Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
المعنى:
وأرسلنا هودا إلى قبيلة عاد، المشهور أنها عربية وقيل غير ذلك، وكانت تسكن الأحقاف (في شمال حضر موت وغربي عمان، وكانت قبيلة ذات قوة وبطش وأصحاب زرع وضرع، زادهم الله بسطة في الجسم والمال، وهم خلفاء قوم نوح) ، وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة الأعراف آية ٦٩] أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ [الشعراء الآيات ١٢٨- ١٣٣] .
أرسل إليهم أخاهم هودا من أوسطهم نسبا، وأكرمهم بيتا قال لهم: يا قومي ويا أهلى: اعبدوا الله وحده، لا تشركوا به غيره، مالكم من إله غيره خلقكم ورزقكم وأمدكم بما تعلمون وما لا تعلمون، إن أنتم إلا مفترون على الله الكذب في الشركاء والأوثان.
وكان في قبيلة عاد مترفون ألفوا التعالي على الغير، واستمتعوا بالنعم حتى امتلأت قلوبهم كبرا وبغيا وفسادا وضلالا، وهؤلاء هم أعداء الحق دائما إذ يرون في النبوة نورا يعمى أبصارهم، ويفتح أذهان العامة فيأخذون حقهم، فتكسر شوكتهم وتضيع دولتهم لذلك نرى مع كل نبي أن أول كافر به هم أشراف قومه إذ كيف يخضعون لواحد منهم بشر مثلهم.
قال هؤلاء: أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا؟ إنا إذن لفي ضلال مبين، ما أنت إلا شخص لك غرض خاص في هذه الدعوة.
فيرد عليهم هود: يا قوم لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من عبادة الله وحده ونبذ الشرك والشركاء لا أسألكم عليه أجرا حتى تتهموني بطلب المنفعة، وأن لي غرضا ما أجرى إلا على الذي خلقني على الفطرة السليمة، وهداني إلى الحق الذي أدعو إليه أفلا تعقلون ما أدعوكم إليه، وتميزون بين الحق والباطل، ويا قوم استغفروا ربكم من ذنوبكم ثم توبوا إليه توبة نصوحا إنكم إن فعلتم ذلك يرسل المطر عليكم كثيرا فأنتم في حاجة إليه، ويزدكم قوة إلى قوتكم، وعزا زيادة على عزكم، وإياكم والإعراض عن دعوتي فإن فيها الخير والفلاح.
стр. 1052
قالوا إنا لنراك في سفاهة، وضعف عقل وخروج عن جادة الصواب وإنا لنظنك من الكاذبين قال هود: ليس بي سفاهة وكيف أكون ذلك وأنا رسول رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين.
اشتد الأمر بعد ذلك، وقالوا: يا هود ما جئتنا بحجة قوية تدل على أنك رسول من الله، وما نحن بتاركي آلهتنا صادرين عن قولك من تلقاء نفسك، وما نحن لك بمؤمنين ومصدقين برسالتك.
إن نقول إلا أصابك بعض آلهتنا بسوء حين تعرضت لهم وإنك اليوم مصاب بخبل في العقل وجنون في الرأى.
قال هود: أشهد الله أنى بلغت ما كلفت به، واشهدوا أنى برىء مما تشركون به، وإذا كان الأمر كذلك وأن آلهتكم لها قدرة على عمل، فأجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم ثم كيدوني جميعا، ولا تمهلون، إنى توكلت على الله ربي وربكم ووكلت له أمر حفظي، وهو على كل شيء قدير.
ما من دابة في الأرض أو السماء إلا هو آخذ بناصيتها، ومصرف أمرها ومسخرها إلى أجل مسمى، إذ له ملك السموات والأرض، إن ربي على صراط مستقيم هو طريق الحق والعدل فإن تتولوا بعد هذا، ولم تطيعوا أمرى فقد بلغت ما أرسلت به إليكم وأبرأت ذمتي من الله وسيستخلف ربي قوما غيركم، ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ، وقائم ورقيب.. وهذه هي النهاية.
ولما جاء وقت أمرنا، ونزول عذابنا، نجينا هودا ومن معه من المؤمنين برحمة خاصة بهم لا تتعداهم إلى غيرهم، نجيناهم من عذاب غليظ فظيع إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [سورة القمر الآيتان ١٩- ٢٠] فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ [سورة الحاقة الآيتان ٧ و ٨] .
وتلك عاد جحدوا آيات ربهم وعصوا رسله أى: جنس الرسول وجنس الآيات الصادقة بآياته ورسوله وهم قد اتبعوا أمر كل جبار يجبر غيره على اتباع رأيه وهم الأشراف العنيدون الذين لا يخضعون للحق.
стр. 1053
ألا إن عادا كفروا بربهم، وجحدوا بآياته، وكذبوا رسله ألا بعدا وطردا من رحمة الله لعاد وقوم هود.
قصة صالح- ﵇[سورة هود (١١) : الآيات ٦١ الى ٦٨]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨)
стр. 1054
المفردات:
اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها جعلكم تعمرونها مُرِيبٍ الريب الظن والشك يقال:
رابنى من فلان أمر يريبني ريبا إذا استيقنت منه الريبة. فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن منه الريبة قلت: أرابنى منه أمر فهو مريب فَذَرُوها اتركوها فَعَقَرُوها قتلوها الصَّيْحَةُ المرة الواحدة من الصوت الشديد والمراد بها الصاعقة التي أحدثت رجفة في القلوب وصعق بها الكافرون جاثِمِينَ ساقطين على وجوههم مصعوقين، والجثوم للطائر كالبروك للبعير يَغْنَوْا يقال: غنى بالمكان أقام به.
وتتلخص قصة صالح فيما يأتى: كيف بلغ صالح دعوته. ورد قومه واحتجاجهم عليه، ونقاشه لهم، وآيته على صدقه، وإنذارهم بالهلاك، ووقوعه بالفعل.
وثمود قبيلة صالح من العرب، وكانت مساكنهم بالحجر بين الحجاز والشام إلى جهة واد القرى، وآثار مدائنهم باقية إلى اليوم وكانت تعبد الأصنام فأرسل لهم صالح لإنقاذهم.
المعنى:
وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا من أوسطهم نسبا وأكرمهم خلقا وأرجحهم عقلا قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله خلقكم ورزقكم غيره. أفلا تتقون؟ هو الذي أنشأكم من الأرض بقدرته حيث خلق أباكم آدم من تراب، وخلقكم أنتم من ماء مهين يتكون من الدم، والدم من الغذاء وهو من الأرض، واستعمركم فيها فجعل لكم جنات وعيونا، وزروعا ونخلا طلعها هضيم [لطيف لين منكسر] وقد جعلكم تعمرونها بالزرع والصناعة وأنشأتم فيها بيوتا فارهين [حاذقين في صنعها] فاتقوا الله وأطيعونى، واستغفروا ربكم من عبادتكم الأصنام، ثم توبوا إليه واعملوا صالحا من الأعمال:
стр. 1055
إن ربي قريب من خلقه يعلم خائنه الأعين وما تخفى الصدور خصوصا الاستغفار والتوبة، ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
وما كان منهم إلا أن قالوا (ردا عليه) : يا صالح قد كنت فينا موضع رجائنا ومعقد أملنا لما لك من خلق وعقل قبل هذه الدعوة التي دعوتها ما الذي دهاك وألم بك!! تنهانا عن عبادة ما يعبده آباؤنا الأقدمون والمحدثون؟! وإنا يا صالح لفي شك مما تدعونا إليه من عبادة الله وحده وترك عبادة أوليائه وأحبابه وشركائه. حقا إننا لفي شك وسوء ظن منك.
قال يا قوم: أخبرونى ماذا أفعل؟ إن كنت على حجة من ربي، وبصيرة من أمرى أن ما أدعوكم إليه هو من عند الله لا من عندي.
فمن ينصرني من عذاب الله إن عصيته بكتمان الرسالة فما تزيدونني بحرصى على رجائكم وخوفي من سوء ظنكم غير إيقاعى في الهلاك.
ويا قوم هذه آية على صدقى، ناقة الله لكم. حيث لم تكن على السنن الطبيعي في نشأة أمثالها فقد
روى أنها خلقت من صخرة وكان لها شرب في يوم، ولهم شرب في يوم آخر
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ. وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ [القمر ٢٧ و ٢٨] وفي كتب التفسير روايات كثيرة عن الناقة.
يا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله، واتركوها ترعى حيث تشاء لا يعترضها أحد، ولا تمسوها بسوء أيا كان نوعه، فإنكم إن مسستموها بسوء فسيأخذكم عذاب قريب الوقوع، عذاب أليم يدعكم كالهشيم المحتظر.
فنادوا صاحبهم قيل: هو قدار بن سالف فتعاطى فعقر، وقد نسب العقر لهم جميعا لرضائهم على فعله فعقروها فقال لهم صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، وما أشد انتظار البلاء، وما أطولها مدة يترقب فيها الإنسان عذابا محقق الوقوع، ذلك وعد غير مكذوب فيه ومن أصدق من الله حديثا؟! فلما وقعت الواقعة، ونزلت الصاعقة نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا، ونجيناهم من خزي يومئذ، إن ربك أيها الرسول هو القوى القادر العزيز الحكيم يعز من يشاء ويذل من يشاء من عباده فأخذهم العذاب إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة الشعراء آية ٨] .
