Полный текст (1 273 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
تَظْلِمْ مِنْهُ
ولم تنقص من أكلها. شَيْئاً يعهد في سائر البساتين فإن الثمار تتم في عام وتنقص في عام غالباً. وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً ليدوم شربهما فإنه الأصل ويزيد بهاؤهما، وعن يعقوب وَفَجَّرْنا بالتخفيف.
وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ أنواع من المال سوى الجنتين من ثمر ماله إذا كثره. وقرأ عاصم بفتح الثاء والميم، وأبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم والباقون بضمهما وكذلك في قوله وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ يراجعه في الكلام من حار إذا رجع. أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً حَشَماً وأعواناً. وقيل أولاداً ذكوراً لأنهم الذين ينفرون معه.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦)
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها، وإفراد الجنة لأن المراد ما هو جنته وما متع به من الدنيا تنبيهاً على أن لا جنة له غيرها ولا حظ له في الجنة التى وُعِدَ المتقون، أو لاتصال كل واحدة من جنتيه بالأخرى، أو لأن الدخول يكون في واحدة واحدة. وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ضار لها بعجبه وكفره قالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ أن تفنى. هذِهِ الجنة. أَبَداً لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بمهلته.
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً كائنة. وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي بالبعث كما زعمت. لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها من جنته، وقرأ الحجازيان والشامي «منهما» أي من الجنتين. مُنْقَلَباً مرجعاً وعاقبة لأنها فانية وتلك باقية، وإنما أقسم على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه لاستئهاله واستحقاقه إياه لذاته وهو معه أينما تلقاه.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٧ الى ٣٨]
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨)
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ لأنه أصل مادتك أو مادة أصلك. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ فإنها مادتك القريبة. ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ثم عدلك وكملك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال. جعل كفره بالبعث كفراً بالله تعالى لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى، ولذلك رتب الإِنكار على خلقه إياه من التراب فإن من قدر على بدء خلقه منه قدر أن يعيده منه.
لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً أصله لكن أنا فحذفت الهمزة بنقل الحركة أو دونه فتلاقت النونان فكان الإِدغام، وقرأ ابن عامر ويعقوب في رواية بالألف في الوصل لتعويضها من الهمزة أو لإِجراء الوصل مجرى الوقف، وقد قرئ «لكنا أنا» على الأصل وهو ضمير الشأن وهو بالجملة الواقعة خبراً له خبر «أنا» أو ضمير اللَّهُ واللَّهُ بدله وربي خبره والجملة خبر «أنا» والاستدراك من أكفرت كأنه قال: أنت كافر بالله لكني مؤمن به، وقد قرئ «لكن هو الله ربي ولكن أنا لا إله إلا هو ربي» .
[سورة الكهف (١٨) : آية ٣٩]
وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩)
وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ وهلا قلت عند دخولها. مَا شاءَ اللَّهُ الأمر ما شاء أو ما شاء كائن على أن ما موصولة، أو أي شيء شاء الله كان على أنها شرطية والجواب محذوف إقراراً بأنها وما فيها بمشيئة الله إن شاء أبقاها وإن شاء أبادها. لاَ قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وقلت لا قوة إلا بالله اعترافاً بالعجز على نفسك والقدرة لله، وإن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها فبمعونته وإقداره.
وعن النبي ﷺ «من رأى شيئاً فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره» .
إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً يحتمل أن يكون فصلاً وأن يكون
стр. 632
تأكيدا للمفعول الأول، وقرئ «أَقُلْ» بالرفع على أنه خبر أَنَا والجملة مفعول ثاني ل تَرَنِ، وفي قوله وَوَلَداً دليل لمن فسر النفر بالأولاد.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٠ الى ٤١]
فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١)
فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ في الدنيا أو في الآخرة لإِيماني وهو جواب الشرط. وَيُرْسِلَ عَلَيْها على جنتك لكفرك. حُسْباناً مِنَ السَّماءِ مرامي جمع حسبانة وهي الصواعق. وقيل هو مصدر بمعنى الحساب والمراد به التقدير بتخريبها أو عذاب حساب الأعمال السيئة. فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً أرضاً ملساء يزلق عليها باستئصال نباتها وأشجارها.
أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً أي غائراً في الأرض مصدر وصف به كالزلق. فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً للماء الغائر تردداً في رده.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٢ الى ٤٣]
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣)
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ وأهلك أمواله حسبما توقعه صاحبه وأنذره منه، وهو مأخوذ من أحاط به العدو فإنه إذا أحاط به غلبه وإذا غلبه أهلكه، ونظيره أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعلياً عليهم.
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ظهراً لبطن تلهفاً وتحسراً. عَلى مَا أَنْفَقَ فِيها في عمارتها وهو متعلق ب يُقَلِّبُ لأن تقليب الكفين كناية عن الندم فكأنه قيل: فأصبح يندم، أو حال أي متحسراً على ما أنفق فيها. وَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة. عَلى عُرُوشِها بأن سقطت عروشها على الأرض وسقطت الكروم فوقها عليها. وَيَقُولُ عطف على يُقَلِّبُ أو حال من ضميره. يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً كأنه تذكر موعظة أخيه وعلم أنه أتى من قبل شركه فتمنى لو لم يكن مشركاً فلم يهلك الله بستانَه، ويحتمل أن يكون توبة من الشرك وندماً على ما سبق منه.
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ وقرأ حمزة والكسائي بالياء لتقدمه. يَنْصُرُونَهُ يقدرون على نصره بدفع الإِهلاك أو رد المهلك أو الإِتيان بمثله. مِنْ دُونِ اللَّهِ فإِنه القادر على ذلك وحده. وَما كانَ مُنْتَصِراً وما كان ممتنعاً بقوته عن انتقام الله منه.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٤٤]
هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤)
هُنالِكَ في ذلك المقام وتلك الحال. الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ النصرة له وحدة لا يقدر عليها غيره تقديراً لقوله وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ أو ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة كما نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن ويعضده قوله: هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً أي لأوليائه. وقرأ حمزة والكسائي بالكسر ومعناها السلطان والملك أي هنالك السلطان له لا يغلب ولا يمنع منه، أو لا يعبد غيره كقوله تعالى فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فيكون تنبيهاً على أن قوله يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ كان عن اضطرار وجزع مما دهاه.
وقيل هُنالِكَ إشارة إلى الآخرة وقرأ أبو عمرو والكسائي الحق بالرفع صفة للولاية، وقرئ بالنصب على المصدر المؤكد، وقرأ عاصم وحمزة عُقْباً بالسكون، وقرئ «عقبى» وكلها بمعنى العاقبة.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٤٥]
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥)
стр. 633
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا واذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها أو صفتها الغريبة. كَماءٍ هي كماء ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً ل اضْرِبْ على أنه بمعنى صير. أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فالتفت بسببه وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه، أو نجع في النبات حتى روى ورف وعلى هذا كان حقه فاختلط بنبات الأرض لكنه لما كان كل من المختلطين موصوفاً بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته. فَأَصْبَحَ هَشِيماً مهشوماً مكسوراً. تَذْرُوهُ الرِّياحُ تفرقه، وقرئ «تذريه» من أذرى والمشبه به ليس الماء ولا حاله بل الكيفية المنتزعة من الجملة، وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر وارفاً ثم هشيماً تطيره الرياح فيصير كأن لم يكن. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الإِنشاء والإِفناء.
مُقْتَدِراً قادراً.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٤٦]
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦)
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا يتزين بها الإِنسان في دنياه وتفنى عنه عما قريب. وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ وأعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبد الآباد، ويندرج فيها ما فسرت به من الصلوات الخمس وأعمال الحج وصيام رمضان وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والكلام الطيب. خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ من المال والبنين. ثَواباً عائدة. وَخَيْرٌ أَمَلًا لأن صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يؤمل بها في الدنيا.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٤٧]
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧)
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ واذكر يوم نقلعها ونسيرها في الجو، أو نذهب بها فنجعلها هباء منبثاً. ويجوز عطفه على عِنْدَ رَبِّكَ أي الباقيات الصالحات خير عند الله ويوم القيامة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير بالتاء والبناء للمفعول وقرئ «تسير» من سارت. وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً بادية برزت من تحت الجبال ليس عليها ما يسترها، وقرئ «وترى» على بناء المفعول. وَحَشَرْناهُمْ وجمعناهم إلى الموقف، ومجيئه ماضياً بعد نُسَيِّرُ وَتَرَى لتحقق الحشر أو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير ليعاينوا ويشاهدوا ما وعد لهم، وعلى هذا تكون الواو للحال بإضمار قد. فَلَمْ نُغادِرْ فلم نترك. مِنْهُمْ أَحَداً يقال غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر لترك الوفاء والغدير لما غادره السيل، وقرئ بالياء.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٨ الى ٤٩]
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩)
عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ
شبه حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان لا ليعرفهم بل ليأمر فيهم.
ًّا
مصطفين لا يحجب أحد أحدا. قَدْ جِئْتُمُونا
على إضمار القول على وجه يكون حالاً أو عاملاً في يوم نسير. ما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
عراة لا شيء معكم من المال والولد كقوله وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى أو أحياء كخلقتكم الأولى لقوله: لْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً
وقتاً لإنجاز الوعد بالبعث والنشور وأن الأنبياء كذبوكم به، وبل للخروج من قصة إلى أخرى.
وَوُضِعَ الْكِتابُ صحائف الأعمال في الأيمان والشمائل أو في الميزان وقيل هو كناية عن وضع
стр. 634
الحساب. فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ خائفين. مِمَّا فِيهِ من الذنوب. وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ينادون هلكتهم التي هلكوها من بين الهلكات. مالِ هذَا الْكِتابِ تعجباً من شأنه. لاَ يُغادِرُ صَغِيرَةً هنة صغيرة. وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها إلا عددها وأحاط بها. وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حاضِراً مكتوباً في الصحف. وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً فيكتب عليه ما لم يفعل أو يزيد في عقابه الملائم لعمله.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٥٠]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠)
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كرره في مواضع لكونه مقدمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحال، وها هنا لما شنع على المفتخرين واستقبح صنيعهم قرر ذلك بأنه من سنن إبليس، أو لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها وكان سبب الاغترار بها حب الشهوات وتسويل الشيطان. زهدهم أولاً في زخارف الدنيا بأنها عرضة الزوال والأعمال الصالحة خير وأبقى من أنفسها وأعلاها، ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العداوة القديمة وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن. كانَ مِنَ الْجِنِّ حال بإضمار قد أو استئناف للتعليل كأنه قيل: ما له لم يسجد فقيل كَانَ مِنَ الجن. فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ فخرج عن أمره بترك السجود والفاء للسبب، وفيه دليل على أن الملك لا يعصى أَلبتة وإنما عصى إبليس لأنه كان جنياً في أصله والكلام المستقصى فيه في سورة «البقرة» . أَفَتَتَّخِذُونَهُ أعقيب ما وجد منه تتخذونه والهمزة للإِنكار والتعجب. وَذُرِّيَّتَهُ أولاده أو أتباعه، وسماهم ذرية مجازاً. أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي. وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا من الله تعالى، إبليس وذريته.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٥١]
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١)
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ. نفي إحضار إبليس وذريته خلق السموات والأرض وإحضار بعضهم خلق بعض ليدل على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً أي أعواناً رداً لاتخاذهم أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله شركاء له في العبادة، فإن استحقاق العبادة من توابع الخالقية والاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها، فوضع الْمُضِلِّينَ موضع الضمير ذماً لهم واستبعاداً للاعتضاد بهم. وقيل الضمير للمشركين والمعنى: ما أشهدتهم خلق ذلك وما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنوا تبعهم الناس كما يزعمون، فلا تلتفت إلى قولهم طمعاً في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلين لديني. ويعضده قراءة من قرأ وَما كُنْتُ على خطاب الرسول ﷺ ، وقرئ «مُتَّخِذاً المضلين» على الأصل و «عَضُداً» بالتخفيف و «عَضُداً» بالاتباع و «عَضُداً» كخدم جمع عاضد من عضده إذا قواه.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٥٢]
وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢)
وَيَوْمَ يَقُولُ أي الله تعالى للكافرين وقرأ حمزة بالنون. نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم شركائي وشفعاؤكم ليمنعوكم من عذابي، وإضافة الشركاء على زعمهم للتوبيخ والمراد ما عبد من دونه، وقيل إبليس وذريته. فَدَعَوْهُمْ فنادوهم للإِغاثة. فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ فلم يغيثوهم. وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ بين الكفار وآلهتهم. مَوْبِقاً مهلكاً يشتركون فيه وهو النار، أو عداوة هي في شدتها هلاك كقول عمر ﵁:
لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا. وموبقا اسم مكان أو مصدر من وبق يوبق وبقا إذا هلك. وقيل البين الوصل أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.
стр. 635
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً (٥٤)
وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا فأيقنوا. أَنَّهُمْ مُواقِعُوها مخالطوها واقعون فيها. وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً انصرافاً أو مكانًا ينصرفون إليه.
وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ من كل جنس يحتاجون إليه. وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ يتأتى منه الجدل. جَدَلًا خصومة بالباطل وانتصابه على التمييز.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٥٥]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلاً (٥٥)
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا من الإِيمان. إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وهو الرسول الداعي والقرآن المبين.
وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ ومن الاستغفار من الذنوب. إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ إلا طلب أو انتظار أو تقدير أن تأتيهم سنة الأولين، وهي الاستئصال فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ عذاب الآخرة. قُبُلًا عياناً. وقرأ الكوفيون قُبُلًا بضمتين وهو لغة فيه أو جمع قبيل بمعنى أنواع، وقرئ بفتحتين وهو أيضاً لغة يقال لقيته مقابلة وقبلاً وقبلاً وقبلياً، وانتصابه على الحال من الضمير أو الْعَذابُ.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٥٦]
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُواً (٥٦)
وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ للمؤمنين والكافرين. وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات، والسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها تعنتاً. لِيُدْحِضُوا بِهِ ليزيلوا بالجدال. الْحَقَّ عن مقره ويبطلوه، من إدحاض القدم وهو إزلاقها وذلك قولهم للرسل مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ونحو ذلك. وَاتَّخَذُوا آياتِي يعني القرآن. وَما أُنْذِرُوا وإنذارهم أو والذي أنذروا به من العقاب. هُزُواً استهزاء. وقرئ «هزأ» بالسكون وهو ما يستهزأ به على التقديرين.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً (٥٨)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ بالقرآن. فَأَعْرَضَ عَنْها فلم يتدبرها ولم يتذكر بها. وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ من الكفر والمعاصي ولم يتفكر في عاقبتهما. إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً تعليل لإِعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم. أَنْ يَفْقَهُوهُ كراهة أن يفقهوه، وتذكير الضمير وإفراده للمعنى. وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً يمنعهم أن يستمعوه حق استماعه. وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً تحقيقاً ولا تقليداً لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون وإذا كما عرفت جزاء وجواب للرسول ﷺ على تقدير قوله ما لي لا أدعوهم، فإن حرصه ﷺ على إسلامهم يدل عليه.
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ البليغ المغفرة. ذُو الرَّحْمَةِ الموصوف بالرحمة. لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ استشهاد على ذلك بإمهال قريش مع إفراطهم في عداوة رسول الله ﷺ . بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ وهو يوم
стр. 636
بدر أو يوم القيامة. لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا منجاً ولا ملجأ، يقال وأل إذا نجا ووأل إليه إذا لجأ إليه.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٥٩]
وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً (٥٩)
وَتِلْكَ الْقُرى يعني قرى عاد وثمود وأضرابهم، وَتِلْكَ مبتدأ خبره. أَهْلَكْناهُمْ أو مفعول مضمر مفسر به، والْقُرى صفته ولا بد من تقدير مضاف في أحدهما ليكون مرجع الضمائر. لَمَّا ظَلَمُوا كقريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي. وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً لإِهلاكهم وقتاً لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، فليعتبروا بهم ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم، وقرأ أبو بكر لِمَهْلِكِهِمْ بفتح الميم واللام أي لهلاكهم، وحفص بكسر اللام حملاً على ما شذ من مصادر يفعل كالمرجع والمحيض.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٦٠]
وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (٦٠)
وَإِذْ قالَ مُوسى مقدر باذكر. لِفَتاهُ يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليهم الصلاة والسلام فإنه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سماه فتاه وقيل لعبده. لا أَبْرَحُ أي لا أزال أسير فحذف الخبر لدلالة حاله وهو السفر وقوله: حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ من حيث إنها تستدعي ذا غاية عليه، ويجوز أن يكون أصله لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فانقلب الضمير والفعل وأن يكون لا أَبْرَحُ هو بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا يستدعي الخبر، ومَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وُعِدَ لقاء الخضر فيه. وقيل البحران موسى وخضر عليهما الصلاة والسلام فإن موسى كان بحر علم الظاهر والخضر كان بحر علم الباطن.
وقرئ «مِجْمَعَ» بكسر الميم على الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً أو أسير زماناً طويلاً، والمعنى حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضي الحقب أو حتى أبلغ إلا أن أمضي زماناً أتيقن معه فوات المجمع، والحقب الدهر وقيل ثمانون سنة وقيل سبعون.
روي: أن موسى ﵊ خطب الناس بعد هلاك القبط ودخوله مصر خطبة بليغة فأعجب بها فقيل له: هل تعلم أحداً أعلم منك فقال: لا، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبدنا الخضر وهو بمجمع البحرين، وكان الخضر في أيام افريدون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى.
وقيل إن موسى ﵇ سأل ربه أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني، قال فأي عبادك أقضى، قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى، قال فأي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى، فقال إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه، قال أعلم منك الخضر قال: أين أطلبه، قال على الساحل عند الصخرة، قال كيف لي به قال تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك، فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦١ الى ٦٢]
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً (٦٢)
فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما أي مجمع البحرين وبَيْنِهِما ظرف أضيف إليه على الاتساع أو بمعنى الوصل. نَسِيا حُوتَهُما نسي موسى ﵊ أن يطلبه ويتعرف حاله، ويوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر.
روي: إن موسى ﵇ رقد فاضطرب الحوت المشوي ووثب في البحر معجزة لموسى أو الخضر.
وقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء.
وقيل نسيا تفقد أمره وما يكون منه أمارة على الظفر بالمطلوب فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً فاتخذ الحوت
стр. 637
طريقه في البحر مسلكاً من قوله وَسارِبٌ بِالنَّهارِ. وقيل أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه، ونصبه على المفعول الثاني وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز تعلقه باتخذ.
فَلَمَّا جاوَزا مجمع البحرين. قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا ما نتغدى به. لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً قيل لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقي عليه الجوع والنصب. وقيل لم يعي موسى في سفر غيره ويؤيده التقييد باسم الإشارة.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٦٣]
قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (٦٣)
قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا أرأيت ما دهاني إذ أوينا. إِلَى الصَّخْرَةِ يعني الصخرة التي رقد عندها موسى.
وقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت. فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه. وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن أَنْ أَذْكُرَهُ بدل من الضمير، وقرئ «أن أذكركه» . وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضرى بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قل اهتمامه بها، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضماً لنفسه أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان. وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً سبيلاً عجباً وهو كونه كالسرب أو اتخاذ عجباً، والمفعول الثاني هو الظرف وقيل هو مصدر فعله المضمر أي قال في آخر كلامه، أو موسى في جوابه عجباً تعجباً من تلك الحال. وقيل الفعل لموسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٤ الى ٦٥]
قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً (٦٤) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً (٦٥)
قالَ ذلِكَ أي أمر الحوت. مَا كُنَّا نَبْغِ نطلب لأنه أمارة المطلوب. فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه. قَصَصاً يقصان قصصاً أي يتبعان آثارهما اتباعاً، أو مقتصين حتى أتيا الصخرة.
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا الجمهور على أنه الخضر ﵇ واسمه بليا بن ملكان، وقيل اليسع، وقيل إلياس. آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا هي الوحي والنبوة. وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً مما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٦٦]
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (٦٦)
قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ على شرط أن تعلمني، وهو في موضع الحال من الكاف.
مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً علماً ذا رشد وهو إصابة الخير، وقرأ البصريان بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل، وهو مفعول تُعَلِّمَنِ ومفعول عُلِّمْتَ العائد المحذوف وكلاهما منقولان من علم الذي له مفعول واحد، ويجوز أن يكون رشداً علة لأتبعك أو مصدراً بإضمار فعله، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطاً في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقاً، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعاً له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه.
стр. 638
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٧ الى ٦٨]
قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (٦٨)
قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها مما لا يصح ولا يستقيم وعلل ذلك واعتذر عنه بقوله.
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً أي وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك، وخبراً تمييز أو مصدر لأَن لم تحط به بمعنى لم تخبره.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٦٩ الى ٧٠]
قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (٦٩) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (٧٠)
قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً معك غير منكر عليك. وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً عطف على صابراً أي ستجدني صابراً وغير عاص، أو على ستجدني. وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن وخلفه ناسياً لا يقدح في عصمته أو لعلمه بصعوبة الْامر، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد فلا خلف، وفيه دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى.
قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني ولم تعلم وجه صحته. حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً حتى أبتدئك ببيانه، وقرأ نافع وابن عامر فَلا تَسْئَلْنِي بالنون الثقيلة.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧١ الى ٧٢]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٢)
فَانْطَلَقا على الساحل يطلبان السفينة، حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها أخذ الخضر فأساً فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها. قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها. وقرئ «لِتُغَرِّقْ» بالتشديد للتكثير. وقرأ حمزة والكسائي «ليغرق أهلها» على إسناده إلى الأهل. لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً أتيت أمراً عظيماً من أمر الأمر إذا عظم.
قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً تذكير لما ذكره قبل.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٧٣]
قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (٧٣)
قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ بالذي نسيته أو بشيء نسيته، يعني وصيته بأن لا يعترض عليه أو بنسياني إياها، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها. وقيل أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة. وقيل إنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه.
وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ولا تغشني عسراً من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي، فإن ذلك يعسر على متابعتك وعُسْراً مفعول ثان لترهق فانه يقال: رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه، وقرئ عُسْراً بضمتين.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٧٤]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً (٧٤)
فَانْطَلَقا أي بعد ما خرجا من السفينة. حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قيل فتل عنقه، وقيل ضرب برأسه الحائط، وقيل أضجعه فذبحه والفاء للدلالة على أنه كما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال ولذلك: قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ أي طاهرة من الذنوب، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ورويس عن يعقوب «زاكية» والأول أبلغ، وقال أبو عمرو الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم غفرت، ولعله اختار
стр. 639
الأول لذلك فإنها كانت صغيرة ولم تبلغ الحلم أو أنه لم يرها قد أذنبت ذنباً يقتضي قتلها، أو قتلت نفساً فتقاد بها، نبه به على أن القتل إنما يباح حداً أو قصاصاً وكلا الأمرين منتف، ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء، واعتراض موسى ﵊ مستأنفاً في الأولى وفي الثانية قتله من جملة الشرط واعتراضه جزاء، لأن القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل فكان جديراً بأن يجعل عمدة الكلام ولذلك فصله بقوله: لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً أي منكراً، وقرأ نافع في رواية قالون وورش وابن عامر ويعقوب وأبو بكر نُكْراً بضمتين.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٧٥ الى ٧٦]
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً (٧٦)
قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً زاد فيه لَكَ مكافحة بالعتاب على رفض الوصية، ووسماً بقلة الثبات والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير أول مرة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة.
قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي وإن سألت صحبتك، وعن يعقوب «فلا تصحبني» أي فلا تجعلني صاحبك. قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً قد وجدت عذراً من قبلي لما خالفتك ثلاث مرات.
وعن رسول الله ﷺ «رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب» .
وقرأ نافع مِنْ لَدُنِّي بتحريك النون والاكتفاء بها عن نون الدعامة كقوله: قِدْنِي مِنْ نَصْرِ الحَبِيبَينِ قُدى. وأبو بكر لَدُنِّي بتحريك النون وإسكان الضاد من عضد.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٧٧]
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (٧٧)
فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قَرْيَةٍ أنطاكية وقيل أبلة البصرة. وقيل باجروان أرمينية. اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما وقرئ يُضَيِّفُوهُما من أضافه يقال ضافه إذا نزل به ضيفاً وأضافه وضيفه أنزله، وأصل التركيب للميل يقال ضاف السهم عن الغرض إذا مال. فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ يداني أن يسقط فاستعيرت الإِرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم قال:
يُرِيدُ الرُّمْح صَدْرَ أَبِي بَرَاء ... وَيَعْدِلُ عَنْ دِمَاءِ بَني عَقِيلِ
وقال:
إِنَّ دَهْراً يَلُمُّ شَمْلي بجمل ... لزمانٌ يَهُمُّ بِالإِحْسَانِ
وانقض انفعل من قضضته إذا كسرته، ومنه انقضاض الطير والكواكب لهويه، أو أفعل من النقض.
وقرئ «أَن يَنقَض» و «أن ينقاص» بالصاد المهملة من انقاصت السن إذا انشقت طولاً. فَأَقامَهُ بعمارته أو بعمود عمده به، وقيل مسحه بيده فقام. وقيل نقضه وبناه. قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً تحريضاً على أخذ الجعل لينتعشا به، أو تعريضاً بأنه فضول لما في لَوْ من النفي كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه، واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند البصريين، وقرأ ابن كثير والبصريان «لتخذت» أي لأخذت وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الدال وأدغمه الباقون.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٧٨]
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٧٨)
قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ الإِشارة إلى الفراق الموعود بقوله فَلا تُصاحِبْنِي أو إلى الاعتراض
стр. 640
الثالث، أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته، وإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع، وقد قرئ على الأصل. سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً بالخبر الباطن فيما لم تستطع الصبر عليه لكونه منكراً من حيث الظاهر.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٧٩]
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (٧٩)
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ لمحاويج، وهو دليل على أن المسكين يطلق على من يملك شيئاً إذا لم يكفه. وقيل سموا مساكين لعجزهم عن دفع الملك أو لزمانتهم فإنها كانت لعشرة إخوة خمسة زمني وخمسة يعملون في البحر. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها أن أجعلها ذات عيب. وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ قدامهم أو خلفهم وكان رجوعهم عليه، واسمه جلندى بن كركر، وقيل منوار بن جلندي الأزدي. يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً من أصحابها. وكان حق النظم أن يتأخر قوله فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها عن قوله وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ لأن إرادة التعيب مسببة عن خوف الغصب وإنما قدم للعناية أو لأن السبب لما كان مجموع الأمرين خوف الغصب ومسكنة الملاك رتبه على أقوى الجزأين وأدعاهما وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم، وقرئ «كل سفينة صالحة» والمعنى عليها.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٠ الى ٨١]
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (٨١)
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما أن يغشيهما. طُغْياناً وَكُفْراً لنعمتهما بعقوقه فيلحقهما شراً، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره فيجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر، أو يعديهما بعلته فيرتدا بإضلاله، أو بممالأته على طغيانه وكفره حبّا له. وإنما خشي ذلك لأن الله تعالى أعلمه. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن نجدة الحروري كتب إليه كيف قتله وقد نهى النبي ﷺ عن قتل الولدان، فكتب إليه إن كنت علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل. وقرئ «فخاف ربك» أي فكره كراهة من خاف سوء عاقبته، ويجوز أن يكون قوله فَخَشِينا حكاية قول الله .
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ أن يرزقهما ولدا خيرا منه. زَكاةً طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة. وَأَقْرَبَ رُحْماً رحمة وعطفاً على والديه. قيل ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت له نبياً هدى الله به أمة من الأمم، وقرأ نافع وأبو عمرو يُبْدِلَهُما بالتشديد وابن عامر ويعقوب وعاصم رُحْماً بالتخفيف، وانتصابه على التمييز والعامل اسم التفضيل وكذلك زَكاةً.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٨٢]
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢)
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ قيل اسمهما أصرم وصريم، واسم المقتول جيسور.
وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما من ذهب وفضة، روي ذلك مرفوعاً والذم على كنزهما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لمن لا يؤدي زكاتهما وما تعلق بهما من الحقوق. وقيل من كتب العلم. وقيل كان لوح من ذهب مكتوب فيه: عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب،
стр. 641
وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله. وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً تنبيه على أن سعيه ذلك كان لصلاحه. قيل كان بينهما وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء وكان سياحاً واسمه كاشح. فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما أي الحلم وكمال الرأي. وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ مرحومين من ربك، ويجوز أن يكون علة أو مصدراً لأراد فإن إرادة الخير رحمة. وقيل متعلق بمحذوف تقديره فعلت ما فعلت رحمة من ربك، ولعل إسناد الإِرادة أولاً إلى نفسه لأنه المباشر للتعييب وثانياً إلى الله وإلى نفسه لأن التبديل بإهلاك الغلام وإيجاد الله بدله، وثالثاً إلى الله وحده لأنه لا مدخل له في بلوغ الغلامين. أو لأن الأول في نفسه شر، والثالث خير، والثاني ممتزج. أو لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسائط. وَما فَعَلْتُهُ وما فعلت ما رأيته. عَنْ أَمْرِي عن رأيي وإنما فعلته بأمر الله ، ومبني ذلك على أنه إذا تعارض ضرران يجب تحمل أهونهما لدفع أعظمهما، وهو أصل ممهد غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة. ذلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً أي ما لم تستطع فحذف التاء تخفيفاً.
ومن فوائد هذة القصة أن لا يعجب المرء بعلمه ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه، فلعل فيه سراً لا يعرفه، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمعلم، ويراعي الأدب في المقابل وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره ثم يهاجر عنه.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٨٣]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً (٨٣)
وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ يعني إسكندر الرومي ملك فارس والروم. وقيل المشرق والمغرب ولذلك سمي ذا القرنين، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها، وقيل لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس، وقيل كان له قرنان أي ضفيرتان، وقيل كان لتاجه قرنان. ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته كما يقال الكبش للشجاع كأنه ينطح أقرانه. واختلف في نبوته مع الاتفاق على إيمانه وصلاحه، والسائلون هم اليهود سألوه امتحاناً أو مشركو مكة. قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً خطاب للسائلين والهاء لذي القرنين. وقيل لله.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٨٤]
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (٨٤)
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أي مكنا له أمره من التصرف فيها كيف شاء فحذف المفعول. وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أراده وتوجه إليه. سَبَباً وصلة توصله إليه من العلم والقدرة والآلة.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٥ الى ٨٦]
فَأَتْبَعَ سَبَباً (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً (٨٦)
فَأَتْبَعَ سَبَباً أي فأراد بلوغ المغرب فاتبع سبباً يوصله إليه، وقرأ الكوفيون وابن عامر بقطع الألف مخففة التاء.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ذات حمأ من حمئت البئر إذا صارت ذات حمأة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر «حامية» أي حارة، ولا تنافي بينهما لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين أو «حمية» على أن ياءها مقلوبة عن الهمزة لكسر ما قبلها. ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال وَجَدَها تَغْرُبُ ولم يقل كانت تغرب. وقيل إن ابن عباس سمع معاوية يقرأ «حامية» فقال «حمئة» فبعث معاوية إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء وطين كذلك نجده في التوراة وَوَجَدَ عِنْدَها عند تلك العين. قَوْماً قيل كان لباسهم جلود
стр. 642
الوحش وطعامهم ما لفظه البحر، وكانوا كفاراً فخيره الله بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإِيمان كما حكى بقوله قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ أي بالقتل على كفرهم. وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً بالإِرشاد وتعليم الشرائع. وقيل خيره الله بين القتل والأسر وسماه إحساناً في مقابلة القتل ويؤيده الأول قوله:
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٧ الى ٨٨]
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً (٨٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً (٨٨)
قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً أي فاختار الدعوة وقال: أما من دعوته فظلم نفسه بالإِصرار على كفره أو استمر على ظلمه الذي هو الشرك فنعذبه أنا ومن معي في الدنيا بالقتل، ثم يعذبه الله في الآخرة عذاباً منكراً لم يعهد مثله.
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وهو ما يقتضيه الإِيمان. فَلَهُ في الدارين. جَزاءً الْحُسْنى فعلته الحسنى. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص جَزاءً منوناً منصوباً على الحال أي فله المثوبة الحسنى مجزياً بها، أو على المصدر لفعله المقدر حالاً أي يجزي بها جزاء أو التمييز، وقرئ منصوباً غير منون على أن تنوينه حذف لالتقاء الساكنين ومنوناً مرفوعاً على أنه المبتدأ والْحُسْنى بدله، ويجوز أن يكون أَمَّا وأَمَّا للتقسيم دون التخيير أي ليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإِحسان، فالأول لمن أصر على الكفر والثاني لمن تاب عنه، ونداء الله إياه إن كان نبياً فبوحي وإن كان غيره فبإلهام أو على لسان نبي. وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا بما نأمر به. يُسْراً سهلاً ميسراً غير شاق وتقديره ذا يسر، وقرئ بضمتين.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٨٩ الى ٩١]
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً (٩١)
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ثم أتبع طريقاً يوصله إلى المشرق.
حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ يعني الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولاً من معمورة الأرض، وقرئ بفتح اللام على إضمار مضاف أي مكان مطلع الشمس فإنه مصدر. وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً من اللباس أو البناء، فإن أرضهم لا تمسك الأبنية أو أنهم اتخذوا الأسراب بدل الأبنية.
كَذلِكَ أي أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان وبسطة الملك، أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار. ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد أو نَجْعَلْ أو صفة قوم أي على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم. وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ من الجنود والآلات والعدد والأسباب. خُبْراً علماً تعلق بظواهره وخفاياه، والمراد أن كثرة ذلك بلغت مبلغاً لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٢ الى ٩٣]
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً (٩٢) حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لاَّ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً (٩٣)
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً يعني طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب آخذاً من الجنوب إلى الشمال.
حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بين الجبلين المبني بينهما سده وهماً جبلا أرمينية وأذربيجان. وقيل جبلان منيفان في أواخر الشمال في منقطع أرض الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب بَيْنَ السَّدَّيْنِ بالضم وهما لغتان. وقيل المضموم لما خلقه الله تعالى والمفتوح لما عمله الناس لأنه في الأصل مصدر سمي به حدث يحدثه الناس. وقيل بالعكس وبين ها هنا مفعول به
стр. 643
وهو من الظروف المتصرفة. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لاَّ يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم. وقرأ حمزة والكساء «لا يفقهون» أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لتلعثمهم فيه.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٤ الى ٩٦]
قالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً (٩٦)
قالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ قال مترجمهم وفي مصحف ابن مسعود قال «الذين من دونهم» . إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قبيلتان من ولد يافث بن نوح، وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجبل. وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف. وقيل عربيان من أج الظليم إذا أسرع وأصلهما الهمز كما قرأ عاصم ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث. مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أي في أرضنا بالقتل والتخريب وإتلاف الزرع. قيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه، وقيل كانوا يأكلون الناس. فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً جعلا نخرجه من أموالنا. وقرأ حمزة والكسائي «خراجاً» وكلاهما واحد كالنول والنوال. وقيل الخراج على الأرض والذمة والخرج المصدر. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا يحجز دون خروجهم علينا وقد ضمه من ضم السَّدَّيْنِ غير حمزة والكسائي.
قالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ما جعلني فيه مكيناً من المال والملك خير مما تبذلون لي من الخراج ولا حاجة بي إليه. وقرأ ابن كثير «مكنني» على الأصل. فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي بقوة فعلة أو بما أتقوى به من الآلات. أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً حاجزاً حصيناً وهو أكبر من السد من قولهم ثوب مردم إذا كان رقاعا فوق رقاع.
آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ قطعه والزبرة القطعة الكبيرة، وهو لا ينافي رد الخراج والاقتصار على المعونة لأن الإِيتاء بمعنى المناولة، ويدل عليه قراءة أبي بكر رَدْمًا ائتونى بكسر التنوين موصولة الهمزة على معنى جيئوني بزبر الحديد، والباء محذوفة حذفها في أمرتك الخير ولأن إعطاء الآلة من الإِعانة بالقوة دون الخراج على العمل. حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ بين جانبي الجبلين بتنضيدها. وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريان بضمتين، وأبو بكر بضم الصاد وسكون الدال، وقرئ فتح الصاد وضم الدال وكلها لغات من الصدف وهو الميل لأن كلاً منهما منعزل عن الآخر ومنه التصادف للتقابل. قالَ انْفُخُوا أي قال للعملة انفخوا في الأكوار والحديد. حَتَّى إِذا جَعَلَهُ جعل المنفوخ فيه. نَارًا كالنار بالإِحماء. قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً أي آتوني قطراً أي نحاساً مذاباً أفرغ عليه قطراً، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه. وبه تمسك البصريون على أن إعمال الثاني من العاملين المتوجهين نحو معمول واحد أولى، إذ لو كان قطرا مفعول آتوني لأضمر مفعول أفرغ حذراً من الإِلباس. وقرأ حمزة وأبو بكر قال أتوني موصولة الألف.
[سورة الكهف (١٨) : آية ٩٧]
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً (٩٧)
فَمَا اسْطاعُوا بحذف التاء حذراً من تلاقي متقاربين. وقرأ حمزة بالإِدغام جامعاً بين الساكنين على غير حده. وقرئ بقلب السين صاداً. أَنْ يَظْهَرُوهُ أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وانملاسه. وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً لثخنه وصلابته. وقيل حفر للأساس حتى بلغ الماء، وجعله من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى ساوى أعلى الجبلين، ثم وضع المنافيخ حتى صارت كالنار فصب النحاس المذاب عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً. وقيل بناه من الصخور مرتبطاً بعضها ببعض بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها.
стр. 644
[سورة الكهف (١٨) : آية ٩٨]
قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)
قالَ هذا هذا السد أو الأقدار على تسويته. رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي على عباده. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج، أو بقيام الساعة بأن شارف يوم القيامة. جَعَلَهُ دَكًّا مدكوكاً مبسوطاً مسوى بالأرض، مصدر بمعنى مفعول ومنه جمل أدك لمنبسط السنام. وقرأ الكوفيون دكاء بالمد أي أرضاً مستوية. وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا كائناً لا محالة وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩٩ الى ١٠١]
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً (١٠١)
وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وجعلنا بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون مما وراء السد يموجون في بعض مزدحمين في البلاد، أو يموج بعض الخلق في بعض فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى ويؤيده قوله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ لقيام الساعة. فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً للحساب والجزاء.
وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً وأبرزناها وأظهرناها لهم.
الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتوحيد والتعظيم. وَكانُوا لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً استماعاً لذكري وكلامي لإِفراط صممهم عن الحق، فإن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء كأنهم أصمت مسامعهم بالكلية.
[سورة الكهف (١٨) : آية ١٠٢]
أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً (١٠٢)
أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أفظنوا والاستفهام للإِنكار. أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي اتخاذهم الملائكة والمسيح.
مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ معبودين نافعهم، أو لا أعذبهم به فحذف المفعول الثاني كما يحذف الخبر للقرينة، أوسد أن يتخذوا مسد مفعوليه وقرئ «أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ» أي أفكافيهم في النجاة، وإن بما في حيزها مرتفع بأنه فاعل حسب، فإن النعت إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل أو خبر له. إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا ما يقام للنزيل، وفيه تهكم وتنبيه على أن لهم وراءها من العذاب ما تستحقر دونه.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (١٠٤)
قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا نصب على التمييز وجمع لأنه من أسماء الفاعلين أو لتنوع أعمالهم.
الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ضاع وبطل لكفرهم وعجبهم كالرهابنة فإنهم خسروا دنياهم وأخراهم، ومحله الرفع على الخبر المحذوف فإنه جواب السؤال أو الجر على البدل أو النصب على الذم.
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً بعجبهم واعتقادهم أنهم على الحق.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً (١٠٦)
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ بالقرآن أو بدلائله المنصوبة على التوحيد والنبوة. وَلِقائِهِ بالبعث على ما هو عليه أو لقاء عذابه. فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ بكفرهم فلا يثابون عليها. فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
стр. 645
وَزْناً
فنزدري بهم ولا نجعل لهم مقداراً واعتباراً، أو لا نضع لهم ميزاناً يوزن به أعمالهم لانحباطها.
ذلِكَ أي الأمر ذلك وقوله: جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ جملة مبينة له ويجوز أن يكون ذلِكَ مبتدأ والجملة خبره والعائد محذوف أي جزاؤهم به، أو جزاؤهم بدله وجَهَنَّمُ خبره أو جَزاؤُهُمْ خبره وجَهَنَّمُ عطف بيان للخبر. بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً أي بسبب ذلك.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً (١٠٨)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا فيما سبق من حكم الله ووعده، والْفِرْدَوْسِ أعلى درجات الجنة، وأصله البستان الذي يجمع الكرم والنخل.
خالِدِينَ فِيها حال مقدرة. لاَ يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا تحولاً إذ لا يجدون أطيب منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود.
[سورة الكهف (١٨) : آية ١٠٩]
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً (١٠٩)
قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً ما يكتب به، وهو اسم ما يمد الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج.
لِكَلِماتِ رَبِّي لكلمات علمه وحكمته. لَنَفِدَ الْبَحْرُ لنفد جنس البحر بأمره لأن كل جسم متناه. قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي فإنها غير متناهية لا تنفد كعلمه، وقرأ حمزة والكسائي بالياء. وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ بمثل البحر الموجود. مَدَداً زيادة ومعونة، لأن مجموع المتناهين متناه بل مجموع ما يدخل في الوجود من الأجسام لا يكون إلا متناهياً للدلائل القاطعة على تناهي الأبعاد، والمتناهي ينفد قبل أن ينفد غير المتناهي لا محالة.
وقرئ «ينفد» بالياء و «مَدَداً» بكسر الميم جمع مدة وهي ما يستمده الكاتب ومداداً. وسبب نزولها أن اليهود قالوا في كتابكم وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وتقرؤون وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.
