Полный текст (1 273 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ يجري ماؤها ولا ينقطع والتنكير للتعظيم.
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ رفيعة السمك أو القدر.
وَأَكْوابٌ جمع كوب وهي آنية لا عروة لها. مَوْضُوعَةٌ بين أيديهم.
وَنَمارِقُ وسائد جمع نمرقة بالفتح والضم. مَصْفُوفَةٌ بعضها إلى بعض.
وَزَرابِيُّ بسط فاخرة جمع زربية. مَبْثُوثَةٌ مبسوطة.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٧ الى ١٨]
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨)
أَفَلا يَنْظُرُونَ نظر اعتبار. إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ خلقاً دالاً على كمال قدرته وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى البلاد النائية، فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة بالحمل منقادة لمن اقتادها طوال الأعناق لينوء بالأوقار، ترعى كل نابت وتحتمل العطش إلى عشر فصاعداً ليتأتى لها قطع البوادي والمفاوز، مع مالها من منافع أخرى ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعاً، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع. وقيل المراد بها السحاب على الاستعارة.
وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ بلا عمد.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)
وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ فهي راسخة لا تميل.
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ بسطت حتى صارت مهاداً، وقرئ الأفعال الأربعة على بناء الفاعل المتكلم وحذف الراجع المنصوب، والمعنى أَفَلا يَنْظُرُونَ إلى أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ليتحققوا كمال قدرة الخالق ، فلا ينكروا اقتداره على البعث ولذلك عقب به أمر المعاد ورتب عليه الأمر بالتذكير فقال:
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٢١ الى ٢٤]
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ فلا عليك إن لم ينظروا ولم يذكروا إذ ما عليك إلا البلاغ.
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ بمتسلط، وعن الكسائي بالسين على الأصل وحمزة بالإِشمام.
إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ لكن من تولى وكفر.
فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ يعني عذاب الآخرة. وقيل متصل فإن جهاد الكفار وقتلهم تسلط، وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة وقيل هو استثناء من قوله فَذَكِّرْ أي فذكر إلا من تولى وأصر فاستحق العذاب الأكبر، وما بينهما اعتراض ويؤيد الأول أنه قرئ «ألا» على التنبيه.
[سورة الغاشية (٨٨) : الآيات ٢٥ الى ٢٦]
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ رجوعهم، وقرئ بالتشديد على أنه فيعال مصدر فيعل من الإياب، أو فعال من الأوب قلبت واوه الأولى قلبها في ديوان ثم الثانية للإِدغام.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ في المحشر، وتقديم الخبر للتخصيص والمبالغة في الوعيد.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حساباً يسيراً» .
стр. 1227
(٨٩) سورة الفجر
مكية وآيها ثلاثون آية
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)
وَالْفَجْرِ أقسم بالصبح أو فلقه كقوله: وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أو بصلاته.
وَلَيالٍ عَشْرٍ عشر ذي الحجة ولذلك فسر الْفَجْرِ بفجر عرفة، أو النحر أو عشر رمضان الأخير وتنكيرها للتعظيم، وقرئ وَلَيالٍ عَشْرٍ بالإِضافة على أن المراد بالعشر الأيام.
وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والأشياء كلها شفعها ووترها، أو الخلق لقوله: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ والخالق لأنه فرد، ومن فسرهما بالعناصر والأفلاك أو البروج والسيارات أو شفع الصلوات ووترها، أو بيومي النحر وعرفة، وقد روي مرفوعاً، أو بغيرها فلعله أفرد بالذكر من أنواع المدلول ما رآه أظهر دلالة على التوحيد، أو مدخلاً في الدين أو مناسبة لما قبلهما أو أكثر منفعة موجبة للشكر، وقرئ «والوتر» بكسر الواو وهما لغتان كالحبر والحبر.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٤ الى ٥]
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ إذا يمضي كقوله: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ والتقييد بذلك لما في التعاقب من قوة الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة، أو يسرى فيه من قولهم صلى المقام وحذف الياء للاكتفاء بالكسرة تخفيفاً، وقد خصه نافع وأبو عمرو بالوقف لمراعاة الفواصل ولم يحذفها ابن كثير ويعقوب أصلاً، وقرئ «يَسْرِ» بالتنوين المبدل من حرف الاطلاق.
هَلْ فِي ذلِكَ القسم أو المقسم به قَسَمٌ حلف أو محلوف به. لِذِي حِجْرٍ يعتبره ويؤكد به ما يريد تحقيقه، وال حِجْرٍ العقل سمي به لأنه يحجر عما لا ينبغي كما سمي عقلاً ونهية وحصاة من الإِحصاء، وهو الضبط والمقسم عليه محذوف وهو ليعذبن يدل عليه قوله:
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٦ الى ٨]
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨)
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ يعني أولاد عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، قوم هود سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم باسمه.
إِرَمَ عطف بيان لعاد على تقدير مضاف أي سَبْطُ إِرَمَ، أو أَهْلُ إِرَمَ إن صح أنه إسم بلدتهم. وقيل سمي أوائلهم وهم «عاد الأولى» باسم جدهم ومنع صرفه للعلمية والتأنيث. ذاتِ الْعِمادِ ذات البناء الرفيع أو القدود الطوال، أو الرفعة والثبات. وقيل كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا، ثم مات شديد فخلص الأمر لشداد وملك المعمورة ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة فبنى على مثالها في بعض صحاري عدن جنة وسماها إرم، فلما تمت سار إليها بأهله، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث
стр. 1228
الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا. وعن عبد الله بن قلابة أنه خرج في طلب إبله فوقع عليها.
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ صفة أخرى لاسم والضمير لها سواء جعلت اسم القبيلة أو البلدة.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٩ الى ١٢]
وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢)
وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ قطعوه واتخذوه منازل لقوله: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً. بِالْوادِ وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو لتعذيبه بالأوتاد.
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ صفة للمذكورين «عاد» وَثَمُودَ وَفِرْعَوْنَ، أو ذم منصوب أو مرفوع.
فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ بالكفر والظلم.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٣ الى ١٤]
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ما خلط لهم من أنواع العذاب، وأصله الخلط وإنما سمي به الجلد المضفور الذي يضرب به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض، وقيل شبه بال سَوْطَ ما أحل بهم في الدنيا إشعاراً بأنه القياس إلى ما أعد لهم في الآخرة من العذاب كالسوط إذا قيس إلى السيف.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ المكان الذي يترقب فيه الرصد، مفعال من رصده كالميقات من وقته، وهو تمثيل لإرصاده العصاة بالعقاب.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٥ الى ١٦]
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦)
فَأَمَّا الْإِنْسانُ متصل بقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ كأنه قيل إنه لَبِالْمِرْصادِ من الآخرة فلا يريد إلا السعي لها فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها. إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ اختبره بالغنى واليسر. فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ بالجاه والمال. فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ فضلني بما أعطاني، وهو خبر المبتدأ الذي هو الْإِنْسانُ، والفاء لما في «أما» من معنى الشرط، والظرف المتوسط في تقدير التأخير كأنه قيل: فأما الإنسان فقائل ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإِنعام، وكذا قوله:
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ إذ التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه أي بالفقر والتقتير ليوازن قسيمه.
فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ لقصور نظره وسوء فكره، فإن التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين، والتوسعة قد تفضي إلى قصد الأعداء والانهماك في حب الدنيا ولذلك ذمه على قوليه وردعه عنه بقوله:
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ١٧ الى ٢٠]
كَلاَّ بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠)
كَلَّا مع أن قوله الأول مطابق لأكرمه ولم يقل فأهانه وقدر عليه كما قال: فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ لأن التوسعة تفضل والإخلال به لا يكون إهانة، وقرأ ابن عامر والكوفيون «أكرمن» و «أهانن» بغير ياء في الوصل والوقف. وعن أبي عمرو مثله ووافقهم نافع في الوقف وقرأ ابن عامر فَقَدَرَ بالتشديد.
بَلْ لاَّ تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ولا يحضّون على طَعَامِ المسكين أي بل فعلهم أسوأ من قولهم وأدل على
стр. 1229
تهالكهم بالمال وهو أنهم لا يكرمون اليتيم بالنفقة والمبرة، ولا يحثون أهلهم على طعام المسكين فضلاً عن غيرهم، وقرأ الكوفيون «وَلا تَحَاضُّونَ» .
وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ الميراث وأصله وراث. أَكْلًا لَمًّا ذا لم أي جمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أنصباءهم، أو يأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك.