стр. 1056
وأخذ الذين ظلموا أنفسهم بعصيان الرسول، ومخالفته، أخذتهم صيحة الصاعقة التي نزلت بقوم صالح فارتجفت لها قلوبهم وصعقوا بها حتى أصبحوا في ديارهم جاثمين جثوم الطير على الأرض لا حراك بهم كالهشيم المحتظر، كأنهم لم يقيموا في ديارهم، وقد خلت من بعدهم.
ألا إن ثمود كفروا بربهم فاستحقوا عقابه الصارم، ألا بعدا لهم وسحقا لثمود ومن يشبههم من رحمة الله.
قصة إبراهيم- ﵇ وبشارته [سورة هود (١١) : الآيات ٦٩ الى ٧٦]
وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)
стр. 1057
المفردات:
حَنِيذٍ مشوى يقطر دهنا نَكِرَهُمْ المراد: نكر ذلك منهم وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أحس منهم خوفا في نفسه يا وَيْلَتى أى: يا ويلي وهلاكي عَجُوزٌ عقيم الرَّوْعُ الخوف والرعب أَوَّاهٌ كثير التأوه مما يسوء ويؤلم.
ذكر إبراهيم- ﵇ في القرآن الكريم كثيرا، فذكر مع أبيه وقومه ومع بشارته ولديه إسماعيل وإسحاق، وذكر مع إسماعيل خاصة، وذكر مع الملائكة مبشرين له بإسحاق ويعقوب مخبرين له بهلاك قوم لوط كما هنا.
المعنى:
وتالله لقد جاءت رسلنا من الملائكة قيل: هم جبريل وميكال وإسرافيل وقيل غير ذلك والأفضل التفويض إلى الله، فالله أعلم بذلك ورسوله، ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى بعد التحية منهم وقيام إبراهيم بواجب الضيافة.
فلما دخلوا عليه قالوا: سلاما عليك: قال عليكم سلام الله، ترى أنه حياهم بأحسن من تحيتهم إذ من دقائق اللغة العربية أن قولك عليك سلام أبلغ من أسلم سلاما، فما مكث ولا أبطأ في أن جاء بعجل سمين مشوى ينقط دهنا، لونه أحمر، لذة للآكلين فقربه إليهم وقال: ألا تأكلون؟ فلما رأى أيديهم لا تصل إلى الأكل أنكر ذلك ووجده على غير ما يعهد في الضيفان. فإن الضيف لا يمتنع من الأكل إلا لريبة فيه أو قصد سيئ، وأحس في نفسه منهم خوفا وفزعا إذ تبين أنهم ليسوا بشرا، وقد يكونون ملائكة نزلت لتنفيذ عذاب واقع.
فلما رأوا منه ذلك قالوا له: لا تخف ولا يساورك شك فينا، إنا رسل ربك أرسلنا إلى قوم لوط الذين بغوا واعتدوا، لا نريد بك شرا، ونحن مبشروك وأهلك بغلام عليم يحفظ نسلك ويبقى ذكرك ويلد يعقوب، ومن ذريته أنبياء بنى إسرائيل، وكانت امرأة إبراهيم قائمة على خدمتهم سامعة حوارهم فضحكت تعجبا مما رأت وسمعت أو سرورا من هلاك قوم لوط أو من البشرى لها بولد صالح، ولعل البشرى كانت بعد الضحك بدليل العطف بالفاء.
стр. 1058
فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، فلما سمعت البشرى قالت: يا ويلتى ويا عجبي!! أألد وأنا عجوز عقيم؟! وهذا بعلى وزوجي شيخا كبيرا مسنا. إن هذا لشيء عجيب!! قالت الملائكة لها: أتعجبين من أمر الله وقضائه الذي لا يعجزه شيء إذا أراد شيئا قال له كن فيكون.
رحمة الله الواسعة وبركاته الكثيرة عليكم يا معشر بيت النبوة، وأهل بيت إبراهيم الخليل تتصل وتتابع إلى يوم القيامة، وهذا يدعو بلا شك إلى عدم العجب أنه- ﷻ حميد يستحق غايات المجد والثناء، ممجد في الأرض وفي السماء.
فلما ذهب عن إبراهيم الروع والخوف من الملائكة، وعلم أنهم ملائكة العذاب أتوا لقوم لوط، وقد جاءوا له بالبشرى، أخذ يجادل الملائكة، وهم رسل الله في قوم لوط- إن إبراهيم لحليم فلا يحب أن يعاجل بالعقوبة، كثير التأوه والتألم من عذاب الناس منيب إلى الله وراجع إليه- فأجابته الملائكة: يا إبراهيم أعرض عن جدالك واسكت، إنه قد جاء أمر ربك بتنفيذ العذاب على هؤلاء، وأنهم آتيهم عذاب لا يعلمه إلا هو غير مردود أبدا.
قصة لوط مع قومه وكيف نجا المؤمنون وهلك الكافرون [سورة هود (١١) : الآيات ٧٧ الى ٨٣]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)
стр. 1059
المفردات:
سِيءَ بِهِمْ وقع فيما ساءه منهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً المراد ضاق صدره بمجيئهم وكرهه، وأصله أن يذرع البعير بيديه في سيره ذرعا على قدر سعة خطوه فإذا حمل عليه أكثر من طوقه ضاق عن ذلك عَصِيبٌ شديد في الشر، وفيه معنى الاجتماع يُهْرَعُونَ يسرعون، ولا يكون الإهراع إلا سراعا مع رعدة من برد أو غضب أو حمى أو شهوة، وهو فعل ملازم للبناء للمجهول رَشِيدٌ شديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ السرى السير ليلا بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ببقية من الليل سِجِّيلٍ أى: من طين بدليل قوله في سورة أخرى:
لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مَنْضُودٍ متتابع ومنظم ومعد لأعداء الله مُسَوَّمَةً لها علامة خاصة عند ربك لا تصيب غيرهم، وهي مسومة أى: محكمة حرة لا يثنيها أحد وقوم لوط هم أسفل سدوم في دائرة الأردن.
المعنى:
ولما جاءت رسلنا من الملائكة لوطا بعد ذهابهم من عند إبراهيم سىء بهم، واغتم
стр. 1060
بمجيئهم لما يعلم من أخلاق قومه وضاق بهم ذرعا، وعجز عن احتمال ضيافتهم، وذلك لما يخافه من اعتداء قومه عليهم،
وقد روى أنهم جاءوا على شكل غلمان حسان وقال لوط (وهو ابن أخ إبراهيم- ﵇) : هذا يوم شديد قد اجتمعت فيه أسباب الشر.
وجاء قومه عند ما سمعوا بالضيوف وقدومهم جاءوا يهرولون مسرعين مدفوعين بدوافع نفسية شيطانية، ولا غرابة في هذا فهم قوم كانوا يعملون السيئات من قبل، فالسوء والاعتداء، وإتيان الرجال شهوة من دون النساء غريزة فيهم مستحكمة أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قال لوط: يا قوم هؤلاء بناتي لصلبى أو بنات القوم جميعا من ثيبات وأبكار تحت طلبكم وفي مقدوركم، وهن أطهر لكم، [وليس معنى أطهر أن إتيان الرجال طاهر لا. لا..] والمراد هؤلاء تحت طلبكم فتزوجوا العذارى. وأتوا نساءكم في الحلال، ولا يعقل أن يعرض لوط بناته لهم للزنا فهذا لا يليق من رجل عاقل فما بالك بنبي مرسل لا يعقل هذا أبدا وإن كتب في سفر التكوين ونقله جهلا أو بحسن الظن بعض المسلمين، بدليل قوله: فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي، والمعنى: أجمعوا بما آمركم به بين تقوى الله باجتناب الفاحشة وبين حفظ كرامتي وعدم إذلالى وامتهانى في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد؟ ذو رشد وعقل يرشدكم إلى الخير ويهديكم إلى الرأى؟
قالوا: لقد علمت ما لنا في بناتك من حاجة ولا أرب، فلا معنى لعرضك علينا هذا وإنك لتعلم ما نريد من الاستمتاع بالذكران، قال لوط مخاطبا ضيوفه كما هو الظاهر: لو أن لي بكم قوة تقاتل معى هؤلاء القوم أو تدفع شرهم عنى، والمعنى أتمنى أن يكون لي ذلك أو آوى إلى ركن شديد من أصحاب العصبيات والقوة في الأرض، قالت الملائكة: يا لوط: إنا رسل ربك جئنا لنجاتك من شرهم وإهلاكهم، ومعنى هذا أنهم لم يصلوا إليك بسوء في نفسك ولا فينا، ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم، فلم يبصروا شيئا ثم قيل لهم: فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر! فقالت له الملائكة تنفيذا لوعد ربه:
أسر بأهلك واخرج من هذه القرية الظالم أهلها بطائفة مع الليل تكفى لتجاوز حدودها والبعد عنها فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ
стр. 1061
بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
[سورة الذاريات الآيتان ٣٥ و ٣٦] ولا يلتفت منكم أحد إليها أبدا خوفا من أن يرى العذاب فيصيبه، وامضوا حيث تؤمرون.
فأسر بأهلك جميعا إلا امرأتك كانت من الغابرين أى: الباقين، وكانت امرأة كافرة لها ضلع مع قوم لوط الكفرة. إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح إذ سيبتدئ عذابهم من طلوع الفجر وينتهى عند شروق الشمس فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ [الحجر ٧٣] أليس الصبح بقريب؟ وقد كانوا يتعجلون العذاب كفرا واستهزاء بلوط.
