← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

لما عدد عليهم محرمات الله، نهاهم عن تحريمهم وتحليلهم بأهوائهم وجهالاتهم دون اتباع شرع الله فقال: ما معناه: ولا تقولوا القول الكذب لما تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة في قولكم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا من غير استناد في ذلك الوصف إلى وحى من الله أو قياس أو سند شرعي لا تقولوا القول الكذب. هذا حلال وهذا حرام. والمعنى لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم كذبا وزورا، ويجول في أفواهكم بلا حجة ولا بينة. لا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب وتختلقوه إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون أبدا. وما تراهم فيه في الدنيا فعرض زائل وعارية مستردة، ومتاع قليل، ولهم في الآخرة عذاب أليم جدا يصغر بجانبه كل متاع قليل في الدنيا. نقاش المشركين في معتقداتهم [سورة النحل (١٦) : الآيات ١١٨ الى ١٢٤] وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)

стр. 1262

المفردات: أُمَّةً لها معان كثيرة والمراد بالأمة هنا الرجل الجامع للخير، والذي يعلم الناس الخير قانِتاً مطيعا اجْتَباهُ اختاره، واصطفاه حَسَنَةً المراد نعمة الولد أو الثناء أو الحسن أو النبوة حَنِيفاً مائلا عن الشرك والباطل. المعنى: ما لكم أيها العرب تحرمون وتحلون من عند أنفسكم؟ بدون الرجوع إلى دين حق أو شرع من الله، ولا يصح لكم أن تقلدوا اليهود فيما حرم عليهم فعلى الذين هادوا وحدهم حرمنا ما قصصنا عليك من قبل في سورة الأنعام وكان التحريم بسبب ظلم ارتكبوه، وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.. ولا تيأسوا أيها المشركون من رحمة الله فإن تبتم قبل الله عملكم وأثابكم وغفر لكم: ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة أى: جاهلين غير عارفين بالله- تعالى- وعقابه غير متدبرين للعاقبة لغلبة الشهوة عليهم ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا أنفسهم، وعملوا صالحا إن ربك من بعدها لغفور رحيم. وأنتم أيها العرب تدعون أنكم على ملة أبيكم إبراهيم، ولكنكم كاذبون في دعواكم لأن إبراهيم كان أمة وحده جامعا لخصال الخير، عالما معلما، فيه من صفات الكمال والخلق ما يوازى ما عند أمة من الناس، وكان مطيعا لله مائلا عن الشرك وعبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن، ولم يك من المشركين، شاكرا لأنعم الله عليه، اختاره واجتباه ربه، وهداه إلى صراط مستقيم معتدل لا عوج فيه.

стр. 1263

ثم أوحينا إليك يا محمد أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا، فما جئت به ليس بعيدا عن شرع إبراهيم بل أنتما متفقان في الدعوة إلى التوحيد والخلق الطيب أما الفروع فلكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا يوافق بيئة كل نبي ووضعه. إنما جعل إثم السبت ووباله وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه وقد اختلف اليهود في السبت فبعضهم عظمه وامتثل أمر الله في تحريم الصيد وبعضهم خالف ذلك، وروى أنهم اختلفوا في تعظيم يوم السبت وقد كان موسى أمرهم بتعظيم يوم الجمعة. وإن ربكم ليحكم بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه وسيجازى المحسن على إحسانه والمسيئ على إساءته. منهاج الوعاظ والدعاة [سورة النحل (١٦) : الآيات ١٢٥ الى ١٢٨] ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) هذه تذكرة الدعاة والمرشدين، وقانون سنه لهم رب العالمين. المعنى: كل خير في الوجود لا بد له من دعاة ومحامين يدافعون عنه، ويشرحون حقيقته،