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا كثيراً مع حرص وشره، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب «لا يكرمون» إلى «ويحبون» بالياء والباقون بالتاء.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٢١ الى ٢٣]
كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣)
كَلَّا ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم وما بعده وعيد عليه. إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا أي دكا بعد دك حتى صارت منخفضة الجبال والتلال، أو هَباءً مُنْبَثًّا.
وَجاءَ رَبُّكَ أي ظهرت آيات قدرته وآثار قهره مثل ذلك بما يظهر عند حضور السلطان من آثار هيبته وسياسته. وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا بحسب منازلهم ومراتبهم.
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ كقوله تعالى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ
وفي الحديث «يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» .
يَوْمَئِذٍ بدل من إذا دكت الأرض والعامل فيهما.
يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ أي يتذكر معاصيه أو يتعظ لأنه يعلم قبحها فيندم عليها. وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى أي منفعة الذكرى لئلا يناقض ما قبله، واستدل به على عدم وجوب قبول التوبة، فإن هذا التذكر توبة غير مقبولة.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٢٤ الى ٢٦]
يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦)
يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي أي لحياتي هذه، أو وقت حياتي في الدنيا أعمالاً صالحة، وليس في هذا التمني دلالة على استقلال العبد بفعله فإن المحجور عن شيء قد يتمنى أن كان ممكناً منه.
فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ الهاء لله أي لا يتولى عذاب الله ووثاقه يوم القيامة سواه إذ الأمر كله له، أو للإنسان أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه، وقرأهما الكسائي ويعقوب على بناء المفعول.
[سورة الفجر (٨٩) : الآيات ٢٧ الى ٣٠]
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ على إرادة القول وهي التي اطمأنت بذكر الله، فإن النفس تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته فتستفز دون معرفته وتستغني به عن غيره، أو إلى الحق بحيث لا يريبها شك أو الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، وقد قرئ بهما.
ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ إلى أمره أو موعده بالموت، ويشعر ذلك بقول من قال: كانت النفوس قبل الأبدان موجودة في عالم القدس أو البعث، راضِيَةً بما أوتيت. مَرْضِيَّةً عند الله تعالى.
فَادْخُلِي فِي عِبادِي في جملة عبادي الصالحين.
وَادْخُلِي جَنَّتِي معهم أو في زمرة المقربين فتستضيء بنورهم، فإن الجواهر القدسية كالمرايا المتقابلة، أو ادخلي في أجساد عبادي التي فارقت عنها، وادخلي دار ثوابي التي أعدت لك.
стр. 1230
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة» .
стр. 1231
(٩٠) سورة البلد
مكية، وآيها عشرون آية
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لاَ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣)
لاَ أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ أقسم سبحانه بالبلد الحرام وقيده بحلول الرسول ﵊ فيه إظهاراً لمزيد فضله، وإشعاراً بأن شرف المكان بشرف أهله. وقيل حِلٌّ مستحل تعرضك فيه كما يستحل تعرض الصيد في غيره، أو حلال لك أن تفعل فيه ما تريد ساعة من النهار فهو وعد بما أحل له عام الفتح.
وَوالِدٍ عطف على بِهذَا الْبَلَدِ والوالد آدم أو إبراهيم عليهما الصلاة والسلام. وَما وَلَدَ ذريته أو محمد ﵊، والتنكير للتعظيم وإيثار ما على من لمعنى التعجب كما في قوله وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ.
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ٤ الى ٦]
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً (٦)
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ تعب ومشقة من كبد الرجل كبداً إذا وجعت كبده ومنه المكابدة، والإِنسان لا يزال في شدائد مبدؤها ظلمة الرحم ومضيقه ومنتهاها الموت وما بعده، وهو تسلية للرسول ﵊ مما كان يكابده من قريش والضمير في:
أَيَحْسَبُ لبعضهم الذي كان يكابد منه أكثر، أو يفتر بقوته كأبي الأشد بن كلدة فإنه كان يبسط تحت قدميه أديم عكاظي ويجذبه عشرة فيتقطع ولا تزال قدماه، أو لكل أحد منهم أو للإنسان. أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فينتقم منه.
يَقُولُ أي في ذلك الوقت أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً كثيراً، من تلبد الشيء إذا اجتمع، والمراد ما أنفقه سمعة ومفاخرة، أو معاداة للرسول ﵊.
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ٧ الى ١٠]
أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (٩) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)
أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ حين كان ينفق أو بعد ذلك فيسأله عنه، يعني أن الله يراه فيجازيه، أو يجده فيحاسبه عليه ثم بين ذلك بقوله.
أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ يبصر بهما.
وَلِساناً يترجم به عن ضميره. وَشَفَتَيْنِ يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها.
стр. 1232
وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ طريقي الخير والشر، أو الثديين وأصله المكان المرتفع.
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ١١ الى ١٦]
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦)
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة وهو الدخول في أمر شديد، والْعَقَبَةَ الطريق في الجبل استعارها بما فسرها به من الفك والإطعام في قوله:
وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ لما فيهما من مجاهدة النفس ولتعدد المراد بها حسن وقوع لا موقع لم فإنها لا تكاد تقع إلا مكررة، إذ المعنى: فَلاَ فَكَ رَقَبةً ولا أَطْعَمَ يَتيماً أو مسكيناً. والمسغبة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب وترب إذا افتقر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي فَكُّ رَقَبَةٍ أو أطعم على الإِبدال من اقْتَحَمَ وقوله: وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ اعتراض معناه إنك لم تدر كنه صعوبتها وثوابها.
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ١٧ الى ١٨]
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨)
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عطفه على اقْتَحَمَ، أو فَكُّ ب ثُمَّ لتباعد الإيمان عن العتق والإطعام في الرتبة لاستقلاله واشتراط سائر الطاعات به. وَتَواصَوْا وأوصى بعضهم بعضاً. بِالصَّبْرِ على طاعة الله تعالى. وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ بالرحمة على عباده، أو بموجبات رحمة الله تعالى.
أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ اليمين أو اليمن.
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا بما نصبناه دليلاً على الحق من كتاب وحجة أو بالقرآن. هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ الشمال أو الشؤم، ولتكرير ذكر المؤمنين باسم الإِشارة والكفار بالضمير شأن لا يخفى.
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته وأغلقته. وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص بالهمزة من آصدته.
عن النبي ﷺ «من قرأ لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد أعطاه الله الأمان من غضبه يوم القيامة» .
стр. 1233
(٩١) سورة الشمس
مكية، وآيها خمس عشرة آية
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣)
وَالشَّمْسِ وَضُحاها وضوئها إذا أشرقت، وقيل الضحوة ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك، والضحاء بالفتح والمد إذا امتد النهار وكاد ينتصف.
وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها تلا طلوعه طلوع الشمس أول الشهر أو غروبها ليلة البدر، أو في الاستدارة وكمال النور.
وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها جلى الشمس فإنها تتجلى إذا انبسط النهار أو الظلمة، أو الدنيا أو الأرض وإن لم يجر ذكرها للعلم بها.
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ٤ الى ٦]
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤) وَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦)
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها يغشى الشمس فيغطي ضوءها أو الآفاق، أو الأرض. ولما كانت واوات العطف نوائب للواو الأولى القسمية الجارة بنفسها النائبة مناب فعل القسم من حيث استلزمت طرحه معها، ربطن المجرورات والظرف بالمجرور والظرف المتقدمين ربط الواو لما بعدها في قولك: ضرب زيد عمراً وبكر خالداً على الفاعل والمفعول من غير عطف على عاملين مختلفين.
وَالسَّماءِ وَما بَناها ومن بناها وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل: والشيء القادر الذي بناها ودل على وجوده وكمال قدرته بناؤها، ولذلك أفرد ذكره وكذا الكلام في قوله:
وَالْأَرْضِ وَما طَحاها.
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ٧ الى ٨]
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨)
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها وجعل الماءات مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل ويخل بنظم قوله:
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها بقوله وَما سَوَّاها إلا أن يضمر فيه اسم الله للعلم به وتنكير نَفْسٍ للتكثير كما في قوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ أو للتعظيم والمراد نفس آدم وإلهام الفجور والتقوى إفهامهما وتعريف حالهما أو التمكين من الإتيان بهما.
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ٩ الى ١٠]
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠)
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها أنماها بالعلم والعمل جواب القسم، وحذف اللام للطول كأنه لما أراد به الحث على تكميل النفس والمبالغة فيه أقسم عليه بما يدلهم على العلم بوجود الصانع ووجوب ذاته وكمال صفاته الذي هو أقصى درجات القوة النظرية، ويذكرهم عظائم آلائه ليحملهم على الاستغراق في شكر نعمائه الذي
стр. 1234
هو منتهى كمالات القوة العملية. وقيل هو استطراد بذكر بعض أحوال النفس، والجواب محذوف تقديره لَيُدَمْدِمَنَّ الله على كفار مكة لتكذيبهم رسوله ﷺ كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحا ﵊.