فلما جاء أمرنا، ونفذ قضاؤنا جعلنا عاليها سافلها وقلبنا أرضها وخسفناها، وأمطرنا عليها حجارة من طين متراكب بعضه في أثر بعض، حجارة لها علامة لا تنزل على غيرهم، وقيل المعنى: سخرها عليهم وحكمها فيهم لا يمنعها مانع، انظر إلى قوله- تعالى-: «مسوّمين» وصفا للملائكة في غزوة بدر، وقولهم إبل مسومة وسائحة أى: ترعى حيث شاءت، وما هذه العقوبة من الظالمين وحدهم ببعيد، يا سبحان الله هذا العقاب الصارم ليس ببعيد أبدا عن الظالمين، فانظروا يا كفار مكة أين أنتم منه؟!!
قصة شعيب- ﵇[سورة هود (١١) : الآيات ٨٤ الى ٩٥]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)
وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)
стр. 1062
المفردات:
بِخَيْرٍ بثروة وسعة في الرزق تَبْخَسُوا تنقصوا الأشياء أو تعيبوها تَعْثَوْا تفسدوا في الأرض قاصدين الفساد. الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ العاقل المتأنى، الراسخ في هدايته لا يَجْرِمَنَّكُمْ الجرم الكسب والمراد لا يحملنكم شِقاقِي خلافي معكم الشديد: ما نَفْقَهُ الفقه الفهم الدقيق العميق المؤثر في النفس رَهْطُكَ عشيرتك الأقربون وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا المراد جعلتموه بشرككم كالشىء الملقى وراء الظهر مَكانَتِكُمْ تمكنكم في قوتكم وعصبيتكم.
هذه القصة تشمل تبليغ شعيب دعوته وما أمر به ونهى عنه من آية ٨٤ إلى آية ٨٧.
مناقشة قومه له ورده عليهم وذلك في الآيات ٨٧- ٩٠.
تطور الحالة واشتدادها وإنذار شعيب لهم بالعذاب، ووقوع ذلك بالفعل ونجاة المؤمنين من آية ٩٠ إلى نهاية القصة.
المعنى:
وأرسلنا إلى قبيلة مدين- وكانت تسكن الحجاز مما يلي الشام، وكانوا في غنى وسعة إلا أنهم طففوا الكيل، ونقصوا الوزن، وعاثوا في الأرض الفساد- أرسلنا لهم شعيبا من أوسطهم نسبا وأعلاهم خلقا، قال لهم: يا قومي ويا أهلى [وهذا مما يدعو إلى الاستجابة والقبول] اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، ما لكم إله غيره يتصف بما اتصف به الله- جل شأنه- حتى يعبد، ألست معى في أن الرسل جميعا متفقون في طلب عبادة الله وحده؟ أما الأمور العملية فكل يعالج ناحية الضعف في أمته، ولذا قال شعيب، يا قومي اعبدوا الله، ولا تنقصوا الكيل والميزان فيما تبيعون، وكانوا إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون أى: ينقصون،
стр. 1063
ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ومحاسبون؟ امتثلوا الأمر واجتنبوا النهى لأنى أراكم بخير وعافية وغنى وسعة، وهذا يدعو لشكر الله وامتثال أمره، ولأنى أخاف عليكم عذابه إذا أنتم أصررتم على العصيان.
ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط والعدل، وهذا أمر بالوجوب بعد النهى عن ضده لتأكيده وتنبيها على أنه لا بد منهما قصدا، لا تنقصوا الناس أشياءهم في كيل أو وزن أو عد في حق حسى أو معنوي ولا تعيبوا شيئا لا يستحق العيب، ولا تفسدوا في الأرض بأى نوع من الفساد حالة كونكم قاصدين له، واعلموا أن ما يبقيه الله لكم بعد إيفاء الحقوق بالقسط أكثر بركة، وأحمد عاقبة مما تبقونه لأنفسكم من تطفيف في الكيل أو نقص في الوزن وصدق الله بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.
وما أنا عليكم بحفيظ ورقيب إن علىّ إلا البلاغ وعلى الله الحساب.
مناقشتهم له ورده عليهم:
قالوا: يا شعيب أصلاتك تقضى بتأثيرها فيك أن تحملنا على ترك ما كان يعبد آباؤنا من أصنام نتخذهم قربى إلى الله؟ ولست أنت خيرا منهم حتى نتركهم ونتبعك، والاستفهام في الآية للإنكار والسخرية بشعيب، أصلاتك تأمرك أن نترك ما نفعله في أموالنا من تنمية واستغلال على حسب نشاطنا واجتهادنا، أليس هذا حجرا على حريتنا وحدا لنشاطنا؟ إنك يا شعيب لأنت الحليم المتأنى في حكمه العاقل المتروى، والرشيد الذي لا يأمر إلا بما استبان له فيه وجه الخير والرشاد، وهذا التأكيد الكثير في كلامهم يفيد الاستهزاء والتعريض به.
انظروا إلى رد شعيب عليهم في هذه الاتهامات.
يا قومي ويا أهلى أخبرونى ماذا أفعل معكم ومع نفسي؟ إن كنت على يقين تام، وحجة واضحة من ربي تفيد أن ما آمركم به هو من عند الله لا من عند نفسي، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وقد رزقت من فضله وخيره رزقا حسنا كثيرا، حصل لي من طريق الكسب الحلال فأنا رجل ملئ وخبير بما ينمى المال، وأخبرونى ماذا أفعل، وماذا أقول لكم غير الذي قلت؟.
وما أريد أن أخالفكم مائلا إلى ما نهيتكم عنه بل أنا مستمسك به قبلكم لأنى أرى فيه الخير والرشاد في الدنيا والآخرة.
стр. 1064
وأنا ما أريد إلا الإصلاح والخير العام لي ولكم ما استطعت إلى ذلك سبيلا ليس لي فيما أفعل غرض خاص. ومن هنا نأخذ أن العاقل يجب أن يكون عمله مراعيا فيه حق الله ورسوله، وحق نفسه، وحق الناس عليه.
وما توفيقي وهدايتي إلى الخير إلا بالله وحده، عليه توكلت، وإليه أنيب إذ هو المرجع والمآب والنافع والضار لا أرجو منكم خيرا، ولا أخاف ضرا، ويا قوم لا يحملنكم شقاقي وخلافي معكم في الرأى والعقيدة على العمل الضار الذي يترتب عليه أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح بالغرق، أو قوم هود بالريح العاتية، أو قوم صالح بالصيحة الطاغية، وما عذاب قوم لوط منكم ببعيد زمانا ولا مكانا ولا إجراما.
واستغفروا ربكم من ذنوبكم ثم توبوا إليه واعملوا صالحا من الأعمال، وإن ربي وربكم عظيم كثير المودة، فإنكم إن فعلتم ذلك يمتعكم متاعا حسنا في الدنيا والآخرة.
اشتداد الحالة ووقوع العذاب:
قالوا يا شعيب: ما نفهم كثيرا مما تقول فهما عميقا، ولا نفهم له معنى ولا حكمة، وإنا لنراك فينا ضعيفا لا حول لك ولا قوة، فكيف يقبل منك هذا الذي يوصلك إلى الرياسة في الدين والدنيا، على أنا لو أردنا البطش بك لما منعنا مانع، ولولا عشيرتك الأقربون لفتكنا بك فتكا يتناسب مع عملك معنا من ذم آلهتنا، وطلبك الحجر علينا في تصرفنا أى: نقتلك رميا بالحجارة وما أنت علينا بعزيز.
قال: يا قومي، أرهطي وأسرتى أعز وأكرم عليكم من الله الذي أدعوكم اليه؟
وأشركتم به وجعلتم مراقبته والخوف منه وأمره ونهيه وراءكم ظهريا كالأمر الذي يهون على صاحبه فينساه ولا يحسب له حسابا، إن ربي بما تعملون محيط علما فسيجازيكم على عملكم.
ويا قومي اعملوا ما استطعتم على منتهى تمكنكم في قوتكم إنى عامل على مكانتى وحالتي!! وغدا سوف تعلمون الذي سوف يأتيه عذاب يخزيه ويذله في الدنيا والآخرة، ومن هو كاذب في قوله لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا وانتظروا مراقبين من سيقع عليه العقاب، إنى معكم من المنتظرين، وهذا الأمر (اعملوا وارتقبوا) للتهديد والوعيد ممن وثق بربه وبوعده.
стр. 1065
ولما جاء أمرنا، وحانت ساعة التنفيذ نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة خاصة بهم: وما ذلك على الله بعزيز، وأخذت الذين ظلموا الصيحة التي أخذت ثمود فأصبحوا جاثمين، وجوههم منكبة على الأرض كالطير الجاثمة، وأصبحت ديارهم خاوية على عروشها كأنهم لم يقيموا فيها وقتا من الأوقات ألا بعدا وهلاكا لّمدين كما بعدت وهلكت ثمود.
من قصة موسى وفرعون [سورة هود (١١) : الآيات ٩٦ الى ٩٩]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)
المفردات:
وَسُلْطانٍ مُبِينٍ المراد: حجة قوية ظاهرة. وقيل: هي العصا يَقْدُمُ أى:
يتقدم. يقول قدمهم يقدمهم إذا تقدمهم فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ أدخلهم فيها الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ المراد: بئس العطاء المعطى لهم وقيل: الرفد القدح: والرفد ما في القدح من الشراب: والمراد: بئس ما يسقونه في النار عند ما يردونها.
