هذه الجارية فى العتق - المشروط فيه أن تكون الرقبة مؤمنة - فأجابه النبى ﷺ بعد استجوابها بقوله: أعتقها، أي هي مجزئة، فالموضوع لا علاقة له ببيان حقيقة الإيمان الشرعى أصلا.
ب- أن بعض الروايات ورد فيها القول بأنها مؤمنة:
ومعنى ذلك أنها لما كانت مقرة بما سألها عنه فهى تأخذ حكم المؤمنين وهو العتق، لأن شرط الحكم يتحقق فيها وهو هذا الإيمان الذى يكفي لإجراء الأحكام الظاهرة على من جاء به، دون أن يعنى ذلك أنه محقق للإيمان الشرعى ظاهرا وباطنا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا لا حجة فيه، لأن الإيمان الظاهر الذى تجرى عليه الأحكام فى الدنيا، لا يستلزم الإيمان فى الباطن الذى يكون صاحبه من أهل السعادة فى الآخرة، فإن المنافقين الذين قالوا: آمنا بالله وباليوم الآخر، وما هم بمؤمنين، هم فى الظاهر مؤمنون، يصلون مع الناس ويصومون ويحجون ويغزون، والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم، كما كان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ " (١) .
وقال:"والله تعالى لما أمر فى الكفارة بعتق رقبة مؤمنة، لم يكن على الناس ألا يعتقوا إلا من يعلمون أن الإيمان فى قلبه، فإن هذا كما لو قيل لهم: اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان فى قلبه، وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم، فإذا رأوا رجلا يظهر الإيمان جاز لهم عتقه.
وصاحب الجارية لما سأل النبى ﷺ هل هى مؤمنة؟ إنما أراد الإيمان الظاهر، الذى يفرق بين المسلم والكافر.
وكذلك من عليه نذر، لم يلزمه أن يعتق (٢) إلا من علم أن الإيمان فى قلبه، فإنه لا يعلم ذلك مطلقا، بل ولا أحد من الخلق يعلم ذلك مطلقا، وهذا رسول الله ﷺ أعلم الخلق والله يقول له: (وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين) (التوبة: ١٠١) .
стр. 492
فأولئك إنما كان النبى ﷺ يحكم فيهم كحكمه فى سائر المؤمنين، ولو حضرت جنازة أحدهم صلى عليها، ولم يكن منهيا" عن الصلاة إلا على من علم نفاقه، وإلا لزم أن ينقب عن قلوب الناس ويعلم سرائرهم، وهذا لا يقدر عليه بشر" (١) .
ثم قال: "والمقصود أن النبى ﷺ إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر، الذى علقت به الأحكام الظاهرة، وإلا فقد ثبت عنه أن سعدا لما شهد لرجل أنه مؤمن قال: "أو مسلم؟ "، وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الأمة وزيادة.
فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة، التي يحكم فيها الناس (٢) فى الدنيا، وبين حكمهم فى الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة لابد أن يكون مؤمنا فى الباطن باتفاق جميع أهل القبلة، حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمنا ... ولهذا أكثر ما اشترط الفقهاء فى الرقبة التي تجزئ فى الكفارة العمل الظاهر، فتنازعوا هل يجزئ الصغير؟ على قولين معروفين للسلف، هما روايتان عن أحمد: لا يجزى عتقه، لأن الإيمان قول وعمل والصغير لم يؤمن بنفسه، إنما إيمانه تبع لأبويه فى أحكام الدنيا، ولم يشترط أحد أن يعلم أنه مؤمن فى الباطن.
وقيل: بل يجزئ عتقه، لأن العتق من الأحكام الظاهرة وهو تبع لأبويه، فكما أنه يرث منهما، ويصلى عليه، ولا يصلى إلا على مؤمن، فإنه يعتق" (٣)
هذا وقد ذكر الخلال عن الإمام أحمد رواية أخرى فى الجواب عن هذا الحديث هى أنه "قال يوما، وذكر عنده هذا الحديث - يعنى حديث الجارية التي أتى بها رسول الله ﷺ فقال: يحتجون به يعني المرجئة - وهو حجة عليهم يقولون: الإيمان قول، والنبى ﷺ لم يرض منها حتى قال: "تؤمنين بكذا، تؤمنين بكذا" (٤) .