[سورة الكهف (١٨) : آية ١١٠]
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (١١٠)
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لا أدعي الإِحاطة على كلماته. يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ وإنما تميزت عنكم بذلك. فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ يؤمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه. فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً يرتضيه الله. وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً بأن يرائيه أو يطلب منه أجراً.
روي أن جندب بن زهير قال لرسول الله ﷺ : إني لأعمل العمل لله فإذا أطلع عليه سرني فقال: «إن الله لا يقبل ما شورك فيه» . فنزلت تصديقاً له وعنه ﵊ «اتقوا الشرك الأصغر» قالوا وما الشرك الأصغر قال «الرياء» .
والآية جامعة لخلاصتي العلم والعمل وهما التوحيد والإِخلاص في الطاعة.
وعن النبي ﷺ «من قرأها عند مضجعه كان له نوراً في مضجعه يتلألأ إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم، فإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ» .
وعنه ﵊ «من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء» .
стр. 646
محتوى الجزء الثالث من تفسير البيضاوي
تفسير سورة الأعراف ٥
بيان أن الوزن في الآخرة هل هو لصحائف الأعمال أم للأشخاص؟ ٦
بيان غلط إبليس في دعواه الأفضلية على آدم ٧
بيان ما استدلّ به على أن الملائكة أفضل من الأنبياء والجواب عنه ٨
بيان معنى السرف المذموم ١١
بيان معنى إخراج الغل من صدور أهل الجنة ١٣
بيان الأعراف وأهلها ١٤
بيان الإبداع الذي تفرّد به الباري في مخلوقاته ١٥
بيان نسب نوح ﵇ ١٧
بيان نسب هود ﵇ ١٨
بيان ما فعل الله بعاد وما فعلوا ١٩
بيان نسب صالح ﵇ ٢٠
بيان ما فعلت ثمود وما فعل بهم ٢١
قوم لوط وعملهم ٢٢
بيان نسب مدين وشعيب ﵇ ٢٢
بيان حال عصا موسى حين ألقاها عند فرعون ٢٧
بيان ما أرسل على قوم فرعون من الآيات ٣٠
بيان الدليل على جواز رؤية الله تعالى ٣٣
بيان ما فعله السامري من صوغ العجل ٣٤
بيان أن بعثته ﷺ إلى كافة الثقلين ٣٧
بيان القرية التي أهلكت بسبب الصيد في السبت ٣٩
بيان ما عذب به أهل القرية من المسخ ٤٠
بيان أخذ الله الميثاق على بني آدم وما قيل في ذلك ٤١
بيان الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها وكيفية ضلاله ٤٢
بيان ما فعله إبليس مع حواء حين حملت والطعن في ذلك ٤٥
تفسير سورة الأنفال ٤٩
بيان السبب في غزوة بدر ٥١
بيان محاصرة بني قريظة ٥٦
стр. 647
بيان قسمة المغانم وما فيها من الخلاف ٦٠
بيان ما فعله إبليس مع قريش حين أرادوا غزوة بدر ٦٢
بيان ما فعله النبي مع عمه العباس حين دفعه الفداء في غزوة بدر ٦٧
تفسير سورة براءة ٧٠
بيان غزوة حنين وما أصاب المؤمنين فيها ٧٦
بيان الجزية ومن تؤخذ منه ٧٧
بيان التشديد على منع الزكاة ٧٩
بيان الغار الذي ذهب إليه ﷺ وما فعله المشركون ٨١
بيان الأصناف الذين تصرف إليهم الزكاة وذكر الخلاف في تعميمهم ٨٥
بيان الصدقات التي تصدق بها المؤمنون وعابهم عليها المنافقون ٩٠
بيان مسجد الضرار وما بني لأجله ٩٧
بيان الدليل على أن أخبار الآحاد حجة ١٠٢
تفسير سورة يونس ١٠٤
بيان جملة ما احتوى عليه القرآن ١٠٧
بيان الدليل على أن للعبد كسباً ١١٣
بيان أن الإنسان وإن عظم شأنه بعيد عن مظان الربوبية ١٢٢
بيان بعث يونس ﵇ إلى أهل نينوى وما فعلوه ١٢٤
تفسير سورة هود ١٢٧
بيان حكم التعليق بشرطين ١٣٣
بيان ما أبداه هود ﵇ من المعجزة ١٣٨
بيان أن حال أهل الموقف لا يخلو عن السعادة والشقاوة وربما اجتمع الأمران لواحد ١٤٨
تفسير سورة يوسف ﵇ ١٥٤
بيان جهة البئر الذي رمي به يوسف ﵇ ١٥٦
بيان ما كان عليه يوسف ﵇ من الحسن ١٦٢
بيان ما كان عليه يوسف ﵇ من معرفة اللغات ١٦٧
بيان ما كان عليه يوسف ﵇ من كرم الأخلاق ١٧٥
تفسير سورة الرعد ١٨٠
بيان ما فعله أربد وعامر بن الطفيل مع رسول الله ﷺ وما فعل بهما ١٨٣
بيان ما اقترحته قريش على النبي ﷺ من الآيات ١٨٨
تفسير سورة إبراهيم ﵇ ١٩٢
بيان حال هاجر أمّ إسماعيل ﵇ ٢٠١
تفسير سورة الحجر ٢٠٦
стр. 648
بيان قبول المواد للجمع والإحياء ٢٠٩
بيان ما ورد في فضل من أوتي القرآن ٢١٧
تفسير سورة النحل ٢١٩
بيان ما يعتري الحبة عند بذرها مما يدل على عجيب صنع الحكيم جل شأنه ٢٢١
بيان حال الغذاء بعد استقراره في الجوف إلى أن يكون دما ولبنا ٢٣١
بيان ما فعلته قريش من التعذيب لعمار وأبويه ٢٤١
بيان حصر المحرمات في أجناس أربعة وما ضم إليها ٢٤٣
تفسير سورة بني إسرائيل (الإسراء) ٢٤٧
بيان ما فعله بختنصر ببني إسرائيل ٢٤٧
بيان حجة من منع التقليد والرد عليه ٢٥٥
بيان حجة من قال: إن الإسراء كان مناما والردّ عليه ٢٥٨
بيان ما قالته ثقيف للنبي ﷺ وأباه ٢٦٢
بيان أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة ٢٦٤
تفسير سورة الكهف ٢٧٢
بيان من دخلوا غارا فسد عليهم وخلصوا بتوسلهم بأعمالهم الصالحة ٢٧٣
بيان ما طلبته صناديد قريش من إبعاد فقراء المهاجرين عن مجلس النبي ﷺ ٢٧٩
بيان حال الأخوين اللذين مات والدهما وافترق حالهما في اليسار والفقر ٢٨٠
بيان الذي دعا موسى ﵇ إلى سؤاله الاجتماع بالخضر ٢٨٦
تم بحمد الله وحسن توفيقه طبع الجزء الثالث من تفسير البيضاوي في مطابع دار إحياء التراث العربي- بيروت الزاهرة أدامها الله لطبع المزيد من الكتب النافعة ويليه الجزء الرابع وأوله سورة مريم ولله الحمد والمنة
стр. 649
[الجزء الرابع]
(١٩) سورة مريم
مكية إلا آية السجدة وهي ثمان أو تسع وتسعون آية
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)
كهيعص أمال أبو عمرو الهاء لأن ألفات أسماء التهجي ياءات وابن عامر وحمزة الياء، والكسائي وأبو بكر كليهما، ونافع بين بين ونافع وابن كثير وعاصم يظهرون دال الهجاء عند الذال، والباقون يدغمونها.
ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ خبر ما قبله إن أول السورة أو بالقرآن، فإنه مشتمل عليه أو خبر محذوف أي:
هذا المتلو ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ، أو مبتدأ حذف خبره أي فيما يتلى عليك ذكرها، وقرئ «ذِكْرُ رَحْمَةِ» على الماضي و «ذكر» على الأمر. عَبْدَهُ مفعول الرحمة أو الذكر على أن الرحمة فاعله على الاتساع كقولك:
ذكرني جود زيد. زَكَرِيَّا بدل منه أو عطف بيان له.
[سورة مريم (١٩) : آية ٣]
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣)
إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا لأن الإِخفاء والجهر عند الله سيان، والإِخفاء أشد إخباتاً وأكثر إخلاصاً أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبر، أو لئلا يطلع عليه مواليه الذين خافهم، أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته. واختلف في سنه حينئذ فقيل ستون، وقيل سبعون، وقيل خمس وسبعون، وقيل خمس وثمانون، وقيل تسع وتسعون.
[سورة مريم (١٩) : آية ٤]
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)
قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي تفسير للنداء والوهن الضعف، وتخصيص العظم لأنه دعامة البدن وأصل بنائه ولأنه أصلب ما فيه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن وتوحيده لأن المراد به الجنس، وقرئ «وهن» و «وهن» بالضم والكسر ونظيره كمل بالحركات الثلاث. وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً شبه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار وانتشاره وفشوه في الشعر باشتعالها، ثم أخرجه مخرج الاستعارة وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة، وجعله مميزاً إيضاحاً للمقصود، واكتفى باللام على الإِضافة للدلالة على أن علم المخاطب بتعين المراد يغني عن التقيد. وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا بل كلما دعوتك استجبت لي وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة، وتنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتاداً فإجابته معتادة، وأنه تعالى عوده بالإِجابة وأطمعه فيها، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥ الى ٦]
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ يعني بني عمه وكانوا أشرار بني إسرائيل، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته
стр. 650
ويبدلوا عليهم دينهم. مِنْ وَرائِي بعد موتي، وعن ابن كثير بالمد والقصر بفتح الياء وهو متعلق بمحذوف، أو بمعنى الموالى أي خفت فعل الموالي من ورائي، أو الذين يلون الأمر من ورائي. وقرئ «خفت الوالي من ورائي» أي قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعدي، أو خفوا ودرجوا قدامي، فعلى هذا كان الظرف متعلقاً ب خِفْتُ. وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً لا تلد. فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ فإن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك، فإني وامرأتي لا نصلح للولادة. وَلِيًّا من صلبي.
يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ صفتان له وجزمهما أبو عمرو والكسائي على أنهما جواب الدعاء، والمراد وراثة الشرع والعلم فإن الأنبياء لا يورثون المال. وقيل يرثني الحبورة فإنه كان حبراً، ويرث من آل يعقوب الملك، وهو يعقوب بن إسحاق عليهما الصلاة والسلام. وقيل يعقوب كان أخا زكريا أو عمران بن ماثان من نسل سليمان ﵇. وقرئ «يرثني وارث آل يعقوب» على الحال من أحد الضميرين، و «أويرث» بالتصغير لصغره، و «وارث من آل يعقوب» على أنه فاعل يَرِثُنِي وهذا يسمى التجريد في علم البيان لأنه جرد عن المذكور أولاً مع أنه المراد. وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ترضاه قولا وعملا.
[سورة مريم (١٩) : آية ٧]
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى جواب لندائه ووعد بإجابة دعائه وإنما تولى تسميته تشريفاً له.
لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا لم يسم أحد بيحيى قبله، وهو شاهد بأن التسمية بالأسامي الغريبة تنويه للمسمى. وقيل سمياً شبيهاً كقوله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا لأن المتماثلين يتشاركان في الاسم، والأظهر أنه أعجمي وإن كان عربياً فمنقول عن فعل كيعيش ويعمر. وقيل سمي به لأنه حيي به رحم أمه، أو لأن دين الله حيي بدعوته.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨ الى ٩]
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً (٩)
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا جساوة وقحولاً في المفاصل، وأصله عتوو كقعود فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء، ثم قلبت الثانية وأدغمت وقرأ حمزة والكسائي وحفص عِتِيًّا بالكسر، وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافاً بأن المؤثر فيه كمال قدرته وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة ولذلك: قالَ أي الله تعالى أو الملك المبلغ للبشارة تصديقاً له. كَذلِكَ الأمر كذلك، ويجوز أن تكون الكاف منصوبة ب- قالَ في:
قالَ رَبُّكَ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره. هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ويؤيد الأول قراءة من قرأ وهُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ أي الأمر كما قلت، أو كما وعدت وهو على ذلك يهون علي، أو كما وعدت وهو على هين لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب، ومفعول قال الثاني محذوف. وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً بل كنت معدوماً صرفاً، وفيه دليل على أن المعدوم ليس بشيء، وقرأ حمزة والكسائي «وقد خلقناك» .
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٠ الى ١١]
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به. قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا سَوِيُّ الخَلْقِ ما بك من خرس ولا بكم، وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في «آل عمران» للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام ولياليهن.
стр. 651
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ من المصلى أو من الغرفة. فَأَوْحى إِلَيْهِمْ فأومأ إليهم لقوله إِلَّا رَمْزاً. وقيل كتب لهم على الأرض. أَنْ سَبِّحُوا صلوا أو نزهوا ربكم. بُكْرَةً وَعَشِيًّا طرفي النهار، ولعله كان مأموراً بأن يسبح ويأمر قومه بأن يوافقوه، وأَنْ تحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون مفسرة.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٢ الى ١٣]
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣)
يَا يَحْيى على تقدير القول. خُذِ الْكِتابَ التوراة. بِقُوَّةٍ بجد واستظهار بالتوفيق. وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا يعني الحكمة وفهم التوراة، وقيل النبوة أحكم الله عقله في صباه واستنبأه.
وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا ورحمة منا عليه أو رحمة وتعطفاً في قلبه على أبويه وغيرهما عطف على الحكم.
وَزَكاةً وطهارة من الذنوب أو صدقة أي تصدق الله به على أبويه، أو مكنه ووفقه للتصدق على الناس.
وَكانَ تَقِيًّا مطيعاً متجنباً عن المعاصي.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٤ الى ١٥]
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)
وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ
وباراً بهما. وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا
عاقاً أو عاصي ربه.
وَسَلامٌ عَلَيْهِ
من الله. يَوْمَ وُلِدَ
من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم. وَيَوْمَ يَمُوتُ
من عذاب القبر. وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا
من عذاب النار وهول القيامة.
