← Акыда

Акыда · id 23586

ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي

سفر الحوالي

Полный текст (508 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وكذلك في سقوط العمل ذهاب الإيمان، ولذلك حين عدد الله نعمه على الإنسان بالكلام، ذكر الشفتين مع اللسان في قول (ألم نجعل له عينين، ولسانا وشفتين) بمعنى ألم نجعله ناظرا متكلما، فعبر عن الكلام باللسان والشفتين، لأنهما مكان له، وذكر الشفتين، لأن الكلام الذي جرت به النعمة لا يتم إلا بهما. ومثل الإيمان والإسلام أيضا، كفسطاط قائم على الأرض، له ظاهر وأطناب، وله عمود في باطنه، فالفسطاط الإسلام له أركان من أعمال العلانية والجوارح، وهى الأطناب التي تمسك أرجاء الفسطاط، والعمود الذي في وسط الفسطاط مثله كالإيمان، لا قوام للفسطاط إلا به، فقد احتاج الفسطاط إليها، إذ لا قوام له ولا قوة إلا بها، كذلك الإسلام في أعمال الجوارح، لا قوم لها إلا بالإيمان، والإيمان من أعمال القلوب، ولا نفع له إلا بالإسلام وهو صالح الأعمال. وقال "وعلى مثل هذا أخبر رسول الله ﷺ عن الإيمان والإسلام من صنف واحد (١) ، فقال في حديث ابن عمر: "بنى الإسلام على خمس (٢) "، وقال في حديث ابن عباس عن وفد عبد القيس: إنهم سألوا عن الإيمان، فذكر هذه الأوصاف، فدل بذلك على أنه لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان، لا ينفع أحدهما بدون صاحبه) . قال: فأما تفرقة النبي ﷺ في حديث جبريل بين الإيمان والإسلام، فإن ذلك تفصيل أعمال القلوب وعقودها على ما توجب هذه المعاني التي وصفناها أن تكون عقودا، من (٣) تفصيل أعمال الجوارح، مما يوجب الأفعال الظاهرة التي وصفها علانية، لا أن ذلك يفرق بين الإسلام والإيمان في المعنى باختلاف وتضاد، إذ ليس فيه دليل أنهما مختلفان في الحكم. قال: (ويجتمعان في عبد واحد مسلم مؤمن (٤) فيكون ما ذكره من عقود القلب وصف قلبه، وما ذكره من العلانية وصف جسمه) .

стр. 457

قال: (وأيضا فإن الأمة مجمعة أن العبد لو آمن بجميع ما ذكره من عقود القلب في حديث جبريل من وصف الإيمان، ولم يعمل بما ذكره من وصف الإسلام، أنه لا يسمى مؤمنا، وأنه إن عمل بجميع ما وصف به الإسلام، ثم لم يعتقد ما وصفه من الإيمان، أنه لا يكون مسلما وقد أخبر النبي ﷺ أن الأمة لا تجتمع على ضلالة) (١) . ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح حديث جبريل أيضا - بعد أن ذكر اشتماله على مراتب الدين الثلاث: (والنبي ﷺ فسر الإسلام والإيمان بما أجاب به، كما يجيب عن المحدود بالحد إذا قيل: ما كذا؟ قال: كذا وكذا، كما في الحديث الصحيح لما قيل: ما الغيبة؟ قال: (ذكرك أخاك بما يكره) وفى الحديث الآخر: "الكبر: بطر الحق وغمط الناس ... ". ثم بين أن أجوبته ﷺ كلها حق وإن تنوعت، وقال ولكن المقصود أن قوله " بني الإسلام على خمس " كقوله "الإسلام هو الخمس (٢) ، كما ذكر في حديث جبريل، فإن الأمر مركب من أجزاء تكون الهيئة الاجتماعية فيه مبنية على تلك الأجزاء، مركبة منها، فالإسلام مبني على هذه الأركان. وسنبين إن شاء الله اختصاص هذه الخمس بكونها هي الإسلام، وعليها بني الإسلام، ولم خصت بذلك دون غيرها من الواجبات (٣) . وقد فسر الإيمان في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام هنا ولكنه لم يذكر فيه الحج) (٤) . وإذا تلمسنا الحكمة من مجيء جبريل ﵇ وتعليمه للمسلمين مراتب دينهم في مجلس واحد في آخر عمره ﷺ ، فإننا نجد أن هذا التعليم لم يكن إعلاما بأمر مبتدأ جديد ولا بسبب خفاء معنى الإسلام والإيمان عندهم، بل ليتبينوا حقيقة

стр. 458

المراتب الكاملة بعد نزول الأحكام واكتمال الدين، ومن ثم بنى السلف على ذلك نفى الإسلام والإيمان عمن لم يأت بهذه الأركان أو بعضها. وهذا ما فصله ﵀ قائلا (وإنما سأل جبريل ﷺ عن ذلك وهم يسمعون وقال: "هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم" ليبين لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التي ينبغي أن تقصد لئلا يقتصروا على أدنى مسمياتها. وهذا كما في الحديث الصحيح أنه قال: "ليس المسكين هذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس إلحافا" فهم كانوا يعرفون المسكين وأنه المحتاج وكان ذلك مشهورا عندهم فيمن يظهر حاجته بالسؤال، فبين النبي ﷺ أن الذي يظهر حاجته بالسؤال والناس يعطونه تزول مسكنته بعطاء الناس له والسؤال له بمنزلة كفايته - لم يبق مسكينا، وإنما المسكين المحتاج الذي لا يسأل ولا يعرف فيعطى، فهذا هو الذي يجب أن يقدم في العطاء فإنه مسكين قطعا، وذاك مسكنته تندفع بعطاء من يسأله. وكذلك قوله الإسلام هو الخمس يريد أن هذه كلها واجب داخل في الإسلام، فليس للإنسان أن يكتفي بالإقرار بالشهادتين، وكذلك الإيمان يجب أن يكون على هذا الوجه المفصل لا يكتفي فيه بالإيمان المجمل (١) ، ولهذا وصف الإسلام بهذا. وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب - فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور. ثم ذكر الروايات عن أحمد في ذلك وقال (قال الحكم بن عتيبة: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر، ومن ترك الحج متعمدا فقد كفر، ومن ترك صوم رمضان متعمدا فقد كفر.

стр. 459

وقال سعيد بن جبير: من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر بالله، ومن ترك الزكاة متعمدا فقد كفر بالله، ومن ترك صوم رمضان متعمدا فقد كفر بالله، لا ترفع الصلاة إلا بالزكاة. وقال عبد الله بن مسعود: من أقام الصلاة ولم يأت بالزكاة فلا صلاة له، رواها أسد بن موسى (١) . وقال عبد الله بن عمرو: من شرب الخمر ممسيا أصبح مشركا، ومن شربها مصبحا أمسى مشركا، فقيل لإبراهيم النخعي، كيف ذلك؟ قال: لأنه يترك الصلاة. قال أبو عبد الله الأخنس في كتابه: من شرب المسكر فقد تعرض لترك الصلاة، ومن ترك الصلاة فقد خرج من الإيمان (٢) . وبهذا يتبين من الأحاديث وما شرحها به الأئمة أن الإيمان الذي هو قول وعمل هيئة جامعة لأمور، أو حقيقة مركبة من أمور هي الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة معا، ولكل منهما أركان ترجع إلى أصل واحد. فالأعمال الباطنة هي " الإيمان " - الذي يشمل قول القلب وعمله - وقد سميت أصول الأجزاء الباطنة من الدين أركانا، وهذه الأركان ترجع إلى أصل واحد هو الإيمان بالله، فما جاء في القرآن والسنة من ذكر الإيمان بالله فهو هذا الأصل الذي يشمل الأركان الأخرى كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل، والأركان تتفرع عنها سائر تفصيلات الاعتقاد (٣) . والأعمال الظاهرة هي الإسلام الذي يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، وأصول الأجزاء الظاهرة من الإيمان هي أركان الإسلام الخمسة، وهذه الأركان ترجع في الأصل إلى ركن واحد هو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والباقي حقوق لها وفروع منها. فكل ما ورد من نصوص في أحكام المسلمين أو أصحاب التوحيد أو أهل القبلة، وما أطلق من تعليق النجاة في الدنيا والآخرة على الإقرار بالشهادتين - فالمقصود به هو هذا، أي من شهد بها قائما بحقوقها فهو المسلم الموحد الذي يعد من أهل

стр. 460

القبلة وتجرى عليه أحكامهم وحقوقهم في الدنيا والآخرة، فحديث جبريل قاض على ما سبقه بما فيه من زيادة أركان أو تفصيل إجمال. ومن تبين نصوص الشرع وواقع النفوس تبين له (أن كل قول وعمل لابد له من ظاهر وباطن، فظاهر القول لفظ اللسان، وباطنه ما يقوم من حقائق الإيمان بالجنان، وظاهر العمل حركات الأبدان، وباطنه ما يقوم بالقلب من حقائقه ومقاصد الإنسان (١) . وقد سبق تفصيل ذلك في حقيقة النفس الإنسانية، ومنه نعلم أن "الظاهر لابد له من باطن يحققه ويصدقه ويوافقه، فمن قام بظاهر الدين من غير تصديق بالباطن فهو منافق، ومن ادعى باطنا يخالف ظاهرا فهو كافر منافق، بل باطن الدين يحقق ظاهره ويصدقه ويوافقه، وظاهره يوافق باطنه ويصدقه ويحققه، فكما أن الإنسان لابد له من روح وبدن وهما متفقان فلابد لدين الإنسان من ظاهر وباطن يتفقان، فالباطن للباطن من الإنسان، والظاهر للظاهر منه" (٢) . فشهادة أن لا إله إلا الله كلمة ظاهرة باللسان وباطنها الإيمان بالله والإيمان بالله اعتقادا باطن بالقلب، وظاهره شهادة أن إله إلا الله، فلا انفكاك لأحدهما عن الآخر في تحقيق الإيمان أبدا، ثم عنهما تتفرع الأركان ومنها تتشعب الشعب كما سبق. فأبعد الناس عن معرفة دين الإسلام وحقائقه من قال: إن الإيمان يتم والنجاة تحصل بدون شهادة أن لا إله إلا الله، فضلا عن ترك سائر الأركان، وإن هذه الشهادة ما هي إلا علامة على الإيمان، وإن تركها مجرد علامة ظاهرة على عدم الإيمان من جهة إجراء الأحكام الدنيوية، وإلا فقد يكون الإيمان حاصلا في القلب في الواقع ونفس الأمر. فجعلوا أعظم أركان الإسلام - التي هي الجزء الظاهر من الإيمان بالله - بمنزلة شهادة الشهود أو القرائن الظاهرة التي قد يكون الواقع مخالفا لها، حتى إنهم قالوا: إن من سب الله أو قتل الرسول يجوز أن يكون مؤمنا في الباطن ولا يكون

