Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
المفردات:
يَتَوَفَّاكُمْ يقبض أرواحكم حَنِيفاً مائلا عن الشرك وما يتبعه بِضُرٍّ من مرض أو ألم.
المعنى:
قل يا محمد للناس جميعا قولا مجملا مختصرا تبين فيه الخطوط الرئيسية لرسالتك العامة الشاملة، إن كنتم في شك قليل من ديني ورسالتي فاعلموا أنى لا أعبد الذين تعبدونهم من دون الله أبدا، كالأحجار، والأصنام، والأوثان، والبشر هؤلاء جميعا لا ينفعون ولا يضرون أنفسهم فكيف يتصور منهم نفع أو ضر لغيرهم؟ ولكني أعبد الله وحده لا أشرك به شيئا- الذي يتوفاكم إليه، وإليه مرجعكم وجزاؤكم، وعنده حسابكم الدقيق الذي أحصى كل شيء عددا، وأمرت أن أكون من المؤمنين الناجين من عذاب يوم القيامة، وهذا الوصف بالإيمان يجمع جميع شعبه ونواحيه، وأمرت بأن أقيم وجهى خالصا لله ولدينه مائلا عن الشرك بكل صوره وأشكاله البسيطة والكبيرة، ونهيت عن أن أكون من المشركين، ولا تدع يا محمد متجاوزا الله- سبحانه- ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين لنفسك.
واعلم أن الله- إن يمسسك في جسمك أو في مالك بأى شكل كان فلا كاشف لهذا الألم والضر إلا هو..
وإن يرد بك خيرا في دينك أو دنياك فلا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا مانع لفضله- عما يصفون.
بل فضله يصيب به من يشاء من خلقه حسب حكمته وعلمه وهو الحكيم في أمره العليم بخلقه وهو الغفور الرحيم.
стр. 1017
خلاصة ما مضى [سورة يونس (١٠) : الآيات ١٠٨ الى ١٠٩]
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)
هذه خاتمة المطاف في تلك السورة العظيمة التي شرحت الأسس العامة للذين، وبينت عقائد الإسلام التي ينكرها مشركوا العرب من توحيد الله. والوحى والرسالة والبعث والجزاء، وما ينكرونه من صفات الله- وتكلمت على القرآن الكريم وهدايته وما فيه من خير للبشرية جميعا، وكيف كانت الأمم السابقة وما حصل لها، نتيجة كفر من كفر وإيمان من آمن.
هذا النداء المأمور به الرسول الأعظم هو للناس جميعا على اختلاف أشكالهم وألوانهم من سمع منهم بالقرآن ومن سيسمع في المستقبل وهو إجمال عام لما في السورة.
قل يا أيها الرسول للناس جميعا قد جاءكم الحق من ربكم على لسان رجل منكم أوحى إليه، هذا الحق الثابت الذي لا شك فيه كتاب أحكمت آياته، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فمن اهتدى به فإنما يهتدى لنفسه ومن كفر فإنما يضل على نفسه، وما أنا عليكم بوكيل، إن أنا إلا نذير وبشير.
واتبع يا محمد ما يوحى إليك من ربك في القرآن علما وعملا وتعليما وحكما وهداية وإرشادا، واصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، ولا تستعجل لهم حتى يحكم الله بينك وبينهم وهو خير الحاكمين.
يا أيها الناس....
إن الله الذي وضع نظاما دقيقا محكما لهذا الكون وما فيه، لم يختل ولن يختل لا
стр. 1018
يعقل أن يترك الإنسان المكرم عنده، المشرف من خلقه بلا نظام ولا قانون يحكمه ويهديه.
والله قد أنزل القرآن وفيه حكم الله وآياته وقوانينه الصالحة النافعة، قوانين إلهية ودساتير ربانية صنعها صانع السماء والأرض، وأوجدها موجد هذا الكون. أفبعد هذا تتركونها إلى غيرها أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ. [سورة المائدة آية ٥٠] .
أسأل الكريم في ختام هذا الجزء أن يوفق قادة الأمة وحكامها إلى الخير والسداد في اختيار دستور البلاد وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [سورة المائدة آية ٤٩] .
стр. 1019
سورة هود
مكية على القول الصحيح، وعدد آياتها ثلاث وعشرون ومائة.
وقد نزلت بعد سورة يونس؟ هي في معناها وموضوعها، وفصل فيها ما أجمل في سابقتها، وكلاهما يتناول أصول العقائد، وإعجاز القرآن والكلام على البعث والجزاء والثواب والعقاب، مع ذكر قصص بعض الأنبياء بالتفصيل ألا ترى أن المناسبة بينهما ظاهرة؟!
وروى الترمذي عن ابن عباس قال: قال أبو بكر- رضى الله عنه-: يا رسول الله: قد شبت! قال: «شيّبتنى هود، والواقعة، والمرسلات، وعمّ يتساءلون، وإذا الشّمس كوّرت»
، ولا غرابة ففي تلاوة هذه السورة ما يكشف سلطان الله وبطشه مما تذهل منه النفوس، وتضطرب له القلوب وتشيب منه الرءوس.
وذلك حينما نقف على أخبار الأمم الماضية، وما حل بها من عاجل بأس الله، وقيل:
إن الذي شيبه من سورة هود قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ.
في الأصول العامة للدين [سورة هود (١١) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)
стр. 1020
المفردات:
الر تقرأ ألف. لام. را، وفيها ما ذكرناه في أول سورة البقرة من اختلاف العلماء وانتهينا إلى أنها سر من أسراره تعالى، هو أعلم به، وفي القرآن الكريم محكم ظاهر المعنى ومتشابه الله أعلم به، والرأى الثاني: أنها للتحدى والإلزام، أو هي أداة استفتاح وتنبيه لما سيلقى بعدها. والملاحظ أن هذه السور المفتتحة بتلك الحروف مكية إلا سورتي البقرة وآل عمران، وأنها تعالج إثبات التوحيد والبعث والكلام على القرآن الكريم وإعجازه إلخ. ما كان يخاطب به النبي ﷺ مشركي مكة، ويلاحظ أن فيها غالبا قصص الأنبياء الذين كانوا يسمعون عنهم، ولا يعرفون من أخبارهم شيئا، وهذه الحروف تارة تكون آية مستقلة، أو تكون جزء آية وصدق الله وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الإسراء آية ٨٥] .
المعنى:
هذا كتاب عظيم الشأن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كتاب أحكمت آياته بوضوح المعنى، وبلاغة الدلالة وقوة التأثير، فهي كالبناء المحكم والحصن المنيع لا ريب فيها ولا شك. ثم فصلت، ورتبت، ونظمت، وسويت، في سور مترابطة، وآيات متناسبة فكل سورة منه آية بديعة، وقطعة فنية عالية في سماء البيان والبلاغة، فصلت كما تفصل القلائد بالفوائد، ففي السورة عقائد وأحكام، وقصص ومواعظ وأدب واجتماع، وعلوم ومعارف، وغير ذلك.
أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم كامل الحكمة، وخبير عليم، هو الذي فصلها، وفي ذكر (ثم) إشارة إلى أن مرتبة التفصيل أعلى وأسمى من مرتبة الأحكام فقد جمع القرآن بين أطراف الكمال والجلال.
فصل هذا الإحكام، والتفصيل للقرآن وآياته لئلا تعبدوا إلا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، وهذا هو الأساس الأول، والمقصود المهم لكل نبي ورسول كما ستراه في القصص الآتية.
وقيل أمر رسول الله أن يقول للناس: أمركم ربكم ألا تعبدوا إلا الله، إننى لكم
стр. 1021
منه- نذير لمن أصر على الكفر والشرك والمعصية، نذير لهؤلاء بالعذاب الأليم، وبشير لمن آمن واهتدى بالسعادة والنعيم المقيم.
وأن استغفروا ربكم، واسألوه المغفرة من الشرك والكفر والذنب ثم توبوا إليه نادمين على الفعل، عازمين على عدم العودة، مصلحين ما أفسدتم، عاملين الصالح من الأعمال إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً [سورة الفرقان آية ٧٠] .
وانظر يا أخى في الجمع بين الاستغفار والتوبة والعطف بثم!! وهذا كله يفيد أن القول غير العمل، وأن مرتبة العمل (التوبة) مرتبة عالية سامية فوق مرتبة الاستغفار.
ما جزاء هذا؟!! جزاء من تاب وعمل صالحا بعد الاستغفار جزاؤكم أن الله يمتعكم متاعا حسنا من رزق حلال، وسعادة في الدنيا، وعيشة رغدة، ونعمة متتابعة كل هذا إلى أجل مسمى، ونهاية محدودة بالموت والفناء، وانقضاء الأجل. المحدد عنده- تعالى-، هذا هو الجزاء في الدنيا، أما في الآخرة فسيؤتى كل ذي فضل من علم وعمل نافع جزاء فضله مطردا كاملا غير منقوص.
