Полный текст (1 273 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
لَهُ
دعاءه. فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ من الطوفان أو أذى قومه، والكرب الغم الشديد.
وَنَصَرْناهُ مطاوع انتصر أي جعلناه منتصراً. مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ لاجتماع الأمرين تكذيب الحق والانهماك في الشر، ولعلهما لم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله تعالى.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٨ الى ٧٩]
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩)
وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ في الزرع، وقيل في كرم تدلت عناقيده. إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ رعته ليلاً. وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما عالمين.
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ الضمير للحكومة أو للفتوى وقرئ «فأفهمناها» .
روي أن داود حكم بالغنم لصاحب الحرث فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا أرفق بهما فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود إلى ما كان ثم يترادان.
ولعلهما قالا اجتهادا والأول نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني والثاني مثل قول الشافعي بغرم الحيلولة في العبد المغصوب إذا أبق، وحكمه في شرعنا عند الشافعي وجوب ضمان المتلف بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلاً
وهكذا قضى النبي ﷺ لما دخلت ناقة البراء حائطاً وأفسدته فقال «على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظها بالليل» .
وعند أبي حنيفة لا ضمان إِلاَّ أن يكون معها حافظ
لقوله ﷺ «جرح العجماء جبار» .
وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه. وقيل على أن كل مجتهد مصيب وهو مخالف لمفهوم قوله تعالى: فَفَهَّمْناها ولولا النقل لاحتمل توافقهما على أن قوله ففهمناها لإِظهار ما تفضل عليه في صغره. وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ يقدسن الله معه إما بلسان الحال أو بصوت يتمثل له، أو بخلق الله تعالى فيها الكلام. وقيل يسرن معه من السباحة وهو حال أو استئناف لبيان وجه التسخير ومَعَ متعلقة ب سَخَّرْنا أو يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ عطف على الْجِبالَ أو مفعول معه.
وقرئ بالرفع على الإِبتداء أو العطف على الضمير على ضعف. وَكُنَّا فاعِلِينَ لأمثاله فليس ببدع منا وإن كان عجبا عندكم.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٨٠]
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠)
وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ عمل الدرع وهو في الأصل اللباس قال:
البِسْ لَكُل حَالَة لَبُوسهَا ... إِمَّا نعيمها وَإِمَا بُوسها
قيل كانت صفائح فحلقها وسردها. لَكُمْ متعلق بعلم أو صفة ل لَبُوسٍ ليحصنكم مّن بَأْسِكُمْ بدل منه بدل الاشتمال بإعادة الجار، والضمير لداود ﵇ أو ل لَبُوسٍ وفي قراءة ابن عامر وحفص بالتاء للصنعة أو ل لَبُوسٍ على تأويل الدرع وفي قراءة أبي بكر ورويس بالنون لله فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ذلك أمر أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨١ الى ٨٢]
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)
стр. 702
وَلِسُلَيْمانَ وسخرنا له ولعل اللام فيه دون الأول لأن الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له، وفي الأول أمر يظهر في الجبال والطير مع داود وبالإِضافة إليه. الرِّيحَ عاصِفَةً شديدة الهبوب من حيث إنها تبعد بكرسيه في مدة يسيرة كما قال تعالى: غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وكانت رخاء في نفسها طيبة. وقيل كانت رخاء تارة وعاصفة أخرى حسب إرادته. تَجْرِي بِأَمْرِهِ بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى أو حال من ضميرها. إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها إلى الشام رواحاً بعد ما سارت به منه بكرة. وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ فنجريه على ما تقتضيه الحكمة.
وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ في البحار ويخرجون نفائسها، وَمِنَ عطف على الرِّيحَ أو مبتدأ خبره ما قبله وهي نكرة موصوفة. وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ ويتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ. وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أن يزيغوا عن أمره أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٣ الى ٨٤]
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤)
وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ بأني مسني الضر، وقرئ بالكسر على إضمار القول أو تضمين النداء معناه والضُّرُّ بالفتح شائع في كل ضرر، وبالضم خاص بما في النفس كمرض وهزال. وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وصف ربه بغاية الرحمة بعد ما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لطفاً في السؤال، وكان رومياً من ولد عيص بن إسحاق استنبأه الله وكثر أهله وماله فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله، والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعاً وسبعة أشهر وسبع ساعات.
روي أن امرأته ما خير بنت ميشا بن يوسف، أو رحمة بنت افراثيم بن يوسف قالت له يوماً: لو دعوت الله فقال: كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال: أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي.
فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ بالشفاء من مرضه. وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ بأن ولد له ضعف ما كان أو أحيي ولده وولد له منهم نوافل. رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ رحمة على أيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب، أو لرحمتنا للعابدين فإنا نذكرهم بالإِحسان ولا ننساهم.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٥ الى ٨٦]
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)
وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ يعني إلياس، وقيل يوشع، وقيل زكريا سمي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفل أمته أو له ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم، والكفل يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضعف. كُلٌّ كل هؤلاء. مِنَ الصَّابِرِينَ على مشاق التكاليف وشدائد النوب.
وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا يعني النبوة أو نعمة الآخرة. إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ الكاملين في الصلاح وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٧ الى ٨٨]
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لاَّ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)
стр. 703
وَذَا النُّونِ وصاحب الحوت يونس بن متى إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً لقومه لما برم بطول دعوتهم وشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مهاجراً عنهم، قبل أن يؤمر وقيل وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذبهم وغضب من ذلك، وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجرة لخوفهم لحوق العذاب عندها وقرئ «مغضباً» . فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ لن نضيق عليه أو لن نقضي عليه بالعقوبة من القدر، ويعضده أنه قرئ مثقلاً أو لن نعمل فيه قدرتنا وقيل هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا، أو خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه فسميت ظناً للمبالغة. وقرئ بالياء وقرأ يعقوب على البناء للمفعول وقرئ به مثقلاً. فَنادى فِي الظُّلُماتِ في الظلمة الشديدة المتكاثفة أو ظلمات بطن الحوت والبحر والليل. أَنْ لاَّ إِلهَ إِلَّا أَنْتَ بأنه لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ.
سُبْحانَكَ من أن يعجزك شيء. إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة.
وعن النبي ﵊ «ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له» .
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات كان في بطنه. وقيل ثلاثة أيام والغم غم الالتقام وقيل غم الخطيئة. وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ من غموم دعوا الله فيها بالإِخلاص وفي الإمام: «نجي» ولذلك أخفى الجماعة النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الفم، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بتشديد الجيم على أن أصله نُنْجِي فحذفت النون الثانية كما حذفت التاء الثانية في تَظاهَرُونَ، وهي وإن كانت فاء فحذفها أوقع من حذف حرف المضارعة التي لمعنى ولا يقدح فيه اختلاف حركتي النونين فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإِدغام وامتناع الحذف في تتجافى، لخوف اللبس. وقيل هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر وسكن آخره تخفيفاً ورد بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور والماضي لا يسكن آخره.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٨٩ الى ٩٠]
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠)
وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وحيداً بلا ولد يرثني. وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي به.
فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ أي أصلحناها للولادة بعد عقرها أو ل زَكَرِيَّا بتحسين خلقها وكانت حردة. إِنَّهُمْ يعني المتوالدين أو المذكورين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يبادرون إلى أبواب الخير. وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً ذوي رغب ورهب، أو راغبين في الثواب راجين للإِجابة، أو في الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية. وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ مخبتين أو دائبين الوجل، والمعنى أنهم نالوا من الله ما نالوا بهذه الخصال.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩١ الى ٩٢]
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها من الحلال والحرام يعني مريم. فَنَفَخْنا فِيها أي في عيسى ﵊ فيها أي أحييناه في جوفها، وقيل فعلنا النفخ فيها. مِنْ رُوحِنا من الروح الذي هو بأمرنا وحده أو من جهة روحنا يعني جبريل ﵊. وَجَعَلْناها وَابْنَها أي قصتهما أو حالهما ولذلك وحد قوله: آيَةً لِلْعالَمِينَ فإن من تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الصانع تعالى.
стр. 704
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أي إن ملة التوحيد والإِسلام ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها فكونوا عليها. أُمَّةً واحِدَةً غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا مشاركة لغيرها في صحة الاتباع. وقرئ «أُمَتُكُمْ» بالنصب على البدل و «أُمَّةٌ» بالرفع على الخبر وقرئتا بالرفع عن أنهما خبران. وَأَنَا رَبُّكُمْ لا إله لكم غيري. فَاعْبُدُونِ لا غير.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٣ الى ٩٤]
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ صرفه إلى الغيبة التفاتاً لينعى على الذين تفرقوا في الدين وجعلوا أمره قطعاً موزعة بقبيح فعلهم إلى غيرهم. كُلٌّ من الفرق المتحزبة. إِلَيْنا راجِعُونَ فنجازيهم.
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بالله ورسله. فَلا كُفْرانَ فلا تضييع. لِسَعْيِهِ استعير لمنع الثواب كما استعير الشكر لإِعطائه ونفي الجنس للمبالغة. وَإِنَّا لَهُ لسعيه. كاتِبُونَ مثبتون في صحيفة عمله لا يضيع بوجه ما.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٥]
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥)
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ وممتنع على أهلها غير متصور منهم. وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي «وَحِرْمٌ» بكسر الحاء وإسكان الراء وقرئ «حرم» . أَهْلَكْناها حكمنا بإهلاكها أو وجدناها هالكة. أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ رجوعهم إلى التوبة أو الحياة ولا صلة، أو عدم رجوعهم للجزاء وهو مبتدأ خبره حرام أو فاعل له ساد مسد خبره أو دليل عليه وتقديره: توبتهم أو حياتهم أو عدم بعثهم، أو لأنهم لاَ يَرْجِعُونَ ولا ينيبون وَحَرامٌ خبر محذوف أي وحرام عليها ذاك وهو المذكور في الآية المتقدمة ويؤيده القراءة بالكسر. وقيل حَرامٌ عزم وموجب عليهم أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٦ الى ٩٧]
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧)
حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ متعلق ب حَرامٌ أو بمحذوف دل الكلام عليه، أو ب لاَ يَرْجِعُونَ أي يستمر الامتناع أو الهلاك أو عدم الرجوع إلى قيام الساعة وظهور أماراتها: وهو فتح سد يأجوج ومأجوج وهي حتى التي يحكى الكلام بعدها، والمحكي هي الجملة الشرطية. وقرأ ابن عامر ويعقوب فُتِحَتْ بالتشدد. وَهُمْ يعني يأجوج ومأجوج أو الناس كلهم. مِنْ كُلِّ حَدَبٍ نشز من الأرض، وقرئ «جدث» وهو القبر. يَنْسِلُونَ يسرعون من نسلان الذئب وقرئ بضم السين.
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ وهو القيامة. فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا جواب الشرط و «إذا» للمفاجأة تسد مسد الفاء الجزائية كقوله تعالى: إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ فإذا جاءت الفاء معها تظاهرتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، والضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار. يَا وَيْلَنا مقدر بالقول واقع موقع الحال من الموصول. قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا لم نعلم أنه حق. بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ لأنفسنا بالإِخلال بالنظر وعدم الاعتداد بالنذر.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ٩٨]
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨)
.
стр. 705
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يحتمل الأوثان وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم، لما
روي أنه ﵊ لما تلا الآية على المشركين قال له ابن الزبعري: قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة، فقال ﷺ : «بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك» فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية.
وعلى هذا يعم الخطاب ويكون مَا مؤولاً بمن أو بما يعمه، ويدل عليه ما
روي أن ابن الزبعري قال: هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله فقال ﷺ «بل لكل من عبد من دون الله» .
ويكون قوله إِنَّ الَّذِينَ بياناً للتجوز أو التخصيص تأخر عن الخطاب. حَصَبُ جَهَنَّمَ ما يرمي به إليها وتهيج به من حصبه بحصبه إذا رماه بالحصباء وقرئ بسكون الصاد وصفاً بالمصدر. أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ استئناف أو بدل من حَصَبُ جَهَنَّمَ واللام معوضة من على للاختصاص والدلالة على أن ورودهم لأجلها.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٩٩ الى ١٠٠]
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لاَ يَسْمَعُونَ (١٠٠)
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوها لأن المؤاخذ بالعذاب لا يكون إلهاً. وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ لا خلاص لهم عنها.
لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ أنين وتنفس شديد وهو من إضافة فعل البعض إلى الكل للتغلب إن أريد ب مَا تَعْبُدُونَ الأصنام. وَهُمْ فِيها لاَ يَسْمَعُونَ من الهول وشدة العذاب. وقيل لاَ يَسْمَعُونَ ما يسرهم.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣]
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أي الخصلة الحسنى وهي السعادة أو التوفيق بالطاعة أو البشرى بالجنة. أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين.
روي أن علياً كرم الله وجهه خطب وقرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح، ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه ويقول:
لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَها
وهو بدل من مُبْعَدُونَ أو حال من ضميره سيق للمبالغة في إبعادهم عنها، والحسيس صوت يحس به. وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ دائمون في غاية التنعم وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به.