стр. 461

كافرا قط إلا إذا انتفى العلم الباطني من قلبه. فإذا قيل لهم: قد جاء الكتاب والسنة بتكفير من كان لديه علم وتصديق باطن بدون انقياد بالقلب وإقرار باللسان، قالوا: من ورد فيه النص علمنا انتفاء الإيمان عنه بالنص لا بالنظر والفهم، وما سوى ذلك لا نجزم بكفره وإن أقمنا عليه أحكامه الظاهرة. وهذا الخطأ العظيم كان سببا لما أحدثه المرجئة المعاصرون من أصول أكثر ضلالا وخطأ في بعض الوجوه من متقدميهم، ولا سيما في مسألة التكفير التي ضل فيها أكثر الدعاة بين طرفي الإفراط والتفريط، وكان خوارج عصرنا رد فعل لمرجئتهم، فقد تولد التكفير الغالي في أحضان المرجئة الغالية، عكس ما حصل في القرن الأول من تولد الإرجاء في أحضان الخروج. ولو أن علاقة الظاهر بالباطن وحقيقة كل منهما بالآخر كانت واضحة لدى هؤلاء، لسلموا من هذا التخبط الشديد. فكما أن المرجئة القدامى تصوروا وجود الإيمان في قلب من عاش دهره كله لم يسجد لله سجدة، ولا صام له يوما، ولا أدى من زكاة ماله درهما، ولا عقد النية على حج بيته، بل ربما كان معلنا بسب الله ورسوله مهينا للمصحف عمدا، حتى لو قتلناه على شئ من ذلك قالوا، إن كان مقرا في نفسه فإنه يموت مسلما عاصيا وإذا امتنع عن التوبة يقتل حدا لا كفرا!! كما تصوروا ذلك جاء المرجئة المعاصرون فقالوا: إن من كان لا يحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ولا يقيم من شريعة الله إلا جزءا قد يقل أو يكثر، لا يقيمه لأنه من أمر الله وامتثالا له وإيمانا بدينه، بل لأنه موافق للهوى والمصلحة الذاتية، ومقر ممن يملك حق الإقرار والتشريع سواء كان شخص الزعيم أو الحزب أو المجلس التشريعي، فإنه لا يكفر إلا إذا علمنا أنه في قلبه يفضل شرائع البشر على شريعة أحكم الحاكمين، وما لم نطلع على ذلك فكل أعماله هي على سبيل المعصية، حتى وهو يصدر القوانين تلو القوانين ويترصد للمطالبين بتطبيق الشريعة ويلاحقهم بصنوف الأذى، ويظهر الموالاة الصريحة للكفار، ويلغي ما شرعه الله من الفروق الجلية بين المؤمنين والكفار من الرعية، ويرخص بإقامة أحزاب لا دينية - كل ذلك معاص لا تخرجه من الإسلام ما لم نطلع على ما في قلبه فنعلم أنه يفضل شرعا غير

стр. 462

شرع الله وحكمه على شرع الله وحكمه، أو يصرح بلسانه أنه يقصد الكفر ويعتقده، وأنه مستحل للحكم بغير ما أنزل الله!! فمرجئة عصرنا أكثر غلوا من جهة أنهم لم يحكموا له بشيء من أحكام الكفر لا ظاهرا ولا باطنا، وأولئك لم يخالفوا في إجراء الأحكام الظاهرة عليه، لكن جوزوا إيمانه باطنا فقالوا: لو قتلناه لأنه سب الله ورسوله فهذا السب دليل على كفره، وهو يوجب علينا تكفيره وقتله في أحكام الدنيا لكن إن كان في قلبه مقرا بصدق الرسول فهو مؤمن ناج عند الله، أما هؤلاء فيحكمون بإيمان من ذكرنا مثاله ظاهرا وباطنا ولا يرونه مستوجبا لحد فضلا عن تكفيره، بل يصرحون له بالموالاة والتأييد!! وهذا من أعظم المصائب التي ابتليت بها الدعوة الإسلامية في عصرنا، ومن أشدها مدعاة لإيضاح عقيدة أهل السنة والجماعة وبيانها للعامة والشباب (١) لاسيما معرفة حقيقة الإيمان المركبة من الاعتقاد والامتثال، وتطبيق لوازم ذلك ومقتضياته على الواقع، وهي الحقيقة التي نرجو أن نكون قد أوضحنا الأدلة عليها فيما سبق. وقد أوجزها العلامة ابن القيم في كلمات ميسرة فقال: "الإيمان حقيقة مركبة من معرفة ما جاء به الرسول ﷺ علما، والتصديق به عقدا، والإقرار به نطقا، والانقياد له محبة وخضوعا، والعمل به باطنا وظاهرا وتنفيذه والدعوة إليه بحسب الإمكان، وكماله في الحب لله والعطاء لله والمنع لله (٢) . وإذ قد بينا حقيقة الإيمان المركبة من جهة دلالة النصوص، فقد بقى أن نكمل ذلك فنبين صحة ذلك وصوابه من جهة البراهين النظرية الواضحة مناقشين لشبه المخالفين فيها، وهذا على قسمين: الأول: بيان فساد مذهب المعتزلة والخوارج والمرجئة بالتفريق بين الحقيقة الواحدة المشتركة التي أدعوها، وبين الحقيقة المركبة التي أوضحناها، وحكم المعصية عند كل بحسب. الثاني: بيان مأخذ السلف البرهاني في قولهم بأن تارك العمل مطلقا لا إيمان له.

стр. 463

وبيان الأول أن نقول: إن حقيقة الإيمان المركبة بالتقريب والتمثيل النظري كبناء أساسه شهادة أن لا إله إلا الله، ثم له أركان هي المباني الأربعة ثم تتفرع منه أجزاء أقلها إماطة الأذى عن الطريق، هذا من جهة الشمول. وهو من جهة قوة التراكيب مثل الملح المركب من الكلور والصوديوم بحيث لو انتفى أحدهما انتفت حقيقته. وأفضل من ذلك أن نشبهه بالشجرة التي لها جذور وجذع وأغصان وورق أخذا من قوله تعالى (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء) (إبراهيم: ٢٤) . وهو من جهة عدد أجزائه بضع وسبعون كما في الحديث، هذا عند أهل السنة والجماعة. وأما المعتزلة والخوارج من جهة والمرجئة من جهة أخرى، فقد اتفق جميعهم على أن الإيمان حقيقة واحدة مشتركة بين جميع المؤمنين في جميع الأعصار والأحوال، أي هو ماهية معينة إما أن توجد وإما أن تفقد فلا أبعاض له بحيث يذهب بعضه ويبقى بعضه، وهذا ما سبق إيضاحه فيما مضى من مباحث. وعلى هذا قالوا: إن الإيمان لا يكون حقيقة مركبة من أمور أو هيئة جامعة لأمور، لأن زوال جزء من أجزاء الحقيقة المركبة أو الهيئة الجامعة يلزم منه زوال الاسم وانتفاء الماهية، وضربوا لذلك مثالا بالعدد عشرة فقالوا: إن العشرة تتركب من آحاد يكون مجموعها عشرة فإذا نقص منها واحدا انتفى اسم العشرة، وهاهنا تظهر ثمرة الخلاف - أي في صاحب الكبيرة وتارك الواجب أو النفل - بين هاتين وبين أهل السنة. فقالت الخوارج والمعتزلة: يلزمكم على هذا أن تنفوا الإيمان عمن ترك واجبا بل نفلا لأن الإيمان عندكم يشمل هذا كله ويلزمكم أن تحكموا بكفره (كما تقول الخوارج) ، أو تجعلوه في منزلة بين المنزلتين (كما تقول المعتزلة) . وقالت المرجئة: بل العكس هو الصواب، فلما كنتم لا تنفون الإيمان عن صاحب الكبيرة لزمكم ألا تقولوا إن الإيمان حقيقة مركبة، لأن الحقيقة المركبة يلزم

стр. 464

من زوال بعض أجزائها زوال الاسم، ونحن وأنتم متفقون على إثبات اسم الإيمان لصاحب الكبيرة، فلا يكون العمل من الإيمان إذن ولا وجود للحقيقة المركبة، بل الإيمان هو القدر المشترك، أي التصديق القلبي فقط. والجواب عن ذلك: أن قولنا: إن الإيمان حقيقة مركبة من القول والعمل الظاهر والباطن يتفق - ولله الحمد - مع النصوص، ومع الأمثلة العقلية كذلك في حكم العاصي وسائر الأحكام، وهذه الشبهة نقلبها عليكم، فنقول للمعتزلة والخوارج: أنتم جعلتم مرتكب الكبيرة خارجا عن اسم الإيمان مطلقا، فعلى مثالكم يكون من أنقص من العشرة واحدا مثل من لم يأت بشيء منها مطلقا فجعلتم التسعة والصفر سواء، وهذا ما تأباه البدائه والعقول. ونحن نقول: إن الإيمان أبعاض فمن أتى بتسعة أو ثمانية أو أقل فهو ناقص الإيمان ولا نزيل عنه اسم الإيمان مطلقا بسبب ذلك، ولكننا نزيل عنه - كما ورد في النصوص - اسم الإيمان المطلق أي غير المقيد بقيد، فنقول: هو مؤمن ناقص الإيمان كما نقول في هذا المثال: هو لديه عشرة إلا واحدا، وهذا الاستثناء صحيح لغة وشرعا، قال الله تعالى (ألف سنة إلا خمسين عاما") (العنكبوت: ١٤) أي تسعمائة وخمسون. ونقول للمرجئة: أنتم قد جعلتم من جاء بواحد كمن جاء بالعشرة، حيث قلتم: إن العاصي كامل الإيمان، على أن التشبيه بالعشرة ليس من كل وجه إذ يفرقه أمران: أ- أن الرقم عشرة مجردا تتساوى فيه أفراد العشرة، أما الإيمان فالأول من أفراده وهو شهادة أن لا إله إلا الله، يختلف جدا عن الأخير منها وهو إماطة الأذى عن الطريق، فبزوال الأول يزول اسم الإيمان ولا يزول بالأخير، فتبين أن المثال تقريبي فقط. ب- أن المركبات تختلف، فمنها ما يكون التركيب شرطا في إطلاق الاسم كالملح وكالإيمان بالنسبة لتركبه من القول والعمل معا، ومنها ما لا يكون شرطا وهو أكثر المركبات والهيئات المجتمعة سواء الشرعي منها واللغوي، فالأول كالطاعة والعبادة والخير والصدقة والإحسان والقرآن والحديث ونحو ذلك، فإن