ولعل هذا الجواب ذكره الإمام عند ذكر الحديث الذى رواه فى المسند عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء، وقال: "يا رسول الله، إن عليَّ رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها؟
стр. 493
فقال لها رسول الله ﷺ : "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم: قال: أتشهدين أنى رسول الله؟ قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ قالت: نعم، قال أعتقها" (١) .
ومعنى قول الإمام: إنه حجة عليهم، أن المرجئة كما هو معلوم تقول إن الإيمان شئ واحد، لا يزيد ولا ينقص، وفى الحديث سألها النبى ﷺ عن أمور متعددة، فدل على أن الإقرار نفسه يتنوع ويتعدد، فهو متبعض، وكذلك الإيمان كله.
وعلى كلام المرجئة، كان يكفى النبى ﷺ أن يسألها: هل أنت مؤمنة؟ فإذا قالت: نعم، قال: أعتقها، أو نحو ذلك من الأمثلة التي تدل على حصول مجرد الإقرار الذى هو شطر الإيمان عند بعض المرجئة، وشرط عند آخرين، ومجرد علامة عند أكثر المتأخرين - كما سبق تفصيله.
لكن لما كان الإيمان له أصل وكمال، وظهر منها ما يدل على أن عندها أصل الإيمان، الذى يكفى مثله للدخول فى الإسلام، ويتحقق به الحكم المسؤول عنه، حكم لها به ﷺ .
فإذا كان هذا القدر من الإيمان يتنوع ويتعدد، فكيف باستكمال حقيقة الإيمان، الذى لم يقع عنه هنا سؤال ولا له جواب فى الحديث، ومعرفته تقتضى أن تمتحن فى جميع شعب الإيمان الواجبة، وأن يكون معلوما أن باطنها فى ذلك كظاهرها، وهذا هو المحال، كما سبق فى كلام شيخ الإسلام.
فظهر بذلك أن استدلال المرجئة به على أن حقيقة الإيمان هى مجرد التصديق والإقرار باطل، وأن الحديث حجة عليهم لا لهم.
وهذا الحديث وسائر الأحاديث المماثلة دليل على استجواب مجهول الحال، ليعلم أهو داخل فى أحكام الإسلام ويشمله اسم الإيمان أم هو كافر (٢) .
ومعلوم لدى الفقهاء جميعا - السنى منهم والمرجئ - أن من أتى بمبدأ الإسلام، وهو الإقرار بالشهادتين، فقد أعلن دخوله فى الإسلام والتزامه بأحكامه، وهذا القدر الذى جاء به إنما هو ببعض الواجب عليه، ولهذا لابد له من الإتيان بالإيمان الواجب، أى عمل سائر شعب الإيمان الواجبة وأهمها الأركان الأربعة، ويجبر على ذلك عند الجميع، حتى إنه لو امتنع عن الصلاة مثلا، وأصر فإنه يقتل،
стр. 494
إما كفرا على مذهب السلف، وإما حدا على مذهب المرجئة، ومن وافقهم من المتأخرين.
والسؤال: لو قدرنا أن تلك الجارية لم تلتزم بلوازم ذلك الإقرار، وأصرت على ترك الصلاة - مثلا - فهل كان النبي ﷺ يدعها على ذلك الإقرار الأول ويسميها مؤمنة؟
إن هذا هو موضع النزاع فى قضية إثبات الإيمان لتارك العمل، وليس هو الكلام فى الحكم بإسلام من ظهر منه ما يدل على إسلامه.
نعم، هذا الحديث ونحوه، يصلح حجة على الخوارج القدماء والمعاصرين، الذين يشترطون للحكم لأحد بالإسلام شروطا خاصة، هى فى حقيقتها شروط لقبول توبة المرتد وإسلامه، لا للحكم بإسلام الكافر الأصلى، فضلا عن الحكم لمن يظهر الإسلام فى دار الإسلام، ولم يظهر منه ناقض لإسلامه، وذلك مبنى على نظرتهم فى أن الأصل فى الناس ابتداء هو الكفر، إلا من علموا هم إسلامه بيقين!!
