإيمان بضع وسبعون شعبة " في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي اسم لمعنى ذي شعب وأجزاء، له أدنى وأعلى، والاسم يتعلق ببعضها كما يتعلق بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبه، وتستوفى جمله أجزائه، كالصلاة الشرعية، لها شعب وأجزاء، والاسم يتعلق ببعضها، والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها (٢) . وقال الإمام البغوي في شرح حديث جبريل: " جعل النبي ﷺ في هذا الحديث الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، والتصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة، هي كلها شئ واحد، وجماعها الدين، ولذلك قال "ذلك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"، والتصديق والعمل يتناولها اسم الإيمان والإسلام جميعا، ويدل عليه قوله (إن الدين عند الله الإسلام) ، و (ورضيت لكم الإسلام دينا) ، و (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) ، فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولن يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل) (٣) . ويقول أبو طالب المكي في كلام نفيس له - على طوله - وننقل بعضه: (مثل الإسلام من الإيمان، كمثل الشهادتين، إحداهما من الأخرى في المعنى والحكم، فشهادة الرسول غير شهادة الوحدانية، وهما شيئان في الأعيان، وأحدهما مرتبط بالآخر، فهما كشيء واحد لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له، إذ لا

стр. 455

يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه، ولا يخلو المؤمن من إسلام به يحقق إيمانه، من حيث اشتراط الله للأعمال الصالحة الإيمان، واشتراط الإيمان للأعمال الصالحة، فقال في تحقيق ذلك: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) (الأنبياء: ٩٤) (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى) (طه: ٧٥) . فمن كان ظاهره أعمال الإسلام، ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب، فهو منافق نفاقا ينقل عن الملة، ومن عنده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام، فهو كافر كفرا لا يثبت معه توحيد ... ) . قال: (ومثل الإيمان في الأعمال كمثل القلب في الجسد، لا ينفك أحدهما، شيئان منفردان وهما في الحكم والمعنى منفصلان (١) . ومثلهما أيضا مثل حبة لها ظاهر وباطن، وهى واحدة، ولا يقال حبتان لتفاوت صفتهما، فكذلك أعمال الإسلام من الإسلام (٢) هو ظاهر الإيمان وهو من أعمال الجوارح، والإيمان باطن الإسلام، وهو من أعمال القلوب. روى عن النبي ﷺ أنه قال (الإسلام علانية، والإيمان في القلب) (٣) . وفى لفظ (الإيمان سر) ، فالإسلام أعمال الإيمان، والإيمان عقود الإسلام.فلا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بعقد. ومثل ذلك العمل الظاهر والباطن، أحدهما مرتبط بصاحبه من أعمال القلوب وعمل الجوارح، ومثله قول رسول الله ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات " أي لا عمل إلا بعقد وقصد، لأن (إنما) تحقيق للشيء ونفى لما سواه، فأثبت بذلك عمل الجوارح من المعاملات وعمل القلوب من النيات. فمثل العمل من الإيمان كمثل الشفتين من اللسان، لا يصح الكلام إلا بهما لأن الشفتين تجمع الحروف، واللسان يظهر الكلام، وفى سقوط أحدهما بطلان الكلام،

стр. 456

وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان، ولذلك حين عدد الله نعمه على الإنسان بالكلام، ذكر الشفتين مع اللسان في قول (ألم نجعل له عينين، ولسانا وشفتين) بمعنى ألم نجعله ناظرا متكلما، فعبر عن الكلام باللسان والشفتين، لأنهما مكان له، وذكر الشفتين، لأن الكلام الذي جرت به النعمة لا يتم إلا بهما. ومثل الإيمان والإسلام أيضا، كفسطاط قائم على الأرض، له ظاهر وأطناب، وله عمود في باطنه، فالفسطاط الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهى الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في وسط الفسطاط مثله كالإيمان، لا قوام للفسطاط إلا به، فقد احتاج الفسطاط إليها، إذ لا قوام له ولا قوة إلا بها، كذلك الإسلام في أعمال الجوارح، لا قوم لها إلا بالإيمان، والإيمان من أعمال القلوب، ولا نفع له إلا بالإسلام وهو صالح الأعمال. وقال "وعلى مثل هذا أخبر رسول الله ﷺ عن الإيمان والإسلام من صنف واحد (١) ، فقال في حديث ابن عمر: "بنى الإسلام على خمس (٢) "، وقال في حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس: إنهم سألوا عن الإيمان، فذكر هذه الأوصاف، فدل بذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان، لا ينفع أحدهما بدون صاحبه) . قال: فأما تفرقة النبي ﷺ في حديث جبريل بين الإيمان والإسلام، فإن ذلك تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني التي وصفناها أن تكون عقودا، من (٣) تفصيل أعمال الجوارح، مما يوجب الأفعال الظاهرة التي وصفها علانية، لا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان في المعنى باختلاف وتضاد، إذ ليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم. قال: (ويجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن (٤) فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه، وما ذكره من العلانية وصف جسمه) .