[سورة مريم (١٩) : آية ١٦]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦)
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ
في القرآن. مَرْيَمَ
يعني قصتها. إِذِ انْتَبَذَتْ
اعتزلت، بدل من مَرْيَمَ
بدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها، أو بدل الكل لأن المراد ب مَرْيَمَ
قصتها وبالظرف الأمر الواقع فيه وهما واحد، أو ظرف لمضاف مقدر وقيل إِذِ
بمعنى أن المصدرية كقولك: أكرمتك إذ لم تكرمني فتكون بدلاً لا محالة. مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
شرقي بيت المقدس، أو شرقي دارها، ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة ومكاناً ظرف أو مفعول لأن انْتَبَذَتْ
متضمن معنى أتت.
[سورة مريم (١٩) : آية ١٧]
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا (١٧)
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
ستراً. فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
قيل قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها. وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت. فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل ﵇ متمثلاً بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه، ولعله لتهييج شهوتها به فتنحدر نطفتها إلى رحمها.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ١٨ الى ١٩]
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا (١٩)
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
من غاية عفافها. إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
تتقي الله وتحتفل بالاستعاذة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فإني عائذة منك، أو فتتعظ بتعويذي أو فلا تتعرض لي، ويجوز أن يكون للمبالغة أي إن كنت تقياً متورعاً فإني أتعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك.
стр. 652
قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
الذي استعذت به. لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً
أي لأكون سبباً في هبته بالنفخ في الدرع، ويجوز أن يكون حكاية لقول الله تعالى، ويؤيده قراءة أبي عمرو والأكثر عن نافع ويعقوب بالياء.
زَكِيًّا
طاهراً من الذنوب أو نامياً على الخير أي مترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٠ الى ٢١]
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا (٢١)
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يباشرني رجل بالحلال، فإن هذه الكنايات إنما تطلق فيه، أما الزنا فإنما يقال فيه خبث بها وفجر ونحو ذلك ويعضده عطف قوله: وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا عليه وهو فعول من البغي قلبت واوه ياء وأدغمت ثم كسرت الغين اتباعاً ولذلك لم تلحقه التاء، أو فعيل بمعنى فاعل ولم تلحقه التاء لأنه للمبالغة، أو للنسب كطالق.
قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ أي ونفعل ذلك لنجعله آية أو لنبين به قدرتنا ولنجعله، وقيل عطف على ليهب على طريقة الالتفات. آيَةً لِلنَّاسِ علامة لهم وبرهاناً على كمال قدرتنا. وَرَحْمَةً مِنَّا على العباد يهتدون بإرشاده. وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا أي تعلق به قضاء الله في الأزل، أو قدر وسطر في اللوح أو كان أمراً حقيقاً بأن يقضى ويفعل لكونه آية ورحمة.
[سورة مريم (١٩) : آية ٢٢]
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا (٢٢)
فَحَمَلَتْهُ بأن نفخ في درعها فدخلت النفخة في جوفها وكان مدة حملها سبعة أشهر، وقيل ستة، وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره، وقيل ساعة كما حملته نبذته وسنها ثلاث عشرة سنة، وقيل عشر سنين وقد حاضت حيضتين. فَانْتَبَذَتْ بِهِ فاعتزلت وهو في بطنها كقوله:
تَدُوسُ بِنَا الجَماجِم وَالتَرِيبَا والجار والمجرور في موضع الحال. مَكاناً قَصِيًّا بعيداً من أهلها وراء الجبل وقيل أقصى الدار.
[سورة مريم (١٩) : آية ٢٣]
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا (٢٣)
فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ فألجأها المخاض، وهو في الأصل منقول من جاء لكنه خص به في الاستعمال كآتى في أعطى وقرئ «المخاض» بالكسر وهما مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج.
إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة، وهو ما بين العرق والغصن وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة وكان الوقت شتاء، والتعريف إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثم غيرها وكانت كالمتعالم عند الناس، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليريها من آياته ما يسكن روعتها ويطعمها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها. قالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا استحياء من الناس ومخافة لومهم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر مِتُّ من مات يموت. وَكُنْتُ نَسْياً ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب ونظيره الذبح لما يذبح، وقرأ حمزة وحفص بالفتح وهو لغة فيه أو مصدر سمي به، وقرئ به وبالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته. مَنْسِيًّا منسي الذكر بحيث لا يخطر ببالهم وقرئ بكسر الميم على الاتباع.
[سورة مريم (١٩) : آية ٢٤]
فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)
فَناداها مِنْ تَحْتِها عيسى، وقيل جبريل كان يقبل الولد، وقيل تحتها أسفل من مكانها. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وروح مِنْ تَحْتِها بالكسر والجر على أن في نادى ضمير أحدهما، وقيل الضمير
стр. 653
في تحتها للنخلة. أَلَّا تَحْزَنِي أي لا تحزني أو بأن لا تحزني. قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا جدولاً. هكذا روي مرفوعا، وقيل سيدا من السرو وهو عيسى ﵊.
[سورة مريم (١٩) : آية ٢٥]
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥)
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ وأميليه إليك، والباء مزيدة للتأكيد أو افعلي الهز والأمالة به، أو هُزِّي الثمرة بهزه والهز تحريك بجذب ودفع. تُساقِطْ عَلَيْكِ تتساقط فأدغمت التاء الثانية في السين وحذفها حمزة، وقرأ يعقوب بالياء وحفص تُساقِطْ من ساقطت بمعنى أسقطت، وقرئ «تتساقط» و «تسقط» و «يسقط» فالتاء للنخلة والياء للجذع. رُطَباً جَنِيًّا تمييز أو مفعول.
روي أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر وكان الوقت شتاء، فهزتها فجعل الله تعالى لها رأساً وخوصاً ورطباً.
وتسليتها بذلك لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها فإن مثلها لا يتصور لمن يرتكب الفواحش، والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل، وأنه ليس ببدع من شأنها مع ما فيه من الشراب والطعام ولذلك رتب عليه الأمرين فقال:
[سورة مريم (١٩) : آية ٢٦]
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)
فَكُلِي وَاشْرَبِي أي من الرطب وماء السرى أو من الرطب وعصيره. وَقَرِّي عَيْناً وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنك، وقرئ «وقَرى» بالكسر وهو لغة نجد، واشتقاقه من القرار فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره، أو من القر فإن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولذلك يقال قرة العين للمحبوب وسخنتها للمكروه. فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فإن تري آدميا، وقرئ «ترئن» على لغة من يقول لبأت بالحج لتآخ بين الهمزة وحرف اللين. فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً صمتا وقد قرئ به، أو صياماً وكانوا لا يتكلمون في صيامهم. فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا بعد أن أخبرتكم بنذري وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي. وقيل أخبرتهم بنذرها بالإِشارة وأمرها بذلك لكراهة المجادلة والاكتفاء بكلام عيسى ﵊ فإنه قاطع في قطع الطاعن.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)
فَأَتَتْ بِهِ أي مع ولدها. قَوْمَها راجعة إليهم بعد ما طهرت من النفاس. تَحْمِلُهُ حاملة إياه.
قالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا أي بديعاً منكراً من فري الجلد.
يَآ أُخْتَ هارُونَ يعنون هارون النبي ﵊ وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة، وقيل كانت من نسله وكان بينهما ألف سنة. وقيل هو رجل صالح أو طالح كان في زمانهم شبهوها به تهكماً أو لما رأوا قبل من صلاحها أو شتموها به. مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا تقرير لأن ما جاءت به فري، وتنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ إلى عيسى ﵊ أي كلموه ليجيبكم. قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي
стр. 654
الْمَهْدِ صَبِيًّا
ولم نعهد صبياً في المهد كلمه عاقل، وكانَ زائدة والظرف صلة من، وصَبِيًّا حال من المستكن فيه أو تامة أو دائمة كقوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً أو بمعنى صار.
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ أنطقه الله تعالى به أولاً لأنه أول المقامات والرد على من يزعم ربوبيته. آتانِيَ الْكِتابَ الإِنجيل. وَجَعَلَنِي نَبِيًّا.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣١ الى ٣٣]
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً نفاعاً معلماً للخير، والتعبير بلفظ الماضي إما باعتبار ما سبق في قضائه، أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع وقيل أكمل الله عقله واستنبأه طفلا. أَيْنَ ما كُنْتُ حيث كنت. وَأَوْصانِي وأمرني.
بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ زكاة المال إن ملكته أو تطهير النفس عن الرذائل. مَا دُمْتُ حَيًّا.
وَبَرًّا بِوالِدَتِي وباراً بها عطف على مُبارَكاً، وقرئ بالكسر على أنه مصدر وصف به أو منصوب بفعل دل عليه أوصاني، أي وكلفني براً ويؤيده القراءة بالكسر والجر عطفاً على بِالصَّلاةِ. وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا عند الله من فرط تكبره.
وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا كما هو على يحيى والتعريف للعهد والأظهر أنه للجنس والتعريض باللعن على أعدائه، فإنه لما جعل جنس السلام على نفسه عرض بأن ضده عليهم كقوله تعالى: وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى.
[سورة مريم (١٩) : آية ٣٤]
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)
ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ أي الذي تقدم نعته هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى، وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعله موصوفاً بأضداد ما يصفونه ثم عكس الحكم.
قَوْلَ الْحَقِّ خبر محذوف أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه، والإِضافة للبيان والضمير للكلام السابق أو لتمام القصة. وقيل صفة عِيسَى أو بدل أو خبر ثان ومعناه كلمة الله. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قَوْلَ بالنصب على أنه مصدر مؤكد. وقرئ «قال الحق» وهو بمعنى القول. الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ في أمره يشكون أو يتنازعون، فقالت اليهود ساحر وقالت النصارى ابن الله وقرئ بالتاء على الخطاب.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)
مَا كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ تكذيب للنصارى وتنزيه لله تعالى عما بهتوه. إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ تبكيت لهم، فإن من إذا أراد شيئاً أوجده ب كُنْ كان منزهاً عن شبه الخلق إلى الحاجة في اتخاذ الولد بإحبال الإِناث، وقرأ ابن عامر فَيَكُونَ بالنصب على الجواب.
وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ سبق تفسيره في سورة «آل عمران» ، وقرأ الحجازيان والبصريان وَإِنَّ بالفتح على ولأن وقيل إنه معطوف على بِالصَّلاةِ.
[سورة مريم (١٩) : آية ٣٧]
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ اليهود والنصارى أو فرق النصارى: نسطورية قالوا إنه ابن الله،
стр. 655
ويعقوبية قالوا هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء، وملكانية قالوا هو عبد الله ونبيه. فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ من شهود يوم عظيم هوله وحسابه وجزاؤه، وهو يوم القيامة أو من وقت الشهود أو من مكانه فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وآرابهم وأرجلهم بالكفر والفسق، أو من وقت الشهادة أو من مكانها. وقيل هو ما شهدوا به في عيسى وأمه.
[سورة مريم (١٩) : آية ٣٨]
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨)
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ تعجب معناه أن استماعهم وأبصارهم. يَوْمَ يَأْتُونَنا أي يوم القيامة جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صماً عمياً في الدنيا، أو التهديد بما سيسمعون ويبصرون يومئذ. وقيل أمر بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه، والجار والمجرور على الأول في موضع الرفع وعلى الثاني في موضع النصب لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أوقع الظالمين موقع الضمير إشعاراً بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم، وسجل على إغفالهم بأنه ضلال بين.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٣٩ الى ٤٠]
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)
وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ يوم يتحسر الناس المسيء على إساءته والمحسن على قلة إحسانه. إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار، وإذ بدل من اليوم أو ظرف للحسرة. وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ حال متعلقة بقوله فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وما بينهما اعتراض، أو ب أَنْذِرْهُمْ أي أنذرهم غافلين غير مؤمنين، فتكون حالاً متضمنة للتعليل.
إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها لا يبقى غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك، أو نتوفى الأرض ومن عليها بالإِفناء والإِهلاك توفي الوارث لإِرثه. وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ يردون للجزاء.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢)
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً ملازماً للصدق، أو كثير التصديق لكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله. نَبِيًّا استنبأه الله.
إِذْ قالَ
بدل من إِبْراهِيمَ وما بينهما اعتراض، أو متعلق ب كانَ أو ب صِدِّيقاً نَبِيًّا. لِأَبِيهِ يا أَبَتِ
التاء معوضة من ياء الإِضافة ولذلك لا يقال يا أبتي ويقال يا أبتا، وإنما تذكر للاستعطاف ولذلك كررها. لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ
فيعرف حالك ويسمع ذكرك ويرى خضوعك. وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً
في جلب نفع أو دفع ضر، دعاه إلى الهدى وبين ضلاله واحتج عليه أبلغ احتجاج وأرشقه برفق وحسن أدب، حيث لم يصرح بضلاله بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل الصريح ويأبى الركون إليه، فضلاً عن عبادته التي هي غاية التعظيم، ولا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإِنعام العام وهو الخالق الرازق المحيي المميت المعاقب المثيب، ونبه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح، والشيء لو كان حياً مميزاً سميعاً بصيراً مقتدراً على النفع والضر ولكن كان ممكناً، لاستنكف العقل القويم من عبادته وإن كان أشرف الخلق كالملائكة والنبيين لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة، فكيف إذا كان جماداً لا يسمع ولا يبصر، ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق القويم والصراط المستقيم لما لم يكن محظوظاً من العلم الإِلهي مستقلاً بالنظر السوي فقال:
стр. 656
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤٣ الى ٤٤]
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤)
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ولم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق، ثم ثبطه عما كان عليه بأنه مع خلوه عن النفع مستلزم للضر، فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان من حيث إنه الآمر به فقال:
يا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ولما استهجن ذلك بين وجه الضر فيه بأن الشيطان مستعص على ربك المولي للنعم كلها بقوله: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص وكل عاص حقيق بأن تسترد منه النعم وينتقم منه، ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجر إليه فقال:
[سورة مريم (١٩) : آية ٤٥]
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا قريناً في اللعن والعذاب تليه ويليك، أو ثابتاً في موالاته فإنه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب. وذكر الخوف والمس وتنكير العذاب إما للمجاملة أو لخفاء العاقبة، ولعل اقتصاره على عصيان الشيطان من بين جناياته لإِرتقاء همته في الربانية، أو لأنه ملاكها أو لأنه من حيث إنه نتيجة معاداته لآدم وذريته منبه عليها.