стр. 465

هذه الأسماء تطلق على القليل، وعند وجود البعض وزوال البعض، فالقرآن كله قرآن والسورة منه قرآن، وكذلك مجموع الطاعات إيمان وكل طاعة منه إيمان، ولا يلزم من انتفاء بعض الأجزاء زوال الاسم. واللغوي: مثل البحر والكلام والتراب والجبل والقرية ونحو هذا، فإن الاسم يطلق على البحر كله وعلى الطرف منه والجزء من مائه، ولا يلزم من ذهاب بعضه ألا يطلق الاسم على الباقي. فالإيمان بالنسبة لتركبه من مجموع الطاعات هو كهذا والمثال الأوضح - كما سبق - هو مثال الشجرة: فعلى مذهب المعتزلة والخوارج يكون قطع غصن من الشجرة إزالة لها ولاسمها بالكلية، وهذا واضح البطلان بالعقل والبديهة. وعلى مذهب المرجئة يكون استئصال الجزء الظاهر من الشجرة كله حتى لا يرى منه شئ لا يذهب اسم الشجرة وحقيقتها، لاحتمال أن يكون الجذر موجودا، والاسم عندهم إنما يطلق على الجذر وحده - أعني قولهم: إن اسم الإيمان إنما يطلق على التصديق القلبي وحده. وأما أهل السنة والجماعة فهداهم الله للحق في المنقول والمعقول معا، فإن الشجرة يبقى اسمها شجرة لكن يختلف الإطلاق، فالشجرة يعتريها النقص والقطع، فإذا أريد الشجرة الكاملة الممدوحة - قيل: هذه ليست كذلك بل هي ناقصة مع عدم زوال اسم الشجرة عنها، وإن أريد مطلق شجرة فهي شجرة فعلا، ونعني بذلك أن الإيمان المطلق لا يقال للعاصي - وأما مطلق الإيمان - فيقال له ولا ينفى عنه (١) . وقول المرجئة: إن من أتى بالمكفرات الظاهرة يمكن أن يكون مؤمنا في الباطن، هو كما لو رأى إنسان صخرة ثابتة في الأرض فقيل له: يمكن ان يكون أصلها الذي في الأرض جذر شجرة، وهذا ما لا يصدقه عاقل قط!! وبهذا يظهر فساد شبهة المرجئة وأنهم يعارضون النقل الصحيح والعقل الصريح بما لا حجة فيه، حتى إن إمام الأشعرية في عصره وأحد كبارهم بإطلاق "الفخر الرازي" صعب عليه التوفيق بين ما نقله واعتقده إمامه الشافعي من إجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل، وبين شبهتهم هذه عن الحقيقة المركبة، فقال وهو

стр. 466

يتحدث في مناقب الإمام الشافعي " قد نقلنا عن الشافعي رضى الله أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، وقال المتكلمون: الإيمان ليس إلا التصديق بالقلب واحتجوا عليه بوجوه". وذكر كلامهم المعروف بالاستدلال باللغة وشبهة العطف ثم قال: "واعلم أن قول الشافعي رضى الله عنه لا يمكن جعله من المعايب، فإن الذي ذهب إليه مذهب قوى في الاستدلال والاحتجاج، إلا أن الذي اختاره علماء الأصول من أصحابنا هو هذا القول الثاني. واعلم أن القوم قد يقررون العيب من وجه آخر فيقولون: قد تقرر في بداية العقول أن مسمى الشيء إذا كان مجموع أشياء فعند فوات تلك الأشياء لابد أن يفوت المسمى، فلو كان العمل جزء مسمى الإيمان لكان عند فوات العمل وجب ألا يبقى الإيمان، لكن الشافعي رضى الله عنه يقول: العمل داخل في مسمى الإيمان، ثم يقول: الإيمان باق مع فوات العمل، فكان هذا مناقضة.. " إلى أن يقول: " وللشافعي أن يجيب فيقول: أصلا الإيمان هو الإقرار والاعتقاد، فأما الأعمال فإنها من ثمرات الإيمان وتوابعه، وتوابع الشيء قد يطلق عليها اسم الأصل على سبيل المجاز، وإن كان يبقى الاسم مع فوات تلك التوابع، كما أن أغصان الشجرة قد يقال: إنها من الشجرة، مع أن اسم الشجرة باق بعد فناء الأغصان فكذلك هاهنا. واعلم أن على هذا التقدير يكون اسم الإيمان حقيقة في الإقرار والاعتقاد، ويكون إطلاق اسم الإيمان على الأعمال ليس إلا على سبيل المجاز ولكن فيه ترك لذلك المذهب " (١) . فانظر كيف استشكل القضية، ثم أورد الشبهة، ثم أجاب بما يراه الصواب، ثم أقر بأن الجواب يلزم منه ترك مذهب إمامه الذي هو مذهب السلف قاطبة، ولو أنه تأمل مثاله الذي ذكره "الشجرة"، لذهب عنه الاضطراب.

стр. 467

فإن قوله: "إن أغصان الشجرة قد يقال إنها من الشجرة" ظاهر الخطأ من جهة الاحتمال، إذ لا احتمال فيه، بل هي منها على الحقيقة في اللغة والعقل وكلام الشارع كما في الآية السابقة. ويقال له: كيف يصح أن يكون إطلاق الشجرة على الجذع هو الحقيقة، وإطلاقه على الأغصان مجازا، والاسم يطلق على الكل بلا تفريق؟! فهذا التكلف سببه انقداح الشبهة وعزل الأدلة اليقينية من النقل والعقل، وبذلك يظهر صدق مذهب أهل السنة وصحته، وسقوط شبهات المخالفين في مفهوم الحقيقة المركبة. وبعدها نبين الأمر الثاني وهو: والثاني: مأخذ السلف في نفي الإيمان عن تارك جنس العمل من جهة النظر والواقع: ذكرنا فيما مضى نقولا كثيرة عن السلف في أن ترك العمل مناف للإيمان ونكمل هنا بذكر نقلين مهمين عن إمامين عظيمين من أئمة أهل السنة والجماعة: هما الإمام أحمد، وشيخه سفيان بن عيينة، رضى الله عنهما: ١- أما سفيان بن عيينة فقد روى عن الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد قال: حدثنا سويد بن سعيد الهروي (١) قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا" بقلبه على ترك الفرائض (٢) ، (وجعلوه) (٣) ذنبا بمنزلة ركوب المحارم وليسا سواء، لأن ركوب المحارم عن غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر. وبيان ذلك في أمر آدم وإبليس وعلماء اليهود.

стр. 468

أما آدم فنهاه عن أكل الشجرة وحرمها عليه، فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من (١) الخالدين، فسمي عاصيا من غير كفر. وأما إبليس فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها (٢) متعمدا، فسمي كافرا". وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي ﷺ وأنه نبي رسول، كما يعرفون أبناءهم، وأقروا باللسان (٣) ولم يتبعوا شرائعه، فسماهم كفارا. فركوب المحارم مثل ذنب آدم وغيره من الأنبياء، وتركها (٤) على معرفة من غير جحود فهو مثل كفر علماء اليهود (٥) . فهذا الكلام الموجز الواضح هو تفصيل لأنواع من الكفر وبيان لمناط تكفير تارك الفرائض. ٢- وأما الإمام أحمد فقد روى عنه الخلال رسالته إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني جوابا" لسؤاله عن المرجئة، وفى آخرها يرد عليهم قائلا: إن من يقول: إن الإيمان هو مجرد الإقرار "يلزمه أن يقول هو مؤمن بإقراره، وإن أقر بالزكاة في الجملة ولم يجد (أو يحد) في كل مائتين خمسة - أنه مؤمن. ويلزمه أن يقول: إذا أقر ثم شد الزنار في وسطه، وصلى للصليب، وأتى الكنائس والبيع، وعمل عمل أهل الكتاب كله، إلا أنه في ذلك يقر بالله، فيلزمه أن يكون عنده مؤمنا، وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم" (٦) .

стр. 469

فهذا إلزام قوي يعرف به حكم تارك الالتزام بالطاعات، وهو إبطال لمذهب من يقول: إن انتفاء الإيمان الظاهر لا يكون معه عدم الإيمان إلا بانتفاء الإيمان الباطن، فجعلوا ترك جزء الحقيقة الباطن شرطا في انتفاء الحقيقة بترك الجزء الظاهر، مع أن التركيب ينتفي - وتنتفي الحقيقة بانتفائه - إذا ذهب أحد الركنين سواء أكان هذا أم ذاك. وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية المأخذ الواقعي والنظري لأئمة السلف في تكفير تارك الالتزام المصر بقلبه على ألا يعمل الفرائض، وإن كان مقرا" بصدق الرسول ﷺ في قرارة نفسه أو مدعيا الإقرار بها بلسانه، وأن من خالف ذلك من الفقهاء فقد دخلت عليه شبهة الإرجاء شعر أم لم يشعر، فقال - مكررا ذلك بمعناه في مواضع أخرى كثيرة. "إنه لا يتصور في العادة أن رجلا يكون مؤمنا بقلبه مقرا" بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزما لشريعة النبي ﷺ وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنا في الباطل قط، لا يكون إلا كافرا، ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذبا منه كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيا من الأنبياء ويقول: أشهد أنه رسول الله، أو نحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب (١) فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبا فيما أظهره من القول. فهذا الموضع ينبغي تدبره فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل أو يقتل مع إسلامه (٢) ، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية ... " (٣) . وقال في أول كلامه: من الممتنع أن يكون الرجل مؤمنا إيمانا ثابتا في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويعيش وهو لا يسجد لله سجدة ولا يصوم من رمضان ولا يؤدى زكاة ولا يحج إلى بيته، فهو ممتنع ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة" (٤) .

