← Тафсир

Тафсир · id 23588

تفسير البيضاوي = أنوار التنزيل وأسرار التأويل

ناصر الدين البيضاوي

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ أمامهم أو خلف ظهورهم. يَوْماً ثَقِيلًا شديداً مستعار من الثقل الباهظ للحامل، وهو كالتعليل لما أمر به ونهى عنه. نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب. وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا وإذا شئنا أهلكناهم وبَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا في الخلقة، وشدة الأسر يعني النشأة الثانية ولذلك جيء ب إِذا أو بدلنا غيرهم ممن يطيع وَإِذا لتحقق القدرة وقوة الداعية. [سورة الإنسان (٧٦) : الآيات ٢٩ الى ٣١] إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٢٩) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٣١) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ الإِشارة إلى السورة أو الآيات القريبة، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا تقرب إليه بالطاعة. وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وما تشاؤون ذلك إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر يشاؤن بالياء. إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً بما يستأهل كل أحد. حَكِيماً لا يشاء إلا ما تقتضيه حكمته. يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ بالهداية والتوفيق للطاعة. وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً نصب الظَّالِمِينَ بفعل يفسره أَعَدَّ لَهُمْ مثل أوعد وكافأ ليطابق الجملة المعطوف عليها، وقرئ بالرفع على الابتداء. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريرا» .

стр. 1192

(٧٧) سورة المرسلات مكية وآيها خمسون آية [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْراً (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقاً (٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥) وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِراتِ نَشْراً فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً إقسام بطوائف من الملائكة أرسلهن الله تعالى بأوامره متتابعة. فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره، ونشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم، ففرقن بين الحق والباطل، فألقين إلى الأنبياء ذكراً عذراً للمحقين ونذراً للمبطلين، أو بآيات القرآن المرسلة بكل عرف إلى محمد ﵊، فعصفن سائر الكتب والأديان بالنسخ ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب، وفرقن بين الحق والباطل فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين. أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها فعصفن ما سوى الحق ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء، ففرقن بين الحق بذاته والباطل في نفسه فيرون كل شيء هالكاً إلا وجهه، فألقين ذكراً بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله تعالى. أو برياح عذاب أرسلن فعصفن، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو، ففرقن فألقين ذكراً أي تسببن له، فإن العاقل إذا شاهد هبوبها وآثارها ذكر الله تعالى وتذكر كمال قدرته، وعُرْفاً إما نقيض النكر وانتصابه على العلة أي أرسلن للإِحسان والمعروف، أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس وانتصابه على الحال. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٦ الى ١٠] عُذْراً أَوْ نُذْراً (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) عُذْراً أَوْ نُذْراً مصدران لعذر إذا محا الإِساءة وأنذر إذا خوف، أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإِنذار، أو بمعنى العاذر والمنذر، ونصبهما على الأولين بالعلية أي عُذْراً للمحقين أَوْ نُذْراً للمبطلين، أو البدل من ذِكْراً على أن المراد به الوحي أو ما يعم التوحيد والشرك والإِيمان والكفر وعلى الثالث بالحالية، وقرأهما أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص بالتخفيف. إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ جواب القسم ومعناه أن الذي توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة. فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ محقت أو أذهب نورها. وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ صدعت. وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ كالحب ينسف بالمنسف.

стр. 1193

[سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١١ الى ١٥] وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ عين لها وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على الأمم بحصوله، فإنه لا يتعين لهم قبله، أو بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره، وقرأ أبو عمرو «وقتت» على الأصل. لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ أي يقال لأي يوم أخرت، وضرب الأجل للجمع وهو تعظيم لليوم وتعجيب من هوله، ويجوز أن يكون ثاني مفعولي أُقِّتَتْ على أنه بمعنى أعلمت. لِيَوْمِ الْفَصْلِ بيان ليوم التأجيل. وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ أي بذلك، ووَيْلٌ في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات الهلك للمدعو عليه، ويَوْمَئِذٍ ظرفه أو صفته. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ١٦ الى ١٩] أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ كقوم نوح وعاد وثمود، وقرئ «نُهْلِكِ» من هلكه بمعنى أهلكه. ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ أي ثُمَّ نحن نُتْبِعُهُمُ نظراءهم ككفار مكة، وقرئ بالجزم عطفاً على نُهْلِكِ فيكون الْآخِرِينَ المتأخرين من المهلكين كقوم لوط وشعيب وموسى ﵈. كَذلِكَ مثل ذلك الفعل. نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ بكل من أجرم. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بآيات الله وأنبيائه فليس تكريراً، وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين بواحد، لأن ال وَيْلٌ الأول لعذاب الآخرة وهذا للإِهلاك في الدنيا، مع أن التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٤] أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ نطفة مذرة ذليلة. فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ هو الرحم. إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ إلى مقدار معلوم من الوقت قدره الله تعالى للولادة. فَقَدَرْنا على ذلك، أو فقدرناه ويدل عليه قراءة نافع والكسائي بالتشديد. فَنِعْمَ الْقادِرُونَ نحن. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٢٥ الى ٢٨] أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتاً (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨)

стр. 1194

أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً كافتة اسم لما يكفت أي يضم ويجمع كالضمام والجماع اسم لما يضم ويجمع، أو مصدر نعت به أو جمع كافت كصائم وصيام، أو كفت وهو الوعاء أجرى على الأرض باعتبار أقطارها. أَحْياءً وَأَمْواتاً منتصبان على المفعولية وتنكيرهما للتفخيم، أو لأن أحياء الإِنس وأمواتهم بعض الأحياء والأموات، أو الحالية من مفعوله المحذوف للعلم به وهو الإِنس، أو بنجعل على المفعولية وكِفاتاً حال أو الحالية فيكون المعنى بالأحياء ما ينبت وبالأموات ما لا ينبت. وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ جبالاً ثوابت طوالاً والتنكير للتفخيم، أو الإِشعار بأن فيها ما لم يعرف ولم ير وَأَسْقَيْناكُمْ مَّاء فُراتاً بخلق الأنهار والمنابع فيها. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بأمثال هذه النعم. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٢٩ الى ٣١] انْطَلِقُوا إِلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) انْطَلِقُوا أي يقال لهم انطلقوا. إِلى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ من العذاب. انْطَلِقُوا خصوصاً وعن يعقوب انْطَلِقُوا على الإِخبار عن امتثالهم للأمر اضطراراً. إِلى ظِلٍّ يعني ظل دخان جهنم كقوله تعالى: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ. ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ يتشعب لعظمه كما ترى الدخان العظيم يتفرق تفرق الذوائب، وخصوصية الثلاث إما لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم، أو لأن المؤدي إلى هذا العذاب هو القوة الواهمة الحالية في الدماغ والغضبية التي في يمين القلب والشهوية التي في يساره، ولذلك قيل شعبة تقف فوق الكافر وشعبة عن يمينه وشعبة عن يساره. لاَّ ظَلِيلٍ تهكم بهم ورد لما أوهم لفظ الظل. وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ وغير مغن عنهم من حر اللهب شيئا. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٣٢ الى ٣٣] إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ أي كل شرارة كَالْقَصْرِ في عظمها، ويؤيده أنه قرئ «بشرار» ، وقيل هو جمع قصرة وهي الشجرة الغليظة، وقرئ «كالقصر» بمعنى القصور كرهن ورهن و «كالقصر» جمع قصرة كحاجة وحوج، و «كالقصر» جمع قصرة وهي أصل العنق والهاء للشعب. كَأَنَّهُ جَمَالاتٌ جمع جمال أو جمالة جمع جمل. صُفْرٌ فإن الشرار بما فيه من النارية يكون أصفر، وقيل سود لأن سواد الإِبل يضرب إلى الصفرة، والأول تشبيه في العظم وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط وسرعة الحركة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص جِمالَتٌ وعن يعقوب جُمَالاَتٌ بالضم جمع جمالة، وقد قرئ بها وهي الحبل الغليظ من حبال السفينة شبهه بها في امتداده والتفافه. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٣٤ الى ٣٧] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هذا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ أي بما يستحق فإن النطق بما لا ينفع كلا نطق، أو بشيء من فرط الدهشة والحيرة وهذا في بعض المواقف، وقرئ بنصب ال يَوْمُ أي هذا الذي ذكر واقع يومئذ.

стр. 1195

وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ عطف فَيَعْتَذِرُونَ على يُؤْذَنُ ليدل على نفي الإِذن والاعتذار عقيبه مطلقاً، ولو جعله جواباً لدل على أن عدم اعتذارهم لعدم الإذن فأوهم ذلك أن لهم عذراً لكن لا يؤذن لهم فيه. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ بين المحق والمبطل. جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ تقرير وبيان للفصل. فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا وإظهار لعجزهم. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ إذ لا حيلة لهم في التخلص من العذاب. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٤١ الى ٤٥] إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) إِنَّ الْمُتَّقِينَ عن الشرك لأنهم في مقابلة المكذبين. فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ. وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ مستقرون في أنواع الترفه. كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي مقولاً لهم ذلك. إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ في العقيدة. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يمحض لهم العذاب المخلد ولخصومهم الثواب المؤبد. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٤٦ الى ٤٧] كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ حال من المكذبين أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك، تذكيراً لهم بحالهم في الدنيا وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ حيث عرضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل. [سورة المرسلات (٧٧) : الآيات ٤٨ الى ٥٠] وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا أطيعوا وأخضعوا أو صلوا أو اركعوا في الصلاة. إذ روي: أنه نزل حين أمر رسول الله ﷺ ثقيفاً بالصلاة فقالوا: لا نجبي أي لا نركع فإنها مسبة. وقيل هو يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. لاَ يَرْكَعُونَ لا يمتثلون واستدل به على أن الأمر للوجوب وأن الكفار مخاطبون بالفروع. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ بعد القرآن يُؤْمِنُونَ إذا لم يؤمنوا به وهو معجز في ذاته مشتمل على الحجج الواضحة والمعاني الشريفة. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة والمرسلات كتب له أنه ليس من المشركين» .