بقى أن يقال:
إنه إن كان فى الحديث شبهة للمرجئة الفقهاء، فلا شبهة قط للمرجئة الغلاة من الجهمية والأشعرية والماتريدية، الذين يقولون: إن الإيمان هو مجرد تصديق القلب، وإن المصدق بقلبه ناج عند الله!!
بل هو حجة عليهم، فإن مجرد ذلك لا يترتب عليه أى حكم من أحكام الإيمان، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، ولو أن الكرامية استدلت به على مذهبها فى أن الإيمان هو النطق، لكان أقرب منهم، فكيف ونحن متفقون على بطلان مذهب الكرامية فظهر أن مذهبهم أشد بطلانا منه، (لا سيما وأن التصديق فى لغة العرب، إنما يطلق على من قال بلسانه: صدقت، أما مجرد انعقاد القلب على صحة أمر ما دون إظهار ذلك باللسان، فلا يسمى فى لغة العرب تصديقا" (١) .
стр. 495
٢- حديث الجهنميين (أو حديث الشفاعة) :
وهو الحديث الوارد فى شفاعة النبى ﷺ لأمته، وتحنن الله تعالى عليهم بإخراج من كان فى قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، وأصرح لفظ استدلت به المرجئة فى إحدى روايات أبى سعيد الخدرى وهى " ... فيقول الله : شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط قد عادوا حمما (١) فيلقيهم فى نهر من أفواه الجنة، يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة فى حميل السيل ... " (٢) .
قال: فيخرجون كاللؤلؤ فى رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله (٣) ، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه" (٤) .
وهذه إحدى روايات مسلم للحديث، ولم ترد هذه اللفظة عند البخارى على كثرة رواياته له عن أبى سعيد وأنس وأبى هريرة، إلا أن الجملة الأخيرة وهى قول أهل الجنة: "أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ... " الخ، وردت فى إحدى رواياته عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد أيضا" (٥) .
أما الإمام أحمد فقد رواه مختصرا ومطولا عن أبى هريرة وأنس وأبى سعيد وجابر وحذيفة (٦) ، ولم ترد هذه اللفظة عنده إلا فى رواية عطاء بن يسار عن أبى سعيد أيضا.
ووجه الاستدلال منه:
أنه أخرج من النار قوما جاءوا بتصديق مجرد، لا عمل معه، فدل ذلك على أن العمل ليس ركنا فى الإيمان كما يقول أهل السنة والجماعة، إذ الركن لا يحتمل السقوط إلا بإنتفاء الحقيقة، وهؤلاء حقيقة الإيمان ثابتة لهم، بل قال قائل منهم: إن قلبه طافح بالإيمان (٧) .
стр. 496
والجواب على هذا الاستدلال يمكن من أوجه كثيرة نوجزها بالآتي:
أ- إن هذا الحديث من الأدلة على المرجئة فى زيادة الإيمان ونقصانه، وهم يؤولونه ولا يأخذون به فى ذلك فمن التحكم أن يردوا أول الحديث ويستدلوا بآخره، مع أن هذا الذى فى آخره ليس إلا فى رواية واحدة من رواياته.
فالمرجئة - كما سبق بيانه - تقول إن الإيمان شئ واحد لا يزيد ولا ينقص، وإن الإنسان يكون كامل الإيمان وإن لم يعمل خيرا" قط، والحديث يرد عليهم فى ذلك أصرح رد:
قال الإمام البخارى ﵀: "باب تفاضل أهل الإيمان فى الأعمال (١) ".
وذكر سنده إلى أبى سعيد رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال: "يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان فى قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فيخرجون منها قد اسودوا، فيلقون فى نهر الحيا - أو: الحياة - شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة فى جانب السيل" (٢) .
وقال أيضا": "باب زيادة الإيمان ونقصانه ... الخ ".
عن أنس عن النبي ﷺ قال: "يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفى قلبه وزن شعيرة من خير، يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفى قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفى قلبه وزن ذرة من خير".