انظر يا أخى- وفقك الله- إلى قوله- تعالى-: يُمَتِّعْكُمْ. وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ حيث جمع في جزاء الدنيا، وجعله موقوتا محدودا، وفي جزاء الآخرة إفراد ولم يقيد بشيء، وفي هذا إشارة إلى أن ثواب الدنيا لمجموع الناس لا لكل فرد، وأما في الآخرة فسيكون لكل فرد على حدة وعلى ذلك فالمعنى:
أيها المخاطبون من أمة محمد ﷺ إنكم إن تجتنبوا الشرك والإثم، وتعبدوا ربكم وحده وتستغفروه من كل ذنب، وتتوبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا تكونون به في الدنيا غير الأمم نعمة وقوة وعزة ودولة، ويعط كل ذي فضل وعمل جزاء فضله في الآخرة كاملا غير منقوص كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ وأن تتولوا وتعرضوا فإنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير هوله، عظيم خطره، يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، وقيل: المراد بهذا اليوم أن يصيبنا في الدنيا ما أصاب غيرنا من أقوام الرسل، وأما يوم الآخرة فأشار إليه بقوله: إِلَى اللَّهِ وحده مَرْجِعُكُمْ جميعا، وجزاؤكم على أعمالكم كلها وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
стр. 1022
من أعمال الكفار مع كمال علم الله وقدرته [سورة هود (١١) : الآيات ٥ الى ٧]
أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)
المفردات:
يَثْنُونَ يقال: ثنى الثوب إذا عطف بعضه على بعض فطواه، وثناه عنه لواه وحوله وطواه ليخفيه، وثنى عطفه أعرض بجانبه تكبرا والمراد: أعرضوا وطووا صدورهم على ما فيها من مكنون الحقد والحسد لِيَسْتَخْفُوا أى: فلا يراهم أحد يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يغطون بها جميع أبدانهم.
دَابَّةٍ الدابة اسم عام يشمل كل ما يدب على الأرض زحفا على بطنه أو مشيا على قوائمه سواء كانت ثنتين أو أكثر، وإطلاق الدابة على ما يركب من خيل أو حمير أو بغال إطلاق عرفي رِزْقُها غذاؤها.
стр. 1023
المعنى:
ألا إن المشركين حين يسمعون الدعوة إلى الله، وما يقوم به الرسل من البشارة والإنذار يثنون صدورهم، ويعرضون عنه ويستدبرون الرسول عند تلاوة القرآن حتى لا يراهم أحد وقد ظهرت عليهم علامات الحقد والحسد والكراهية عند وقوع القوارع والحجج التي هي كالصواعق عليهم أو أشد.
ألا حين يستغشون ثيابهم، ويغطون بها أجسادهم، حين يخلون وأنفسهم فتظهر على حقيقتها، والمراد أنهم لجهلهم يظنون خطأ أنهم لو يثنون صدورهم، ويلتحفون بأثوابهم لا يراهم الله يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ.
ألا فالله يعلم السر وأخفى، ويعلم ما يسرون وما يعلنون، وهو العليم بذات الصدور.
وقد أوجب الله على نفسه بمقتضى رحمته وكرمه، وقدرته وعلمه. أوجب على نفسه أنه ما من دابة من أنواع الدواب توجد على ظهر الأرض أو في جوف البحر، أو بين طيات الصخر. أو تطير في الجو، إلا على الله رزقها وغذاؤها المناسب لها، هدى كل دابة إلى ذلك بمقتضى الغريزة والطبيعة الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [سورة طه آية ٥] لكل دابة رزقها المهيأ لها الواصل إليها بعد البحث والعمل.
وهو- سبحانه- يعلم مكان استقرارها، ومكان استيداعها فهو يعلم مستقرها في الأصلاب أو الأرحام، ويعلم مستودعها في الأرحام أو بطن الأرض، كل ذلك من رزق واستقرار وتغيير واستيداع ثابت مرقوم في كتاب ظاهر معلوم كتب الله فيه قضاءه وقدره ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [سورة الأنعام آية ٣٨] .
وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام، يومان لخلق الأرض، ويومان لخلق أقوات الخلق وما يتبعه، ويومان لخلق السموات السبع كما هو مفصل في سورة فصلت من «الحواميم» الآيتان ٩ و ١٠.
والأيام هنا المراد بها: الأوقات التي لا يعلم تحديدها إلا الله- خلق السموات السبع والأرضين السبع في ستة أيام، وكان عرشه على الماء أى: وكان عرشه قبل السموات والأرض على الماء، وهل المراد بعرشه تصريفه وملكه أو هو شيء مادى آخر؟ الله أعلم بكتابه مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [سورة آل عمران آية ٧] .
стр. 1024
يقول الله- : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ. وصدق الله العظيم.
وإنى أحب أن أقول: إن القرآن الكريم لم يأت كتابا علميا يفصل نظريات ويشرح قواعد علمية. وإنما جاء يعالج أمة بل العالم كله، يعالجهم من ناحية التشريع والحكم، ومن ناحية العمل والفقه، ومن ناحية السياسة الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
ولذلك من يتعرض لاستنباط النظريات العلمية الدقيقة من القرآن، ويحاول أن يحمل الألفاظ ما لا تطيق، إنما هو باحث عاطفى.
ولكن القرآن الكريم لا يتعارض مع النظريات- أيضا- وإن تعارض ظاهره فإن الواجب علينا أن نرجع إلى أنفسنا ونعيد الفهم والتطبيق في النظريات العلمية. وهي محل بحث ونظر وقد تعدل أو يرجع عنها أصحابها فلا نجد في النهاية تعارضا وعلى ذلك يمكننا أن نفهم قوله- تعالى-: وكان عرشه على الماء.
والعرش هو التصريف والملك والأمر والحكم على رأى الخلف، والسلف يرون أن العرش هو العرش بلا تأويل، والله أعلم بحقيقته.
وأما الماء الذي كان قبل خلق السموات والأرض فهو الدخان الذي ذكر في الآيتين ٩ و ١٠ من سورة فصلت، وهو الموافق لنظرية السديم، ونظرية التكوين العلمية توافق نظرية القرآن في قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [سورة الأنبياء آية ٣٠] كما توافق خلاصة البحث العلمي.
قبل أن تتكون الكواكب والنجوم كان الفضاء مملوءا بذرات دقيقة صغيرة تشبه الدخان والماء يقال لها السديم، وكان لكل ذرة من هذه الذرات السديمية خاصيتان خلقهما الله في الذرة (الدوران حول النفس والجاذبية) ثم أخذت هذه الذرات في التجمع بسبب الجاذبية والدوران، ونتج عن ذلك التجمع احتكاك تولد عنه الحرارة والالتهاب والضوء، وهذه هي العناصر التي تتصف بها الشمس وتميزها عن الكواكب المعتمة المظلمة، نشأ عن ذلك الاحتكاك وعن هذه الحرارة أن كان قرص الشمس رخوا. ومن شدة الحرارة وسرعة دوران الشمس حول نفسها انفصلت أجزاء منها وكونت ذلك الكوكب الذي نعيش عليه (الأرض) وأخذت الأرض تفقد حرارتها
стр. 1025
بالإشعاع إلى أن بردت وأمكن الحياة عليها بعد أن صار فيها الماء واليابس، وظل باطنها كما هو حار بدليل البراكين والزلازل.
ولجميع الكواكب والنجوم التي انفصلت عن الشمس خواص الذرات السديمية فالأرض مثلا تدور حول نفسها، وتجذب ما فوقها وصدق الله- تعالى-: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس آية ٤٠] .
ويمكن أن نستنتج الحقائق العلمية التالية التي تؤكد ما جاء في القرآن:
١- قبل خلق السماء والأرض كانت هناك ذرات تشبه الدخان والماء هي أصل ذلك الكون.
٢- أن السموات وما فيها والأرض كانتا رتقا واحدا أى جزءا واحدا ففصلهما الله على النحو المذكور سابقا، وجعل بينها الهواء الذي كان له الأثر الفعال في فقدان الأرض حرارتها لنعيش عليها، وهذا الهواء المتحرك المتنقل على هيئة رياح سريعة هو سبب سقوط الأمطار وتكوين البحار والأنهار، والماء أساس كل شيء حي، فالله فتق السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ وهذا رأى في تفسير الفتق غير الماضي.
