Полный текст (1 273 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
(٢٠) سورة طه
مكية وهي مائة أربع وثلاثون آية
[سورة طه (٢٠) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
طه (١)
طه فخمها قالون وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب على الأصل، وفخم الطاء وحده أبو عمرو وورش لاستعلائه وأمالهما الباقون. وهما من أسماء الحروف. وقيل معناه يا رجل على لغة عك، فإن صح فلعل أصله يا هذا فتصرفوا فيه بالقلب والاختصار والاستشهاد بقوله:
إِنَّ السفاهَةَ طَاهَا في خَلائِقِكُمْ ... لاَ قَدَّسَ الله أَخْلاقَ المَلاَعِين
ضعيف لجواز أن يكون قسماً كقوله حم لا ينصرون، وقرئ طه على أنه أمر للرسول ﷺ بأن يطأ الأرض بقدميه، فإنه كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه وأن أصله طأ فقلبت همزته هاء أو قلبت في يطأ الفاً كقوله: لا هناك المرتع. ثم بني عليه الأمر وضم إليه هاء السكت وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل طه طأها والألف مبدلة من الهمزة والهاء كناية الأرض، لكن يرد ذلك كتابتهما على صورة الحرف وكذا التفسير بيا رجل أو اكتفى بشطري الكلمتين وعبر عنهما باسمهما.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٢ الى ٣]
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣)
ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى خبر طه إن جعلته مبتدأ على أنه مؤول بالسورة، أو الْقُرْآنَ والقرآن فيه واقع موقع العائد وجوابه إن جعلته مقسماً به ومنادى له إن جعلته نداء، واستئناف إن كانت جملة فعلية أو اسمية بإضمار مبتدأ، أو طائفة من الحروف محكية والمعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش إذ ما عليك إلا أن تبلغ، أو بكثرة الرياضة وكثرة التهجد والقيام على ساق. والشقاء شائع بمعنى التعب ومنه أشقى من رائض المهر، وسيد القوم أشقاهم. ولعله عدل إليه للإِشعار بأنه أنزل عليه ليسعد. وقيل رد وتكذيب للكفرة، فإنهم لما رأوا كثرة عبادته قالوا إنك لتشقى بترك ديننا وإن القرآن أنزل عليك لتشقى به.
إِلَّا تَذْكِرَةً لكن تذكيراً، وانتصابها على الاستثناء المنقطع، ولا يجوز أن يكون بدلاً من محل لِتَشْقى لاختلاف الجنسين ولا مفعولاً له ل أَنْزَلْنا، فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين. وقيل هو مصدر في موقع الحال من الكاف أو القرآن، أو مفعول له على أن لِتَشْقى متعلق بمحذوف هو صفة القرآن أي ما أنزلنا عليك القرآن المنزل لتتعب بتبليغه إلا تذكرة. لِمَنْ يَخْشى لمن في قلبه خشية ورقة تتأثر بالإِنذار، أو لمن علم الله منه أنه يخشى بالتخويف منه فإنه المنتفع به.
[سورة طه (٢٠) : آية ٤]
تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)
تَنْزِيلًا نصب بإضمار فعله أو ب يَخْشى، أو على المدح أو البدل من تَذْكِرَةً إن جعل حالاً،
стр. 667
وإن جعل مفعولاً له لفظاً أو معنى فلا لأن الشيء لا يعلل بنفسه ولا بنوعه. مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى مع ما بعده إلى قوله لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى تفخيم لشأن المنزل بفرط تعظيم المنزل بذكر أفعاله وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل، فبدأ بخلق الأرض والسموات التي هي أصول العالم، وقدم الأرض لأنها أقرب إلى الحس وأظهر عنده من السموات العلى، وهو جمع العليا تأنيث الأعلى، ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش فأجرى منه الأحكام والتقادير، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسب ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته فقال:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٥ الى ٦]
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦)
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى ليدل بذلك على كمال قدرته وإرادته، ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور وخفياتها على سواء فقال:
[سورة طه (٢٠) : آية ٧]
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧)
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى أي وإن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غني عن جهرك فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى منه، وهو ضمير النفس. وفيه تنبيه على أن شرع الذكر والدعاء والجهر فيما ليس لإِعلام الله بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها ومنعها عن الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع والجؤار، ثم إنه لما ظهر بذلك أنه المستجمع لصفات الألوهية بين أنه المتفرد بها والمتوحد بمقتضاها فقال:
[سورة طه (٢٠) : آية ٨]
اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)
اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى ومن في مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ صلة ل تَنْزِيلًا أو صفة لَهُ، والانتقال من التكلم إلى الغيبة للتفنن في الكلام وتفخيم المنزل من وجهين إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن، ونسبته إلى المختص بصفات الجلال والإِكرام والتنبيه على أنه واجب الإِيمان به والانقياد له من حيث أنه كلام من هذا شأنه، ويجوز أن يكون أنزلنا حكاية كلام جبريل والملائكة النازلين معه. وقرئ الرَّحْمنُ على الجر صفة لمن خلق فيكون عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى خبر محذوف، وكذا إن رفع الرَّحْمنُ على المدح دون الإِبتداء، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، والثرى الطبقة الترابية من الأرض وهي آخر طبقاتها، والْحُسْنى تأنيث الأحسن، وفضل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في الحسن لدلالتها على معان هي أشرف المعاني وأفضلها.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٠]
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠)
وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى قفى تمهيد نبوته ﷺ بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة وتبليغ الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل.
إِذْ رَأى نَاراً ظرف لل حَدِيثُ لأنه حدث أو مفعول لأذكر. قيل إنه استأذن شعيباً عليهما الصلاة والسلام في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله فلما وافى وادي طوى وفيه الطور ولد له ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة، وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته إذ رأى من جانب الطور ناراً. فَقالَ لِأَهْلِهِ
стр. 668
امْكُثُوا
أقيموا مكانكم. وقرأ حمزة «لأهله امكثوا ها هنا» ، وفي «القصص» بضم الهاء في الوصل والباقون بكسرها. إِنِّي آنَسْتُ نَاراً أبصرتها إبصاراً لا شبهة فيه، وقيل الإيناس إبصار ما يؤنس به. لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ بشعلة من النار وقيل جمرة. أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً هادياً يدلني على الطريق أو يهديني أبواب الدين، فإن أفكار الأبرار مائلة إليها في كل ما يعن لهم. ولما كان حصولهما مترتباً بني الأمر فيهما على الرجاء بخلاف الإيناس، فإنه كان محققاً ولذلك حققه لهم ليوطنوا أنفسهم عليه، ومعنى الاستعلاء في عَلَى النَّارِ أن أهلها مشرفون عليها أو مستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في: مررت بزيد إنه لصوق بمكان يقرب منه.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١١ الى ١٢]
فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢)
فَلَمَّا أَتاها أي النار وجد ناراً بيضاء تتقد في شجرة خضراء. نُودِيَ يا مُوسى.
إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فتحه ابن كثير وأبو عمرو أي بأني وكسره الباقون بإضمار القول أو إجراء النداء مجراه، وتكرير الضمير للتوكيد والتحقيق. قيل إنه لما نودي قال: من المتكلم قال: إني أنا الله، فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان فقال: أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع الجهات وبجميع الأعضاء. وهو إشارة إلى أنه ﵊ تلقى من ربه كلامه تلقياً روحانياً، ثم تمثل ذلك الكلام لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهة. فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أمره بذلك لأن الحفوة تواضع وأدب ولذلك طاف السلف حافين. وقيل لنجاسة نعليه فإنهما كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل معناه فرغ قلبك من الأهل والمال. إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ تعليل للأمر باحترام البقعة والمقدس يحتمل المعنيين.
طُوىً عطف بيان للوادي ونونه ابن عامر والكوفيون بتأويل المكان. وقيل هو كثني من الطي مصدر ل نُودِيَ أو الْمُقَدَّسِ أي: نودي نداءين أو قدس مرتين.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣ الى ١٤]
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤)
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك للنبوة وقرأ حمزة «وإنا اخترناك» . فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى للذي يوحى إليك، أو للوحي واللام تحتمل التعلق بكل من الفعلين.
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي بدل مما يوحى دال على أنه مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل. وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي خصها بالذكر وأفردها بالأمر للعلة التي أناط بها إقامتها، وهو تذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره. وقيل لِذِكْرِي لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها، أو لأن أذكرك بالثناء، أو لِذِكْرِي خاصة لا ترائي بها ولا تشوبها بذكر غيري. وقيل لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي. لما
روي أنه ﵊ قال «من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها إن الله تعالى يقول وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٥ الى ١٦]
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ كائنة لا محالة. أَكادُ أُخْفِيها أريد إخفاء وقتها، أو أقرب أن أخفيها فلا أقول إنها آتية ولولا ما في الأخبار بإتيانها من اللطف وقطع الأعذار لما أخبرت به، أو أكاد أظهرها من أخفاه إذا سلب خفاءه، ويؤيده القراءة بالفتح من خفاه إذا أظهره. لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى متعلق ب آتِيَةٌ أو ب
стр. 669
أُخْفِيها على المعنى الأخير.
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها عن تصديق الساعة، أو عن الصلاة. مَنْ لاَّ يُؤْمِنُ بِها نهي الكافر أن يصد موسى ﵊ عنها، والمراد نهيه أن ينصد عنها كقولهم: لا أرينك ها هنا، تنبيهاً على أَن فطرته السليمة لو خليت بحالها لاختارها ولم يعرض عنها، وأنه ينبغي أن يكون راسخاً في دينه فإن صد الكافر إنما يكون بسبب ضعفه فيه. وَاتَّبَعَ هَواهُ ميل نفسه إلى اللذات المحسوسة المخدجة فقصر نظره عن غيرها.
فَتَرْدى فتهلك بالانصداد بصده.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٧ الى ١٨]
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)
وَما تِلْكَ استفهام يتضمن استيقاظاً لما يريه فيها من العجائب. بِيَمِينِكَ حال من معنى الإِشارة، وقيل صلة تِلْكَ. يَا مُوسى تكرير لزيادة الاستئناس والتنبيه.
قالَ هِيَ عَصايَ وقرئ «عصي» على لغة هذيل. أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع. وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وأخبط الورق بها على رؤوس غنمي، وقرئ «أهش» وكلاهما من هش الخبز يهش إذا انكسر لهشاشته، وقرئ بالسين من الهس وهو زجر الغنم أي أنحى عليها زاجراً لها.
وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى حاجات أخر مثل أن كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته، وعرض الزندين على شعبتيها وألقى عليها الكساء واستظل به، وإذا قصر الرشاء وصله بها، وإذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها، وكأنه ﷺ فهم أن المقصود من السؤال أن يذكر حقيقتها وما يرى من منافعها، حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة ووجد منها خصائص أخرى خارقة للعادة مثل أن تشتعل شعبتاه بالليل كالشمع، وتصيران دلواً عند الاستقاء، وتطول بطول البئر وتحارب عنه إذا ظهر عدو، وينبع الماء بركزها، وينضب بنزعها وتورق وتثمر إذا اشتهى ثمرة فركزها، على أن ذلك آيات باهرة ومعجزات قاهرة أحدثها الله فيها لأجله وليست من خواصها، فذكر حقيقتها ومنافعها مفصلاً ومجملاً على معنى أنها من جنس العصي تنفع منافع أمثالها ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٩ الى ٢١]
قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١)
قالَ أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى قيل لما ألقاها انقلبت حية صفراء بغلظ العصا ثم تورمت وعظمت فلذلك سماها جاناً تارة نظراً إلى المبدأ وثعباناً مرة باعتبار المنتهى، وحية أخرى باعتبار الاسم الذي يعم الحالين. وقيل كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجان ولذلك قال كَأَنَّها جَانٌّ.
قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ فإنه لما رآها حية تسرع وتبتلع الحجر والشجر خاف وهرب منها. سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى هيئتها وحالتها المتقدمة، وهي فعلة من السير تجوز بها للطريقة والهيئة وانتصابها على نزع الخافض أو على أن أعاد منقول من عاده بمعنى عاد إليه، أو على الظرف أي سنعيدها في طريقتها أو على تقدير فعلها أي سنعيد العصا بعد ذهابها تسير سيرتها الأولى فتنتفع بها ما كنت تنتفع قبل. قيل لما قال له ربه ذلك اطمأنت نفسه حتى أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤)
стр. 670
وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ إلى جنبك تحت العضد يقال لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر، استعارة من جناحي الطائر سميا بذلك لأنه يجنحهما عند الطيران. تَخْرُجْ بَيْضاءَ كأنها مشعة. مِنْ غَيْرِ سُوءٍ من غير عاهة وقبح، كني به عن البرص كما كنى بالسوأة عن العورة لأن الطباع تعافه وتنفر عنه. آيَةً أُخْرى معجزة ثانية وهي حال من ضمير تَخْرُجْ بَيْضاءَ أو من ضميرها، أو مفعول بإضمار خذ أو دونك.
لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى متعلق بهذا المضمر أو بما دل عليه آية أو القصة التي دللنا بها، أو فعلنا ذلك لِنُرِيَكَ والْكُبْرى صفة آياتِنَا أو مفعول «نريك» ومِنْ آياتِنَا حال منها.
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ بهاتين الآيتين وادعه إلى العبادة. إِنَّهُ طَغى عصى وتكبر.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)
قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي لما أمره الله بخطب عظيم وأمر جسيم سأله أن يشرح صدره ويفسح قلبه لتحمل أعبائه والصبر على مشاقه، والتلقي لما ينزل عليه ويسهل الأمر له بإحداث الأسباب ورفع الموانع، وفائدة لي إبهام المشروح والميسر أولاً، ثم رفعه بذكر الصدر والأمر تأكيداً ومبالغة.
وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رتة من جمرة أدخلها فاه، وذلك أن فرعون حمله يوماً فأخذ بلحيته ونتفها، فغضب وأمر بقتله فقالت آسية: إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت، فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه. ولعل تبييض يده كان لذلك.