стр. 457

قال: (وأيضا فإن الأمة مجمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان، ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام، أنه لا يسمى مؤمنا، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام، ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان، أنه لا يكون مسلما وقد أخبر النبي ﷺ أن الأمة لا تجتمع على ضلالة) (١) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث جبريل أيضا - بعد أن ذكر اشتماله على مراتب الدين الثلاث: (والنبي ﷺ فسر الإسلام والإيمان بما أجاب به، كما يجيب عن المحدود بالحد إذا قيل: ما كذا؟ قال: كذا وكذا، كما في الحديث الصحيح لما قيل: ما الغيبة؟ قال: (ذكرك أخاك بما يكره) وفى الحديث الآخر: "الكبر: بطر الحق وغمط الناس ... ". ثم بين أن أجوبته ﷺ كلها حق وإن تنوعت، وقال ولكن المقصود أن قوله " بني الإسلام على خمس " كقوله "الإسلام هو الخمس (٢) ، كما ذكر في حديث جبريل، فإن الأمر مركب من أجزاء تكون الهيئة الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء، مركبة منها، فالإسلام مبني على هذه الأركان. وسنبين إن شاء الله اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها بني الإسلام، ولم خصت بذلك دون غيرها من الواجبات (٣) . وقد فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام هنا ولكنه لم يذكر فيه الحج) (٤) . وإذا تلمسنا الحكمة من مجيء جبريل ﵇ وتعليمه للمسلمين مراتب دينهم في مجلس واحد في آخر عمره ﷺ ، فإننا نجد أن هذا التعليم لم يكن إعلاما بأمر مبتدأ جديد ولا بسبب خفاء معنى الإسلام والإيمان عندهم، بل ليتبينوا حقيقة

стр. 458

المراتب الكاملة بعد نزول الأحكام واكتمال الدين، ومن ثم بنى السلف على ذلك نفى الإسلام والإيمان عمن لم يأت بهذه الأركان أو بعضها. وهذا ما فصله ﵀ قائلا (وإنما سأل جبريل ﷺ عن ذلك وهم يسمعون وقال: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم" ليبين لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التي ينبغي أن تقصد لئلا يقتصروا على أدنى مسمياتها. وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قال: "ليس المسكين هذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس إلحافا" فهم كانوا يعرفون المسكين وأنه المحتاج وكان ذلك مشهورا عندهم فيمن يظهر حاجته بالسؤال، فبين النبي ﷺ أن الذي يظهر حاجته بالسؤال والناس يعطونه تزول مسكنته بعطاء الناس له والسؤال له بمنزلة كفايته - لم يبق مسكينا، وإنما المسكين المحتاج الذي لا يسأل ولا يعرف فيعطى، فهذا هو الذي يجب أن يقدم في العطاء فإنه مسكين قطعا، وذاك مسكنته تندفع بعطاء من يسأله. وكذلك قوله الإسلام هو الخمس يريد أن هذه كلها واجب داخل في الإسلام، فليس للإنسان أن يكتفي بالإقرار بالشهادتين، وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل لا يكتفي فيه بالإيمان المجمل (١) ، ولهذا وصف الإسلام بهذا. وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب - فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور. ثم ذكر الروايات عن أحمد في ذلك وقال (قال الحكم بن عتيبة: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر، ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر، ومن ترك صوم رمضان متعمدا فقد كفر.