المعنى:
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا التسع المفصلة في غير هذه السورة وأرسلناه بحجة قوية
стр. 1066
كقوة السلطان ظاهرة لا غموض فيها، وهي محاورته مع فرعون. وقيل هي عصاه، أرسلناه إلى فرعون وملئه وهم أشراف قومه، وقادة شعبه، ومستشاروه في الرأى وأما بقية الشعب فتابع لهم، وسائر وراءهم بدون تفكير، فاتبع الأشراف أمر فرعون، ونفذوه حرفيا في الكفر بموسى وإحضار السحرة، وقتلهم لمن آمنوا، وما أمر فرعون برشيد أبدا بل هو الغواية والضلال، والشر والفساد، وهذا فرعون كبير قومه وقائدهم إلى الشر في الدنيا يتقدمهم يوم القيامة إلى النار فيدخلون فيها جميعا، وبئس الورد المورود الذي دخلوه وهو جهنم، وذلك لأن وارد الماء يرده للتبريد ولذة الشرب، ووارد النيران يحترق بلهبها، ويتلظى بنارها.
وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة، ويوم القيامة هم من المقبوحين، ويوم القيامة يسقون ماء حميما يقطع الأمعاء مع اللعنة عليهم في الدنيا والآخرة وبئس هذا العطاء المعطى لهم جزاء ما قدموا من سىء الأعمال.
العبرة والعظة من القصص [سورة هود (١١) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٨]
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)
يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)
стр. 1067
المفردات:
تَتْبِيبٍ مأخوذ من التباب أى: الخسران والهلاك يقال تب فلان، وتبت يده أى: خسر وهلك شَقِيٌّ الشقي: من استحق النار لإساءته سَعِيدٌ من استحق الجنة لعمله بعد فضل الله ورحمته زَفِيرٌ الزفير إخراج النفس، والشهيق رده مع السرعة والجهد مَجْذُوذٍ مقطوع مأخوذ من جذه يجذه إذا قطعه أو كسره.
المعنى:
ذلك الذي ذكرنا بعض أنباء القرى التي ظلمت نفسها وعصيت رسلها نقصه عليك للعبرة والعظة ولمعان أخر، ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه، من القرى ما له بقايا آثار باقية كالزرع القائم، ومنها ما عفى ودرس حتى لم يعد له أثر كالزرع المحصود، وما ظلمناهم في شيء أبدا بل أرسلنا لهم الرسل لهدايتهم وتنوير بصائرهم ولكنهم ظلموا وبغوا وما ازدادوا إلا فجورا وضلالا، أنذرتهم رسلهم بالعذاب فتماروا بالنذر، واتكلوا على آلهتهم في دفع العذاب عنهم فما أغنت عنهم آلهتهم شيئا لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير هلاك وضلال فإنهم باتكالهم عليهم ازدادوا كفرا وإصرارا وظلما وضلالا.
ومثل ذلك الأخذ بالعذاب والنكال أخذ ربك إذا أخذ القرى في حال تلبسها بالظلم في كل زمان ومكان، إن أخذه أليم شديد موجع قاس، فاعتبروا يا أولى الأبصار فهل من مدكر؟ يا كفار قريش لستم بأقوى منهم وأشد بأسا، وليس رسولكم بأقل من
стр. 1068
إخوانه الرسل أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [سورة الروم آية ٩] .
إن في ذلك القصص الذي مضى لآية قوية وحجة ظاهرة على أن هذا الكون يجرى على سنن مرسوم ووضع مقصود لله- ، وإنه لآية لمن يؤمن بالآخرة والحياة فيها وأنها محل الثواب والعقاب، أما من لم يؤمن بها ويقول إن عذاب الأمم كان طبيعيا فالغرق والصاعقة والزلازل أمور طبيعية ليست إلهية فنقول له على رسلك:
إن عذاب الأمم أتى بعد إنذار الرسل لأقوامهم. وقد كان محددا بوقت تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ.
وإنه لآية على أن عذاب الآخرة. ذلك اليوم المعد له يوم مجموع له الناس للحساب وذلك يوم مشهود فيه، يشهده الخلق جميعا.
وما نؤخر ذلك اليوم إلا لانتهاء مدة محدودة في علمنا وتلك هي عمر الدنيا.
يوم يأتى ذلك اليوم المعهود المعروف لا تتكلم نفس إلا بإذنه- سبحانه- فهو صاحب الأمر والنهى والإذن يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً [سورة النبأ آية ٣٨] يوم تخضع فيه الأصوات فلا تسمع إلا همسا يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا [سورة طه آية ١٠٩] هو يوم شديد هوله، طويل وقته مختلف حاله فتارة يؤذن لهم بالكلام فيعتذرون ويندمون وطورا جامدون جمود الصخر لشدة الهول، ونفى الكلام إلا بإذنه يفسر لنا الجمع بين الآيات المثبتة للكلام والنافية له.
فمن الناس شقي حقت عليه الكلمة وعمل عمل أهل النار، ومنهم سعيد، أريد له الخير فعمل عمل أهل الخير، وكل ميسر لما خلق له.
فأما الذين شقوا في الدنيا بالعمل الفاسد والاعتقاد الزائغ، ففي النار مستقرهم ومثواهم، لهم فيها زفير وشهيق من شدة الكرب، وضيق الصدر بما حل بهم فهم يتنفسون الصعداء تكاد صدورهم تخرج من شدة الحزن والبكاء خالدين فيها وباقين بها ما بقيت السموات والأرض، وهل تبقى السموات والأرض؟ نعم تبقى بشكل
стр. 1069
آخر ولون آخر الله أعلم به يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ وسماء كل من أهل النار والجنة ما فوقهم، وأرضهم ما تحتهم.
قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء. وهذا معنى قوله تعالى: خالِدِينَ فِيها أَبَداً إذ العرب يريدون بمثل هذا التركيب التأبيد.
هذا الخلود وهذا الدوام ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك، وللعلماء قديما وحديثا في هذا الاستثناء وأمثاله أقوال كثيرة ذكر القرطبي منها عشرة والظاهر والله أعلم أنه استثناء من الخلود على معنى أنهم خالدون فيها إلا ما شاء ربك من تغيير هذا النظام المعد، ويكون المراد أن كل شيء في قبضته وتحت تصرفه إن شاء أبقاه وإن شاء منعه ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: حكاية عن الرسول قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.
وقيل: هو استثناء من الدوام في قوله: ما دامَتِ لأن أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السموات والأرض في الدنيا لا في الجنة ولا في النار فكأنه قال خالدين في النار أو في الجنة ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك.
والرأى الأول ذكره تفسير المنار وأظنه هو المناسب لقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ هـ ويشاءه- .
وأما الذين سعدوا فهم في الجنة خالدين فيها وماكثين بها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مقطوع ولا ممنوع.
وانظر إلى الفرق بين ختام الآيتين فكل من الجزاءين دائم- بمشيئة الله تعالى- ولكن جزاء المؤمنين السعداء هبة منه وإحسان دائم غير مقطوع وصدق رسول الله «لن يدخل أحد منكم الجنّة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلّا أن يتغمّدنى الله برحمته» وأما الكافرون فجزاؤهم موافق لأعمالهم.
стр. 1070
تحذير وتثبيت [سورة هود (١١) : الآيات ١٠٩ الى ١١١]
فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلاًّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)
المعنى:
إذا علمت ما مضى ووقفت عليه، وأنها سنة الله ولن تتغير فلا تك في مرية ولا شك مما يعبد هؤلاء الناس من قومك. لا يكن عندك شك في نهايتهم وجزائهم أبدا، ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل، فجزاؤهم في الآخرة، وإنا لموفوهم نصيبهم على أعمالهم الصالحة في الدنيا فقط غير منقوص، والواجب أنهم لا يغترون بما هم فيه من نعمة ورخاء فالدنيا لهم فقط، وأما الآخرة فعذاب شديد ولا عجب في هذا.
فها هم أولاء قوم موسى.
وتالله لقد آتينا موسى الكتاب وهو التوراة فاختلف فيه قومه من بعده بغيا بينهم، وتنازعا على الرياسة الكاذبة والدنيا الزائلة، وإنما أنزل الكتاب لجمع الكلمة، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
ولولا كلمة سبقت من ربك بتأجيل العقوبة لقضى بينهم في الدنيا بإهلاك البغاة المثيرين للفتنة كما أهلك الأمم السابقة.
وإنهم لفي شك منه مريب، والظاهر- والله أعلم- أن الضمير يعود على قوم
стр. 1071
موسى، وشكهم المريب كان في التوراة وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ من سورة الشورى آية: ١٤، والمراد بالذين أورثوا الكتاب هم اليهود والنصارى إلا المسلمون فإن التوراة قد أحرقت مع هيكل سليمان، ولذلك يقول الله:
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ فلم يأخذ عيسى التوراة من اليهود، وإن احتج عليهم بما حفظوا منها وخالفوه في العمل، وإن أولئك المختلفين- والله- ليوفينهم ربك أعمالهم، ولا يظلم أحدا، إنه بما يعملون خبير، وفي هذا تسلية للنبي ﷺ .