لاَ يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ النفخة الأخيرة لقوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أو الانصراف إلى النار أو حين يطبق على النار أو يذبح الموت. وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ تستقبلهم مهنئين لهم. هذا يَوْمُكُمُ يوم ثوابكم وهو مقدر بالقول. الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ في الدنيا.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ١٠٤]
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤)
يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ مقدر باذكر أو ظرف لاَ يَحْزُنُهُمُ، أو تَتَلَقَّاهُمُ أو حال مقدرة من العائد المحذوف من تُوعَدُونَ، والمراد بالطي ضد النشر أو المحو من قولك اطو عني هذا الحديث، وذلك لأنها
стр. 706
نشرت مظلة لبني آدم فإذا انتقلوا قوضت عنهم، وقرئ بالياء والتاء والبناء للمفعول. كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ طياً كطي الطومار لأجل الكتابة أو لما يكتب أو كتب فيه، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص على الجمع أي للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه. وقيل «السجل» ملك يطوي كتب الأعمال إذا رفعت إليه أو كاتب كان لرسول الله ﷺ . وقرئ «السجل» كالدلو و «السجل» كالعتل وهما لغتان فيه. كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ أي نعيد ما خلقناه مبتدأ إعادة مثل بدئنا إياه في كونهما إيجاداً عن العدم، أو جمعاً بين الأجزاء المتبددة والمقصود بيان صحة الإِعادة بالقياس على الإِبداء لشمول الإِمكان الذاتي المصحح للمقدورية. وتناول القدرة القديمة لهما على السواء، و «ما» كافة أو مصدرية وأول مفعول ل بَدَأْنا أو لفعل يفسره نُعِيدُهُ أو موصولة والكاف متعلقة بمحذوف يفسره نُعِيدُهُ أي نعيد مثل الذي بدأنا وأول خلق ظرف ل بَدَأْنا أو حال من ضمير الموصول المحذوف. وَعْداً مقدر بفعله تأكيداً ل نُعِيدُهُ أو منتصب به لأنه عدة بالإِعادة. عَلَيْنا أي علينا إنجازه. إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ ذلك لا محالة.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٦]
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦)
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ في كتاب داود ﵇. مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أي التوراة، وقيل المراد ب الزَّبُورِ جنس الكتب المنزل وب الذِّكْرِ اللوح المحفوظ. أَنَّ الْأَرْضَ أي أرض الجنة أو الأَرض المقدسة. يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ يعني عامة المؤمنين أو الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها، أو أمة محمّد ﷺ .
إِنَّ فِي هذا أي فيما ذكر من الأخبار والمواعظ والمواعيد لَبَلاغاً لكفاية أو لسبب بلوغ إلى البغية.
لِقَوْمٍ عابِدِينَ همهم العبادة دون العادة.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]
وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم، وقيل كونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال.
قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد، وذلك لأن المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد فالأولى لقصر الحكم على الشيء والثانية على العكس.
فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ مخلصون العبادة لله تعالى على مقتضى الوحي المصدق بالحجة، وقد عرفت أن التوحيد مما يصح إثباته بالسمع.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١٠٩ الى ١١١]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١)
فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد. فَقُلْ آذَنْتُكُمْ أي أعلمتكم ما أمرت به أو حربي لكم. عَلى سَواءٍ مستوين في الإِعلام به أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به، أو في المعاداة أو إيذانا على سواء.
وقيل أعلمتكم أني على سَواءٍ أي عدل واستقامة رأي بالبرهان النير. وَإِنْ أَدْرِي وما أدري. أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ من غلبة المسلمين أو الحشر لكنه كائن لا محالة.
стр. 707
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ ما تجاهرون به من الطعن في الإِسلام. وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ من الإِحن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه.
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وما أدري لعل تأخير جزائكم استدراج لكم وزيادة في افتتانكم أو امتحان لينظر كيف تعملون. وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ وتمتع إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئته.
[سورة الأنبياء (٢١) : آية ١١٢]
قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى مَا تَصِفُونَ (١١٢)
قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المقتضى لاستعجال العذاب والتشديد عليهم، وقرأ حفص قالَ على حكاية قول رسول الله ﷺ . وقرئ «رَبُّ» بالضم و «ربي احكم» على بناء التفضيل و «احكم» من الأحكام. وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ كثير الرحمة على خلقه. الْمُسْتَعانُ المطلوب منه المعونة.
عَلى مَا تَصِفُونَ من الحال بأن الشوكة تكون لهم وأن راية الإِسلام تخفق أياماً ثم تسكن، وأن الموعد به لو كان حقاً لنزل بهم فأجاب الله تعالى دعوة رسوله ﷺ فخيب أمانيهم ونصر رسوله ﷺ عليهم، وقرئ بالياء.
وعن النبي ﷺ «من قرأ اقترب حاسبه الله حساباً يسيراً وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن»
والله تعالى أعلم.
стр. 708
(٢٢) سورة الحج
مكية إلا ست آيات من (هذانِ خَصْمانِ) إلى (صِراطِ الْحَمِيدِ) وآيها ثمان وسبعون آية
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ تحريكها للأشياء على الإِسناد المجازي، أو تحريك الأشياء فيها فأضيفت إليها إضافة معنوية بتقدير في أو إضافة المصدر إلى الظرف على إجرائه مجرى المفعول به.
وقيل هي زلزلة تكون قبيل طلوع الشمس من مغربها وإضافتها إلى الساعة لأنها من أشراطها. شَيْءٌ عَظِيمٌ هائل علل أمرهم بالتقوى بفظاعة الساعة ليتصوروها بعقولهم ويعلموا أنه لا يؤمنهم منها سوى التدرع بلباس التقوى فيبقوا على أنفسهم ويتقوها بملازمة التقوى.
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
تصوير لهولها والضمير لل زَلْزَلَةَ، ويَوْمَ
منصوب ب تَذْهَلُ
، وقرئ «تَذْهَلُ» و «تَذْهَلُ» مجهولاً ومعروفاً أي تذهلها الزلزلة، والذهول الذهاب عن الأمر بدهشة، والمقصود الدلالة على أن هولها بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه وذهلت عنه، و «مَا» موصولة أو مصدرية. وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها
جنينها. وَتَرَى النَّاسَ سُكارى
كأنهم سكارى. وَما هُمْ بِسُكارى
على الحقيقة. وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ
فأرهقهم هوله بحيث طير عقولهم وأذهب تمييزهم، وقرئ «تَرَى» من أريتك قائماً أو رؤيت قائما بنصب الناس ورفعه على أنه نائب مناب الفاعل، وتأنيثه على تأويل الجماعة وإفراده بعد جمعه لأن الزلزلة يراها الجميع، وأثر السكر إنما يراه كل أحد على غيره وقرأ حمزة والكسائي «سكرى» كعطشى إجراء للسكر مجرى العلل.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣ الى ٤]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ نزلت في النضر بن الحرث وكان جدلاً يقول الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ولا بعث بعد الموت هي تعمه وأضرابه. وَيَتَّبِعُ في المجادلة أو في عامة أحواله. كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ متجرد للفساد وأصله العري.
كُتِبَ عَلَيْهِ على الشيطان. أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ تبعه والضمير للشأن. فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ خبر لمن أو جواب له، والمعنى كتب عليه إضلال من يتولاه لأنه جبل عليه، وقرئ بالفتح على تقدير فشأنه أنه يضله لا على العطف فإنه يكون بعد تمام الكلام. وقرئ بالكسر في الموضعين على حكاية المكتوب أو إضمار القول أو
стр. 709
تضمين الكتب معناه. وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ بالحمل على ما يؤدي إليه.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٥]
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ من إمكانه وكونه مقدورا، وقرئ «مّنَ البعث» بالتحريك كالجلب. فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ أي فانظروا في بدء خلقكم فإنه يزيح ريبكم فإنا خلقناكم. مِنْ تُرابٍ بخلق آدم منه، أو الأغذية التي يتكون منها المني. ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ مني من النطف وهو الصب. ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ قطعة من الدم جامدة. ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ قطعة من اللحم وهي في الأصل قدر ما يمضغ. مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ مسواة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسواة أو تامة وساقطة أو مصورة وغير مصورة. لِنُبَيِّنَ لَكُمْ بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة قبلها أخرى، وأن من قدر على تغييره وتصويره أولاً قدر على ذلك ثانياً، وحذف المفعول إيماء إلى أن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وحكمته ما لا يحيط به الذكر. وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ مَا نَشاءُ أن نقره. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه أربع سنين، وقرئ «ونقر» بالنصب وكذا قوله: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا عطفاً على «نبيِّن» كأن خلقهم مدرجاً لغرضين تبيين القدرة وتقريرهم في الأرحام حتى يولدوا وينشئوا ويبلغوا حد التكليف، وقرئا بالياء رفعاً ونصباً ويقر بالياء وَنُقِرُّ من قررت الماء إذا صببته، وطِفْلًا حال أجريت على تأويل كل واحد أو للدلالة على الجنس أو لأنه في الأصل مصدر. ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ كمالكم في القوة والعقل جمع شدة كالأنعم جمع نعمة كأنها شدة في الأمور. وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى عند بلوغ الأشد أو قبله. وقرئ يُتَوَفَّى أو يتوفاه الله تعالى. وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وهو الهرم والخرف، وقرئ بسكون الميم.
لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما علمه وينكر ما عرفه، والآية استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإِنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره. وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً ميتة يابسة من همدت النار إذا صارت رماداً. فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ تحركت بالنبات. وَرَبَتْ وانتفخت، وقرئ «وربأت» أي ارتفعت. وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ من كل صنف بَهِيجٍ حسن رائق، وهذه دلالة ثالثة كررها الله تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهدة.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦ الى ٧]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَ رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)
ذلِكَ إشارة إلى ما ذكر من خلق الإِنسان في أطوار مختلفة وتحويله على أحوال متضادة، وإحياء الأرض بعد موتها وهو مبتدأ خبره: بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ أي بسبب أنه الثابت في نفسه الذي به تتحقق الأشياء. وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وأنه يقدر على إحيائها وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة. وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لأن قدرته لذاته الذي نسبته إلى الكل على سواء، فلما دلت المشاهدة على قدرته على إحياء بعض الأموات لزم اقتداره على إحياء كلها.
стр. 710
وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيها فإن التغير من مقدمات الانصرام وطلائعه. وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٨ الى ١٠]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ تكرير للتأكيد ولما نيط به من الدلالة بقوله: وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ على أنه لا سند له من استدلال أو وحي، أو الأول في المقلدين وهذا في المقلدين، والمراد بالعلم العلم الفطري ليصح عطف ال هُدىً وال كِتابٍ عليه.
ثانِيَ عِطْفِهِ متكبراً وثني العطف كناية عن التكبر كليّ الجيد، أو معرضاً عن الحق استخفافاً به.
وقرئ بفتح العين أي مانع تعطفه. لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ علة للجدال، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس بفتح الياء على أن إعراضه عن الهدى المتمكن منه بالإِقبال على الجدال الباطل خروج من الهدى إلى الضلال، وأنه من حيث مؤداه كالغرض له. لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وهو ما أصابه يوم بدر. وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ المحروق وهو النار.
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ على الالتفات، أو إرادة القول أي يقال له يوم القيامة ذلك الخزي والتعذيب بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي. وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وإنما هو مجاز لهم على أعمالهم المبالغة لكثرة العبيد.
[سورة الحج (٢٢) : آية ١١]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ على طرف من الدين لاَ ثَبَاتَ له فيه كالذي يكون على طرف الجيش، فإن أحس بظفر قر وإلا فر. فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ
روي أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة، فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سريا وولدت امرأته غلاماً سوياً وكثر ماله وماشيته قال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن، وإن كان الأمر بخلافه قال ما أصبت إلا شراً وانقلب.
وعن أبي سعيد أن يهودياً أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالإِسلام، فأتى النبي ﷺ فقال: أقلني فقال «إن الإِسلام لا يقال» فنزلت.
خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد، وقرئ «خاسراً» بالنصب على الحال والرفع على الفاعلية ووضع الظاهر موضع الضمير تنصيصاً على خسرانه أو على أنه خبر محذوف. ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ إذ لا خسران مثله.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٢ الى ١٣]
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢) يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)
يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُ وَما لاَ يَنْفَعُهُ يعبد جماداً لا يضر بنفسه ولا ينفع. ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ عن المقصد مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضالاً.
يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ بكونه معبوداً لأنه يوجب القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة. أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ الذي يتوقع بعبادته وهو الشفاعة والتوسل بها إلى الله تعالى، واللام معلقة ل يَدْعُوا من حيث إنه بمعنى
стр. 711
يزعم والزعم قول مع اعتقاد، أو داخلة على الجملة الواقعة مقولاً إجراء له مجرى يقول: أي يقول الكافر ذلك بدعاء وصراخ حين يرى استضراره به، أو مستأنفة على أن يدعو تكرير للأول ومن مبتدأ خبره لَبِئْسَ الْمَوْلى الناصر. وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ الصاحب.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٤ الى ١٥]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤) مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥)
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ من إثابة الموحد الصالح وعقاب المشرك الطالح لا دافع له ولا مانع.
مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ كلام فيه اختصار والمعنى: أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه. وقيل المراد بالنصر الرزق والضمير لمن.
فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه بأن يفعل كل ما يفعله الممتلئ غيظاً، أو المبالغ جزعاً حتى يمد حبلاً إلى سماء بيته فيختنق من قطع إذا اختنق، فإن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه. وقيل فليمدد حبلاً إلى سماء الدنيا ثم ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانها فيجتهد في دفع نصره أو تحصيل رزقه. وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر لِيَقْطَعَ بكسر اللام. فَلْيَنْظُرْ فليتصور في نفسه.
هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ فعله ذلك وسماه على الأول كيداً لأنه منتهى ما يقدر عليه. مَا يَغِيظُ غيظه أو الذي يغيظه من نصر الله. وقيل نزلت في قوم مسلمين استبطئوا نصر الله لاستعجالهم وشدة غيظهم على المشركين.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٦ الى ١٧]
وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)
وَكَذلِكَ ومثل ذلك الإنزال. أَنْزَلْناهُ أنزلنا القرآن كله. آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات. وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي ولأن الله يهدي به أو يثبت على الهدى. مَنْ يُرِيدُ هدايته أو إثباته أنزله كذلك مبينا.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بالحكومة بينهم وإظهار المحق منهم على المبطل، أو الجزاء فيجازي كلا ما يليق به ويدخله المحل المعد له، وإنما أدخلت إن على كل واحد من طرفي الجملة لمزيد التأكيد. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ عالم به مراقب لأحواله.
[سورة الحج (٢٢) : آية ١٨]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ (١٨)
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يتسخر لقدرته ولا يتأنى عن تدبيره، أو يدل بذلته على عظمة مدبره، ومن يجوز أن يعم أولي العقل وغيرهم على التغليب فيكون قوله: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ إفراداً لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك منها. وقرئ «والدواب» بالتخفيف كراهة التضعيف أو الجمع بين الساكنين. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عطف عليها إن جوز إعمال اللفظ الواحد في
стр. 712
كل واحد من مفهوميه، وإسناده باعتبار أحدهما إلى أمر وباعتبار الآخر إلى آخر، فإن تخصيص الكثير يدل على خصوص المعنى المسند إليهم، أو مبتدأ خبره محذوف يدل عليه خبر قسيمه نحو حق له الثواب، أو فاعل فعل مضمر أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة. وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ بكفره وإبائه عن الطاعة، ويجوز أن يجعل «وكثير» تكريراً للأول مبالغة في تكثير المحقوقين بالعذاب أن يعطف به على الساجدين بالمعنى العام موصوفاً بما بعده. وقرئ «حَقّ» بالضم و «حقاً» بإضمار فعله. وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ بالشقاوة فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ يكرمه بالسعادة، وقرئ بالفتح بمعنى الإِكرام. إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشاءُ من الإكرام والإهانة.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)
هذانِ خَصْمانِ أي فوجان مختصمان. ولذلك قال: اخْتَصَمُوا حملاً على المعنى ولو عكس لجاز، والمراد بها المؤمنون والكافرون. فِي رَبِّهِمْ في دينه أو في ذاته وصفاته. وقيل تخاصمت اليهود والمؤمنون فقال اليهود: نحن أحق بالله وأقدم منكم كتابا ونبينا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحق بالله آمنا بمحمد ونبيكم وبما أَنزَلَ الله مِن كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم كفرتم به حسداً فنزلت. فَالَّذِينَ كَفَرُوا فصل لخصومتهم وهو المعني بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ. قُطِّعَتْ لَهُمْ قدرت لهم على مقادير جثثهم، وقرئ بالتخفيف. ثِيابٌ مِنْ نارٍ نيران تحيط بهم إحاطة الثياب. يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ حال من الضمير في لَهُمْ أو خبر ثان، والحميم الماء الحار.
يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ أي يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم فتذاب به أحشاؤهم كما تذاب به جلودهم، والجملة حال من الْحَمِيمُ أو من ضميرهم. وقرئ بالتشديد للتكثير.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢)
وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ سياط منه يجلدون بها جمع مقمعة وحقيقتها ما يقمع به أي يكف بعنف.
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها من النار. مِنْ غَمٍّ من غمومها بدل من الهاء بإعادة الجار. أُعِيدُوا فِيها أي فخرجوا أعيدوا لأن الإِعادة لا تكون إلا بعد الخروج، وقيل يضربهم لهيب النار فيرفعهم إلى أعلاها فيضربون بالمقامع فيهوون فيها. وَذُوقُوا أي وقيل لهم ذُوقُواْ. عَذابَ الْحَرِيقِ أي النار البالغة في الإِحراق.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٤]
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤)
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ غير الأسلوب فيه وأسند الإِدخال إلى الله تعالى وأكده بإن إحماداً لحال المؤمنين وتعظيماً لشأنهم. يُحَلَّوْنَ فِيها من حليت المرأة إذا ألبستها الحلي، وقرئ بالتخفيف والمعنى واحد. مِنْ أَساوِرَ صفة مفعول محذوف وأَساوِرَ جمع أسورة وهو جمع سوار. مِنْ ذَهَبٍ بيان له. وَلُؤْلُؤاً عطف عليها لا على ذَهَبٍ لأنه لم يعهد السوار
стр. 713
منه إلا أن يراد المرصعة به، ونصبه نافع وعاصم عطفاً على محلها أو إضمار الناصب مثل ويؤتون، وروى حفص بهمزتين وترك أبو بكر والسوسي عن أبي عمرو الهمزة الأولى، وقرئ «لؤلواً» بقلب الثانية واواً و «لوليا» بقلبهما واوين ثم قلب الثانية ياء و «ليليا» بقلبهما ياءين و «لول» كأدل. وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ غير أسلوب الكلام فيه للدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة، أو للمحافظة على هيئة الفواصل.
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وهو قولهم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ أو كلمة التوحيد. وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة، أو الحق أو المستحق لذاته الحمد وهو الله وصراطه الإسلام.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٢٥]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لا يريد به حالاً ولا استقبالاً وإنما يريد به استمرار الصد منهم كقولهم: فلان يعطي ويمنع، ولذلك حسن عطفه على الماضي. وقيل هو حال من فاعل كَفَرُوا وخبر إِنَّ محذوف دل عليه آخر الآية أي معذبون. وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ عطف على اسم الله وأَوَّلَهُ الحنفية بمكة واستشهدوا بقوله: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ أي المقيم والطارئ، على عدم جواز بيع دورها وإجارتها، وهو مع ضعفه معارض بقوله تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وشراء عمر ﵁ دار السجن فيها من غير نكير، وسَواءً خبر مقدم والجملة مفعول ثان ل جَعَلْناهُ إن جعل لِلنَّاسِ حالاً من الهاء وإلا فحال من المستكن فيه، ونصبه حفص على أنه المفعول أو الحال والْعاكِفُ مرتفع به، وقرئ «العاكف» بالجر على أنه بدل من الناس. وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول، وقرئ بالفتح من الورود. بِإِلْحادٍ عدول عن القصد بِظُلْمٍ بغير حق وهما حالان مترادفان، أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار أو صلة له: أي ملحداً بسبب الظلم كالإِشراك واقتراف الآثام نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ جواب ل مَنْ.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٢٦]
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أي واذكر إذ عيناه وجعلناه له مباءة. وقيل اللام زائدة ومكان ظرف أي وإذ أنزلناه فيه. قيل رفع البيت إلى السماء وانطمس أيام الطوفان فأعلمه الله مكانه بريح أرسلها فكنست ما حوله فبناه على أسه القديم. أَنْ لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أَنْ مفسرة ل بَوَّأْنا من حيث إنه تضمن معنى تعبدنا لأن التبوئة من أجل العبادة، أو مصدرية موصولة بالنهي أي: فعلنا ذلك لئلا تشرك بعبادتي وطهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي فيه، ولعله عبر عن الصلاة بأركانها للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك كيف وقد اجتمعت، وقرئ يُشْرَكَ بالياء وقرأ نافع وحفص وهشام بَيْتِيَ بفتح الياء.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)
.
стр. 714
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ ناد فيهم وقرئ «وَآذّن» . بِالْحَجِّ بدعوة الحج والأمر به.
روي أنه ﵊ صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس حجوا بيت ربكم، فأسمعه الله من أصلاب الرجال وأرحام النساء فيما بين المشرق والمغرب ممن سبق في علمه أن يحج.
وقيل الخطاب لرسول الله ﷺ أمر بذلك في حجة الوداع. يَأْتُوكَ رِجالًا مشاة جمع راجل كقائم وقيام، وقرئ بضم الراء مخفف الجيم ومثقلة و «رجالي» كعجالى. وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ أي وركباناً على كل بعير مهزول أتعبه بعد السفر فهزله. يَأْتِينَ صفة ل ضامِرٍ محمولة على معناه، وقرئ «يأتون» صفة للرجال والركبان أو استئناف فيكون الضمير ل النَّاسِ.
مِنْ كُلِّ فَجٍّ طريق. عَمِيقٍ بعيد، وقرئ «معيق» يقال بئر بعيدة العمق والمعق بمعنى.
لِيَشْهَدُوا ليحضروا. مَنافِعَ لَهُمْ دينية ودنيوية، وتنكيرها لأن المراد بها نوع من المنافع مخصوص بهذه العبادة. وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عند إعداد الهدايا والضحايا وذبحها. وقيل كنى بالذكر عن النحر لأن ذبح المسلمين لا ينفك عنه تنبيهاً على أنه المقصود مما يتقرب به إلى الله تعالى. فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ هي عشر ذي الحجة، وقيل أيام النحر. عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ علق الفعل بالمرزوق وبينه بالبهيمة تحريضاً على التقرب وتنبيهاً على مقتضى الذكر. فَكُلُوا مِنْها من لحومها أمر بذلك إباحة وإزاحة لما عليه أهل الجاهلية من التحرج فيه، أو ندباً إلى مواساة الفقراء ومساواتهم، وهذا في المتطوع به دون الواجب.
وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الذي أصابه بؤس أي شدة. الْفَقِيرَ المحتاج، والأمر فيه للوجوب وقد قيل به في الأول.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٢٩ الى ٣٠]
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ثم ليزيلوا وسخهم بقص الشارب والأظفار ونتف الإِبط والاستحداد عند الإِحلال.
وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ما ينذرون من البر في حجهم، وقيل مواجب الحج. وقرأ أبو بكر بفتح الواو وتشديد الفاء. وَلْيَطَّوَّفُوا طواف الركن الذي به تمام التحلل فإنه قرينة قضاء التفث، وقيل طواف الوداع. وقرأ ابن عامر وحده بكسر اللام فيهما. بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ القديم لأنه أول بيت وضع للناس، أو المعتق من تسلط الجبابرة فكم من جبار رسا إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى، وأما الحجاج فإنما قصد إخراج ابن الزبير منه دون التسلط عليه.
ذلِكَ خبر محذوف أي الأمر ذلك وهو وأمثاله تطلق للفصل بين كلامين. وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ أحكامه وسائر ما لا يحل هتكه، أو الحرم وما يتعلق بالحج من التكاليف. وقيل الكعبة والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم. فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ فالتعظيم خَيْرٌ لَهُ. عِنْدَ رَبِّهِ ثواباً. وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا مَا يُتْلى عَلَيْكُمْ إلا المتلو عليكم تحريمه، وهو ما حرم منها لعارض: كالميتة وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله فلا تحرموا منها غير ما حرمه الله كالبحيرة والسائبة. فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان كما تجتنب الأنجاس، وهو غاية المبالغة في النهي عن تعظيمها والتنفير عن عبادتها.
وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ تعميم بعد تخصيص فإن عبادة الأوثان رأس الزور، كأنه لما حث على تعظيم الحرمات أتبعه ذلك رداً لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب وتعظيم الأوثان والإِفتراء على الله تعالى بأنه حكم بذلك. وقيل شهادة الزور لما
روي أنه ﵊ قال «عدلت شهادة الزور الإِشراك بالله تعالى ثلاثاً وتلا هذه الآية» .
والزُّورِ من الزور وهو الإِنحراف كما أن الإِفك من الإِفك وهو الصرف، فإن
стр. 715
الكذب منحرف مصروف عن الواقع.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)
حُنَفاءَ لِلَّهِ مخلصين له. غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وهما حالان من الواو. وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ لأنه سقط من أوج الإِيمان إلى حضيض الكفر. فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ فإن الأهواء الرديئة توزع أفكاره، وقرأ نافع وحده فَتَخْطَفُهُ بفتح الخاء وتشديد الطاء. أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ بعيد فإن الشيطان قد طوح به في الضلالة وأو للتخيير كما في قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ، أو للتنويع فإن المشركين من لا خلاص له أصلاً، ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة لكن على بعد، ويجوز أن يكون من التشبيهات المركبة فيكون المعنى: ومن يشرك بالله فقد هلكت نفسه هلاكاً يشبه أحد الهلاكين.
ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ دين الله أو فرائض الحج ومواضع نسكه، أو الهدايا لأنها من معالم الحج وهو أوفق لظاهر ما بعده، وتعظيمها أن تختارها حساناً سماناً غالية الأثمان.
روي أنه ﷺ أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب
، وأن عمر رضي الله تعالى عنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار.
فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ فإن تعظيمها منه من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات والعائد إلى من وذكر القلوب لأنها منشأ التقوى والفجور أو الآمرة بهما.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٣٣]
لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)
لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي لكم فيها منافع درها ونسلها وصوفها وظهرها إلى أن تنحر، ثم وقت نحرها منتهية إلى البيت أي ما يليه من الحرم، وثُمَّ تحتمل التراخي في الوقت والتراخي في الرتبة، أي لكم فيها منافع دنيوية إلى وقت النحر وبعده منافع دينية أعظم منها، وهو على الأولين إما متصل بحديث الْأَنْعامِ والضمير فيه لها أو المراد على الأول لكم فيها منافع دينية تنتفعون بها إلى أجل مسمى هو الموت، ثم محلها منتهية إلى البيت العتيق الذي ترفع إليه الأعمال أو يكون فيه ثوابها وهو البيت المعمور أو الجنة، وعلى الثاني لَكُمْ فِيها مَنافِعُ التجارات في الأسواق إلى وقت المراجعة ثم وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإحلال بطواف الزيارة.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٣٤ الى ٣٥]
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ ولكل أهل دين. جَعَلْنا مَنْسَكاً متعبداً أو قرباناً يتقربون به إلى الله، وقرأ حمزة والكسائي بالكسر أي موضع نسك. لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ دون غيره ويجعلوا نسيكتهم لوجهه، علل الجعل به تنبيهاً على أن المقصود من المناسك تذكر المعبود. عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ عند ذبحها، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون نعماً. فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا أخلصوا التقرب أو الذكر ولا تشوبوه بالإِشراك. وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ المتواضعين أو المخلصين فإن الإِخبات صفتهم.
الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ هيبة منه لإِشراق أشعة جلاله عليها. وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ من الكلف والمصائب. وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ في أوقاتها، وقرئ «والمقيمين الصلاة» على الأصل.
стр. 716
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ في وجوه الخير.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٣٦]
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)
وَالْبُدْنَ جمع بدنة كخشب وخشبة، وأصله الضم وقد قرئ به وإنما سميت بها الإِبل لعظم بدنها مأخوذة من بدن بدانة، ولا يلزم من مشاركة البقرة لها في أجزائها عن سبعة
بقوله ﵇ «البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة»
تناول اسم البدنة لها شرعاً، بل الحديث يمنع ذلك وانتصابه بفعل يفسره. جَعَلْناها لَكُمْ ومن رفعه جعله مبتدأ. مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ من أعلام دينه التي شرعها الله تعالى. لَكُمْ فِيها خَيْرٌ منافع دينية ودنيوية. فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها بأن تقولوا عند ذبحها الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك. صَوافَّ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، وقرئ «صوافن» من صفن الفرس إذا قام على ثلاث وعلى طرف حافر الرابعة لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث، وقرئ «صوافنا» بإبدال التنوين من حرف الإِطلاق عند الوقف و «صوافي» أي خوالص لوجه الله، و «صوافي» بسكون الياء على لغة من يسكن الياء مطلقاً كقولهم: أعط القوس باريها. فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت.
فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة ويؤيده قراءة «القنع» ، أو السائل من قنعت إليه قنوعاً إذا خضعت له في السؤال. وَالْمُعْتَرَّ والمعترض بالسؤال، وقرئ «والمعتري» يقال عره وعراه واعتره واعتراه. كَذلِكَ مثل ما وصفنا من نحرها قياماً. سَخَّرْناها لَكُمْ مع عظمها وقوتها حتى تأخذوها منقادة فتعقلوها وتحبسوها صافة قوائمها ثم تطعنون في لبانها. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إنعامنا عليكم بالتقرب والإخلاص.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٣٧]
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)
لَنْ يَنالَ اللَّهَ لن يصيب رضاه ولن يقع منه موقع القبول. لُحُومُها المتصدق بها. وَلا دِماؤُها المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء. وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ولكن يصيبه ما يصحبه من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمره تعالى والتقرب إليه والإِخلاص له، وقيل كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا القرابين لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله تعالى فهم به المسلمون فنزلت. كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ كرره تذكيراً للنعمة وتعليلاً له بقوله: لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ أي لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء. وقيل هو التكبير عند الإِحلال أو الذبح. عَلى مَا هَداكُمْ أرشدكم إلى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها، وما تحتمل المصدرية والخبرية وعَلى متعلقة ب لِتُكَبِّرُوا لتضمنه معنى الشكر. وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ المخلصين فيما يأتونه ويذرونه.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٣٨]
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)
إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا غائلة المشركين، وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون يُدافِعُ أي يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه. إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ في أمانة الله. كَفُورٍ لنعمته كمن يتقرب إلى الأصنام بذبيحته فلا يرتضي فعلهم ولا ينصرهم.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٣٩]
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)
.
стр. 717
أُذِنَ رخص، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي على البناء للفاعل وهو الله. لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ المشركين والمأذون فيه محذوف لدلالته عليه، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء أي للذين يقاتلهم المشركون. بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا بسبب أنهم ظلموا وهم أصحاب رسول الله ﷺ كان المشركون يؤذونهم وكانوا يأتونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت. وهي أول آية نزلت في القتال بعد ما نهي عنه في نيف وسبعين آية. وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ وعد لهم بالنصر كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٤٠]
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ يعني مكة. بِغَيْرِ حَقٍّ بغير موجب استحقوه به. إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ على طريقة قول النابغة:
وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ من قراع الكتائب
وقيل منقطع. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين. لَهُدِّمَتْ لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل، وقرأ نافع دفاع وقرأ نافع وابن كثير لَهُدِّمَتْ بالتخفيف.
صَوامِعُ صوامع الرهبانية. وَبِيَعٌ بيع النصارى. وَصَلَواتٌ كنائس اليهود، سميت بها لأنها يصلى فيها، وقيل أصلها صلوتا بالعبرانية فعربت. وَمَساجِدُ مساجد المسلمين. يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً صفة للأربع أو لمساجد خصت بها تفضيلاً. وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ من ينصر دينه، وقد أنجز وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم وأورثهم أرضهم وديارهم. إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على نصرهم. عَزِيزٌ لا يمانعه شيء.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٤١]
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وصف للذين أخرجوا وهو ثناء قبل بلاء، وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين إذ لم يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين. وقيل بدل ممن ينصره. وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ فإن مرجعها إلى حكمه، وفيه تأكيد لما وعده.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٢ الى ٤٤]
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤)
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ تسلية له ﷺ بأن قومه إن كذبوه فهو ليس بأوحدي في التكذيب، فإن هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومه.
وَكُذِّبَ مُوسى غير فيه النظم وبنى الفعل للمفعول لأن قومه بنو إسرائيل، ولم يكذبوه وإنما كذبه القبط ولأن تكذيبه كان أشنع وآياته كانت أعظم وأشيع. فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ فأمهلتهم حتى انصرمت آجالهم المقدرة. ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي إنكاري عليهم بتغيير النعمة محنة والحياة هلاكاً والعمارة خراباً.
стр. 718
[سورة الحج (٢٢) : آية ٤٥]
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها بإهلاك أهلها، وقرأ البصريان بغير لفظ التعظيم. وَهِيَ ظالِمَةٌ أي أهلها.
فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ساقطة حيطانها على سقوفها بأن تعطل بنيانها فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف، أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها فيكون الجار متعلقاً ب خاوِيَةٌ، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر أي هي خالية وهي على عروشها أي: مطلة عليها بأن سقطت وبقيت الحيطان مائلة مشرفة عليها، والجملة معطوفة على أَهْلَكْناها لا على وَهِيَ ظالِمَةٌ فإنها حال والإِهلاك ليس حال خوائها فلا محل لها إن نصبت كأي بمقدر يفسره أَهْلَكْناها وإن رفعته بالإِبتداء فمحلها الرفع. وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ عطف على قَرْيَةٍ أي وكم بئر عامرة في البوادي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها، وقرئ بالتخفيف من أعطله بمعنى عطله. وَقَصْرٍ مَشِيدٍ مرفوع أو مجصص أخليناه عن ساكنيه، وذلك يقوي أن معنى خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها خالية مع بقاء عروشها، وقيل المراد ب بِئْرٍ بئر في سفح جبل بحضرموت وبقصر قصر مشرف على قلته كانا لقوم حنظلة بن صفوان من قوم صالح فلما قتلوه أهلكهم الله تعالى وعطلهما.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٤٦]
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا، وهم وإن كانوا قد سافروا فلم يسافروا لذلك. فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ما يجب أن يعقل من التوحيد بما حصل لهم من الاستبصار والاستدلال. أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ما يجب أن يسمع من الوحي والتذكير بحال من شاهدوا آثارهم. فَإِنَّها الضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار. وفي تَعْمَى راجع إليه والظاهر أقيم مقامه. لاَ تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ عن الاعتبار أي ليس الخلل في مشاعرهم وإنما أيفت عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد، وذكر الصُّدُورِ للتأكيد ونفي التجوز وفضل التنبيه على أن العمى الحقيقي ليس المتعارف الذي يخص البصر. قيل لما نزل وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى
قال ابن أم مكتوم يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى فنزلت
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٧ الى ٤٨]
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ المتوعد به. وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ لامتناع الخلف في خبره فيصيبهم ما أوعدهم به ولو بعد حين لكنه صبور لا يعجل بالعقوبة. وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ بيان لتناهي صبره وتأنيه حتى استقصر المدد الطوال، أو لتمادي عذابه وطول أيامه حقيقة، أو من حيث إن أيام الشدائد مستطالة، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء.
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ وكم من أهل قرية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإعراب، ورجع الضمائر والأحكام مبالغة في التعميم والتهويل وإنما عطف الأولى بالفاء وهذه بالواو، لأن الأولى بدل من قوله فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ وهذه في حكم ما تقدمها من الجملتين لبيان أن المتوعد به يحيق بهم لا محالة وأن تأخيره لعادته تعالى. أَمْلَيْتُ لَها كما أمهلتكم. وَهِيَ ظالِمَةٌ مثلكم. ثُمَّ أَخَذْتُها بالعذاب. وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ وإلى حكمي مرجع الجميع.
стр. 719
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٤٩ الى ٥١]
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١)
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أوضح لكم ما أنذركم به، والاقتصار على الإِنذار مع عموم الخطاب وذكر الفريقين لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم.
فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لما بدر منهم. وَرِزْقٌ كَرِيمٌ هي الجنة وال كَرِيمٌ من كل نوع ما يجمع فضائله.
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا بالرد والإِبطال. مُعاجِزِينَ مسابقين مشاقين للساعين فيها بالقبول والتحقيق، من عاجزه فأعجزه وعجزه إذا سابقه فسبقه لأن كلا من المتسابقين يطلب إعجاز الآخر عن اللحوق به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو معجزين على أنه حال مقدرة. أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ النار الموقدة، وقيل اسم دركة.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٥٢]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵈، ولذلك شبه النبي ﷺ علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول ويدل عليه
أنه ﵊ سئل عن الأنبياء فقال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قيل فكم الرسل منهم قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً»
وقيل الرسول من جمع إلى المعجزة كتاباً منزلاً عليه، والنبي غير الرسول من لا كتاب له. وقيل الرسول من يأتيه الملك بالوحي، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام. إِلَّا إِذا تَمَنَّى زور في نفسه ما يهواه. أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما
قال ﵊ «وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة» .
فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فيبطله ويذهب به بعصمته عن الركون إليه والإِرشاد إلى ما يزيحه. ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس. حَكِيمٌ فيما يفعله بهم، قيل حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت. وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقربهم إليه واستمر به ذلك حتى كان في ناديهم فنزلت عليه سورة وَالنَّجْمِ فأخذ يقرؤها فلما بلغ وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهواً إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، ففرح به المشركون حتى شايعوه بالسجود لمَّا سجد في آخرها، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد، ثم نبهه جبريل ﵇ فاغتم لذلك فعزاه الله بهذه الآية.
وهو مردود عند المحققين وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإِيمان عن المتزلزل فيه، وقيل تمنى قرأ كقوله:
تَمَنَّى كِتَابَ الله أَوَّلَ لَيْلِه ... تَمني دَاودَ الزبُورَ عَلَى رسلِ
وأمنيته قراءته وإلقاء الشيطان فيها أن تكلم بذلك رافعاً صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي ﷺ . وقد رد أيضاً بأنه يخل بالوثوق على القرآن ولا يندفع بقوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ لأنه أيضاً يحتمله، والآية تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرق الوسوسة إليهم.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)
стр. 720
لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ علة لتمكين الشيطان منه، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحق والمبطل. فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق. وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ المشركين. وَإِنَّ الظَّالِمِينَ يعني الفريقين فوضع الظاهر موضع ضميرهم قضاء عليهم بالظلم. لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ عن الحق أو عن الرسول والمؤمنين.
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أن القرآن هو الحق النازل من عند الله، أو تمكين الشيطان من الإِلقاء هو الحق الصادر من الله لأنه مما جرت به عادته في الإِنس من لدن آدم. فَيُؤْمِنُوا بِهِ بالقرآن أو بالله. فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ بالانقياد والخشية. وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا فيما أشكل. إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ هو نظر صحيح يوصلهم إلى ما هو الحق فيه.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٥ الى ٥٦]
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)
وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ في شك. مِنْهُ من القرآن أو الرسول، أو مما ألقى الشيطان في أمنيته يقولون ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها. حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ القيامة أو أشراطها أو الموت. بَغْتَةً فجأة. أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر، سمي به لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كالعقم، أو لأن المقاتلين أبناء الحرب فإذا قتلوا صارت عقيماً، فوصف اليوم بوصفها اتساعاً أو لأنه لا خير لهم فيه، ومنه الريح العقيم لما لم تنشئ مطراً ولم تلقح شجراً، أو لأنه لا مثل له لقتال الملائكة فيه، أو يوم القيامة على أن المراد ب السَّاعَةُ غيره أو على وضعه، موضع ضميرها للتهويل.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ التنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلت عليها الغاية أي: يوم تزول مريتهم. يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بالمجازاة، والضمير يعم المؤمنين والكافرين لتفصيله بقوله: فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٥٧]
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وإدخال الفاء في خبر الثاني دون الأول تنبيه على أن إثابة المؤمنين بالجنات تفضل من الله تعالى، وأن عقاب الكافرين مسبب عن أعمالهم فلذلك قال لَهُمْ عَذابٌ ولم يقل: هم في عذاب.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٨ الى ٥٩]
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)
وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا في الجهاد. أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً الجنة ونعيمها، وإنما سوى بين من قتل في الجهاد ومن مات حتف أنفه في الوعد لاستوائهما في القصد وأصل العمل.