ثم ذكر أن فى رواية أخرى: "من إيمان "بدل "من خير" (٣) .
وبهذا أيضا" استدل الإمام أبو بكر بن خزيمة على من يزعمون (أن الناس إنما يتفاضلون فى إيمان الجوارح، الذى هو كسب الأبدان، فإنهم زعموا أنهم متساوون فى إيمان القلب، الذى هو التصديق وإيمان اللسان الذى هو الإقرار) (٤) .
ب- إن أكثر روايات هذا الحديث ليس فيها هذه الزيادة، بل هى مصرحة بأن الجهميين هم من أهل الصلاة ومن العاملين، فإذا ضممنا هذه الروايات إلى
стр. 497
النصوص الصريحة فى تكفير تارك الصلاة، لم تنهض تلك الزيادة على معارضتها، فوجب أن تفهم كما تفهم الألفاظ المعارضة للأدلة الصحيحة الصريحة، مما هو معلوم في أبواب التعارض والترجيح والجمع.
أولا: من جهة الترجيح:
أن يقال: إن الروايات التي لم تذكر فيها هذه الزيادة، أرجح من تلك، من حيث كثرتها وموافقتها للأصول القطعية في أنه لن يدخل الجنة إلا مؤمن، وأن الإيمان قول وعمل.
فمثلا" رواية أبى هريرة عند البخاري هذا نصها:
"حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد، وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار، أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا"، ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا (١) ، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون تحته كما تنبت الحبة فى حميل السيل" (٢)
فهذه رواية متفق عليها بين الشيخين، وفى رواية البخارى فى الأذان، يشترك سعيد بن المسيب سيد التابعين فى روايتها مع عطاء بن يزيد، ومن الاتفاق الحسن أن التابعى الراوى عن أبى هريرة، وهو عطاء بن يزيد، قال بعد تمام الحديث:
"وأبو سعيد الخدرى جالس مع أبى هريرة لا يغير عليه شيئا من حديثه - ورواية مسلم لا يرد عليه من حديثه شيئا - حتى انتهى إلى قوله (آخر الحديث) : هذا لك (٣) ومثله معه، قال أبو سعيد سمعت رسول الله ﷺ يقول: هذا لك وعشرة أمثاله. قال أبو هريرة: حفظت مثله معه ".
وفي رواية مسلم والبخاري في التوحيد حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل ومثله معه قال أبو سعيد وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال ابو هريرة ما حفظت إلا قوله لك ذلك ومثله معه.. قال أبو سعيد أشهد أني حفظت من رسول الله ﷺ قوله ذلك لك وعشرة أمثاله.
стр. 498
فهذا ما يرجح هذه الرواية، لاتفاق كلا الصحابيين عليها، وتصريح التابعى بأن أبا سعيد لم يغير، أو لم يرد على أبى هريرة إلا ما ذكر، فلديه زيادة علم ترجح روايته على رواية عطاء بن يسار بن أبى سعيد منفردا، لا سيما وقد شاركه فيها سعيد بن المسيب، كما فى رواية البخارى فى كتاب الأذان.
ومما يقويه أن رواية عطاء بن يسار نفسه عند البخارى، لم يرد فيها قوله "لم يعملوا خيرا قط وهذا لفظها:
" ... فما أنتم بأشد لى مناشدة فى الحق قد تبين لكم، من المؤمن يومئذ للجبار (١) ، إذا رأوا أنهم قد نجوا، فى إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا الذين كانوا يصلون معنا ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: "اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال دينار من إيمان فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غاب فى النار إلى قدمه، والى أنصاف ساقيه فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم فى قلبه مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا ".
"قال أبو سعيد: فإن لم تصدقونى فاقرؤوا: "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها"، فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتى، فيقبض قبضة من النار فيخرج أقواما قد امتحشوا، فيلقون فى نهر بأفواه الجنة، يقال له: ماء الحياة، فينبتون فى حافتيه كما تنبت الحبة فى حميل السيل..".