نتيجة ما مضى من السورة [سورة هود (١١) : الآيات ١١٢ الى ١١٥]
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)
المفردات:
وَلا تَطْغَوْا الطغيان مجاوزة الحد بالإفراط أو التفريط تَرْكَنُوا الركن الناحية القوية والجانب الأقوى، ومنه قوله تعالى: فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ والمراد النهى عن الاعتماد عليهم والالتجاء إليهم. طَرَفَيِ النَّهارِ الغداة والعشى أو بكرة وأصيلا زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ الطائفة من أول الليل لقربها من النهار والمراد بها المغرب والعشاء.
هذا الأمر والنهى ثمرة عامة لما في القصص الماضي من العبرة والعظة، حيث كان الجزاء على الإيمان ما عرفناه، وجزاء الكفر ما علمناه، وكان منه الغرق والخسف والهلاك ... إلخ.
стр. 1072
المعنى:
إذا كان حال أولئك الأمم كما قصصنا عليك أيها الرسول فاستقم كما أمرت ومن تاب معك، ولا تطغوا.
الاستقامة المأمور بها في الآية مرتبة عليا، تقتضي الإيمان بالغيب كله كما جاء في القرآن الكريم، وعدم التفرق والاختلاف في أسس الدين وأصوله الذي وعد الله صاحبه بالهلاك والعذاب، والاستقامة تقتضي كذلك التزام ما أمر به الكتاب من العبادات والمعاملات، والاحتكام إليه عند النزاع واختلاف الرأى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
[النساء ٥٩] أليست الاستقامة درجة عليا بدليل أمر الله نبيه بها! وهو على الاستقامة مستقيم، وقد أمر بها موسى وهارون على أنها الطريقة المثلى للنجاح قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [يونس ٨٩] وانظر إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [سورة فصلت آية ٣٠] .
والاستقامة تطبيق عملي لروح الدين، وكرامة يختص بها الله بعض المخلصين من عباده ليكونوا مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا وصدق رسول الله حين قال لسفيان الثقفي إجابة لطلبه: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك.
قال النبي ﷺ «قل آمنت بالله ثمّ استقم» .
فاستقم كما أمرت يا أيها الرسول ومن تاب معك من المؤمنين، ولا غرابة في هذا الأمر، والرسول ﷺ مستقيم غاية الاستقامة إذ هو أمر يقصد به الدوام والاستمرار على ما هو عليه.
وألا تطغوا إنه بما تعملون بصير، والطغيان مجاوزة الحد المرسوم، والخروج عن الطريق المستقيم، وهذا أمر عام يقع فيه الخاص والعام، ولذلك جاء النهى فيه للجميع مع التذييل بأن الناقد بصير وخبير.
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا، ولا تعتمدوا عليهم في شيء أبدا فالركون إلى الظالمين ظلم بين، وهذا النهى علاج لمرض نفسي متفش عندنا كثيرا وهو اللجوء إلى الكبار والرؤساء معتمدين عليهم في قضاء المصالح وهذا ما يدعونا إلى إطرائهم وتملقهم، وكتمان
стр. 1073
الحق، وعدم الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وكل من اعتدى على دين الله أو على حكمه فهو ظالم، فما بالك بالكفرة والمشركين.
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم وأمتهم ووطنهم فتمسكم النار، وما لكم من دون الله أولياء أبدا ينفعونكم ثم أنتم لا تنصرون في شيء؟!! وانظر- رعاك الله- إلى خير ما يستعين به الإنسان في حياته.
أمرنا الله بالاستقامة، والصبر على الطريق المستقيم، ونهانا عن الطغيان ومجاوزة الحد، ونهانا عن الركون إلى الظالمين والاستعانة بهم. وكل هذا أمر شاق على النفس، كبير إلا على الخاشعين، ولذا عطف على ذلك الأمر بإقامة الصلاة وتحصيل الصبر لأنهما العدة للامتثال.
أما إقامة الصلاة فهي ترأس العبادات العملية، وهي الصلة بين العبد والرب وهي مطهرة للنفس مرضاة للرب، مدعاة لتطهير الروح وتزكية النفس.
والصبر سلاح المؤمن وعدته، والوقاية له من الجزع المفضى إلى الخروج عن الجادة،
وقد صدق رسول الله ﷺ «الصّبر نصف الإيمان» .
لذلك كله لا غرابة في جعل الصلاة والصبر خير ما يستعين بهما المسلم على امتثال الأمر واجتناب النهى.
وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل، والمراد أدها كاملة مقومة تامة الأركان مستوفية الشروط والهيئات في أول النهار وآخره، بكرة وأصيلا، وفي ساعات الليل المتداخلة في النهار وساعات النهار المتداخلة في الليل، وهذا التحديد في الزمن يشمل جميع أوقات الصلاة كما ذكرت في آيات أخرى فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم ١٧ و ١٨] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً [الإسراء ٨] والمراد بدلوك الشمس زوالها المنتهى إلى غسق الليل ويدخل فيه صلاة العصر والمغرب والعشاء وأقم صلاة الفجر إنها كانت مشهودة من الله والملائكة.
وأقم الصلاة. إن الحسنات بامتثال الأمر خصوصا في العبادات التي أهمها الصلاة يذهبن السيئات.
стр. 1074
روى أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي ﷺ فذكر له كأنه يسأله عن كفارتها فأنزلت الآية وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ فقال: يا رسول الله، إلىّ هذه؟ قال النبي ﷺ : «هي لمن عمل بها من أمّتى» .
المعنى:
في الحديث أن الذنب الذي قارفه السائل ليس فيه حد وإنما يكفره العمل الصالح من إسباغ وضوء، وإقامة صلاة، وإحسان في العمل فذلك كله يطهر النفس ويزكيها من أثر الدنس الذي ألم بها.
ومراحل التوبة الصادقة علم بالذنب وخطره على صاحبه، وحال عند الشخص من ندم على الذنب، وألم في النفس يوجب العزم على عدم العودة، والعمل الصالح الذي يطهر النفس من خب الذنب إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً. [مريم ٦٠] ، ذلك الذي مر من الوعظ الصادق والأمر النافع الذي يقتضى المراقبة التامة لله في السر والعلن ذكرى وموعظة حسنة للذاكرين ذوى الألباب والأرواح الطاهرة واصبر..
يا سبحان الله!! أمرتنا بالصبر المطلق العام في كل شيء صبر على الطاعة وما فيها من تحمل المشاق، وصبر على الابتعاد عن المحرمات والمنكرات التي تهواها النفس البشرية، وصبر على الشدائد والمصائب والأزمات التي تعترض الإنسان في حياته الخاصة والعامة، واصبر أيها المسلم فإن الله لا يضيع أجر المحسنين الصابرين اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [سورة البقرة آية ١٥٣] والله يوفى الصابرين أجرهم بغير حساب.
السبب العام في هلاك الأمم السابقة [سورة هود (١١) : الآيات ١١٦ الى ١١٩]
فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)
стр. 1075
المفردات:
الْقُرُونِ جمع قرن ويطلق على عدد من السنين قيل: مائة سنة، وعلى الجماعة من الناس المقترنين في زمن واحد بَقِيَّةٍ أصحاب طاعة وعقل وبصر بالأمور، والأصل أن البقية ما يبقى من الشيء بعد ذهاب أكثره، ومن الناس كذلك ثم استعمل في الخيار الصالحين النافعين إذ الغالب أن المنفق ينفق الرديء ويبقى الحسن وهذا مما يدخل في قاعدة بقاء الأصلح الْجِنَّةِ الجن سموا بهذا لاستتارهم.
هذه الآيات لبيان السبب في هلاك الأمم التي قص خبرها في السورة مع إرشادنا إلى تجنب تلك الأسباب، والابتعاد عن المزالق التي انزلق فيها السابقون من ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واتباع دواعي الترف والبطر، والإجرام والظلم بأنواعه، والبعد عن الاختلاف والتفرق في اتجاهنا العام.
المعنى:
فهل كان من الأمم السابق قصصها، والتي مضت قبلكم جماعة أولو بقية وعقل، وأصحاب رأى وعزم ينهون عن الفساد في الأرض، ويأمرون بالمعروف لا يبالون شيئا ولا يخافون خطرا، لا يمنعهم منه لومة لائم، ولا جاه سلطان جائر. ولولا التي في الآية للتحضيض والحث على عمل ما بعدها مع الإشارة إلى الأسف لعدم تحقيقه فيما مضى.
стр. 1076
لكن قليلا من الذين أنجيناهم مع رسلهم كانوا أولى بقية نهوا عن المنكر وأمروا بالمعروف، واتبع الذين ظلموا أنفسهم- وهم الأكثرية الكثيرة في تلك الأمم- ما أترفوا فيه، من نعمة وعافية ودولة وسلطان، فكانت الأكثرية لا تأمر بمعروف ولا تنهى عن منكر، ولكنهم عقدوا عزمهم على اتباع الشهوات، وساروا وراء ما فيه التنعم والترف من حب الرياسة والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء ورفضوا ما وراء ذلك، ونبذوه وراءهم ظهريا، وكانوا مجرمين! وأى إجرام أكثر من هذا؟
ومن هنا يعلم أن الترف هو الذي يدعو إلى السرف المفضى إلى الفسوق والعصيان والظلم والإجرام، يظهر هذا في الكبار والموسرين ثم ينتقل إلى الفقراء المعوزين فتسوء حال الأمم وتتدهور أخلاقها وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
[سورة الإسراء آية ١٦] .