стр. 1196

(٧٨) سورة النبأ مكية، وآيها إحدى وأربعون آية [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) عَمَّ يَتَساءَلُونَ أصله عما فحذف الألف لما مر، ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه كأنه لفخامته خفي جنسه فيسأل عنه، والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم، أو يسألون الرسول ﵊ والمؤمنين عنه استهزاء كقولهم: يتداعونهم ويتراءونهم أي يدعونهم ويرونهم، أو للناس. عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ بيان لشأن المفخم أو صلة يَتَساءَلُونَ وعَمَّ متعلق بمضمر مفسر به، ويدل عليه قراءة يعقوب: «عمه» . الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ بجزم النفي والشك فيه، أو بالإقرار والإِنكار. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٤ الى ٥] كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ردع عن التساؤل ووعيد عليه. ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ تكرير للمبالغة وثُمَّ للإشعار بأن الوعيد الثاني أشد، وقيل الأول عند النزع والثاني في القيامة، أو الأول للبعث والثاني للجزاء. وعن ابن عامر «ستعلمون» بالتاء على تقدير قل لهم ستعلمون. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٦ الى ٨] أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (٦) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَالْجِبالَ أَوْتاداً تذكير ببعض ما عاينوا من عجائب صنعه الدالة على كمال قدرته ليستدلوا بذلك على صحة البعث كما مر تقريره مرارا، وقرئ «مهداً» أي أنها لهم كالمهد للصبي مصدر سمي به ما يمهد لينوم عليه. وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ذكراً وأنثى. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٩ الى ١٣] وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (١٢) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (١٣) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً قطعاً عن الإِحساس والحركة استراحة للقوى الحيوانية وإزاحة لكلالها، أو موتاً لأنه أحد التوفيين ومنه المسبوت للميت، وأصله القطع أيضاً. وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء. وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وقت معاش تتقلبون فيه لتحصيل ما تعيشون به، أو حياة تنبعثون فيها عن

стр. 1197

نومكم. وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً سبع سموات أقوياء محكمات لا يؤثر فيها مرور الدهور. وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً متلألئاً وقاداً من وهجت النار إذا أضاءت، أو بالغاً في الحرارة من الوهج وهو الحر والمراد الشمس. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١٤ الى ١٦] وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (١٦) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر كقولك: احصد الزرع إذا حان له أن يحصد، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض، أو من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، أو الرياح ذوات الأعاصير، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشئ السحاب وتدرأ خلافه، ويؤيده أنه قرئ «بالمعصرات» . مَاءً ثَجَّاجاً منصباً بكثرة يقال ثجه وثج بنفسه. وفي الحديث «أفضل الحج العج والثج» أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدي، وقرئ «ثجاجا» و «مثاجج» الماء مصابه. لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ما يقتات به وما يعتلف من التبن والحشيش. وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً ملتفة بعضها ببعض جمع لف كجذع. قال: جَنَّة لفَّ وَعَيْشٌ مُغْدق ... وَنَدَامى كُلُّهُمْ بِيضٌ زهر أو لفيف كشريف أو لف جمع لفاء كخضراء وخضر وأخضار أو متلفة بحذف الزوائد. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١٧ الى ١٨] إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (١٨) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ في علم الله تعالى أو في حكمه. مِيقاتاً حداً تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده، أو حداً للخلائق ينتهون إليه. يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ بدل أو بيان ليوم الفصل. فَتَأْتُونَ أَفْواجاً جماعات من القبور إلى المحشر. روي «أنه ﷺ سئل عنه فقال: يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون يسحبون على وجوههم، وبعضهم عمي وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم فيسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلوبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتناً من الجيف، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم» ثم فسرهم بالقتات وأهل السحت وأكلة الربا والجائرين في الحكم والمعجبين بأعمالهم، والعلماء الذين خالف قولهم عملهم، والمؤذين جيرانهم والساعين بالناس إلى السلطان، والتابعين للشهوات المانعين حق الله، والمتكبرين الخيلاء. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ١٩ الى ٢٠] وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (٢٠) وَفُتِحَتِ السَّماءُ وشققت وقرأ الكوفيون بالتخفيف. فَكانَتْ أَبْواباً فصارت من كثرة الشقوق كأن الكل أبواب أو فصارت ذات أبواب. وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ أي في الهواء كالهباء. فَكانَتْ سَراباً مثل سراب إذ ترى على صورة الجبال ولم تبق على حقيقتها لتفتت أجزائها وانبثاثها. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٢١ الى ٢٣] إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآباً (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (٢٣) .

стр. 1198

إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار، أو خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مجازهم عليها، كالمضمار فإنه الموضع الذي تضمر فيه الخيل، أو مجدة في ترصد الكفرة لئلا يشذ منها واحد كالمطعان، وقرئ إِنَّ بالفتح على التعليل لقيام الساعة. لِلطَّاغِينَ مَآباً مرجعاً ومأوى. لابِثِينَ فِيها وقرأ حمزة وروح «لبثين» وهو أبلغ. أَحْقاباً دهوراً متتابعة، وليس فيها ما يدل على خروجهم منها إذ لو صح أن الحقب ثمانون سنة أو سبعون ألف سنة، فليس فيه ما يقتضي تناهي تلك الأحقاب لجواز أن يكون المراد أحقاباً مترادفة كلما مضى حقب تبعه آخر، وإن كان فمن قبيل المفهوم فلا يعارض المنطوق الدال على خلود الكفار، ولو جعل قوله: [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٢٤ الى ٢٦] لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (٢٤) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (٢٥) جَزاءً وِفاقاً (٢٦) لاَّ يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً حالاً من المستكن في لابِثِينَ أو نصب أَحْقاباً ب لاَ يَذُوقُونَ احتمل أن يلبثوا فيها أحقاباً غير ذائقين إلا حميماً وغساقاً، ثم يبدلون جنساً آخر من العذاب، ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب الرجل إذا أخطأه الرزق، وحقب العام إذا قل مطره وخيره فيكون حالاً بمعنى لابثين فيها حقبين، وقوله لاَ يَذُوقُونَ تفسير له والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار، أو النوم وبالغساق ما يغسق أي يسيل من صديدهم، وقيل الزمهرير وهو مستثنى من البرد إلا أنه أخر ليتوافق رؤوس الآي، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتشديد. جَزاءً وِفاقاً أي جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم، أو موافقاً لها أو وافقها وفاقا، وقرئ «وفاقا» فعال من وفقه كذا. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٨] إِنَّهُمْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ حِساباً (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (٢٨) إِنَّهُمْ كانُوا لاَ يَرْجُونَ حِساباً بيان لما وافقه هذا الجزاء. وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً تكذيباً وفعال بمعنى تفعيل مطرد شائع في كلام الفصحاء. وقرئ بالتخفيف وهو بمعنى الكذب كقوله: فَصَدَقْتَهَا وَكَذَبْتَهَا ... وَالمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَّابُهْ وإنما أقيم مقام التكذيب للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم، أو المكاذبة فإنهم كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون كاذبين عندهم فكان بينهم مكاذبة، أو كانوا مبالغين في الكذب مبالغة المغالبين فيه، وعلى المعنيين يجوز أن يكون حالاً بمعنى كاذبين أو مكاذبين، ويؤيده أنه قرئ «كَذَّاباً» وهو جمع كاذب، ويجوز أن يكون للمبالغة فيكون صفة للمصدر أي تكذيبا مفرطا كذبه. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٢٩ الى ٣٠] وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (٣٠) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ وقرئ بالرفع على الابتداء. كِتاباً مصدر لأحصيناه فإن الأحصاء والكتبة يتشاركان في معنى الضبط أو لفعله المقدر أو حال بمعنى مكتوباً في اللوح، أو صحف الحفظة والجملة اعتراض وقوله: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ومجيئه على طريقة الالتفات للمبالغة. وفي الحديث «هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار» .

стр. 1199

[سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣١ الى ٣٥] إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً فوزاً أو موضع فوز. حَدائِقَ وَأَعْناباً بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من مَفازاً بدل الاشتمال أو البعض. وَكَواعِبَ نساء فلكت ثديهن أَتْراباً لدات. وَكَأْساً دِهاقاً ملآنا وأدهق الحوض ملآه. لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً وقرأ الكسائي بالتخفيف أي كذباً أو مكاذبةٍ، إذ لا يكذب بعضهم بعضاً. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (٣٧) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ. بمقتضى وعده. عَطاءً تفضلاً منه إذ لا يجب عليه شيء، وهو بدل من جَزاءً، وقيل منتصب به نصب المفعول به. حِساباً كافياً من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي، أو على حسب أعمالهم وقرئ «حِسَاباً» أي محسباً كالدراك بمعنى المدرك. رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا بدل من ربك وقد رفعه الحجازيان وأبو عمرو على الابتداء. الرَّحْمنِ بالجر صفة له وكذا في قراءة ابن عامر وعاصم ويعقوب وبالرفع في قراءة أبي عمرو، وفي قراءة حمزة والكسائي بجر الأول ورفع الثاني على أنه خبر محذوف، أو مبتدأ خبره: لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً والواو لأهل السموات والأرض أي لا يملكون خطابه، والاعتراض عليه في ثواب أو عقاب لأنهم مملوكون له على الاطلاق فلا يستحقون عليه اعتراضاً وذلك لا ينافي الشفاعة بإذنه. [سورة النبإ (٧٨) : الآيات ٣٨ الى ٣٩] يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً تقرير وتوكيد لقوله لاَّ يَمْلِكُونَ، فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صواباً كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه، فكيف يملكه غيرهم ويَوْمَ ظرف ل لاَّ يَمْلِكُونَ، أو ل يَتَكَلَّمُونَ والرُّوحُ ملك موكل على الأرواح أو جنسها، أو جبريل أو خلق أعظم من الملائكة. ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ الكائن لا محالة. فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ إلى ثوابه. مَآباً بالإيمان والطاعة. [سورة النبإ (٧٨) : آية ٤٠] إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠) َّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يعني عذاب الآخرة، وقربه لتحققه فإن كل ما هو آت قريب ولأن مبدأه الموت. وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ يرى ما قدمه من خير أو شر، وْمَرْءُ عام. وقيل هو الكافر لقوله: نَّا أَنْذَرْناكُمْ فيكون الكافر ظاهراً وضع موضع الضمير لزيادة الذم، وا موصولة منصوبة بينظر أو استفهامية منصوبة بدَّمَتْ ، أي ينظر أي شيء قدمت يداه. يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف، أو في هذا اليوم فلم أبعث، وقيل يحشر سائر الحيوانات للاقتصاص ثم ترد تراباً فيود الكافر حالها. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة عم سقاه الله برد الشراب يوم القيامة» .