ثم يذكر ما سبق من قول أهل الحنة: "هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه " (٢) .
فلم يرد فيه ما يدل على عدم العمل إلا قول أهل الجنة، وهم إنما يقولون حسب ظاهر ما يعملون كما جاء فيه: "فيخرجون من عرفوا". فإن كانت المعرفة بحسب علمهم بهم فى الدنيا، فلا يخفى أن من الناس من لا يعرف المؤمنين أن فيه خيرا وإن كانت بحسب أثر السجود - كما فى الرواية الأخرى - فلا يبعد أن يكون فى بعض المصلين من إساءة الصلاة، والإهمال الشديد فى أدائها، ما لا يحصل له معه علامة ظاهرة للمؤمنين. والله أعلم.
стр. 499
أما سائر روايات الحديث عن الصحابة الآخرين، وعن أبى سعيد فى غير تلك الرواية، فلا ذكر فيها لنفى العمل، بل هى كما رأينا مصرحة بأنهم من أهل الصلاة.
وعليه فإن لم نقل: إن تلك الرواية غير محفوظة، نقول: لابد من توجيهها وتخريجها بما يتفق والأصول والنصوص الأخرى.
ومن ذلك: ما قاله الإمام أبو بكر بن خزيمة ﵀:
قال: "هذه اللفظة: "لم يعملوا خيرا قط، من الجنس الذي تقول العرب بنفى الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل لم يعملوا خيرا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به".
قال: "وقد بينت هذا المعنى فى مواضع من كتبى" (١) .
أقول: وهذا التوجيه يشهد له حديث المسيء صلاته، حين قال له النبى ﷺ ، "ارجع فصل فإنك لم تصل" (٢) ، فنفى صلاته مع وقوعها، والمراد نفى صحة أدائها وبه استدل أبو عبيد ﵀ فى مثل هذا (٣) .
وكذلك حديث قاتل المائة نفس الذى جاء فيه: "أنه لم يعمل خيرا قط (٤) ، لأنه توجه تلقاء الأرض الصالحة، فمات قبل أن يصلها، فرأت ملائكة العذاب أنه لم يعمل خيرا قط بعد، إذ لم يزد على أن شرع فى سبيل التوبة، ولهذا حكم الله تعالى بينها وبين ملائكة الرحمة، بقياس الأرض وإلحاقه بأقرب الدارين، ثم قبض هذه وباعد تلك، رحمة منه وإلا كان يهلك.
وفى حديث الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه بعد وفاته خوفا من الله: "قال رجل لم يعمل خيرا قط: إذا مات فحرقوه ... " ... ولمسلم: "قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله: إذا مات فأحرقوه ... " (٥) .
وقد فسرتها الرواية التي بعدها: " أسرف رجل على نفسه أو أسرف عبد على نفسه ".
стр. 500
ومما يؤيد ذلك أنه قد ورد فى بعض روايات حديث الجهنميين هذا، أن هذا الرجل منهم، حيث ذكرت أنه آخر أهل النار خروجا منها" (١) .
ثانيا: من جهة الجمع:
وقبل بيان ذلك نقول: إن الجمع مقتضاه صحة الاستدلال، فهل هذا الحديث يصلح لما استدلت به المرجئة بإطلاق، أي دعوى أن الإيمان تصديق مجرد؟
الجواب:
أما المرجئة الغلاة، أي القائلون بأن الإيمان محله كله القلب وهو التصديق القلبي دون سائر أعمال القلب والجوارح كما هو مذهب الأشعرية والماتريدية والظاهرة عموما، والقائلين إن من صدق بقلبه نجا عند الله، وإن لم يشهد بلسانه كما نقلنا عن بعضهم فلا حجة لهم فيه بحال، إذ روايات الحديث فضلا عن الأصل القطعى الثابت دالة على أن الجهنميين هم من أهل شهادة أن لا إله إلا الله، فالإجماع قائم على أنه لا يدخل الجنة كافر قط ولا شفاعة له بحال وعلى أن من امتنع عن شهادة أن لا إله إلا الله ليس بمؤمن لا فى أحكام الدنيا ولا فى أحكام الآخرة كما قد سبق نقله. فمن الخطأ البين استدلال أبى حامد الغزالى بقوله فى الحديث: "من كان فى قلبه مثقال ذرة " على أن من قدر على الشهادة فأخرها فمات، فيحتمل أن يكون امتناعه عن النطق بمنزله امتناعه عن الصلاة، فيكون غير مخلد فى النار (٢) .