[سورة مريم (١٩) : آية ٤٦]
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)
قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ قابل استعطافه ولطفه في الارشاد بالفظاظة وغلظة العناد فناداه باسمه ولم يقابل يَا أَبَتِ: بيا بني، وأخره وقدم الخبر على المبتدأ وصدره بالهمزة لإِنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجب، كأنها مما لا يرغب عنها عاقل ثم هدده فقال: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عن مقالك فيها أو الرغبة عنها. لَأَرْجُمَنَّكَ بلساني يعني الشتم والذم أو بالحجارة حتى تموت، أو تبعد مني. وَاهْجُرْنِي عطف على ما دل عليه لَأَرْجُمَنَّكَ أي فاحذرني واهجرني. مَلِيًّا زماناً طويلاً من الملاوة أو ملياً بالذهاب عني.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤٧ الى ٤٨]
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)
قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ توديع ومتاركة ومقابلة للسيئة بالحسنة، أي لا أصيبك بمكروه ولا أقول لك بعد ما يؤذيك ولكن: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي لعله يوفقك للتوبة والإِيمان، فإن حقيقة الاستغفار للكافر إستدعاء التوفيق لما يوجب مغفرته وقد مر تقريره في سورة التوبة إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا بليغاً في البر والإِلطاف.
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ بالمهاجرة بديني. وَأَدْعُوا رَبِّي وأعبده وحده. عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا خائباً ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتهم، وفي تصدير الكلام ب عَسى التواضع وهضم النفس، والتنبيه على أن الإِجابة والإِثابة تفضل غير واجبتين، وأن ملاك الأمر خاتمته وهو غيب.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٤٩ الى ٥٠]
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ بالهجرة إلى الشام. وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ بدل من فارقهم من الكفرة، قيل إنه لما قصد الشام أتى أولاً حران وتزوج بسارة وولدت له إسحاق وولد منه يعقوب، ولعل
стр. 657
تخصيصهما بالذكر لأنهما شجرتا الأنبياء أو لأنه أراد أن يذكر إسماعيل بفضله على الانفراد. وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا وكلا منهما أو منهم.
وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا النبوة والأموال والأولاد. وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا يفتخر بهم الناس ويثنون عليهم، استجابة لدعوته وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ والمراد باللسان ما يوجد به، ولسان العرب لغتهم وإضافته إلى الصدق وتوصيفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار وتحول الدول وتبدل الملل.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥١ الى ٥٣]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣)
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً موحداً أخلص عبادته عن الشرك والرياء، أو أسلم وجهه لله وأخلص نفسه عما سواه، وقرأ الكوفيون بالفتح على أن الله أخلصه. وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا أرسله الله إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذلك قدم رَسُولًا مع أنه أخلص وأعلى.
وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ من ناحيته اليمنى من اليمين، وهي التي تلي يمين موسى من جانبه الميمون من اليمن بأن تمثل له الكلام من تلك الجهة. وَقَرَّبْناهُ تقريب تشريف شبهه بمن قربه الملك لمناجاته. نَجِيًّا مناجياً حال من أحد الضميرين. وقيل مرتفعاً من النجوة وهو الارتفاع. لما
روي أنه رفع فوق السموات حتى سمع صرير القلم.
وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا من أجل رحمتنا أو بعض رحمتنا. أَخاهُ معاضدة أخيه وموازرته إجابة لدعوته وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي فإنه كان أسن من موسى، وهو مفعول أو بدل على تقدير أن تكون مِنْ للتبعيض. هارُونَ عطف بيان له. نَبِيًّا حال منه.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ ذكره بذلك لأنه المشهور به والموصوف بأشياء في هذا الباب لم تعهد من غيره، وناهيك أنه وعد الصبر على الذبح فقال: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فوفى. وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا يدل على أن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته.
وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ اشتغالاً بالأهم وهو أن يقبل الرجل على نفسه ومن هو أقرب الناس إليه بالتكميل، قال الله تعالى وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ. وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ، قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً. وقيل أهله أمته فإن الأنبياء آباء الأمم. وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا لاستقامة أقواله وأفعاله.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧)
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ وهو سبط شيث وجد أبي نوح ﵈، واسمه أخنوخ واشتقاق إدريس من الدرس يرده منع صرفه، نعم لا يبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريباً من ذلك فلقب به لكثرة درسه، إذ
روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب.
إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا.
стр. 658
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا يعني شرف النبوة والزلفى عند الله، وقيل الجنة، وقيل السماء السادسة أو الرابعة.
[سورة مريم (١٩) : آية ٥٨]
أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)
أُولئِكَ إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس ﵈. الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بأنواع النعم الدينية والدنيوية مِنَ النَّبِيِّينَ بيان للموصول. مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ بدل منه بإعادة الجار، ويجوز أن تكون مِنَ فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم أعم من الأنبياء وأخص من الذرية. وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ أي ومن ذرية من حملنا خصوصاً، وهم من عدا إدريس فإن إبراهيم كان من ذرية سام بن نوح. وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ الباقون. وَإِسْرائِيلَ عطف على إِبْراهِيمَ أي ومن ذرية إسرائيل، وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية. وَمِمَّنْ هَدَيْنا ومن جملة من هديناهم إلى الحق. وَاجْتَبَيْنا للنبوة والكرامة. إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا خبر ل أُولئِكَ إن جعلت الموصول صفته، واستئناف إن جعلته خبره لبيان خشيتهم من الله وإخباتهم له مع ما لهم من علو الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله تعالى.
وعن النبي ﵊ «اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكو فتباكوا» .
والبكي جمع باك كالسجود في جمع ساجد. وقرئ «يتلى» بالياء لأن التأنيث غير حقيقي، وقرأ حمزة والكسائي بُكِيًّا بكسر الباء.
[سورة مريم (١٩) : آية ٥٩]
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء يقال خلف صدق بالفتح، وخلف سوء بالسكون. أَضاعُوا الصَّلاةَ تركوها أو أخروها عن وقتها. وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ كشرب الخمر واستحلال نكاح الأخت من الأب والانهماك في المعاصي.
وعن علي ﵁ في قوله وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ: من بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور.
فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا شراً كقوله:
فَمَنْ يَلْقَ خَيْراً يَحْمِد النَاس أَمْرَه ... وَمَنْ يَغْو لاَ يعْدَمْ عَلَى الغَيِّ لاَئِماً
أو جزاء غي كقوله تعالى: يَلْقَ أَثاماً أو غياً عن طريق الجنة، وقيل هو واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٠ الى ٦١]
إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)
إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً يدل على أن الآية في الكفرة. فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب على البناء للمفعول من أدخل. وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ولا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم، ويجوز أن ينصب شَيْئاً على المصدر، وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم.
جَنَّاتِ عَدْنٍ بدل من الجنة بدل البعض لاشتمالها عليها، أو منصوب على المدح، وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وعدن لأنه المضاف إليه في العلم أو علم للعدن بمعنى الإِقامة كبرة ولذلك صح وصف ما أضيف إليه بقوله: الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ أي وعدها إياهم وهي غائبة عنهم، أو وهم غائبون عنها، أو وعدهم بإيمانهم بالغيب. إِنَّهُ إن الله. كانَ وَعْدُهُ الذي هو الجنة. مَأْتِيًّا يأتيها أهلها الموعود لهم لا محالة، وقيل هو من أتى إليه إحساناً أي مفعولاً منجزاً.
стр. 659
[سورة مريم (١٩) : آية ٦٢]
لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)
لاَّ يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً فضول كلام. إِلَّا سَلاماً ولكن يسمعون قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة، أو تسليم الملائكة عليهم أو تسليم بعضهم، على بعض على الاستثناء المنقطع، أو على أن معنى التسليم إن كان لغواً فلا يسمعون لغواً سواه كقوله:
وَلاَ عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ من قراع الكتائب
أو على أن معناه الدعاء بالسلامة وأهلها أغنياء عنه فهو من باب اللغو ظاهراً وإنما فائدته الإِكرام.
وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا على عادة المتنعمين والتوسط بين الزهادة والرغابة، وقيل المراد دوام الرزق ودروره.
[سورة مريم (١٩) : آية ٦٣]
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣)
تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما يبقى على الوارث مال مورثه، والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع، ولا تبطل برد ولا إسقاط. وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم، وعن يعقوب نُورِثُ بالتشديد.
[سورة مريم (١٩) : آية ٦٤]
وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)
وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ حكاية قول جبريل ﵊ حين استبطأه رسول الله ﷺ لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه فأبطأ عليه خمسة عشر يوماً، وقيل أربعين يوماً حتى قال المشركون ودعه ربه وقلاه، ثم نزل ببيان ذلك. والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل وقد يطلق بمعنى النزول مطلقاً كما يطلق نزل بمعنى أنزل، والمعنى وما ننزل وقتاً غب وقت إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته، وقرئ «وما يتنزل» بالياء والضمير للوحي. لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين لا ننتقل من مكان إلى مكان، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته. وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا تاركاً لك أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه. وقيل أول الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة، والمعنى وما ننزل الجنة إلا بأمر الله ولطفه، وهو مالك الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضله وقوله وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا تقرير من الله لقولهم أي وما كان ربك نسياً لأعمال العاملين وما وعد لهم من الثواب عليها وقوله:
[سورة مريم (١٩) : آية ٦٥]
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)
رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما بيان لامتناع النسيان عليه، وهو خبر محذوف أو بدل من رَبِّكَ فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ خطاب للرسول ﷺ مرتب عليه، أي لما عرفت ربك بأنه لا ينبغي له أن ينساك، أو أعمال العمال فأقبل على عبادته واصطبر عليها ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفرة، وإنما عدي باللام لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما يورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمحارب: اصطبر لقرنك. هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا مثلاً يستحق أن يسمى إلهاً أو أحداً سمي الله فإن المشركين وإن سموا الصنم إلهاً لم يسموه الله قط، وذلك لظهور أحديته تعالى، وتعالى ذاته عن المماثلة بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة، وهو تقرير للأمر
стр. 660
أي إذا صح أن لا أحد مثله ولا يستحق العبادة غيره لم يكن بد من التسليم لأمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٦ الى ٦٧]
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧)
وَيَقُولُ الْإِنْسانُ المراد به الجنس بأسره فإن المقول مقول فيما بينهم وإن لم يقله كلهم كقولك: بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم، أو بعضهم المعهود وهم الكفرة أو أبي بن خلف فإنه أخذ عظاماً بالية ففتها وقال: يزعم محمد أنا نبعث بعد ما نموت. أَإِذا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا من الأرض أو من حال الموت، وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإِنكار لأن المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة، وانتصابه بفعل دل عليه أُخْرَجُ لا به فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها، وهي ها هنا مخلصة للتوكيد مجردة عن معنى الحال كما خلصت الهمزة واللام في يا ألله للتعويض فساغ اقترانها بحرف الاستقبال. وروي عن ابن ذكوان إِذا ما مِتُّ بهمزة واحدة مكسورة على الخبر.
أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ عطف على يَقُولُ، وتوسيط همزة الإِنكار بينه وبين العاطف مع أن الأصل أن يتقدمهما للدلالة على أن المنكر بالذات هو المعطوف وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه فإنه لو تذكر وتأمل:
أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً بل كان عَدَماً صرفاً، لم يقل ذلك فإنه أعجب من جمع المواد بعد التفريق وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض. وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وقالون عن يعقوب يَذْكُرُ من الذكر الذي يراد به التفكر، وقرئ «يتذكر» على الأصل.
[سورة مريم (١٩) : آية ٦٨]
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)
فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ أقسم باسمه تعالى مضافاً إلى نبيه تحقيقاً للأمر وتفخيماً لشأن رسول الله ﷺ .
وَالشَّياطِينَ عطف أو مفعول معه لما
روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة
، وهذا وإن كان مخصوصاً بهم ساغ نسبته إلى الجنس بأسره، فإنهم إذا حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا جميعاً معهم. ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ ليرى السعداء ما نجاهم الله منه فيزدادوا غبطة وسروراً، وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم عدة ويزدادوا غيظاً من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم عليهم جِثِيًّا على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع، أو لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب، وأهل الموقف جاثون لقوله تعالى وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً على المعتاد في مواقف التقاول، وإن كان المراد بالإِنسان الكفرة فلعلهم يساقون جثاة من الموقف إلى شاطئ جهنم إهانة بهم، أو لعجزهم عن القيام لما عراهم من الشدة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص جِثِيًّا بكسر الجيم.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٩ الى ٧٠]
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)
ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ من كل أمة شاعت ديناً. أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا من كان أعصى وأعتى منهم فنطرحهم فيها، وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى يعفو كثيراً من أهل العصيان ولو خص ذلك بالكفرة فالمراد أنه يميز طوائفهم أعتاهم فأعتاهم ويطرحهم في النار على الترتيب، أو يدخل كلا طبقتها التي تليق به، وأَيُّهُمْ مبني على الضم عند سيبويه لأن حقه أن يبنى كسائر الموصولات، لكنه أعرب حملاً
стр. 661
على كُلِّ وبعض للزوم الإِضافة وإذا حذف صدر صلته زاد نقصه فعاد إلى حقه منصوب المحل بننزعن، ولذلك قرئ منصوباً ومرفوع عند غيره إما بالإِبتداء على أنه استفهامي وخبره أَشَدُّ، والجملة محكية وتقدير الكلام: لَنَنْزِعَنَّ من كل شيعة الذين يقال فيهم أيهم أشد، أو معلق عنها لننزعن لتضمنه معنى التمييز اللازم للعلم، أو مستأنفة والفعل واقع على مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ على زيادة من أو على معنى لننزعن بعض كل شيعة، وإما بشيعة لأنها بمعنى تشيع وعلى للبيان أو متعلق بافعل وكذا الباء في قوله:
ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا أي لنحن أعلم بالذين هم أولى بالصلي، أو صليهم أولى بالنار. وهم المنتزعون ويجوز أن يراد بهم وبأشدهم عتياً رؤساء الشيع فإن عذابهم مضاعف لضلالهم وإضلالهم. وقرأ حمزة والكسائي وحفص صِلِيًّا بكسر الصاد.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧١ الى ٧٢]
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢)
وَإِنْ مِنْكُمْ وما منكم التفات إلى الإِنسان ويؤيده أنه قرئ «وَإِن منهم» . إِلَّا وارِدُها إلا واصلها وحاضر دونها يمر بها المؤمنون وهي خامدة وتنهار بغيرهم.