стр. 1200

(٧٩) سورة النازعات مكية وآيها خمس أو ست وأربعون آية [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً (٤) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (٥) وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً هذه صفات ملائكة الموت فإنهم ينزعون أرواح الكفار من أبدانهم غرقاً أي إغراقاً في النزع، فإنهم ينزعونها من أقاصي الأبدان، أو نفوساً غرقة في الأجساد وينشطون أي يخرجون أرواح المؤمنين برفق من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، ويسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج الشيء من أعماق البحر، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار وبأرواح المؤمنين إلى الجنة، فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن يهيئوها لإدراك ما أعد لها من الآلام واللذات، أو الأوليان لهم والباقيات لطوائف من الملائكة يسبحون في مضيها أي يسرعون فيه فيسبقون إلى ما أمروا به فيدبرون أمره، أو صفات النجوم فإنها تنزع من المشرق إلى المغرب غرقاً في النزع بأن تقطع الفلك حتى تنحط في أقصى الغرب، وتنشط من برج إلى برج أي تخرج من نشط الثور إذا خرج من بلد إلى بلد، ويسبحن في الفلك فيسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فيدبر أمراً أنيط بها، كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات، ولما كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية وحركاتها من برج إلى برج ملائمة سمى الأولى نزعاً والثانية نشطاً، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقاً أي نزعاً شديداً من إغراق النازع في القوس، وتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيها فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات، أو حال سلوكها فإنها تنزع عن الشهوات فتنشط إلى عالم القدس، فتسبح في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات، أو صفات أنفس الغزاة، أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وينشطون بالسهم للرمي ويسبحون في البر والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها، أو صفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها وتخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر، وتسبح في حربها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر. أقسم الله تعالى بها على قيام الساعة وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٦ الى ٩] يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ وهو منصوب به والمراد ب الرَّاجِفَةُ الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال لقوله: يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ أو الواقعة التي ترجف الأجرام عندها وهي النفخة الأولى. تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ التابعة وهي السماء والكواكب تنشق وتنتشر، أو النفخة الثانية. والجملة في موقع الحال.

стр. 1201

قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ شديدة الاضطراب من الوجيف وهي صفة القلوب والخبر: أَبْصارُها خاشِعَةٌ أي أبصار أصحابها ذليلة من الخوف ولذلك أضافها إلى القلوب. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١٠ الى ١٢] يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ في الحالة الأولى يعنون الحياة بعد الموت من قولهم رجع فلان في حافرته أي طريقه التي جاء فيها، فحفرها أي أثر فيها بمشيه على النسبة كقوله: فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أو تشبيه القابل بالفاعل وقرئ «في الحفرة» بمعنى المحفورة يقال حفرت أسنانه فحفرت حفرا وهي حفرة. أَإِذا كُنَّا وقرأ نافع وابن عامر والكسائي إِذا كُنَّا على الخبر. عظاما نَاخِرَةً بالية وقرأ الحجازيان والشامي وحفص وروح نَخِرَةً وهي أبلغ. قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ ذات خسران أو خاسر أصحابها، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا بها وهو استهزاء منهم. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١٣ الى ١٤] فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ متعلق بمحذوف أي لا يستصعبوها فما هي إلا صيحة واحدة يعني النفخة الثانية. فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتاً في بطنها، والساهرة الأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن السراب يجري فيها من قولهم: عين ساهرة للتي يجري ماؤها وفي ضدها نائمة، أو لأن سالكها يسهر خوفاً وقيل اسم لجهنم. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ١٥ الى ١٩] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى أليس قد أتاك حديثه فيسليك على تكذيب قومك وتهددهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم. إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً قد مر بيانه في سورة «طه» . اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى على إرادة القول، وقرئ «أن أذهب» لما في النداء من معنى القول. فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر والطغيان، وقرأ الحجازيان ويعقوب تَزَكَّى بالتشديد. وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ وأرشدك إلى معرفته. فَتَخْشى بأداء الواجبات وترك المحرمات، إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة وهذا كالتفصيل لقوله: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٠ الى ٢٢] فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى أي فذهب وبلغ فأراه المعجزة الكبرى وهي قلب العصا حية فإنه كان المقدم والأصل، أو مجموع معجزاته فإنها باعتبار دلالتها كالآية الواحدة. فَكَذَّبَ وَعَصى فكذب موسى وعصى الله بعد ظهور الآية وتحقق الأمر.

стр. 1202

ثُمَّ أَدْبَرَ عن الطاعة. يَسْعى ساعياً في إبطال أمره أو أدبر بعد ما رأى الثعبان مرعوباً مسرعاً في مشيه. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٣ الى ٢٦] فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) فَحَشَرَ فجمع السحرة أو جنوده. فَنادى في المجمع بنفسه أو بمناد. فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى أعلى كل من يلي أمركم. فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى أخذا منكلاً لمن رآه، أو سمعه في الآخرة بالإِحراق وفي الدنيا بالإِغراق، أو على كلمته الْآخِرَةِ وهي هذه وكلمته الأولى وهو قوله: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي أو للتنكيل فيهما، أو لهما، ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً مقدراً بفعله. إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى لمن كان من شأنه الخشية. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٢٧ الى ٢٩] أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أصعب خلقاً. أَمِ السَّماءُ ثم بين كيف خلقها فقال: بَناها ثم بين البناء فقال: رَفَعَ سَمْكَها أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها الذاهب في العلو رفيعاً. فَسَوَّاها فعدلها أو فجعلها مستوية، أو فتممها بما يتم به كمالها من الكواكب والتداوير وغيرها من قولهم: سوى فلان أمره إذا أصلحه. وَأَغْطَشَ لَيْلَها أظلمه منقول من غطش الليل إذا أظلم، وإنما أضافه إليها لأنه يحدث بحركتها. وَأَخْرَجَ ضُحاها وأبرز ضوء شمسها. كقوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها يريد النهار. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٣٠ الى ٣٣] وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها بسطها ومهدها للسكنى. أَخْرَجَ مِنْها ماءَها بتفجير العيون. مَرْعاها ورعيها وهو في الأصل لموضع الرعي، وتجريد الجملة عن العاطف لأنها حال بإضمار قد أو بيان للدحو. وَالْجِبالَ أَرْساها أثبتها وقرئ «والأرض» و «الجبال» بالرفع على الابتداء، وهو مرجوح لأن العطف على فعلية. مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ تمتيعا لكم ولمواشيكم. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٣٤ الى ٣٩] فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الداهية التي تطم أي تعلو على سائر الدواهي. الْكُبْرى التي هي أكبر الطامات وهي القيامة، أو النفخة الثانية أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار. يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ مَا سَعى بأن يراه مدوناً في صحيفته وكان قد نسيه من فرط الغفلة أو طول المدة،

стр. 1203

وهو بدل من «إذا جاءت» وما موصولة أو مصدرية وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ وأظهرت. لِمَنْ يَرى لكل راء بحيث لا تخفى على أحد، وقرئ «وَبُرّزَتِ» و «لمن رأى» و «لمن ترى» على أن فيه ضمير الجحيم كقوله تعالى: إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ. أو أنه خطاب للرسول ﷺ أي لمن تراه من الكفار، وجواب فَإِذا جاءَتِ محذوف دل عليه يَوْمَ يَتَذَكَّرُ أو ما بعده من التفصيل. فَأَمَّا مَنْ طَغى حتى كفر. وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فانهمك فيها ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى هي مأواه واللام فيه سادة مسد الإضافة للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي، وهي فصل أو مبتدأ. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٤٠ الى ٤١] وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ مقامه بين يدي ربه لعلمه بالمبدأ والمعاد. وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى لعلمه بأنه مرد. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ليس له سواها مأوى. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها متى إرسَاؤهَا أي إقامتها وإثباتها، أو منتهاها ومستقرها من مرسى السفينة وهو حيث تنتهي إليه وتستقر فيه. فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم أي ما أنت من ذكرها لهم، وتبيين وقتها في شيء فإن ذكرها لا يزيدهم إلا غياً. ووقتها مما استأثره الله تعالى بعلمه. وقيل فِيمَ إنكار لسؤالهم وأَنْتَ مِنْ ذِكْراها مستأنف، ومعناه أنت ذكر من ذكرها أي علامة من أشراطها، فإن إرساله خاتماً للأنبياء أمارة من أماراتها، وقيل إنه متصل بسؤالهم والجواب. إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها أي منتهى علمها. [سورة النازعات (٧٩) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦) إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها إنما بعثت لإنذار من يخاف هولها، وهو لا يناسب تعيين الوقت وتخصيص من يخشى لأنه المنتفع به، وعن أبي عمرو ومنذر بالتنوين والإِعمال على الأصل لأنه بمعنى الحال. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا أو في القبور. إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها أي عشية يوم أو ضحاه كقوله إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ولذلك أضاف الضحى إلى ال عَشِيَّةً لأنهما من يوم واحد. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة النازعات كان ممن حبسه الله في القيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة» .