فإن مثل هذا الاحتمال لا يعارض فى الإجماع، وقياسه على الممتنع عن الصلاة فاسد من وجوه كثيرة، منها: أن الشهادة أعظم من الصلاة، إذ لا تصح الصلاة ولا غيرها بدونها، ومنها أن الإجماع على تكفير الممتنع عن الصلاة ثابت عن الصحابة.
وقد أوردنا رواية أنس التي فيها: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفى قلبه وزن شعيرة من خير ... الحديث" فقول لا إله إلا الله - قيد لابد منه -، ولا يصح أن يقال: أن عموم (من لم يعملوا خيرا قط) يشمل هذا.
стр. 501
وأما قول بعضهم: "إن المراد بالقول هنا القول النفسي" (١) ، فمن التأويل الفاسد، إذ لا يصح حمل القول على القول النفسى، إلا إذا قيد بذلك، أما إذا أطلق فهو ممتنع عند جميع العقلاء.
إذا تبين هذا لم يبق فى هذه الرواية حجة، إلا للمرجئة الفقهاء القائلين: إن الإيمان ركنان- القول والإقرار فقط، ولبعض العلماء الذين يرون أن تارك الصلاة لا يخلد فى النار، فهو إذن ليس بكافر الكفر المخرج من الملة.
وعليه ينحصر النزاع فى المسألة مع هؤلاء ويتحرر موضع الخلاف، بأنه رجل شهد شهادة الحق، ولم يعمل خيرا قط، فهل يكون من المؤمنين ويدخل الجنة؟
إن أصول أهل السنة والجماعة تنفى هذا (وإن تردد فيه بعض علمائهم المتأخرين) (٢) فإن لم نرد تلك الرواية بإطلاق ونستدل بالإجماع الثابت على تكفير تارك الصلاة، فالجمع بين هذه الرواية وتلك الأصول ممكن، بأن يقال:
إن هذه الروايات تدل على حالة غيبية مخصوصة، لا تعارض الأصل الثابت، بل غاية ما في الدليل الصحيح المعارض لأصل كلي، أن يكون مخصصا لعمومة.
وهذه الرواية نفسها تدل على ذلك، ألا تراه يقول في لفظ مسلم: "يقولون: ربنا كانوا يصلون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا" فيأذن الله لهم أن يخرجوهم حتى إذا انتهوا، وقالوا له تعالى: "ربنا لم نذر فيها خيرا" أي صاحب خير، يأتي علام الغيوب سبحانه فيخرج أقواما من أهل الإيمان لم يكن أحد يعلم عنهم إيمانا" ولا يحكم لهم به، أو لم تكن فيهم علامة السجود التي يعرفهم بها إخوانهم أهل الجنة المؤمنون.
ويقول تعالى كما في رواية جابر في المسند: "أنا الآن أخرج بعلمي ورحمتي، قال: فيخرج أضعاف ما أخرجه (٣) .
فإذا كانت هذه حالة غيبية مخصوصة لا ندركها لا في الدنيا ولا في الآخرة، فنحن نكلها إلى علام الغيوب، ولا نعارض بها ما ندركه ونعلمه من الأدلة البينة على
стр. 502
قتل الممتنع عن الصلاة كفرا وإجراء أحكام المرتد عليه، فإن هذا مما قام دليله وأمرنا بتنفيذه، ولم نؤمر بشق قلوب الناس ومعرفة ما إذا كان يحتمل أن يكون من الجهنميين أم لا؟
ولو أننا تركنا إقامة الأحكام الظاهرة واعتقاد مدلول الأدلة القطعية، لأجل احتمالات أو حالات خاصة، لما ثبت لنا أصل ولا أقمنا من شرعنا شيئا".