وقيل احترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ، ثم لما دعاه قال إلى أي رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه. واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ومن لم يقل احتج بقوله هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وقوله وَلا يَكادُ يُبِينُ وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقاً بل عقدة تمنع الإِفهام ولذلك نكرها وجعل يفقهوا جواب الأمر، ومن لساني يحتمل أن يكون صفة عقدة وأن يكون صلة احلل.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢)
وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي يعينني على ما كلفتني به، واشتقاق الوزير إما من الوزر لأنه يحمل الثقل عن أميره، أو من الوزر وهو الملجأ لأن الأمير يعتصم برأيه ويلتجئ إليه في أموره، ومنه الموازرة وقيل أصله أزير من الأزر بمعنى القوة، فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والجليس قلبت همزته واواً كقلبها في موازر. ومفعولاً اجعل وَزِيراً، وهارُونَ قدم ثانيهما للعناية به ولِي صلة أو حال أو لِي وَزِيراً وهارُونَ عطف بيان للوزير، أو وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ولِي تبيين كقوله وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ. وأَخِي على الوجوه بدل من هارُونَ أو مبتدأ خبره.
اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي على لفظ الأمر وقرأهما ابن عامر بلفظ الخبر على أنهما جواب الأمر.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٥]
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥)
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً فإن التعاون يهيج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده.
إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً عالماً بأحوالنا وأن التعاون مما يصلحنا، وأن هارون نعم المعين لي فيما أمرتني به.
стр. 671
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٦ الى ٣٨]
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨)
قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى أي مسؤولك، فعل بمعنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول.
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى أي أنعمنا عليك في وقت آخر.
إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ بإلهام أو في منام أو على لسان نبي في وقتها أو ملك. لا على وجه النبوة. كما أوحي إلى مريم. مَا يُوحى ما لا يعلم إلا بالوحي، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به.
[سورة طه (٢٠) : آية ٣٩]
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩)
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ بأن اقذفيه، أو أي اقذفيه لأن الوحي بمعنى القول. فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ والقذف يقال للإِلقاء وللوضع كقوله تعالى: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وكذلك الرمي كقوله: غُلاَمٌ رَمَاهُ الله بِالحُسْنِ يَافِعاً. فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ لما كان إلقاء البحر إياه إلى الساحل أمراً واجب الحصول لتعلق الإرادة به، جعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمره بذلك وأخرج الجواب مخرج الأمر، والأولى أن تجعل الضمائر كلها لموسى مراعاة للنظم، فالمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل وإن كان التابوت بالذات فموسى بالعرض.
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ جواب فَلْيُلْقِهِ وتكرير عَدُوٌّ للمبالغة، أو لأن الأول باعتبار الواقع والثاني باعتبار المتوقع. قيل إنها جعلت في التابوت قطناً ووضعته فيه ثم قبرته وألقته في اليم، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر فدفعه الماء إليه فأداه إلى بركة في البستان، وكان فرعون جالساً على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم، فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه حباً شديداً كما قال :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أي محبة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك فلذلك أحبك فرعون، ويجوز أن يتعلق مِنِّي ب أَلْقَيْتُ أي أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه لأن الماء يسحله فالتقط منه، لكن لا يبعد أن يؤول الساحل بجنب فوهة نهره. وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي لتربى ويحسن إليك وأنا راعيك وراقبك، والعطف على علة مضمرة مثل ليتعطف عليك، أو على الجملة السابقة بإضمار فعل معلل مثل فعلت ذلك. وقرئ وَلِتُصْنَعَ بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر وَلِتُصْنَعَ بالنصب وفتح التاء أي وليكون عملك على عين مني لئلا تخالف به عن أمري.
[سورة طه (٢٠) : آية ٤٠]
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠)
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ ظرف ل أَلْقَيْتُ أو لِتُصْنَعَ أو بدل من إِذْ أَوْحَيْنا على أن المراد بها وقت متسع. فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ وذلك لأنه كان لا يقبل ثدي المراضع، فجاءت أخته مريم متفحصة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها فقالت هَلْ أَدُلُّكُمْ فجاءت بأمه فقبل ثديها. فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ وفاء بقولنا إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك. وَلا تَحْزَنَ هي بفراقك أو أنت على فراقها وفقد إشفاقها. وَقَتَلْتَ نَفْساً نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإِسرائيلي. فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ غم قتله خوفاً
стр. 672
من عقاب الله تعالى واقتصاص فرعون بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مدين. وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً وابتليناك ابتلاء، أو أنواعاً من الابتلاء على أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء كحجوز وبدور في حجزة وبدرة، فخلصناك مرة بعد أخرى وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الألاّف، والمشي راجلاً على حذر وفقد الزاد وأجر نفسه إلى غير ذلك أوله ولما سبق ذكره. فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ لبثت فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين، ومدين على ثمان مراحل من مصر. ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ قدرته لأن أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر، أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء. يَا مُوسى كرره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢)
وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي واصطفيتك لمحبتي مثله فيما خوله من الكرامة بمن قربه الملك واستخلصه لنفسه.
اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي بمعجزاتي. وَلا تَنِيا ولا تفترا ولا تقصرا، وقرئ تَنِيا بكسر التاء.
فِي ذِكْرِي لا تنسياني حيثما تقلبتما. وقيل في تبليغ ذكري والدعاء إليّ.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٣ إليَّ ٤٤]
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤)
اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى أمر به أولاً موسى ﵊ وحده وهاهنا إياه وأخاه فلا تكرير.
قيل أوحى إلى هارون أن يتلقى موسى، وقيل سمع بمقبله فاستقبله.
فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً مثل هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة حذراً أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما، أو احتراماً لما له من حق التربية عليك. وقيل كنياه وكان له ثلاث كنى: أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة. وقيل عداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا يزول إلا بالموت. لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى متعلق ب اذْهَبا أو «قولا» أي: باشرا الأمر على رجائكما. وطمعكما أنه يثمر ولا يخيب سعيكما، فإن الراجي مجتهد والآيس متكلف، والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علمه بأنه لا يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم، ولذلك قدم الأول أي إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
قَالاَ رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لاَ تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦)
قَالاَ رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة، من فرط إذا تقدم ومنه الفارط وفرس فرط يسبق الخيل. وقرئ «يَفْرُطَ» من أفرطته إذا حملته على العجلة، أي نخاف أن يحمله حامل من استكبار أو خوف على الملك أو شيطان إنسي أو جني على المعاجلة بالعقاب، و «يَفْرُطَ» من الإِفراط في الأذية. أَوْ أَنْ يَطْغى أو أن يزداد طغياناً فيتخطى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب.
قالَ لاَ تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالحفظ والنصر. أَسْمَعُ وَأَرى ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل، فأحدث في كل ما يصرف شره عنكما ويوجب نصرتي لكما، ويجوز أن لا يقدر شيء على معنى إنني حافظكما سامعاً ومبصراً، والحافظ إذا كان قادراً سميعاً بصيراً تم الحفظ.
стр. 673
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٧ الى ٤٨]
فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)
فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ أطلقهم. وَلا تُعَذِّبْهُمْ بالتكاليف الصعبة وقتل الولدان، فإنهم كانوا في أيدي القبط يستخدمونهم ويتعبونهم في العمل ويقتلون ذكور أولادهم في عام دون عام، وتعقيب الإِتيان بذلك دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإِيمان، ويجوز أن يكون للتدريج في الدعوة. قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ جملة مقررة لما تضمنه الكلام السابق من دعوى الرسالة، وإنما وحد الآية وكان معه آيتان لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها لا الإِشارة إلى وحدة الحجة وتعددها، وكذلك قوله: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ، فَأْتِ بِآيَةٍ، قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى وسلام الملائكة وخزنة الجنة على المهتدين، أو السلامة في الدارين لهم.
إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أن عذاب المنزلين على المكذبين للرسل، ولعل تغيير النظم والتصريح بالوعيد والتوكيد فيه لأن التهديد في أول الأمر أهم وأنجع وبالواقع أليق.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٩ الى ٥٠]
قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠)
قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى أن بعد ما أتياه وقالا له ما أمرا به، ولعله حذف لدلالة الحال عليه فإن المطيع إذا أمر بشيء فعله لا محالة، وإنما خاطب الاثنين وخص موسى ﵊ بالنداء لأنه الأصل وهارون وزيره وتابعه، أو لأنه عرف أن له رتة ولأخيه فصاحة فأراد أن يفحمه ويدل عليه قوله أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ.
قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ من الأنواع خَلْقَهُ صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له، أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، فقدم المفعول الثاني لأنه المقصود بيانه. وقيل أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجا. وقرئ خَلَقَهُ صفة للمضاف إليه أو المضاف على شذوذ فيكون المفعول الثاني محذوفاً أي: أعطى كل مخلوق ما يصلحه. ثُمَّ هَدى ثم عرفه كيف يرتفق بما أعطي وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختياراً أو طبعاً، وهو جواب في غاية البلاغة لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها، ودلالته على أن الغني القادر بالذات المنعم على الإِطلاق هو الله تعالى وأن جميع ما عداه مفتقر إليه منعم عليه في حد ذاته وصفاته وأفعاله، ولذلك بهت الذي كفر وأفحم عن الدخل عليه فلم ير إِلاَّ صَرْفَ الكلام عنه.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٥١ الى ٥٢]
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢)
قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة.
قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي هو غيب لا يعلمه إلا هو وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به.
فِي كِتابٍ مثبت في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يكون تمثيلاً لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة ويؤيده. لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى والضلال أن تخطئ الشيء في مكانه فلم تهتد إليه، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك، وهما محالان على العالم بالذات، ويجوز أن يكون سؤاله دخلاً على إحاطة قدرة الله تعالى بالأشياء كلها وتخصيصه ابعاضها بالصور والخواص المختلفة، بأن ذلك يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء وجزئياتها، والقرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط علمه بهم
стр. 674
وبأجزائهم وأحوالهم فيكون معنى الجواب: أن علمه تعالى محيط بذلك كله وأنه مثبت عنده لا يضل ولا ينسى.
[سورة طه (٢٠) : آية ٥٣]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣)
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً مرفوع صفة ل رَبِّي أو خبر لمحذوف أو منصوب على المدح. وقرأ الكوفيون هنا وفي «الزخرف» مَهْداً أي كالمهد تتمدونها، وهو مصدر سمي به، والباقون مهاداً وهو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد ولم يختلفوا في الذي في «النبأ» . وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء مطراً.
فَأَخْرَجْنا بِهِ عدل به عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى، تنبيهاً على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته، وعلى هذا نظائره كقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماء فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ الآية. أَزْواجاً أصنافاً سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض. مِنْ نَباتٍ بيان أو صفة لأزواجاً وكذلك: شَتَّى ويحتمل أن يكون صفة ل نَباتٍ فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع، وهو جمع شتيت كمريض ومرضى أي متفرقات في الصور والأغراض والمنافع يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم فلذلك قال:
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٤ الى ٥٥]
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥)
كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ وهو حال من ضمير فَأَخْرَجْنا على إرادة القول أي أخرجنا أصناف النبات قائلين كُلُوا وَارْعَوْا، والمعنى معديها لانتفاعكم بالأكل والعلف آذنين فيه. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح جمع نهية.
مِنْها خَلَقْناكُمْ فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم وأول مواد أبدانكم. وَفِيها نُعِيدُكُمْ بالموت وتفكيك الأجزاء. وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة ورد الأرواح إليها.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٦ الى ٥٧]
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧)
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا بصرناه إياها أو عرفناه صحتها. كُلَّها تأكيد لشمول الأنواع أو لشمول الأفراد، على أن المراد بآياتنا آيات معهودة وهي الآيات التسع المختصة بموسى، أو أنه ﵇ أراه آياته وعدد عليه ما أوتي غيره من المعجزات فَكَذَّبَ موسى من فرط عناده. وَأَبى الإِيمان والطاعة لعتوه..
قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا أرض مصر. بِسِحْرِكَ يا مُوسى هذا تعلل وتحير ودليل على أنه علم كونه محقاً حتى خاف منه على ملكه، فإن الساحر لا يقدر أن يخرج ملكاً مثله من أرضه.
[سورة طه (٢٠) : آية ٥٨]
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨)
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ مثل سحرك. فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً وعداً لقوله: لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا
стр. 675
أَنْتَ
فإن الإِخلاف لا يلائم الزمان والمكان وانتصاب. مَكاناً سُوىً بفعل دل عليه المصدر لا به لأنه موصوف، أو بأنه بدل من مَوْعِداً على تقدير مكان مضاف إليه وعلى هذا يكون طباق الجواب في قوله.
[سورة طه (٢٠) : آية ٥٩]
قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)
قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ من حيث المعنى فإن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم، أو بإضمار مثل مكان موعدكم مكان يوم الزينة كما هو على الأول، أو وعدكم وعد يوم الزينة، وقرئ «يوم» بالنصب وهو ظاهر في أن المراد بهما المصدر، ومعنى سُوىً منتصفاً يستوي مسافته إلينا وإليك وهو في النعت كقولهم: قوم عدي في الشذوذ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب بالضم، وقيل في يَوْمُ الزِّينَةِ يوم عاشوراء، أو يوم النيروز، أو يوم عيد كان لهم في كل عام، وإنما عينه ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد ويشيع ذلك في الأقطار. وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى عطف على ال يَوْمُ أو الزِّينَةِ، وقرئ على البناء للفاعل بالتاء على خطاب فرعون والياء على أن فيه ضمير ال يَوْمُ أو ضمير فِرْعَوْنُ على أن الخطاب لقومه.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٠ الى ٦١]
فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١)
فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ما يكاد به يعني السحرة وآلاتهم. ثُمَّ أَتى الموعد.
قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً بأن تدعوا آياته سحراً. فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ فيهلككم ويستأصلكم، وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب بالضم من الاسحات وهو لغة نجد وتميم، والسحت لغة الحجاز. وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى كما خاب فرعون، فإنه افترى واحتال ليبقى الملك عليه فلم ينفعه.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٢ الى ٦٣]
فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣)
فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ أي تنازعت السحرة في أمر موسى حين سمعوا كلامه فقال بعضهم: ليس هذا من كلام السحرة. وَأَسَرُّوا النَّجْوى بأن موسى إن غلبنا اتبعنا أو تنازعوا واختلفوا فيما يعارضون به موسى وتشاوروا في السر. وقيل الضمير لفرعون وقومه وقوله:
قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ تفسير ل أَسَرُّوا النَّجْوى كأنهم تشاوروا في تلفيقه حذراً أن يغلبا فيتبعهما الناس، وهذانِ اسم إن على لغة بلحرث بن كعب فإنهم جعلوا الألف للتثنية وأعربوا المثنى تقديراً. وقيل اسمها ضمير الشأن المحذوف وهذانِ لَساحِرانِ خبرها. وقيل إِنْ بمعنى نعم وما بعدها مبتدأ وخبر وفيهما إن اللام لا تدخل خبر المبتدأ. وقيل أصله إنه هذان لهما ساحران فحذف الضمير وفيه أن المؤكد باللام لا يليق به الحذف، وقرأ أبو عمرو «أن هذين» وهو ظاهر، وابن كثير وحفص إِنْ هذانِ
على أنها هي المخففة واللام هي الفارقة أو النافية واللام بمعنى إلا. يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بالاستيلاء عليها. بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما لقوله إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ. وقيل أرادوا أهل طريقتكم وهم بنو إسرائيل فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم لقول موسى فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ. وقيل الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم من حيث إنهم قدوة لغيرهم.