стр. 470

واحترز في آخر كلامه ممن قد يعمل أعمال الإيمان لكن بغير قصد التعبد والإيمان فقال: "قد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله ﷺ بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما ولا غير ذلك من الواجبات، (إلا أن يؤديها) (١) لا لأجل أن الله أوجبها مثل أن يؤدى الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله ﷺ لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله ﷺ مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها أمة محمد ﷺ ... " (٢) . وقد فصل هذا القول في الإيمان كما فصله ابن القيم "في الصلاة" ونحن ننقل كلامه في الإيمان الذي قاله تعقيبا على ما قاله علماء السلف كعطاء ونافع والحميدي والشافعي وأحمد من تكفير تارك جنس العمل - قال "وإنما قال الأئمة بكفر هذا، لأن هذا فرض ما لا يقع، فيمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئا مم أمر به من الصلاة والزكاة والصيام والحج ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات، مثل الصلاة بلا وضوء وإلى غير القبلة ونكاح الأمهات وهو مع ذلك مؤمن في الباطن، بل لا يفعل ذلك إلا لعدم الإيمان الذي في قلبه ... " (٣) . ولهذا فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها، وهو أن الرجل إذا كان مقرا بوجوب الصلاة فدعي إليها وامتنع واستتيب ثلاثا مع تهديده بالقتل، فلم يصل حتى قتل - هل يموت كافرا" أو فاسقا"؟ على قولين. وهذا الفرض باطل فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا صلى، لا ينتهي الأمر به إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه الإنسان إلا لأمر عظيم، مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك فيصبر عليه

стр. 471

حتى يقتل، وسواء كان الدين حقا أو باطلا، أما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطنا وظاهرا، فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط. ونظير هذا: لو قيل: إن رجلا من أهل السنة قيل له: ترض عن أبي بكر وعمر فامتنع عن ذلك حتى قتل مع محبته لهما واعتقده فضلهما، ومع عدم الأعذار المانعة من الترضي عنهما، فهذا لا يقع قط. وكذلك لو قيل: إن رجلا يشهد أن محمدا رسول الله باطنا وظاهرا،وقد طلب منه ذلك، وليس هناك رهبة ولا رغبة يمتنع لأجلها، فامتنع منها حتى قتل؛ فهذا يمتنع أن يكون في الباطن يشهد أن محمدا رسول الله. ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف الأولين والآخرين، إلا الجهمية - جهما ومن وافقه -، فإنه إذا قدر أنه معذور لكونه أخرس، أو لكونه خائفا من قوم إن أظهر الإسلام آذوه، ونحو ذلك، فهذا يمكن ألا يتكلم مع إيمان في قلبه كالمكره على كلمة الكفر، قال الله تعالى: (إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا" فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) (النحل: ١٠٦) . وهذه الآية مما يدل على فساد قول جهم فإنه (١) جعل من تكلم بالكفر من أهل وعيد الكفار، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان " (٢) . ولما رأى المرجئة أن النصوص الشرعية، والآثار السلفية الواردة في تفكير من ترك العمل، أو عمل الكفر غير متسقة فيما ذهبوا إليه من الحكم بإيمان تارك العمل، ونفي وقوع الكفر بالعمل الظاهر مطلقا"، وليس لديهم حيلة أو جواب عنها قالوا: إنها واردة فيمن يستحل ذلك، أو كان جاحدا" للوجوب، وهذا تأويل منقوض بفهم السلف الصالح للنصوص كما سبق عن الإمام أحمد والأوزاعي - رحمهم الله تعالى - وغيرهم، وحصر الكفر في الاستحلال فهم ناقص، ومجانب للصواب، ومخالف لأصول أهل السنة والجماعة من عدة أمور:

стр. 472

أولا: أن الكفر يكون: أ- بالاعتقاد في القلب كمن اعتقد أن لله ندا" أو شريكا" أو مثيلا" أو إنه لا يعلم كل شئ أو لا يقدر على كل شئ، أو أن الساعة غير آتية وأن الله لا يبعث من في القبور، أو اعتقاد أن القرآن اشتمل على باطل أو أن شيئا" مما جاء به النبي ﷺ غير حق أو أن شريعة الإسلام لا تصلح لهذا العصر، أو أن الأولياء يتصرفون في الكون أو يستجيبون لمن دعاهم واستغاث بهم. ومن ذلك النفاق الأكبر بكل ألوانه وصوره، وهو باب واسع. ب- ويكون بالقول باللسان كمن سب الله ورسوله ومدح الأصنام وهجا الأنبياء واستهزأ بالدين ودعا إلى الكفر والردة وسخر من بعض أحكام الشرع وصنف في ذلك أو قاله بأي وسيلة. ج- ويكون بالعمل الظاهر كمن يقاتل الأنبياء ويعذب أتباعهم ويهدم المساجد ويحرق المصاحف ويذبح لغير الله ويسجد للأصنام ويتعلم السحر أو يعلمه ويقاتل المؤمنين مع الكافرين أو ينصرهم بالمال والسلاح على المؤمنين، ويكرم المرتدين ويعظمهم ويهين المؤمنين ويحتقرهم ويتحاكم إلى الطاغوت ويذهب إلى الكاهن ويصدقه ونحو ذلك (١) ، وعلى هذا تدل نصوص قطعية من الكتاب والسنة وعليه إجماع المسلمين قبل ظهور البدع وتبعهم كبار فقهاء الملة في أبواب حكم المرتدين من كتبهم (٢) - مما يطول نقله إلا من دخلت عليه شبهة الإرجاء أو تناقض فاتبع كلام إمامه في تصانيفه الفقهية وتبع المتكلمين في تصانيفه أو آرائه العقدية. فحصر الكفر في قول القلب وحده ضلال عظيم وخطأ بين إن لم يكن كفرا" صريحا" كما هو حال من صرح به أو التزم لوازمه، ولهذا ونحوه كفر بعض السلف الجهمية ولم يعدوهم من فرق أهل القبلة، ونص شيخ الإسلام على أن من

стр. 473

جوز أن يكون من تكلم بالتكذيب والجحد وسائر أنواع الكفر من غير إكراه - مؤمنا في الباطن "فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" (١) . ثانيا: أن الاستحلال كفر برأسه: سواء فعل صاحبه ما أحل من المحرمات أو لم يفعل، ولهذا قال شيخ الإسلام في من سب الرسول ﷺ : "إن اعتقاد حل السب كفر سواء اقترن به السب أو لم يقترن" (٢) . ولذلك فمن شرع الزنا أو الربا أو شرب الخمر وأصدر لها المراسيم والقوانين التي ترخص بها وتحدد لها الأنظمة في عملها وتعيين المحاكم التي تختص بفض النزاع فيها ورتب حراستها وألزم بمقتضى ذلك فقد كفر، وإن لم يزن مرة واحدة أو يشرب من الخمر قطرة أو يأكل من الربا درهما". ثالثا:أن الكفر أعظم المعاصي بإطلاق: والاستحلال ينقل المعصية التي دون الكفر إلى مرتبة الكفر بإجماع أهل السنة والمرجئة سواء، فإذا ثبت فإلى أي مرتبة ينقل الاستحلال الكفر وليس وراءه مرتبة أخرى بل هو بذاته كفر فدل ذلك على أن موضوعه المعاصي التي هي دون الكفر لا الكفر. فإن اقترن بالكفر كان زيادة فيه كمن يكفر بالعبث ثم يكفر بالله. رابعا: أنه لا يجوز أن يقال: لابد أن يكون المستحيل مكذبا" بالدين حتى يكفر كما لا يجوز أن يقال في المكذب بالدين: أن يكون مستحلا للتكذيب فكذلك المعاند المستكبر والشاك وغيره فتبين أنه لا يصح جعل أحد أنواع الكفر شرطا" في الأنواع الأخرى أو قيدا" فيها (٣) . خامسا: أن الاستحلال نفسه يكون بالاعتقاد والقول والعمل: فالاعتقاد واضح، والقول كمن يقول إن الزنا أو الربا أو شرب الخمر حلال، ومن ذلك قصة قدامة بن مظعون ومن معه

стр. 474

في شرب الخمر (١) ، والعمل كقصة الرجل الذى تزوج امرأة أبيه فأمر النبى ﷺ بقتله وتخميس ماله، ولم يأمر بسؤاله أأنت مستحل أو مقر؟ . قال ابن القيم ﵀: "روى الإمام أحمد والنسائى وغيرهما عن البراء رضى الله عنه قال: لقيت خالى أبا بردة ومعه الراية فقال: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أقتله وآخذ ماله. وذكر ابن أبى خيثمة فى تاريخه من حديث معاوية بن قرة عن أبيه عن جده رضى الله عنهم أن رسول الله ﷺ بعثه إلى رجل عرس بامرأة أبيه فضرب عنقه وخمس ماله. قال يحيى بن معين: هذا حديث صحيح. وفى سنن ابن ماجه من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ من وقع على ذات محرم فاقتلوه. وذكر الجوزجانى: أنه رفع إلى الحجاج رجل اغتصب أخته على نفسها فقال: احبسوه وسلوا من هاهنا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألوا عبد الله بن مطرف رضى الله عنه فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من تخطى حرم المؤمنين فخطو وسطه بالسيف. وقد نص أحمد فى رواية إسماعيل بن سعيد فى رجل تزوج امرأة أبيه أو بذات محرم فقال: يقتل ويدخل ماله فى بيت المال. وهذا القول هو الصحيح وهو مقتضى حكم رسول الله ﷺ " (٢) . هـ. وقال ابن كثير فى تفسير الآية (ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم..) : "فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا لبيت المال، كما رواها الإمام أحمد وأهل السنن من طريق البراء بن عازب ... " وذكر الحديث!! (٣) . وهذا لا علة له إلا الاستحلال بالفعل. سادسا: أن حصر الكفر فى الاستحلال يقتضى أن لا يكفر أحد، يقول أنا غير مستحل وأنا أعتقد أن هذا حرام مهما عمل من المكفرات حتى من سب الله ورسوله

стр. 475

وأهان المصحف ونجس المسجد ونصر الكفار على المؤمنين وشرع الكفر بكل أنواعه، ما دام لم يصرح بالاستحلال أو صرح باعتقاد أن ذلك حرام فى الشرع. بل على هذا لا يكاد يكفر من الناس إلا القليل فإن أبا طالب مات على دينه وهو يعتقد أنه باطل وأن دين محمد ﷺ هو الحق، وهرقل أقام على دينه مع اعتقاده أن ذلك حرام عليه ولكن شهوة الملك غلبت داعى الحق، وكذلك أحبار أهل الكتاب الذين اعتقدوا بقلوبهم وجوب اتباعه ﷺ ولكن لم يتبعوه بل كثير من كفار قريش لم يكونوا يعتقدون صحة عبادة الأصنام وأنها خير من التوحيد وأن الله لم يحرم عبادتها!! وهكذا فأكثر كفر الخلق هو من جهة الإباء والاستكبار وترك الانقياد والاتباع لا من جهة اعتقاد أن الكفر حلال، فإن أكثر المتدينين في العالم يرتكبون المحرمات في دينهم ولا يقولون نعتقد أنها حلال فكيف إذا ارتكبوا الكفر؟ ولا سيما أهل الإسلام الذين يعلمون لأن الخروج من الإسلام أكبر الذنوب بإطلاق فيندر أن تجد مسلما لا يعتقد أن الكفر حرام وأن عاقبته النار. ولنضرب لذلك مثالا لكفر العمل وآخر لكفر القول: أ- مثال كفر العمل: السحر: فإن الله تعالى قد بين حال أهله فقال: (واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله فى الآخرة من خلاق) (البقرة: ١٠٢) . فإن الله تعالى حكم عليهم بالكفر وبين أن كفرهم هو تعليم السحر وبين أنهم يعلمون أن ذلك كفر ويقولون للمتعلم إنما نحن فتنة فلا تكفر ويعتقدون أن عاقبة عملهم هذا هى الخسارة الكبرى فى الآخرة فلم يجعل علمهم بأنه كفر وتحذيرهم المتعلم منه واعتقادهم سوء عاقبته مانعا من تكفيرهم.