стр. 1264

ويبينون أغراضه ومراميه إذ الحق وحده لا يستوي قائما أمام أعاصير الدنيا، وألا عيب الشيطان، وغرائز الإنسان الفطرية التي تدعوه إلى التحلل، أرأيت إلى النظام الإسلامى في الدعوة والوعظ والخطابة في كل جمعة مرة أو مرتين، وفي كل عام في الأعياد والمواسم والحج مثلا، ولكن يجب على الدعاة أن يقتفوا أثر زعيمهم الحبيب المصطفى ﷺ ، وأن يمتثلوا أمر الله فهم به أولى وأحق، وما أمر ﷺ بذلك إلا لعظم الغاية وشرف المقصد. ادع إلى سبيل ربك كل من يصادفك فدعوة الإسلام عامة والرسول ﷺ أرسل إلى الناس كافة ولكن ادع بالحكمة والمقالة المحكمة التي تصيب المحز، وتحرك النفس، وتستولى على القلب فتنزع أعراق السوء وتقلع جذور العادات السيئة الموروثة، ادع إليه بالحكمة، والموعظة الحسنة التي تستحسنها العقول السليمة، وتألفها الطباع المستقيمة، وإن صادفت في طريقك أشياء فجادل بالتي هي أحسن، ولا تسب الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم، وإياك أن تصادم قوما في معتقداتهم الباطلة قبل أن تهيء نفوسهم وعقولهم لقبول كلامك وإلا كنت داعيا للفرقة والفساد. واعلم أن من النفوس نفوسا لا تلين بوعظ، ولا تستجيب لعقل، وهؤلاء قوم أضلهم الله فأعمى أبصارهم، وهو أعلم بهم، فإذا صادفك شيء من هذا فكل الأمر لله، ولا عليك شيء أبدا، إن عليك إلا البلاغ والزمن كفيل بتحقيق ما تطلب. ولا بد من وقوع الخطوة الثانية خطوة العمل والنزاع العملي بعد النقاش الكلامى. وإن عاقبتم غيركم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم بلا زيادة في الأذى، بمعنى لو سمح الزمان ومكنكم من أعدائكم الذين أذاقوكم ألوان الشدائد فخذوا منهم القصاص وعاقبوهم بمثل ما عاقبوكم ولا تزيدوا. ولئن صبرتم على المكروه. ووكلتم الأمر لله فهو خير لكم أيها الصابرون فالصبر خير كله ودعوا الأمر لله. والصبر!! نعم الصبر هو مطية النجاح، وسلاح المؤمن بل هو سلاح كل من يريد النصر، ولا بد منه لكل مسلم أراد أن ينجح في حياته الخاصة والعامة.

стр. 1265

ولقد أثبتت التجارب أن النجاح وليد الصبر فمن صبر نجا ونجح، ومن تعجل هلك وخسر، وما صبرك إلا بالله وتوفيقه. ولا تحزن يا محمد عليهم فالأمر موكول لله، وهكذا أراد الله ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولا تك في ضيق وألم مما يمكرون، ودعهم لمن خلقهم. إن الله معك وناصرك وحافظك لأن الله مع الذين اتقوا، وأنت إمامهم، والذين هم محسنون في عملهم، وأنت زعيمهم. وفقنا الله وهدانا إلى الخير والصواب، وإلى اتباع نصائح القرآن

стр. 1266

سورة الإسراء كلها مكية وقد جزم البيضاوي في تفسيره بذلك، وقيل: كلها إلا آيات وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ.. فإنها نزلت حين جاء إلى رسول الله ﷺ وقد ثقيف، وحين قالت اليهود: ليست هذه- أى المدينة- بأرض الأنبياء، وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وإِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ فهذه الآيات الثلاث مدنية، ويظهر والله أعلم أن الأصح رأى البيضاوي، وعدد آياتها مائة وإحدى عشرة آية. وتسمى سورة بنى إسرائيل. وهذه السورة عالجت العقيدة الإسلامية في شتى مظاهرها، فتراها تكلمت عن الرسول ورسالته، والقرآن وهدايته وموقف القوم منه، ثم عن الإنسان وسلوكه وأسس المجتمع الإسلامى السليم، وامتازت بتنزيه الله عما يقوله المشركون، وفي ثنايا ذلك كله قصص عن بنى إسرائيل، وذكرت طرفا من قصة آدم، وابتدأت الكلام عن الإسراء. [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١ الى ٣] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً (٣)