روي أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا: يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا فنزلت.
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فإنه يرزق بغير حساب.
стр. 721
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ هو الجنة فيها ما يحبونه. وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ بأحوالهم وأحوال معادهم.
حَلِيمٌ لا يعاجل في العقوبة.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٦٠]
ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)
ذلِكَ أي الأمر ذلك. وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ولم يزد في الاقتصاص، وإنما سمي الإِبتداء بالعقاب الذي هو الجزاء للازدواج أو لأنه سببه. ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ بالمعاودة إلى العقوبة. لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ لا محالة. إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ للمنتصر حيث اتبع هواه في الانتقام وأعرض عما ندب الله إليه بقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وفيه تعريض بالحث على العفو والمغفرة، فإنه تعالى مع كمال قدرته وتعالى شأنه لما كان يعفو ويغفر فغيره بذلك أولى، وتنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦١ الى ٦٢]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)
ذلِكَ أي ذلك النصر. بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ بسبب أن الله تعالى قادر على تغليب الأمور بعضها على بعض، جار عادته على المداولة بين الأشياء المتعاندة ومن ذلك إيلاج أحد المَلَوَيْنِ في الآخر، بأن يزيد فيه ما ينقص منه، أو بتحصيل ظلمة الليل في مكان ضوء النهار بتغييب الشمس وعكس ذلك باطلاعها. وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ يسمع قول المعاقب والمعاقب. بَصِيرٌ يرى أفعالهما فلا يهملهما.
ذلِكَ الوصف بكمال القدرة والعلم. بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الثابت في نفسه الواجب لذاته وحده، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ لكل ما يوجد سواه عالماً بذاته وبما عداه، أو الثابت الإِلهية ولا يصلح لها إلا من كان قادراً عالماً. وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلهاً، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر بالتاء على مخاطبة المشركين، وقرأ بالبناء للمفعول فتكون الواو لما فإنه في معنى الآلهة. هُوَ الْباطِلُ المعدوم في حد ذاته، أو باطل الألوهية. وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ على الأشياء. الْكَبِيرُ على أن يكون له شريك لا شيء أعلى منه شأناً وأكبر منه سلطانا.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٣ الى ٦٤]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء استفهام تقرير ولذلك رفع. فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً عطف على أَنْزَلَ إذ لو نصب جواباً لدل على نفي الاخضرار كما في قولك: ألم تر أني جئتك فتكرمني، والمقصود إثباته وإنما عدل به عن صيغة الماضي للدلالة على بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان. إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق. خَبِيرٌ بالتدابير الظاهرة والباطنة.
لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خلقاً وملكاً. وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ في ذاته عن كل شيء.
الْحَمِيدُ المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٥ الى ٦٦]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦)
стр. 722
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جعلها مذللة لكم معدة لمنافعكم. وَالْفُلْكَ عطف على مَا أو على اسم أَنَّ، وقرئ بالرفع على الابتداء. تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ حال منها أو خبر.
وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ من أن تقع أو كراهة أن تقع بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك. إِلَّا بِإِذْنِهِ إلا بمشيئته وذلك يوم القيامة، وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها. إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال وفتح عليهم أبواب المنافع ودفع عنهم أنواع المضار.
وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ بعد أن كنتم جماداً عناصر ونطفاً. ثُمَّ يُمِيتُكُمْ إذا جاء أجلكم. ثُمَّ يُحْيِيكُمْ في الآخرة. إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ لجحود لنعم الله مع ظهورها.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٦٧]
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧)
لِكُلِّ أُمَّةٍ أهل دين. جَعَلْنا مَنْسَكاً متعبداً أو شريعة تعبدوا بها، وقيل عيدا. هُمْ ناسِكُوهُ ينسكونه. فَلا يُنازِعُنَّكَ سائر أرباب الملل. فِي الْأَمْرِ في أمر الدين أو النسائك لأنهم بين جهال وأهل عناد، أو لأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع، وقيل المراد نهي الرسول ﷺ عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى نزاعهم، فإنها إنما تنفع طالب الحق وهؤلاء أهل مراء، أو عن منازعتهم كقولك: لا يضار بك زيد، وهذا إنما يجوز في أفعال المغالبة للتلازم، وقيل نزلت في كفار خزاعة قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله، وقرئ فَلاَ ينزعنك على تهييج الرسول والمبالغة في تثبيته على دينه على أنه من نازعته فنزعته إذا غلبته. وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إلى توحيده وعبادته.
إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ طريق إلى الحق سوي.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٨ الى ٦٩]
وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)
وَإِنْ جادَلُوكَ وقد ظهر الحق ولزمت الحجة. فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ من المجادلة الباطلة وغيرها فيجازيكم عليها، وهو وعيد فيه رفق.
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين بالثواب والعقاب. يَوْمَ الْقِيامَةِ كما فصل في الدنيا بالحجج والآيات. فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ من أمر الدين.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٠ الى ٧١]
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ فلا يخفى عليه شيء. إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ هو اللوح كتبه فيه قبل حدوثه فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له. إِنَّ ذلِكَ إن الإِحاطة به وإثباته في اللوح المحفوظ، أو الحكم بينكم. عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لأن علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل المعلومات على سواء.
стр. 723
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً حجة تدل على جواز عبادته. وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ حصل لهم من ضرورة العقل أو استدلاله. وَما لِلظَّالِمِينَ وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم. مِنْ نَصِيرٍ يقرر مذهبهم أو يدفع العذاب عنهم.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٧٢]
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا من القرآن. بَيِّناتٍ واضحات الدلالة على العقائد الحقية والأحكام الإِلهية.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ الانكار لفرط نكيرهم للحق وغيظهم لأباطيل أخذوها تقليداً، وهذا منتهى الجهالة وللإِشعار بذلك وضع الذين كفروا موضع الضمير أو ما يقصدونه من الشر يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا يثبون ويبطشون بهم. قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ من غيظكم على التالين وسطوتكم عليهم، أو مما أصابكم من الضجر بسبب ما تلوا عليكم. النَّارُ أي هو النار كأنه جواب سائل قال: ما هو، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره: وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وقرئ بالنصب على الاختصاص وبالجر بدلاً من شر فتكون الجملة استئنافاً كما إذا رفعت خبراً أو حالاً منها. وَبِئْسَ الْمَصِيرُ النار.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٧٣]
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ بين لكم حال مستغربة أو قصة رائعة ولذلك سماها مثلاً، أو جعل لله مثل أي مثل في استحقاق العبادة. فَاسْتَمِعُوا لَهُ للمثل أو لشأنه استماع تدبر وتفكر. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام، وقرأ يعقوب بالياء وقرئ به مبنياً للمفعول والراجع إلى الموصول محذوف على الأولين.
لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً لا يقدرون على خلقه مع صغره لأن لَنْ بما فيها من تأكيد النفي دالة على منافاة ما بين المنفي والمنفي عنه، والذباب من الذب لأنه يذب وجمعه أذبة وذبان. وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ أي للخلق هو بجوابه المقدر في موضع حال جيء به للمبالغة، أي لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه فكيف إذا كانوا منفردين. وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ جهلهم غاية التجهيل بأن أشركوا إلهاً قدر على المقدورات كلها وتفرد بإيجاد الموجودات بأسرها- تماثيل هي أعجز الأشياء، وبين ذلك بأنها لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له، بل لا تقوى على مقاومة هذا الأقل الأذل وتعجز عن ذبه عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه من عندها. قيل كانوا يطلونها بالطيب والعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله. ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ عابد الصنم ومعبوده، أو الذباب يطلب ما يسلب عن الصنم من الطيب والصنم يطلب الذباب منه السلب، أو الصنم والذباب كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه ولو حققت وجدت الصنم أضعف بدرجات.
[سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٤ الى ٧٦]
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ما عرفوه حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة. إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ على خلق الممكنات بأسرها. عَزِيزٌ لا يغلبه شيء وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة
стр. 724
عن أقلها مقهورة من أذلها.
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحي. وَمِنَ النَّاسِ يدعون سائرهم إلى الحق ويبلغون إليهم ما نزل عليهم، كأنه لما قرر وحدانيته في الألوهية ونفى أن يشاركه غيره في صفاتها بين أن له عباداً مصطفين للرسالة يتوسل بإجابتهم والإِقتداء بهم إلى عبادة الله ، وهو أعلى المراتب ومنتهى الدرجات لمن سواه من الموجودات تقريراً للنبوة وتزييفاً لقولهم مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى، والملائكة بنات الله تعالى، ونحو ذلك. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مدرك للأشياء كلها.
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ عالم بواقعها ومترقبها. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ وإليه ترجع الأمور كلها لأنه مالكها بالذات لا يسأل عما يفعل من الاصطفاء وغيره وهم يسألون.
[سورة الحج (٢٢) : آية ٧٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا في صلاتكم، أمرهم بهما لأنهم ما كانوا يفعلونها أول الإِسلام، أو صلوا وعبر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانها، أو اخضعوا لله وخروا له سجداً. وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ بسائر ما تعبدكم به. وَافْعَلُوا الْخَيْرَ وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون كنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكارم الأخلاق. لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجون الفلاح غير متيقنين له واثقين على أعمالكم، والآية آية سجدة عندنا لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود
ولقوله ﵊ «فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرأها» .
[سورة الحج (٢٢) : آية ٧٨]
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)
وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ أي لله ومن أجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس.
وعنه ﵊ أنه رجع من غزوة تبوك فقال «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» .
حَقَّ جِهادِهِ أي جهاداً فيه حقاً خالصاً لوجهه فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة كقولك: هو حق عالم، وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعاً أو لأنه مختص بالله من حيث إنه مفعول لوجه الله تعالى ومن أجله. هُوَ اجْتَباكُمْ اختاركم لدينه ولنصرته، وفيه تنبيه على المقتضى للجهاد والداعي إليه وفي قوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ أي ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به من حيث شق عليهم
لقوله ﵊ «إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم» .
وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجاً بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ منتصبة على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبلها بحذف المضاف أي: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، أو على الإِغراء أو على الاختصاص، وإنما جعله أباهم لأنه أبو رسول الله ﷺ وهو كالأب لأمته من حيث أنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة، أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته فغلبوا على غيرهم. هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ من قبل القرآن في الكتب المتقدمة. وَفِي هذا وفي القرآن، والضمير لله تعالى ويدل عليه أنه قرئ «الله سماكم» ، أو ل إِبْراهِيمَ وتسميتهم بمسلمين في
стр. 725
القرآن وإن لم تكن منه كانت بسبب تسميته من قبل في قوله وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ. وقيل وفي هذا تقديره وفي هذا بيان تسميته إياكم مسلمين. لِيَكُونَ الرَّسُولُ يوم القيامة متعلق بسماكم. شَهِيداً عَلَيْكُمْ بأنه بلغكم فيدل على قبول شهادته لنفسه اعتماداً على عصمته، أو بطاعة من أطاع وعصيان من عصى.
وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ بتبليغ الرسل إليهم. فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فتقربوا إلى الله تعالى بأنواع الطاعات لما خصكم بهذا الفضل والشرف. وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ وثقوا به في مجامع أموركم ولا تطلبوا الإِعانة والنصرة إلا منه. هُوَ مَوْلاكُمْ ناصركم ومتولي أموركم فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ هو إذ لا مثل له سبحانه في الولاية والنصرة، بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة.
عن النبي ﵊ «من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي» .
стр. 726
(٢٣) سورة المؤمنون
مكية وهي مائة وتسع عشرة آية عند البصريين وثماني عشرة عند الكوفيين
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢)
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قد فازوا بأمانيهم وقد تثبت المتوقع كما أن لما تنفيه وتدل على ثباته إذا دخلت على الماضي، ولذلك تقربه من الحال ولما كان المؤمنون متوقعين ذلك من فضل الله صدرت بها بشارتهم، وقرأ ورش عن نافع قَدْ أَفْلَحَ بإلقاء حركة الهمزة على الدال وحذفها، وقرئ «أفلحوا» على لغة: أكلوني البراغيث، أو على الإِبهام والتفسير، و «أَفْلَحَ» بالضم اجتزاء بالضمة عن الواو و «أَفْلَحَ» على البناء للمفعول.
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ خائفون من الله متذللون له ملزمون أبصارهم مساجدهم.
روي أنه ﷺ كان يصلي رافعاً بصره إلى السماء، فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده وأنه رأى رجلاً يعبث بلحيته فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» .