стр. 476

فهؤلاء لم يكفروا لأنهم كذبوا بالله ورسوله واليوم الآخر ولا لأنهم كذبوا الرسل فى قولهم إن الله حرم السحر، ولا لأنهم اعتقدوا حل السحر أو فضلوه على كتاب الله ولكنهم نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كما فى الآية التي قبلها أى تركوا العمل به واختاروا ما يعلمون ويعتقدون قطعا أنه مفضول بل كفر وخيم العاقبة على ما يعلمون قطعا أنه فاضل بل حق محض، وبهذا حكم الله عليهم بالكفر ونفى عنهم الإيمان والتقوى. قال شيخ الإسلام: فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون أنه لا خلاق لهم فى الآخرة ومع هذا فيكفرون (١) . فلو قدرنا أن من يحكمون بالقوانين الوضعية لم يزيدوا على هؤلاء شيئا بل غاية فعلهم أنهم تركوا العمل بكتاب الله واتبعوا ما تقرره شياطين التشريع فى الشرق والغرب وحذروا الناس من التحاكم إلى هذه القوانين وبينوا لهم أنها كفر واعتقدوا أن مصيرهم إلى النار إن فعلوا ذلك لكنهم ظلوا يشرعونها ويحكمون بها؟ فهل يكون حكمهم شيئا سوى الكفر!! فكيف وهؤلاء كما يعلم الناس بالتواتر لا يحذرون من قوانينهم بل ولا يقولون إن أصحابها من أهل النار ولا أن الشريعة أفضل منها - مجرد قول مع أنه غير نافع - بل يفخرون بإصدارها ويجعلون ذلك عيدا أو شبه عيد ويحاربون من دعاهم إلى تحكيم الشرع أيما محاربة ويقولون بأنفسهم أو بأبواقهم إن الشريعة قاصرة عن ملائمة الحياة وأن أحكامها لا تصلح لهذا العصر ويقولون إن تحكيم هذه القوانين يحقق المصلحة الوطنية والخير والتقدم وحسن العاقبة.. الخ ما يتردد على ألسنة الزعماء وأعضاء المجالس التشريعية والصحفيين وسائر وسائل الإعلام!! فكيف يقال مع هذا إن هؤلاء لا يكفرون إلا إذا كذبوا أو جحدوا الوجوب أو استحلوا، أو فضلوا أو ساووا.. ونحو ذلك من العبارات التي تدل على شئ واحد وهو أن يضموا إلى هذا النوع من الكفر نوعا آخر منه.

стр. 477

ورحم الله الشيخ محمد بن إبراهيم حيث فصل هذه الأنواع وجعل كلا منها كفرا بذاته، كما هو فى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومذهب السلف الصالح أجمعين، ثم أفرد القسم غير المكفر عنها جميعا". وقال أجزل الله مثوبته: (لو قال من حكم القانون: أنا أعتقد أنه باطل، فهذا لا أثر له بل هو عزل للشرع كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطل (١) . ب- ومثال كفر القول: النطق بالكفر من غير إكراه، ودليل ذلك قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) (النحل: ١٠٦، ١٠٧) . وذلك من جهتين: إحداهما: أن الله تعالى بين سبب استحقاقهم الوعيد بقوله (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) الآية، فهم لم يستحبوا الكفر على الإيمان ولم يكذبوا الرسل فى ذلك، ولم يعتقدوا أن الكفر حلال لكنهم تكلموا بذلك مستحبين الحياة الدنيا على الآخرة. والأخرى: أنه استثنى المكره دالا على أن من تكلم بالكفر من غير إكراه فإن صدره منشرح به، بدون اشتراط أو تقييد. يقول شيخ الإسلام بعد ذكر الآيات: "فقد ذكر الله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه وذكر وعيده فى الآخرة، ثم قال (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة) وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا، ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب الحب والبغض، وهؤلاء (يعنى المرجئة) يقولون إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم ... والله جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الموجب للخسران، واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة وبأنه ما له في الآخرة من خلاق وأيضا فإنه سبحانه استثنى المكره

стр. 478

من الكفار ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منهم المكره لأن الإكراه على ذلك ممتنع فعلم أن التكلم بالكفر كفر إلا في حال الإكراه. وختم بقوله: "فمن تكلم بدون الإكراه لم يتكلم إلا وصدره منشرح به" (١) . وقال فى الصارم المسلول عن الآية نفسها: "ومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط لأن ذلك لا يكره الرجل عليه وهو قد استثنى من أكره ولم يرد من قال واعتقد لأنه استثنى المكره وهو لا يكره على العقد والقول وإنما يكره على القول فقط فعلم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب عظيم وأنه كافر بذلك إلا من أكره وهو مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا من المكرهين فإنه كافر أيضا، فصار من تكلم بالكفر كافرا إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان. وقال فى المستهزئين (لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) (التوبة: ٦٦) ، فبين أنهم كفار بالقول مع أنهم لم يعتقدوا صحته" (٢) . سابعا: أن حصر الكفر في "الاستحلال" قد لا يلزم حتى على مذهبهم وذلك لأن كلمة "الاستحلال" لا تدل على اعتقاد حل محرم، إلا بحسب الاصطلاح أما فى اللغة بل وفى كلام الشرع فإن المستحل هو المستمرئ للحرام الذى لا يعبؤ بالتحريم ولا يبالى به كما قال ﷺ : "يستحلون الحر والحرير" فإذا احتاج المصطلح إلى قيد ليدل على المراد فكذلك يحتاج إلى النصوص الأخرى فهذا اللفظ الذى لا يدل على الكفر بذاته كيف يجعلونه هو وحده مناط الكفر المناقض للإيمان دون ما سواه ويعدلون عما ورد صريحا فى الشك والنفاق والاستكبار والإعراض والتولى ونحوها مما في الكتاب والسنة.

стр. 479

إذا تبين هذا بقى أن نعلم أن المرجئة - ومن اتبعهم وهو لا يشعر - لما أن حكموا بإيمان تارك العمل ونفوا وقوع الكفر بالعمل الظاهر مطلقا لم يبق لهم غالبا من جواب أو حيلة يدفعون بها احتجاج أهل السنة عليهم بالنصوص الواردة فى تكفير من ترك العمل أو عمل الكفر إلا القول بأن هذه فى المستحل أو الجاحد للوجوب. فجعلوا جنس ترك العمل وارتكاب المكفرات من جنس ترك سائر الفرائض وارتكاب سائر المحرمات وجعلوا الفاعل داخلا تحت المشيئة موعودا بالشفاعة، واستدلوا بما ورد من النصوص عاما مطلقا مثل: "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة" وحديث الشفاعة (الجهنميين) الآتي بيانه، وضموا إلى ذلك الاستدلال بقول أهل السنة: "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله" على إطلاقها فاستنتجوا من ذلك كله أن من كفر أحدا - بترك ما تركه كفر أو فعل ما فعله كفر وهو غير مستحل لذلك - خرج عن قاعدة أهل السنة هذه ووقع فى مذهب الخوارج أو بعضه!! وهذا خطأ بين لا يخفى على من اطلع على ما سبق ونزيد هنا فيما يتعلق بهذه العبارة فنقول: ١- الاستحلال عند أهل السنة والجماعة إنما متعلقة الذنوب التي دون الشرك أو الكفر كما سبق، ولذلك يذكرون هذه العبارة فى باب الرد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالكبائر العملية التي هى من جنس المعاصى كالزنا وشرب الخمر كما هو معلوم - ولو كان جنس ارتكاب المكفر من جنس فعل المعصية وكان لابد لكل من ورد فيه إنه كافر أن يقيد بالمستحيل أو الجاحد مطلقا كما يقولون لجاز أن نقول: "الزانى كافر" و"شارب الخمر كافر" بإطلاق، فإذا اعترضوا علينا قلنا إنما نعنى به المستحل أو الجاحد، كما تقولون تارك الصلاة كافر، والحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتعنون المستحل أو الجاحد. والحق أن الإطلاق فى الكل باطل كما وأن التقييد فى الكل باطل، وأن الحق فى اتباع النصوص كما فى الفقرة (٤) الآتية: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"ونحن إذا قلنا أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنوب فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب وأما هذه المباني

стр. 480

(يعنى الأركان) ففي تكفير تاركها نزاع مشهور" (١) ، وقد سبق إيراد كلام الإمام سفيان بن عيينة فى هذا التفريق. ٢- أن العبارة نفسها لا تدل على مرادهم بإطلاق فإن فيها التقيد بكلمة "أهل القبلة" ومعلوم أن من ترك الصلاة التي هى رأس العمل الظاهر بل من كفر بأى مكفر كان لا يسمى عندهم من أهل القبلة. ٣- أن العبارة فيها إطلاق تنبه أهل السنة له وإن اشتبه الأمر على بعضهم ولهذا تكلموا فى تقييدها بما يدفع اللبس ويزيل الإشكال مثل أن تصبح "ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بكل ذنب ما لم يستحله" وفى نظرى أن قولنا: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بعمل دون الكفر ما لم يستحله" أوضح فى المراد - وإن كانت تلك أجود فى العبارة - كما أن هذه تزيل الإشكال الناشئ من كون الذنوب الاعتقادية قد تدخل فى الصيغة الأولى وهى لا يقال: يكفر صاحبها بالاستحلال بل يقال: يكفر بالرد والإنكار، فتأمل (٢) . ٤- أن أهل السنة والجماعة متبعون لنصوص الشرع فى كل شئ فما جعله الشرع كفرا بإطلاق فهو عندهم كفر بإطلاق - كمن ترك الصلاة أو تعاطى السحر أو حكم بشرع غير ما أنزل الله - وسموا فاعله كافرا بإطلاق وما جعله من جنس المعصية لكن سماه كفراً سموه كفرا كذلك ولم يكفروا فاعله بل جعلوه مرتكبا لعمل من أعمال الكفر وشعبه من شعبه، كقتال المسلم الوارد فى الحديث: " ... وقالته كفر" وحديث: "لا ترجعوا بعدى كفارا" يضرب بعضكم رقاب بعضا" وما جاء فى حديث: "ثنتان فى أمتى هما كفر: الطعن فى النسب، والنياحة على الميت"، وبين هذا وما قبله فوارق من القرائن اللفظية والمعنوية يعلمها علماؤهم (٣) .