٣- ليس هناك جرم محسوس ملموس اسمه السماء بل السماء هي الفضاء اللانهائى الذي لا يعلمه إلا الله، ويحتوي على سائر الكواكب والنجوم، ومن الجائز أن السموات السبع هي المجرات.. والمجرة هي مجموعة الكواكب والنجوم التي ترتبط مع بعضها في أفلاك ومدارات محدودة، وتشغل جانبا معلوما من الكون، وهذه المجرات قد سواها الله في طبقات بعضها فوق بعض.
تلك نظرية العلم وهذا رأيه وإن كان ظاهر نصوص القرآن يفيد بأن السماء جرم وقد قلنا أن الأمور الغيبية يجب أن نعلمها كما ورد في القرآن وليس من الدين في شيء البحث الدقيق في تكوينها وما هي عليه ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [سورة البقرة الآيتان ٢ و ٣] .
وعلى المسلم أن يقف في أمر دينه عند نصوص قرآنه فإن أراد البحث العلمي الدقيق فليبحث وفي النهاية سيلتقى مع نظرية القرآن.
стр. 1026
ثم علل- هذا الخلق العجيب للسماء والأرض وما فيهما بقوله:
لِيَبْلُوَكُمْ أيها الناس، وليظهر أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا؟ وذلك أنه خلق لنا ما في الأرض، وسخر لنا كل شيء، ورسم لنا الطريقين ليعلم علم ظهور من يقابل النعم بالشكران، ومن يقابلها بالكفران، وليجزي الذين أحسنوا بالحسنى وزيادة، والذين أساءوا بما كانوا يعملون.
ولئن قلت يا محمد لهؤلاء الكفار: إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا بعد عجزهم عن قرع الحجة بالحجة: إن هذا إلا سحر مبين وهذه حجة العاجز.
طبائع الإنسان وتهذيب الدين لها [سورة هود (١١) : الآيات ٨ الى ١١]
وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)
المفردات:
أُمَّةٍ المراد أجل معدود وزمن معلوم وأصلها الجماعة من جنس واحد أو هم مجتمعون في زمن واحد، وقد تطلق على الدين والملة إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ
стр. 1027
وتطلق على الرجل الجامع للخير الذي يقتدى به إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ، وعلى الزمن كما في قوله وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ وكما في هذه الآية نَعْماءَ النعمة ضَرَّاءَ الضر والألم.
المعنى:
لقد أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق، وأرسله مبشرا ونذيرا وقد قال لقومه الكفار: إنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير، ولكنهم يستهزئون به وبوعيده ويستعجلون العذاب استهزاء وكفرا فيقول الله ما معناه: والله لئن أخرنا عنهم العذاب إلى جماعة من الزمن معدودة في علمنا ومحدودة في نظامنا وتقديرنا الذي اقتضى أن يكون لكل أجل كتاب.. ليقولن: أى شيء يمنع هذا العذاب من الوقوع!! فهم لا يسألون عن المانع، وإنما ينكرون مجيء العذاب وحبسه عنهم ألا يوم يأتيهم ذلك العذاب ليس مصروفا عنهم ولا محبوسا إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، وله يستعجلون وسيحيط بهم يومئذ من كل جانب فلا هو يصرف عنهم، ولا هم ينجون منه، الله- سبحانه- يقول:
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وفي هذه الآية بيان لحال الإنسان في اختبار الله له.
ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة، وأعطيناه نعمة من صحة وعافية وسعة رزق وأمن ثم نزعنا تلك النعمة منه مما يحدث على وفق سنتنا من مرض أو وهن أو موت أو كارثة إنه ليئوس شديد اليأس من رحمة ربه، قطوع للأمل والرجاء في عودة النعمة له، كفور بالنعم التي هو فيها إذ مهما أصيب في نعمة فعنده نعم وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها [سورة إبراهيم آية ٣٤] وهكذا الإنسان لا يصبر ولا يشكر.
وتالله لئن أذقناه نعماء بعد ضراء ليقولن ذهبت المصائب عنى ولن تعود ضراء لي، وإنما أوتيت ما أوتيت على علم عندي!! إن الإنسان لفرح بطر شديد الفرح والمرح فخور متعال على الناس لا يقابل النعم بالشكر الجزيل.
وانظر إلى قوله- تعالى-: أَذَقْنَا الذي يفيد اللذة والاغتباط ثم إلى قوله:
стр. 1028
نَزَعْناها المفيد شدة تعلقه بالنعمة وحرصه عليها ثم إلى قوله في جانب النعمة أَذَقْنَا وفي جانب النقمة والضر مَسَّتْهُ فإن المس يشعر بكون الضر في أقل مرتبة من الملاقاة والإصابة.
هذا طبع الإنسان، وتلك غريزته التي جبل عليها كل إنسان إلا الذين صبروا، وعملوا الصالحات.
ومن هنا نعلم أن في الإنسان طبائع مادية كاليأس من رحمة الله، والكفر بنعمته، والفرح والبطر والفخر والكبر، وهذه أدواء فتاكة وأمراض خطيرة علاجها الصبر والسلوان الناشئ عن قوة الإيمان والرضا بقضاء الله وقدره، وعمل الصالحات من الأعمال النافعة كالبر والخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر إلى آخر ما هو معلوم.
أولئك الصابرون العاملون المؤمنون لهم مغفرة من الله وأجر كبير لا يعلم كنهه إلا الله- سبحانه- وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ.
تقوية الروح المعنوية للنبي ﷺ وتحديهم بالقرآن [سورة هود (١١) : الآيات ١٢ الى ١٤]
فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)
стр. 1029
المفردات:
فَلَعَلَّكَ لعل تكون للتوقع وترجى المحبوب، وهي في قوله- تعالى- لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ للإعداد والتهيئة. وقد تكون للتعليل كما في قوله: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وللاستفهام الشامل للإنكار منه كما في هذه الآية والمراد النفي أو النهى أى: لا تترك ضائِقٌ عارض لك ضيق الصدر والمراد الحرج والألم كَنْزٌ ما يدخر من المال في الأرض والمراد المال الذي يناله بغير كسب.
لا يزال الكلام من أول السورة في القرآن وحال الناس معه، وما يلاقيه الرسول منهم من غم وضيق صدر، وما يتبع ذلك من التحدي المثبت للوحى.
المعنى:
أتارك أنت أيها الرسول بعض ما يوحى إليك مما يشق سماعه على المشركين من الأمر بالتوحيد والنهى عن الشرك، والإنذار لهم والنعي عليهم؟!! وضائق به صدرك، وتتألم له نفسك من تبليغهم كل ما أنزل إليك والمراد بالاستفهام النفي أى: لا يكن منك ذلك كراهة أن يقولوا: لولا أنزل عليه كنز يغنيه عن التجارة والكسب، ويكون دليلا على صدقه، أو جاء معه ملك من السماء يؤيده في دعواه، وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها [سورة الفرقان الآيتان ٧ و ٨] .
إن عناد المشركين وجحودهم وإعراضهم مع شدة اهتمام النبي ﷺ بإيمانهم يفضى بحسب شأنه إلى ذلك لولا عصمة الله- سبحانه- لنبيه وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا [الإسراء ٧٤] . اقرأ معى قوله- تعالى-: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة ٦٧] .
لا يهمنك قولهم، وطلبهم منك هذا، إنما أنت نذير تبلغ كل ما أنزل إليك ولا عليك شيء بعد هذا سواء أرضى الناس أم غضبوا، والله على كل شيء وكيل فهو الموكل بالعباد والرقيب عليهم والمجازى لهم فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [سورة الغاشية الآيتان ٢١ و ٢٢] نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ [سورة ق آية ٤٤] .
стр. 1030
أيقولون افتراه واختلقه من عنده؟!! إن يقولون إلا كذبا وزورا، قل لهم يا محمد: إن كان الأمر كما تزعمون فأتوا بعشر سور مثله في البيان والبلاغة والدقة والفصاحة، والإحكام والإتقان في السياسة والاجتماع، والقانون والتشريع، والقصص والأخبار، مفتريات من عند أنفسهم لا تدعون أنها من عند الله فإنكم أهل اللسان والبيان، وأنتم العرب الفصحاء، وفيكم الخطباء والشعراء، وقد افتريتم على الله كثيرا باتخاذ الآلهة والأنداد والبنات والشفعاء له، وحرمتم السائبة والوصيلة والحامي وغير ذلك من الأنعام والحرث.
وأما أنا فواحد منكم لم يسبق لي شيء من ذلك وقد لبثت فيكم عمرا من قبله لم تجربوا علىّ كذبا على مخلوق فكيف أفترى على الله- ؟! وإن كنتم تزعمون أن لي أعوانا على ذلك فادعوا من استطعتم من دون الله من الشركاء والشفعاء، أو الخطباء والشعراء، أو أهل الكتاب والأحبار ليعينوكم على الإتيان بمثله كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [سورة الكهف آية ٥] .