стр. 676
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٤ الى ٦٥]
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يَا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥)
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ فأزمعوه واجعلوه مجمعاً عليه لا يتخلف عنه واحد منكم. وقرأ أبو عمرو فَأَجْمِعُوا ويعضده قوله فَجَمَعَ كَيْدَهُ والضمير في قالُوا إن كان للسحرة فهو قول بعضهم لبعض.
ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين. قيل كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد منهم حبل عصا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة. وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى فاز بالمطلوب من غلب وهو اعتراض.
قالُوا يَا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى أي بعد ما أتوا مراعاة للأدب وأَنْ بما بعده منصوب بفعل مضمر أو مرفوع بخبرية محذوف، أي اختر إلقاءك أولاً أو إلقاءنا أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا.
[سورة طه (٢٠) : آية ٦٦]
قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦)
قالَ بَلْ أَلْقُوا مقابلة أدب بأدب وعدم مبالاة بسحرهم، وإسعافاً إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في شقهم وتغيير النظم إلى وجه أبلغ، ولأن يبرزوا ما معهم ويستنفذوا أقصى وسعهم ثم يظهر الله سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه. فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى أي فألقوا فإذا حبالهم وعصيهم، وهي للمفاجأة والتحقيق أنها أيضاً ظرفية تستدعي متعلقاً ينصبها وجملة تضاف إليها، لكنها خصت بأن يكون المتعلق فعل المفاجأة والجملة ابتدائية والمعنى: فألقوا ففاجأ موسى ﵊ وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم، وذلك بأنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت فخيل إليه أنها تتحرك. وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان وروح «تخيل» بالتاء على إسناده إلى ضمير الحبال والعصي، وإبدال أنها تَسْعى منه بدل الاشتمال، وقرئ «يخيل» بالياء على إسناده إلى الله تعالى، و «تخيل» بمعنى تتخيل.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٦٧ الى ٦٩]
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى فأضمر فيها خوفاً من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية، أو من أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه.
قُلْنا لاَ تَخَفْ ما توهمت. إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى تعليل للنهي وتقرير لغلبته مؤكداً بالاستئناف، وحرف التحقيق وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو الدال على الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل.
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ أبهمه ولم يقل عصاك تحقيراً لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويدة التي في يدك، أو تعظيماً لها أي لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثراً فألقه. تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا تبتلعه بقدرة الله تعالى، وأصله تتلقف فحذفت إحدى التاءين، وتاء المضارعة تحتمل التأنيث والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبب. وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان بالرفع على الحال أو الاستئناف وحفص بالجزم والتخفيف على أنه من لقفته بمعنى تلقفته. إِنَّما صَنَعُوا أن الذي زوروا وافتعلوا.
كَيْدُ ساحِرٍ وقرئ بالنصب على أن ما كافة وهو مفعول صنعوا. وقرأ حمزة والكسائي «سحر» بمعنى ذي سحر، أو بتسمية الساحر سحراً على المبالغة، أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم: علم فقه، وإنما وحد الساحر لأن المراد به الجنس المطلق ولذلك قال: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ أي هذا الجنس وتنكير الأول
стр. 677
لتنكير المضاف كقول العجاج:
يَوْمَ تَرَى النُّفُوسُ مَا أَعَدَّت ... فِي سَعْيِ دُنْيَا طَالَما قَدْ مَدَّتْ
كأنه قيل إنما صنعوا كيد سحري. حَيْثُ أَتى حيث كان وأين أقبل.
[سورة طه (٢٠) : آية ٧٠]
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠)
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً أي فألقى فتلقفت فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر وإنما هو آية من آيات الله ومعجزة من معجزاته، فألقاهم ذلك على وجوههم سجداً لله توبة عما صنعوا وإعتاباً وتعظيماً لما رأوا. قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قدم هارون لكبر سنه أو لروي الآية، أو لأن فرعون ربى موسى في صغره فلو اقتصر على موسى أو قدم ذكره لربما توهم أن المراد فرعون وذكر هارون على الاستتباع. روي أنهم رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها.
[سورة طه (٢٠) : آية ٧١]
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١)
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ أي لموسى واللام لتضمن الفعل معنى الاتباع. وقرأ قنبل وحفص آمَنْتُمْ لَهُ على الخبر والباقون على الاستفهام. قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ في الإِيمان له. إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ لعظيمكم في فنكم وأعلمكم به أو لأستاذكم. الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ وأنتم تواطأتم على ما فعلتم. فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ اليد اليمنى والرجل اليسرى، ومن ابتدائية كأن القطع ابتدأ من مخالفة العضو العضو وهي مع المجرور بها في حيز النصب على الحال، أي لأقطعنها مختلفات وقرئ «لأقطعن» «ولأصلبن» بالتخفيف.
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ شبه تمكن المصلوب بالجذع بتمكن المظروف بالظرف وهو أول من صلب.
وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا يريد نفسه وموسى لقوله آمَنْتُمْ لَهُ واللام مع الإِيمان في كتاب الله لغير الله أراد به توضيع موسى والهزء به، فإنه لم يكن من التعذيب في شيء. وقيل رب موسى الذي آمنوا به. أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى وأدوم عقابا.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٢ الى ٧٣]
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣)
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ لن نختارك. عَلى مَا جاءَنا موسى به، ويجوز أن يكون الضمير فيه لما. مِنَ الْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات. وَالَّذِي فَطَرَنا عطف على ما جاءنا أو قسم. فَاقْضِ مَا أَنْتَ قاضٍ ما أنت قاضيه أي صانعه أو حاكم به. إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا إنما تصنع ما تهواه، أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى فهو كالتعليل لما قبله والتمهيد لما بعده. وقرئ «تقضى هذه الحياة الدنيا» كقولك: صيم يوم الجمعة.
إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا من الكفر والمعاصي. وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ من معارضة المعجزة. روي أنهم قالوا لفرعون أرنا موسى نائماً فوجدوه تحرسه العصا فقالوا ما هذا بسحر فإن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه. وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى جزاء أو خير ثواباً وأبقى عقاباً.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٤ الى ٧٦]
إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)
стр. 678
إِنَّهُ إن الأمر. مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً بأن يموت على كفره وعصيانه. فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيها فيستريح. وَلا يَحْيى حياة مهنأة.
وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ في الدنيا. فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى المنازل الرفيعة.
جَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من الدرجات. تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها حال والعامل فيها معنى الإِشارة أو الاستقرار. وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى تطهر من أدناس الكفر والمعاصي، والآيات الثلاث يحتمل أن تكون من كلام السحرة وأن تكون ابتداء كلام من الله تعالى.
[سورة طه (٢٠) : آية ٧٧]
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧)
وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أي من مصر. فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فاجعل لهم، من قولهم ضرب له في ماله سهماً أو فاتخذ من ضرب اللبن إذا عمله. فِي الْبَحْرِ يَبَساً يابساً مصدر وصف به يقال يبس يبساً ويبساً كسقم سقماً وسقماً، ولذلك وصف به المؤنث فقيل شاة يبس للتي جف لبنها، وقرئ «يبْسا» وهو إما مخفف منه أو وصف على فعل كصعب أو جمع يابس كصحب وصف به الواحد مبالغة كقوله:
كَأَنَّ قُتُودَ رَحْلِي حِينَ ضَمَّت ... حَوَالِبَ غُرزاً وَمَعِيَ جِيَاعاً
أو لتعدده معنى فإنه جعل لكل سبط منهم طريقاً. لاَّ تَخافُ دَرَكاً حال من المأمور أي آمنا من أن يدرككم العدو، أو صفة ثانية والعائد محذوف، وقرأ حمزة «لا تخف» على أنه جواب الأمر. وَلا تَخْشى استئناف أي وأنت لا تخشى، أو عطف عليه والألف فيه للإِطلاق كقوله وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا أو حال بالواو والمعنى ولا تخشى الغرق.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٨ الى ٧٩]
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩)
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ وذلك إن موسى ﵇ خرج بهم أول الليل فَأُخْبِرَ فرعون بذلك فقص أثرهم، والمعنى فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده فحذف المفعول الثاني. وقيل فَأَتْبَعَهُمْ بمعنى فأتبعهم ويؤيده القراءة به والباء للتعدية وقيل الباء مزيدة والمعنى: فاتبعهم جنوده وذادهم خلفهم. فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ الضمير لجنوده أوله ولهم، وفيه مبالغة ووجازة أي: غشيهم ما سمعت قصته ولا يعرف كنهه إلا الله. وقرئ «فغشاهم ما غشاهم» أي غطاهم ما غطاهم والفاعل هو الله تعالى أو ما غشاهم أو فرعون لأنه الذي ورطهم للهلاك.
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى أي أضلهم في الدين وما هداهم وهو تهكم به في قوله وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ أو أضلهم في البحر وما نجا.
[سورة طه (٢٠) : آية ٨٠]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠)
يا بَنِي إِسْرائِيلَ خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون على إضمار قلنا، أو للذين منهم في عهد النبي ﵊ بما فعل بآبائهم. قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فرعون وقومه. وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ بمناجاة موسى وإنزال التوراة عليه، وإنما عد المواعدة إليهم وهي لموسى أوله وللسبعين المختارين للملابسة. وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى يعني في التيه.
стр. 679
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢)
كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ لذائذه أو حلالاته، وقرأ حمزة والكسائي «أنجيتكم» «وواعدتكم» و «ما رزقتكم» على التاء. وقرئ «ووعدتكم» «ووعدناكم» ، والأيمن بالجر على الجوار مثل: جحر ضب خرب.
وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فيما رزقناكم بالإِخلال بشكره والتعدي لما حد الله لكم فيه كالسرف والبطر والمنع عن المستحق. فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي فيلزمكم عذابي ويجب لكم من حل الدين إذا وجب أداؤه. وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى فقد تردى وهلك، وقيل وقع في الهاوية، وقرأ الكسائي «يحل» ويَحْلِلْ بالضم من حل يحل إذا نزل.
وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ عن الشرك. وَآمَنَ بما يجب الإِيمان به. وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ثم استقام على الهدى المذكور.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٣ الى ٨٤]
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤)
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى سؤال عن سبب العجلة يتضمن إنكارها من حيث إنها نقيصة في نفسها انضم إليها إغفال القوم وإيهام التعظم عليهم فلذلك أجاب موسى عن الأمرين وقدم جواب الإِنكار لأنه أهم.
قالَ موسى. هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي أي ما تقدمتهم إلا بخطاً يسيرة لا يعتد بها عادة وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم بعضاً. وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك توجب مرضاتك.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٥ الى ٨٦]
قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)
قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم وهم الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفاً. وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته، وقرئ «وَأَضَلَّهُمْ» أي أشدهم ضلالاً لأنه كان ضالاً مضلاً، وإن صح أنهم أقاموا على الدين بعد ذهابه عشرين ليلة وحسبوها بأيامها أربعين وقالوا قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل، وإن هذا الخطاب كان له عند مقدمه إذ ليس في الآية ما يدل عليه كان ذلك إخباراً من الله له عن المترقب بلفظ الواقع على عادته، فإن أصل وقوع الشيء أن يكون في علمه ومقتضى مشيئته، والسَّامِرِيُّ منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة. وقيل كان علجا من كرمان. وقيل من أهل باجرما واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً.
فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ بعد ما استوفى الأربعين وأخذ التوراة غَضْبانَ عليهم. أَسِفاً حزيناً بما فعلوا. قالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً وبأن يعطيكم التوراة فيها هدى ونور. أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أي الزمان يعني زمان مفارقته لهم. أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ يجب عليكم. غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ
стр. 680
بعبادة ما هو مثل في الغباوة. فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي وعدكم إياي بالثبات على الإِيمان بالله والقيام على ما أمرتكم به، وقيل هو من أخلفت وعده إذا وجدت الخلف فيه، أي فوجدتم الخلف في وعدي لكم بالعود بعد الأربعين، وهو لا يناسب الترتيب على الترديد ولا على الشق الذي يليه ولا جوابهم له.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٧ الى ٨٩]
قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩)
قالُوا مَا أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا بأن ملكنا أمرنا إذ لو خلينا وأمرنا ولم يسول لنا السامري لما أخلفناه، وقرأ نافع وعاصم بِمَلْكِنا بالفتح وحمزة والكسائي بالضم وثلاثتها في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء. وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ حملنا أحمالاً من حلى القبط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس. وقيل استعاروا لعيد كان لهم، ثم لم يردوا عند الخروج مخافة أن يعلموا به، وقيل: هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم فأخذوه ولعلهم سموها أوزاراً لأنها آثام، فإن الغنائم لم تكن تحل بعد أو لأنهم كانوا مستأمنين وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي. فَقَذَفْناها أي في النار.
فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ أي ما كان معه منها.
روي أنهم لما حسبوا أن العدة قد كملت قال لهم السامري:
إنما أخلف موسى ميعادكم لما معكم من حلى القوم وهو حرام عليكم، فالرأي أن نحفر حفيرة ونسجر فيها ناراً ونقذف كل ما معنا فيها ففعلوا.
وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر وروح حُمِّلْنا بالفتح والتخفيف.
فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً من تلك الحلي المذابة. لَهُ خُوارٌ صوت العجل. فَقالُوا يعني السامري ومن افتتن به أول ما رآه. هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ أي فنسيه موسى وذهب يطلبه عند الطور، أو فنسي السامري أي ترك ما كان عليه من إظهار الإِيمان.