стр. 481

ومن نفى عنه الإيمان بفعل - ما هو من جنس المعصية ينفون عنه الإيمان لكن لا يخرجونه من الإسلام وهذا هو معنى قولهم:"نثبت له مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق"، وذلك كما ورد فى حديث " لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ... " الخ ومن ارتكب ذنبا لم يجعله الشرع كفرا بإطلاق فهو مرتكب لكبيرة الذي وقع الخلاف فيه قديما بينهم وبين الخوارج وحكمه عندهم - في الآخرة - أنه إن لم يقم به مانع من موانع إنفاذ الوعيد كالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية (١) ونحوها فهو تحت مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، ولهذا فهم يجزمون بأن بعض أهل الكبائر سيدخلون النار وأن بعضهم لن يدخلها - كما هو مقتضى الجمع بين الأدلة فى هذا المسألة. كل ذلك باتباع مطرد للنصوص وجمع متسق بينها وفق منهج منضبط لا خلل فيه ولا اضطراب. فلو قال قائل من أهل السنة: "ولا نكفر أحداً بذنب ما لم يستحله" وجب حمله على هذه الأصول وفهمه وفق ذلك المنهج. أما الخوارج والمعتزلة فيجزمون بأنه لن يدخل أحد من مرتكبي الكبائر الجنة وينكرون حديث الشفاعة وشبهه. أما المرجئة فيجوزون أنه لا يدخل أحد منهم النار، ولما كان الخوارج والمعتزلة ينبزون أهل السنة والجماعة بالإرجاء وكان المرجئة ينبزونهم بالخروج بينوا الفوارق بينهم وبين كل من الطائفتين ومن ذلك أنهم يكفرون من ارتكب ما هو من جنس المكفرات ولو كانت أعمالا أو تركا للعمل فليسوا إذن مرجئة. ولا يكفرون من ارتكب ما هو من جنس المعاصي ما لم يستحل ذلك فليسوا إذن خوارج. فمن هنا جاءت هذه العبارة، فتوسيع مفهومها أو وضعها في غير موضعها غير مقبول.

стр. 482

على أن لهذه العبارة قرينة وضميمة ما كنت لأوردها هنا لولا أن محدث العصر الشيخ الألباني - حفظة الله - استشهد بكلام لقائلها (١) متضمنا الخطأ نفسه في فهم العبارة السابقة، وأقره عليه بل أثنى على كلامه، وإلا فموضعها مبحث الشبهات النقلية لأن بعضهم جعلها حديثا " (٢) . وهذه العبارة هي: "لا يخرج العبد من الإيمان إلا بجحود ما أدخله فيه". قال الإمام الطحاوى ﵀ في استدلاله على أن تارك الصلاة لا يكفر: " والدليل على ذلك أنا نأمره أن يصلى ولا نأمر كافرا أن يصلى، ولو كان بما كان منه كافرا لأمرناه بالإسلام فإذا أسلم أمرناه بالصلاة. وفى تركنا لذلك وأمرنا إياه بالصلاة ما قد دل على أنه من أهل الصلاة، ومن ذلك أمر النبى ﷺ الذي أفطر في رمضان متعمدا بالكفارة التي أمره بها وفيها الصيام ولا يكون الصيام إلا من المسلمين. ولما كان الرجل يكون مسلما إذا أقر بالإسلام قبل أن يأتى بما يوجبه الإسلام من الصلوات الخمس ومن صيام رمضان، كان ذلك ويكون كافرا بجحوده لذلك ولا يكون كافرا إلا من حيث كان مسلما، وإسلامه كان بإقراره بالإسلام فكذلك ردته لا تكون إلا بجحود الإسلام (٣) !! وهذا الكلام يستحق ما قاله شيخ الإسلام فى كلام القاضى أبى يعلى المشابه له "زلة منكرة وهفوة عظيمة" (٤) . وإنما قاله تبعا لمذهب المرجئة الحنفية الذين يقولون إن الإيمان هو التصديق والإقرار والكفر هو ضد ذلك وهو التكذيب والجحود أى جحود الإقرار كما سبق تفصيل مذهبهم (٥) .

стр. 483

ولو وقفنا على ما فى هذا الكلام تفصيلا لطال المقام لكننا نكتفى ببيان الخطأ الأكبر فيه وهو أنه لا يخرج أحد من الإسلام إلا بترك الإقرار لأنه يدخل في الإسلام بالإقرار فكيف يخرج منه بغير ما دخل به فيه؟! ومعنى ذلك أن من لم يجحد الشهادتين لا يكفر مطلقا لا باعتقاد ولا بعمل بل هو من أهل ذلك الركن الذى جحد أو ترك ألا تراه يقول فى تارك الصلاة: "وفى تركنا لذلك وأمرنا إياه بالصلاة ما قد دل على أنه من أهل الصلاة"!! ولازم ذلك وطرده أن يقال: من كفر بالقرآن مع إقراره بالشهادتين فإن دعوتنا إياه للإيمان بالقرآن وتركنا دعوته للشهادتين دليل على أنه من أهل القرآن!! وقل مثل ذلك فيمن كفر بالملائكة أو الجنة أو النار.. وغيرها من أمور الاعتقاد. وفى العمل: يلزم منه أن الصحابة قد أخطئوا أو ضلوا حين سموا تاركي الزكاة كفارا ومرتدين وقاتلوهم على ذلك لأنهم حسب كلامه مسلمون من أهل الزكاة!! وهكذا. وهذا لا يشك فى خطئه بل بطلانه لمن قراءه فضلا عمن تأمله وذلك أن القول بأن من تكلم بالشهادتين لا يكفر إلا بترك الإقرار بهما هو نوع من الإرجاء الغالي المذموم جدا عند السلف والذى لا يفوقه غلوا إلا إرجاء الجهمية أى اشتراط ترك الإقرار القلبى الذى هو التصديق عندهم، وكلاهما معلوم الفساد والبطلان بالاضطرار من الدين، وقد ذكر شيخ الإسلام: إن كل من تأمل كلام هؤلاء المرجئة يعلم بالاضطرار "أنه لو قدر أن قوما" قالوا للنبى ﷺ : نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك (أى لم يجحدوا الوجوب) ونقر بألسنتنا بالشهادتين (أى لم يجحدوا الإقرار) إلا أنا لا أطيعك فى شئ مما أمرت به ونهيت عنه فلا نصلى ولا نصوم ولا نحج ونصدق الحديث ولا نؤدى الأمانة ولا نفى بالعهد ولا نصل الرحم ولا نفعل شيئا" من الخير الذى أمرت به (أى نترك جنس العمل) ، ونشرب الخمر وننكح ذوات المحارم بالزنا الظاهر ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك ونأخذ أموالهم بل نقتلك أيضا ونقاتل مع أعدائك (أى يفعلون جنس المحرم مطلقا) هل كان يتوهم عاقل أن النبى ﷺ يقول لهم "أنتم مؤمنون كاملو الإيمان وأنتم من أهل شفاعتى يوم القيامة ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار؟

стр. 484

بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك" (١) . فالعجب أن يقول الشيخ الألبانى بعد أن نقل كلام الطحاوى هذا: "قلت وهذا فقه جيد وكلام متين لا مرد له" (٢)

стр. 485

الشبهات النقلية والاجتهادية يستدل المرجئة - قدماؤهم ومعاصروهم - على أن العمل ليس من الإيمان، وأن تركه بالكلية لا ينفى الإيمان بالكلية، بشبهات نقلية وآراء اجتهادية استنباطية، سبق إيراد بعضها ضمن ما نقلنا من كلامهم. وبالرغم من الرد العام المؤصل على مذهبهم، من خلال بيان علاقة العمل بالإيمان فإن مناقشة هذه الشبهات تفصيلا ضرورية لأسباب منها: ١- بيان أن مذهب السلف محكم لا مطعن فيه ولا ثغرة لناقد، فهو يجمع الأدلة كلها ولا يعارض نصا صحيحاً قط. ٢- بيان أن مذهب المرجئة من جهة كونه توفيقياً - كما سبق - يجتزئ من نصوص الإيمان ما يراه موفقاً لأصوله، التي يكون أكثرها مقرراً من غير اعتماد على النصوص فى الأصل، ويلبس بذلك على المناظر مدعياً أنه مذهب أهل الحق والسنة. فإذا ما ناقشنا هذه الأدلة، وأخرجنا منها الباطل المكذوب، ورددنا الصحيح إلى موضعه، من بناء مذهب السلف المحكم المتسق، زالت كل شبهة، وقامت الحجة بإذن الله تعالى. وأصل الشبهات النقلية عند المرجئة، هو وقوع الجهل والخطأ فى الاستدلال بالنصوص، من جهتين: أولا: من جهة الثبوت: افترى وضاعوا المرجئة أحاديث وضعوها على رسول الله ﷺ ، تؤيد مذهبهم، وقد كشف ذلك علماء الحديث والرجال المتخصصون، وبالجملة فكل حديث ينفى ما سبق نقل الإجماع عليه، من أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص فهو موضوع ولا حاجة للبحث فى سنده (١) . وهذه أمثلة يقاس عليها ما وراءها:

стр. 486

١- الحديث المروى عن أبى سعيد الخدرى قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من زعم أن الإيمان يزيد وينقص فزيادته نفاق ونقصانه كفر، فإن تابوا وإلا فاضربوا أعناقهم بالسيف، أولئك أعداء الرحمن، فارقوا دين الله، وانتحلوا الكفر، وخاضوا فى الله، طهر الله الأرض منهم، ألا ولا صلاة لهم، ألا ولا صوم لهم، ألا ولا زكاة لهم، ألا ولا حج لهم، ألا ولا بر لهم، هم براء من رسول الله ﷺ ، ورسول الله براء منهم". فهذا الحديث وضعه أحد المرجئة من أصحاب الرأي، يدعى "محمد بن القاسم الطاياكاني"، قال عنه ابن حبان: "يأتى من الأخبار ما تشهد الأمة على بطلانها وعدم الصحة فى ثبوتها" وأورد هذا الحديث مثالا لذلك (١) . ٢- الحديث المروى عن أبى هريرة رضى الله عنه " أن وفد ثقيف جاءوا النبى ﷺ فسألوه عن الإيمان هل يزيد وينقص؟ فقال لا، زيادته كفر ونقصانه شرك" (٢) . فهذا الحديث وضعه "الحكم بن عبد الله أبو مطيع البلخي" قال عنه ابن حبان: وكان من رؤساء المرجئة ممن يبغض السنن ومنتحليها وهو من كبار أصحاب الرأى أيضاً، والعجيب أن أحد أصحاب الرأى سرقه من أبى مطيع وادعاه لنفسه وهو المدعو: "عثمان بن عبد الله المغربى الأموى". فقد روى عن حماد بن سلمه عن أبى المهزم عن أبى هريرة قال: قدم وفد ثقيف على رسول الله ﷺ فقالوا: "يا رسول الله جئناك نسألك عن الإيمان، أيزيد أو ينقص؟ قال: الإيمان مثبت فى القلوب كالجبال الرواسى، وزيادته ونقصانه كفر". قال ابن حبان: (وهذا شئ وضعه أبو مطيع البلخى على حماد بن سلمة، فسرقه هذا الشيخ وحدث عنه" (٣) . ومما يدل على أمانة شارح الطحاوية، العلامة على بن على بن محمد بن أبى العز ﵀، وتجرده عن الهوى والتعصب، أنه مع كونه حنفيا قد بين بطلان هذا الحديث نقلا عن شيخه المحدث الحافظ ابن كثير، وبين فيه علة

стр. 487

أخرى غير أبى المطيع، وهو أبو المهزم الذى قال عنه شعبة: "لو أعطوه فلسين - لحدثهم - سبعين حديثاً " (١) . ٣- الحديث المروى عن ابن عباس عن النبى ﷺ قال: "الإيمان قول، والعمل شرائعه، لا يزيد ولا ينقص". فهذا الكلام وضعه أحمد بن عبد الله المعروف بالجويبارى، قال عنه ابن حبان: "دجال من الدجاجلة، كذاب ... "، وقال: "شهرته عند أصحاب الحديث قاطبة بالوضع على الثقات ما لم يحدثوا" (٢) . وقال الذهبى: "يضرب المثل بكذبه". وقال: "قال ابن عدى: كان يضع الحديث لابن كرام على ما يريد، فكان ابن كرام يخرجها فى كتبه عنه" (٣) . وبهذا يتبين اشتراك المنتسبين إلى المرجئة الفقهاء، والمنتسبين إلى الكرامية فى هذه الصفة الشنيعة (٤) . ثانياً: من جهة الفهم والاستنباط: بغض النظر عن سوء القصد، واتباع الهوى، اللذين لا يخلو منهما مبتدع، نقول: إن الخطأ يمكن أن يقع فى فهم نصوص الإيمان من المرجئ وغير المرجئ، وذلك لسبب واقع فى مدلولات النصوص نفسها وفى مواردها. وإيضاح ذلك أن الإيمان من حيث هو لفظ شرعى، ورد استعماله فى نصوص الشارع كثيرا جدا لا غرابة فى ذلك. ومع هذه الكثرة تأتى النصوص فى الإيمان مرة مطلقة، ومرة مقيدة، وتطلق مرة على الإيمان الباطن، ومرة على الإيمان الظاهر، ومرة عليهما معا. وتأتي في بيان الأحكام الدنيوية المترتبة على الإيمان من الحقوق والحدود دةن تعرض لحقيقته وعاقبته عند الله تعالى.

стр. 488

وتأتى أحيانا فى خطاب الوعيد والذم للدلالة على وجوب ترك المذموم، دون أن يكون المراد منها الأحكام التطبيقية ... وهكذا مما هو ظاهر لمن جمع النصوص فى الإيمان من مصادرها الصحيحة. فالإيمان له مبدأ وكمال وله ظاهر وباطن، وله أحكام دنيوية تترتب عليه، وله أحكام أخرى أخروية وكثيرا ما خلط الناس بين هذه الأمور، فجعلوا النصوص الدالة على أصل الإيمان ومبدئه (كالآيات والأحاديث الدالة على أن القلب محل الإيمان، نحو حديث "التقوى هاهنا" فى موضع الإيمان الكامل المطلق، فقالوا: إن عمل الجوارح ليس من الإيمان، كله في القلب فقط. أو جعلوا النصوص الدالة على بعض أحكام الإيمان الدنيوية فى موضع الإيمان من حيث حقيقته الشرعية، (كالنصوص الواردة فى كف اليد عمن أقر بالإسلام، أو أظهر بعض شعائره، وعصمة ماله ودمه بذلك أو الحكم له بالإسلام المقتضى ترتب حكم شرعى عليه، كحديث الجارية التي قال النبى ﷺ لمولاها: أعتقها فإنها مؤمنة) . أو جعلوا النصوص الواردة فى خطاب الذم والوعيد (كالأحاديث الواردة فى نفى الإيمان عن الزانى والسارق، ومن لا يأمن جاره بوائقه، ومن لا يحب لأخيه مثلما يحب لنفسه وأمثالها) فى خطاب الأحكام التنفيذية كما فعلت الخوارج. أو يقعون فى عكس ذلك، فيجعلون النصوص الواردة فى الأحكام فى موضع الذم والوعيد، كالنصوص الثابتة الصريحة في تكفير تارك الصلاة التي انعقد عليها إجماع الصحابة، لكن المرجئة جعلوها من قبيل الوعيد والتغليظ، فقالوا: إن التارك المصر الذي يعرض على السيف ويستتاب ثلاثة أيام، ثم يقتل ممتنعا عن أدائها - إنه مسلم يقتل حدا (١) . وهكذا مما سبق إيراد كثير منه، فى نصوص المرجئة المنقولة سابقا. فهذا الأصل العظيم، من فطن له واطلع على مذهب السلف، علم يقينا أنه المذهب الحق الذى لا تناقض فيه، ولا تعارض بين نص وآخر، وعلم كثيرا من أسباب وقوع الخلاف بين الناس فى الإيمان، وأنه لا مخلص له ولا لهم من الخطأ والتناقض، إلا باقتفاء أثر السلف الصالح في كل ذلك.

стр. 489

وهذه أمثلة من النصوص أو الاستنباطات، التي استدل بها المرجئة على أن ترك العمل مطلقا لا ينافى الإيمان، وجواب أهل السنة والجماعة عنها: ١- حديث جارية معاوية بن الحكم السلمى رضى الله عنه، الذى فيه: "كانت لى جارية ترعى غنما قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون، لكنى صككتها صكة (١) . فأتيت رسول الله ﷺ فعظم ذلك على. قلت: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال: ائتنى بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: فى السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة؟ (٢) . ووجه الاستدلال أن النبى ﷺ شهد لها بالإيمان دون أن يشترط العمل، فالإيمان يثبت بمجرد الإقرار، فهو قول فقط وليس قولا وعملا. والجواب عن ذلك: أن مورد الحديث وموضعه، هو بيان الحكم الدنيوى المترتب على الإيمان وليس بيان حقيقة الإيمان الشرعية، المبينة فى نحو قول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (٣) (الحجرات: ١٥) . وفرق كبير بين أن يقول النبى ﷺ عن أحد إنه مؤمن، بمعنى أنه داخل فى أحكام المؤمنين الظاهرة، من المناكحة، والتوارث وحل الذبيحة، والصلاة على

стр. 490

الجنازة، والأجزاء فى العتق، ونحو ذلك وبين أن يقول عن أحد إنه مؤمن، فى موضع الشهادة له بتحقيق الإيمان، واستكمال صفات المؤمنين، ولهذا أراد النبى ﷺ سعد بن أبى وقاص حين قال له: "يا رسول الله، مالك عن فلان؟ (١) فوالله إنى لأراه مؤمنا، فقال النبى ﷺ : أو مسلما"، ثلاث مرات" (٢) . ومن المعلوم أن هذه الجارية ليست معدودة فى السابقين ولا من أفاضل الصحابة المشهود لهم بالإيمان، بل غاية ما دل عليه الحديث أنها مسلمة لا أكثر وهو الحكم الظاهر الذي يستحقه كل من أظهر الإيمان. وقد دلت على هذا المعنى الروايات والأحاديث الأخرى فى هذه الجارية، أو جارية مثلها، فقد جاء الحديث عن أبى هريرة، والشريد بن سويد الثقفي، ورجل من الأنصار مبهم (٣) ، وفى كل منها يسأله السائل قائلا إن علي - أو على أمى - عتق رقبة مؤمنة، ويستفتى النبى ﷺ أهذه الجارية مؤمنة فيعتقها، أم أنها لا تجزئ؟ فيستجوبها النبي ﷺ ثم يقول: "أعتقها فإنها مؤمنة، أو أعتقها فقط، أى أنها تجزئ فى العتق. ولهذا قال الإمام أحمد رضى الله عنه فى جواب هذا الحديث: ليس كل أحد يقول فيه: فإنها مؤمنة، يقولون: أعتقها. قال: ومالك سمع من هذا الشيخ هلال بن على الدين لا يقول: فإنها مؤمنة، وقد قال بعضهم: فإنها مؤمنة، فهى حين تقر بذلك فحكمها حكم المؤمنة، هذا معناه (٤) . وقد علق الشيخ المحدث الألباني على كلام الإمام أحمد هذا، بأن الزيادة صحيحة فلا وجه للتردد فيها (٥) ، وهذا صحيح، لكن مراد الإمام أحمد ليس تضعيف الرواية، وإنما هو إثبات خطأ المرجئة في الاستدلال بالحديث من جهتين: أ- أن بعض الروايات ليس فيها القول بأنها مؤمنة، وهى رواية مالك - وهو من هو فى الحفظ والإتقان - وقد حصل بها الجواب كاملا، فالسائل سأل أتجزئ