стр. 1204

(٨٠) سورة عبس مكية وآيها ثنتان وأربعون آية [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤) عَبَسَ وَتَوَلَّى. أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى روي: أن ابن أم مكتوم أتى رسول الله ﷺ وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإِسلام، فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت، فكان رسول الله ﷺ يكرمه ويقول إذا رآه: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي، واستخلفه على المدينة مرتين. وقرئ «عبّس» بالتشديد للمبالغة وأَنْ جاءَهُ علة ل تَوَلَّى، أو عَبَسَ على اختلاف المذهبين، وقرئ «ءاأن» بهمزتين وبألف بينهما بمعنى ألئن جاءه الأعمى فعل ذلك، وذكر الأعمى للإِشعار بعذره في الإِقدام على قطع كلام رسول الله ﷺ بالقوم والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق، أو لزيادة الإِنكار كأنه قال: تولى لكونه أعمى كالالتفات في قوله: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أي: وأي شيء يجعلك دارياً بحاله لعله يتطهر من الآثام بما يتلقف منك. وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره. أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى أو يتعظ فتنفعه موعظتك، وقيل الضمير في لَعَلَّهُ للكافر أي أنك طمعت في تزكيه بالإِسلام وتذكره بالموعظة ولذلك أعرضت عن غيره، فما يدريك أن ما طمعت فيه كائن، وقرأ عاصم فتنفعه بالنصب جواباً للعل. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٥ الى ٧] أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى تتعرض له بالإِقبال عليه وأصله تتصدى، وقرأ ابن كثير ونافع تَصَدَّى بالإدغام وقرئ. تَصَدَّى أي تعرض وتدعى إلى التصدي. وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٨ الى ١٠] وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى يسرع طالباً للخير. وَهُوَ يَخْشى الله أو أذية الكفار في إتيانك، أو كبوة الطريق لأنه أعمى لا قائد له. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى تتشاغل، يقال لها عنه والتهى وتَلَهَّى، ولعل ذكر التصدي والتلهي للإِشعار بأن العتاب على اهتمام قلبه بالغني وتلهيه عن الفقير، ومثله لا ينبغي له ذلك. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١١ الى ١٦] كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦)

стр. 1205

كَلَّا ردع عن المعاتب عليه أو عن معاودة مثله. إِنَّها تَذْكِرَةٌ. فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ حفظه أو اتعظ به والضميران للقرآن، أو العتاب المذكور وتأنيث الأول لتأنيث خبره. فِي صُحُفٍ مثبتة فيها صفة لتذكرة، أو خبر ثان أو خبر لمحذوف. مُكَرَّمَةٍ عند الله. مَرْفُوعَةٍ القدر. مُطَهَّرَةٍ منزهة عن أيدي الشياطين: بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كتبة من الملائكة أو الأنبياء ينتسخون الكتب من اللوح أو الوحي، أو سفراء يسفرون بالوحي بين الله تعالى ورسله، أو الأمة جمع سافر من السفر، أو السفارة والتركيب للكشف يقال سفرت المرأة إذا كشفت وجهها. كِرامٍ أعزاء على الله أو متعطفين على المؤمنين يكلمونهم ويستغفرون لهم. بَرَرَةٍ أتقياء. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ١٧ الى ١٩] قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩) قُتِلَ الْإِنْسانُ مَا أَكْفَرَهُ دعاه عليه بأشنع الدعوات وتعجب من إفراطه في الكفران، وهو مع قصره يدل على سخط عظيم وذم بليغ. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ بيان لما أنعم عليه خصوصاً من مبدأ حدوثه، والاستفهام للتحقير ولذلك أجاب عنه بقوله: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ فهيأه لما يصلح له من الأعضاء والأشكال، أو فَقَدَّرَهُ أطواراً إلى أن تم خلقته. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٢٠ الى ٢٢] ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثم سهل مخرجه من بطن أمه بأن فتح فوهة الرحم وألهمه أن ينتكس، أو ذلل له سبيل الخير والشر ونصب السبيل بفعل يفسره الظاهر للمبالغة في التيسير، وتعريفه باللام دون الإِضافة للإِشعار بأنه سبيل عام، وفيه على المعنى الأخير إيماء بأن الدنيا طريق والمقصد غيرها ولذلك عقبه بقوله: ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ وعد الإِماتة والإِقبار في النعم لأن الإِماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية واللذات الخالصة والأمر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع، وفي إِذا شاءَ إشعار بأن وقت النشور غير متعين في نفسه، وإنما هو موكول إلى مشيئته تعالى. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) كَلَّا ردع للإِنسان بما هو عليه. لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ لم يقض بعد من لدن آدم إلى هذه الغاية ما أمره الله بأسره، إذ لا يخلو أحد من تقصير ما. فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية. أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا استئناف مبين لكيفية إحداث الطعام، وقرأ الكوفيون بالفتح على البدل منه بدل الاشتمال. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٢٦ الى ٢٨] ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَباً وَقَضْباً (٢٨) .

стр. 1206

ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا أي بالنبات أو بالكراب، وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب. فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا كالحنطة والشعير. وَعِنَباً وَقَضْباً يعني الرطبة سميت بمصدر قضبه إذا قطعه لأنها تقضب مرة بعد أخرى. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٢٩ الى ٣٢] وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْباً (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْباً عظاماً وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها، أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب. وَفاكِهَةً وَأَبًّا ومرعى من أب إذا أم لأنه يؤم وينتجع، أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيئ للرعي، أو فاكهة يابسة تؤوب للشتاء. مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ فإن الأنواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٧] فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧) فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ أي النفخة وصفت بها مجازاً لأن الناس يصخون لها. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لاشتغاله بشأنه وعلمه بأنهم لا ينفعونه، أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة كأنه قيل: يفر من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ يكفيه في الاهتمام به، وقرئ «يعنيه» أي يهمه. [سورة عبس (٨٠) : الآيات ٣٨ الى ٤٢] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ مضيئة من إسفار الصبح. ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ لما ترى من النعيم. وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ غبار وكدورة. تَرْهَقُها قَتَرَةٌ يَغشاها سواد وظلمة. أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ الذين جمعوا إلى الكفر الفجور، فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة. قال النبي ﷺ «من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر» .

стр. 1207

(٨١) سورة التكوير مكية وآيها تسع وعشرون آية [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ لفت من كورت العمامة إذا لففتها بمعنى رفعت لأن الثوب إذا أريد رفعه لف، أو لف ضوؤها فذهب انبساطه في الآفاق وزال أثره، أو ألقيت عن فلكها من طعنه فكوره إذا ألقاه مجتمعاً والتركيب للإدارة والجمع وارتفاع الشمس بفعل يفسره ما بعدها أولى لأن إذا الشرطية تطلب الفعل. وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ انقضت قال: أَبْصِرْ خَرْبَانَ فَضَاءَ فانكدر. أو أظلمت من كدرت الماء فانكدر. وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ عن وجه الأرض أو في الجو. [سورة التكوير (٨١) : الآيات ٤ الى ٧] وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْعِشارُ النوق اللواتي أتى على حملهن عشرة أشهر جمع عشراء. عُطِّلَتْ تركت مهملة، أو السحائب عطلت عن المطر، وقرئ بالتخفيف. وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ جمعت من كل جانب أو بعثت للقصاص ثم ردت تراباً، أو أميتت من قولهم إذا أجحفت السنة بالناس حشرتهم، وقرئ بالتشديد. وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أحميت أو ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى تعود بحراً واحداً، من سجر التنور إذا ملأه بالحطب ليحميه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وروح بالتخفيف. وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قرنت بالأبدان أو كل منها بشكلها، أو بكتابها وعملها أو نفوس المؤمنين بالحور ونفوس الكافرين بالشياطين. [سورة التكوير (٨١) : الآيات ٨ الى ١٠] وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ المدفونة حية وكانت العرب تئد البنات مخافة الإِملاق، أو لحوق العار بهم من أجلهن. سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ تبكيتاً لوائدها كتبكيت النصارى بقوله تعالى لعيسى ﵊ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وقرئ «سألت» أي خاصمت عن نفسها وسألت، وإنما قيل قُتِلَتْ على الإِخبار عنها وقرئ «قُتِلَتْ» على الحكاية. وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ يعني صحف الأعمال فإنها تطوى عند الموت وتنشر وقت الحساب. وقيل نُشِرَتْ فرقت بين أصحابها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالتشديد للمبالغة في النشر، أو

стр. 1208

لكثرة الصحف أو شدة التطاير. [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١١ الى ١٤] وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (١٤) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ قلعت وأزيلت كما يكشط الإِهاب عن الذبيحة، وقرئ «قشطت» واعتقاب القاف والكاف كثير. وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ أوقدت إيقاداً شديداً وقرأ نافع وابن عامر وحفص ورويس بالتشديد. وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ قربت من المؤمنين. عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ جواب إِذَا وإنما صح والمذكور في سياقها اثنتا عشرة خصلة ست منها في مبادئ قيام الساعة قبل فناء الدنيا وست بعده، لأن المراد زمان متسع شامل لها ولمجازاة النفوس على أعمالها، ونَفْسٌ في معنى العموم كقولهم تمرة خير من جرادة. [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٥ الى ١٨] فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ بالكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر، وهي ما سوى النيرين من الكواكب السيارات ولذلك وصفها بقوله: الْجَوارِ الْكُنَّسِ أي السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس من كنس الوحش إذا دخل كناسه، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر. وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ أقبل ظلامه أو أدبر وهو من الأضداد يقال عسعس الليل وسعسع إذا أدبر. وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أي أضاء غبرته عند إقبال روح ونسيم. [سورة التكوير (٨١) : الآيات ١٩ الى ٢٢] إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) إِنَّهُ أي القرآن. لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ يعني جبريل فإنه قاله عن الله تعالى. ذِي قُوَّةٍ كقوله شديد القوى. عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ عند الله ذي مكانة. مُطاعٍ في ملائكته. ثَمَّ أَمِينٍ على الوحي، وثم يحتمل اتصاله بما قبله وما بعده، وقرئ «ثُمَّ» تعظيماً للأمانة وتفضيلاً لها على سائر الصفات. وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ كما تبهته الكفرة واستدل بذلك على فضل جبريل على محمد ﵊ حيث عد فضائل جبريل واقتصر على نفي الجنون عن النبي ﷺ ، وهو ضعيف إذ المقصود منه نفي قولهم إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما. [سورة التكوير (٨١) : الآيات ٢٣ الى ٢٥] وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥) وَلَقَدْ رَآهُ ولقد رأى رسول الله ﷺ جبريل ﵊. بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ بمطلع الشمس الأعلى. وَما هُوَ وما محمد ﵊. عَلَى الْغَيْبِ على ما يخبره من الموحى إليه وغيره من الغيوب. بظنين بمتهم من الظنة، وهي التهمة، وقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر بِضَنِينٍ بالضاد من

стр. 1209

الضن وهو البخل أي لا يبخل بالتبليغ والتعليم، والضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره، والظاء من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ بقول بعض المسترقة للسمع، وهو نفي لقولهم إنه لكهانة وسحر. [سورة التكوير (٨١) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ استضلال لهم فيما يسلكونه في أمر الرسول ﷺ والقرآن، كقولك لتارك الجادة: أين تذهب. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ تذكير لمن يعلم. لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ بتحري الحق وملازمة الصواب وإبداله من العالمين لأنهم المنتفعون بالتذكير. وَما تَشاؤُنَ الاستقامة يا من يشاؤها. إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم فله الفضل والحق عليكم باستقامتكم. رَبُّ الْعالَمِينَ مالك الخلق كله. قال ﵊ «من قرأ سورة التكوير أعاذه الله أن يفضحه حين تنتشر صحيفته» .