أَفَلا يَرَوْنَ أفلا يعلمون. أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا أنه لا يرجع إليهم كلاماً ولا يرد عليهم جواباً.
وقرئ يَرْجِعُ بالنصب وفيه ضعف لأن أن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين. وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً ولا يقدر على إنفاعهم وإضرارهم.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٠ الى ٩١]
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)
وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ من قبل رجوع موسى ﵊، أو قول السامري كأنه أول ما وقع عليه بصره حين طلع من الحفرة توهم ذلك وبادرَ تحذيرهم. يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ بالعجل. وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ لا غيره. فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي في الثبات على الدين.
قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ على العجل وعبادته. عاكِفِينَ مقيمين. حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى وهذا الجواب يؤيد الوجه الأول.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٢ الى ٩٤]
قالَ يا هارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)
قالَ يا هارُونُ أي قال له موسى حين رجع. مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا بعبادة العجل.
стр. 681
أَلَّا تَتَّبِعَنِ أن تتبعني في الغضب لله والمقاتلة مع من كفر به، أو أن تأتي عقبي وتلحقني و «لا» مزيدة كما في قوله مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ. أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي بالصلابة في الدين والمحاماة عليه.
لَ يَا بْنَ أُمَ
خص الأم استعطافاً وترقيقاً، وقيل لأنه كان أخاه من الأم والجمهور على أنهما كانا من أب وأم. تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي
أي بشعر رأسي قبض عليهما يجره إليه من شدة غيظه وفرط غضبه لله، وكان ﵊ حديداً خشناً متصلباً في كل شيء فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل.
ِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ
لو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض. لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي
حين قلت اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ فإن الإِصلاح كان في حفظ الدهماء والمداراة لهم إلى أن ترجع إليهم فتتدارك الأمر برأيك.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٥ الى ٩٦]
قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)
قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ أي ثم أقبل عليه وقال له منكراً ما خطبك أي ما طلبك له وما الذي حملك عليه، وهو مصدر خطب الشيء إذا طلبه.
قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب أي علمت بما لم تعلموه وفطنت لما لم تفطنوا له، وهو أن الرسول الذي جاءك روحاني لا يمس أثره شيئاً إلا أحياه، أو رأيت ما لم تروه وهو أن جبريل ﵊ جاءك على فرس الحياة. وقيل إنما عرفه لأن أمه ألقته حين ولدته خوفاً من فرعون وكان جبريل يغذوه حتى استقل. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ من تربة موطئه والقبضة المرة من القبض فأطلق على المقبوض كضرب الأمير، وقرئ بالصاد والأول للأخذ بجميع الكف والثاني للأخذ بأطراف الأصابع ونحوهما الخضم والقضم، والرسول جبريل ﵊ ولعله لم يسمه لأنه لم يعرف أنه جبريل أو أراد أن ينبه على الوقت وهو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطور. فَنَبَذْتُها في الحلي المذاب أو في جوف العجل حتى حيي. وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي زينته وحسنته لي.
[سورة طه (٢٠) : آية ٩٧]
قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لاَ مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧)
قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ عقوبة على ما فعلت. أَنْ تَقُولَ لاَ مِساسَ خوفاً من أن يمسك أحد فتأخذك الحمى ومن مسك فتتحامى الناس ويتحاموك وتكون طريداً وحيدا كالوحش النافر، وقرئ «لاَ مِسَاسَ» كفجار وهو علم للمسة. وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً في الآخرة. لَنْ تُخْلَفَهُ لن يخلفكه الله وينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك في الدنيا، وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر اللام أي لن تخلف الواعد إياه وسيأتيك لا محالة، فحذف المفعول الأول لأن المقصود هو الموعد ويجوز أن يكون من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفا، وقرئ بالنون على حكاية قول الله. وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً ظللت على عبادته مقيماً فحذف اللام الأولى تخفيفاً، وقرئ بكسر الظاء على نقل حركة اللام إليها. لَنُحَرِّقَنَّهُ أي بالنار ويؤيده قراءة لَنُحَرِّقَنَّهُ، أو بالمبرد على أنه مبالغة في حرق إذ برد بالمبرد ويعضده قراءة لَنُحَرِّقَنَّهُ. ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ ثم لنذرينه رماداً أو مبرودا وقرئ بضم السين. فِي الْيَمِّ نَسْفاً فلا يصادف منه شيء والمقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر.
[سورة طه (٢٠) : آية ٩٨]
إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨)
.
стр. 682
إِنَّما إِلهُكُمُ المستحق لعبادتكم. اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ إذ لا أحد يماثله أو يدانيه في كمال العلم والقدرة. وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً وسع علمه كل ما يصح أن يعلم لا العجل الذي يصاغ ويحرق وإن كان حياً في نفسه كان مثلاً في الغباوة، وقرئ وَسِعَ فيكون انتصاب عِلْماً على المفعولية لأنه وإن انتصب على التمييز في المشهورة لكنه فاعل في المعنى فلما عدي الفعل بالتضعيف إلى المفعولين صار مفعولا.
[سورة طه (٢٠) : آية ٩٩]
كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩)
كَذلِكَ مثل ذلك الاقتصاص يعني اقتصاص قصة موسى ﵊. نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ مَا قَدْ سَبَقَ من أخبار الأمور الماضية والأمم الدارجة تبصرة لك وزيادة في علمك وتكثيراً لمعجزاتك وتنبيهاً وتذكيراً للمستبصرين من أمتك. وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً كتاباً مشتملاً على هذه الأقاصيص والأخبار حقيقاً بالتفكر والاعتبار، والتنكير فيه للتعظيم. وقيل ذكراً جميلاً وصيتاً عظيماً بين الناس.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٠٠ الى ١٠١]
مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١)
مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ عن الذكر الذي هو القرآن الجامع لوجوه السعادة والنجاة وقيل عن الله. فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً عقوبة ثقيلة فادحة على كفره، وذنوبه سماها وِزْراً تشبيهاً في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح الحامل وينقض ظهره، أو إثماً عظيماً.
خالِدِينَ فِيهِ في الوزر أو في حمله، والجمع فيه والتوحيد في أعرض للحمل على المعنى واللفظ.
وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا أي بئس لهم ففيه ضمير مبهم يفسره حِمْلًا، والمخصوص بالذم محذوف أي ساء حملاً وزرهم، واللام في لَهُمْ للبيان كما في هَيْتَ لَكَ ولو جعلت ساءَ بمعنى أحزن والضمير الذي فيه للوزر أشكل أمر اللام ونصب حِمْلًا ولم يفد مزيد معنى.
[سورة طه (٢٠) : آية ١٠٢]
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢)
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وقرأ أبو عمرو بالنون على إسناد النفخ إلى الآمر به تعظيماً له أو للنافخ. وقرئ بالياء المفتوحة على أن فيه ضمير الله أو ضمير إسرافيل وإن لم يجر ذكره لأنه المشهور بذلك، وقرئ «فِى الصور» وهو جمع صورة وقد سبق بيان ذلك وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ وقرئ «ويحشر المجرمون» زُرْقاً زرق العيون وصفوا بذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب، لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق العين ولذلك قالوا في صفة العدو: أسود الكيد، أصهب السبال، أزرق العين أو عمياً، فإن حدقة الأعمى تزراق.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٠٣ الى ١٠٤]
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (١٠٤)
يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ يخفضون أصواتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول والخفت خفض الصوت وإخفاؤه. إِنْ ما لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً أي في الدنيا يستقصرون مدة لبثهم فيها لزوالها، أو لاستطالتهم مدة الآخرة أو لتأسفهم عليها لما عاينوا الشدائد وعلموا أنهم استحقوها على إضاعتها في قضاء الأوطار واتباع الشهوات، أو في القبر لقوله وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ إلى آخر الآيات.
نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وهو مدة لبثهم. إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أعدلهم رأياً أو عملاً. إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً استرجاح لقول من يكون أشد ثقالا منهم.
стр. 683
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٧]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لاَّ تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧)
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ عن مآل أمرها وقد سأل عنها رجل من ثقيف. فَقُلْ لهم. يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها.
فَيَذَرُها فيذر مقارها، أو الأرض وإضمارها من غير ذكر لدلالة الْجِبالِ عليها كقوله: مَا تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ. قَاعاً خالياً صَفْصَفاً مستوياً كأن أجزاءها على صف واحد.
لاَّ تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً اعوجاجاً ولا نتواً إن تأملت فيها بالقياس الهندسي، وثلاثتها أحوال مترتبة فالأولان باعتبار الإِحساس والثالث باعتبار المقياس ولذلك ذكر العوج بالكسر وهو يخص بالمعاني، والأمت وهو النتوء اليسير وقيل لا ترى استئناف مبين للحالين.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩)
يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ نسفت على إضافة اليوم إلى وقت النسف، ويجوز أن يكون بدلاً ثانياً من يوم القيامة. يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ داعي الله إلى المحشر، قيل هو إسرافيل يدعو الناس قائماً على صخرة بيت المقدس فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لاَ عِوَجَ لَهُ لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه. وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ خفضت لمهابته. فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً صوتاً خفياً ومنه الهميس لصوت أخفاف الإِبل، وقد فسر الهمس بخفق أقدامهم ونقلها إلى المحشر.
يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ الاستثناء من الشفاعة أي إلا شفاعة من أذن له أو من أعم المفاعيل، أي إلا من أذن في أن يشفع له فإن الشفاعة تنفعه، فَ مَنْ على الأول مرفوع على البدلية وعلى الثاني منصوب على المفعولية وأَذِنَ يحتمل أن يكون من الاذن ومن الأذن. وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا أي ورضي لمكانه عند الله قوله في الشفاعة أو رضي لأجله قول الشافع في شأنه، أو قوله لأجله وفي شأنه.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٠ الى ١١١]
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١)
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ما تقدمهم من الأحوال. وَما خَلْفَهُمْ وما بعدهم مما يستقبلونه. وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ولا يحيط علمهم بمعلوماته، وقيل بذاته وقيل الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعهما، فإنهم لم يعلموا جميع ذلك ولا تفصيل ما علموا منه.
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ذلت وخضعت له خضوع العناة وهم الأساري في يد الملك القهار، وظاهرها يقتضي العموم ويجوز أن يراد بها وجوه المجرمين فتكون اللام بدل الإِضافة ويؤيده. وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً وهو يحتمل الحال والاستئناف لبيان ما لأجله عنت وجوههم.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٢ الى ١١٣]
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣)
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ بعض الطاعات. وَهُوَ مُؤْمِنٌ إذ الإِيمان شرط في صحة الطاعات وقبول
стр. 684
الخيرات. فَلا يَخافُ ظُلْماً منع ثواب مستحق بالوعد وَلا هَضْماً ولا كسراً منه بنقصان أو جزاء ظلم وهضم لأنه لم يظلم غيره ولم يهضم حقه، وقرئ «فلا يخف» على النهي.
وَكَذلِكَ عطف على كذلك نقص أي مثل ذلك الإِنزال أو مثل إنزال هذه الآيات المتضمنة للوعيد.
أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا كله على هذه الوتيرة. وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ مكررين فيه آيات الوعيد. لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ المعاصي فتصير التقوى لهم ملكة. أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً عظة واعتباراً حين يسمعونها فتثبطهم عنها، ولهذه النكتة أسند التقوى إليهم والإحداث إلى القرآن.
[سورة طه (٢٠) : آية ١١٤]
فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤)
فَتَعالَى اللَّهُ في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين لا يماثل كلامه كلامهم كما لا تماثل ذاته ذاتهم.
الْمَلِكُ النافذ أمره ونهيه الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده. الْحَقُّ في ملكوته يستحقه لذاته، أو الثابت في ذاته وصفاته وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ نهي عن الاستعجال في تلقي الوحي من جبريل ﵇ ومساوقته في القراءة حتى يتم وحيه بعد ذكر الإِنزال على سبيل الاستطراد. وقيل نهي عن تبليغ ما كان مجملاً قبل أن يأتي بيانه. وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً أي سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال فإن ما أوحى إليك تناله لا محالة.
[سورة طه (٢٠) : آية ١١٥]
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥)
وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ ولقد أمرناه يقال تقدم الملك إليه وأوعز إليه وعزم عليه وعهد إليه إذا أمره، واللام جواب قسم محذوف وإنما عطف قصة آدم على قوله وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ
للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان وعرقهم راسخ في النسيان. مِنْ قَبْلُ من قبل هذا الزمان. فَنَسِيَ العهد ولم يعن به حتى غفل عنه، أو ترك ما وصي به من الاحتراز عن الشجرة. وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً تصميم رأي وثباتاً على الأمر إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان ولم يستطع تغريره، ولعل ذلك كان في بدء أمره قبل أن يجرب الأمور ويذوق شريها وأريها.
وعن النبي ﷺ «لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه وقد قال الله تعالى وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً» .
وقيل عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمده ونَجِدْ وإن كان من الوجود الّذي بمعنى العلم ف لَهُ عَزْماً مفعولاه، وإن كان من الوجود المناقض للعدم فله حال من عزماً أو متعلق بنجد.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٦ الى ١١٧]
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧)
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ مقدر باذكر أي اذكر حاله في ذلك الوقت ليتبين لك أنه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات. فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قد سبق القول فيه. أَبى جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السجود وهو الاستكبار وعلى هذا لا يقدر له مفعول مثل السجود المدلول عليه بقوله فَسَجَدُوا لأن المعنى أظهر الإباءة عن المطاوعة.
فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما فلا يكونن سبباً لإِخراجكما، والمراد نهيهما عن أن يكون بحيث يتسبب الشيطان إلى إخراجهما. مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى أفرده بإسناد الشقاء إليه بعد إشراكهما في الخروج اكتفاء باستلزام شقائه شقاءها من حيث إنه قيم عليها ومحافظة على الفواصل، أو لأن المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش وذلك وظيفة الرجال ويؤيده قوله.
стр. 685
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٨ الى ١١٩]
إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى.
وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى فإنه بيان وتذكير لما له في الجنة من أسباب الكفاية وأقطاب الكفاف التي هي الشبع والري والكسوة والسكن مستغنياً عن اكتسابها والسعي في تحصيل أغراض ما عسى ينقطع ويزول منها بذكر نقائضها، ليطرق سمعه بأصناف الشقوة المحذر عنها، والعاطف وإن ناب عن أن لكنه ناب من حيث إنه عامل لا من حيث إنه حرف تحقيق فلا يمتنع دخوله على أن امتناع دخول إن عليه. وقرأ نافع وأبو بكر وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا بكسر الهمزة والباقون بفتحها.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٢]
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢)
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ فانتهى إليه وسوسته. قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ الشجرة التي من أكل منها خلد ولم يمت أصلاً. فأضافها إلى الخلد أي الخلود لأنها سببه بزعمه. وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلى لا يزول ولا يضعف.
فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ أخذا يلزقان الورق على سوآتهما للتستر وهو ورق التين وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ بأكل الشجرة. فَغَوى فضل عن المطلوب وخاب حيث طلب الخلد بأكل الشجرة، أو عن المأمور به أو عن الرشد حيث اغتر بقول العدو. وقرئ «فغوى» من غوى الفصيل إذا أتخم من اللبن وفي النعي عليه بالعصيان والغواية مع صغر زلته تعظيم للزلة وزجر بليغ لأولاده عنها.
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ اصطفاه وقربه بالحمل على التوبة والتوفيق لها من أجبى إلى كذا فاجتبيته مثل جليت على العروس فاجتليتها، وأصل معنى الكلمة الجمع. فَتابَ عَلَيْهِ فقبل توبته لما تاب. وَهَدى إلى الثبات على التوبة والتشبث بأسباب العصمة.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٤]
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤)
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً الخطاب لآدم وحواء، أوله ولإِبليس ولما كانا أصليَّ الذرية خاطبهما مخاطبتهم فقال: بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ لأمر المعاش كما عليه الناس من التجاذب والتحارب، أو لاختلال حال كل من النوعين بواسطة الآخر ويؤيد الأول قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً كتاب ورسول. فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ في الدنيا. وَلا يَشْقى في الآخرة.
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى عبادتي. فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ضيقاً مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقرئ «ضنكى» كسكرى، وذلك لأن مجامع همته ومطامح نظره تكون إلى أعراض الدنيا متهالكاً على ازديادها خائفاً على انتقاصها، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة مع أنه تعالى قد يضيق بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإِيمان كما قال وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا الآيات، وقيل هو الضريع والزقوم في النار، وقيل عذاب القبر وَنَحْشُرُهُ قرئ بسكون الهاء على لفظ الوقف وبالجزم عطفاً على محل فَإِنَّ لَهُ
стр. 686
مَعِيشَةً ضَنْكاً
لأنه جواب الشرط. يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى أعمى البصر أو القلب ويؤيد الأول.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٥ الى ١٢٧]
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً وقد أمالهما حمزة والكسائي لأن الألف منقلبة من الياء، وفرق أبو عمرو بأن الأول رأس الآية ومحل الوقف فهو جدير بالتغيير.
قالَ كَذلِكَ أي مثل ذلك فعلت ثم فسره فقال: أَتَتْكَ آياتُنا واضحة نيرة. فَنَسِيتَها فعميت عنها وتركتها غير منظور إليها. وَكَذلِكَ ومثل تركك إياها. الْيَوْمَ تُنْسى تترك في العمى والعذاب.
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ بالانهماك في الشهوات والإِعراض عن الآيات. وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ بل كذب بها وخالفها. وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ وهو الحشر على العمى، وقيل عذاب النار أي وللنار بعد ذلك أَشَدُّ وَأَبْقى من ضنك العيش أو منه ومن العمى، ولعله إذا دخل النار زال عماه ليرى محله وحاله أو مما فعله من ترك الآيات والكفر بها.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٨ الى ١٢٩]
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ مسند إلى الله تعالى أو الرسول أو ما دل عليه. كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أي إهلاكنا إياهم أو الجملة بمضمونها، والفعل على الأولين معلق يجري مجرى أعلم ويدل عليه القراءة بالنون.
يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ويشاهدون آثار هلاكهم. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي.
وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وهي العدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة. لَكانَ لِزاماً لكان مثل ما نزل بعاد وثمود لازماً لهؤلاء الكفرة، وهو مصدر وصف به أو اسم آلة سمي به اللازم لفرط لزومه كقولهم لزاز خصم. وَأَجَلٌ مُسَمًّى عطف على كلمة أي ولولا العدة بتأخير العذاب وأجل مسمى لأعمارهم، أو لعذابهم وهو يوم القيامة أو يوم بدر لكان العذاب لزاماً والفصل للدلالة على استقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب، ويجوز عطفه على المستكن في كان أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين له.
[سورة طه (٢٠) : آية ١٣٠]
فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠)
فَاصْبِرْ عَلى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وصل وأنت حامد لربك على هدايته وتوفيقه، أو نزهه عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من النقائص حامداً له على ما ميزك بالهدى معترفاً بأنه المولى للنعم كلها. قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعني الفجر. وَقَبْلَ غُرُوبِها يعني الظهر والعصر لأنهما في آخر النهار أو العصر وحده.
وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ ومن ساعاته جمع أنا بالكسر والقصر، أو أناء بالفتح والمد. فَسَبِّحْ يعني المغرب والعشاء وإنما قدم زمان الليل لاختصاصه بمزيد الفضل فإن القلب فيه أجمع والنفس أميل إلى الاستراحة فكانت العبادة فيه أحمز ولذلك قال : إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا. وَأَطْرافَ النَّهارِ تكرير لصلاتي الصبح والمغرب إرادة الاختصاص، ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الإِلباس كقوله:
ظهرا هما مِثْل ظُهُورِ التِرْسَيْنِ
стр. 687
أو أمر بصلاة الظهر فإنه نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الآخر وجمعه باعتبار النصفين أو لأن النهار جنس، أو بالتطوع في أجزاء النهار. لَعَلَّكَ تَرْضى متعلق ب سَبِّحْ أي سبح في هذه الأوقات طمعاً أن تنال عند الله ما به ترضي نفسك. وقرأ الكسائي وأبو بكر بالبناء للمفعول أي يرضيك ربك.
[سورة طه (٢٠) : آية ١٣١]
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١)
وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي نظر عينيك. إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ استحساناً له وتمنيا أن يكون لك مثله. أَزْواجاً مِنْهُمْ وأصنافاً من الكفرة، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في به والمفعول منهم أي إلى الذي متعنا به، وهو أصناف بعضهم أو ناساً منهم. زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا منصوب بمحذوف دل عليه مَتَّعْنا أو بِهِ على تضمينه معنى أعطينا، أو بالبدل من محل بِهِ أو من أَزْواجاً بتقدير مضاف ودونه، أو بالذم وهي الزينة والبهجة. وقرأ يعقوب بالفتح وهو لغة كالجهرة في الجهرة، أو جمع زاهر وصف لهم بأنهم زاهرو الدنيا لتنعمهم وبهاء زيهم بخلاف ما عليه المؤمنون الزهاد. لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لنبلوهم ونختبرهم فيه، أو لنعذبهم في الآخرة بسببه. وَرِزْقُ رَبِّكَ وما ادخر لك في الآخرة، أو ما رزقك من الهدى والنبوة. خَيْرٌ مما منحهم في الدنيا. وَأَبْقى فإنه لا ينقطع.
[سورة طه (٢٠) : آية ١٣٢]
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢)
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ أمره بأن يأمر أهل بيته أو التابعين له من أمته بالصلاة بعد ما أمر بها ليتعاونوا على الاستعانة بها على خصاصتهم ولا يهتموا بأمر المعيشة ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة. وَاصْطَبِرْ عَلَيْها وداوم عليها. لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً أي أن ترزق نفسك ولا أهلك. نَحْنُ نَرْزُقُكَ وإياهم ففرغ بالك لأم الآخرة. وَالْعاقِبَةُ المحمودة. لِلتَّقْوى لذوي التقوى.
روي «أنه ﵊ كان إذا أصاب أهله ضرٌ أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية» .
[سورة طه (٢٠) : آية ١٣٣]
وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣)
وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ بآية تدل على صدقه في ادعاء النبوة، أو بآية مقترحة إنكاراً لما جاء به من الآيات، أو للاعتداد به تعنتاً وعناداً فألزمهم بإتيانه بالقرآن الذي هو أم المعجزات وأعظمها وأبقاها، لأن حقيقة المعجزة اختصاص مدعي النبوة بنوع من العلم أو العمل على وجه خارق للعادة، ولا شك أن العلم أصل العمل وأعلى منه قدراً وأبقى أثراً فكذا ما كان من هذا القبيل، ونبههم أيضاً على وجه أبين من وجوه إعجاز المختصة بهذا الباب فقال: أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولى من التوراة والإِنجيل وسائر الكتب السماوية، فإن اشتمالها على زبدة ما فيها من العقائد والأحكام الكلية مع أن الآتي بها أُميّ لم يرها ولم يتعلم ممن علمها إعجاز بين، وفيه إشعار بأنه كما يدل على نبوته برهان لما تقدمه من الكتب من حيث أنه معجز وتلك ليست كذلك، بل هي مفتقرة إلى ما يشهد على صحتها. وقرئ «الصحف» بالتخفيف وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بالتاء والباقون بالياء.
[سورة طه (٢٠) : الآيات ١٣٤ الى ١٣٥]
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)
وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ من قبل محمّد ﵊ أو البينة والتذكير لأنها في معنى
стр. 688
البرهان، أو المراد بها القرآن. لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ بالقتل والسبي في الدنيا. وَنَخْزى بدخول النار يوم القيامة، وقد قرئ بالبناء للمفعول فيهما.
قُلْ كُلٌّ أي كل واحد منا ومنكم. مُتَرَبِّصٌ منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم. فَتَرَبَّصُوا وقرئ «فتمتعوا» . فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ المستقيم، وقرئ «السواء» أي الوسط الجيد و «السوءى» و «السوء» أي الشر، و «السوي» هو تصغيره. وَمَنِ اهْتَدى من الضلالة ومَنْ في الموضعين للاستفهام ومحلها الرفع بالابتداء، ويجوز أن تكون الثانية موصولة بخلاف الأولى لعدم العائد فتكون معطوفة على محل الجملة الاستفهامية المعلق عنها الفعل على أن العلم بمعنى المعرفة أو على أصحاب أو على الصراط على أن المراد به النبي ﷺ .
وعنه ﷺ «من قرأ طه أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين» .
стр. 689
(٢١) سورة الأنبياء
مكية وآيها مائة واثنتا عشرة آية
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ بالإِضافة إلى ما مضى أو عند الله لقوله تعالى: إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً وقوله وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ أو لأن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما انقرض ومضى، واللام صلة ل اقْتَرَبَ أو تأكيد للإِضافة وأصله اقترب حساب الناس ثم اقترب للناس الحساب ثم اقترب للناس حسابهم، وخص الناس بالكفار لتقييدهم بقوله: وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ أي في غفلة عن الحساب. مُعْرِضُونَ عن التفكر فيه وهما خبران للضمير، ويجوز أن يكون الظرف حالاً من المستكن في مُعْرِضُونَ.
مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ ينبههم عن سنة الغفلة والجهالة. مِنْ رَبِّهِمْ صفة ل ذِكْرٍ أو صلة ل يَأْتِيهِمْ. مُحْدَثٍ تنزيله ليكرر على أسماعهم التنبيه كي يتعظوا، وقرئ بالرفع حملاً على المحل. إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ يستهزئون به ويستسخرون منه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور والتفكر في العواقب وَهُمْ يَلْعَبُونَ حال من الواو وكذلك:
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٣]
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)
لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ أي استمعوه جامعين بين الاستهزاء والتلهي والذهول عن التفكر فيه، ويجوز أن يكون من واو يَلْعَبُونَ وقرئت بالرفع على أنها خبر آخر للضمير. وَأَسَرُّوا النَّجْوَى بالغوا في إخفائها أو جعلوها بحيث خفي تناجيهم بها. الَّذِينَ ظَلَمُوا بدل من واو وَأَسَرُّوا للإِيماء بأنهم ظالمون فيما أسروا به، أو فاعل له والواو لعلامة الجمع أو مبتدأ والجملة المتقدمة خبره وأصله وهؤلاء أسروا النجوى فوضع الموصول موضعه تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم أو منصوب على الذم. هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ بأمره في موضع النصب بدلاً من النَّجْوَى، أو مفعولاً لقول مقدر كأنهم استدلوا بكونه بشراً على كذبه في ادعاء الرسالة لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكاً، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر فأنكروا حضوره، وإنما أسروا به تشاوراً في استنباط ما يهدم أمره ويظهر فساده للناس عامة.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤ الى ٥]
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)
стр. 690
قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ جهراً كان أو سراً فضلاً عما أسروا به فهو آكد من قوله قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ولذلك اختير هاهنا وليطابق قوله وَأَسَرُّوا النَّجْوَى في المبالغة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص قالَ بالإِخبار عن الرسول ﷺ . وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون.
بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ إضراب لهم عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام ثم إلى أنه كلام افتراه، ثم إلى أنه قول شاعر والظاهر أن بَلْ الأولى لتمام حكاية والإِبتداء بأخرى أو للإِضراب عن تحاورهم في شأن الرسول ﷺ وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاولهم في أمر القرآن، والثانية والثالثة لإِضرابهم عن كونه أباطيل خيلت إليه وخلطت عليه إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه، ثم إلى أنه كلام شعري يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها ويرغبه فيها، ويجوز أن يكون الكل من الله تنزيلاً لأقوالهم في درج الفساد لأن كونه شعراً أبعد من كونه مفترى لأنه مشحون بالحقائق والحكم وليس فيه ما يناسب قول الشعراء، وهو من كونه أحلاماً لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع والمفتري لا يكون كذلك بخلاف الأحلام، ولأنهم جربوا رسول الله ﷺ نيفاً وأربعين سنة وما سمعوا منه كذباً قط، وهو أبعد من كونه سحراً لأنه يجانسه من حيث إنهما من الخوارق. فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ أي كما أرسل به الأولون مثل اليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى، وصحة التشبيه من حيث إن الإِرسال يتضمن الإِتيان بالآية.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٦ الى ٧]
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧)
ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ من أهل قرية. أَهْلَكْناها باقتراح الآيات لما جاءتهم. أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ لو جئتهم بها وهم أعتى منهم، وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للإِبقاء عليهم إذ لو أتى به ولم يؤمنوا استوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم.