لقد عالج القرآن الكريم هذا الموضوع في عدة سور من القرآن الكريم فمرة تحداهم بالإتيان بمثل القرآن أو بسورة مثله أو بعشر سور مثله كما في هذه الآية، ولقد علل المرحوم «الشيخ رضا» تعليل التحدي بعشر سور بأن هذه الآية في السورة العاشرة (سورة هود) .
تحداهم القرآن بذلك فعجزوا، ولم يجدوا من يعاونهم من آلهة وشركاء، ولا من الفصحاء والبلغاء، ولا من أعداء النبي ﷺ من أهل الكتاب وغيرهم فلما عجزوا قامت الحجة عليهم إلى يوم القيامة، وغيرهم من باب أولى.
فإن لم يستجب لكم من تدعوهم من دون الله ليظاهروكم على الإتيان بمثل هذا القرآن، وبدا لكم الأمر ظاهرا للعيان، فاعلموا أيها الناس علما أكيدا أنه إنما أنزل هذا القرآن على النبي محمد ﷺ بعلم الله ومبينا لما أراده المولى لعباده من دين قيم، وقانون محكم، وتشريع كامل، وقصص حق لا يمكن أن يعلمه محمد ولا غيره لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا.
واعلموا أنه لا إله إلا هو، ولا معبود بحق سواه.
стр. 1031
فهل أنتم مسلمون؟!! إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء- .
من يؤثر الدنيا على الآخرة [سورة هود (١١) : الآيات ١٥ الى ١٦]
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)
المفردات:
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ نؤد لهم ثمرات أعمالهم وافية تامة حَبِطَ الحبط:
هو هلاك بعض الأنعام من كثرة الأكل لبعض المراعى الخضراء والمراد فساد عملهم في الخير.
المعنى:
الناس على اختلاف مذاهبهم وألوانهم صنفان: صنف يؤمن بيوم القيامة وبالحياة الأخرى، وصنف يعتقد أنه ما هي إلا الحياة الدنيا يموت ويحيا، وما يهلكه إلا الدهر، وهؤلاء هم المعنيون بهذه الآية من المشركين وغيرهم، وهذا هو السبب في عدم إيمانهم بالقرآن بعد ظهور إعجازه فيما سبق ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [سورة البقرة الآيتان ٢ و ٣] .
من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها من متاع ولباس، وزينة وأثاث، وكان حظه من حياته ذلك فقط، هؤلاء نوفى إليهم أعمالهم، ونؤدى لهم جزاءهم كاملا في الدنيا، وإنك تراهم يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم فيها غالبا على جانب من سعة الرزق ورغد العيش، وهم لا يبخسون في الدنيا شيئا من نتائج كسبهم لأجل كفرهم.
стр. 1032
أما في الآخرة فأولئك ليس لهم فيها إلا النار وسعيرها إذا لم يعملوا لها لأنهم لا يؤمنون بها، وقد حبط ما صنعوا في الدنيا من صالح الأعمال وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً فأعمالهم من بر وخير لم يكن لها تأثير ولا فائدة إذ لم يعملوها لله وإنما الأعمال بالنيات، ولذا كانت أعمالهم باطلة مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً.
[سورة الإسراء الآيتان ١٨ و ١٩] .
المؤمنون بالآخرة [سورة هود (١١) : آية ١٧]
أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)
المفردات:
بَيِّنَةٍ حجة وبصيرة من ربه مِرْيَةٍ شك وريب.
ولما ذكر الله- تعالى- في الآية المتقدمة الذين يريدون بأعمالهم الحياة الدنيا وزينتها ذكر في هذه الآية من كان يريد بعمله الآخرة وآمن بالنبي ﷺ .
المعنى:
أفمن كان على صلة بالله وبينة من ربه وثقة به، وقد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه كمن يريد الحياة الدنيا ويعمل لها؟ إن بين الفريقين تفاوتا بعيدا وقد كان الأنبياء جميعا يحتجون على قومهم بأنهم على بينة من ربهم إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ
стр. 1033
مِنْ رَبِّي
. قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، والنبي ﷺ كان على علم يقيني ضروري بنبوته، وهكذا كل مسلم آمن به، وقيل المراد بالبينة: الحجج الناطقة الدالة على صدقه وأهمها القرآن.
وكان الشاهد الذي يتلوه ذلك الأمر النفسي والإيمان القلبي بأن الإسلام حق من الله. هو القرآن، وقيل البينة القرآن والشاهد جبريل ويتلوه من التلاوة لا من التتبع.
أولئك يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله جميعا لا يفرقون بين نبي ونبي.
ومن يكفر بهذا من الأحزاب والجماعات فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون بذلك.
الكافرون وأعمالهم وجزاؤهم، وكذلك المؤمنون [سورة هود (١١) : الآيات ١٨ الى ٢٤]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤)
стр. 1034
المفردات:
يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ المراد يحاسبهم ربهم الْأَشْهادُ هم الملائكة الكتبة الكرام الحفظة لَعْنَةُ اللَّهِ اللعن واللعنة: الطرد من رحمة الله عِوَجاً أى:
معوجة لا جَرَمَ أى: لا بد ولا مناص وهي تفيد التحقيق والتأكيد وَأَخْبَتُوا أصل الإخبات قصد الخبت وهو المكان المطمئن المستوي والمراد: خشعوا وأخلصوا لله.
المعنى:
لا أحد أظلم لنفسه ولغيره ممن افترى على الله الكذب، واختلق البهتان والزور على الله في وحيه، أو في صفته، أو اتخذ الأولياء والشركاء والشفعاء له بدون إذنه، أو زعم أن له ولدا. تعالى الله عما يشركون.. تنزه عما يصفون، أولئك البعيدون في درجة الكفر والإشراك المتميزون على غيرهم من الخلق يعرضون على ربهم فيحاسبهم على أعمالهم، ويقول الأشهاد من الملائكة الأبرار، وقيل: منهم ومن الأنبياء والصالحين. يقول الأشهاد: هؤلاء المتميزون على غيرهم لسوء فعالهم هم الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين.
هم الذين يصدون عن سبيل الله غيرهم بكافة الطرق وكل الأساليب ويصفونها بالعوج وعدم الاستقامة، ويطلبونها معوجة ليست على طريق الحق والعدل والكرامة والحال أنهم بالآخرة هم كافرون بها لا يؤمنون ببعث، ولا يثقون في جزاء وتكرير (هم) للتوكيد.
أولئك لم يكونوا معجزين الله في الدنيا حتى يعاقبهم بالخسف والإزالة، كما فعل بغيرهم وكيف يعجزون الله!! وهو القوى القادر الذي له ملك السموات والأرض،
стр. 1035
والحال أنهم ما كان لهم من دون الله أولياء ينصرونهم. ويمنعونهم من عذاب الله إن نزل بهم، بل اقتضت حكمته أن يؤخر عذابهم إلى يوم تشخص فيه الأبصار، يضاعف لهم العذاب ضعفين بالنسبة إلى عذاب الدنيا كل ذلك بسبب أنهم ما كانوا يستطيعون إصغاء السمع للقبول والبحث عن الحق، وما كانوا يبصرون طريق الحق والخير وينظرون إلى الآيات القرآنية، والآيات الكونية، وذلك أنهم استحوذ عليهم الباطل، وران على قلوبهم وفسدت نفوسهم حتى لم يعد فيها استعداد للخير أبدا، وليس المراد نفى السمع والبصر بل المعنى أنهم ما كانوا يستخدمونهما في إيصال المعلومات، وما كانوا يطيقون سماع الكلام ورؤية الآيات لفرط عنادهم وعتوهم وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.
أولئك الذين وصفوا بما مضى قد خسروا أنفسهم، واشتروا الضلالة بالهدى، وأى خسارة أشد من خسارة الذي يصلى نارا حامية لا يموت فيها ولا يحيا؟!! لا جرم ولا شك أنهم في الآخرة الأخسرون أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا.
أما من كان على عكس هذا فالله يقول فيه: إن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات وخشعوا له، واطمأنت نفوسهم بالإيمان، ولانت قلوبهم ووجلت بالقرآن أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون.
مثل الكافر والمؤمن كالأعمى والأصم، والسميع والبصير هل يستويان مثلا؟!! أتجهلون هذا المثل الحسن والفارق الكبير فلا تتذكرون؟
القصة في القرآن
إن من أغراض القرآن المهمة إثبات التوحيد، وما يتبعه من إثبات النبوة والبعث، والكلام في التشريع للفرد والجماعة والأمة، والقصص الخاص بالأمم السابقة وهو غالبا يساق في السور المكية والمبدوءة بأحرف مقطعة كهذه السورة مثلا.