стр. 1210

(٨٢) سورة الانفطار مكية وآيها تسع عشرة آية [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤) إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ انشقت. وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ تساقطت متفرقة. وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ فتح بعضها إلى بعض فصار الكل بحراً واحداً. وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ قلب ترابها وأخرج موتاها. وقيل إنه مركب من بعث وراء الإثارة كبسمل ونظيره بحثر لفظا ومعنى. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٥ الى ٦] عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ من عمل أو صدقة. وَأَخَّرَتْ من سيئة أو تركة، ويجوز أن يراد بالتأخير التضييع وهو جواب إِذَا. يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه، وذكر الْكَرِيمِ للمبالغة في المنع عن الاغترار فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والإِشعار بما به يغره الشيطان، فإنه يقول له افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحداً ولا يعاجل بالعقوبة، والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغترارا بكرمه. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٧ الى ٨] الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شاءَ رَكَّبَكَ (٨) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ صفة ثانية مقررة للربوبية مبينة للكرم منبهة على أن من قدر على ذلك أولاً قدر عليه ثانياً، والتسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها، والتعديل جعل البنية معتدلة متناسبة الأعضاء، أو معدلة بما تسعدها من القوى. وقرأ الكوفيون فَعَدَلَكَ بالتخفيف أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت، أو فصرفك عن خلقه غيرك وميزك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوان. فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شاءَ رَكَّبَكَ أي ركبك في أي صورة شاءها، وما مزيدة وقيل شرطية، ورَكَّبَكَ جوابها والظرف صلة فَعَدَلَكَ، وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان لعدلك. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ٩ الى ١٢] كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِراماً كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢) كَلَّا ردع عن الاغترار بكرم الله وقوله: بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم، والمراد بِالدِّينِ الجزاء أو الإِسلام.

стр. 1211

وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ تحقيق لما يكذبون به ورد لما يتوقعون من التسامح والإهمال، وتعظيم الكتبة بكونهم كراماً عند الله لتعظيم الجزاء. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١٣ الى ١٦] إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ بيان لما يكتبون لأجله. يَصْلَوْنَها يقاسون حرها. يَوْمَ الدِّينِ. وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ. لخلودهم فيها. وقيل معناه وما يغيبون عنها قبل ذلك إذ كانوا يجدون سمومها في القبور. [سورة الانفطار (٨٢) : الآيات ١٧ الى ١٩] وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩) وَما أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْراكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ تعجيب وتفخيم لشأن ال يَوْمُ، أي كنه أمره بحيث لا تدركه دراية دار. يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ تقرير لشدة هوله وفخامة أمره إجمالاً، ورفع ابن كثير والبصريان يَوْمَ على البدل من يَوْمُ الدِّينِ، أو الخبر المحذوف. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة إذا السماء انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة، وبعدد كل قبر حسنة» . والله أعلم.

стр. 1212

(٨٣) سورة المطففين مختلف فيها وآيها ست وثلاثون آية [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ التطفيف البخس في الكيل والوزن لأن ما يبخس طفيف أي حقير. روي أن أهل المدينة كانوا أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوه ، وفي الحديث «خمس بخمس: ما نقض العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» . الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ أي إذا اكتالوا من الناس حقوقهم يأخذونها وافية، وإنما أبدل عَلَى بمن للدلالة على أن اكتيالهم لما لهم على الناس، أو اكتيال يتحامل فيه عليهم. وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ أي إذا كالوا الناس أو وزنوا لهم. يُخْسِرُونَ فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله: وَلَقَد جَنَيْتُكَ أَكمؤاً وَعَسَاقلا. بمعنى جنيت لك، أو كالوا مكيلهم فحذف المضاف وأقيم المضاف مقامه، ولا يحسن جعل المنفصل تأكيداً للمتصل فإنه يخرج الكلام عن مقابلة ما قبله إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع، لا في المباشرة وعدمها ويستدعي إثبات الألف بعد الواو كما هو خط المصحف في نظائره. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٤ الى ٦] أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ فإن من ظن ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح، فكيف بمن تيقنه وفيه انكار وتعجيب من حالهم. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ عظمه لعظم ما يكون فيه يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ نصب بمبعوثون أو بدل من الجار والمجرور ويؤيده القراءة بالجر لِرَبِّ الْعالَمِينَ لحكمه. وفي هذا الانكار والتعجيب وذكر الظن ووصف اليوم بالعظم، وقيام الناس فيه لله، والتعبير عنه برب العالمين مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٧ الى ٩] كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩) كَلَّا ردع عن التطفيف والغفلة عن البعث والحساب. إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم. لَفِي سِجِّينٍ كتاب جامع لأعمال الفجرة من الثقلين كما قال: وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ أي مسطور بين الكتابة أو معلم بعلم من رآه أنه لا خير فيه،

стр. 1213

فعيل من السجن لقب به الكتاب لأنه سبب الحبس، أو لأنه مطروح كما قيل: تحت الأرضين في مكان وحش، وقيل هو اسم مكان والتقدير ما كتاب السجين، أو محل كتاب مرقوم فحذف المضاف. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٠ الى ١٣] وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بالحق أو بذلك. الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ صفة مخصصة أو موضحة أو ذامة. وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ متجاوز عن النظر غال في التقليد حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه فاستحال منه الإِعادة. أَثِيمٍ منهمك في الشهوات المخدجة بحيث أشغلته عما وراءها وحملته على الإنكار لما عداها. إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ من فرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه شواهد النقل كما لم تنفعه دلائل العقل. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٤ الى ١٧] كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلَّا ردع عن هذا القول. بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ رد لما قالوه وبيان لما أدى بهم إلى هذا القول، بأن غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيها حتى صار ذلك صدأ على قلوبهم فعمي عليهم معرفة الحق والباطل،. فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات كما قال ﵊ «إن العبد كلما أذنب ذنباً حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه» والرين الصدأ، وقرأ حفص بَلْ رانَ بإظهار اللام. كَلَّا ردع عن الكسب الرائن. إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فلا يرونه بخلاف المؤمنين ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلاً لإِهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول على الملوك، أو قدر مضافاً مثل رحمة ربهم، أو قرب ربهم. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ ليدخلون النار ويصلون بها. ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ تقوله لهم الزبانية. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ١٨ الى ٢٣] كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) كَلَّا تكرير ليعقب بوعد الأبرار كما عقب الأول بوعيد الفجار إشعاراً بأن التطفيف فجور والإيفاء بر، أو ردع عن التكذيب. إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ الكلام فيه ما مر في نظيره. يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يحضرونه فيحفظونه، أو يشهدون على ما فيه يوم القيامة. إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ على الأسرة في الحجال. يَنْظُرُونَ إلى ما يسرهم من النعم والمتفرجات. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٢٤ الى ٢٨] تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)

стр. 1214

تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ بهجة التنعم وبريقه، وقرأ يعقوب تَعْرِفُ على البناء للمفعول ونَضْرَةَ بالرفع. يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ شراب خالص. مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ أي مختوم أوانيه بالمسك مكان الطين، ولعله تمثيل لنفاسته، أو الذي له ختام أي مقطع هو رائحة المسك، وقرأ الكسائي «خَاتِمَة» بفتح التاء أي ما يختم به ويقطع. وَفِي ذلِكَ يعني الرحيق أو النعيم. فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ فليرتغب المرتغبون. وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ علم لعين بعينها سميت تسنيماً لارتفاع مكانها أو رفعة شرابها. عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ فإنهم يشربونها صرفاً لأنهم لم يشتغلوا بغير الله، وتمزج لسائر أهل الجنة وانتصاب عَيْناً على المدح أو الحال مِنْ تَسْنِيمٍ والكلام في الباء كما في يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٢٩ الى ٣٣] إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعني رؤساء قريش. كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ كانوا يستهزئون بفقراء المؤمنين. وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ يغمز بعضهم بعضاً ويشيرون بأعينهم. وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فاكهين متلذذين بالسخرية منهم، وقرأ حفص فَكِهِينَ. وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال. وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ على المؤمنين. حافِظِينَ يحفظون عليهم أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم. [سورة المطففين (٨٣) : الآيات ٣٤ الى ٣٦] فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ حين يرونهم أذلاء مغلوبين في النار. وقيل يفتح لهم باب إلى الجنة فيقال لهم اخرجوا إليها، فَإِذَا وصلوا أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم. عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ حال من يَضْحَكُونَ. هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ أي هل أثيبوا. مَا كانُوا يَفْعَلُونَ وقرأ حمزة والكسائي بادغام اللام في الثاء. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة المطففين سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة» .