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها نقصها وأخفاها بالجهالة والفسوق، وأصل دسى دسس كتقضي وتقضض.
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ١١ الى ١٣]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣)
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها بسبب طغيانها، أو بما أوعدت به من عذابها ذي الطغوى كقوله: فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وأصله طغياها وإنما قلبت ياؤه واواً تفرقة بين الإسم والصفة، وقرئ بالضم ك الرُّجْعى.
إِذِ انْبَعَثَ حين قام ظرف ل كَذَّبَتْ أو طغوى. أَشْقاها أشقى ثمود وهو قدار بن سالف، أو هو ومن مالأه على قتل الناقة فإن أفعل التفضيل إذا أضفته صلح للواحد والجمع وفضل شقاوتهم لتوليهم العقر.
فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ أي ذروا ناقة الله واحذروا عقرها. وَسُقْياها وسقيها فلا تذودوها عنها.
[سورة الشمس (٩١) : الآيات ١٤ الى ١٥]
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)
فَكَذَّبُوهُ فيما حذرهم منه من حلول العذاب إن فعلوا. فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ فأطبق عليهم العذاب وهو من تكرير قولهم ناقة مدمومة إذا ألبسها الشحم. بِذَنْبِهِمْ بسببه. فَسَوَّاها فسوى الدمدمة بينهم أو عليهم فلم يفلت منهم صغير ولا كبير، أو ثمود بالإِهلاك.
وَلا يَخافُ عُقْباها أي عاقبة الدمدمة أو عاقبة هلاك ثمود وتبعتها فيبقي بعض الإِبقاء، والواو للحال وقرأ نافع وابن عامر فَلا على العطف.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة والشمس فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر» .
стр. 1235
(٩٢) سورة والليل
مكية، وآيها إحدى وعشرون آية
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)
وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى أي يغشى الشمس أو النهار أو كل ما يواريه بظلامه.
وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى ظهر بزوال ظلمة الليل، أو تبين بطلوع الشمس.
وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى والقادر الذي خلق صنفي الذكر والأنثى من كل نوع له توالد، أو آدم وحواء وقيل مَا مصدرية.
إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى إن مساعيكم لأشتات مختلفة جمع شتيت.
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ٥ الى ٧]
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧)
فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى تفصيل مبين لتشتت المساعي. والمعنى من أعطى الطاعة واتقى المعصية وصدق بالكلمة الحسنى وهي ما دلت على حق ككلمة التوحيد.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر وراحة كدخول الجنة، من يسر الفرس إذا هيأه للركوب بالسرج واللجام.
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ٨ الى ١٠]
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠)
وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بما أمر به. وَاسْتَغْنى بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى بإنكار مدلولها.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى للخلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار.
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ١١ الى ١٣]
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣)
وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ نفي أو استفهام إنكار. إِذا تَرَدَّى هلك تفعل من الردى، أو تردى في حفرة القبر أو قعر جهنم.
إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى للإرشاد إلى الحق بموجب قضائنا أو بمقتضى حكمتنا، أو إِنَّ عَلَيْنا طريقة الهدى كقوله : وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ.
وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى فنعطي في الدارين ما نشاء لمن نشاء، أو ثواب الهداية للمهتدين، أو فلا يضرنا ترككم الاهتداء.
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ١٤ الى ١٨]
فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)
стр. 1236
فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى تتلهب.
لاَ يَصْلاها لا يلزمها مقاسياً شدتها. إِلَّا الْأَشْقَى إلا الكافر فإن الفاسق وإن دخلها لا يلزمها ولذلك سماه أشقى ووصفه بقوله:
الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى أي كذب الحق وأعرض عن الطاعة.
وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الذى اتقى الشرك والمعاصي فإنه لا يدخلها فضلاً عن أن يدخلها ويصلاها، ومفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها ولا يلزم ذلك صليها فلا يخالف الحصر السابق.
الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يصرفه في مصارف الخير لقوله: يَتَزَكَّى فإنه بدل من يُؤْتِي أو حال من فاعله.
[سورة الليل (٩٢) : الآيات ١٩ الى ٢١]
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)
وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى فيقصد بإيتائه مجازاتها.
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى استثناء منقطع أو متصل عن محذوف مثل لا يؤتى إلا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة.
وَلَسَوْفَ يَرْضى وعد بالثواب الذي يرضيه. والآيات نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين اشترى بلالاً في جماعة تولاهم المشركون فأعتقهم، ولذلك قيل: المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة والليل أعطاه الله حتى يرضى وعافاه من العسر ويسر له اليسر» .
стр. 1237
(٩٣) سورة والضحى
مكية، وآيها إحدى عشرة آية
[سورة الضحى (٩٣) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣)
وَالضُّحى ووقت ارتفاع الشمس وتخصيصه لأن النهار يقوى فيه، أو لأن فيه كلم موسى ربه وألقى السحرة سجداً، أو النهار ويؤيده قوله: أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى في مقابلة بَياتاً.
وَاللَّيْلِ إِذا سَجى سكن أهله أو ركد ظلامه من سجا البحر سجواً إذا سكنت أمواجه، وتقديم اللَّيْلِ في السورة المتقدمة باعتبار الأصل، وتقديم النهار ها هنا باعتبار الشرف.
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ما قطعك قطع المودع، وقرئ بالتخفيف بمعنى ما تركك وهو جواب القسم. وَما قَلى وما أبغضك، وحذف المفعول استغناء بذكره من قبل ومراعاة للفواصل. روي أن الوحي تأخر عنه أياماً لتركه الاستثناء كما مر في سورة «الكهف» ، أو لزجره سائلاً ملحاً، أو لأن جرواً ميتاً كان تحت سريره أو لغيره فقال المشركون: إن محمداً ودعه ربه وقلاه فنزلت ردا عليهم.
[سورة الضحى (٩٣) : الآيات ٤ الى ٥]
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥)
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى فإنها باقية خالصة عن الشوائب وهذه فانية مشوبة بالمضار، كأنه لما بين أنه لا يزال يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا وعد له ما هو أعلى وأجل من ذلك في الآخرة، أو لنهاية أمرك خير من بدايته، فإنه ﷺ لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال.
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس وظهور الأمر وإعلاء الدين، ولما ادخر له مما لا يعرف كنهه سواه، واللام للابتلاء دخل الخبر بعد حذف المبتدأ والتقدير: ولأنت سوف يعطيك لا للقسم فإنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة، وجمعها مع سوف للدلالة على أن الإِعطاء كائن لا محالة وإن تأخر لحكمة.
[سورة الضحى (٩٣) : الآيات ٦ الى ٨]
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى (٨)
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى تعديد لما أنعم عليه تنبيهاً على أنه كما أحسن إليه فيما مضى يحسن إليه فيما يستقبل وإن تأخر. ويَجِدْكَ من الوجود بمعنى العلم ويَتِيماً مفعوله الثاني أو المصادفة ويَتِيماً حال.
وَوَجَدَكَ ضَالًّا عن علم الحكم والأحكام. فَهَدى فعلمك بالوحي والإِلهام والتوفيق للنظر. وقيل وجدك ضالاً في الطريق حين خرج بك أبو طالب إلى الشام أو حين فطمتك حليمة وجاءت بك لتردك إلى جدك، فأزال ضلالك عن عمك أو جدك.
وَوَجَدَكَ عائِلًا فقيراً ذا عيال. فَأَغْنى بما حصل لك من ربح التجارة.
стр. 1238
[سورة الضحى (٩٣) : الآيات ٩ الى ١١]
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ فلا تغلبه على ماله لضعفه، وقرئ «فلا تكهر» أي فلا تعبس في وجهه.
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ فلا تزجره.
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ فإن التحدث بها شكرها، وقيل المراد بالنعمة النبوة والتحديث بها تبليغها.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة والضحى جعله الله فيمن يرضى لمحمد ﷺ أن يشفع له وعشر حسنات، يكتبها الله له بعدد كل يتيم وسائل» .
стр. 1239
(٩٤) سورة ألم نشرح
مكية، وآيها ثمان آيات
[سورة الشرح (٩٤) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق فكان غائباً حاضراً، أو ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل، أو بما يسرنا لك تلقي الوحي بعد ما كان يشق عليك، وقيل إنه إشارة إلى ما
روي «أن جبريل ﵊ أتى رسول الله ﷺ في صباه أو يوم الميثاق، فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيماناً وعلماً» .