وهذه الحالة المخصوصة التي دلت عليها هذه الرواية، لا يصعب علينا تكييفها وتعليلها دون إخلال بالقاعدة والأصل في تركب الإيمان من القول والعمل معا"، وذلك بأن نقول: إن هذا الإيمان المركب أصله في القلب وجزؤه الظاهر على الجوارح، وبحسب قوة الباطن تكون قوة الظاهر، فقد يقع أن يضعف ذلك الأصل حتى ينزل عن أدنى مثقال ذرة، وهو الحد الأدنى للإيمان الذي نصت عليه الأحاديث، أعني الإيمان الذي يعلمه أهل الجنة ويعرفونه.
لكن ذلك لا يقتضي نفي ما هو أقل منه بأضعاف كثيرة مما يعلمه الله، وهذا الإيمان الذي يكون على تلك الدرجة من الضعف، لا يحرك صاحبه على عمل خير قط (١) ، وهذا لا يعارض الأصل الكلي الذي سبق تقريره وهو أن إيمان القلب مستلزم لإيمان الجوارح، ويتركب منهما معا حقيقة الإيمان الشرعية، لأن هذه حالة عارضة خفية تشبه حسب المثال السابق - الذي شبهنا فيه تركيب حقيقة الإيمان من القول والعمل، بتركيب الإنسان من الجسد والروح - حالة صاحب الغيبوبة العميقة الذي هو ميت حكما"، وإن كان فيه ذلك القدر الضئيل جدا" من الحياة، الذي لا يشعر به الناس.
فلا أحد يقول بإخضاع أحكام الأحياء الأصحاء لحكم مثل هذه الحالة الشاذة، أو يعارض بها السنن الثابتة المعلومة في الحياة والأحياء.
ونخلص من هذا إلى أنه مع حفظ عموم دلالة الأصول الكلية، توجد حالات خاصة يكون فيها تارك جنس العمل أو تارك الصلاة غير مخلد في النار، وقد لا يدخلها أصلا.
وإذا نظرنا إلى أحوال المنتسبين للإسلام لوجدنا أمثلة لمن يمكن أن تنطبق عليهم هذه الحالات الخاصة مثل:
стр. 503
أ- سكان الأطراف البعيدة والجزر النائية، ممن لم يصلهم من الإسلام إلا اسمه، وينتشر فيهم الشرك والجهل بالدين، فهم غافلون عنه أو معرضون عمن تعلمه، ولا يعرفون من أحكامه شيئا، فهؤلاء لا شك أن فيهم المعذور، وفيهم المؤاخذ.
والمؤاخذون درجات، فقد يخرج بعضهم عن حكم الإسلام بمرة، وقد يكون ممن لا يخلد في النار ... وهكذا مما لا يعلم حقيقته إلا علام الغيوب.
ب- بعض شرار الناس آخر الزمان، حين يفشوا الجهل، ويندرس الدين، وعلى هذا جاء حديث حذيفة مرفوعا يدرس الإسلام - كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صدقة ولا نسك، ويسري على كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، ويبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها".
قال صلة بن زفر لحذيفة: فم تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صيام ولا صدقة ولا نسك؟ فأعرض عنه حذيفة، فرددها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار (١) .
فهؤلاء الذين يكونون حينئذ - نسأل الله العافية - نقول كما قال حذيفة: إن لا إله إلا الله تنجيهم من النار، إذ لا يعلمون غيرها في ذلك الزمان الذي هو أسوأ زمان.
لكن ليس في مقدور أحد أن يجزم بأنهم لن يدخلوا النار بمرة، أو أنهم من الجهنميين الذين لا يعرفهم المؤمنون، وإنما يعلمهم الله ويرحمهم فينجيهم من النار بعد دخولها، أو هم بين ذلك إذ المرجع في هذا التوقيف وإن كان غالب الظن أنهم - أو جلهم - إلى الجهنميين أقرب، من جهة أن أهل ذلك الزمان هم من شرار الخلق، ومن
стр. 507
جهة أنهم ليسوا من أهل الصلاة، فلا علامة لسجودهم، ومن هنا لا يعرفهم المؤمنون في النار، ومن جهة أنهم عتقاء الله يدخلهم الجنة بغير عمل ولا خير.. والله أعلم.