стр. 1036
وهنا يظهر سؤال لماذا سيقت القصة في القرآن؟ وما السر في اختلاف الأسلوب للقصة الواحدة، ولماذا كررت في عدة سور؟
لقد كان القصص في كل لغة لونا من ألوان الأدب الفنى الرائع، لما له من الأثر النفسي في قلوب سامعيه.
والقصص في القرآن ينبئنا عن أخبار الأنبياء والرسل، وما حصل لهم، وكيف قاموا بدعوتهم؟ وكيف عالجوا أزماتهم؟ وما انتهى إليه أمرهم، وعلى العموم فهو مدرسة إلهية معلموها الأنبياء، وتلاميذها الأمم.
ولقد سيقت للعبرة والعظة حيث يقف المسلمون والمشركون على أحوال من تقدمهم من الأمم فيعتبر ذوو الألباب ويتعظون، وفيها التسلية الكاملة للنبي ﷺ وصحبه من حيث يقفون على أخبار الرسل وأممهم وكيف كانت العاقبة للمتقين، والدائرة على الكافرين المعاندين، وفي هذا تثبيت لهم وشحذ لعزائمهم فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ والعبرة والعظة تظهر في قوله تعالى لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ آخر سورة يوسف.
وقد سيقت القصة دليلا على صدق الرسول وأن خبره من السماء إذ هو يقص أخبارا ما كان يعلمها هو ولا أحد من قومه، ولا يكون هذا إلا بوحي من السماء تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ. ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ [يوسف: ١٠٢] وهي علاج للقلوب، ودواء للنفوس لما فيها من أخبار الأمم وما حل بالعاصين من عاجل بأس الله. فأهل اليقين وغيرهم إذا تلوها تراءى لهم من ملكه وسلطانه وعظمته وجبروته حيث يبطش بأعدائه ما تذهل منه النفوس. وتشيب منه الرؤوس
«شيّبتنى سورة هود وأخواتها»
. صدق رسول الله ﷺ .
стр. 1037
والقصة مدرسة المؤمنين المنتفعين بهدى القرآن هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ فيها أحسن الدروس، وأقوى الأمثال التي تضرب لتحمل الدعاة المرشدين إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ. قال يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ إلى آخر ما في قصة نوح.
أما تكرارها في القرآن فلما في أغراضها ومقاصدها من معان جلية، وفوائد سامية يحرص القرآن دائما على ذكرها لتكون ماثلة أمام أعين المسلمين بكل لون وأسلوب، ولا غرابة فإنا نرى أصحاب الثورات والدعوات دائما في كل خطبة وفي كل موقف يرددون مبادئهم وأغراضهم وأعمالهم بأساليب مختلفة.
ولعل السر في اختلاف الأسلوب في القصة الواحدة تجديد النشاط وطرد السآمة والملل من نفس القارئ والسامع، ولا تنس أن لكل سورة لونا خاصا وصفة خاصة وحسا خاصا. وفواصل خاصة، وحالا للمخاطب خاصة تتناسب مع السياق وعلى العموم فلكل قصة سياق يتناسب مع ما سبقها وما أتى بعدها وهذا البحث يحتاج إلى كتاب يبحث فيه حال القصة الواحدة مع كل الملابسات السابقة.
قصة نوح ﵇ [سورة هود (١١) : الآيات ٢٥ الى ٣١]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (٢٩)
وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)
стр. 1038
المفردات:
أَراذِلُنا جمع أرذل الذي هو جمع رذل مثل كلب وأكلب. وقيل: جمع أرذل وهو النذل والمراد: الأخساء والسفلة وأصحاب الحرف الخسيسة، وورد أنهم الفقراء والضعفاء بادِيَ الرَّأْيِ ظاهره، الذي يبدو للناظر فيه من غير فكر، أو المراد بادئ الرأى أى: في بدئه الذي يظهر منه أول وهلة فَعُمِّيَتْ خفيت عليكم خَزائِنُ اللَّهِ المراد أنواع رزقه التي يحتاج إليها العباد تَزْدَرِي المراد تحتقرهم أعينكم وهذه القصة مسوقة لتأكيد ما قبلها من دلائل النبوة وأصول التوحيد.
وإثبات البعث والجزاء لمن آمن ومن كفر، حتى يعلم الكفار عن أمة محمّد ﷺ أنه ليس بدعا من الرسل، وأن حاله كحال غيره من النبيين وأن جميع الأنبياء متفقون في أصول الدعوة من التوحيد الخالص، وإثبات البعث والجزاء.. وفي هذا ما فيه من أغراض القصة في القرآن.
стр. 1039
ولقصة نوح في هذه السورة عناصر منها:
(أ) بيان دعوته بالإجمال وما رد به قومه عليه.
(ب) مناقشتهم والرد عليهم في شبهاتهم.
(ج) اشتداد الحالة وتوترها حتى استعجلوا العذاب، وقد يئس نوح منهم.
(د) كيف صنع نوح السفينة.
(هـ) بدء نهايتهم ونجاة نوح ومن آمن.
(و) استشفاع نوح لابنه.
المعنى:
تالله لقد أرسلنا نوحا وهو أول رسول، وقومه أول قوم أشركوا بالله غيره، أرسلناه فقال لهم: إنى لكم نذير بين الإنذار ظاهره. على ألا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. ألست معى في أن الرسل جميعا يشتركون في أصول الدعوة إلى الله؟ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [سورة نوح الآية ٢] .
أمرهم أن يعبدوا الله وحده ثم أنذرهم عذاب يوم أليم وعظيم وكبير، ألا هو يوم القيامة أو يوم الغرق، وصف بالألم الشديد، والعذاب العظيم، والهول الكبير في غير موضع من القرآن، والظاهر أن نوحا وصفه بكل هذه الأوصاف التي حكيت عنه، وفي غير هذه السورة أردف الأمر بالعبادة بقوله: أفلا تتقون. وهكذا غيره من الرسل للإشارة إلى أن التقوى هي الأمر الجامع المهم.. فبادر الملأ من قومه. والأشراف الذين كفروا بالله ورسوله إليه بحجج هي أوهى من نسيج العنكبوت قائلين:
ما نراك إلا بشرا مثلنا، لا مزية لك ولا فضل حتى تدعى الرسالة والسفارة بيننا وبين الله. هل لك مال كبير؟ أو جاه عريض؟. أو ولد وخدم؟ ليس لك شيء من هذا فكيف تكون المطاع فينا والآمر لنا؟!! وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا وسفلتنا أصحاب الحرف والصناع من الفقراء والضعفاء، أنكون مع هؤلاء في صف واحد على أن إقبال هؤلاء عليك واتباعهم
стр. 1040
لك في بادئ الأمر وظاهره بدون تأمل ولا فكر! ولا نظر في عواقب الأمور وبواطنها يدعونا إلى مخالفتك وعدم اتباعك. أنفوا أن يكونوا مثل هؤلاء الفقراء وطلبوا من نوح أن يطردهم حتى لا يجتمعوا معهم في دين فأبى وخاف من الله.
وقالوا: ما نرى لكم، أى: أنت ومن معك من عامة الناس، ما نرى لكم علينا من فضل في علم أو رأى أو جاه أو قوة يحملنا على اتباعكم والنزول عن جاهنا وشرفنا ونكون معكم في سلك واحد لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ [سورة الأحقاف الآية ١١] .
بل الأمر أكثر من هذا وأشد وهو أننا نظنكم من الكاذبين المفترين، ونرجح أنك- في دعواك النبوة لتكون متبوعا- كاذب، وأنهم في تصديقهم لك واتباعهم رأيك- كاذبون. فأنتم جميعا متآمرون على قلب الوضع ونظام الحكم عندنا.
كيف ناقشهم نوح- ﵇ ورد عليهم شبهاتهم:
قال نوح يا قومي الأعزاء أخبرونى ماذا أفعل! إن كنت على حجة من ربي ظاهرة فيما جئتكم به، تبين لي بها أنه الحق من عنده لا من عندي إذ ليست النبوة من كسب البشر حتى يستقيم لكم ادعاؤكم أنى بشر مثلكم فكيف أكون نبيا مرسلا، يا قوم: الله أعلم حيث يجعل رسالته، وقد أرسلنى لكم وآتاني رحمة من عنده خاصة بي فوق رحمته العامة للناس جميعا، ولكنها عمّيت عليكم بالجبر والإلجاء! لا. إنه لا إكراه في الدين أبدا من قديم الزمان، وهذا رد على شبهتهم ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا.