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣ الى ٥]
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥)
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ عما لا يعنيهم من قول أو فعل. مُعْرِضُونَ لما بهم من الجد ما شغلهم عنه، وهو أبلغ من الذين لا يلهون من وجوه جعل الجملة اسمية وبناء الحكم على الضمير، والتعبير عنه بالاسم وتقديم الصلة عليه وإقامة الإِعراض مقام الترك ليدل على بعدهم عنه رأساً مباشرة وتسبباً وميلاً وحضوراً، فإن أصله أن يكون في عرض غير عرضه وكذلك قوله:
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ليدل على أنهم بلغوا الغاية في القيام على الطاعات البدنية والمالية والتجنب عن المحرمات وسائر ما توجب المروءة اجتنابه، والزكاة تقع على المعنى والعين والمواد الأول لأن الفاعل فاعل الحدث لا المحل الذي هو موقعه أو الثاني على تقدير مضاف.
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ لا يبذلونها.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦ الى ٧]
إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧)
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ زوجاتهم أو سرياتهم، وعَلى صلة ل حافِظُونَ من قولك احفظ على عنان فرسي، أو حال أي حافظوها في كافة الأحوال إلا في حال التزوج أو التسري، أو بفعل دل عليه غير ملومين وإنما قال: ما إجراء للمماليك مجرى غير العقلاء إذ الملك أصل شائع فيه وإفراد
стр. 727
ذلك بعد تعميم قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ لأن المباشرة أشهى الملاهي إلى النفس وأعظمها خطراً. فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ الضمير لحافظون، أو لمن دل عليه الاستثناء أي فإن بذلوها لأزواجهم أو إمائهم فإنهم غير ملومين على ذلك.
فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ المستثنى. فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ الكاملون في العدوان.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨ الى ٩]
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ لما يؤتمنون عليه ويعاهدون من جهة الحق أو الخلق. راعُونَ قائمون بحفظها وإصلاحها، وقرأ ابن كثير هنا وفي «المعارج» لأمانتهم على الإِفراد ولأمن الإِلباس أو لأنها في الأصل مصدر.
وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ يواظبون عليها ويؤدونها في أوقاتها، ولفظ الفعل فيه لما في الصلاة من التجدد والتكرر ولذلك جمعه غير حمزة والكسائي، وليس ذلك تكريراً لما وصفهم به أولاً فإن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها، وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠ الى ١١]
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)
أُولئِكَ الجامعون لهذه الصفات. هُمُ الْوارِثُونَ الأحقاء بأن يسموا وُرَّاثاً دون غيرهم.
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيماً لها وتأكيداً، وهي مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم، وإن كان بمقتضى وعده مبالغة فيه. وقيل إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فوتوها على أنفسهم لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار. هُمْ فِيها خالِدُونَ أنث الضمير لأنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٢ الى ١٣]
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣)
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ من خلاصة سلت من بين الكدر. مِنْ طِينٍ متعلق بمحذوف لأنه صفة ل سُلالَةٍ أو من بيانية أو بمعنى سُلالَةٍ لأنها في معنى مسلولة فتكون ابتدائية كالأولى، والإنسان آدم ﵇ خلق من صفوة سلت من الطين، أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفاً بعد أدوار.
وقيل المراد بالطين آدم لأنه خلق منه والسلالة نطفته.
ثُمَّ جَعَلْناهُ ثم جعلنا نسله فحذف المضاف. نُطْفَةً بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة نطفة، وتذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء. فِي قَرارٍ مَكِينٍ مستقر حصين يعني الرحم، وهو في الأصل صفة للمستقر وصف به المحل للمبالغة كما عبر عنه بالقرار.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٤ الى ١٦]
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء. فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فصيرناها قطعة لحم. فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً بأن صلبناها. فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً مما بقي من المضغة أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها، واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات والجمع لاختلافها في الهيئة والصلابة، وقرأ ابن
стр. 728
عامر وأبو بكر على التوحيد فيهما اكتفاء باسم الجنس عن الجمع، وقرئ بإفراد أحدهما وجمع الآخر. ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ وهو صورة البدن أو الروح أو القوى بنفخه فيه أو المجموع، وثُمَّ لما بين الخلقين من التفاوت، واحتج به أبو حنيفة على أن من غصب بيضة أفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر. فَتَبارَكَ اللَّهُ فتعالى شأنه في قدرته وحكمته. أَحْسَنُ الْخالِقِينَ المقدرين تقديراً فحذف المميز لدلالة الْخالِقِينَ عليه.
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ لصائرون إلى الموت لا محالة، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت دون اسم الفاعل وقد قرئ به.
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ للمحاسبة والمجازاة.
[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ١٧]
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧)
وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ سموات لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل بالنعل وكل ما فوقه مثله فهو طريقه، أو لأنها طرق الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها. وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ عن ذلك المخلوق الذي هو السموات أو عن جميع المخلوقات. غافِلِينَ مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلال وتدبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٨ الى ١٩]
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩)
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَاءً بِقَدَرٍ بتقدير يكثر نفعه ويقل ضرره، أو بمقدار ما علمنا من صلاحهم.
فَأَسْكَنَّاهُ فجعلناه ثابتاً مستقراً. فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ على إزالته بالإِفساد أو التصعيد أو التعميق بحيث يتعذر استنباطه. لَقادِرُونَ كما كنا قادرين على إنزاله، وفي تنكير ذَهابٍ إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في الإِيعاد به ولذلك جعل أبلغ من قوله: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ.
فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ بالماء. جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها في الجنات. فَواكِهُ كَثِيرَةٌ تتفكهون بها. وَمِنْها ومن الجنات ثمارها وزروعها. تَأْكُلُونَ تغذياً أو ترتزقون وتحصلون معايشكم من قولهم:
فلان يأكل من حرفته، ويجوز أن يكون الضميران لل نَخِيلٍ وال أَعْنابٍ أي لكم في ثمراتها أنواع من الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب والعصير والدبس وغير ذلك وطعام تأكلونه.
[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٢٠]
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)
وَشَجَرَةً عطف على جَنَّاتٍ وقرئت بالرفع على الإِبتداء أي: ومما أنشأنا لكم به شجرة. تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ جبل موسى ﵇ بين مصر وأيلة، وقيل بفلسطين وقد يقال له طور سينين ولا يخلو من أن يكون الطور للجبل وسيناء اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منهما علم له كإمرئ القيس ومنع صرفه للتعريف والعجمة أو التأنيث على تأويل البقعة لا للألف لأنه فيعال كديماس من السيناء بالمد وهو الرفعة، أو بالقصر وهو النور أو ملحق بفعلال كعلباء من السين إذ لا فعلاء بألف التأنيث بخلاف سَيْناءَ على قراءة الكوفيين والشامي ويعقوب فإنه فيعال ككيسان أو فعلاء كصحراء لا فعلال إذ ليس في كلامهم، وقرئ بالكسر والقصر. تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أي تنبت ملتبساً بالدهن ومستصحباً له، ويجوز أن تكون الباء صلة معدية ل تَنْبُتُ كما في قولك: ذهبت بزيد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في رواية تنبِتُ وهو إما من أنبت بمعنى
стр. 729
نبت كقول زهير:
رَأَيْتُ ذوي الحَاجَاتِ عِنْدَ بُيُوتِهِم ... قطينا لهم حتّى أَنْبَتَ البَقْلُ
أو على تقدير تَنْبُتُ زيتونها ملتبسا بالدهن، وقرئ على البناء للمفعول وهو كالأول وتثمر بالدهن وتخرج بالدهن وتخرج الدهن وتنبت بالدهان. وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ معطوف على الدهن جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر أي: تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه وكونه إداماً يصبغ فيه الخبز أي: يغمس فيه للائتدام، وقرئ «وصباغ» كدباغ في دبغ.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً تعتبرون بحالها وتستدلون بها. نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها من الألبان أو من العلف، فإن اللبن يتكون منه فمن للتبعيض أو للإِبتداء، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب نُسْقِيكُمْ بفتح النون. وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ في ظهورها وأصوافها وشعورها. وَمِنْها تَأْكُلُونَ فتنتفعون بأعيانها.
عَلَيْها
وعلى الأنعام فإن منها ما يحمل عليه كالإِبل والبقر، وقيل المراد الإِبل لأنها هي المحمول عليها عندهم والمناسب للفلك فإنها سفائن البر قال ذو الرمة:
سَفِينَةُ بَرٍ تَحْتَ خَدّي زِمَامُهَا فيكون الضمير فيه كالضمير في وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ. عَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ
في البر والبحر.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٥]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ إلى آخر القصص مسوق لبيان كفران الناس ما عدد عليهم من النعم المتلاحقة وما حاق بهم من زوالها. مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ استئناف لتعليل الأمر بالعبادة، وقرأ الكسائي غَيْرُهُ بالجر على اللفظ. أَفَلا تَتَّقُونَ أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه فيهلككم ويعذبكم برفضكم عبادته إلى عبادة غيره وكفرانكم نعمه التي لا تحصونها.
فَقالَ الْمَلَأُ الأشراف. الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لعوامهم. مَا هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ أن يطلب الفضل عليكم ويسودكم. وَلَوْ شاءَ اللَّهُ أن يرسل رسولاً. لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً رسلاً. مَّا سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ يعنون نوحاً ﵇ أي ما سمعنا به أنه نبي، أو ما كلمهم به من الحث على عبادة الله ونفي إله غيره، أو من دعوى النبوة وذلك إما لفرط عنادهم أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة.
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ أي جنون ولأجله يقول ذلك فَتَرَبَّصُوا بِهِ فاحتملوه وانتظروا. حَتَّى حِينٍ لعله يفيق من جنونه.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٦ الى ٢٧]
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)
.
стр. 730
قالَ بعد ما أيس من إيمانهم. رَبِّ انْصُرْنِي بإهلاكهم إو بإنجاز ما وعدتهم من العذاب. بِما كَذَّبُونِ بدل تكذيبهم إياي أو بسببه.
فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا بحفظنا نحفظه أن تخطئ فيه أو يفسده عليك مفسد. وَوَحْيِنا وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع. فَإِذا جاءَ أَمْرُنا بالركوب أو نزول العذاب. وَفارَ التَّنُّورُ.
روي أنه قيل لنوح إذا فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك، فلما نبع الماء منه أخبرته امرأته فركب ومحله في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة.
وقيل عين وردة من الشام وفيه وجوه أخر ذكرتها في «هود» . فَاسْلُكْ فِيها فادخل فيها يقال سلك فيه وسلك غيره قال تعالى مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ.
مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ من كل أمتي الذكر والأنثى واحدين مزدوجين، وقرأ حفص مِنْ كُلٍّ بالتنوين أي من كل نوع زوجين واثنين تأكيد. وَأَهْلَكَ وأهل بيتك أو من آمن معك. إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ أي القول من الله تعالى بإهلاكه لكفره، وإنما جيء بعلى لأن السابق ضار كما جيء باللام حيث كان نافعاً في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى. وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا بالدعاء لهم بالإنجاء.
إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ لا محالة لظلمهم بالإِشراك والمعاصي، ومن هذا شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه كيف وقد أمره بالحمد على النجاة منهم بهلاكهم بقوله:
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ كقوله: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي في السفينة أو في الأرض. مُنْزَلًا مُبارَكاً يتسبب لمزيد الخير في الدارين على قراءة أبي بكر، وقرئ «مُنزَلاً» بمعنى إنزالاً أو موضع إنزال. وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ثناء مطابق لدعائه أمره بأن يشفعه به مبالغة فيه وتوسلاً به إلى الإِجابة، وإنما أفرده بالأمر والمعلق به أن يستوي هو ومن معه إظهاراً لفضله وإشعاراً بأن في دعائه مندوحة عن دعائهم فإنه يحيط بهم.
إِنَّ فِي ذلِكَ فيما فعل بنوح وقومه. لَآياتٍ يستدل بها ويعتبر أولو الاستبصار والاعتبار. وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم، أو ممتحنين عبادنا بهذه الآيات وَإِنْ هي المخففة واللام هي الفارقة.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢)
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ هم عاد أو ثمود.
فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ هو هود أو صالح، وإنما جعل القرن موضع الإِرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم وإنما أوحي إليه وهو بين أظهرهم. أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ تفسير لأرسلنا أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله. أَفَلا تَتَّقُونَ عذاب الله.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٤]
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤)
стр. 731
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا لعله ذكر بالواو لأن كلامهم لم يتصل بكلام الرسول ﷺ بخلاف قول قوم نوح حيث استؤنف به، فعلى تقدير سؤال. وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ بلقاء ما فيها من الثواب والعقاب، أو بمعادهم إلى الحياة الثانية بالبعث وَأَتْرَفْناهُمْ ونعمناهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بكثرة الأموال والأولاد. مَا هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ في الصِفة والحالة. يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ تقرير للمماثلة و «ما» خبرية والعائد إلى الثاني منصوب محذوف أو مجرور حذف مع الجار لدلالة ما قبله عليه.