وعن جابر ﵁ أنه ﵇ سئل عنه فقال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة» .
وأما قوله تعالى: أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ فالمراد عن عذابها. وقيل ورودها الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها. كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا كان ورودهم واجباً أوجبه الله على نفسه وقضى به بأن وعد به وعداً لا يمكن خلفه. وقيل أقسم عليه.
ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا فيساقون إلى الجنة وقرأ الكسائي ويعقوب ننجي بالتخفيف، وقرئ ثم بفتح الثاء أي هناك. وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا منهاراً بهم كما كانوا، وهو دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وإن المؤمنين يفارقون الفجرة إلى الجنة بعد تجاثيهم، وتبقى الفجرة فيها منهاراً بهم على هيئاتهم.
[سورة مريم (١٩) : آية ٧٣]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ مرتلات الألفاظ مبينات المعاني بنفسها أو ببيان الرسول ﷺ أو واضحات الإِعجاز. قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لأجلهم أو معهم. أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ المؤمنين والكافرين. خَيْرٌ مَقاماً موضع قيام أو مكاناً. وقرأ ابن كثير بالضم أي موضع إقامة ومنزل. وَأَحْسَنُ نَدِيًّا مجلساً ومجتمعاً والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها والدخل عليها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا والاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم عند الله تعالى، لقصور نظرهم على الحال وعلمهم بظاهر من الحياة الدنيا فرد عليهم ذلك أيضاً مع التهديد نقضاً بقوله:
[سورة مريم (١٩) : آية ٧٤]
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤)
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً وكَمْ مفعول أَهْلَكْنا ومِنْ قَرْنٍ بيانه، وإنما سمي أهل كل عصر قرناً أي مقدماً من قرن الدابة. وهو مقدمها لأنه يتقدم من بعده، وهم أحسن صفة لكم وأَثاثاً تمييز عن النسبة وهو متاع البيت. وقيل هو ما جد منه والخرثي ما رث والرئي المنظر فعل من الرؤية لما يرى كالطحن والخبز، وقرأ نافع وابن عامر «ريا» على قلب الهمزة وإدغامها أو على أنه من الري الذي هو النعمة، وقرأ أبو بكر «رييا» على القلب، وقرئ «ريا» بحذف الهمزة و «زيا» من الزي وهو الجمع
стр. 662
فإنه محاسن مجموعة، ثم بين أن تمتيعهم استدراج وليس بإكرام وإنما العيار على الفضل والنقص ما يكون في الآخرة بقوله:
[سورة مريم (١٩) : آية ٧٥]
قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥)
قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا فيمده ويمهله بطول العمر والتمتع به، وإنما أخرجه على لفظ الأمر إيذاناً بأن إمهاله مما ينبغي أن يفعله استدراجاً وقطعاً لمعاذيره كقوله تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وكقوله أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ غاية المد. وقيل غاية قول الذين كفروا للذين آمنوا أي قالوا أي الفريقين خير حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يوعدون. إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ تفصيل للموعود فإنه إما العذاب في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسراً وإما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال. فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً من الفريقين بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدروه وعاد ما متعوا به خذلاناً ووبالاً عليهم، وهو جواب الشرط والجملة محكية بعد حَتَّى. وَأَضْعَفُ جُنْداً أي فئة وأنصاراً قابل به أحسن ندياً من حيث إن حسن النادي باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم.
[سورة مريم (١٩) : آية ٧٦]
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)
وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً عطف على الشرطية المحكية بعد القول كأنه لما بين أن إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله، أراد أن يبين أن قصور حظ المؤمن منها ليس لنقصه بل لأن الله أراد به ما هو خير له وعوضه منه، وقيل عطف على فليمدد لأنه في معنى الخبر كأنه قيل من كان في الضلالة يزيد الله في ضلاله ويزيد المقابل له هداية. وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ الطاعات التي تبقى عائدتها أبد الآباد، ويدخل فيها ما قيل من الصلوات الخمس وقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً عائدة مما متع به الكفرة من النعم المخدجة الفانية التي يفتخرون بها سيما ومآلها النعيم المقيم ومآل هذه الحسرة والعذاب الدائم كما أشار إليه بقوله: وَخَيْرٌ مَرَدًّا والخير ها هنا إما لمجرد الزيادة أو على طريقة قولهم الصيف أحر من الشتاء، أي أبلغ في حره منه في برده.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٧ الى ٧٨]
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨)
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً نزلت في العاص بن وائل كان لخباب عليه مال فتقاضاه فقال له: لا حتى تكفر بمحمد فقال: لا والله لا أكفر بمحمد حياً ولا ميتاً ولا حين تبعث، قال فإذا بعثت جئتني فيكون لي ثم مال وولد فأعطيك. ولما كانت الرؤية أقوى سند الإِخبار استعمل أرأيت بمعنى الإِخبار، والفاء على أصلها في التعقيب والمعنى: أخبر بقصة هذا الكافر عقب حديث أولئك. وقرأ حمزة والكسائي «ولداً» وهو جمع ولد كأسد في أسد أو لغة فيه كالعرب والعرب.
أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أقد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالاً وولداً وتألى عليه. أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً أو اتخذ من عالم الغيب عهداً بذلك فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين. وقيل العهد كلمة الشهادة والعمل الصالح فإن وعد الله بالثواب عليهما كالعهد عليه.
стр. 663
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٩ الى ٨٠]
كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠)
كَلَّا ردع وتنبيه على أنه مخطئ فيما تصوره لنفسه. سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ سنظهر له أنا كتبنا قوله على طريقة قوله:
إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة أي تبين أني لم تلدني لئيمة، أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة العدو وحفظها عليه فإن نفس الكتابة لا تتأخر عن القول لقوله تعالى: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا ونطول له من العذاب ما يستأهله، أو نزيد عذابه ونضاعفه له لكفره وافترائه واستهزائه على الله جلت عظمته، ولذلك أكده بالمصدر دلالة على فرط غضبه عليه. وَنَرِثُهُ بموته. مَا يَقُولُ يعني المال والولد. وَيَأْتِينا يوم القيامة. فَرْداً لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا فضلاً أن يؤتى ثم زائداً وقيل فَرْداً رافضاً لهذا القول منفرداً عنه.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا ليتعززوا بهم حيث يكونون لهم وصلة إلى الله وشفعاء عنده.
كَلَّا ردع وإنكار لتعززهم بها. سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ستجحد الآلهة عبادتهم ويقولون ما عبدتمونا لقوله تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أو سينكر الكفرة لسوء العاقبة أنهم عبدوها لقوله تعالى:
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا يؤيد الأول إذا فسر الضد بضد العز، أي ويكونون عليهم ذلاً، أو بضدهم على معنى أنها تكون معونة في عذابهم بأن توقد بها نيرانهم، أو جعل الواو للكفرة أي يكونون كافرين بهم بعد أن كانوا يعبدونها وتوحيده لوحدة المعنى الذي به مضادتهم، فإنهم بذلك كالشيء الواحد ونظيره
قوله ﵊ «وهم يد على من سواهم» .
وقرئ كَلَّا بالتنوين على قلب الألف نوناً في الوقف قلب ألف الإِطلاق في قوله:
أَقِلي اللَّوْمَ عَاذِلُ وَالعِتَابَنْ أو على معنى كل هذا الرأي كلا وكلا على إضمار فعل يفسره ما بعده أي سيجحدون كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٣ الى ٨٤]
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ بأن سلطناهم عليهم أو قيضنا لهم قرناء. تَؤُزُّهُمْ أَزًّا تهزهم وتعزيهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات، والمراد تعجيب رسول الله ﷺ من أقاويل الكفرة وتماديهم في الغي وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق على ما نطقت به الآيات المتقدمة.
فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بأن يهلكوا حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم وتطهر الأرض من فسادهم.
إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ أيام آجالهم. عَدًّا والمعنى لا تعجل بهلاكهم فإنه لم يبقى لهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.
стр. 664
[سورة مريم (١٩) : آية ٨٥]
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥)
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ نجمعهم. إِلَى الرَّحْمنِ إلى ربهم الّذي غمرهم برحمته، ولاختيار هذا الاسم في هذه السورة شأن ولعله لأن مساق هذا الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها وَفْداً وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٦ الى ٨٧]
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧)
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ كما تساق البهائم. إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً عطاشاً فإن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش، أو كالدواب التي ترد الماء.
لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ الضمير فيها للعباد المدلول عليها بذكر القسمين وهو الناصب لليوم. إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً إلا من تحلى بما يستعد به ويستأهل أن يشفع للعصاة من الإِيمان والعمل الصالح على ما وعد الله تعالى، أو إلا من اتخذ من الله إذناً فيها كقوله تعالى: لاَّ تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ من قولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به، ومحله الرفع على البدل من الضمير أو النصب على تقدير مضاف أي إلا شفاعة من اتخذ، أو على الاستثناء. وقيل الضمير للمجرمين والمعنى: لا يملكون الشفاعة فيهم إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً يستعد به أن يشفع له بالإسلام.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٨ الى ٩٠]
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠)
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً الضمير يحتمل الوجهين لأن هذا لما كان مقولاً فيما بين الناس جاز أن ينسب إليهم.
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا على الالتفات للمبالغة في الذم والتسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى، والإِد بالفتح والكسر العظيم المنكر والإِدة الشدة وأدنى الأمر، وآدنى أثقلني وعظم عليَّ.
تَكادُ السَّماواتُ وقرأ نافع والكسائي بالياء. يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ يتشققن مرة بعد أخرى، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وأبو بكر ويعقوب «ينفطرن» ، والأول أبلغ لأن التفعل مطاوع فعل والانفعال مطاوع فعل ولأن أصل التفعل التكلف. وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا تهد هداً أو مهدودة، أو لأنها تهد أي تكسر وهو تقرير لكونه أدا، والمعنى: أن هول هذه الكلمة وعظمها بحيث لو تصورت بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفتت من شدتها، أو أن فظاعتها مجلبة لغضب الله بحيث لولا حلمه لخرب العالم وبدد قوائمه غضباً على من تفوه بها.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٩١ الى ٩٢]
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢)
أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً يحتمل النصب على العلة ل تَكادُ أو ل هَدًّا على حذف اللام وإفضاء الفعل إليه، والجر بإضمار اللام أو بالإِبدال من الهاء في منه والرفع على أنه خبر محذوف تقديره الموجب لذلك أَنْ دَعَوْا، أو فاعل هَدًّا أي هدها دعاء الولد للرحمن وهو من دعا بمعنى سمي المتعدي إلى مفعولين، وإنما اقتصر على المفعول الثاني ليحيط بكل ما دعي له ولداً، أو من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ادعى إلى فلان إذا انتسب إليه.
وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً ولا يليق به اتخاذ الولد ولا ينطلب له لو طلب مثلا له لأنه
стр. 665
مستحيل، ولعل ترتيب الحكم بصفة الرحمانية للإِشعار بأن كل ما عداه نعمة ومنعم عليه فلا يجانس من هو مبدأ النعم كلها ومولي أصولها وفروعها، فكيف يمكن أن يتخذه ولداً ثم صرح به في قوله:
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٩٣ الى ٩٥]
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥)
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي ما منهم. إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً إلا وهو مملوك له يأوي إليه بالعبودية والانقياد، وقرئ «آتِ الرحمن» على الأصل.
لَقَدْ أَحْصاهُمْ حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوز علمه وقبضة قدرته. وَعَدَّهُمْ عَدًّا عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شيء عنده بمقدار.
وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً منفرداً عن الاتباع والأنصار فلا يجانسه شيء من ذلك ليتخذه ولداً ولا يناسبه ليشرك به.
[سورة مريم (١٩) : الآيات ٩٦ الى ٩٧]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها،
وعن النبي ﷺ «إذا أحب الله عبداً يقول لجبريل أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم توضع له المحبة في الأرض» .
والسين إما لأن السورة مكية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم ذلك إذا دجا الإسلام، أو لأن الموعود في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل.
فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ بأن أنزلناه بلغتك، والباء بمعنى على أو على أصله لتضمن يَسَّرْناهُ معنى أنزلناه أي أنزلناه بلغتك. لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ الصائرين إلى التقوى. وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا
أشداء الخصومة آخذين في كل لديد، أي شق من المراء لفرط لجاجهم فبشر به وأنذر.
[سورة مريم (١٩) : آية ٩٨]
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨)
وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ تخويف للكفرة وتجسير للرسول ﷺ على إنذارهم. هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ هل تشعر بأحد منهم وتراه. أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً وقرئ تَسْمَعُ من أسمعت والركز الصوت الخفي، وأصل التركيب هو الخفاء ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض، والركاز المال المدفون.
عن رسول الله ﷺ «من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيى ومريم وعيسى وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورين فيها وبعدد من دعا الله في الدنيا ومن لم يدع الله» .