ويا قوم لا أسألكم على دعائي لكم مالا ولا أجرا. ولست أطلب ملكا ولا جاها حتى تخشوا منى، وتنفقوا على، ما أجرى إلا على الله وحده، وهكذا كل رسول.
انظر إلى قول الله على لسان محمد ﷺ : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [سورة الشورى آية ٢٣] .
وماذا أفعل فيمن تسمونهم الأراذل؟!! وما أنا بطارد الذين آمنوا أبدا سواء أكانوا أغنياء أم فقراء، لاحتقاركم لهم فأنتم تحتقرونهم لفقرهم وضعفهم، وأنا أجلهم وأكرمهم لأنهم آمنوا واعتزوا بالله وبرسوله، ويظهر أن هذه عادة مجرمى الكفار والأشرار من الناس قديما وحديثا اقرأ معى قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [سورة الأنعام الآية ٥٢] فهذا نهى للنبي ﷺ .
стр. 1041
قال نوح: أنا لا أطرد من آمن بالله. إنهم سيلاقون ربهم وسيحاسبهم على أعمالهم كما أنه سيحاسبكم على أعمالكم، ما على إلا البلاغ فقط، ولكني أراكم قوما تجهلون الحقائق.
ويا قوم: من ينصرني من عذاب الله إن طردتهم؟ أفلا تتذكرون وتتعظون؟ فهذا رد على شبهتهم الثانية وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا.
ولا أقول لكم: عندي خزائن الله، ولا أعلم الغيب، ولا أقول: إنى ملك.
نفى نوح- ﵇ هذه الثلاث، فإن الكفار مع الأنبياء جميعا كانوا يعتقدون لنظرتهم المادية للأشياء أن الأنبياء لا بد أن يكونوا أغنياء موسرين، يعلمون الغيب، ويجب أن يكونوا من الملائكة لا من البشر وإلا كانوا كسائر البشر لا فضل لهم فكيف يدعون النبوة؟!!.
فالمعنى لا أَقُولُ لَكُمْ بادعائى النبوة: إنى أملك خزائن الله وأرزاق الناس، ولست أعلم الغيب إلا ما علمني الله مما يتصل بالرسالة وهذا من إمام الأنبياء يقول الله عنه: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ [سورة الأعراف الآية ١٨٨] .
يا عجبا لكم!! كيف تطلبون أن يكون الرسول ملكا؟ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا حتى يمكن التفاهم معه وللبسنا عليهم ما يلبسون.
ولا أقول للذين تزدريهم أعينكم، وتحتقرونهم لفقرهم وضعفهم: لن يؤتيهم الله خيرا وسعادة في الدنيا والآخرة، لا أقول هذا أبدا الله أعلم بما في نفوسهم وسيجازيهم عليه، إنى إذا قلت ذلك لأكونن من الظالمين لأنفسهم لا من الأنبياء والمرسلين.
اشتداد الحال حتى استعجلوا العذاب [سورة هود (١١) : الآيات ٣٢ الى ٣٥]
قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)
стр. 1042
المفردات:
جادَلْتَنا الجدل اشتداد الخصومة مشتق من الجدل وهو شدة القتل ومنه قيل للصقر: أجدل، والجدل في الدين محمود فهو وظيفة الأنبياء، وأما الجدال فهو المخاصمة بما يشغل عن ظهور الحق فهو باطل ومذموم نُصْحِي النصح: قصد الخير للمنصوح والإخلاص فيه قولا وعملا يُغْوِيَكُمْ الإغواء الإيقاع في الغي والفساد حسيا كان أو معنويا، وقيل: هو المرض أو الهلاك.
بذل نوح غاية جهده في نصح قومه، واجتهد في أن يتبعوه في الإيمان بالله والبعد عن عبادة الأصنام، مكث على ذلك ألف سنة إلا خمسين عاما، ولكن ما زادهم ذلك إلا فرارا، وعتوا واستكبارا حتى ضاقوا به ذرعا، وضاق بهم ذرعا، وكبر عليهم مقامه وبلغ السيل الزبى: اقرأ إن شئت قوله- تعالى- في سورة نوح الآيات من ١- ٢٤ وقوله- تعالى-: في سورة يونس يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ. آية: ٧١.
المعنى:
قالوا يا نوح قد خاصمتنا وحاججتنا فأكثرت جدالنا، ولم تدع لنا حجة إلا أبطلتها ورددتها حتى سئمنا ومللنا.. فائتنا بما تعدنا به من العذاب في الدنيا أو الآخرة إن كنت من الصادقين في قولك: إنى أخاف عليكم عذاب يوم كبير.
فرد نوح عليهم بقوله: إن الذي أعدكم به وأخاف عليكم منه بيد الله لا بيدي، وأمره إلى الله فقط إن شاء أنزله فورا وإن شاء أجله على أنكم لستم بمعجزين الله هربا
стр. 1043
فأنتم في ملكوته وتحت قبضته.. ولا ينفعكم نصحى لكم وإخلاصى معكم في شيء أبدا إن أردت ذلك. إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحى أبدا، إذ قبول النصح والانتفاع به يكون للمستعد للخير القابل له. أما إذا فسدت النفس وران على القلب الحجاب فلن يرى النور ولن ينتفع به، ومعنى إغواء الله على إرادته أن يكونوا من الغاوين لا خلق هذه الغواية فيهم، وفسر ابن جرير الطبري الغواية بالهلاك فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [سورة مريم آية ٥٩] .
إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم ومالك أمركم وإليه ترجعون.. أم يقولون افتراه وهذا إضراب انتقالي على معنى بل أيقولون افتراه واختلقه؟ قل لهم: إن افتريته فعلىّ وحدى ذنب جرمي. قال بعضهم: إن هذه الآية معترضة في قصة نوح وهي من قول مشركي مكة وهذا رد محمد ﷺ عليهم.
وقيل هذا من كلام نوح، ومن رد نوح عليهم.. وهذا يشبه قوله: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ. [يونس ٤١] .
يأس نوح منهم وصنعه السفينة [سورة هود (١١) : الآيات ٣٦ الى ٤١]
وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠)
وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)
стр. 1044
المفردات:
تَبْتَئِسْ الابتئاس: حزن في استكانة، والمراد: لا تغتم بهلاكهم بِأَعْيُنِنا المراد بملاحظتنا ومراقبتنا، والفلك السفينة سَخِرُوا استهزءوا وضحكوا فارَ التَّنُّورُ المراد: ظهور الماء على وجه الأرض بكثرة، والفوران الغليان، والتنور هو المكان الذي يصنع فيه الخبز. وقيل: هو تمثيل لاشتداد الغضب.
المعنى:
أوحى ربك إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من آمن بالفعل فلا تحزن على كفرهم ولا تبتئس لفعلهم فقد سبق فيهم القضاء وحقت كلمة ربك على الذين كفروا.
واصنع الفلك لتكون أداة لنجاتك من الغرق أنت ومن معك من المؤمنين، اصنعها بأعيننا وتحت ملاحظتنا حالة كونك مشمولا برعايتنا ومعلما بوحينا لك كيفية الصنع حتى لا تقع في خطأ، وجمع الأعين بِأَعْيُنِنا للإشارة إلى كمال العناية وتمام الرعاية.
ولا تخاطبني يا نوح في شأن الذين ظلموا أبدا فقد حم القضاء، ونزل البلاء، وحقت عليهم الكلمة أنهم لمغرقون فلا تأخذك بهم رأفة ولا رحمة.
ويصنع السفينة وكلما مر عليه جماعة من أشراف قومه سخروا منه واستهزءوا به ظانين أنه مجنون ينفق وقته وجهده في عمل لغو لا فائدة فيه، قال نوح مجيبا لهم:
إن تسخروا منا اليوم لصنعنا شيئا هو في ظنكم خرق وحماقة فإنا نسخر منكم كما تسخرون جزاء وفاقا، فلسوف تعلمون قريبا من يأتيه عذاب يخزيه في الدنيا بالغرق، ويحل عليه عذاب مقيم دائم في الآخرة.
стр. 1045
كان يصنع السفينة جادا في عمله، متألما من سخريتهم حتى إذا جاء أمرنا، واشتد غضبنا وحانت الساعة، ويا لها من ساعة حين فار التنور، وجاءت السماء بالمطر مدرارا، وتفتحت العيون بماء غزير فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ قلنا: احمل في السفينة من كل نوع من الأحياء زوجين اثنين ذكر وأنثى، واحمل فيها أهل بيتك ذكورا وإناثا، إلا ما استثنى منهم ممن سبق عليه القول فصار في عداد الكفار المغرقين، واحمل فيها من آمن معك من قومك، وما آمن معه إلا القليل. نعم وقليل ما هم.. إن الكرام قليل.