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، نعم ليس من شأنه ، أن يهلك القرى ظالما لها وأهلها مصلحون. وقيل المعنى: وما كان ربك مهلكا القرى بسبب الظلم الذي هو الشرك والحال أن أهلها مصلحون في المعاملة بينهم وبين الناس بمعنى أنهم لا يطففون الكيل كما فعل قوم شعيب، ولا يأتون الرجال كما فعل قوم لوط، ولا يتبعون كل جبار عنيد كما فعل قوم فرعون، ولا يبطشون بالناس بطش الجبارين كما فعل قوم هود، بل لا بد أن يضموا إلى الشرك الإفساد في الأعمال والأحكام، وهو الظلم المقوض للأمم ولذا قيل الأمم تبقى مع الكفر. ولا تبقى مع الظلم.
وتحتمل الآية: وما كان ربك مهلكا لهم بظلم قليل يقع من الأقلية البسيطة، والأكثرون مصلحون، والآية الكريمة تحتمل كل هذا وفوق هذا، وسبحان من هذا كلامه- ﵎!! ولو شاء ربك أيها الحريص على إيمان قومه لجعل الناس أمة واحدة، وآمن من في الأرض كلهم جميعا.
ولو شاء ربك لخلق الناس وفي غريزتهم وفطرتهم قبول الدين بلا تفكير ولا نظر فكانوا كالنمل والنحل أو الملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولكنه شاء لهم ذلك وقدر لهم
стр. 1077
عقولا مختلفة واتجاهات متباينة إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [سورة القصص آية ٥٦] وبهذا عمر الكون، وكانوا خلفاء الله في الأرض.
ولا يزالون مختلفين في كل شيء حتى قبول الدين إلا من رحم ربك منهم فاتفقوا على تحكيم كتاب الله والأخذ بما أخذ وترك ما ترك، ولذلك خلقهم فمنهم شقي ومنهم سعيد، قال ابن عباس: خلقهم فريقين فريقا يرحم فلا يختلف، وفريقا لا يرحم فيختلف، وفي معناه قول مالك بن أنس: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير: نعم كان الاختلاف الناشئ من خلقهم مختلفين سبب دخول كل من الدارين.
وتمت كلمة ربك وقضى الأمر لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين الذين لا يهتدون بما أرسل به الرسل من الآيات والأحكام.
خاتمة السورة [سورة هود (١١) : الآيات ١٢٠ الى ١٢٣]
وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)
هذا ختام السورة الكريمة، وفيه بيان ما استفاده الرسول والمؤمنون من هذه القصص، وتهديد غير المؤمنين وإنذارهم، وبيان شمول علمه- والأمر بعبادته والتوكل عليه.
وكل قصص نقص عليك أيها الرسول من أنباء الرسل قبلك وأخبارهم المهمة التي هي عين العبرة والعظة، نقص عليك ما نثبت به فؤادك، حتى يكون كالجبل ثباتا ورسوخا بما يطلعك الله- عليه من أنواع العلوم والمعارف؟ وما
стр. 1078
وقفت عليه من طبائع الناس وسنن الله في الكون وما قاساه الرسل الكرام من الإيذاء فصبروا صبرا كريما، ولا شك أن دراسة أخبار الأمم الماضية مما يثبت القلب. ويزيد الإيمان ويقوى اليقين، وجاءك في هذه السورة وتلك الأنباء الحق الثابت واليقين الراسخ والأساس الذي اتفق عليه الكل من دعوة إلى التوحيد وإثبات البعث والحث على التقوى والخلق الكامل والبعد عن الرذيلة.
وفي هذا موعظة وذكرى للمؤمنين، فإنهم الذين يستفيدون من الوعظ والذكرى والمراد بالمؤمنين المعاصرون ومن يأتى بعدهم.
وقل للكافرين الذين لا يؤمنون اعملوا على ما في مكنتكم واستطاعتكم من مقاومة الدعوة، فإنا عاملون ما في استطاعتنا، وانتظروا بنا ما تتمنونه إنا منتظرون بكم الدواهي في الدنيا والعذاب في الآخرة واعلموا أن لله غيب السموات والأرض. وله وحده علم ما غاب مطلقا في سماء أو في أرض أو في غيرهما، وإليه وحده يرجع الأمر كله فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وإذا كان الأمر كذلك فاعبده كما أمرت أنت والمؤمنون وتوكل عليه حق التوكل فمن توكل على الله فهو حسبه وكافيه، وما الله بغافل عما تعملون بل سيحاسبكم على كل صغير وكبير.. والله أعلم.
стр. 1079
سورة يوسف ﵇
وهي مكية وعدد آياتها إحدى عشرة آية ومائة، وهي مناسبة لما قبلها إذ الكل في قصص الأنبياء، وتتضمن السورة قصة يوسف على أحسن نظام وأدق تعبير وأروع وصف، وقد برز أثناء سردها تأييد الرسول في قضيته الكبرى حيث لم يكن يعرف شيئا عن يوسف ولفت لأنظار العالم إلى الكون وما فيه من آيات وعبر، وإلى ما في الإنسان من غرائز كحب الولد، والغيرة والحسد بين الأخوة، والمكر والخديعة من بعضهم، ومن امرأة العزيز الثائرة، وما يتبع ذلك من ندم، والإشارة إلى ما في المجتمع المصرى إذ ذاك. كل ذلك بأسلوب قوى وعبارة بليغة وتصوير دقيق.
[سورة يوسف (١٢) : الآيات ١ الى ٣]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣)
المفردات:
الْمُبِينِ من أبان إذا أوضح وفصل ما يريد الْقَصَصِ مأخوذة من قص الخبر إذا حدثه على وجهه الصحيح، والأصل قصصت الأثر فتبعته بعناية لأحيط به خبرا، وقد يطلق القصص ويراد به المقصوص من الخبر والأحاديث.
افتتاح حار العقل الإنسانى في فهمها وهي كسابقتها.
стр. 1080
المعنى:
تلك آيات هذه السورة هي آيات الكتاب المبين الظاهر الذي أوضح المعنى وبين المقصود من القصة بأجلى بيان، ولعله وصفه هنا بالبيان لهذا، وفي سورة يونس لما تعرضت لبيان التوحيد والبعث والجزاء ورسالة النبي ﷺ وللتحدى بالقرآن إلى آخر ما مضى ناسب بدؤها بقوله: تلك آيات الكتاب الحكيم والله أعلم بكلامه.
إنا أنزلنا هذا الكتاب حالة كونه يقرأ بلغتكم يا معشر العرب ويبين لكم كل شيء، ويجمع لكم كل خبر بلسان عربي مبين ظاهر، يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من قصص وأخبار، وحكم وحكمة، وسياسة واجتماع، ودين ودولة كل هذا بلغتكم رجاء أن تقفوا على تلك المعاني، وهذه الأغراض التي تخرج فردا مسلما وأسرة مسلمة ومجتمعا نظيفا مسلما وحكومة إسلامية قوية.
نحن نقص عليك أيها الرسول أحسن القصص والحديث بيانا وأسلوبا وإحاطة وكمالا من كل ناحية، وأحسن ما يقص ويتحدث عنه في الموضوع والغاية، فالقرآن كامل في قصصه شكلا وموضوعا، نحن نقصه بإيحائنا إليك هذه السورة من القرآن إذ جاءت فيها قصة يوسف كاملة تامة مفصلة مع اشتمالها على ما يوضح العقيدة ويثبتها ويبين أثرها في حياة الفرد والجماعة.
وإن كنت يا محمد من قبل هذا لمن الغافلين شأنك شأن قومك لا يعرفون من أخبار الماضين وغيرهم شيئا.
يوسف في دور الطفولة مع أبيه وقد رأى الرؤيا [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٤ الى ٦]
إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)
стр. 1081
المفردات:
يَجْتَبِيكَ الاجتباء من اجتبيت الشيء إذا خلصته لنفسك والجبابة: جمع الشيء النافع كالماء، والمال للسلطان تَأْوِيلِ الأخبار بما تؤول إليه الرؤيا في الوجود.
يعقوب- إسرائيل- بن إسحاق بن إبراهيم- عليهم الصلاة والسلام-، كان له أولاد اثنا عشر من أربع نساء.
وكان من بينهم يوسف وأخوه بنيامين من امرأته راحيل بنت خاله لابان، وكان يوسف جميل المنظر تبدو عليه مخايل الشرف والكرامة والخلق والنبل وتلوح عليه أمارات النبوة والرسالة، ولذا كان مقربا لدى أبيه، أثيرا عنده خصوصا بعد الرؤيا التي كانت سببا في محنته والتي هي خير وبركة في النهاية عليه وعلى شعب مصر.
المعنى:
اذكر أيها الرسول إذ قال يوسف لأبيه، وهذا شروع في بيان أحسن القصص.
قال يوسف لأبيه: يا أبتي إنى رأيت في منامي أحد عشر كوكبا. والشمس والقمر رأيتهم جميعا لي ساجدين سجود انحناء وخضوع وانظر إلى قوله: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ، وهذه عبارة تقال في سجود العقلاء المكلفين! ولذا فهم أبوه أنها رؤيا إلهام ليست أضغاث أحلام.