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ فيما يأمركم به. إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ حيث أذللتم أنفسكم، وإِذاً جزاء للشرط وجواب للذين قاولوهم من قومه.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣٥ الى ٣٦]
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦)
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً مجردة عن اللحوم والأعصاب. أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ من الأجداث أو من العدم تارة أخرى إلى الوجود، وأَنَّكُمْ تكرير للأول أكد به لما طال الفصل بينه وبين خبره، أو أنكم لمخرجون مبتدأ خبره الظرف المقدم، أو فاعل للفعل المقدر جواباً للشرط والجملة خبر الأول أي: أنكم إخراجكم إذا متم، أو إنكم إذا متم وقع إخراجكم ويجوز أن يكون خبر الأول محذوفاً لدلالة خبر الثاني عليه لا أن يكون الظرف لأن اسمه جثة. هَيْهاتَ هَيْهاتَ بعد التصديق أو الصحة. لِما تُوعَدُونَ أو بعد ما توعدون، واللام للبيان كما في هَيْتَ لَكَ كأنهم لما صوتوا بكلمة الاستبعاد قيل: فما له هذا الاستبعاد؟ قالوا لِما تُوعَدُونَ. وقيل هَيْهاتَ بمعنى البعد، وهو مبتدأ خبره لِما تُوعَدُونَ، وقرئ بالفتح منوناً للتنكير، وبالضم منوناً على أنه جمع هيهة وغير منون تشبيهاً بقبل وبالكسر على الوجهين، وبالسكون على لفظ الوقف وبإبدال التاء هاء.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣٧ الى ٣٨]
إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)
إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا أصله إن الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها حذراً عن التكرير وإشعاراً بأن تعينها مغن عن التصريح بها كقوله:
هِيَ النَّفْسُ مَا حَمَّلْتهَا تَتَحَمَّلُ ومعناه لا حياة إلا هذه الحياة لأن إِنْ نافية دخلت على هِيَ التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فكانت مثل لا التي تنفي ما بعدها نفي الجنس. نَمُوتُ وَنَحْيا يموت بعضنا ويولد بعض. وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت.
إِنْ هُوَ ما هو. إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فيما يدعيه من إرساله له وفيما يعدنا من البعث.
وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ بمصدقين.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣٩ الى ٤١]
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)
قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عليهم وانتقم لي منهم. بِما كَذَّبُونِ بسبب تكذيبهم إياي.
стр. 732
قالَ عَمَّا قَلِيلٍ عن زمان قليل و «ما» صلة لتوكيد معنى القلة، أو نكرة موصوفة. لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ على التكذيب إذا عاينوا العذاب.
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ صيحة جبريل صاح عليهم صيحة هائلة تصدعت منها قلوبهم فماتوا، واستدل به على أن القرن قوم صالح. بِالْحَقِّ بالوجه الثابت الذي لا دافع له، أو بالعدل من الله كقولك فلان يقضي بالحق. أو بالوعد الصدق. فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً شبههم في دمارهم بغثاء السيل وهو حميله كقول العرب: سال به الوادي، لمن هلك. فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يحتمل الإِخبار والدعاء، وبعداً مصدر بعد إذا هلك، وهو من المصادر التي تنصب بأفعال لا يستعمل إظهارها، واللام لبيان من دعي عليه بالبعد، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتعليل.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٢ الى ٤٤]
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ مَا جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ (٤٤)
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ هي قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم.
مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها الوقت الّذي حد لهلاكها ومِنْ مزيدة للاستغراق. وَما يَسْتَأْخِرُونَ الأجل.
ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا متواترين واحداً بعد واحد من الوتر وهو الفرد، والياء بدل من الواو كتولج وتيقور والألف للتأنيث لأن الرسل جماعة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالتنوين على أنه مصدر بمعنى المواترة وقع حالاً، وأماله حمزة وابن عامر والكسائي. كُلَّ مَا جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ إضافة الرسول مع الإِرسال إلى المرسل ومع المجيء إلى المرسل إليهم لأن الإِرسال الذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الذي هو منتهاه إليهم.
فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً في الإِهلاك. وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لم نبق منهم إلا حكايات يسمر بها، وهو اسم جمع للحديث أو جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به تلهياً. فَبُعْداً لِقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٥ الى ٤٦]
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦)
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا بالآيات التسع. وَسُلْطانٍ مُبِينٍ وحجة واضحة ملزمة للخصم، ويجوز أن يراد به العصا وأفرادها لأنها أول المعجزات وأمها، تعلقت بها معجزات شتى: كانقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة، وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها، وحراستها ومصيرها شمعة وشجرة خضراء مثمرة ورشاء ودلواً، وأن يراد به المعجزات وبالآيات الحجج وأن يراد بهما المعجزات فإنها آيات للنبوة وحجة بينة على ما يدعيه النبي ﷺ .
إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا على الإِيمان والمتابعة. وَكانُوا قَوْماً عالِينَ متكبرين.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٧ الى ٤٩]
فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)
فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا ثنى البشر لأنه يطلق للواحد كقوله بَشَراً سَوِيًّا
كما يطلق للجمع كقوله:
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً ولم يثن المثل لأنه في حكم المصدر، وهذه القصص كما نرى تشهد بأن قصارى شبه المنكرين للنبوة قياس حال الأنبياء على أحوالهم لما بينهم من المماثلة في الحقيقة وفساده يظهر للمستبصر
стр. 733
بأدنى تأمل، فإن النفوس البشرية وإن تشاركت في أصل القوى والإِدراك لكنها متباينة الأقدام فيهما، وكما ترى في جانب النقصان أغبياء لا يعود عليهم الفكر برادة، يمكن أن يكون في طرف الزيادة أغنياء عن التفكر والتعلم في أكثر الأشياء وأغلب الأحوال، فيدركون ما لا يدرك غيرهم ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم، وإليه أشار بقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ. وَقَوْمُهُما يعني بني إسرائيل.
لَنا عابِدُونَ خادمون منقادون كالعباد.
فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ بالغرق في بحر قلزم.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة. لَعَلَّهُمْ لعل بني إسرائيل، ولا يجوز عود الضمير إلى فِرْعَوْنَ وقومه لأن التوراة نزلت بعد إغراقهم. يَهْتَدُونَ إلى المعارف والأحكام.
[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٥٠]
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً بولادتها إياه من غير مسيس فالآية أمر واحد مضاف إليهما، أو جَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ آية بأن تكلم في المهد وظهرت منه معجزات أخر وَأُمَّهُ آية بأن ولدت من غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها. وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ أرض بيت المقدس فإنها مرتفعة أو دمشق أو رملة فلسطين أو مصر فإن قراها على الربى، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء وقرئ «رُبَاوةَ» بالضم والكسر. ذاتِ قَرارٍ مستقر من الأرض منبسطة. وقيل ذات ثمار وزروع فإن ساكنيها يستقرون فيها لأجلها. وَمَعِينٍ وماء معين ظاهر جار، فعيل من معن الماء إذا جرى وأصله الابعاد في الشيء، أو من الماعون وهو المنفعة لأنه نفاع، أو مفعول من عانه إذا أدركه بعينه لأنه لظهوره مدرك بالعيون وصف ماءها بذلك لأنه الجامع لأسباب التنزه وطيب المكان.
[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٥١]
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ نداء وخطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلاً منهم خوطب به في زمانه، فيدخل تحته عيسى دخولاً أولياً ويكون ابتداء كلام ذكر تنبيهاً على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة، وأن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم واحتجاجاً على الرهبانية في رفض الطيبات، أو حكاية لما ذكر لعيسى وأمه عند إيوائهما إلى الربوة ليقتديا الرسل في تناول ما رزقا. وقيل النداء له ولفظ الجمع للتعظيم والطيبات ما يستلذ به من المباحات.
وقيل الحلال الصافي القوام فالحلال ما لا يعصى الله فيه والصافي ما لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل. وَاعْمَلُوا صالِحاً فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم. إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ فأجازيكم عليه.
[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٥٢]
وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)
وَإِنَّ هذِهِ أي ولأن هذِهِ والمعلل به فَاتَّقُونِ، أو واعلموا أن هذه، وقيل إنه معطوف على بِما تَعْمَلُونَ وقرأ ابن عامر بالتخفيف والكوفيون بالكسر على الاستئناف. أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً ملتكم ملة واحدة أي متحدة في الاعتقاد وأصول الشرائع، أو جماعتكم جماعة واحدة متفقة على الإِيمان والتوحيد في العبادة ونصب أُمَّةً على الحال. وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ في شق العصا ومخالفة الكلمة.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)
.
стр. 734
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ فتقطعوا أمر دينهم وجعلوه أدياناً مختلفة، أو فتفرقوا وتحزبوا وأمرهم منصوب بنزع الخافض أو التمييز، والضمير لما دل عليه الأمة من أربابها أولها. زُبُراً قطعاً جمع زبور الذي بمعنى الفرقة ويؤيده القراءة بفتح الباء فإنه جمع زبرة وهو حال من أمرهم أو من الواو، أو مفعول ثان لتقطعوا فإنه متضمن معنى جعل. وقيل كتباً من زبرت الكتاب فيكون مفعولاً ثانياً، أو حالاً من أمرهم على تقدير مثل كتب، وقرئ بتخفيف الباء كرسل في «رُسُلُ» . كُلُّ حِزْبٍ من المتحزبين. بِما لَدَيْهِمْ من الدين.
فَرِحُونَ معجبون معتقدون أنهم على الحق.
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ في جهالتهم شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها أو لاعبون بها، وقرئ في «غمراتهم» . حَتَّى حِينٍ إلى أن يقتلوا أو يموتوا.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٥ الى ٥٦]
أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)
أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ أن ما نعطيهم ونجعله لهم مدداً، مِنْ مالٍ وَبَنِينَ بيان لما وليس خبراً له، فإنه غير معاتب عليه وإنما المعاتب عليه اعتقادهم أن ذلك خير لهم خبره.
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ والراجع محذوف والمعنى: أيحسبون أن الذي نمدهم به نسارع به لهم فيما فيه خيرهم وإكرامهم بَلْ لاَّ يَشْعُرُونَ بل هم كالبهائم لا فطنة لهم ولا شعور ليتأملوا فيه فيعلموا أن ذلك الإِمداد استدراجٍ لا مسارعة في الخير، وقرئ «يمدهم» على الغيبة وكذلك «يسارع» و «يسرع» ويحتمل أن يكون فيهما ضمير الممد به و «يسارع» مبنيا للمفعول.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٧ الى ٦١]
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ من خوف عذابه. مُشْفِقُونَ حذرون.
وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ المنصوبة والمنزلة. يُؤْمِنُونَ بتصديق مدلولها.
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ شركاً جلياً ولا خفياً.
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا يعطون ما أعطوه من الصدقات، وقرئ «يأتون ما أتوا» أي يفعلون ما فعلوا من الطاعات. وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ خائفة أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذ به. أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ لأن مرجعهم إليه، أو من أن مرجعهم إليه وهو يعلم ما يخفي عليهم.
أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها، أو يسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليها كقوله تعالى: فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا فيكون إثباتاً لهم ما نفي عن أضدادهم. وَهُمْ لَها سابِقُونَ لأجلها فاعلون السبق أو سابقون الناس إلى الطاعة أو الثواب أو الجنة، أو سابقونها أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا كقوله تعالى: هُمْ لَها عامِلُونَ.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٢ الى ٦٣]
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣)
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها قدر طاقتها يريد به التحريض على ما وصف به الصالحين وتسهيله على
стр. 735
النفوس. وَلَدَيْنا كِتابٌ يريد به اللوح أو صحيفة الأعمال. يَنْطِقُ بِالْحَقِّ بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع. وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ بزيادة عقاب أو نقصان ثواب.
بَلْ قُلُوبُهُمْ قلوب الكفرة. فِي غَمْرَةٍ في غفلة غامرة لها. مِنْ هذا من الذي وصف به هؤلاء أو من كتاب الحفظة. وَلَهُمْ أَعْمالٌ خبيثة مِنْ دُونِ ذلِكَ متجاوزة لما وصفوا به أو متخطية عما هم عليه من الشرك. هُمْ لَها عامِلُونَ معتادون فعلها.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٤ الى ٦٥]
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ (٦٥)
حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ متنعميهم. بِالْعَذابِ يعني القتل يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم الرسول ﷺ فقال: «اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف» . فقحطوا حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة. إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ فاجؤوا الصراخ بالاستغاثة، وهو جواب الشرط والجملة مبتدأ بعد حتى ويجوز أن يكون الجواب.
لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ فإنه مقدر بالقول أي قيل لهم لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ. إِنَّكُمْ مِنَّا لاَ تُنْصَرُونَ تعليل للنهي أي لاَ تجأروا فإنه لا ينفعكم إذ لا تمنعون منا، أو لا يلحقكم نصر ومعونة من جهتنا.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٦ الى ٦٧]
قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧)
قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني القرآن. فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ تعرضون مدبرين عن سماعها وتصديقها والعمل بها، والنكوص الرجوع قهقرى.
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ الضمير للبيت وشهرة استكبارهم وافتخارهم بأنهم قوامه أغنت عن سبق ذكره، أو لآياتي فإنها بمعنى كتابي والباء متعلقة ب مُسْتَكْبِرِينَ لأنه بمعنى مكذبين، أو لأن استكبارهم على المسلمين حدث بسبب استماعه أو بقوله: سامِراً أي تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه، وهو في الأصل مصدر جاء على لفظ الفاعل كالعاقبة، وقرئ «سمراً» جمع سامر تَهْجُرُونَ من الهجر بالفتح إما بمعنى القطيعة أو الهذيان، أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه أو الهجر بالضم أي الفحش، ويؤيد الثاني قراءة نافع تَهْجُرُونَ من أهجر وقرئ «تهجرون» على المبالغة.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٨ الى ٧٠]
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠)
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أي القرآن ليعلموا أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله. أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ من الرسول والكتاب، أو من الأمن من عذاب الله تعالى فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل وأعقابه فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه.