وقال نوح: اركبوا فيها قائلين: باسم الله مجريها، أى: إجراؤها ومرساها أى:
إرساؤها نعم من الله كل شيء، وهذه بشارة لهم بحفظها ورعايتها من الله.
إن ربي لغفور ستار رحيم بالخلق كريم، ومن مظاهر رحمته نجاة المؤمنين وهلاك الظالمين.
نهاية القوم واستشفاع نوح لابنه [سورة هود (١١) : الآيات ٤٢ الى ٤٩]
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦)
قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)
стр. 1046
المفردات:
مَوْجٍ جمع موجة وهي ما يحدث عند اضطراب البحر من التموج وارتفاع المياه سَآوِي سألجأ يَعْصِمُنِي يحفظني ابْلَعِي البلع ازدراد الطعام أو الشراب بسرعة غِيضَ الْماءُ جف ونضب الْجُودِيِّ جبل معروف في ديار بكر.
المعنى:
تصوير للسفينة وقد سارت وسط المياه. تصوير إلهى.
وهي تجرى بهم وتسير بسرعة دافقة وسط أمواج كالجبال الشاهقة في ارتفاعها وعظم حجمها، ولما رأى نوح نهاية القوم أخذته عاطفة الأبوة واستولت عليه، ونادى ابنه،
стр. 1047
وكان في مكان منعزل عنه: يا بنى، اركب معنا سفينة النجاة، وإياك يا بنى أن تكون مع الكافرين المهلكين.
وكان هذا الابن عاصيا لوالده، غير مطيع لأمره كافرا برسالته ووحيه ولذا قال مجيبا أباه: سآوى إلى جبل يحفظني من الماء، يا سبحان الله!! من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل الله فلا هادي له.
نوح يبصّر ابنه طريق الخير فيأبى إلا طريق الشر، ويقول: سألجأ إلى جبل يحفظني من طغيان الماء كأنه فهم أنه ماء من بحر أو نهر له حد محدود يقف أمام ربوة عالية أو جبل شامخ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [سورة القصص آية ٥٦] قال نوح ردا على كلامه وحجته الواهية: يا بنى لا شيء في الوجود يعصم أحدا من أمر الله إذا نزل ويرد قضاءه إذا حكم لكن من رحم الله من الخلق فهو وحده يعصمه ويحفظه، وقد جعل السفينة منجاة للمؤمنين.
وبينما هم في هذا النقاش حال بينهما الموج فكان الابن من المغرقين.
أقرأ يا أخى إن شئت قوله- تعالى- في سورة القمر: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ. وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ. تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ. وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ [١١- ١٦] إنه لتصوير رائع للسفينة.
وقيل: يا أرض ابلعي ماءك وجففيه، ويا سماء أقلعى وكفى عن المطر وامنعيه، وما هو إلا أمر وامتثال، أمر من قال للشيء كن فيكون، فهو أمر تكويني يوجه للعقلاء وغيرهم..
وغاض الماء عقب هذا الأمر، وقضى الأمر، ونجا المؤمنون، وهلك الكافرون فهل من مدكر؟!! واستوت السفينة واستقرت على الجودي، وقيل بعدا وهلاكا، وطردا وعذابا أليما للقوم الظالمين.
ويقول المفسرون مجمعين: إن هذه الآيات من البلاغة بالمحل العالي، والمكان المرموق.
стр. 1048
ولما رأى نوح نهاية القصة وقد ختمت بهلاك الكافرين ومنهم ابنه ساورته أحاسيس العطف على ابنه والأسف العميق على نهايته فنادى ربه فقال رب: إن ابني من أهلى، وقد وعدتني بنجاتهم، وأن وعدك الحق وقولك الصدق، وحكمك العدل، وأنت خير الحاكمين، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟!! قال الرب- : يا نوح، إن ابنك ليس من أهلك الذين أمرتك أن تحملهم معك: لماذا؟!! إنه عمل عملا غير صالح، وكفر بالله ورسوله ولا ولاية بين مؤمن وكافر مهما كان قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ [سورة الممتحنة آية ٤] وفي قراءة حفص «إنّه عمل غير صالح» كأنه نفس العمل السيّئ مبالغة.
فلا تسألن يا نوح في شيء ليس لك به علم صحيح إنه حق وصواب إنى أعظك وأنصحك أن تكون من الجاهلين يسألون بطلان تشريع الله وقانونه، وتقديره في خلقه فهو العليم بهم البصير بشأنهم، ويظهر لي والله أعلم سؤال كان بناء على أنه رأى ابنه في معزل من القوم فظن أنه ربما يكون قد آمن، ودخل في زمرة أهله، وقد سهل له هذا ما في الإنسان من غريزة حب الولد، فنوح- ﵇ قد أخطأ في الفهم والاجتهاد، وكان عتاب الله له لأنه نبي وأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.
ولذا قال نوح بعد هذا: ربي. إنى أعوذ بك وبجلالك أن أسألك ما ليس لي به علم صحيح.
وإن لم تغفر لي وترحمني: وتقبل توبتي برحمتك التي وسعت كل شيء أكن من الخاسرين.
فانظر يا أخى وفقك الله إلى أن القرابة والأخوة في الله أقوى من قرابة النسب، وأن المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، وأن ابن نوح- ﵇ حين كفر قد حكم الله عليه بأنه ليس من أهله. واعلم أن الإيمان والصلاح لا علاقة له بالوراثة كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ [سورة الطور آية ٢١] وأن جزاء الإيمان الصالح من الأعمال يكون في الدنيا غالبا وفي الآخرة حتما.
وقد كان ما كان من قصة نوح مع قومه التي انتهت بنجاة المؤمنين وهلاك الكافرين،
стр. 1049
قيل بعد هذا: يا نوح اهبط من السفينة أو من على الجبل بعد أن كفت السماء عن المطر، وابتلعت الأرض الماء، واستوت السفينة على الجودي.
اهبط متلبسا بسلام منا ومتمتعا بأمان وتحية من عند الله مباركة طيبة، اهبط بسلام وبركات ونماء وسعة في الرزق عليك وعلى أمم ممن معك من الخلق إنسانا كان أو حيوانا، وأمم من ذرية من معك سيتمتعون بالخيرات والطيبات في الدنيا والآخرة، وأمم من الذرية سنمتعهم في الدنيا ثم نضطرهم إلى عذاب أليم في الآخرة وذلك لكفرهم وعنادهم.
وهكذا كان الخلق أولا من ذرية نوح مؤمنين صالحين متمتعين في الدنيا والآخرة ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، وسيمسهم من عذاب أليم.
أما العبرة العامة لهذه القصة فقد تقدم الكلام عليها، ومنها هنا الدلالة على نبوة محمد ﷺ فما كان يعلم هو ولا أحد من قومه ذلك القصص المحكم التام الشامل لأخبار نوح وقومه، وكيف كانت عاقبة الظالمين؟! فاصبر يا محمد كما صبر نوح من قبل فلقد عرفت مآل الصبر لنوح ولقومه المؤمنين وعاقبة الكفر؟ واعلم أن العاقبة للمؤمنين.
قصة هود ﵇ [سورة هود (١١) : الآيات ٥٠ الى ٦٠]
وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)
مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨) وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)
стр. 1050
المفردات:
فَطَرَنِي خلقني على الفطرة السليمة مِدْراراً كثيرا اعْتَراكَ أصابك آخِذٌ بِناصِيَتِها المراد مسخرها ومصرفها كيف شاء جَبَّارٍ الجبار القاهر الذي يجبر غيره على اتباعه عَنِيدٍ لا يذعن إلى الحق مهما كان.
وتشمل القصة: تبليغ هود الدعوة إلى قومه، وما ردوا به عليه ونقاشه لهم، ونهاية القصة بنجاة المؤمنين وهلاك الكافرين.
стр. 1051
المعنى:
وأرسلنا هودا إلى قبيلة عاد، المشهور أنها عربية وقيل غير ذلك، وكانت تسكن الأحقاف (في شمال حضر موت وغربي عمان، وكانت قبيلة ذات قوة وبطش وأصحاب زرع وضرع، زادهم الله بسطة في الجسم والمال، وهم خلفاء قوم نوح) ، وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [سورة الأعراف آية ٦٩] أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ. وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ. وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ. أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ [الشعراء الآيات ١٢٨- ١٣٣] .
أرسل إليهم أخاهم هودا من أوسطهم نسبا، وأكرمهم بيتا قال لهم: يا قومي ويا أهلى: اعبدوا الله وحده، لا تشركوا به غيره، مالكم من إله غيره خلقكم ورزقكم وأمدكم بما تعلمون وما لا تعلمون، إن أنتم إلا مفترون على الله الكذب في الشركاء والأوثان.