стр. 1267

المفردات: سُبْحانَ أصل المادة مأخوذة من قولهم سبح في الماء أو الأرض أى: أبعد وتوغل، ومنه فرس سبوح أى تبعد بصاحبها ففي المادة معنى البعد، والتنزيه فيه بعد عن النقائص، وبعد عن صفات العجز، ولذا قالوا: إن سُبْحانَ علم على التنزيه والتقديس والتسبيح، ولا يستعمل إلا في الذات الأقدس- أَسْرى وسرى لغتان في السير ليلا. المعنى: سبحان الله أسرى بعبده محمد من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وما أبعد الذي له هذه القدرة القادرة. ما أبعده عن النقائص والسوء ذاتا وفعلا وحكما، واعجبوا أيها المخاطبون من قدرة الله على هذا الأمر الغريب!! وآمنوا بهذا المجد العالي وهذا الشرف السامي للحبيب المصطفى ﷺ . ، وتقديسا له وتنزيها عن كل نقص لأنه الذي أسرى بعبده في جزء من الليل بسيط من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالشام الذي باركنا فيه بنزول الأنبياء حوله، وباركنا فكان فيه الماء والخضرة والزرع والضرع. سرينا به لنريه بعض آياتنا، وما زاغ البصر في ذلك وما طغى، ولقد رأى من آيات ربه الكبرى ولا عجب في ذلك كله أنه- سبحانه- هو السميع لكل قول، البصير بكل نفس، الذي يضع الأمور في مواضعها حسب الحكمة، ووفقا للحق والعدل، وهو أعلم بخلقه وسيجازى من يؤمن بالإسراء ومن يكفر بها إذ هو السميع البصير. هذا هو محمد ﷺ من نسل إسماعيل، وهذا الشرف السامي للعرب ولأمة محمد في كل زمان ومكان، شرف الإسراء ولقيا الله، وإمامة الأنبياء جميعا، وأما ولد إسحاق أخى إسماعيل وهم بنو إسرائيل الذين يدعون أنهم شعب الله المختار، وأنهم نسل الأنبياء والمرسلين، وأنه لا يكون نبي من غيرهم فقد تكلم القرآن الكريم عليهم بعد هذا الفخار العظيم الذي كان لمحمد وأمته حتى توضع الأمور في نصابها وحتى تعرف كل أمة قدرها. وآتينا موسى الكليم نبي بنى إسرائيل الكتاب: التوراة، وجعلناه هدى وهداية لعلهم يهتدون، ولئلا يتخذوا من دوني وكيلا يفوضون إليه أمرهم، ويعاملونه معاملة الإله.

стр. 1268

يا ذرية من حملناهم مع نوح، وأنجيناهم من الغرق، وهديناهم إلى الحق والخير أنتم أولى الناس بالتوحيد الخالص والسير على سنن الأنبياء والمرسلين، وها هو ذا نوح أبوكم- ﵇ كان عبدا شكورا فاقتفوا أثره، واتبعوا سنته. وفي تعبير القرآن الكريم بِعَبْدِهِ بدل حبيبه مثلا أو بدل اسمه. إشارة دقيقة: إذ حادثة الإسراء والمعراج معجزة خارقة قد تؤثر على بعض النفوس الضعيفة فتضع النبي ﷺ في غير موضعه كما وضعت النصارى المسيح فقيل: عبده أى: الخاضع لعزه وسلطانه حتى توضع الأمور في نصابها، على أن وصف النبي ﷺ بالعبودية منتهى الكمال والسمو له. وفي قوله: لَيْلًا وقد تحير فيها المفسرون فإن الإسراء لا يكون إلا ليلا فما فائدة ذكرها؟! ولقد أجابوا على ذلك بأنه لفظ مفرد منكر سيق لبيان أن الإسراء كان في جزء من الليل. ولم يكن من مكة إلى المسجد الأقصى الذي يقع في أيام وليال طوال إلا في جزء من الليل بسيط. ويقول أستاذنا مصطفى صادق الرافعي في وحى القلم ص ٣٢ في الإسراء والمعراج: والحكمة- في ذكر ليلا في الآية- هي الإشارة إلى أن القصة قصة النجم الإنسانى العظيم الذي تحول من إنسانيته إلى نوره السماوي في المعجزة، ويتمم هذه العجيبة أن آيات المعراج لم تجيء إلا سورة «والنجم ... » . قصة الإسراء والمعراج: وخلاصتها: كان ﷺ مضطجعا فأتاه جبريل فأخرجه من المسجد فأركبه البراق فأتى بيت المقدس، ثم دخل المسجد هناك واجتمع بالأنبياء- صلوات الله وسلامه عليهم-، وصلّى بهم إماما ثم عرج به إلى السموات فاستحقها جبريل واحدة واحدة فرأى محمد ﷺ من آيات ربه الكبرى ما رأى، وهكذا صعد في سماء بعد سماء إلى سدرة المنتهى فغشيها من أمر الله ما غشيها، فرأى ﷺ مظهر الجمال الأزلى، ثم زج به في النور فأوحى الله إليه ما أوحى، وكلفه هو وأمته بالصلاة في ذلك المكان المقدس فكانت الصلاة هي العبادة الوحيدة التي أوجبها الله بنفسه بلا واسطة.