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ بالأمانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع عدم التعلم إلى غير ذلك مما هو صفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ دعواه لأحد هذه الوجوه إذ لا وجه له غيرها، فإن إنكار الشيء قطعاً أو ظناً إنما يتجه إذا ظهر امتناعه بحسب النوع أو الشخص أو بحث عما يدل عليه أقصى ما يمكن فلم يوجد.
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ فلا يبالون بقوله وكانوا يعلمون أنه ﷺ أرجحهم عقلاً وأدقهم نظراً. بَلْ جاءَهُمْ
стр. 736
بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم فلذلك أنكروه، وإنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الإِيمان استنكافاً من توبيخ قومه أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا كراهة للحق.
[سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٧١]
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ بأن كان في الواقع آلهة شتى. لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ كما سبق تقريره في قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا. وقيل لو اتبع الحق أهواءهم وانقلب باطلاً لذهب ما قام به العالم فلم يبق، أو لو اتبع الحق الذي جاء به محمد ﷺ أهواءهم وانقلب شركاً لجاء الله بالقيامة وأهلك العالم من فرط غضبه، أو لو اتبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك والمعاصي لخرج عن الألوهية ولم يقدر أن يمسك السموات والارض وَهُوَ على أصل المعتزلة. بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو صيتهم، أو الذكر الذي تمنوه بقولهم لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ وقرئ «بذكراهم» . فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ لا يلتفتون إليه.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٢ الى ٧٣]
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)
أَمْ تَسْأَلُهُمْ قيل إنه قسيم قوله أَمْ بِهِ جِنَّةٌ. خَرْجاً أجراً على أداء الرسالة. فَخَراجُ رَبِّكَ رزقه في الدنيا أو ثوابه في العقبى. خَيْرٌ لسعته ودوامه ففيه مندوحة لك عن عطائهم والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك، والخراج غالب في الضريبة على الأرض ففيه إشعار بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ ولذلك عبر به عن عطاء الله إياه، وقرأ ابن عامر «خرجا فخرج» وحمزة والكسائي «خراجاً فخراج» للمزاوجة.
وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ تقرير لخيرية خراجه تعالى.
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تشهد العقول السليمة على استقامته لا عوج فيه يوجب اتهامهم له، واعلم أنه سبحانه ألزمهم الحجة وأزاح العلة في هذه الآيات بأن حصر أقسام ما يؤدي إلى الإِنكار والاتهام وبين انتفاءها ما عدا كراهة الحق وقلة الفطنة.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٤ الى ٧٥]
وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤) وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)
وَإِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ عن الصراط السوي. لَناكِبُونَ لعادلون عنه فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه.
وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ يعني القحط. لَلَجُّوا لثبتوا واللجاج التمادي في الشيء.
فِي طُغْيانِهِمْ إفراطهم في الكفر والاستكبار عن الحق وعداوة الرسول والمؤمنين. يَعْمَهُونَ عن الهدى،
روي أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز فجاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال: بلى فقال: قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٦ الى ٧٧]
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)
وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ يعني القتل يوم بدر. فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ بل أقاموا على عتوهم
стр. 737
واستكبارهم، واستكان استفعل من الكون لأن المفتقر انتقل من كون إلى كون أو افتعل من السكون أشبعت فتحته. وَما يَتَضَرَّعُونَ وليس من عادتهم التضرع وهو استشهاد على ما قبله.
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذابٍ شَدِيدٍ يعني الجوع فإنه أشد من القتل والأسر. إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك أعتاهم يستعطفك.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٨ الى ٨٠]
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠)
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ لتحسوا بها ما نصب من الآيات. وَالْأَفْئِدَةَ لتتفكروا فيها وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية. قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ تشكرونها شكراً قليلاً لأن العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لأجله، والإذعان لمانحها من غير إشراك وما صلة للتأكيد.
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ خلقكم وبثكم فيها بالتناسل. وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم.
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ ويختص به تعاقبهما لا يقدر عليه غيره فيكون رداً لنسبته إلى الشمس حقيقة أو لأمره وقضائه تعاقبهما، أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر. أَفَلا تَعْقِلُونَ بالنظر والتأمل أن الكل منا وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها وأن البعث من جملتها، وقرئ بالياء على أن الخطاب السابق لتغليب المؤمنين.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨١ الى ٨٣]
بَلْ قالُوا مِثْلَ مَا قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)
بَلْ قالُوا أي كفار مكة. مِثْلَ مَا قالَ الْأَوَّلُونَ آباؤهم ومن دان بدينهم.
قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ استبعاداً ولم يتأملوا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ أيضاً تراباً فخلقوا.
لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ إلا أكاذيبهم التي كتبوها، جمع أسطورة لأنه يستعمل فيما يتلهى به كالأعاجيب والأضاحيك. وقيل جمع أسطار جمع سطر.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨٤ الى ٨٥]
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥)
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إن كنتم من أهل العلم أو من العالمين بذلك، فيكون استهانة بهم وتقريراً لفرط جهالتهم حتى جهلوا مثل هذا الجلي الواضح إلزاماً بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره، ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا فقال.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإِقرار بأنه خالقها. قُلْ أي بعد ما قالوه. أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعلمون أن من فطر الأرض ومن فيها ابتداء قادر على إيجادها ثانياً، فإن بدء الخلق ليس أهون من إعادته. وقرئ «تتذكرون» على الأصل.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٨٦ الى ٨٩]
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)
стр. 738
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ فإنها أعظم من ذلك. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قرأ أبو عمرو ويعقوب بغير لام فيه وفيما بعده على ما يقتضيه لفظ السؤال. قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ عقابه فلا تشركوا به بعض مخلوقاته ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته.
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ملكه غاية ما يمكن وقيل خزائنه. وَهُوَ يُجِيرُ يغيث من يشاء ويحرسه. وَلا يُجارُ عَلَيْهِ ولا يغاث أحد ولا يمنع منه، وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة. إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ فمن أين تخدعون فتصرفون عن الرشد مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلة.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٠ الى ٩٢]
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ من التوحيد والوعد بالنشور. وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ حيث أنكروا ذلك.
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ لتقدسه عن مماثلة أحد. وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ يساهمه في الألوهية. إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ جواب محاجتهم وجزاء شرط حذف لدلالة ما قبله عليه، أي لو كان معه آلهة كما تقولون لذهب كل منهم بما خلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين وظهر بينهم التحارب والتغالب كما هو حال ملوك الدنيا، فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شيء واللازم باطل بالإِجماع والاستقراء وقيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب واحد. سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ من الولد والشريك لما سبق من الدليل على فساده.
عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ خبر مبتدأ محذوف وقد جره ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص على الصفة، وهو دليل آخر على نفي الشريك بناء على توافقهم في أنه المنفرد بذلك ولهذا رتب عليه.
فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ بالفاء.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٣ الى ٩٥]
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥)
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي إن كان لا بد من أن تريني لأن ما والنون للتأكيد. مَا يُوعَدُونَ من العذاب في الدنيا والآخرة.
رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قريناً لهم في العذاب، وهو إما لهضم النفس أو لأن شؤم الظلمة قد يحيق بمن وراءهم كقوله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً عن الحسن أنه تعالى أخبر نبيه ﵇ أنه له في أمته نقمة ولم يطلعه على وقتها فأمره بهذا الدعاء وتكرير النداء، وتصدير كل واحد من الشرط والجزاء به فضل تضرع وجؤار.
وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ لكنا نؤخره علمنا بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون، أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم، ولعله رد لإِنكارهم الموعود واستعجالهم له استهزاء به. وقيل قد أراه: وهو قتل بدر أو فتح مكة.
стр. 739
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٦ الى ٩٨]
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ وهو الصفح عنها والإِحسان في مقابلتها لكن بحيث لم يؤد إلى وهن في الدين. وقيل هي كلمة التوحيد والسيئة الشرك. وقيل هو الأمر بالمعروف والسيئة المنكر وهو أبلغ من أدفع بالحسنة السيئة لما فيه من التنصيص على التفضيل. نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ بما يصفونك به أو بوصفهم إياك على خلاف حالك وأقدر على جزائهم فكل إلينا أمرهم.
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ وساوسهم، وأصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض، شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الراضة للدواب على المشي والجمع للمرات أو لتنوع الوساوس أو لتعدد المضاف إليه.
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ يحوموا حولي في شيء من الأحوال، وتخصيص حال الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل لأنها أحرى الأحوال بأن يخاف عليه.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٩ الى ١٠٠]
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ متعلق ب يَصِفُونَ، وما بينهما اعتراض لتأكيد الإِغضاء بالاستعاذة بالله من الشيطان أن يزله عن الحلم ويغريه على الانتقام أو بقوله إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. قالَ تحسراً على ما فرط فيه من الإِيمان والطاعة لما اطلع على الأمر. رَبِّ ارْجِعُونِ ردوني إلى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب.
وقيل لتكرير قوله ارجعني كما قيل في قفا وأطرقا.
لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ في الإِيمان الذي تركته أي لعلي آتي الإِيمان وأعمل فيه، وقيل في المال أو في الدنيا.
وعنه ﵊ «قال إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا أنرجعك إلى الدنيا، فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله تعالى، وأما الكافر فيقول رب ارجعون» .
كَلَّا ردع عن طلب الرجعة واستبعاد لها. إِنَّها كَلِمَةٌ معنى قوله رَبِّ ارْجِعُونِ الخ، والكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض. هُوَ قائِلُها لا محالة لتسلط الحسرة عليه. وَمِنْ وَرائِهِمْ أمامهم والضمير للجماعة.
بَرْزَخٌ حائل بينهم وبين الرجعة. إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ يوم القيامة، وهو إقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠١ الى ١٠٣]
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ لقيام الساعة والقراءة بفتح الواو وبه وبكسر الصاد يؤيد أن الصُّورِ أيضاً جمع الصورة. فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ تنفعهم لزوال التعاطف والتراحم من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ أو يفتخرون بها. يَوْمَئِذٍ كما يفعلون اليوم. وَلا يَتَساءَلُونَ ولا يسأل بعضهم بعضاً لاشتغاله بنفسه، وهو لا يناقض قوله وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ لأنه عند النفخة وذلك يعد المحاسبة، أو دخول أهل الجنة الجنة والنار النار.
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ موزونات عقائده وأعماله، أي فمن كانت له عقائد وأعمال صالحة يكون لها وزن عند الله تعالى وقدر. فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالنجاة والدرجات.
стр. 740
وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ ومن لم يكن له ما يكون له وزن، وهم الكفار لقوله تعالى: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً. فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ غبنوها حيث ضيعوا زمان استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها. فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ بدل من الصلة أو خبر ثان «لأولئك» .
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٤ الى ١٠٦]
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦)
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ تحرقها واللفح كالنفح إلا أنه أشد تأثيراً. وَهُمْ فِيها كالِحُونَ من شدة الاحتراق والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان، وقرئ «كلحون» .
أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ على إضمار القول أي يقال لهم أَلَمْ تَكُنْ. فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ تأنيب وتذكير لهم بما استحقوا هذا العذاب لأجله.
قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا ملكتنا بحيث صارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة، وقرأ حمزة والكسائي «شقاوتنا» بالفتح كالسعادة وقرئ بالكسر كالكتابة. وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ عن الحق.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٨]
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)
رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها من النار. فَإِنْ عُدْنا إلى التكذيب. فَإِنَّا ظالِمُونَ لأنفسنا.
قالَ اخْسَؤُا فِيها اسكتوا سكوت هوان في النار فإنها ليست مقام سؤال من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ. وَلا تُكَلِّمُونِ في رفع العذاب أو لا تكلمون رأساً. قيل إن أهل النار يقولون ألف سنة: رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا، فيجابون حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي فيقولون ألفاً رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ، فيجابون ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ فيقولون ألفا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، فيجابون إِنَّكُمْ ماكِثُونَ، فيقولون ألفاً رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، فيجابون أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ، فيقولون ألفاً رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً، فيجابون أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ فيقولون ألفاً رَبِّ ارْجِعُونِ، فيجابون اخْسَؤُا فِيها ثم لا يكون لهم فيها إلا زفير وشهيق وعواء.
[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٠٩ الى ١١١]
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)
إِنَّهُ إن الشأن وقرئ بالفتح أي لأنه. كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يعني المؤمنين، وقيل الصحابة وقيل أهل الصفة. يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا هزؤا وقرأ نافع وحمزة والكسائي هنا وفي «ص» بالضم، وهما مصدر سخر زيدت فيهما ياء النسب للمبالغة، وعند الكوفيين المكسور بمعنى الهزء والمضموم من السخرة بمعنى الانقياد والعبودية. حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم فلم تخافوني في أوليائي. وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ استهزاء بهم.
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا على أذاكم. أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ فوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به، وهو ثاني مفعولي جَزَيْتُهُمُ. وقرأ حمزة والكسائي بالكسر استئنافاً.
следующие страницы →