وكان في قبيلة عاد مترفون ألفوا التعالي على الغير، واستمتعوا بالنعم حتى امتلأت قلوبهم كبرا وبغيا وفسادا وضلالا، وهؤلاء هم أعداء الحق دائما إذ يرون في النبوة نورا يعمى أبصارهم، ويفتح أذهان العامة فيأخذون حقهم، فتكسر شوكتهم وتضيع دولتهم لذلك نرى مع كل نبي أن أول كافر به هم أشراف قومه إذ كيف يخضعون لواحد منهم بشر مثلهم.
قال هؤلاء: أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا؟ إنا إذن لفي ضلال مبين، ما أنت إلا شخص لك غرض خاص في هذه الدعوة.
فيرد عليهم هود: يا قوم لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من عبادة الله وحده ونبذ الشرك والشركاء لا أسألكم عليه أجرا حتى تتهموني بطلب المنفعة، وأن لي غرضا ما أجرى إلا على الذي خلقني على الفطرة السليمة، وهداني إلى الحق الذي أدعو إليه أفلا تعقلون ما أدعوكم إليه، وتميزون بين الحق والباطل، ويا قوم استغفروا ربكم من ذنوبكم ثم توبوا إليه توبة نصوحا إنكم إن فعلتم ذلك يرسل المطر عليكم كثيرا فأنتم في حاجة إليه، ويزدكم قوة إلى قوتكم، وعزا زيادة على عزكم، وإياكم والإعراض عن دعوتي فإن فيها الخير والفلاح.
стр. 1052
قالوا إنا لنراك في سفاهة، وضعف عقل وخروج عن جادة الصواب وإنا لنظنك من الكاذبين قال هود: ليس بي سفاهة وكيف أكون ذلك وأنا رسول رب العالمين أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين.
اشتد الأمر بعد ذلك، وقالوا: يا هود ما جئتنا بحجة قوية تدل على أنك رسول من الله، وما نحن بتاركي آلهتنا صادرين عن قولك من تلقاء نفسك، وما نحن لك بمؤمنين ومصدقين برسالتك.
إن نقول إلا أصابك بعض آلهتنا بسوء حين تعرضت لهم وإنك اليوم مصاب بخبل في العقل وجنون في الرأى.
قال هود: أشهد الله أنى بلغت ما كلفت به، واشهدوا أنى برىء مما تشركون به، وإذا كان الأمر كذلك وأن آلهتكم لها قدرة على عمل، فأجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم ثم كيدوني جميعا، ولا تمهلون، إنى توكلت على الله ربي وربكم ووكلت له أمر حفظي، وهو على كل شيء قدير.
ما من دابة في الأرض أو السماء إلا هو آخذ بناصيتها، ومصرف أمرها ومسخرها إلى أجل مسمى، إذ له ملك السموات والأرض، إن ربي على صراط مستقيم هو طريق الحق والعدل فإن تتولوا بعد هذا، ولم تطيعوا أمرى فقد بلغت ما أرسلت به إليكم وأبرأت ذمتي من الله وسيستخلف ربي قوما غيركم، ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ، وقائم ورقيب.. وهذه هي النهاية.
ولما جاء وقت أمرنا، ونزول عذابنا، نجينا هودا ومن معه من المؤمنين برحمة خاصة بهم لا تتعداهم إلى غيرهم، نجيناهم من عذاب غليظ فظيع إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ [سورة القمر الآيتان ١٩- ٢٠] فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ. فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ [سورة الحاقة الآيتان ٧ و ٨] .
وتلك عاد جحدوا آيات ربهم وعصوا رسله أى: جنس الرسول وجنس الآيات الصادقة بآياته ورسوله وهم قد اتبعوا أمر كل جبار يجبر غيره على اتباع رأيه وهم الأشراف العنيدون الذين لا يخضعون للحق.
стр. 1053
ألا إن عادا كفروا بربهم، وجحدوا بآياته، وكذبوا رسله ألا بعدا وطردا من رحمة الله لعاد وقوم هود.
قصة صالح- ﵇[سورة هود (١١) : الآيات ٦١ الى ٦٨]
وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)
فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ (٦٨)
стр. 1054
المفردات:
اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها جعلكم تعمرونها مُرِيبٍ الريب الظن والشك يقال:
رابنى من فلان أمر يريبني ريبا إذا استيقنت منه الريبة. فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن منه الريبة قلت: أرابنى منه أمر فهو مريب فَذَرُوها اتركوها فَعَقَرُوها قتلوها الصَّيْحَةُ المرة الواحدة من الصوت الشديد والمراد بها الصاعقة التي أحدثت رجفة في القلوب وصعق بها الكافرون جاثِمِينَ ساقطين على وجوههم مصعوقين، والجثوم للطائر كالبروك للبعير يَغْنَوْا يقال: غنى بالمكان أقام به.
وتتلخص قصة صالح فيما يأتى: كيف بلغ صالح دعوته. ورد قومه واحتجاجهم عليه، ونقاشه لهم، وآيته على صدقه، وإنذارهم بالهلاك، ووقوعه بالفعل.
وثمود قبيلة صالح من العرب، وكانت مساكنهم بالحجر بين الحجاز والشام إلى جهة واد القرى، وآثار مدائنهم باقية إلى اليوم وكانت تعبد الأصنام فأرسل لهم صالح لإنقاذهم.
المعنى:
وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا من أوسطهم نسبا وأكرمهم خلقا وأرجحهم عقلا قال: يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله خلقكم ورزقكم غيره. أفلا تتقون؟ هو الذي أنشأكم من الأرض بقدرته حيث خلق أباكم آدم من تراب، وخلقكم أنتم من ماء مهين يتكون من الدم، والدم من الغذاء وهو من الأرض، واستعمركم فيها فجعل لكم جنات وعيونا، وزروعا ونخلا طلعها هضيم [لطيف لين منكسر] وقد جعلكم تعمرونها بالزرع والصناعة وأنشأتم فيها بيوتا فارهين [حاذقين في صنعها] فاتقوا الله وأطيعونى، واستغفروا ربكم من عبادتكم الأصنام، ثم توبوا إليه واعملوا صالحا من الأعمال:
стр. 1055
إن ربي قريب من خلقه يعلم خائنه الأعين وما تخفى الصدور خصوصا الاستغفار والتوبة، ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
وما كان منهم إلا أن قالوا (ردا عليه) : يا صالح قد كنت فينا موضع رجائنا ومعقد أملنا لما لك من خلق وعقل قبل هذه الدعوة التي دعوتها ما الذي دهاك وألم بك!! تنهانا عن عبادة ما يعبده آباؤنا الأقدمون والمحدثون؟! وإنا يا صالح لفي شك مما تدعونا إليه من عبادة الله وحده وترك عبادة أوليائه وأحبابه وشركائه. حقا إننا لفي شك وسوء ظن منك.
قال يا قوم: أخبرونى ماذا أفعل؟ إن كنت على حجة من ربي، وبصيرة من أمرى أن ما أدعوكم إليه هو من عند الله لا من عندي.
فمن ينصرني من عذاب الله إن عصيته بكتمان الرسالة فما تزيدونني بحرصى على رجائكم وخوفي من سوء ظنكم غير إيقاعى في الهلاك.
ويا قوم هذه آية على صدقى، ناقة الله لكم. حيث لم تكن على السنن الطبيعي في نشأة أمثالها فقد
روى أنها خلقت من صخرة وكان لها شرب في يوم، ولهم شرب في يوم آخر
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ. وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ [القمر ٢٧ و ٢٨] وفي كتب التفسير روايات كثيرة عن الناقة.
يا قوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله، واتركوها ترعى حيث تشاء لا يعترضها أحد، ولا تمسوها بسوء أيا كان نوعه، فإنكم إن مسستموها بسوء فسيأخذكم عذاب قريب الوقوع، عذاب أليم يدعكم كالهشيم المحتظر.
فنادوا صاحبهم قيل: هو قدار بن سالف فتعاطى فعقر، وقد نسب العقر لهم جميعا لرضائهم على فعله فعقروها فقال لهم صالح: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، وما أشد انتظار البلاء، وما أطولها مدة يترقب فيها الإنسان عذابا محقق الوقوع، ذلك وعد غير مكذوب فيه ومن أصدق من الله حديثا؟! فلما وقعت الواقعة، ونزلت الصاعقة نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا، ونجيناهم من خزي يومئذ، إن ربك أيها الرسول هو القوى القادر العزيز الحكيم يعز من يشاء ويذل من يشاء من عباده فأخذهم العذاب إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة الشعراء آية ٨] .
следующие страницы →