стр. 666
(٢٠) سورة طه
مكية وهي مائة أربع وثلاثون آية
[سورة طه (٢٠) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طه (١)
طه فخمها قالون وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب على الأصل، وفخم الطاء وحده أبو عمرو وورش لاستعلائه وأمالهما الباقون. وهما من أسماء الحروف. وقيل معناه يا رجل على لغة عك، فإن صح فلعل أصله يا هذا فتصرفوا فيه بالقلب والاختصار والاستشهاد بقوله:
إِنَّ السفاهَةَ طَاهَا في خَلائِقِكُمْ ... لاَ قَدَّسَ الله أَخْلاقَ المَلاَعِين
ضعيف لجواز أن يكون قسماً كقوله حم لا ينصرون، وقرئ طه على أنه أمر للرسول ﷺ بأن يطأ الأرض بقدميه، فإنه كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه وأن أصله طأ فقلبت همزته هاء أو قلبت في يطأ الفاً كقوله: لا هناك المرتع. ثم بني عليه الأمر وضم إليه هاء السكت وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل طه طأها والألف مبدلة من الهمزة والهاء كناية الأرض، لكن يرد ذلك كتابتهما على صورة الحرف وكذا التفسير بيا رجل أو اكتفى بشطري الكلمتين وعبر عنهما باسمهما.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٢ الى ٣]
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣)
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى خبر طه إن جعلته مبتدأ على أنه مؤول بالسورة، أو الْقُرْآنَ والقرآن فيه واقع موقع العائد وجوابه إن جعلته مقسماً به ومنادى له إن جعلته نداء، واستئناف إن كانت جملة فعلية أو اسمية بإضمار مبتدأ، أو طائفة من الحروف محكية والمعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش إذ ما عليك إلا أن تبلغ، أو بكثرة الرياضة وكثرة التهجد والقيام على ساق. والشقاء شائع بمعنى التعب ومنه أشقى من رائض المهر، وسيد القوم أشقاهم. ولعله عدل إليه للإِشعار بأنه أنزل عليه ليسعد. وقيل رد وتكذيب للكفرة، فإنهم لما رأوا كثرة عبادته قالوا إنك لتشقى بترك ديننا وإن القرآن أنزل عليك لتشقى به.
إِلَّا تَذْكِرَةً لكن تذكيراً، وانتصابها على الاستثناء المنقطع، ولا يجوز أن يكون بدلاً من محل لِتَشْقى لاختلاف الجنسين ولا مفعولاً له ل أَنْزَلْنا، فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين. وقيل هو مصدر في موقع الحال من الكاف أو القرآن، أو مفعول له على أن لِتَشْقى متعلق بمحذوف هو صفة القرآن أي ما أنزلنا عليك القرآن المنزل لتتعب بتبليغه إلا تذكرة. لِمَنْ يَخْشى لمن في قلبه خشية ورقة تتأثر بالإِنذار، أو لمن علم الله منه أنه يخشى بالتخويف منه فإنه المنتفع به.
[سورة طه (٢٠) : آية ٤]
تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)
تَنْزِيلًا نصب بإضمار فعله أو ب يَخْشى، أو على المدح أو البدل من تَذْكِرَةً إن جعل حالاً،
стр. 667
وإن جعل مفعولاً له لفظاً أو معنى فلا لأن الشيء لا يعلل بنفسه ولا بنوعه. مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى مع ما بعده إلى قوله لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى تفخيم لشأن المنزل بفرط تعظيم المنزل بذكر أفعاله وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل، فبدأ بخلق الأرض والسموات التي هي أصول العالم، وقدم الأرض لأنها أقرب إلى الحس وأظهر عنده من السموات العلى، وهو جمع العليا تأنيث الأعلى، ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش فأجرى منه الأحكام والتقادير، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسب ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته فقال:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٥ الى ٦]
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ليدل بذلك على كمال قدرته وإرادته، ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور وخفياتها على سواء فقال:
[سورة طه (٢٠) : آية ٧]
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧)
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى أي وإن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غني عن جهرك فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى منه، وهو ضمير النفس. وفيه تنبيه على أن شرع الذكر والدعاء والجهر فيما ليس لإِعلام الله بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها ومنعها عن الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع والجؤار، ثم إنه لما ظهر بذلك أنه المستجمع لصفات الألوهية بين أنه المتفرد بها والمتوحد بمقتضاها فقال:
[سورة طه (٢٠) : آية ٨]
اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)
اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ومن في مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ صلة ل تَنْزِيلًا أو صفة لَهُ، والانتقال من التكلم إلى الغيبة للتفنن في الكلام وتفخيم المنزل من وجهين إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن، ونسبته إلى المختص بصفات الجلال والإِكرام والتنبيه على أنه واجب الإِيمان به والانقياد له من حيث أنه كلام من هذا شأنه، ويجوز أن يكون أنزلنا حكاية كلام جبريل والملائكة النازلين معه. وقرئ الرَّحْمنُ على الجر صفة لمن خلق فيكون عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى خبر محذوف، وكذا إن رفع الرَّحْمنُ على المدح دون الإِبتداء، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، والثرى الطبقة الترابية من الأرض وهي آخر طبقاتها، والْحُسْنى تأنيث الأحسن، وفضل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في الحسن لدلالتها على معان هي أشرف المعاني وأفضلها.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٠]
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠)
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى قفى تمهيد نبوته ﷺ بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة وتبليغ الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل.
إِذْ رَأى نَاراً ظرف لل حَدِيثُ لأنه حدث أو مفعول لأذكر. قيل إنه استأذن شعيباً عليهما الصلاة والسلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله فلما وافى وادي طوى وفيه الطور ولد له ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته إذ رأى من جانب الطور ناراً. فَقالَ لِأَهْلِهِ
стр. 668
امْكُثُوا
أقيموا مكانكم. وقرأ حمزة «لأهله امكثوا ها هنا» ، وفي «القصص» بضم الهاء في الوصل والباقون بكسرها. إِنِّي آنَسْتُ نَاراً أبصرتها إبصاراً لا شبهة فيه، وقيل الإيناس إبصار ما يؤنس به. لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ بشعلة من النار وقيل جمرة. أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً هادياً يدلني على الطريق أو يهديني أبواب الدين، فإن أفكار الأبرار مائلة إليها في كل ما يعن لهم. ولما كان حصولهما مترتباً بني الأمر فيهما على الرجاء بخلاف الإيناس، فإنه كان محققاً ولذلك حققه لهم ليوطنوا أنفسهم عليه، ومعنى الاستعلاء في عَلَى النَّارِ أن أهلها مشرفون عليها أو مستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في: مررت بزيد إنه لصوق بمكان يقرب منه.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١١ الى ١٢]
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢)
فَلَمَّا أَتاها أي النار وجد ناراً بيضاء تتقد في شجرة خضراء. نُودِيَ يا مُوسى.
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فتحه ابن كثير وأبو عمرو أي بأني وكسره الباقون بإضمار القول أو إجراء النداء مجراه، وتكرير الضمير للتوكيد والتحقيق. قيل إنه لما نودي قال: من المتكلم قال: إني أنا الله، فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع الجهات وبجميع الأعضاء. وهو إشارة إلى أنه ﵊ تلقى من ربه كلامه تلقياً روحانياً، ثم تمثل ذلك الكلام لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهة. فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أمره بذلك لأن الحفوة تواضع وأدب ولذلك طاف السلف حافين. وقيل لنجاسة نعليه فإنهما كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل معناه فرغ قلبك من الأهل والمال. إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ تعليل للأمر باحترام البقعة والمقدس يحتمل المعنيين.
طُوىً عطف بيان للوادي ونونه ابن عامر والكوفيون بتأويل المكان. وقيل هو كثني من الطي مصدر ل نُودِيَ أو الْمُقَدَّسِ أي: نودي نداءين أو قدس مرتين.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣ الى ١٤]
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك للنبوة وقرأ حمزة «وإنا اخترناك» . فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى للذي يوحى إليك، أو للوحي واللام تحتمل التعلق بكل من الفعلين.
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي بدل مما يوحى دال على أنه مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل. وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي خصها بالذكر وأفردها بالأمر للعلة التي أناط بها إقامتها، وهو تذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره. وقيل لِذِكْرِي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالثناء، أو لِذِكْرِي خاصة لا ترائي بها ولا تشوبها بذكر غيري. وقيل لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي. لما
روي أنه ﵊ قال «من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها إن الله تعالى يقول وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٥ الى ١٦]
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ كائنة لا محالة. أَكادُ أُخْفِيها أريد إخفاء وقتها، أو أقرب أن أخفيها فلا أقول إنها آتية ولولا ما في الأخبار بإتيانها من اللطف وقطع الأعذار لما أخبرت به، أو أكاد أظهرها من أخفاه إذا سلب خفاءه، ويؤيده القراءة بالفتح من خفاه إذا أظهره. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى متعلق ب آتِيَةٌ أو ب
стр. 669
أُخْفِيها على المعنى الأخير.
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها عن تصديق الساعة، أو عن الصلاة. مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِها نهي الكافر أن يصد موسى ﵊ عنها، والمراد نهيه أن ينصد عنها كقولهم: لا أرينك ها هنا، تنبيهاً على أَن فطرته السليمة لو خليت بحالها لاختارها ولم يعرض عنها، وأنه ينبغي أن يكون راسخاً في دينه فإن صد الكافر إنما يكون بسبب ضعفه فيه. وَاتَّبَعَ هَواهُ ميل نفسه إلى اللذات المحسوسة المخدجة فقصر نظره عن غيرها.
فَتَرْدى فتهلك بالانصداد بصده.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٧ الى ١٨]
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)
وَما تِلْكَ استفهام يتضمن استيقاظاً لما يريه فيها من العجائب. بِيَمِينِكَ حال من معنى الإِشارة، وقيل صلة تِلْكَ. يَا مُوسى تكرير لزيادة الاستئناس والتنبيه.
قالَ هِيَ عَصايَ وقرئ «عصي» على لغة هذيل. أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع. وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وأخبط الورق بها على رؤوس غنمي، وقرئ «أهش» وكلاهما من هش الخبز يهش إذا انكسر لهشاشته، وقرئ بالسين من الهس وهو زجر الغنم أي أنحى عليها زاجراً لها.
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى حاجات أخر مثل أن كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته، وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل به، وإذا قصر الرشاء وصله بها، وإذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها، وكأنه ﷺ فهم أن المقصود من السؤال أن يذكر حقيقتها وما يرى من منافعها، حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة ووجد منها خصائص أخرى خارقة للعادة مثل أن تشتعل شعبتاه بالليل كالشمع، وتصيران دلواً عند الاستقاء، وتطول بطول البئر وتحارب عنه إذا ظهر عدو، وينبع الماء بركزها، وينضب بنزعها وتورق وتثمر إذا اشتهى ثمرة فركزها، على أن ذلك آيات باهرة ومعجزات قاهرة أحدثها الله فيها لأجله وليست من خواصها، فذكر حقيقتها ومنافعها مفصلاً ومجملاً على معنى أنها من جنس العصي تنفع منافع أمثالها ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٩ الى ٢١]
قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)
قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى قيل لما ألقاها انقلبت حية صفراء بغلظ العصا ثم تورمت وعظمت فلذلك سماها جاناً تارة نظراً إلى المبدأ وثعباناً مرة باعتبار المنتهى، وحية أخرى باعتبار الاسم الذي يعم الحالين. وقيل كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجان ولذلك قال كَأَنَّها جَانٌّ.
قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ فإنه لما رآها حية تسرع وتبتلع الحجر والشجر خاف وهرب منها. سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى هيئتها وحالتها المتقدمة، وهي فعلة من السير تجوز بها للطريقة والهيئة وانتصابها على نزع الخافض أو على أن أعاد منقول من عاده بمعنى عاد إليه، أو على الظرف أي سنعيدها في طريقتها أو على تقدير فعلها أي سنعيد العصا بعد ذهابها تسير سيرتها الأولى فتنتفع بها ما كنت تنتفع قبل. قيل لما قال له ربه ذلك اطمأنت نفسه حتى أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤)
стр. 670
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ إلى جنبك تحت العضد يقال لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر، استعارة من جناحي الطائر سميا بذلك لأنه يجنحهما عند الطيران. تَخْرُجْ بَيْضاءَ كأنها مشعة. مِنْ غَيْرِ سُوءٍ من غير عاهة وقبح، كني به عن البرص كما كنى بالسوأة عن العورة لأن الطباع تعافه وتنفر عنه. آيَةً أُخْرى معجزة ثانية وهي حال من ضمير تَخْرُجْ بَيْضاءَ أو من ضميرها، أو مفعول بإضمار خذ أو دونك.
لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى متعلق بهذا المضمر أو بما دل عليه آية أو القصة التي دللنا بها، أو فعلنا ذلك لِنُرِيَكَ والْكُبْرى صفة آياتِنَا أو مفعول «نريك» ومِنْ آياتِنَا حال منها.
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ بهاتين الآيتين وادعه إلى العبادة. إِنَّهُ طَغى عصى وتكبر.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي لما أمره الله بخطب عظيم وأمر جسيم سأله أن يشرح صدره ويفسح قلبه لتحمل أعبائه والصبر على مشاقه، والتلقي لما ينزل عليه ويسهل الأمر له بإحداث الأسباب ورفع الموانع، وفائدة لي إبهام المشروح والميسر أولاً، ثم رفعه بذكر الصدر والأمر تأكيداً ومبالغة.
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رتة من جمرة أدخلها فاه، وذلك أن فرعون حمله يوماً فأخذ بلحيته ونتفها، فغضب وأمر بقتله فقالت آسية: إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه. ولعل تبييض يده كان لذلك.
وقيل احترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ، ثم لما دعاه قال إلى أي رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه. واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ومن لم يقل احتج بقوله هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وقوله وَلا يَكادُ يُبِينُ وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقاً بل عقدة تمنع الإِفهام ولذلك نكرها وجعل يفقهوا جواب الأمر، ومن لساني يحتمل أن يكون صفة عقدة وأن يكون صلة احلل.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي يعينني على ما كلفتني به، واشتقاق الوزير إما من الوزر لأنه يحمل الثقل عن أميره، أو من الوزر وهو الملجأ لأن الأمير يعتصم برأيه ويلتجئ إليه في أموره، ومنه الموازرة وقيل أصله أزير من الأزر بمعنى القوة، فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والجليس قلبت همزته واواً كقلبها في موازر. ومفعولاً اجعل وَزِيراً، وهارُونَ قدم ثانيهما للعناية به ولِي صلة أو حال أو لِي وَزِيراً وهارُونَ عطف بيان للوزير، أو وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ولِي تبيين كقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ. وأَخِي على الوجوه بدل من هارُونَ أو مبتدأ خبره.
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي على لفظ الأمر وقرأهما ابن عامر بلفظ الخبر على أنهما جواب الأمر.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٥]
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥)
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً فإن التعاون يهيج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده.
إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً عالماً بأحوالنا وأن التعاون مما يصلحنا، وأن هارون نعم المعين لي فيما أمرتني به.
следующие страницы →