ولعله إشارة إلى نحو ما سبق ومعنى الاستفهام إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته ولذلك عطف عليه.
وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ عبأك الثقيل.
الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ الذي حمله على النقيض وهو صوت الرحل عند الانتقاض من ثقل الحمل وهو ما ثقل عليه من فرطاته قبل البعثة، أو جهله بالحكم والأحكام أو حيرته، أو تلقي الوحي أو ما كان يرى من ضلال قومه من العجز عن إرشادهم، أو من إصرارهم وتعديهم في إيذائه حين دعاهم إلى الإيمان.
[سورة الشرح (٩٤) : الآيات ٤ الى ٦]
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (٦)
وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ بالنبوة وغيرها، وأي رفع مثل أن قرن اسمه باسمه تعالى في كلمتي الشهادة وجعل طاعته طاعته، وصلى عليه في ملائكته وأمر المؤمنين بالصلاة عليه وخاطبه بالألقاب، وإنما زاد لَكَ ليكون إبهاماً قبل إيضاح فيفيد المبالغة.
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ كضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم. يُسْراً كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يغمك، وتنكيره للتعظيم والمعنى بما في «إن مع» من المصاحبة المبالغة في معاقبة اليسر للعسر، واتصاله به اتصال المتقاربين.
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً تكرير للتأكيد أو استئناف وعده بأن الْعُسْرِ متبوع بيسر آخر كثواب الآخرة كقولك: إن للصائم فرحة، إن للصائم فرحة أي فرحة عند الإِفطار وفرحة عند لقاء الرب. وعليه
قوله ﵊ «لن يغلب عسر يسرين»
فإن العسر معرف فلا يتعدد سواء كان للعهد أو للجنس، واليسر منكر فيحتمل أن يراد بالثاني فرد يغاير ما أريد بالأول.
[سورة الشرح (٩٤) : الآيات ٧ الى ٨]
فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)
فَإِذا فَرَغْتَ من التبيلغ. فَانْصَبْ فاتعب في العبادة شكراً لما عددنا عليك من النعم السالفة
стр. 1240
ووعدناك من النعم الآتية. وقيل إذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة، أو فَإِذا فَرَغْتَ من الصلاة فانصب بالدعاء.
وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ بالسؤال ولا تسأل غيره فإنه القادر وحده على إسعافك، وقرئ «فَرَغِّبْ» أي فرغب الناس إلى طلب ثوابه.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» .
стр. 1241
(٩٥) سورة والتين
مختلف فيها، وآيها ثمان آيات
[سورة التين (٩٥) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)
وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ خصهما من الثمار بالقسم لأن التين فاكهة طيبة لا فضل له وغذاء لطيف سريع الهضم، ودواء كثير النفع فإنه يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر الكليتين، ويزيل رمل المثانة ويفتح سدد الكبد والطحال، ويسمن البدن
وفي الحديث أنه يقطع البواسير وينفع من النقرس.
والزيتون فاكهة وإدام ودواء وله دهن لطيف كثير المنافع، مع أنه قد ينبت حيث لا دهنية فيه كالجبال، وقيل المراد بهما جبلان من الأرض المقدسة أو مسجدا دمشق وبيت المقدس، أو البلدان.
وَطُورِ سِينِينَ يعني الجبل الذي ناجى عليه موسى ﵊ ربه وسِينِينَ وسَيْناءَ اسمان للموضع الذي هو فيه.
وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ أي الآمن من أمن الرجل أمانة فهو أمين، أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله والمراد به مكة.
[سورة التين (٩٥) : الآيات ٤ الى ٦]
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يريد به الجنس. فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ تعديل بأن خص بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات.
ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ بأن جعلناه من أهل النار أو إلى أسفل سافلين وهو النار. وقيل هو أرذل العمر فيكون قوله:
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ استثناء منقطعاً. فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ لا ينقطع أو لا يمن به عليهم، وهو على الأول حكم مرتب على الاستثناء مقرر له.
[سورة التين (٩٥) : الآيات ٧ الى ٨]
فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)
فَما يُكَذِّبُكَ أي فأي شيء يكذبك يا محمد دلالة أو نطقاً. بَعْدُ بِالدِّينِ بالجزاء بعد ظهور هذه الدلائل وقيل «ما» بمعنى من، وقيل الخطاب للإنسان على الالتفات، والمعنى فما الذي يحملك على هذا الكذب.
стр. 1242
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ تحقيق لما سبق. والمعنى أليس الذي فعل ذلك من الخلق والرد بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ صنعاً وتدبيراً ومن كان كذلك كان قادراً على الإِعادة والجزاء على ما مر مراراً.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة والتين أعطاه الله العافية واليقين ما دام حياً، فإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة» .
стр. 1243
(٩٦) سورة العلق
مكية، وآيها تسع عشرة آية
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي اقرأ القرآن مفتتحاً باسمه . أو مستعيناً به. الَّذِي خَلَقَ أي الذي له الخلق أو الذي خلق كل شيء، ثم أفرد ما هو أشرف وأظهر صنعاً وتدبيراً وأدل على وجوب العبادة المقصودة من القراءة فقال:
خَلَقَ الْإِنْسانَ أو الذي خَلَقَ الْإِنْسانَ فأبهم أولاً ثم فسر تفخيماً لخلقه ودلالة. على عجيب فطرته. مِنْ عَلَقٍ جمعه على الْإِنْسانَ في معنى الجمع ولما كان أول الواجبات معرفة الله نزل أولاً ما يدل على وجوده وفرط قدرته وكمال حكمته.
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ٣ الى ٥]
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)
اقْرَأْ تكرير للمبالغة، أو الأول مطلق والثاني للتبليغ أو في الصلاة ولعله لما قيل له: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فقال: ما أنا بقارئ، فقيل له اقرأ: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الزائد في الكرم على كل كريم فإنه ينعم بلا عوض ويحلم من غير تخوف، بل هو الكريم وحده على الحقيقة.
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ أي الخط بالقلم، وقد قرئ به لتقيد به العلوم ويعلم به البعيد.
عَلَّمَ الْإِنْسانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ بخلق القوى ونصب الدلائل وإنزال الآيات فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئاً، وقد عدد مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه إظهاراً لما أنعم عليه، من أن نقله من أخس المراتب إلى أعلاها تقريراً لربوبيته وتحقيقاً لأكرميته، وأشار أولاً إلى ما يدل على معرفته عقلاً ثم نبه على ما يدل عليها سمعا.
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ٦ الى ٨]
كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨)
كَلَّا ردع لمن كفر بنعمة الله بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه. إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى.
أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى أن رأى نفسه، واستغنى مفعوله الثاني لأنه بمعنى علم ولذلك جاز أن يكون فاعله ومفعوله ضميرين لواحد.
إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى
الخطاب للإنسان على الالتفات تهديداً وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والرُّجْعى
مصدر كالبشرى.
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ٩ الى ١٢]
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩) عَبْداً إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢)
أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى نزلت في أبي جهل قال لو رأيت محمداً ساجداً لوطئت عنقه،
стр. 1244
فجاءه ثم نكص على عقبيه فقيل له مالك، فقال إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة. فنزلت ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال عبودية المنهي.
أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى أرأيت تكرير للأول وكذا الذي في قوله:
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ١٣ الى ١٤]
أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤)
أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى والشرطية مفعوله الثاني وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب الشرط الثاني الواقع موقع القسيم له. والمعنى أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى عنه، أو آمراً بِالتَّقْوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقده، أو إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الصواب كما تقول، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ويطلع على أحواله من هداه وضلاله. وقيل المعنى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً يصلي والمنهي على الهدى آمراً بالتقوى، والناهي مكذب متولٍ فما أعجب من ذا. وقيل الخطاب في الثانية مع الكافر فإنه كالحاكم الذي حضره الخصمان يخاطب هذا مرة والآخر أخرى، وكأنه قال يا كافر أخبرني إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الله أمراً بالتقوى أتنهاه، ولعله ذكر الأمر بالتقوى في التعجب والتوبيخ ولم يتعرض له في النهي لأن النهي كان عن الصلاة والأمر بالتقوى، فاقتصر على ذكر الصلاة لأنه دعوة بالفعل أو لأن نهي العبد إذا صلى يحتمل أن يكون لها ولغيرها، وعامة أحوالها محصورة في تكميل نفسه بالعبادة وغيره بالدعوة.