стр. 1215

(٨٤) سورة الانشقاق مكية وآيها خمس وعشرون آية [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيها وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ بالغمام كقوله تعالى: وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وعن علي رضي الله تعالى عنه: تنشق من المجرة. وَأَذِنَتْ لِرَبِّها واستمعت له أي انقادت لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها انقياد المطواع الذي يأذن للآمر ويذعن له. وَحُقَّتْ وجعلت حقيقة بالاستماع والانقياد يقال: حق بكذا فهو محقوق وحقيق. وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ بسطت بأن تزال جبالها وآكامها. وَأَلْقَتْ ما فِيها ما في جوفها من الكنوز والأموات وَتَخَلَّتْ وتكلفت في الخلو أقصى جهدها حتى لم يبق شيء في باطنها. وَأَذِنَتْ لِرَبِّها في الإِلقاء والتخلي. وَحُقَّتْ للإِذن وتكرير إِذَا لاستقلال كل من الجملتين بنوع من القدرة، وجوابه محذوف للتهويل بالإِبهام أو الاكتفاء بما مر في سورتي «التكوير» و «الانفطار» أو لدلالة قوله. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ٦ الى ٩] يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً (٩) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ عليه وتقديره لاقى الإِنسان كدحه أي جهداً يؤثر فيه من كدحه إذا خدشه، أو فَمُلاقِيهِ ويا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ اعتراض، والكدح إليه السعي إلى لقاء جزائه. فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً سهلاً لا يناقش فيه. وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً إلى عشيرته المؤمنين، أو فريق المؤمنين، أو أَهْلِهِ في الجنة من الحور. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٠ الى ١٢] وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً (١١) وَيَصْلى سَعِيراً (١٢) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. قيل تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره.

стр. 1216

فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً يتمنى الثبور ويقول يا ثبوراه وهو الهلاك. وَيَصْلى سَعِيراً وقرأ الحجازيان والشامي وَيَصْلى لقوله: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ وقرئ «ويصلى» لقوله: ونصليه جهنم. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٣ الى ١٥] إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً (١٥) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ أي في الدنيا. مَسْرُوراً بطراً بالمال والجاه فارغاً عن الآخرة. إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ لن يرجع إلى الله تعالى. بَلى إيجاب لما بعد لَنْ. إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً عالماً بأعماله فلا يهمله بل يرجعه ويجازيه. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ١٦ الى ١٩] فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ الحمرة التي ترى في أفق المغرب بعد الغروب. وعن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه البياض الذي يليها، سمي به لرقته من الشفقة. وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وما جمعه وستره من الدواب وغيرها يقال: وسقه فاتسق واستوسق، قال: مُسْتَوْسِقَاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سَائِقاً. أو طرده إلى أماكنه من الوسيقة. وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ اجتمع وتم بدراً. لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ حالاً بعد حال مطابقة لأختها في الشدة، وهو لما طابق غيره فقيل للحال المطابقة، أو مراتب من الشدة بعد المراتب هي الموت ومواطن القيامة وأهوالها، أو هي وما قبلها من الدواهي على أنه جمع طبقة. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي لَتَرْكَبُنَّ بالفتح على خطاب الإنسان باعتبار اللفظ، أو الرسول ﵊ على معنى لَتَرْكَبُنَّ حالاً شريفة ومرتبة عالية بعد حال ومرتبة، أو طَبَقاً من أطباق السماء بعد طبق ليلة المعراج وبالكسر على خطاب النفس، وبالياء على الغيبة وعَنْ طَبَقٍ صفة ل طَبَقاً أو حال من الضمير بمعنى مجاوز ال طَبَقٍ أو مجاوزين له. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ٢٠ الى ٢١] فَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) فَما لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بيوم القيامة. وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ لا يخضعون أو لاَ يَسْجُدُونَ لتلاوته. لما روي: أنه ﵊ قرأ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ فسجد بمن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم فنزلت. واحتج به أبو حنيفة على وجوب السجود فإنه ذم لمن سمعه ولم يسجد. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سجد فيها وقال: والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها. [سورة الانشقاق (٨٤) : الآيات ٢٢ الى ٢٥] بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ أي بالقرآن.

стр. 1217

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ بما يضمرون في صدورهم من الكفر والعداوة. فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ استهزاء بهم. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ استثناء منقطع أو متصل، والمراد من تاب وآمن منهم. لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ مقطوع أو مَمْنُونٍ به عليهم. وعن النبي ﷺ «من قرأ سورة الانشقاق أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره» .

стр. 1218

(٨٥) سورة البروج مكية وآيها ثنتان وعشرون آية [سورة البروج (٨٥) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ يعني البروج الاثني عشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارات وتكون فيها الثوابت، أو منازل القمر أو عظام الكواكب سميت بروجاً لظهورها، أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها وأصل التركيب للظهور. وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ يوم القيامة. وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ومن يشهد في ذلك اليوم من الخلائق وما أحضر فيه من العجائب، وتنكيرهما للإبهام في الوصف أي وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ لا يكتنه وصفهما، أو المبالغة في الكثرة كأنه قيل: ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود، أو النبي ﵊ وأمته، أو أمته وسائر الأمم، أو كل نبي وأمته، أو الخالق والخلق، أو عكسه فإن الخالق مطلع على خلقه وهو شاهد على وجوده، أو الملك الحفيظ والمكلف أو يوم النحر، أو عرفة والحجيج، أو يوم الجمعة والجمع فإنه يشهد له أو كل يوم وأهله. [سورة البروج (٨٥) : آية ٤] قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ قيل إنه جواب القسم على تقدير لقد قُتِلَ، والأظهر أنه دليل جواب محذوف كأنه قيل إنهم ملعونون يعني كفار مكة كما لعن أصحاب الأخدود، فإن السورة وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم، والأخدود الخد وهو الشق في الأرض ونحوهما بناء ومعنى الحق والأحقوق. روي مرفوعاً: أن ملكاً كان له ساحر فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه، وكان في طريقه راهب فمال قلبه إليه، فرأى في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجراً وقال: اللَّهم إن كان الراهب أحب إليه من الساحر فاقتلها فقتلها، وكان الغلام بعد يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء، وعمي جليس الملك فأبرأه، فسأله الملك عمن أبرأه فقال ربي فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه، فدل على الراهب فقده بالمنشار، وأرسل الغلام إلى جبل ليطرح من ذروته، فدعا فرجف بالقوم فهلكوا ونجا، وأجلسه في سفينة ليغرق فدعا فانكفأت السفينة بمن معه فغرقوا ونجا، فقال للملك لست بقاتلي حتى تجمع الناس وتصلبني وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول: بسم الله رب هذا الغلام، ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فمات، فآمن الناس برب الغلام، فأمر بأخاديد وأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست فقال الصبي: يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت. وعن علي رضي الله تعالى عنه: كان بعض ملوك المجوس خطب الناس وقال: إن الله أحل نكاح الأخوات فلم يقبلوه، فأمر بأخاديد النار فطرح فيها من أبى، وقيل لما تنصر نجران غزاهم ذو نواس اليهودي من حمير فأحرق في الأخاديد من لم يرتد.

стр. 1219

[سورة البروج (٨٥) : الآيات ٥ الى ٧] النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) النَّارِ بدل من الْأُخْدُودِ بدل الاشتمال. ذاتِ الْوَقُودِ صفة لها بالعظمة وكثرة ما يرتفع به لهبها، واللام في الْوَقُودِ للجنس. إِذْ هُمْ عَلَيْها على حافة النار. قُعُودٌ قاعدون. وَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنهم لم يقصروا فيما أمروا به، أو يشهدون على ما يفعلون يوم القيامة حين تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم. [سورة البروج (٨٥) : الآيات ٨ الى ٩] وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ وما أنكروا. إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ استثناء على طريقة قوله: وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قراعِ الكتائبِ ووصفه بكونه عزيزاً غالباً يخشى عقابه حميداً منعماً يرجى ثوابه وقرر ذلك بقوله: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ للإِشعار بما يستحق أن يؤمن به ويعبد. [سورة البروج (٨٥) : الآيات ١٠ الى ١١] إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بلوهم بالأذى. ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ بكفرهم. وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ العذاب الزائد في الاحراق بفتنتهم. بل المراد ب الَّذِينَ فَتَنُوا أَصْحابُ الْأُخْدُودِ وب عَذابُ الْحَرِيقِ ما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ إذ الدنيا وما فيها تصغر دونه. [سورة البروج (٨٥) : الآيات ١٢ الى ١٦] إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ مضاعف عنفه فإن البطش أخذ بعنف. إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ يُبْدِئُ الخلق ويعيده، أو يُبْدِئُ البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة. وَهُوَ الْغَفُورُ لمن تاب. الْوَدُودُ المحب لمن أطاع. ذُو الْعَرْشِ خالقه، وقيل المراد ب الْعَرْشِ الملك، وقرئ «ذي العرش» صفة ل رَبِّكَ. الْمَجِيدُ العظيم في ذاته وصفاته، فإنه واجب الوجود تام القدرة والحكمة، وجره حمزة والكسائي صفة ل رَبِّكَ، أو ل الْعَرْشِ ومجده علوه وعظمته. فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ لا يمتنع عليه مراد من أفعاله وأفعال غيره.

стр. 1220

[سورة البروج (٨٥) : الآيات ١٧ الى ٢٠] هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ أبدلهما من الجنود لأن المراد ب فِرْعَوْنَ هو وقومه، والمعنى قد عرفت تكذيبهم للرسل وما حاق بهم فتسل واصبر على تكذيب قومك وحذرهم مثل ما أصابهم. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ لا يرعوون عنه، ومعنى الإِضراب أن حالهم أعجب من حال هؤلاء فإنهم سمعوا قصتهم ورأوا آثار هلاكهم وكذبوا أشد من تكذيبهم. وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط. [سورة البروج (٨٥) : الآيات ٢١ الى ٢٢] بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ بل هذا الذي كذبوا به كتاب شريف وحيد في النظم والمعنى، وقرئ «قرآن مجيد» بالإِضافة أي قرآن رب مجيد. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ من التحريف، وقرأ نافع مَحْفُوظٍ بالرفع صفة لل قُرْآنٌ، وقرئ «في لوح» وهو الهواء يعني ما فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة البروج أعطاه الله بعدد كل جمعة وعرفة تكون في الدنيا عشر حسنات» .