стр. 1269

تلك خلاصة خالصة أما وشيها وطرازها فباب عجيب من الرموز الفلسفية العميقة التي لا يقف عليها إلا كل من صفت نفسه وزكت روحه، ومن هذه الرموز قوله ﷺ «فجاءني جبريل بإناء من خمر وآخر من لبن فأخذت اللّبن فقال جبريل: أخذت الفطرة» ، أوليس دين الإسلام دين الفطرة؟!! ولقد رأى النبي ﷺ في هذه الرحلة الإلهية العلوية رموزا تشير إلى مجتمع عال نظيف خال من الربا والزنى والسرقة والقتل مع تحلى أصحابه بالجهاد والصدق وحسن الاقتصاد، وسرعة القيام إلى الصلاة. أليس في إمامة النبي ﷺ للأنبياء جميعا إشارة إلى كمال رسالته، وأنهم جميعا سبقوه مبشرين به، وأن من لم يؤمن فما آمن بنبيه فدينه جمع المحاسن كلها، وكان وسطا بين مادية اليهود وروحانية النصارى، وكانت أمته وسطا عدولا شهودا على الأمم السابقة، وقد جمع ﷺ . قوة موسى، وزهد عيسى، وجدل إبراهيم، وصبر أيوب، وما امتاز به كل نبي. وهي تشير إشارة صريحة إلى أن هذا النبي قد سمت روحه الكريمة سموا طغى على الناحية المادية فيه حتى صار نورا إلهيا ونجما سماويا ألم يشق جبريل صدره الكريم ويغسله من أدران المادة؟!! ألم يقل الله لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا فهذه العبارة نص على ارتفاع النبي ﷺ فوق الزمان والمكان والحجاب والحواس، ومرجع ذلك كله إلى قدرة الله لا قدرته هو بخلاف ما لو كانت العبارة ليرى من آيات ربّه فإنها تفيد أن الرؤيا في حدود القدرة البشرية، وتحويل فعل الرؤيا من صيغة إلى صيغة دليل على تحويل الرائي وهو المصطفى ﷺ من شكل إلى شكل ومن حال إلى حال فسبحان من هذا كلامه. أيها المسلمون.. لا تألفوا العجز والكسل. وفي أول دينكم تسخير الطبيعة. لا تركنوا إلى الجهل. وأول آية نزلت على نبيكم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ... لا ترتموا في أحضان الراحة وفي صدر تاريخكم صنع المعجزة الكبرى.

стр. 1270

كيف لا تحملون النور إلى العالم:!! ونبيكم هو الكائن الروحي العظيم، والنور الإلهى الأعظم!! كيف لا تحملون القرآن بينكم؟!! وهو التبيان لكل شيء، والنور لكل حي، والشفاء والرحمة، والهدى والنور للناس أجمعين!! ولست أدرى كيف يختلفون في الإسراء؟! وهل كانت بالجسد والروح أو بالروح فقط!!! ولو كانت بالروح فقط لما آمن بها بعض الناس وكفر البعض إذ كان إنسان يرى في منامه ما يستحيل عليه في يقظته، وفي العلم الذي أوقفنا على سرعة الضوء، والصوت واختراق الهواء الأرضى مما يؤيد ذلك. خلاصة لتاريخ بنى إسرائيل [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤ الى ١١] وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً (٨) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً (١١)

стр. 1271

المفردات: وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أوحينا إليهم وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً لتستكبرن على الله ولتستعلن على الناس بالبغي والظلم مجاوزين الحدود أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ أصحاب قوة وبطش في الحروب فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ في القاموس الجوس بالجيم طلب الشيء باستقصاء مع التردد خلال الديار والبيوت ففي اللفظ معنى للتفتيش والتنقيب خلال الديار أى: وسطها ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ المراد ثم رددنا لكم الدولة والغلبة عليهم أَكْثَرَ نَفِيراً النفير من ينفر مع الرجل من عشيرته، وقيل: جمع نفر وهم المجتمعون للذهاب إلى العدو وَلِيُتَبِّرُوا أى: يهلكوا ما عَلَوْا أى: مدة علوهم واستكبارهم، وقيل المراد: البلاد التي علوها وغلبوا أهلها حَصِيراً سجنا ومحبسا إذا الحصر والحصير فيه معنى المنع والحبس. وهذا امتداد للكلام على بنى إسرائيل، وبيان لتاريخهم وما ينتظرون من بيان بعض الحكم النافعة. المعنى: وأوحينا إلى بنى إسرائيل في التوراة وحيا مقضيا أى: مقطوعا بحصوله بأنهم يفسدون في الأرض مرتين. وأقسمنا لتفسدن في أرض الشام وبيت المقدس أو في كل أرض تحلون فيها لتفسدن مرتين، ولتفسدن نفوسكم بمخالفة ما شرعه لكم ربكم في التوراة، لتفسدن مرتين: أما أولاهما: فبمخالفة التوراة وقتل بعض الأنبياء، والثانية- بقتل زكريا وقيل: بقتل يحيى، والعزم على قتل عيسى ابن مريم وقيل: غير ذلك.