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ١٥ الى ١٦]
كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦)
كَلَّا ردع للناهي. لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ عما هو فيه. لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار، والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة، وقرئ لنَسْفَعَنَّ بنون مشددة و «لأسفعن» ، وكتابته في المصحف بالألف على حكم الوقف والاكتفاء باللام عن الإِضافة للعلم بأن المراد ناصية المذكور.
ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ بدل من الناصية وإنما جاز لوصفها، وقرئت بالرفع على هي ناصية والنصب على الذم ووصفها بالكذب والخطأ، وهما لصاحبها على الإسناد المجازي للمبالغة.
[سورة العلق (٩٦) : الآيات ١٧ الى ١٩]
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ أي أهل ناديه ليعينوه وهو المجلس الذي ينتدي فيه القوم.
روي أنا أبا جهل لعنه الله مر برسول الله ﷺ وهو يصلي فقال: ألم أنهك، فاغلظ له رسول الله ﷺ فقال: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً فنزلت.
سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ليجروه إلى النار وهو في الأصل الشرط واحدها زبنية كعفرية من الزين وهو الدفع، أو زبني على النسب وأصلها زباني والتاء معوضة عن الياء.
كَلَّا ردع أيضاً للناهي. لاَ تُطِعْهُ أي أثبت أنت على طاعتك. وَاسْجُدْ داوم على سجودك.
وَاقْتَرِبْ وتقرب إلى ربك
وفي الحديث «أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد» .
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله» .
стр. 1245
(٩٧) سورة القدر
مختلف فيها، وآيها خمس آيات
[سورة القدر (٩٧) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ الضمير للقرآن فخمه بإضماره من غير ذكر شهادة له بالنباهة المغنية عن التصريح كما عظمه بأن أسند نزله إليه، وعظم الوقت الذي أنزل فيه بقوله:
وَما أَدْراكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ وإنزاله فيها بأن ابتدأ بإنزاله فيها، أو أنزله جملة من اللوح إلى السماء الدنيا على السفرة، ثم كان جبريل ﵊ ينزله على رسول الله ﷺ نجوماً في ثلاث وعشرين سنة. وقيل المعنى أَنْزَلْناهُ في فضلها وهي في أوتار العشر الأخير من رمضان، ولعلها السابعة منها. والداعي إلى إخفائها أن يُحيي من يريدها ليالي كثيرة، وتسميتها بذلك لشرفها أو لتقدير الأمور فيها لقوله : فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ وذكر الألف إما للتكثير، أو لما
روي أنه ﵊ ذكر إسرائيلياً يلبس السلاح في سبيل الله ألف شهر، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم، فأعطوا ليلة القدر هي خير من مدة ذلك الغازي.
[سورة القدر (٩٧) : الآيات ٤ الى ٥]
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بيان لما له فضّلت على ألف شهر وتنزلهم إلى الأرض، أو إلى السماء الدنيا أو تقربهم إلى المؤمنين. مِنْ كُلِّ أَمْرٍ من أجل كل أمر قدر في تلك السنة، وقرئ «من كل امرئ» أي من أجل كل إنسان.
سَلامٌ هِيَ ما هي إلا سلامة أي لا يقدر الله فيها إلا السلامة، ويقضي في غيرها السلامة والبلاء، أو ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون فيها على المؤمنين. حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أي وقت مطلعه أي طلوعه. وقرأ الكسائي بالكسر على أنه كالمرجع أو اسم زمان على غير قياس كالمشرق.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر» .
стр. 1246
(٩٨) سورة لم يكن
مختلف فيها، وآيها ثمان آيات
[سورة البينة (٩٨) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)
لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ اليهود والنصارى فإنهم كفروا بالإِلحاد في صفات الله ومِنْ للتبيين. وَالْمُشْرِكِينَ وعبدة الأصنام. مُنْفَكِّينَ عما كانوا عليه من دينهم، أو الوعد باتباع الحق إذا جاءهم الرسول ﷺ . حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ الرسول ﵊ أو القرآن، فإنه مبين للحق أو معجزة الرسول بأخلاقه والقرآن بإفحامه من تحدى به.
[سورة البينة (٩٨) : الآيات ٢ الى ٣]
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)
رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بدل من الْبَيِّنَةُ بنفسه أو بتقدير مضاف أو مبتدأ. يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً صفته أو خبره، والرسول ﵊ وإن كان أمياً لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها. وقيل المراد جبريل ﵊ وكون الصحف مُطَهَّرَةً أن الباطل لا يأتي ما فيها، أو أنها لا يمسها إلا المطهرون.
فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحق.
[سورة البينة (٩٨) : الآيات ٤ الى ٥]
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)
وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ عما كانوا عليه بأن آمن بعضهم أو تردد في دينه، أو عن وعدهم بالإِصرار على الكفر. إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ فيكون كقوله: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ وإفراد أهل الكتاب بعد الجمع بينهم وبين المشركين للدلالة على شناعة حالهم، وأنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى.
وَما أُمِرُوا أي في كتبهم بما فيها. إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لا يشركون به. حُنَفاءَ مائلين عن العقائد الزائغة. وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ ولكنهم حرفوا وعصوا. وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ دين الملة القيمة.
[سورة البينة (٩٨) : آية ٦]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أي يوم القيامة، أو في الحال لملابستهم ما يوجب ذلك، واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه فلعله يختلف
стр. 1247
لتفاوت كفرهما. أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ أي الخليقة. وقرأ نافع «البريئة» بالهمز على الأصل.
[سورة البينة (٩٨) : الآيات ٧ الى ٨]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً فيه مبالغات تقديم المدح، وذكر الجزاء المؤذن بأن ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به والحكم عليه بأنه من عِنْدَ رَبِّهِمْ، وجمع جَنَّاتُ وتقييدها إضافة ووصفاً بما تزداد لها نعيماً، وتأكيد الخلود بالتأبيد. ﵃ استئناف بما يكون لهم زيادة على جزائهم. وَرَضُوا عَنْهُ لأنه بلغهم أقصى أمانيهم. ذلِكَ أي المذكور من الجزاء والرضوان. لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ فإن الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقيلا» .
стр. 1248
(٩٩) سورة الزلزلة
مختلف فيها، وآيها ثمان آيات
[سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ مَا لَها (٣)
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها اضطرابها المقدر لها عند النفخة الأولى، أو الثانية أو الممكن لها أو اللائق بها في الحكمة، وقرئ بالفتح وهو اسم الحركة وليس في الأبنية فعلال إلا في المضاعف.
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها ما في جوفها من الدفائن أو الأموات جمع ثقل وهو متاع البيت.
وَقالَ الْإِنْسانُ مَا لَها لما يبهرهم من الأمر الفظيع، وقيل المراد ب الْإِنْسانُ الكافر فإن المؤمن يعلم ما لها.
[سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ٤ الى ٥]
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥)
يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ تحدث الخلق بلسان الحال. أَخْبارَها ما لأجله زلزالها وإخراجها. وقيل ينطقها الله فتخبر بما عمل عليها، ويَوْمَئِذٍ بدل من إِذا وناصبهما تُحَدِّثُ، أو أصل وإِذا منتصب بمضمر.
بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها أي تحدث بسبب إيحاء ربك لها بأن أحدث فيها ما دلت على الأخبار، أو أَنطقها بها ويجوز أن يكون بدلاً من إخبارها إذ يقال: حدثته كذا وبكذا، واللام بمعنى إلى أو على أصلها إذ لها في ذلك تشف من العصاة.
[سورة الزلزلة (٩٩) : الآيات ٦ الى ٨]
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ من مخارجهم من القبور إلى الموقف. أَشْتاتاً متفرقين بحسب مراتبهم.
لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ جزاء أعمالهم، وقرئ بفتح الياء.
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ تفصيل لِيُرَوْا ولذلك قرئ «يُرَهُ» بالضم، وقرأ هشام بإسكان الهاء ولعل حسنة الكافر وسيئة المجتنب عن الكبائر تؤثران في نقص الثواب والعقاب. وقيل الآية مشروطة بعدم الإحباط والمغفرة، أو من الأولى مخصوصة بالسعداء والثانية بالأشقياء لقوله أَشْتاتاً، وال ذَرَّةٍ النملة الصغيرة أو الهباء.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة إذا زلزلت الأرض أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله» .
стр. 1249
(١٠٠) سورة والعاديات
مختلف فيها، وآيها إحدى عشرة آية
[سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (٤)
فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (٥)
وَالْعادِياتِ ضَبْحاً أقسم سبحانه بخيل الغزاة تعدو فتضبح ضبحاً، وهو صوت أنفاسها عند العدو ونصبه بفعله المحذوف، أو ب الْعادِياتِ فإنها تدل بالالتزام على الضابحات، أو ضبحاً حال بمعنى ضابحة.
فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فالتي توري النار، والإِيراء إخراج النار يقال قدح الزند فأورى.
فَالْمُغِيراتِ يغير أهلها على العدو. صُبْحاً أي في وقته.
فَأَثَرْنَ فهيجن. بِهِ بذلك الوقت. نَقْعاً غباراً أو صياحاً.
فَوَسَطْنَ بِهِ فتوسطن بذلك الوقت أو بالعدو، أو بالنقع أي ملتبسات به. جَمْعاً من جموع الأعداء،
روي: أنه ﵊ بعث خيلاً فمضت أشهر لم يأته منهم خبر فنزلت.
ويحتمل أن يكون القسم بالنفوس العادية أثر كمالهنّ الموريات بأفكارهن أنوار المعارف، والمغيرات على الهوى والعادات إذا ظهر لهن مثل أنوار القدس، فَأَثَرْنَ بِهِ شوقاً فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً من جموع العليين.
[سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ٦ الى ٨]
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)
إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ لكفور من كَنَدِ النعمة كنوداً، أو لعاص بلغة كندة، أو لبخيل بلغة بني مالك وهو جواب القسم.
وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ وإن الإِنسان على كنوده لَشَهِيدٌ يشهد على نفسه لظهور أثره عليه، أو أن الله على كنوده لشهيد فيكون وعيداً.
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ المال من قوله : إِنْ تَرَكَ خَيْراً أي مالاً. لَشَدِيدٌ لبخيل أو لقوي مبالغ فيه.
[سورة العاديات (١٠٠) : الآيات ٩ الى ١١]
أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)
أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ بعث. مَا فِي الْقُبُورِ من الموتى وقرئ «بحثر» و «بحث» .
وَحُصِّلَ جمع محصلاً في الصحف أو ميز. مَا فِي الصُّدُورِ من خير أو شر، وتخصيصه لأنه الأصل.
إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ وهو يوم القيامة. لَخَبِيرٌ عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم عليه، وإنما قال
стр. 1250
مَا ثم قال بِهِمْ لاختلاف شأنهم في الحالين، وقرئ «أن» و «خبير» بلا لام.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة والعاديات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا» .
стр. 1251
(١٠١) سورة القارعة
مكية، وآيها ثمان آيات
[سورة القارعة (١٠١) : الآيات ١ الى ١١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)
وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)
الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ سبق بيانه في «الحاقة» .
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ في كثرتهم وذلتهم وانتشارهم واضطرابهم، وانتصاب يَوْمَ بمضمر دلت عليه الْقارِعَةُ.
وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ كالصوف ذي الألوان. الْمَنْفُوشِ المندوف لتفرق أجزائها وتطايرها في الجو.
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ بأن ترجحت مقادير أنواع حسناته.
فَهُوَ فِي عِيشَةٍ في عيش. راضِيَةٍ ذات رضا أو مرضية.
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ بأن لم يكن له حسنة يعبأ بها، أو ترجحت سيئاته على حسناته.
فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ فمأواه النار المحرقة والهاوية من أسمائها ولذلك قال:
وَما أَدْراكَ مَا هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ ذات حمى.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة» .
стр. 1252
(١٠٢) سورة التكاثر
مختلف فيها، وآيها ثمان آيات
[سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)
أَلْهاكُمُ شغلكم وأصله الصرف إلى اللهو منقول من لها إذا غفل. التَّكاثُرُ التباهي بالكثرة.
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات، عبر عن انتقالهم إلى ذكر الموتى بزيارة المقابر.
روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بالكثرة فكثرهم بنو عبد مناف، فقال بنو سهم إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم، وإنما حذف الملهى عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين للتعظيم والمبالغة.
وقيل معناه أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا عما هو أهم لكم، وهو السعي لأخراكم فتكون زيارة القبور عبارة عن الموت.
كَلَّا ردع وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همه ومعظم سعيه للدنيا فإن عاقبة ذلك وبال وحسرة. سَوْفَ تَعْلَمُونَ خطأ رأيكم إذا عاينتم ما وراءكم وهو إنذار ليخافوا وينتبهوا من غفلتهم.
[سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ٤ الى ٦]
ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ تكرير للتأكيد وفي ثُمَّ دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول، أو الأول عند الموت أو في القبر والثاني عند النشور.
كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ أي لو تعلمون ما بين أيديكم علم الأمر اليقين أي كعلمكم ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره، أو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه فحذف الجواب للتفخيم ولا يجوز أن يكون قوله:
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ جواباً له لأنه محقق الوقوع بل هو جواب قسم محذوف أكد به الوعيد وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيماً، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم التاء.
[سورة التكاثر (١٠٢) : الآيات ٧ الى ٨]
ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)
ثُمَّ لَتَرَوُنَّها تكرير للتأكيد، أو الأولى إذا رأيتهم من مكان بعيد والثانية إذا وردوها، أو المراد بالأولى المعرفة وبالثانية الإبصار. عَيْنَ الْيَقِينِ أي الرؤية التي هي نفس اليقين، فإن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين.
ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ الذي ألهاكم، والخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه والنَّعِيمِ بما يشغله للقرينة والنصوص الكثيرة كقوله: مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وقيل يعمان
стр. 1253
إذ كل يسأل عن شكره. وقيل الآية مخصوصة بالكفار.
عن النبي ﷺ «من قرأ أَلْهاكُمُ لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية» .
стр. 1254
(١٠٣) سورة والعصر
مكية، وآيها ثلاث آيات
[سورة العصر (١٠٣) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)
وَالْعَصْرِ أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها، أو بعصر النبوة أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب والتعريض بنفي ما يضاف إليه من الخسران.
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إن الناس لفي خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم، والتعريف للجنس والتنكير للتعظيم.
[سورة العصر (١٠٣) : آية ٣]
إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية. وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ الثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل. وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ عن المعاصي أو على الحق، أو ما يبلو الله به عباده. وهذا من عطف الخاص على العام للمبالغة إلا أن يخص العمل بما يكون مقصوراً على كماله، ولعله إنما ذكر سبب الربح دون الخسران اكتفاء ببيان المقصود، وإشعاراً بأن ما عدا ما عد يؤدي إلى خسر ونقص حظ، أو تكرماً فإن الإبهام في جانب الخسر كرم.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة وَالْعَصْرِ غفر الله له وكان ممن تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر» .
стр. 1255
(١٠٤) سورة الهمزة
مكية، وآيها تسع آيات
[سورة الهمزة (١٠٤) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالاً وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣)
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الهمزة الكسر كالهزم، واللمز الطعن كالهزم فشاعا في الكسر من أعراض الناس والطعن فيهم، وبناء فعله يدل على الاعتياد فلا يقال ضحكة ولعنة إلا للمكثر المتعود، وقرئ «همزة لمزة» بالسكون على بناء المفعول وهو المسخرة الذي يأتي بالأضاحيك فيضحك منه ويشتم. ونزولها في الأخنس بن شريق فإنه كان مغياباً، أو في الوليد بن المغيرة واغتيابه رسول الله ﷺ .
الَّذِي جَمَعَ مَالاً بدل من كل أو ذم منصوب أو مرفوع، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد للتكثير وَعَدَّدَهُ وجعله عدة للنوازل أو عدة مرة بعد أخرى، ويؤيده أنه قرئ «وَعَدَّدَهُ» على فك الإِدغام.
يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ تركه خالداً في الدنيا فأحبه كما يحب الخلود، أو حب المال أغفله عن الموت أو طول أمله حتى حسب أنه مخلد فعمل عمل من لا يظن الموت، وفيه تعريض بأن المخلد هو السعي للآخرة.
[سورة الهمزة (١٠٤) : الآيات ٤ الى ٧]
كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)
كَلَّا ردع له عن حسبانه. لَيُنْبَذَنَّ ليطرحن. فِي الْحُطَمَةِ في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يطرح فيها.
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ما النار التي لها هذه الخاصية.
نارُ اللَّهِ تفسير لها. الْمُوقَدَةُ التي أوقدها الله وما أوقده لا يقدر غيره أن يطفئه.
الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ تعلو أوساط القلوب وتشتمل عليها، وتخصيصها بالذكر لأن الفؤاد ألطف ما في البدن وأشده تألما، أو لأنه محل العقائد الزائفة ومنشأ الأعمال القبيحة.