وهذا الحديث بقدر ما يدل على نجاة مخصوصة، هو يدل على الأصل والقاعدة، ألا ترى أن التابعي عجب وألح في سؤال الصحابي، وما ذاك إلا لما علمه التابعون، من إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على أن تارك العمل ليس بمؤمن ولا ينجو في الدنيا من سيف المؤمنين، ولا في الآخرة من عذاب رب العالمين، والله أعلم.
٣- العطف:
في اكثر كتبهم يستدل المرجئة على أن العمل ليس من الإيمان، بأنه قد جاء في القرآن في مواضع كثيرة عطف على الإيمان قالوا:
والمعطوف غير المعطوف عليه، فهذا التغاير والتفريق دليل على ذلك.
وجوابه عند أهل السنة والجماعة بإيجاز هو:
أن الإيمان يأتى في نصوص الشارع مطلقا"، ويأتي مقرونا بالأعمال، فإذا جاء مطلقا" فإن الأعمال تدخل فيه، لأنه حينئذ بمعنى الدين يشمل القول والعمل.
وإذا جاء مقرونا" بالأعمال فله عندهم جوابان:
١- أن هذا من قبيل عطف الخاص على العام، مثل قوله تعالى:
(من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) (البقرة: ٩٨) .
وقوله: (وإذا أخذنا من النبين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم) (الأحزاب: ٧) .
وقوله: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) (البقرة: ٢٣٨) .
فإن جبريل وميكال من الملائكة، ومحمد ﷺ وسائر أولى العزم من الرسل، والصلاة الوسطى من الصلوات.
стр. 508
وأمثال هذا كثير في لغة العرب، فيعطف الخاص على العام للاهتمام به، وتنبيه المخاطب إلى شرفه أو عدم إغفاله.
٢- إن أعمال الجوارح في الأصل ليست من الإيمان، بل الإيمان أصله ما في القلب، والأعمال هي من لوازمه التي تنفك عنه بحال، لكن جاء الشرع فأدخلها فيه، وأصبح اسم الإيمان شاملا" لها على الحقيقة شرعا" فكثر في كلامه عطفها عليه توكيدا" لذلك لكيلا يظن ظان أن الإيمان المطلوب هو ما في القلب فقط، بل يعلم أن لازمه - العمل - ضروري كضرورته، فها هو ذا قد أدخل في اسمه وحقيقته في مواضع الانفراد وقرن بحكمه في مواضع العطف.
وبمراجعة ما سبق قوله عن الحقيقة المركبة يتضح هذا جليا" بإذن الله، فإن الشيء المركب من جزأين لا يمتنع عطف أحدهما على الآخر، وإن كان أحدهما إذا أطلق يشملهما اسمه معا" لا سيما وأن المعطوف عليه هو الأصل الذي أطلق شمل العمل، والمعطوف فرع ولازم له.
فيأتي العطف لبيان وجوب وجودها مجتمعة، إذ انتفاء أحد جزئيها انتفاء لذات الحقيقة كما سبق إيضاحه.
ومن هنا يظهر سر تكرار ذلك العطف في القرآن والله أعلم، فإنه مطابق لإجماع السلف أن الإيمان قول وعمل - أي اعتقاد وانقياد - كما سبق وهو المطابق للأحاديث التي سبق إيرادها في مبحث الحقيقة المركبة، ولا سيما حديث جبريل الذي فسر النبي ﷺ فيه الإسلام، وفسر الإيمان بالجزء الباطن.
ومعلوم قطعا أن أحدهما لا يغنى عن الآخر منفردا"، بل منهما معا" تتكون حقيقة واحدة هي الدين كما جاء في آخره: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم".
وإن كان - الإيمان - أعلى درجة ومرتبة من الإسلام، باعتبار أنه الأصل، كما أن الإحسان أعلى منه، لكن اسمه المطلق يشملهما، والإسلام الذي هو أدنى منه لا يصح إلا به أو بجزء منه.
... تم بعون الله تعالى ...