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ جواب لقولهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب عن حال الرسل المتقدمة ليزول عنهم الشبهة والإِحالة عليهم إما للإلزام فإن المشركين كانوا يشاورونهم في أمر النبي ﵊ ويثقون بقولهم، أو لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم وإن كانوا كفاراً. وقرأ حفص نُوحِي بالنون.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨ الى ١٠]
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)
وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ نفي لما اعتقدوا أنها من خواص الملك عن الرسل تحقيقاً لأنهم كانوا أبشاراً مثلهم. وقيل جواب لقولهم مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ وَما كانُوا خالِدِينَ تأكيد وتقرير له فإن التعيش بالطعام من توابع التحليل المؤدي إلى الفناء وتوحيد الجسد لا إرادة الجنس، أو لأنه مصدر في الأصل أو على حذف المضاف أو تأويل الضمير بكل واحد وهو جسم ذو لون فلذلك لا يطلق على الماء والهواء، ومنه الجساد للزعفران. وقيل جسم ذو تركيب لأن أصله لجمع الشيء واشتداده.
ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ أي في الوعد. فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ يعني المؤمنين بهم ومن في إبقائه حكمة
стр. 691
كمن سيؤمن هو أو أحد من ذريته، ولذلك حميت العرب من عذاب الاستئصال. وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ في الكفر والمعاصي.
لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ يا قريش كِتاباً يعني القرآن. فِيهِ ذِكْرُكُمْ صيتكم كقوله وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ أو موعظتكم أو ما تطلبون به حسن الذكر من مكارم الأخلاق. أَفَلا تَعْقِلُونَ فتؤمنون.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١١ الى ١٣]
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣)
وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ واردة عن غضب عظيم لأن القصم كسر يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم.
كانَتْ ظالِمَةً صفة لأهلها وصفت بها لما أقيمت مقامه. وَأَنْشَأْنا بَعْدَها بعد إهلاك أهلها. قَوْماً آخَرِينَ مكانهم.
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا فلما أدركوا شدة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس، والضمير للأهل المحذوف.
إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ يهربون مسرعين راكضين دوابهم، أو مشبهين بهم من فرط إسراعهم.
لاَ تَرْكُضُوا على إرادة القول أي قيل لهم استهزاء لا تركضوا إما بلسان الحال أو المقال، والقائل ملك أو من ثم من المؤمنين. وَارْجِعُوا إِلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ من التنعم والتلذذ والإِتراف إبطار النعمة.
وَمَساكِنِكُمْ التي كانت لكم. لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ غدا عن أعمالكم أو تعذبون فإن السؤال من مقدمات العذاب، أو تقصدون للسؤال والتشاور في المهام والنوازل.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٤ الى ١٥]
قالُوا يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥)
قالُوا يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ لما رأوا العذاب ولم يروا وجه النجاة فلذلك لم ينفعهم. وقيل إن أهل حضور من قرى اليمن بعث إليهم نبي فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر فوضع السيف فيهم فنادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء فندموا وقالوا ذلك.
فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ فما زالوا يرددون ذلك، وإنما سماه دعوى لأن المولول كأنه يدعو الويل ويقول: يا ويل تعال فهذا أوانك، وكل من تِلْكَ ودَعْواهُمْ يحتمل الاسمية والخبرية. حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً مثل الحصيد وهو النبت المحصود ولذلك لم يجمع. خامِدِينَ ميتين من خمدت النار وهو مع حَصِيداً منزلة المفعول الثاني كقولك: جعلته حلواً حامضاً إذ المعنى: وجعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود أو صفة له أو حال من ضميره.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٦ الى ١٧]
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧)
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار وتذكرة لذوي الاعتبار وتسبباً لما ينتظم به أمور العباد في المعاش والمعاد، فينبغي أن يتسلقوا بها إلى تحصيل الكمال ولا يغتروا بزخارفها فإنها سريعة الزوال.
لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً ما يتلهى به ويلعب. لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا من جهة قدرتنا، أو من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات لا من الأجسام المرفوعة والأجرام المبسوطة كعادتكم في رفع السقوف وتزويقها وتسوية الفرش وتزيينها، وقيل اللهو الولد بلغة اليمن وقيل الزوجة والمراد به الرد على النصارى إِنْ كُنَّا
стр. 692
فاعِلِينَ
ذلك ويدل على جواب الجواب المتقدم. وقيل أَنْ نافية والجملة كالنتيجة للشرطية.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٨]
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ إِضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب أي بل من شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من عداده اللهو. فَيَدْمَغُهُ فيمحقه، وإنما استعار لذلك القذف وهو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرمى، والدمغ الذي هو كسر الدماغ بحيث يشق غشاؤه المؤدي إلى زهوق الروح تصويرا لإبطاله به ومبالغة فيه، وقرئ «فَيَدْمَغُهُ» بالنصب كقوله:
سَأَتْرُكْ مَنْزِلي لَبَنِي تَمِيم ... وَأَلْحَقُ بالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحا
ووجهه مع بعده الحمل على المعنى والعطف على «الحق» . فَإِذا هُوَ زاهِقٌ هالك والزهوق ذهاب الروح وذكره لترشيح المجاز. وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ مما تصفونه به مما لا يجوز عليه، وهو في موضع الحال وما مصدرية أو موصولة أو موصوفة.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لاَ يَفْتُرُونَ (٢٠)
وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ خلقاً وملكاً. وَمَنْ عِنْدَهُ يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك، وهو معطوف على مَنْ فِي السَّماواتِ وإفراده للتعظيم أو لأنه أعم منه من وجه، أو المراد به نوع من الملائكة متعال عن التبوؤ في السماء والأرض أو مبتدأ خبره: لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ لا يتعظمون عنها. وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ولا يعيون منها، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيهاً على أن عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون.
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ينزهونه ويعظمونه دائماً. لاَ يَفْتُرُونَ حال من الواو في يُسَبِّحُونَ وهو استئناف أو حال من ضمير قبله.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢١ الى ٢٣]
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣)
أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً بل اتخذوا والهمزة لإِنكار اتخاذهم. مِنَ الْأَرْضِ صفة لآلهة أو متعلقة بالفعل على معنى الابتداء، وفائدتها التحقير دون التخصيص. هُمْ يُنْشِرُونَ الموتى وهم وإن لم يصرحوا به لكن لزم ادعاؤهم لها الإِلهية، فإن من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات والمراد به تجهيلهم والتهكم بهم، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانشار بهم.
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ غير الله، وصف ب إِلَّا لتعذر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها ودلالته على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه، والمراد ملازمته لكونها مطلقاً أو معه حملاً لها على غير كما استثنى بغير حملاً عليها، ولا يجوز الرفع على البدل لأنه متفرع على الاستثناء ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب. لَفَسَدَتا لبطلتا لما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع، فإنها إن توافقت في المراد تطاردت عليه القدر وإن تخالفت فيه تعاوقت عنه. فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ المحيط بجميع الأجسام الذي هو محل التدابير ومنشأ التقادير. عَمَّا يَصِفُونَ من اتخاذ الشريك والصاحبة والولد.
لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لعظمته وقوة سلطانه وتفرده بالألوهية والسلطنة الذاتية. وَهُمْ يُسْئَلُونَ لأنهم
стр. 693
مملوكون مستعبدون والضمير لل آلِهَةٌ أو للعباد.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٢٤]
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً كرره استعظاماً لكفرهم واستفظاعاً لأمرهم وتبكيتاً وإظهاراً لجهلهم، أو ضماً لإِنكار ما يكون لهم سنداً من النقل إلى إنكار ما يكون لهم دليلاً من العقل على معنى أوجدوا آلهة ينشرون الموتى فاتخذوهم آلهة، لما وجدوا فيهم من خواص الألوهية، أو وجدوا في الكتب الإِلهية الأمر بإشراكهم فاتخذوهم متابعة للأمر، ويعضد ذلك أنه رتب على الأول ما يدل على فساده عقلاً وعلى الثاني ما يدل على فساده نقلاً. قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على ذلك إما من العقل أو من النقل، فإنه لا يصح القول بما لا دليل عليه كيف وقد تطابقت الحجج على بطلانه عقلاً ونقلاً. هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي من الكتب السماوية فانظروا هل تجدون فيها إلا الأمر بالتوحيد والنهي عن الإِشراك، والتوحيد لما لم يتوقف على صحته بعثة الرسل وإنزال الكتب صح الاستدلال فيه بالنقل ومَنْ مَعِيَ أمته ومَنْ قَبْلِي الأمم المتقدمة وإضافة ال ذِكْرُ إليهم لأنه عظتهم، وقرئ بالتنوين والإعمال وبه وب مِنْ الجارة على أن مع اسم هو ظرف كقبل وبعد وشبههما وبعدمها. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ولا يميزون بينه وبين الباطل، وقرئ «الحق» بالرفع على أنه خبر محذوف وسط للتأكيد بين السبب والمسبب. فَهُمْ مُعْرِضُونَ عن التوحيد واتباع الرسول من أجل ذلك.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢٥ الى ٢٧]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ تعميم بعد تخصيص، فإن ذِكْرُ مَنْ قَبْلِي من حيث إنه خبر لاسم الإِشارة مخصوص بالموجود بين أظهرهم وهو الكتب الثلاثة، وقرأ حفص وحمزة والكسائي نُوحِي إِلَيْهِ بالنون وكسر الحاء والباقون بالياء وفتح الحاء.
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله سُبْحانَهُ تنزيه له عن ذلك. بَلْ عِبادٌ بل هم عباد من حيث إنهم مخلوقون وليسوا بالأولاد. مُكْرَمُونَ مقربون وفيه تنبيه على مدحض القوم، وقرئ بالتشديد.
لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ لا يقولون شيئاً حتى يقوله كما هو ديدن العبيد المؤدبين، وأصله لا يسبق قولهم قوله فنسب السبق إليه وإليهم، وجعل القول محله وأداته تنبيهاً على استهجان السبق المعرض به للقائلين على الله ما لم يقله، وأنيبت اللام على الإِضافة اختصاراً وتجافياً عن تكرير الضمير، وقرئ «لاَ يَسُبقُونَهُ» بالضم من سابقته فسبقته أسبقه. وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ لا يعملون قط ما لم يأمرهم به.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢٨ الى ٢٩]
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ لا تخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا، وهو كالعلة لما قبله والتمهيد لما بعده فإنهم لإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم. وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى أن يشفع له مهابة منه. وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ عظمته ومهابته. مُشْفِقُونَ مرتعدون، وأصل الخشية خوف مع تعظيم
стр. 694
ولذلك خص بها العلماء. والإِشفاق خوف مع اعتناء فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر وإن عدي بعلى فبالعكس.
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ من الملائكة أو من الخلائق. إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ يريد به نفي النبوة وادعاء ذلك عن الملائكة وتهديد المشركين بتهديد مدعي الربوبية. كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ من ظلم بالإشراك وادعاء الربوبية.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٣٠]
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠)
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أو لم يعلموا، وقرأ ابن كثير بغير واو. أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً ذات رتق أو مرتوقتين، وهو الضم والالتحام أي كانتا شيئاً واحداً وحقيقة متحدة. فَفَتَقْناهُما بالتنويع والتمييز، أو كانت السموات واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة حتى صارت أفلاكاً، وكانت الأرضون واحدة فجعلت باختلاف كيفياتها وأحوالها طبقات أو أقاليم. وقيل كانَتا بحيث لا فرجة بينهما ففرج. وقيل كانَتا رَتْقاً لا تمطر ولا تنبت ففتقناهما بالمطر والنبات، فيكون المراد ب السَّماواتِ سماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق أو السَّماواتِ بأسرارها على أن لها مدخلاً ما في الأمطار، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظراً فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء أو بوسط، أو استفساراً من العلماء ومطالعة للكتب، وإنما قال كانَتا ولم يقل كن لأن المراد جماعة السموات وجماعة الأرض. وقرئ «رَتْقاً» بالفتح على تقدير شيئاً رتقاً أي مرتوقاً كالرفض بمعنى المرفوض. وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ وخلقنا من الماء كل حيوان كقوله تعالى اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ وذلك لأنه من أعظم مواده أو لفرط احتياجه إليه وانتفاعه به بعينه، أو صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا يحيا دونه. وقرئ «حياً» على أنه صفة كُلَّ أو مفعول ثان، والظرف لغو والشيء مخصوص بالحيوان. أَفَلا يُؤْمِنُونَ مع ظهور الآيات.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢)
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ ثابتات من رسا الشيء إذا ثبت. أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ كراهة أن تميل بهم وتضطرب، وقيل لأن لا تميد فحذف لا لأمن الإِلباس. وَجَعَلْنا فِيها في الأرض أو الرواسي. فِجاجاً سُبُلًا مسالك واسعة وإنما قدم فجاجاً وهو وصف له ليصير حالاً فيدل على أنه حين خلقها خلقها كذلك، أو ليبدل منها سُبُلًا فيدل ضمناً على أنه خلقها ووسعها للسابلة مع ما يكون فيه من التوكيد. لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ إلى مصالحهم.
وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً عن الوقوع بقدرته أو الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم بمشيئته، أو استراق السمع بالشهب. وَهُمْ عَنْ آياتِها عن أحوالها الدالة على وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته وتناهي حكمته التي يحس ببعضها ويبحث عن بعضها في علمي الطبيعة والهيئة. مُعْرِضُونَ غير متفكرين.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٣٣]
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ بيان لبعض تلك الآيات. كُلٌّ فِي فَلَكٍ أي كل واحد منهما، والتنوين بدل من المضاف إليه والمراد بالفلك الجنس كقولهم: كساهم الأمير حلة. يَسْبَحُونَ يسرعون على سطح الفلك إسراع السابح على سطح الماء، وهو خبر كُلٌّ والجملة حال من الشَّمْسَ
стр. 695
وَالْقَمَرَ
، وجاز إنفرادهما بها لعدم اللبس والضمير لهما، وإنما جمع باعتبار المطالع وجعل الضمير واو العقلاء لأن السباحة فعلهم.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥)
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ نزلت حين قالوا نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون وفي معناه قوله:
فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا ... سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا
والفاء لتعلق الشرط بما قبله والهمزة لإِنكاره بعد ما تقرر ذلك.