فهم يعقوب من هذه الرؤيا أنه سيكون ليوسف شأن عظيم وسيسود قومه حتى أباه وأمه وإخوته، وخاف أن يسمع إخوته بها فيحسدوه ويكيدوا له كيدا فنهاه عن أن يقص رؤياه على إخوته: يا بنى العزيز لا تقص رؤياك على إخوتك فإنى أخاف إن قصصتها يحسدوك فيكيدوا لك كيدا، ويدبروا لك أمرا ولا تعجب يا بنى من ذلك فإن الشيطان للإنسان عدو مبين، لا تفوته فرصة من دواعي النفس الأمارة بالسوء
стр. 1082
كالحسد والأنانية حتى يوسوس لصاحبها ويوقعه في الشر، وقد كان الشيطان مع إخوة يوسف على أتم استعداد إذ زين لهم ما عملوه لأخيهم.
قال يعقوب: ومثل ذلك الشأن الرفيع والمكانة العالية التي تشير إليها رؤياك يجتبيك ربك لنفسه، ويصطفيك على آلك فتكون من المخلصين، ويعلمك من تأويل الرؤيا، وتعبيرها صادقا، ويتم نعمته عليك بالنبوة والرسالة، والملك والرياسة، ويتمها بسببك على آل يعقوب حيث تكون حلقة النبوة وسلسلة الرسالة فيك كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم جد أبيه، وإسحاق جده والعرب تسمى الجد أبا «أنا ابن عبد المطلب» ألست معى في أن يعقوب فهم من رؤيا يوسف فهما دقيقا نتج عنه أن حذره من إخوته، وبشر بتلك البشارات.
إن ربك عليم بخلقه، يجعل رسالته عند من فيه استعداد لتحمل أعبائها، حكيم في كل أفعاله.
الرؤيا والحلم ما يراه النائم في نومه، وقد تكون من استشراف الروح وصفائها فهي ترمز لذلك برموز يعرفها بعض الناس الذين يدرسون تفسير الرؤيا وتعبير الأحلام، وهي تعبر غالبا عما تتطلبه النفس وما تميل إليه، وللعقل الباطن فيها أثر فعال ولعلماء الغرب تفسيرات وأبحاث يحسن الوقوف عليها.
وقد تنشأ الأحلام من تخمة في الأكل وضغط على القلب فيرى النائم المزعجات والأحلام المختلطة التي لا ترمز إلى شيء وهذه هي أضغاث الأحلام.
والرؤيا الصالحة جزء من النبوة، ونوع من الإخبار بالغيب إن جاز هذا التعبير.
يوسف وإخوته وما كان منهم [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٧ الى ١٨]
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١)
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذاً لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦)
قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)
стр. 1083
المفردات:
عُصْبَةٌ هي الجماعة من الرجال ما بين الواحد إلى العشرة. غَداً الغد اليوم الذي يلي يومك الذي أنت فيه لَيَحْزُنُنِي الحزن: ألم في النفس لفقد محبوب أو وقوع مكروه، والخوف: ألم في النفس مما يتوقع من مكروه يَرْتَعْ يقال رتع البعير والإنسان إذا أكلا كيف شاءا والرتوع أكل ما يطيب لهم من الفاكهة والبقول أصل الرتعة الخصب والسعة نَسْتَبِقُ يتكلف كل منا أن يسبق غيره.
هذا بدء القصة الحقيقي. والذي تقدم مقدمتان لها:
(أ) في الكلام على هذا الكتاب الذي هي فيه وأنه نزل باللسان العربي المبين.
(ب) وفي الكلام على رؤيا يوسف، وما كان لها من الأثر في نفس أبيه وما فهمه يعقوب من تأويلها، وسيتلو القصة خاتمة في العبرة منها وما يتعلق بذلك، وهذا ترتيب غريب لم يسبق القرآن بمثله أبدا- وإن كنت في شك فاقرأ القصة في التوراة- ولقد استخدمه أصحاب القصص المحدثون.
روى أن اليهود سألوا النبي ﷺ وهو في مكة أو أرسلوا له من يسأله عن نبي كان بالشام أخرج ابنه إلى مصر فبكى عليه حتى عمى
فأنزل الله عليه سورة يوسف محكمة كما في التوراة وكانت هنا أدق وأحكم.
المعنى:
تالله لقد كان في قصة يوسف مع إخوته لأبيه آيات ودلائل على قدرة الله، وحكم ومواعظ للسائلين عنها الراغبين في معرفة حقائقها، وما تشير إليه وهم الذين يعقلون الآيات ويستفيدون منها إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ فهذه القصة بظواهرها الغريبة تشير إلى معان دقيقة، إذ حسد إخوته له نتج عنه رميه في الجب وأخذ السيارة له وبيعه في مصر لعزيزها، وقد قلده أمر بيته لأمانته وصدقه فنشأ عن ذلك مراودة امرأته له عن نفسه فاستعصم. ونشأ عن ذلك ظهور أمره، ومعرفة خبره، ولو لم تبالغ في كيدها ليوسف لما ألقى في السجن الذي خرج منه إلى بيت الملك وإدارة الحكم في مصر إلى آخر ما سيأتى.
стр. 1084
نعم لقد كان في هذا كله عبر ومواعظ وأسرار لا يفهمها إلا السائلون عنها، هذه آيات ودلائل على أن من يرعاه ربه فلن يشقى أبدا، ومن يهديه فلن يضل أبدا. انظر لهم في وقت قالوا فيه جازمين مقسمين: ليوسف وأخيه بنيامين أحب إلى أبينا منا، يفضلهما علينا جميعا، ونحن له عصبة قوية تقوم له بكل ما يحتاج إليه من أسباب الرزق والحماية والرعاية والكفاية.
إن أبانا إذ أحب يوسف وشقيقه لقد ضل طريق العدل والصواب وضل ضلالا مبينا حيث يحب الولد حبا أكثر لحب أمه، والمراد ضلاله في الحب لا في العقيدة وهذا حكم منهم على أبيهم جائز إذ حب يوسف وأخيه لضعفهما وصغرهما في السن ولموت أمهما، ولما كان يأمله في يوسف من عقل وحكمة، وما فهمه من رؤياه.
ولما استبد بهم الحسد وغلب على عقلهم قالوا بعد التشاور: اقتلوا يوسف حتى لا يلقاه أبوه أبدا أو اطرحوه في أرض بعيدة عنا حتى ينقطع خبره عن أبيه، إن فعلتم ذلك يخل لكم وجه أبيكم وهذا تعبير دقيق يراد به يكمن لكم كل وجهه وإقباله، لا يشارككم فيه أحد.
وتكونوا من بعده قوما صالحين، بهذا زين لهم الشيطان أعمالهم، ومناهم بأنهم إذا ارتكبوا هذا الجرم يتوبون عنه ويصيرون صالحين عند أبيهم وعند ربهم فاحذروا أيها الناس ألاعيب الشيطان.
قال قائل منهم- الله أعلم باسمه ولا حاجة لنا في معرفته- قال: لا تقتلوا يوسف فهو أخوكم، ولكن إذا أردتم التخلص منه حقا فألقوه في غيابات البئر (وهي ما يغيب عن النظر من قعره أو حفرة بجانبه) يلتقطه بعض السيارة (وهم المسافرون الذين يسيرون في الأرض للتجارة) فيتم لكم غرضكم وهو إبعاده عن أبيه حتى يخلو لكم وجهه إن كنتم فاعلين الصواب فهذا هو الصواب.
عبارة القرآن الكريم تؤيد أن يوسف- ﵇ كان يتمتع بقسط وافر من محبة أبيه، وكان أبوه يفهم أن هذا يغضب إخوته خصوصا بعد الرؤيا فما كان يستريح إذا غاب يوسف عنه لحظة ولو مع إخوته، وكانوا يفهمون حرص أبيهم على يوسف.
قال إخوة يوسف، وقد رأوا ما رأوا: يا أبانا مالك لا تأمنا عليه؟ وأى شيء عرض لك من الشبهة حتى لا تأمنا على يوسف «يكاد المريب أن يقول خذوني» والحال
стр. 1085
إنا له لناصحون ومخلصون إخلاصا أكيدا مؤكدا، وانظر إلى عبارتهم المؤكدة بأن واسمية الجملة، وتقديم له، واقتران الخبر باللام. كل ذلك يؤيد ما قلناه من أنهم يشعرون بما في نفس أبيهم بالنسبة لهم وليوسف، يا أبت أرسله معنا في الغد يرتع كما يشاء ويطيب له من أكل الفاكهة والبقول في الهواء الطلق ويلعب معنا في وقت سرور ونشاط، ولا تخف إنا له لحافظون حفظا مؤكدا كما ترى من عبارتهم.
ماذا يفعل الأب؟ إنه لموقف حرج جدا، طلب أبناؤه مرافقة أخيهم لهم في الرعي والنزهة. إنه لطلب جميل، ولكن ماذا يفعل يعقوب؟ وهو يعلم ما عندهم بالنسبة لأخيهم، وما يعلمه بالإجمال من رعاية الله للصغير يوسف، قبل طلبهم على مضض ومع إظهار الكثير من الألم لفراق يوسف.
قال: إنى ليحزنني ذهابكم به وفراقه لي على أى صورة!! وأخاف أن يعتدى عليه بعض أفراد الذئب وأنتم عنه غافلون.
ماذا يجيبون على أبيهم وتخوفه من الذئب؟ أيقولون له لا تحزن؟
وإنما طمأنوه من ناحية الذئب، قالوا تالله لئن أكله الذئب وهو معنا، جماعة قوية وعصبة فتية، إنا إذن لخاسرون وخائبون في ادعائنا أننا عصبة قوية ولا يصح الاعتماد علينا في شيء.
تلك هي المؤامرة التي دبرت ليوسف، وبقي تنفيذها.