стр. 1221

(٨٦) سورة الطارق مكية وآيها سبع عشرة آية [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤) وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ والكوكب البادي بالليل وهو في الأصل لسالك الطريق، واختص عرفاً بالآتي ليلاً ثم استعمل للبادي فيه. وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، أو الأفلاك والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل، عبر عنه أولاً بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيماً لشأنه. إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها أي إن الشان كل نفس لعليها. حافِظٌ رقيب فإن هي المخففة واللام الفاصلة وما مزيدة. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة لما على أنها بمعنى إلا وأن نافية، والجملة على الوجهين جواب القسم. [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ٥ الى ٧] فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ لما ذكر أن كل نفس عليها حافظ اتبعه توصية الإنسان بالنظر في مبدئه ليعلم صحة إعادته فلا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته. خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ جواب الاستفهام وماءٍ بمعنى ذي دفق، وهو صب فيه دفع والمراد الممتزج من الماءين في الرحم لقوله: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ من بين صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها، ولو صح أن النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء، ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين، فلا شك أن الدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها، ولذلك تشبهه، ويسرع الإِفراط في الجماع بالضعف فيه وله خليفة وهو النخاع وهو في الصلب وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب، وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصّا بالذكر. وقرئ «الصلب» بفتحتين و «الصلب» بضمتين وفيه لغة رابعة وهي «صالب» . [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ٨ الى ١٠] إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩) فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ والضمير للخالق ويدل عليه خُلِقَ. يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ تتعرف ويميز بين ما طاب من الضمائر وما خفي من الأعمال وما خبث منها، وهو ظرف ل رَجْعِهِ. فَما لَهُ فما للإنسان. مِنْ قُوَّةٍ من منعة في نفسه يمتنع بها. وَلا ناصِرٍ يمنعه.

стр. 1222

[سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١١ الى ١٢] وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ترجع في كل دورة إلى الموضع الذي تتحرك عنه، وقيل الرجع المطر سمي به كما سمي أوباً لأن الله يرجعه وقتاً فوقتاً، أو لما قيل من أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعه إلى الأرض، وعلى هذا يجوز أن يراد ب السَّماءِ السحاب. وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ما تتصدع عنه الأرض من النبات أو الشق بالنبات والعيون. [سورة الطارق (٨٦) : الآيات ١٣ الى ١٧] إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (١٥) وَأَكِيدُ كَيْداً (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧) إِنَّهُ إن القرآن. لَقَوْلٌ فَصْلٌ فاصل بين الحق والباطل. وَما هُوَ بِالْهَزْلِ فإنه جد كله. إِنَّهُمْ يعني أهل مكة. يَكِيدُونَ كَيْداً في إبطاله وإطفاء نوره. وَأَكِيدُ كَيْداً وأقابلهم بكيد في استدراجي لهم وانتقامي منهم من حيث لا يحتسبون. فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ فلا تشتغل بالانتقام منهم، أو لا تستعجل بإهلاكهم. أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً أمهالاً يسيراً والتكرير وتغيير البنية لزيادة التسكين. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الطارق أعطاه الله بعدد بكل نجم في السماء عشر حسنات» .

стр. 1223

(٨٧) سورة الأعلى مكية وآيها تسع عشرة آية [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١ الى ٢] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى نزه اسمه عن الإلحاد فيه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه على غيره زاعماً أنهما فيه سواء وذكره لا على على وجه التعظيم، وقرئ «سبحان ربي الأعلى» . وفي الحديث «لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال ﵊ اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال ﵊ اجعلوها في سجودكم» وكانوا يقولون في الركوع اللهم لك ركعت وفي السجود اللهم لك سجدت. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى خلق كل شيء فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى كماله ويتم معاشه. [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ٣ الى ٥] وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) وَالَّذِي قَدَّرَ أي قدر أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها. فَهَدى فوجهه إلى أفعاله طبعاً واختياراً بخلق الميول والإِلهامات ونصب الدلائل وانزال الآيات. وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى أنبت ما ترعاه الدواب. فَجَعَلَهُ بعد خضرته. غُثاءً أَحْوى يابساً أسود. وقيل أَحْوى حال من المرعى أي أخرجه أَحْوى أي أسود من شدة خضرته. [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ٦ الى ٧] سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) سَنُقْرِئُكَ على لسان جبريل ﵊، أو سنجعلك قارئاً بإلهام القراءة. فَلا تَنْسى أصلاً من قوة الحفظ مع أنك أمي ليكون ذلك آية أخرى لك مع أن الإِخبار به عما يستقبل ووقوعه كذلك أيضاً من الآيات، وقيل نهي والألف للفاصلة كقوله السَّبِيلَا. إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ نسيانه بأن نسخ تلاوته، وقيل أراد به القلة والندرة. لما روي أنه ﵊ «أسقط آية في قراءته في الصلاة فحسب أُبيّ أنها نسخت فسأله فقال: نسيتها» . أو نفى النسيان رأساً فإن القلة تستعمل للنفي. إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى ما ظهر من أحوالكم وما بطن، أو جهرك بالقراءة مع جبريل ﵊ وما دعاك إليه من مخافة النسيان فيعلم ما فيه صلاحكم من ابقاء وإنساء. [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ٨ الى ١٠] وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ونعدك للطريقة اليسرى في حفظ الوحي، أو التدين ونوفقك لها ولهذه النكتة قال نُيَسِّرُكَ لا نيسر لك عطف على سَنُقْرِئُكَ، وإِنَّهُ يَعْلَمُ اعتراض.

стр. 1224

فَذَكِّرْ بعد ما استتب لك الأمر. إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى لعل هذه الشرطية إنما جاءت بعد تكرير التذكير وحصول اليأس من البعض لئلا يتعب نفسه ويتلهف عليهم كقوله: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ الآية، أو لذم المذكرين واستبعاد تأثير الذكرى فيهم، أو للإشعار بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه ولذلك أمر بالإِعراض عمن تولى. سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى سيتعظ وينتفع بها من يخشى الله تعالى بأن يتأمل فيها فيعلم حقيقتها، وهو يتناول العارف والمتردد. [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١١ الى ١٣] وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣) يَتَجَنَّبُهَا ويتجنب الذِّكْرى. َْشْقَى الكافر فإنه أشقى من الفاسق، أوَْشْقَى من الكفرة لتوغله في الكفر. الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى نار جهنم فإنه ﵊ قال «ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم» ، أو ما في الدرك الأسفل منها. ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيها فيستريح. وَلا يَحْيى حياة تنفعه. [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١٤ الى ١٧] قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى تطهر من الكفر والمعصية، أو تكثر من التقوى من الزكاء، أو تطهر للصلاة أو أدى الزكاة. وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ بقلبه ولسانه فَصَلَّى كقوله: أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ويجوز أن يراد بالذكر تكبيرة التحريم، وقيل تَزَكَّى تصدق للفطر وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ كبره يوم العيد فَصَلَّى صلاته. بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا فلا تفعلون ما يسعدكم في الآخرة، والخطاب للأشقين على الالتفات أو على إضمار قل، أو للكل فإن السعي للدنيا أكثر في الجملة، وقرأ أبو عمرو بالياء. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى فإن نعيمها ملذ بالذات خالص عن الغوائل لا انقطاع له. [سورة الأعلى (٨٧) : الآيات ١٨ الى ١٩] إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨) صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى الإِشارة إلى ما سبق من قَدْ أَفْلَحَ فإنه جامع أمر الديانة وخلاصة الكتب المنزلة. صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى بدل من الصحف الأولى. قال ﷺ «من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام» .

стр. 1225

(٨٨) سورة الغاشية مكية وهي ست وعشرون آية [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ الداهية التي تغشى الناس بشدائدها يعني يوم القيامة، أو النار من قوله تعالى وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ. وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ذليلة. عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تعمل ما تتعب فيه كجر السلاسل وخوضها في النار خوض الإبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلالها ووهادها، أو عملت ونصبت في أعمال لا تنفعها يومئذ. تَصْلى نَاراً تدخلها وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر تَصْلى من أصلاه الله، وقرئ «تُصَّلِّ» بالتشديد للمبالغة. حامِيَةً متناهية في الحر. تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ بلغت أناها في الحر. [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٦ الى ٧] لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لاَّ يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ يبيس الشبرق وهو شوك ترعاه الإِبل ما دام رطباً، وقيل شجرة نارية تشبه الضريع، ولعله طعام هؤلاء والزقوم والغسلين طعام غيرهم، أو المراد طعامهم ما تتحاماه الإِبل وتعافه لضره وعدم نفعه كما قال: لاَّ يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ والمقصود من الطعام أحد الأمرين. [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٨ الى ١١] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ذات بهجة أو متنعمة. لِسَعْيِها راضِيَةٌ رضيت بعملها لما رأت ثوابه. فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ علية المحل أو القدر. لاَ تَسْمَعُ يا مخاطب أو الوجوه، وقرأ على بناء المفعول بالياء ابن كثير وأبو عمرو ورويس وبالتاء نافع. فِيها لاغِيَةً لغواً أو كلمة ذات لغو أو نفساً تلغو، فإن كلام أهل الجنة الذكر والحكم. [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٢ الى ١٦] فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)