[سورة الهمزة (١٠٤) : الآيات ٨ الى ٩]
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)
إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته، قال:
تحن إلى أجبال مكة ناقتي ... وَمَنْ دُونِهَا أبواب صنعاء مُوصَدَة
وقرأ حفص وأبو عمرو وحمزة بالهمزة.
стр. 1256
فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ أي موثقين في أعمدة ممدودة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص وقرأ الكوفيون غير حفص بضمتين، وقرئ «عُمْدٍ» بسكون الميم مع ضم العين.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد ﵊ وأصحابه»
رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 1257
(١٠٥) سورة الفيل
مكية، وهي خمس آيات
[سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢)
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ الخطاب للرسول ﷺ ، وهو وإن لم يشهد تلك الوقعة لكن شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها فكأنه رآها، وإنما قال كَيْفَ ولم يقل ما لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله تعالى وقدرته وعزة بيته وشرف رسوله ﵊ فإنها من الإِرهاصات. إذ
روي أنها وقعت في السنة التي ولد فيها رسول الله ﷺ .
قصتها أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي- بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس، وأراد أن يصرف الحاج إليها، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلاً فأغضبه ذلك، فحلف ليهدمن الكعبة فخرج بجيشه ومعه فيل قوي اسمه محمود، وفيلة أخرى فلما تهيأ للدخول وعبى جيشه قدم الفيل، وكان كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى اليمن أو إلى جهة أخرى هرول، فأرسل الله تعالى طيرا، كل واحد في منقاره حجر وفي رجليه حجران، أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة، فترميهم فيقع الحجر في رأس الرجل فيخرج من دبره فهلكوا جميعا. وقرئ «أَلَمْ تَرَ» جداً في إظهار أثر الجازم، وكيف نصب بفعل لا بتر لما فيه من معنى الاستفهام.
أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ في تعطيل الكعبة وتخريبها. فِي تَضْلِيلٍ في تضييع وإبطال بأن دمرهم وعظم شأنها.
[سورة الفيل (١٠٥) : الآيات ٣ الى ٥]
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)
وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ جماعات جمع إبالة وهي الحزمة الكبيرة، شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها. وقيل لا واحد لها كعباديد وشماطيط.
تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ وقرئ بالياء على تذكير الطير لأنه اسم جمع، أو إسناده إلى ضمير ربك. مِنْ سِجِّيلٍ من طين متحجر معرب سنك كل وقيل من السجل وهو الدلو الكبير، أو الاسجال وهو الارسال، أو من السجل ومعناه من جملة العذاب المكتوب المدون.
فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ كورق زرع وقع فيه الآكال وهو أن يأكله الدود أو أكل حبه فبقي صفرا منه، أو كتبن أكلته الدواب وراثته.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ» .
стр. 1258
(١٠٦) سورة قريش
مكية، وآيها أربع آيات
[سورة قريش (١٠٦) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢)
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ متعلق بقوله: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
والفاء لما في الكلام من معنى الشرط، إذ المعنى أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل:
إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ أي الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فيمتارون ويتجرون، أو بمحذوف مثل أعجبوا أو بما قبله كالتضمين في الشعر أي فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، ويؤيده أنهما في مصحف أُبيَّ سورة واحدة، وقرئ «ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء» ، وقريش ولد النضر بن كنانة منقول من تصغير قرش، وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن فلا تطاق إلا بالنار، فشبهوا بها لأنها تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى، وصغر الاسم للتعظيم وإطلاق الإِيلاف، ثم إبدال المقيد عنه للتفخيم. وقرأ ابن عامر «لئلاف» بغير ياء بعد الهمزة.
[سورة قريش (١٠٦) : الآيات ٣ الى ٤]
فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)
ْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ
الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ أي بالرحلتين والتنكير للتعظيم، وقيل المراد به شدة أكلوا فيها الجيف والعظام. وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أصحاب الفيل أو التخطف في بلدهم ومسايرهم، أو الجذام فلا يصيبهم ببلدهم.
عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها» .
стр. 1259
(١٠٧) سورة الماعون
مختلف فيها، وآيها سبع آيات
[سورة الماعون (١٠٧) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣)
أَرَأَيْتَ استفهام معناه التعجب، وقرئ «أريت» بلا همز إلحاقاً بالمضارع، ولعل تصديرها بحرف الاستفهام سهل أمرها و «أرأيتك» بزيادة الكاف. الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بالجزاء أو الإِسلام والذي يحتمل الجنس والعهد ويؤيد الثاني قوله:
فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ يدفعه دفعاً عنيفاً وهو أبو جهل كان وصياً ليتيم فجاءه عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه، أو أبو سفيان نحر جزوراً فسأله يتيم لحماً فقرعه بعصاه، أو الوليد بن المغيرة، أو منافق بخيل.
وقرئ «يَدع» أي يترك.
وَلا يَحُضُّ أهله وغيرهم. عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ لعدم اعتقاده بالجزاء ولذلك رتب الجملة على يُكَذِّبُ بالفاء.
[سورة الماعون (١٠٧) : الآيات ٤ الى ٧]
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)
فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ أي غافلون غير مبالين بها.
الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليهم.
وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ الزكاة أو ما يتعاور في العادة والفاء جزائية. والمعنى إذا كان عدم المبالاة باليتيم من ضعف الدين والموجب للذم والتوبيخ فالسهو عن الصلاة التي هي عماد الدين والرياء الذي هو شعبة من الكفر، ومنع الزكاة التي هي قنطرة الإِسلام أحق بذلك ولذلك رتب عليها الويل، أو للسببية على معنى فَوَيْلٌ لهم، وإنما وضع المصلين موضع الضمير للدلالة على سوء معاملتهم مع الخالق والخلق.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة أَرَأَيْتَ غفر له أن كان للزكاة مؤديا» .
стр. 1260
(١٠٨) سورة الكوثر
مكية، وآيها ثلاث آيات
[سورة الكوثر (١٠٨) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)
إِنَّا أَعْطَيْناكَ وقرئ «أنطيناك» . الْكَوْثَرَ الخير المفرط الكثرة من العلم والعمل وشرف الدارين.
وروي عنه ﵊ «أنه نهر في الجنة وعدنيه ربي فيه خير كثير أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد، حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة لا يظمأ من شرب منه»
، وقيل حوض فيها، وقيل أولاده وأتباعه، أو علماء أمته أو القرآن العظيم.
فَصَلِّ لِرَبِّكَ فَدُمْ على الصلاة خالصاً لوجه الله خلاف الساهي عنها المرائي فيها شكراً لإِنعامه، فإن الصلاة جامعة لأقسام الشكر. وَانْحَرْ البدن التي هي خيار أموال العرب وتصدق على المحاويج خلافاً لمن يدعهم ويمنع عنهم الماعون، فالسورة كالمقابلة للسورة المتقدمة وقد فسرت الصلاة بصلاة العيد والنحر بالتضحية.
إِنَّ شانِئَكَ إن من أبغضك لبغضه الله. هُوَ الْأَبْتَرُ الذي لا عقب له إذ لا يبقى له نسل ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر له في الجنة، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر العظيم» .
стр. 1261
(١٠٩) سورة الكافرون
مكية، وآيها ست آيات
[سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)
قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ يعني كفرة مخصوصين قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون.
روي أن رهطاً من قريش قالوا يا محمد تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فنزلت.
لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ أي فيما يستقبل فأن لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الاستقبال كما أن مَا لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال.
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ أي فيما يستقبل لأنه في قران لا أَعْبُدُ.
[سورة الكافرون (١٠٩) : الآيات ٤ الى ٦]
وَلا أَنا عابِدٌ مَّا عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)
وَلا أَنا عابِدٌ مَّا عَبَدْتُّمْ أي في الحال أو فيما سلف.
وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ مَا أَعْبُدُ أي وما عبدتم في وقت ما أنا عابده، ويجوز أن يكونا تأكيدين على طريقة أبلغ وإنما لم يقل ما عبدت ليطابق مَّا عَبَدْتُّمْ لأنهم كانوا موسومين قبل المبعث بعبادة الأصنام، وهو لم يكن حينئذ موسوماً بعبادة الله، وإنما قال مَا دون من لأن المراد الصفة كأنه قال: لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق أو للمطابقة. وقيل إنها مصدرية وقيل الأوليان بمعنى الذي والآخريان مصدريتان.
لَكُمْ دِينُكُمْ الذي أنتم عليه لا تتركونه. وَلِيَ دِينِ ديني الذي أنا عليه لا أرفضه، فليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليكون منسوخاً بآية القتال، اللهم إلا إذا فسر بالمتاركة وتقرير كل من الفريقين الآخر على دينه، وقد فسر ال دِينِ بالحساب والجزاء والدعاء والعبادة.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت عنه مردة الشياطين وبرىء من الشرك» .