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ذائقة مرارة مفارقتها جسدها، وهو برهان على ما أنكروه. وَنَبْلُوكُمْ ونعاملكم معاملة المختبر. بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ بالبلايا والنعم. فِتْنَةً ابتلاء مصدر من غير لفظه. وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر، وفيه إيماء بأن المقصود من هذه الحياة والابتلاء والتعريض للثواب والعقاب تقريرا لما سبق.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)
وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ ما يتخذونك. إِلَّا هُزُواً إلا مهزوءاً به ويقولون: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ أي بسوء، وإنما أطلقه لدلالة الحال فإن ذكر العدو لا يكون إلا بسوء. وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ بالتوحيد أو بإرشاد الخلق ببعث الرسل وإنزال الكتب رحمة عليهم أو بالقرآن. هُمْ كافِرُونَ منكرون فهم أحق أن يهزأ بهم، وتكرير الضمير للتأكيد والتخصيص ولحيلولة الصلة بينه وبين الخبر.
خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ كأنه خلق منه لفرط استعجاله وقلة ثباته كقولك: خلق زيد من الكرم، جعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع وهو منه مبالغة في لزومه له ولذلك قيل: إِنه على القلب ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجال الوعيد.
روي أنها نزلت في النضر بن الحرث حين استعجل العذاب.
سَأُرِيكُمْ آياتِي نقماتي في الدنيا كوقعة بدر وفي الآخرة عذاب النار. فَلا تَسْتَعْجِلُونِ بالإِتيان بها، والنهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقعدوها عن مرادها.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ وقت وعد العذاب أو القيامة. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعنون النبي ﵊ وأصحابه ﵃.
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ محذوف الجواب وحِينَ مفعول يَعْلَمُ أي: لو يعلمون الوقت الذي يستعجلون منه بقولهم مَتى هذَا الْوَعْدُ وهو حين تحيط بهم النار من كل جانب بحيث لا يقدرون على دفعها ولا يجدون ناصراً يمنعها لما استعجلوا، ويجوز أن يترك مفعول يَعْلَمُ ويضمر لحين فعل بمعنى: لو كان لهم علم لما استعجلوا يعلمون
стр. 696
بطلان ما هم عليه حين لا يكفون، وإنما وضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على ما أوجب لهم ذلك.
بَلْ تَأْتِيهِمْ العدة أو النار أو الساعة. بَغْتَةً فجأة مصدر أو حال. وقرئ بفتح الغين. فَتَبْهَتُهُمْ فتغلبهم أو تحيرهم. وقرئ الفعلان بالياء والضمير ل الْوَعْدُ أو ال حِينَ وكذا في قوله: فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها لأن الوعد بمعنى النار أو العدة والحين بمعنى الساعة، ويجوز أن يكون ل النَّارَ أو لل بَغْتَةً.
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يمهلون وفيه تذكير بإمهالهم في الدنيا.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤١ الى ٤٢]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ تسلية لرسول الله ﷺ . فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وعد له بأن ما يفعلونه به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا يعني جزاءه.
قُلْ يا محمد للمستهزئين. مَنْ يَكْلَؤُكُمْ يحفظكم. بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ من بأسه إن أراد بكم، وفي لفظ الرَّحْمنِ تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامة وأن اندفاعه بمهلته بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه حتى إذا كلؤا منه عرفوا الكالئ. وصلحوا للسؤال عنه.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٣ الى ٤٤]
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤)
أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا بل ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تتجاوز منعنا، أو من عذاب يكون من عندنا والإِضرابان عن الأمر بالسؤال على الترتيب، فإنه عن المعرض الغافل عن الشيء بعيد وعن المعتقد لنقيضه أبعد. لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ استئناف بإبطال ما اعتقدوه فإن من لا يقدر على نصر نفسه ولا يصحبه نصر من الله فكيف ينصر غيره.
بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ إضراب عما توهموا ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم وهو الاستدراج والتمتيع بما قدر لهم من الأعمار، أو عن الدلالة على بطلانه ببيان ما أوهمهم ذلك، وهو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارهم فحسبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ما هم عليه ولذلك عقبه بما يدل على أنه أمل كاذب فقال: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ أرض الكفرة. نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها بتسليط المسلمين عليها، وهو تصوير لما يجريه الله تعالى على أيدي المسلمين. أَفَهُمُ الْغالِبُونَ رسول الله والمؤمنين.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦)
قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ بما أوحي إلي. وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ وقرأ ابن عامر ولا تسمع الصم على خطاب النبي ﷺ ، وقرئ بالياء على أن فيه ضميره، وإنما سماهم الصُّمُّ ووضعه موضع ضميرهم للدلالة على تصامهم وعدم انتفاعهم بما يسمعون. إِذا مَا يُنْذَرُونَ منصوب ب يَسْمَعُ أو ب الدُّعاءَ والتقييد به لأن الكلام في الإِنذار أو للمبالغة في تصامهم وتجاسرهم.
стр. 697
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ أدنى شيء، وفيه مبالغات ذكر المس وما في النفحة من معنى القلة، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء والبناء الدال على المرة. مِنْ عَذابِ رَبِّكَ من الذي ينذرون به. لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ لدعوا على أنفسهم بالويل واعترفوا عليها بالظلم.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٤٧]
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ العدل توزن بها صحائف الأعمال. وقيل وضع الموازين تمثيل لإِرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل، وإفراد الْقِسْطَ لأنه مصدر وصف به للمبالغة. لِيَوْمِ الْقِيامَةِ لجزاء يوم القيامة أو لأهله، أو فيه كقولك: جئت لخمس خلون من الشهر. فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً من حقها أو من الظلم. وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أي وإن كان العمل أو الظلم مقدار حبة، ورفع نافع مِثْقالَ على كانَ التامة. أَتَيْنا بِها أحضرناها، وقرئ «آتينا» بمعنى جازينا بها من الإِيتاء فإنه قريب من أعطينا، أو من المؤاتاة فإنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وأثبنا من الثواب وجئنا، والضمير للمثقال وتأنيثه لإِضافته إلى ال حَبَّةٍ. وَكَفى بِنا حاسِبِينَ إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٨ الى ٥٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ أي الكتاب الجامع لكونه فارقاً بين الحق والباطل، وَضِياءً يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة، وَذِكْراً يتعظ به المتقون أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع. وقيل الْفُرْقانَ النصر، وقيل فلق البحر وقرئ «ضِيَاء» . بغير واو على أنه حال من الْفُرْقانَ.
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ صفة لِلْمُتَّقِينَ أو مدح لهم منصوب أو مرفوع. بِالْغَيْبِ حال من الفاعل أو المفعول. وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ خائفون وفي تصدير الضمير وبناء الحكم عليه مبالغة وتعريض.
وَهذا ذِكْرٌ يعني القرآن. مُبارَكٌ كثير خيره. أَنْزَلْناهُ على محمد ﵊. أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ استفهام توبيخ.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥١ الى ٥٣]
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣)
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ الاهتداء لوجوه الصلاح وإضافته ليدل على أنه رشد مثله وأن له شأنا.
وقرئ رُشْدَهُ وهو لغة. مِنْ قَبْلُ من قبل موسى وهارون أو محمّد ﵊. وقيل من قبل استنبائه أو بلوغه حيث قال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ علمنا أنه أهل لما آتيناه، أو جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الخصال وفيه إشارة إلى أن فعله باختيار وحكمة وأنه عالم بالجزئيات.
إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ متعلق ب آتَيْنا أو ب رُشْدَهُ أو بمحذوف: أي اذكر من أوقات رشده وقت قوله: مَا هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ تحقير لشأنها وتوبيخ على إجلالها، فإن التمثال صورة لا روح فيها لا يضر ولا ينفع، واللام للاختصاص لا للتعدية فإن تعدية العكوف بعلى. والمعنى أنتم فاعلون العكوف لها ويجوز أن يؤول بعلى أو يضمن العكوف معنى العبادة.
стр. 698
قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ فقلدناهم وهو جواب عما لزم الاستفهام من السؤال عما اقتضى عبادتها وحملهم عليها.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٤ الى ٥٦]
قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥) قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)
قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ منخرطين في سلك ضلال لا يخفى على عاقل لعدم استناد الفريقين إلى دليل، والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على حق.
قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ كأنهم لاستبعادهم تضليله إياهم ظنوا أن ما قاله إنما قاله على وجه الملاعبة، فقالوا أبجد تقوله أم تلعب به.
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ إضراب عن كونه لاعباً بإقامة البرهان على ما ادعاه وهن للسموات والأرض أو للتماثيل، وهو أدخل في تضليلهم وإلزام الحجة عليهم. وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ أي المذكور من التوحيد. مِنَ الشَّاهِدِينَ من المتحققين له والمبرهنين عليه، فإن الشاهد من تحقق الشيء وحققه.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٧ الى ٥٨]
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)
وَتَاللَّهِ وقرئ بالباء وهي الأصل والتاء بدل من الواو المبدلة منها وفيها تعجب. لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ لأجتهدن في كسرها، ولفظ الكيد وما في التاء من التعجب لصعوبة الأمر وتوقفه على نوع من الحيل. بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا عنها. مُدْبِرِينَ إلى عيدكم ولعله قال ذلك سراً.
فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً قطاعاً فعال بمعنى مفعول كالحطام من الجذ وهو القطع. وقرأ الكسائي بالكسر وهو لغة، أو جمع جذيذ كخفاف وخفيف. وقرئ بالفتح و «جذذاً» جمع جذيذ و «جذذا» جمع جذة. إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ للأصنام كسر غيره واستبقاه وجعل الفأس على عنقه. لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ لأنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لتفرده واشتهاره بعداوة آلهتهم فيحاجهم بقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ فيحجهم، أو أنهم يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن كاسرها إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه في حل العقد فيبكتهم بذلك، أو إلى الله أي يَرْجِعُونَ إلى توحيده عند تحققهم عجز آلهتهم.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٩ الى ٦١]
قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠) قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)
قالُوا حين رجعوا. مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ بجرأته على الآلهة الحقيقة بالإِعظام، أو بإفراطه في حطمها أو بتوريط نفسه للهلاك.
قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يعيبهم فلعله فعله ويذكر ثاني مفعولي سمع، أو صفة ل فَتًى مصححة لأن يتعلق به السمع وهو أبلغ في نسبة الذكر إليه. يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ خبر محذوف أي هو إبراهيم، ويجوز أن يرفع بالفعل لأن المراد به الاسم.
قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ بمرأى منهم بحيث تتمكن صورته في أعينهم تمكن الراكب على المركوب. لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ بفعله أو قوله أو يحضرون عقوبتنا له.
стр. 699
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٦٢ الى ٦٣]
قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يَآ إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)
قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يَآ إِبْراهِيمُ حين أحضروه.
قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ أسند الفعل إليه تجوزاً لأن غيظه لما رأى من زيادة تعظيمهم له تسبب لمباشرته إياه، أو تقريراً لنفسه مع الاستهزاء والتبكيت على أسلوب تعريضي كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق: أأنت كتبت هذا فقلت بل كتبته أنت، أو حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه، وقيل إنه في المعنى متعلق بقوله إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ وما بينهما اعتراض أو إلى ضمير فَتًى أو إِبْراهِيمُ، وقوله كَبِيرُهُمْ هذا مبتدأ وخبر ولذلك وقف على فعله. وما
روي أنه ﵊ قال «لإِبراهيم ثلاث كذبات»
تسمية للمعاريض كذباً لما شابهت صورتها صورته.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٦٤ الى ٦٥]
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)
فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ وراجعوا عقولهم. فَقالُوا فقال بعضهم لبعض. إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ بهذا السؤال أو بعبادة من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لا من ظلمتموه بقولكم إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ.
ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ انقلبوا إلى المجادلة بعد ما استقاموا بالمراجعة، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعلياً على أعلاه. وقرئ «نُكِّسُواْ» بالتشديد و «نكسوا» أي نكسوا أنفسهم. لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فكيف تأمرنا بسؤالها وهو على إرادة القول.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٦٦ الى ٦٨]
قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨)
قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ إنكار لعبادتهم لها بعد اعترافهم بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر فإنه ينافي الألوهية.
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ تضجر منه على إصرارهم بالباطل البين، وأُفٍّ صوت المتضجر ومعناه قبحاً ونتناً واللام لبيان المتأفف له. أَفَلا تَعْقِلُونَ قبح صنيعكم.
قالُوا أخذا في المضارة لما عجزوا عن المحاجة. حَرِّقُوهُ فإن النار أهول ما يعاقب به. وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ بالانتقام لها. إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ إن كنتم ناصرين لها نصراً مؤزراً، والقائل فيهم رجل من أكراد فارس اسمه هيون خسف به الأرض وقيل نمروذ.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٦٩]
قُلْنا يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩)
قُلْنا يَا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ذات برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار، وفيه مبالغات جعل النار المسخرة لقدرته مأمورة مطيعة وإقامة كُونِي ذات برد مقام أبردي، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل نصب سَلاماً بفعله أي وسلمنا سلاماً عليه.
روي أنهم بنوا حظيرة بكوثى وجمعوا فيها ناراً عظيمة ثم وضعوه في المنجنيق مغلولاً فرموا به فيها فقال له جبريل: هل لك حاجة، فقال:
أما إليك فلا فقال: فسل ربك فقال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فجعل الله تعالى- ببركة قوله- الحظيرة
стр. 700
روضة ولم يحترق منه إلا وثاقه، فاطلع عليه نمروذ من الصرح فقال إني مقرب إلى إلهك فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم ﵇. وكان إذ ذاك ابن ست عشرة سنة وانقلاب النار هواء طيباً ليس ببدع غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته.
وقيل كانت النار بحالها لكنه دفع عنه أذاها كما ترى في السمندل ويشعر به قوله على إبراهيم.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٠ الى ٧١]
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠) وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١)
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً مكراً في إضراره. فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ أخسر من كل خاسر لما عاد سعيهم برهاناً قاطعاً على أنهم على الباطل وإبراهيم على الحق وموجباً لمزيد درجته واستحقاقهم أشد العذاب.
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة أن أكثر الأنبياء بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادي الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية. وقيل كثرة النعم والخصب الغالب.
روي أنه ﵇ نزل بفلسطين ولوط ﵇ بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٢ الى ٧٣]
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣)
وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً عطية فهي حال منهما أو ولد ولد، أو زيادة على ما سأل وهو إسحاق فتختص بيعقوب ولا بأس به للقرينة. وَكُلًّا يعني الأربعة. جَعَلْنا صالِحِينَ بأن وفقناهم للصلاح وحملناهم عليه فصاروا كاملين.