стр. 491

هذه الجارية فى العتق - المشروط فيه أن تكون الرقبة مؤمنة - فأجابه النبى ﷺ بعد استجوابها بقوله: أعتقها، أي هي مجزئة، فالموضوع لا علاقة له ببيان حقيقة الإيمان الشرعى أصلا. ب- أن بعض الروايات ورد فيها القول بأنها مؤمنة: ومعنى ذلك أنها لما كانت مقرة بما سألها عنه فهى تأخذ حكم المؤمنين وهو العتق، لأن شرط الحكم يتحقق فيها وهو هذا الإيمان الذى يكفي لإجراء الأحكام الظاهرة على من جاء به، دون أن يعنى ذلك أنه محقق للإيمان الشرعى ظاهرا وباطنا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا لا حجة فيه، لأن الإيمان الظاهر الذى تجرى عليه الأحكام فى الدنيا، لا يستلزم الإيمان فى الباطن الذى يكون صاحبه من أهل السعادة فى الآخرة، فإن المنافقين الذين قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين، هم فى الظاهر مؤمنون، يصلون مع الناس ويصومون ويحجون ويغزون، والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم، كما كان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ " (١) . وقال:"والله تعالى لما أمر فى الكفارة بعتق رقبة مؤمنة، لم يكن على الناس ألا يعتقوا إلا من يعلمون أن الإيمان فى قلبه، فإن هذا كما لو قيل لهم: اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان فى قلبه، وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم، فإذا رأوا رجلا يظهر الإيمان جاز لهم عتقه. وصاحب الجارية لما سأل النبى ﷺ هل هى مؤمنة؟ إنما أراد الإيمان الظاهر، الذى يفرق بين المسلم والكافر. وكذلك من عليه نذر، لم يلزمه أن يعتق (٢) إلا من علم أن الإيمان فى قلبه، فإنه لا يعلم ذلك مطلقا، بل ولا أحد من الخلق يعلم ذلك مطلقا، وهذا رسول الله ﷺ أعلم الخلق والله يقول له: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين) (التوبة: ١٠١) .

стр. 492

فأولئك إنما كان النبى ﷺ يحكم فيهم كحكمه فى سائر المؤمنين، ولو حضرت جنازة أحدهم صلى عليها، ولم يكن منهيا" عن الصلاة إلا على من علم نفاقه، وإلا لزم أن ينقب عن قلوب الناس ويعلم سرائرهم، وهذا لا يقدر عليه بشر" (١) . ثم قال: "والمقصود أن النبى ﷺ إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر، الذى علقت به الأحكام الظاهرة، وإلا فقد ثبت عنه أن سعدا لما شهد لرجل أنه مؤمن قال: "أو مسلم؟ "، وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الأمة وزيادة. فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة، التي يحكم فيها الناس (٢) فى الدنيا، وبين حكمهم فى الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة لابد أن يكون مؤمنا فى الباطن باتفاق جميع أهل القبلة، حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمنا ... ولهذا أكثر ما اشترط الفقهاء فى الرقبة التي تجزئ فى الكفارة العمل الظاهر، فتنازعوا هل يجزئ الصغير؟ على قولين معروفين للسلف، هما روايتان عن أحمد: لا يجزى عتقه، لأن الإيمان قول وعمل والصغير لم يؤمن بنفسه، إنما إيمانه تبع لأبويه فى أحكام الدنيا، ولم يشترط أحد أن يعلم أنه مؤمن فى الباطن. وقيل: بل يجزئ عتقه، لأن العتق من الأحكام الظاهرة وهو تبع لأبويه، فكما أنه يرث منهما، ويصلى عليه، ولا يصلى إلا على مؤمن، فإنه يعتق" (٣) هذا وقد ذكر الخلال عن الإمام أحمد رواية أخرى فى الجواب عن هذا الحديث هى أنه "قال يوما، وذكر عنده هذا الحديث - يعنى حديث الجارية التي أتى بها رسول الله ﷺ فقال: يحتجون به يعني المرجئة - وهو حجة عليهم يقولون: الإيمان قول، والنبى ﷺ لم يرض منها حتى قال: "تؤمنين بكذا، تؤمنين بكذا" (٤) . ولعل هذا الجواب ذكره الإمام عند ذكر الحديث الذى رواه فى المسند عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء، وقال: "يا رسول الله، إن عليَّ رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها؟

стр. 493

فقال لها رسول الله ﷺ : "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم: قال: أتشهدين أنى رسول الله؟ قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال أعتقها" (١) . ومعنى قول الإمام: إنه حجة عليهم، أن المرجئة كما هو معلوم تقول إن الإيمان شئ واحد، لا يزيد ولا ينقص، وفى الحديث سألها النبى ﷺ عن أمور متعددة، فدل على أن الإقرار نفسه يتنوع ويتعدد، فهو متبعض، وكذلك الإيمان كله. وعلى كلام المرجئة، كان يكفى النبى ﷺ أن يسألها: هل أنت مؤمنة؟ فإذا قالت: نعم، قال: أعتقها، أو نحو ذلك من الأمثلة التي تدل على حصول مجرد الإقرار الذى هو شطر الإيمان عند بعض المرجئة، وشرط عند آخرين، ومجرد علامة عند أكثر المتأخرين - كما سبق تفصيله. لكن لما كان الإيمان له أصل وكمال، وظهر منها ما يدل على أن عندها أصل الإيمان، الذى يكفى مثله للدخول فى الإسلام، ويتحقق به الحكم المسؤول عنه، حكم لها به ﷺ . فإذا كان هذا القدر من الإيمان يتنوع ويتعدد، فكيف باستكمال حقيقة الإيمان، الذى لم يقع عنه هنا سؤال ولا له جواب فى الحديث، ومعرفته تقتضى أن تمتحن فى جميع شعب الإيمان الواجبة، وأن يكون معلوما أن باطنها فى ذلك كظاهرها، وهذا هو المحال، كما سبق فى كلام شيخ الإسلام. فظهر بذلك أن استدلال المرجئة به على أن حقيقة الإيمان هى مجرد التصديق والإقرار باطل، وأن الحديث حجة عليهم لا لهم. وهذا الحديث وسائر الأحاديث المماثلة دليل على استجواب مجهول الحال، ليعلم أهو داخل فى أحكام الإسلام ويشمله اسم الإيمان أم هو كافر (٢) . ومعلوم لدى الفقهاء جميعا - السنى منهم والمرجئ - أن من أتى بمبدأ الإسلام، وهو الإقرار بالشهادتين، فقد أعلن دخوله فى الإسلام والتزامه بأحكامه، وهذا القدر الذى جاء به إنما هو ببعض الواجب عليه، ولهذا لابد له من الإتيان بالإيمان الواجب، أى عمل سائر شعب الإيمان الواجبة وأهمها الأركان الأربعة، ويجبر على ذلك عند الجميع، حتى إنه لو امتنع عن الصلاة مثلا، وأصر فإنه يقتل،

стр. 494

إما كفرا على مذهب السلف، وإما حدا على مذهب المرجئة، ومن وافقهم من المتأخرين. والسؤال: لو قدرنا أن تلك الجارية لم تلتزم بلوازم ذلك الإقرار، وأصرت على ترك الصلاة - مثلا - فهل كان النبي ﷺ يدعها على ذلك الإقرار الأول ويسميها مؤمنة؟ إن هذا هو موضع النزاع فى قضية إثبات الإيمان لتارك العمل، وليس هو الكلام فى الحكم بإسلام من ظهر منه ما يدل على إسلامه. نعم، هذا الحديث ونحوه، يصلح حجة على الخوارج القدماء والمعاصرين، الذين يشترطون للحكم لأحد بالإسلام شروطا خاصة، هى فى حقيقتها شروط لقبول توبة المرتد وإسلامه، لا للحكم بإسلام الكافر الأصلى، فضلا عن الحكم لمن يظهر الإسلام فى دار الإسلام، ولم يظهر منه ناقض لإسلامه، وذلك مبنى على نظرتهم فى أن الأصل فى الناس ابتداء هو الكفر، إلا من علموا هم إسلامه بيقين!! بقى أن يقال: إنه إن كان فى الحديث شبهة للمرجئة الفقهاء، فلا شبهة قط للمرجئة الغلاة من الجهمية والأشعرية والماتريدية، الذين يقولون: إن الإيمان هو مجرد تصديق القلب، وإن المصدق بقلبه ناج عند الله!! بل هو حجة عليهم، فإن مجرد ذلك لا يترتب عليه أى حكم من أحكام الإيمان، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، ولو أن الكرامية استدلت به على مذهبها فى أن الإيمان هو النطق، لكان أقرب منهم، فكيف ونحن متفقون على بطلان مذهب الكرامية فظهر أن مذهبهم أشد بطلانا منه، (لا سيما وأن التصديق فى لغة العرب، إنما يطلق على من قال بلسانه: صدقت، أما مجرد انعقاد القلب على صحة أمر ما دون إظهار ذلك باللسان، فلا يسمى فى لغة العرب تصديقا" (١) .

стр. 495

٢- حديث الجهنميين (أو حديث الشفاعة) : وهو الحديث الوارد فى شفاعة النبى ﷺ لأمته، وتحنن الله تعالى عليهم بإخراج من كان فى قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وأصرح لفظ استدلت به المرجئة فى إحدى روايات أبى سعيد الخدرى وهى " ... فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما (١) فيلقيهم فى نهر من أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة فى حميل السيل ... " (٢) . قال: فيخرجون كاللؤلؤ فى رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله (٣) ، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه" (٤) . وهذه إحدى روايات مسلم للحديث، ولم ترد هذه اللفظة عند البخارى على كثرة رواياته له عن أبى سعيد وأنس وأبى هريرة، إلا أن الجملة الأخيرة وهى قول أهل الجنة: "أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ... " الخ، وردت فى إحدى رواياته عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد أيضا" (٥) . أما الإمام أحمد فقد رواه مختصرا ومطولا عن أبى هريرة وأنس وأبى سعيد وجابر وحذيفة (٦) ، ولم ترد هذه اللفظة عنده إلا فى رواية عطاء بن يسار عن أبى سعيد أيضا. ووجه الاستدلال منه: أنه أخرج من النار قوما جاءوا بتصديق مجرد، لا عمل معه، فدل ذلك على أن العمل ليس ركنا فى الإيمان كما يقول أهل السنة والجماعة، إذ الركن لا يحتمل السقوط إلا بإنتفاء الحقيقة، وهؤلاء حقيقة الإيمان ثابتة لهم، بل قال قائل منهم: إن قلبه طافح بالإيمان (٧) .
следующие страницы →