стр. 1226

فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ يجري ماؤها ولا ينقطع والتنكير للتعظيم. فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ رفيعة السمك أو القدر. وَأَكْوابٌ جمع كوب وهي آنية لا عروة لها. مَوْضُوعَةٌ بين أيديهم. وَنَمارِقُ وسائد جمع نمرقة بالفتح والضم. مَصْفُوفَةٌ بعضها إلى بعض. وَزَرابِيُّ بسط فاخرة جمع زربية. مَبْثُوثَةٌ مبسوطة. [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٧ الى ١٨] أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) أَفَلا يَنْظُرُونَ نظر اعتبار. إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ خلقاً دالاً على كمال قدرته وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى البلاد النائية، فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة بالحمل منقادة لمن اقتادها طوال الأعناق لينوء بالأوقار، ترعى كل نابت وتحتمل العطش إلى عشر فصاعداً ليتأتى لها قطع البوادي والمفاوز، مع مالها من منافع أخرى ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعاً، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع. وقيل المراد بها السحاب على الاستعارة. وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ بلا عمد. [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٩ الى ٢٠] وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ فهي راسخة لا تميل. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ بسطت حتى صارت مهاداً، وقرئ الأفعال الأربعة على بناء الفاعل المتكلم وحذف الراجع المنصوب، والمعنى أَفَلا يَنْظُرُونَ إلى أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ليتحققوا كمال قدرة الخالق ، فلا ينكروا اقتداره على البعث ولذلك عقب به أمر المعاد ورتب عليه الأمر بالتذكير فقال: [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٢١ الى ٢٤] فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ فلا عليك إن لم ينظروا ولم يذكروا إذ ما عليك إلا البلاغ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ بمتسلط، وعن الكسائي بالسين على الأصل وحمزة بالإِشمام. إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ لكن من تولى وكفر. فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ يعني عذاب الآخرة. وقيل متصل فإن جهاد الكفار وقتلهم تسلط، وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة وقيل هو استثناء من قوله فَذَكِّرْ أي فذكر إلا من تولى وأصر فاستحق العذاب الأكبر، وما بينهما اعتراض ويؤيد الأول أنه قرئ «ألا» على التنبيه. [سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦] إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ رجوعهم، وقرئ بالتشديد على أنه فيعال مصدر فيعل من الإياب، أو فعال من الأوب قلبت واوه الأولى قلبها في ديوان ثم الثانية للإِدغام. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ في المحشر، وتقديم الخبر للتخصيص والمبالغة في الوعيد. عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حساباً يسيراً» .

стр. 1227

(٨٩) سورة الفجر مكية وآيها ثلاثون آية [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَالْفَجْرِ أقسم بالصبح أو فلقه كقوله: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أو بصلاته. وَلَيالٍ عَشْرٍ عشر ذي الحجة ولذلك فسر الْفَجْرِ بفجر عرفة، أو النحر أو عشر رمضان الأخير وتنكيرها للتعظيم، وقرئ وَلَيالٍ عَشْرٍ بالإِضافة على أن المراد بالعشر الأيام. وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والأشياء كلها شفعها ووترها، أو الخلق لقوله: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ والخالق لأنه فرد، ومن فسرهما بالعناصر والأفلاك أو البروج والسيارات أو شفع الصلوات ووترها، أو بيومي النحر وعرفة، وقد روي مرفوعاً، أو بغيرها فلعله أفرد بالذكر من أنواع المدلول ما رآه أظهر دلالة على التوحيد، أو مدخلاً في الدين أو مناسبة لما قبلهما أو أكثر منفعة موجبة للشكر، وقرئ «والوتر» بكسر الواو وهما لغتان كالحبر والحبر. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٤ الى ٥] وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ إذا يمضي كقوله: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ والتقييد بذلك لما في التعاقب من قوة الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة، أو يسرى فيه من قولهم صلى المقام وحذف الياء للاكتفاء بالكسرة تخفيفاً، وقد خصه نافع وأبو عمرو بالوقف لمراعاة الفواصل ولم يحذفها ابن كثير ويعقوب أصلاً، وقرئ «يَسْرِ» بالتنوين المبدل من حرف الاطلاق. هَلْ فِي ذلِكَ القسم أو المقسم به قَسَمٌ حلف أو محلوف به. لِذِي حِجْرٍ يعتبره ويؤكد به ما يريد تحقيقه، وال حِجْرٍ العقل سمي به لأنه يحجر عما لا ينبغي كما سمي عقلاً ونهية وحصاة من الإِحصاء، وهو الضبط والمقسم عليه محذوف وهو ليعذبن يدل عليه قوله: [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٦ الى ٨] أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ يعني أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، قوم هود سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم باسمه. إِرَمَ عطف بيان لعاد على تقدير مضاف أي سَبْطُ إِرَمَ، أو أَهْلُ إِرَمَ إن صح أنه إسم بلدتهم. وقيل سمي أوائلهم وهم «عاد الأولى» باسم جدهم ومنع صرفه للعلمية والتأنيث. ذاتِ الْعِمادِ ذات البناء الرفيع أو القدود الطوال، أو الرفعة والثبات. وقيل كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد فخلص الأمر لشداد وملك المعمورة ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فبنى على مثالها في بعض صحاري عدن جنة وسماها إرم، فلما تمت سار إليها بأهله، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث

стр. 1228

الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبله فوقع عليها. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ صفة أخرى لاسم والضمير لها سواء جعلت اسم القبيلة أو البلدة. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٩ الى ١٢] وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ قطعوه واتخذوه منازل لقوله: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً. بِالْوادِ وادي القرى. وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد. الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ صفة للمذكورين «عاد» وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ، أو ذم منصوب أو مرفوع. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ بالكفر والظلم. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٣ الى ١٤] فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ما خلط لهم من أنواع العذاب، وأصله الخلط وإنما سمي به الجلد المضفور الذي يضرب به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض، وقيل شبه بال سَوْطَ ما أحل بهم في الدنيا إشعاراً بأنه القياس إلى ما أعد لهم في الآخرة من العذاب كالسوط إذا قيس إلى السيف. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ المكان الذي يترقب فيه الرصد، مفعال من رصده كالميقات من وقته، وهو تمثيل لإرصاده العصاة بالعقاب. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٥ الى ١٦] فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) فَأَمَّا الْإِنْسانُ متصل بقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ كأنه قيل إنه لَبِالْمِرْصادِ من الآخرة فلا يريد إلا السعي لها فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها. إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ اختبره بالغنى واليسر. فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ بالجاه والمال. فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ فضلني بما أعطاني، وهو خبر المبتدأ الذي هو الْإِنْسانُ، والفاء لما في «أما» من معنى الشرط، والظرف المتوسط في تقدير التأخير كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإِنعام، وكذا قوله: وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ إذ التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه أي بالفقر والتقتير ليوازن قسيمه. فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ لقصور نظره وسوء فكره، فإن التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى قصد الأعداء والانهماك في حب الدنيا ولذلك ذمه على قوليه وردعه عنه بقوله: [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٧ الى ٢٠] كَلاَّ بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلَّا مع أن قوله الأول مطابق لأكرمه ولم يقل فأهانه وقدر عليه كما قال: فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ لأن التوسعة تفضل والإخلال به لا يكون إهانة، وقرأ ابن عامر والكوفيون «أكرمن» و «أهانن» بغير ياء في الوصل والوقف. وعن أبي عمرو مثله ووافقهم نافع في الوقف وقرأ ابن عامر فَقَدَرَ بالتشديد. بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ولا يحضّون على طَعَامِ المسكين أي بل فعلهم أسوأ من قولهم وأدل على

стр. 1229

تهالكهم بالمال وهو أنهم لا يكرمون اليتيم بالنفقة والمبرة، ولا يحثون أهلهم على طعام المسكين فضلاً عن غيرهم، وقرأ الكوفيون «وَلا تَحَاضُّونَ» . وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ الميراث وأصله وراث. أَكْلًا لَمًّا ذا لم أي جمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أنصباءهم، أو يأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك. وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا كثيراً مع حرص وشره، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب «لا يكرمون» إلى «ويحبون» بالياء والباقون بالتاء. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٢١ الى ٢٣] كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) كَلَّا ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم وما بعده وعيد عليه. إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا أي دكا بعد دك حتى صارت منخفضة الجبال والتلال، أو هَباءً مُنْبَثًّا. وَجاءَ رَبُّكَ أي ظهرت آيات قدرته وآثار قهره مثل ذلك بما يظهر عند حضور السلطان من آثار هيبته وسياسته. وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا بحسب منازلهم ومراتبهم. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كقوله تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ وفي الحديث «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» . يَوْمَئِذٍ بدل من إذا دكت الأرض والعامل فيهما. يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ أي يتذكر معاصيه أو يتعظ لأنه يعلم قبحها فيندم عليها. وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى أي منفعة الذكرى لئلا يناقض ما قبله، واستدل به على عدم وجوب قبول التوبة، فإن هذا التذكر توبة غير مقبولة. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٢٤ الى ٢٦] يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي أي لحياتي هذه، أو وقت حياتي في الدنيا أعمالاً صالحة، وليس في هذا التمني دلالة على استقلال العبد بفعله فإن المحجور عن شيء قد يتمنى أن كان ممكناً منه. فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ الهاء لله أي لا يتولى عذاب الله ووثاقه يوم القيامة سواه إذ الأمر كله له، أو للإنسان أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه، وقرأهما الكسائي ويعقوب على بناء المفعول. [سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٢٧ الى ٣٠] يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ على إرادة القول وهي التي اطمأنت بذكر الله، فإن النفس تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته فتستفز دون معرفته وتستغني به عن غيره، أو إلى الحق بحيث لا يريبها شك أو الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وقد قرئ بهما. ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ إلى أمره أو موعده بالموت، ويشعر ذلك بقول من قال: كانت النفوس قبل الأبدان موجودة في عالم القدس أو البعث، راضِيَةً بما أوتيت. مَرْضِيَّةً عند الله تعالى. فَادْخُلِي فِي عِبادِي في جملة عبادي الصالحين. وَادْخُلِي جَنَّتِي معهم أو في زمرة المقربين فتستضيء بنورهم، فإن الجواهر القدسية كالمرايا المتقابلة، أو ادخلي في أجساد عبادي التي فارقت عنها، وادخلي دار ثوابي التي أعدت لك.

стр. 1230

عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة» .
следующие страницы →