стр. 1272

ولتعلن وتتجاوزن حدود الشرع والعقل بالبغي والظلم والتعالي على الناس والكبر. فإذا جاء وعد أولاهما، وحان وقت العقاب الموعود به في الدنيا على المرة الأولى بعثنا عليكم عبادا من عبيدنا أولى بأس وقوة، أصحاب عدة في الحروب وعدد، وهؤلاء القوم الذين أغاروا عليكم قد جاسوا خلال الديار، وفتشوا البلاد، ونقبوا عليكم ليستأصلوكم بالقتل والتشريد، وهكذا كل أمة تفسد في الأرض بالبغي والظلم، حتى تفسد نفوس أبنائها وتطغى لا بد من أن يرسل الله عليها من يذلها ويذيقها سوء العذاب جزاء فسادها، ولو كان المؤدب لها من الكفار المشركين وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، وهذا قضاء محتوم، وسنة لا تتخلف، ووعد محقق، وكان وعد ربك مفعولا حتما. هذا الدرس القاسي الذي تلقاه بنزول إسرائيل على يد المغير، قيل: هو بختنصر وقيل: هو جالوت، وقيل: جند من بابل أو فارس، والله أعلم بذلك، وليس القرآن كتاب تاريخ حتى تلزمه ببيان الشخص أو الجماعة بالضبط مع تحديد المكان والزمان، ولكن القرآن جاء للعبرة والعظة، والنظرة العليا التي هي أسمى من هذا وذاك، لعل الناس يعتبرون بالحوادث. هذا الدرس القاسي الذي تلقوه أثمر معهم فثابوا لرشدهم، ورجعوا عن غيهم وتمسكوا بكتابهم ودينهم فكانت النتيجة كما قال الله. ثم رددنا لكم يا بني إسرائيل الكرة عليهم، وأعدنا لكم الدولة والغلبة عليهم وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ أو أمدكم الله بالأموال والبنين وأمدكم بالسلاح والرجال المخلصين وجعلكم أكثر نفيرا مما كنتم عليه، وهكذا سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. إن أحسنتم العمل أحسنتم لأنفسكم لأن نتيجة العمل وثوابه لكم، وإن أسأتم العمل بالفساد والبغي فلأنفسكم فقط، كل نفس بما كسبت رهينة وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فإذا جاء وعد المرة الآخرة، وحان موعد العقاب فيها بعثنا عليكم رجالا ليذيقوكم سوء العذاب وليجزوكم بالقتل والسبي حزنا تظهر علاماته في وجوهكم، وليدخلوا المسجد الأقصى كما دخلوه في أول مرة للتخريب والتدمير وإحراق التوراة، وهتك المقدسات عندكم، وليهلكوا ما علوه وغلبوكم عليه من الأرض والزروع والثمار هلاكا شديدا.