стр. 1262
(١١٠) سورة النصر
مدينة، وآيها ثلاث آيات
[سورة النصر (١١٠) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢)
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ إظهاره إياك على أعدائك. وَالْفَتْحُ وفتح مكة، وقيل المراد جنس نصر الله المؤمنين وفتح مكة وسائر البلاد عليهم، وإنما عبر عن الحصول بالمجيء تجوزاً للإِشعار بأن المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها فتقرب منها شيئاً فشيئاً، وقد قرب النصر من وقته فكن مترقباً لوروده مستعداً لشكره.
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً جماعات كثيفة كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن وسائر قبائل العرب، ويَدْخُلُونَ حال على أن رَأَيْتَ بمعنى أبصرت أو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت.
[سورة النصر (١١٠) : آية ٣]
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال أحد حامداً له عليه، أو فصل له حامداً على نعمه. «
روي أنه ﷺ لما دخل مكة بدأ بالمسجد فدخل الكعبة وصلى ثمان ركعات
» أو فنزهه تعالى عما كانت الظلمة يقولون فيه حامداً له على أن صدق وعده، أو فأثن على الله بصفات الجلال حامداً له على صفات الإِكرام. وَاسْتَغْفِرْهُ هضماً لنفسك واستقصاراً لعملك واستدراكاً لما فرط منك من الالتفات إلى غيره.
وعنه ﵊ «إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة» .
وقيل استغفره لأمتك، وتقديم التسبيح على الحمد ثم الحمد على الاستغفار على طريق النزول من الخالق إلى الخلق. كما قيل ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله. إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً لمن استغفره مذ خلق المكلفين، والأكثر على
أن السورة نزلت قبل فتح مكة، وأنه نعي لرسول الله ﷺ لأنه لما قرأها بكى العباس، فقال ﵊ ما يبكيك، فقال: نعيت إليك نفسك، فقال «إنها لكما تقول»
، ولعل ذلك لدلالتها على تمام الدعوة وكمال أمر الدين فهي كقوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أو لأن الأمر باستغفار تنبيه على دنو الأجل، ولهذا سميت سورة التوديع.
وعنه ﵊ «من قرأ سورة إِذا جاءَ أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد ﵊ يوم فتح مكة شرفها الله تعالى» .
стр. 1263
(١١١) سورة تبت
مكية، وآيها خمس آيات
[سورة المسد (١١١) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)
تَبَّتْ هلكت أو خسرت والتباب خسران يؤدي إلى الهلاك. يَدا أَبِي لَهَبٍ نفسه كقوله: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وقيل إنما خصتا لأنه ﵊ لما نزل عليه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع أقاربه فأنذرهم فقال أبو لهب: تباً لك ألهذا دعوتنا، وأخذ حجراً ليرميه به فنزلت. وقيل المراد بهما دنياه وأخراه، وإنما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بكنيته ولأن اسمه عبد العزى فاستكره ذكره، ولأنه لما كان من أصحاب النار كانت الكنية أوفق بحاله، أو ليجانس قوله: ذاتَ لَهَبٍ وقرئ «أبو لهب» كما قيل علي بن أبو طالب. وَتَبَّ إخبار بعد دعاء والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه كقوله:
جَزَانِي جَزَاهُ الله شَرَّ جَزائِه ... جَزاءَ الكِلاَبِ العَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَل
ويدل عليه أنه قرئ «وقد تب» أو الأول إخبار عما كسبت يداه والثاني عن عمل نفسه.
[سورة المسد (١١١) : الآيات ٢ الى ٣]
مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى نَاراً ذاتَ لَهَبٍ (٣)
مَا أَغْنى عَنْهُ مالُهُ نفي لإِغناء المال عنه حين نزل به التباب أو استفهام إنكار له ومحلها النصب.
وَما كَسَبَ وكسبه أو مكسوبه بماله من النتائج والأرباح والوجاهة والإِتباع، أو عمله الذي ظن أنه ينفعه أو ولده عتبة، وقد افترسه أسد في طريق الشام وقد أحدق به العير ومات أبو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر بأيام معدودة، وترك ثلاثاً حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه، فهو إخبار عن الغيب طابقه وقوعه.
سَيَصْلى نَاراً ذاتَ لَهَبٍ اشتعال يريد نار جهنم، وليس فيه ما يدل على أنه لا يؤمن لجواز أن يكون صليها للفسق، وقرئ «سيصلى» بالضم مخففاً و «سيصلى» مشددا.
[سورة المسد (١١١) : الآيات ٤ الى ٥]
وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)
وَامْرَأَتُهُ عطف على المستتر في سَيَصْلى أو مبتدأ وهي أم جميل أخت أبي سفيان. حَمَّالَةَ الْحَطَبِ يعني حطب جهنم فإنها كانت تحمل الأوزار بمعاداة الرسول ﷺ وتحمل زوجها على إيذائه، أو النميمة فإنها كانت توقد نار الخصومة، أو حزمة الشوك أو الحسك، فإنها كانت تحملها فتنثرها بالليل في طريق رسول الله ﷺ ، وقرأ عاصم بالنصب على الشتم.
فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي مِمَّا مُسِّدَ أي فَتِلَ، ومنه رجل ممسود الخلق أي مجدوله، وهو ترشيح للمجاز أو تصوير لها بصورة الحطابة التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها تحقيراً لشأنها، أو بياناً لحالها في
стр. 1264
نار جهنم حيث يكون على ظهرها حزمة من حطب جهنم كالزقوم والضريع، وفي جيدها سلسلة من النار، والظرف في موضع الحال أو الخبر وحبل مرتفع به.
عن النبي ﷺ «من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة» .
стр. 1265
(١١٢) سورة الإخلاص
مختلف فيها، وآيها أربع آيات
[سورة الإخلاص (١١٢) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الضمير للشأن كقولك: هو زيد منطلق وارتفاعه بالإِبتداء وخبره الجملة ولا حاجة إلى العائد لأنها هي هو، أو لما سُئِلَ عنهُ أي الذي سألتموني عنه هو الله، إذ
روي أن قريشاً قالوا: يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلت.
واحد بدل أو خبر ثان يدل على مجامع صفات الجلال كما دل الله على جميع صفات الكمال إذ الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد، وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية وقرئ «هو الله» بلا قُلْ مع الاتفاق على أنه لا بد منه في قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ، ولا يجوز في «تبت» ، ولعل ذاك لأن سورة «الكافرون» مشاقة الرسول أو موادعته لهم و «تبت» معاتبة عمه فلا يناسب أن تكون منه، وأما هذا فتوحيد يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى.
اللَّهُ الصَّمَدُ السيد المصمود إليه في الحوائج من صمد إليه إذا قصد، وهو الموصوف به على الإِطلاق فإنه يستغني عن غيره مطلقاً، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته، وتعريفه لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته وتكرير لفظة الله للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية، وإخلاء الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى أو الدليل عليها.
[سورة الإخلاص (١١٢) : الآيات ٣ الى ٤]
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (٤)
لَمْ يَلِدْ لأنه لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه، ولعل الاقتصار على لفظ الماضي لوروده رداً على من قال الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله أو ليطابق قوله:
وَلَمْ يُولَدْ وذلك لأنه لا يفتقر إلى شيء ولا يسبقه عدم.
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ أي ولم يكن أحد يكافئه أو يماثله من صاحبة أو غيرها، وكان أصله أن يؤخر الظرف لأنه صلة كُفُواً لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى قدم تقديماً للأهم، ويجوز أن يكون خالا من المستكن في كُفُواً أو خبراً، ويكون كُفُواً حالاً من أَحَدٌ، ولعل ربط الجمل الثلاث بالعطف لأن المراد منها نفي أقسام الأمثال فهي كجملة واحدة منبهة عليها بالجمل، وقرأ حمزة ويعقوب ونافع في رواية كفؤا بالتخفيف، وحفص كُفُواً بالحركة وقلب الهمزة واواً، ولاشتمال هذه السورة مع قصرها على جميع المعارف الإلهية والرد على من ألحد فيها،
جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن.
فإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص ومن عدلها بكله اعتبر المقصود بالذات من ذلك.
وعنه ﷺ ، أنه سمع رجلاً يقرؤها فقال: «وجبت» قيل: يا رسول الله وما وجبت قال: «وجبت له الجنة» .
следующие страницы →