فلما ذهبوا به من عند أبيهم، وأمكنهم إقناعه واقتنع هو في الظاهر فقط ولأمر ما سلم في فلذة كبده يوسف، وأجمعوا أمرهم في أن يجعلوه في غيابة الجب المعروف عندهم ليذهب حيث شاء فيستريحوا ويخلو لهم وجه أبيهم نفذوا ما أجمعوا عليه وألقوه في الجب.
ولكن الله العالم البصير الرحمن الرحيم، لا يترك مظلوما يتخبط بل هو معه وناصره وحافظه ومطمئنه، أوحى إلى يوسف: لا تخف فالله معك، وسيظهرك عليهم، ويذلهم لك ويحقق رؤياك، ويسجد لك سجود خضوع إخوتك الأحد عشر وأبوك وأمك (قيل هي أمه أو خالته وأمه ماتت) وربك القوى لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لهول الموقف لا يشعرون.
стр. 1086
هذا حالهم مع يوسف، وأما مع أبيهم فجاءوا أباهم في وقت العشاء وانتشار الظلام في الأفق يبكون ويولولون، ما أجهلك يا ابن آدم، وما أحمقك!! أليس الله عالم الغيب والشهادة؟! ألم تعلموا يا إخوة يوسف أن الله لطيف خبير! مالكم لم ترحموا أباكم وهو شيخ كبير؟!! ومالكم تتخطون حدود العقل والحكمة، وتقتلون معاني الأخوة والمحبة؟ إن هذا لشيء عجيب!! اعتذروا بغير العذر، واستخفوا من أبيهم، والله معهم، وقالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق في الرمي والجري، وتركنا أخانا يحرس متاعنا فأكله الذئب، وهم يعرفون ما عند أبيهم بالنسبة لهم فصرخوا وقالوا: ما أنت بمصدق لنا أبدا في كل حال، ولو كنا صادقين.
وجاءوا على قميصه بدم ليس من دمه ليشهد كذبا وزورا أنه دمه والله يعلم أن الذئب برىء من دم ابن يعقوب.
روى أن يعقوب قال استهزاء: ما أحلمك يا ذئب تأكل ابني ولا تشق قميصه!! قال هذا استهزاء بهم.
وقال ملوّحا بكذبهم: بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا إدا، وفعلتم فعلا نكرا وأما أنا فأمرى صبر جميل لا يأس فيه ولا قنوط من رحمته والله معى وهو المستعان وحده على ما تصفون، هذه قصة يوسف مع إخوته مصدرها القرآن فقط، وهذا ما نطمئن إليه دائما.
أما الأخبار والأقوال والإسرائيليات وقول التوراة فهذا شيء آخر لا نلتفت إليه.
يوسف مع السيارة [سورة يوسف (١٢) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)
стр. 1087
المفردات:
سَيَّارَةٌ هم الجمع المسافرون كالجوالة والكشافة وارِدَهُمْ هو الرائد الذي يبحث عن الماء فَأَدْلى دَلْوَهُ فأرسل دلوه- إناء يستقى به من البئر وَأَسَرُّوهُ أخفوه شَرَوْهُ باعوه بثمن قليل.
المعنى:
وجاء هذا المكان جماعة مسافرون روى أنهم من العرب الإسماعيليين فأرسلوا رائدهم يبحث عن الماء ويأتيهم به فأرسل دلوه في البئر فتعلق به يوسف حتى خرج، قال:
يا بشرى احضرى فهذا أوانك هذا غلام وسيم الطلعة، صبوح الوجه فاستبشروا به وسروا.
وأخفوه عن أعين الناس حتى لا يعلم به أحد لأجل أن يكون بضاعة لهم يتاجرون فيه ويبيعونه لأهل مصر والله- سبحانه- لا يغيب عنه شيء، عليم بما يفعل هؤلاء وهؤلاء، وباعته السيارة بثمن قليل دراهم معدودة لم تصل إلى حد الوزن وكانوا فيه من الزاهدين الراغبين عنه الذين يبتغون الخلاص منه.
يوسف في مصر [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٢١ الى ٢٢]
وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)
стр. 1088
المفردات:
مَثْواهُ مقامه عندنا مأخوذ من ثوى بالمكان أقام به أَشُدَّهُ رشده وكماله.
المعنى:
وقال الذي اشتراه من مصر، لم يذكر القرآن اسمه ولا صنعته ولا مسكنه لأن القرآن ليس كتاب تاريخ أو قصص يعنى بهذه الأشياء، بل قصصه لمعنى أعلى وأسمى ولا يهتم بمثل هذا، وقد ذكرت روايات في اسمه ووظيفته كثيرة، والظاهر أنه كان رئيس شرطة وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ.
قال أكرمى مقام هذا الغلام، فلا يكن في منزلة العبيد والأرقاء، بل عامليه كفرد منا فإنى ألمح فيه النبل والخلق، وأرى أنه سيكون له شأن: أكرميه رجاء أن ينفعنا في أعمالنا الخاصة أو العامة أو نتخذه ولدا لنا تقر به أعيننا ونرثه ويرثنا.
يا سبحان الله!! أهكذا يكون يوسف الذي ألقى في الجب! وقد وقع في قلب سيده هذا الموقع ولا غرابة فالله حارسه وهاديه، وحافظه وراعيه ومثل ذلك التدبير والعناية بيوسف مكناه في أرض مصر، وكان هذا العطف من عزيزها فاتحة الخير وإن اعترض سبيله بعض المشاق فتلك حكم الله يعلمها، وكما قيل: الحوادث تخلق الرجال.. مثل ذلك مكناه في الأرض، ولنعلمه من تأويل الأحاديث، وتعبير الرؤيا وهكذا إعداد الأنبياء.
والله غالب على أمره، ومنفذ ما أراده لا راد لقضائه، فكل ما وقع ليوسف من إلقائه في الجب ومن استرقاقه وبيعه وتوصية سيده لامرأته بخصوصه وتعليمه الرؤيا وغير ذلك خطوات لإعداد يوسف للمحل الذي ينتظره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك.
ولما بلغ أشده؟ وكمل رشده، واستوى عقله وبدنه آتيناه حكما إلهاميا فيما يعرض له من المشاكل والنوازل، وسن الرشد هل هي ثلاثون أو أربعون؟
مثل ذلك نجزى المحسنين العاملين خصوصا الأنبياء والمرسلين وقائدهم وخاتمهم محمد ﷺ ..
стр. 1089
يوسف مع امرأة العزيز وكيف كانت محنته؟ ودفاعه، وحكم زوجها [سورة يوسف (١٢) : الآيات ٢٣ الى ٢٩]
وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)
فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)
المفردات:
وَراوَدَتْهُ طلبت منه أن يواقعها طلبا بلين ورفق كالمخادعة، يقال: راود الرجل
стр. 1090
المرأة عن نفسها، وراودته عن نفسه، والمراودة أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريد وعليه قوله: سنراود عنه أباه أى: نحتال عليه ونخدعه عن إرادته ليرسل أخانا معنا، والمراد في الآيات تحايلت لمواقعته إياها ولم تجد منه قبولا غَلَّقَتِ أحكمت إغلاق الأبواب كلها هَيْتَ لَكَ هلم أقبل وبادر لما أقوله لك بُرْهانَ المراد تذكر الله- ، وما بيّنه من تحريم الزنى والخيانة ومراقبة الله- سبحانه- في كل عمله، وهي مرتبة الإحسان في العمل كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك الْمُخْلَصِينَ الذين أخلصهم ربهم وصفاهم من الشوائب مِنْ قُبُلٍ من قدام مِنْ دُبُرٍ من خلف.
المعنى:
هكذا كانت محنة يوسف في طيها منة عليه، ورب محنة ولكن في طيها منن.. دخل دار العزيز وأراد سيده أن يكون رئيسا للخدم وأن يحسن معاملته أو أن يتخذه ولدا وأمر امرأته بتنفيذ ذلك. وأراد الله- سبحانه- فوق ذلك كله أشياء والله بالغ أمره، وأرادت امرأة العزيز غير ذلك، أرادت أن يكون يوسف عشيقا لها، وراودته عن نفسه، وطلبت منه ذلك بالحيلة والمكر لتصرفه عن رأيه، راودته عن نفسه لأجل أن يريد منها ما تريد هي منه مخالفا لإرادته هو وإرادة ربه، وأعدت العدة لذلك وغلقت باب مخدعها وأبواب البهو المحيط به لتأمن الطارق والزائر وقالت ليوسف: هلم أقبل ونفذ ما أريده منك!! قال يوسف: أعوذ بالله وحده أن أكون من الجاهلين! يا هذه إن زوجك سيدي وقد أحسن مثواي وأكرم وفادتي واستأمنني على نفسه وبيته فكيف أخونه؟!! يا هذه إنه لا يفلح الظالمون أبدا الذين يظلمون أنفسهم بارتكاب المعاصي ومخالفة القانون الإلهى.. ترى يوسف- ﵇ أجابها معتزا بالإيمان بالله وبالأمانة لسيده وأنه لا يفلح الظالمون والخائنون، لقد ردها يوسف ردا عنيفا وصادمها في عواطفها في وقت هي فيه ثائرة ثورة جنسية عاصفة وهي سيدته وهو خادمها إنه شيء يخرج الشخص عن صوابه.
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ.
وللعلماء في هذا الموضوع آراء واتجاهات كثيرة يجمل بنا أن نذكر الأقرب إلى
следующие страницы →