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يقتدى بهم. يَهْدُونَ الناس إلى الحق. بِأَمْرِنا لهم بذلك وإرسالنا إياهم حتى صاروا مكملين. وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ ليحثوهم عليها فيتم كمالهم بانضمام العمل إلى العلم، وأصله أن تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات ثم فِعْلَ الْخَيْراتِ وكذلك قوله: وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وهو من عطف الخاص على العام للتفضيل، وحذفت تاء الإِقامة المعوضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مقامها.
وَكانُوا لَنا عابِدِينَ موحدين في العبادة ولذلك قدم الصلة.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٤ الى ٧٥]
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً حكمة أو نبوة أو فصلاً بين الخصوم. وَعِلْماً بما ينبغي علمه للأنبياء.
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ قرية سدوم. الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ يعني اللواطة وصفها بصفة أهلها أو أسندها إليها على حذف المضاف وإقامتها مقامه ويدل عليه: إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ فإنه كالتعليل له.
وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا في أهل رحمتنا أو جنتنا. إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٦ الى ٧٧]
وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)
وَنُوحاً إِذْ نادى إذ دعا الله سبحانه على قومه بالهلاك. مِنْ قَبْلُ من قبل المذكورين. فَاسْتَجَبْنا
стр. 701
لَهُ
دعاءه. فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ من الطوفان أو أذى قومه، والكرب الغم الشديد.
وَنَصَرْناهُ مطاوع انتصر أي جعلناه منتصراً. مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ لاجتماع الأمرين تكذيب الحق والانهماك في الشر، ولعلهما لم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله تعالى.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٨ الى ٧٩]
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩)
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ في الزرع، وقيل في كرم تدلت عناقيده. إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ رعته ليلاً. وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما عالمين.
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ الضمير للحكومة أو للفتوى وقرئ «فأفهمناها» .
روي أن داود حكم بالغنم لصاحب الحرث فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا أرفق بهما فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود إلى ما كان ثم يترادان.
ولعلهما قالا اجتهادا والأول نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني والثاني مثل قول الشافعي بغرم الحيلولة في العبد المغصوب إذا أبق، وحكمه في شرعنا عند الشافعي وجوب ضمان المتلف بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلاً
وهكذا قضى النبي ﷺ لما دخلت ناقة البراء حائطاً وأفسدته فقال «على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظها بالليل» .
وعند أبي حنيفة لا ضمان إِلاَّ أن يكون معها حافظ
لقوله ﷺ «جرح العجماء جبار» .
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه. وقيل على أن كل مجتهد مصيب وهو مخالف لمفهوم قوله تعالى: فَفَهَّمْناها ولولا النقل لاحتمل توافقهما على أن قوله ففهمناها لإِظهار ما تفضل عليه في صغره. وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ يقدسن الله معه إما بلسان الحال أو بصوت يتمثل له، أو بخلق الله تعالى فيها الكلام. وقيل يسرن معه من السباحة وهو حال أو استئناف لبيان وجه التسخير ومَعَ متعلقة ب سَخَّرْنا أو يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ عطف على الْجِبالَ أو مفعول معه.
وقرئ بالرفع على الإِبتداء أو العطف على الضمير على ضعف. وَكُنَّا فاعِلِينَ لأمثاله فليس ببدع منا وإن كان عجبا عندكم.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٠]
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠)
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ عمل الدرع وهو في الأصل اللباس قال:
البِسْ لَكُل حَالَة لَبُوسهَا ... إِمَّا نعيمها وَإِمَا بُوسها
قيل كانت صفائح فحلقها وسردها. لَكُمْ متعلق بعلم أو صفة ل لَبُوسٍ ليحصنكم مّن بَأْسِكُمْ بدل منه بدل الاشتمال بإعادة الجار، والضمير لداود ﵇ أو ل لَبُوسٍ وفي قراءة ابن عامر وحفص بالتاء للصنعة أو ل لَبُوسٍ على تأويل الدرع وفي قراءة أبي بكر ورويس بالنون لله فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ذلك أمر أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)
стр. 702
وَلِسُلَيْمانَ وسخرنا له ولعل اللام فيه دون الأول لأن الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له، وفي الأول أمر يظهر في الجبال والطير مع داود وبالإِضافة إليه. الرِّيحَ عاصِفَةً شديدة الهبوب من حيث إنها تبعد بكرسيه في مدة يسيرة كما قال تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وكانت رخاء في نفسها طيبة. وقيل كانت رخاء تارة وعاصفة أخرى حسب إرادته. تَجْرِي بِأَمْرِهِ بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى أو حال من ضميرها. إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها إلى الشام رواحاً بعد ما سارت به منه بكرة. وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ فنجريه على ما تقتضيه الحكمة.
وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ في البحار ويخرجون نفائسها، وَمِنَ عطف على الرِّيحَ أو مبتدأ خبره ما قبله وهي نكرة موصوفة. وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ ويتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ. وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أن يزيغوا عن أمره أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٣ الى ٨٤]
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ بأني مسني الضر، وقرئ بالكسر على إضمار القول أو تضمين النداء معناه والضُّرُّ بالفتح شائع في كل ضرر، وبالضم خاص بما في النفس كمرض وهزال. وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لطفاً في السؤال، وكان رومياً من ولد عيص بن إسحاق استنبأه الله وكثر أهله وماله فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله، والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعاً وسبعة أشهر وسبع ساعات.
روي أن امرأته ما خير بنت ميشا بن يوسف، أو رحمة بنت افراثيم بن يوسف قالت له يوماً: لو دعوت الله فقال: كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال: أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي.
فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ بالشفاء من مرضه. وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ بأن ولد له ضعف ما كان أو أحيي ولده وولد له منهم نوافل. رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ رحمة على أيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب، أو لرحمتنا للعابدين فإنا نذكرهم بالإِحسان ولا ننساهم.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٥ الى ٨٦]
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ يعني إلياس، وقيل يوشع، وقيل زكريا سمي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفل أمته أو له ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم، والكفل يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضعف. كُلٌّ كل هؤلاء. مِنَ الصَّابِرِينَ على مشاق التكاليف وشدائد النوب.
وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا يعني النبوة أو نعمة الآخرة. إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ الكاملين في الصلاح وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٧ الى ٨٨]
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)
стр. 703
وَذَا النُّونِ وصاحب الحوت يونس بن متى إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً لقومه لما برم بطول دعوتهم وشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مهاجراً عنهم، قبل أن يؤمر وقيل وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذبهم وغضب من ذلك، وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجرة لخوفهم لحوق العذاب عندها وقرئ «مغضباً» . فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ لن نضيق عليه أو لن نقضي عليه بالعقوبة من القدر، ويعضده أنه قرئ مثقلاً أو لن نعمل فيه قدرتنا وقيل هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا، أو خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه فسميت ظناً للمبالغة. وقرئ بالياء وقرأ يعقوب على البناء للمفعول وقرئ به مثقلاً. فَنادى فِي الظُّلُماتِ في الظلمة الشديدة المتكاثفة أو ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. أَنْ لاَّ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ بأنه لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ.
سُبْحانَكَ من أن يعجزك شيء. إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة.
وعن النبي ﵊ «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له» .
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات كان في بطنه. وقيل ثلاثة أيام والغم غم الالتقام وقيل غم الخطيئة. وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ من غموم دعوا الله فيها بالإِخلاص وفي الإمام: «نجي» ولذلك أخفى الجماعة النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الفم، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بتشديد الجيم على أن أصله نُنْجِي فحذفت النون الثانية كما حذفت التاء الثانية في تَظاهَرُونَ، وهي وإن كانت فاء فحذفها أوقع من حذف حرف المضارعة التي لمعنى ولا يقدح فيه اختلاف حركتي النونين فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإِدغام وامتناع الحذف في تتجافى، لخوف اللبس. وقيل هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر وسكن آخره تخفيفاً ورد بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور والماضي لا يسكن آخره.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٩ الى ٩٠]
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وحيداً بلا ولد يرثني. وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي به.
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ أي أصلحناها للولادة بعد عقرها أو ل زَكَرِيَّا بتحسين خلقها وكانت حردة. إِنَّهُمْ يعني المتوالدين أو المذكورين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يبادرون إلى أبواب الخير. وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً ذوي رغب ورهب، أو راغبين في الثواب راجين للإِجابة، أو في الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية. وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ مخبتين أو دائبين الوجل، والمعنى أنهم نالوا من الله ما نالوا بهذه الخصال.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩١ الى ٩٢]
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها من الحلال والحرام يعني مريم. فَنَفَخْنا فِيها أي في عيسى ﵊ فيها أي أحييناه في جوفها، وقيل فعلنا النفخ فيها. مِنْ رُوحِنا من الروح الذي هو بأمرنا وحده أو من جهة روحنا يعني جبريل ﵊. وَجَعَلْناها وَابْنَها أي قصتهما أو حالهما ولذلك وحد قوله: آيَةً لِلْعالَمِينَ فإن من تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الصانع تعالى.
стр. 704
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أي إن ملة التوحيد والإِسلام ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها فكونوا عليها. أُمَّةً واحِدَةً غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا مشاركة لغيرها في صحة الاتباع. وقرئ «أُمَتُكُمْ» بالنصب على البدل و «أُمَّةٌ» بالرفع على الخبر وقرئتا بالرفع عن أنهما خبران. وَأَنَا رَبُّكُمْ لا إله لكم غيري. فَاعْبُدُونِ لا غير.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٣ الى ٩٤]
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ صرفه إلى الغيبة التفاتاً لينعى على الذين تفرقوا في الدين وجعلوا أمره قطعاً موزعة بقبيح فعلهم إلى غيرهم. كُلٌّ من الفرق المتحزبة. إِلَيْنا راجِعُونَ فنجازيهم.
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بالله ورسله. فَلا كُفْرانَ فلا تضييع. لِسَعْيِهِ استعير لمنع الثواب كما استعير الشكر لإِعطائه ونفي الجنس للمبالغة. وَإِنَّا لَهُ لسعيه. كاتِبُونَ مثبتون في صحيفة عمله لا يضيع بوجه ما.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٥]
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥)
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ وممتنع على أهلها غير متصور منهم. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي «وَحِرْمٌ» بكسر الحاء وإسكان الراء وقرئ «حرم» . أَهْلَكْناها حكمنا بإهلاكها أو وجدناها هالكة. أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ رجوعهم إلى التوبة أو الحياة ولا صلة، أو عدم رجوعهم للجزاء وهو مبتدأ خبره حرام أو فاعل له ساد مسد خبره أو دليل عليه وتقديره: توبتهم أو حياتهم أو عدم بعثهم، أو لأنهم لاَ يَرْجِعُونَ ولا ينيبون وَحَرامٌ خبر محذوف أي وحرام عليها ذاك وهو المذكور في الآية المتقدمة ويؤيده القراءة بالكسر. وقيل حَرامٌ عزم وموجب عليهم أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٦ الى ٩٧]
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧)
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ متعلق ب حَرامٌ أو بمحذوف دل الكلام عليه، أو ب لاَ يَرْجِعُونَ أي يستمر الامتناع أو الهلاك أو عدم الرجوع إلى قيام الساعة وظهور أماراتها: وهو فتح سد يأجوج ومأجوج وهي حتى التي يحكى الكلام بعدها، والمحكي هي الجملة الشرطية. وقرأ ابن عامر ويعقوب فُتِحَتْ بالتشدد. وَهُمْ يعني يأجوج ومأجوج أو الناس كلهم. مِنْ كُلِّ حَدَبٍ نشز من الأرض، وقرئ «جدث» وهو القبر. يَنْسِلُونَ يسرعون من نسلان الذئب وقرئ بضم السين.
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ وهو القيامة. فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب الشرط و «إذا» للمفاجأة تسد مسد الفاء الجزائية كقوله تعالى: إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ فإذا جاءت الفاء معها تظاهرتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، والضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار. يَا وَيْلَنا مقدر بالقول واقع موقع الحال من الموصول. قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا لم نعلم أنه حق. بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ لأنفسنا بالإِخلال بالنظر وعدم الاعتداد بالنذر.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٨]
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨)
.
стр. 705
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يحتمل الأوثان وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم، لما
روي أنه ﵊ لما تلا الآية على المشركين قال له ابن الزبعري: قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة، فقال ﷺ : «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك» فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية.
وعلى هذا يعم الخطاب ويكون مَا مؤولاً بمن أو بما يعمه، ويدل عليه ما
روي أن ابن الزبعري قال: هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله فقال ﷺ «بل لكل من عبد من دون الله» .
ويكون قوله إِنَّ الَّذِينَ بياناً للتجوز أو التخصيص تأخر عن الخطاب. حَصَبُ جَهَنَّمَ ما يرمي به إليها وتهيج به من حصبه بحصبه إذا رماه بالحصباء وقرئ بسكون الصاد وصفاً بالمصدر. أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ استئناف أو بدل من حَصَبُ جَهَنَّمَ واللام معوضة من على للاختصاص والدلالة على أن ورودهم لأجلها.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٩ الى ١٠٠]
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لاَ يَسْمَعُونَ (١٠٠)
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوها لأن المؤاخذ بالعذاب لا يكون إلهاً. وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ لا خلاص لهم عنها.
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ أنين وتنفس شديد وهو من إضافة فعل البعض إلى الكل للتغلب إن أريد ب مَا تَعْبُدُونَ الأصنام. وَهُمْ فِيها لاَ يَسْمَعُونَ من الهول وشدة العذاب. وقيل لاَ يَسْمَعُونَ ما يسرهم.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣]
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أي الخصلة الحسنى وهي السعادة أو التوفيق بالطاعة أو البشرى بالجنة. أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين.
روي أن علياً كرم الله وجهه خطب وقرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح، ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه ويقول:
لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَها
وهو بدل من مُبْعَدُونَ أو حال من ضميره سيق للمبالغة في إبعادهم عنها، والحسيس صوت يحس به. وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ دائمون في غاية التنعم وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به.
لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ النفخة الأخيرة لقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أو الانصراف إلى النار أو حين يطبق على النار أو يذبح الموت. وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ تستقبلهم مهنئين لهم. هذا يَوْمُكُمُ يوم ثوابكم وهو مقدر بالقول. الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٤]
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤)
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ مقدر باذكر أو ظرف لاَ يَحْزُنُهُمُ، أو تَتَلَقَّاهُمُ أو حال مقدرة من العائد المحذوف من تُوعَدُونَ، والمراد بالطي ضد النشر أو المحو من قولك اطو عني هذا الحديث، وذلك لأنها
следующие страницы →