стр. 459

وقال سعيد بن جبير: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر بالله، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر بالله، ومن ترك صوم رمضان متعمدا فقد كفر بالله، لا ترفع الصلاة إلا بالزكاة. وقال عبد الله بن مسعود: من أقام الصلاة ولم يأت بالزكاة فلا صلاة له، رواها أسد بن موسى (١) . وقال عبد الله بن عمرو: من شرب الخمر ممسيا أصبح مشركا، ومن شربها مصبحا أمسى مشركا، فقيل لإبراهيم النخعي، كيف ذلك؟ قال: لأنه يترك الصلاة. قال أبو عبد الله الأخنس في كتابه: من شرب المسكر فقد تعرض لترك الصلاة، ومن ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان (٢) . وبهذا يتبين من الأحاديث وما شرحها به الأئمة أن الإيمان الذي هو قول وعمل هيئة جامعة لأمور، أو حقيقة مركبة من أمور هي الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة معا، ولكل منهما أركان ترجع إلى أصل واحد. فالأعمال الباطنة هي " الإيمان " - الذي يشمل قول القلب وعمله - وقد سميت أصول الأجزاء الباطنة من الدين أركانا، وهذه الأركان ترجع إلى أصل واحد هو الإيمان بالله، فما جاء في القرآن والسنة من ذكر الإيمان بالله فهو هذا الأصل الذي يشمل الأركان الأخرى كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل، والأركان تتفرع عنها سائر تفصيلات الاعتقاد (٣) . والأعمال الظاهرة هي الإسلام الذي يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، وأصول الأجزاء الظاهرة من الإيمان هي أركان الإسلام الخمسة، وهذه الأركان ترجع في الأصل إلى ركن واحد هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والباقي حقوق لها وفروع منها. فكل ما ورد من نصوص في أحكام المسلمين أو أصحاب التوحيد أو أهل القبلة، وما أطلق من تعليق النجاة في الدنيا والآخرة على الإقرار بالشهادتين - فالمقصود به هو هذا، أي من شهد بها قائما بحقوقها فهو المسلم الموحد الذي يعد من أهل

стр. 460

القبلة وتجرى عليه أحكامهم وحقوقهم في الدنيا والآخرة، فحديث جبريل قاض على ما سبقه بما فيه من زيادة أركان أو تفصيل إجمال. ومن تبين نصوص الشرع وواقع النفوس تبين له (أن كل قول وعمل لابد له من ظاهر وباطن، فظاهر القول لفظ اللسان، وباطنه ما يقوم من حقائق الإيمان بالجنان، وظاهر العمل حركات الأبدان، وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان (١) . وقد سبق تفصيل ذلك في حقيقة النفس الإنسانية، ومنه نعلم أن "الظاهر لابد له من باطن يحققه ويصدقه ويوافقه، فمن قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو منافق، ومن ادعى باطنا يخالف ظاهرا فهو كافر منافق، بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه، وظاهره يوافق باطنه ويصدقه ويحققه، فكما أن الإنسان لابد له من روح وبدن وهما متفقان فلابد لدين الإنسان من ظاهر وباطن يتفقان، فالباطن للباطن من الإنسان، والظاهر للظاهر منه" (٢) . فشهادة أن لا إله إلا الله كلمة ظاهرة باللسان وباطنها الإيمان بالله والإيمان بالله اعتقادا باطن بالقلب، وظاهره شهادة أن إله إلا الله، فلا انفكاك لأحدهما عن الآخر في تحقيق الإيمان أبدا، ثم عنهما تتفرع الأركان ومنها تتشعب الشعب كما سبق. فأبعد الناس عن معرفة دين الإسلام وحقائقه من قال: إن الإيمان يتم والنجاة تحصل بدون شهادة أن لا إله إلا الله، فضلا عن ترك سائر الأركان، وإن هذه الشهادة ما هي إلا علامة على الإيمان، وإن تركها مجرد علامة ظاهرة على عدم الإيمان من جهة إجراء الأحكام الدنيوية، وإلا فقد يكون الإيمان حاصلا في القلب في الواقع ونفس الأمر. فجعلوا أعظم أركان الإسلام - التي هي الجزء الظاهر من الإيمان بالله - بمنزلة شهادة الشهود أو القرائن الظاهرة التي قد يكون الواقع مخالفا لها، حتى إنهم قالوا: إن من سب الله أو قتل الرسول يجوز أن يكون مؤمنا في الباطن ولا يكون
следующие страницы →