стр. 1273

وقد كان جالوت هو الذي سلط عليهم في أول مرة ثم لما قتل داود جالوت رد عليهم ملكهم ودالت الدولة لهم مدة من الزمن حتى فسدوا وظلموا وقتلوا زكريا وقيل يحيى فأرسل الله لهم بختنصر فأذاقهم الخسف والعذاب للمرة الثانية وقيل غير ذلك كما مر. وكان هذا الدرس من الله تأديبا لكم وتهذيبا، عسى ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بهذا، وإن عدتم للمرة الثالثة عدنا إلى عقوبتكم بأشد مما مضى. إن عادت العقرب عدنا لها ... بالنعل والنعل لها حاضرة وقد عادوا للمرة الثالثة فكذبوا محمدا وافتروا الباطل عنادا وجحودا وهم أدرى الناس به، بل ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم أو أشد. فعاقبهم الله على ذلك بقتل بنى قريظة وإجلاء بنى النضير وضرب الجزية عليهم. هذا في الدنيا. أما في الآخرة فقد جعل الله لهم جهنم محبسا وحصيرا لا يفلت منهم أحد أبدا. وما لكم يا بني إسرائيل المعاصرين للنبي ﷺ مالكم لا تؤمنون؟ وأنتم تعلمون أن هذا القرآن المنزل على محمد يهدى للتي هي أقوم، ويدعو إلى الصراط المستقيم. أليس يدعو إلى البر والخير، والتعاون والتساند. ويأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وعدم الشرك والبعد عن الزنى والقتل والزور والبهتان وأكل مال اليتيم والتطفيف في الكيل والميزان والتعامل بالربا والقسوة في المعاملة إلى آخر ما هو معروف؟!! وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ إن هذا القرآن يهدى الناس إلى الطريقة المثلى، ويدعو إلى خيرى الدنيا والآخرة ويبشر المؤمنين العاملين الخير والصلاح بأن لهم أجرا كبيرا في الدنيا والآخرة وأن الذين لا يؤمنون ولا يعملون الخير أعد لهم ربهم عذاب جهنم وبئس المصير. ويدعو الإنسان ربه بالشر- عند غضبه- على نفسه وأهله وماله كما يدعوه لهم بالخير وكان الإنسان عجولا أى: خلق وفي غريزته حب العجلة والسرعة، لهذا جنح كثير من المفسرين، وبعضهم فسر الإنسان بالكافر خاصة ودعاؤه الشر هو استعجاله العذاب استهزاء وكفرا بالنبي، والعذاب آتيه لا محالة ...

стр. 1274

ألا يصح أن نفهم الآية على أن الإنسان قد يدعو ربه، ويلح في طلب شيء هو في الواقع شر ولكنه يظنه خيرا فيدعو ربه له كما يدعوه للخير، وذلك ناشئ من العجلة وعدم التأنى، في الفهم والتأكد فيه، وكان الإنسان عجولا، ألم نطلب المال والجاه ونلح في طلبنا وندعو لله فيه وقد يكون في تحقيق ما طلبنا حتفنا وهلاكنا؟!! ولو أمعنا النظر ولم نتعجل ما ألحفنا في طلبنا، ولا غرابة فخلق الإنسان عجولا. بقي شيء آخر ما السر في وضع هذه الآية هنا؟ أليس فيها إشارة إلى أن هؤلاء اليهود في موقفهم من النبي ﷺ وكفرهم به طلبا للدنيا، واستجابة لدعاء الشر قد آثروا العاجلة على الباقية ولو أمعنوا النظر ودققوا الفهم ما عملوا شيئا من هذا!!! فهم دعوا الشر وطلبوه في الواقع ونفس الأمر كدعائهم الخير، وما دفعهم إلى ذلك إلا حب العاجلة، وإيثار الفانية على الباقية والعجلة في إدراك الأمور. من نعم الله علينا [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٢ الى ١٧] وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (١٥) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً (١٦) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (١٧)

стр. 1275

المفردات: آيَتَيْنِ علامتين دالتين على القدرة فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ. أى: جعلنا آية الليل ممحوة لا نور فيها عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ يقول العلامة الشوكانى في كتابه فتح القدير في تفسير الآية: «والفرق بين العدد والحساب أن العدد إحصاء ما له كمية بتكرير أمثاله كالسنة المكونة من ٣٦٥ يوما، والحساب إحصاء ماله كمية بتكرير أمثاله من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حد معين منه له اسم خاص فالسنة مثلا إن نظرنا لها من ناحية أنها أيام فقط فذلك العدد، وإن نظرنا لها من حيث تكونها من شهور اثنى عشر وكل شهر ثلاثون يوما مثلا وكل يوم أربع وعشرون ساعة فذلك هو الحساب» طائِرَهُ عمله المقدر له ولعل السر في ذلك أن العرب كانوا يتشاءمون ويتباشرون بالطير عند طيرانه فكانوا يستدلون بالطير على الخير والشر والسعادة والشقاوة وكانت لهم علوم ومعارف في ذلك قال شاعرهم: خبير بنو لهب فلا تك ملغيا ... مقالة لهبى إذا الطير مرت ولما كثر منهم ذلك سموا نفس الخير والشر بالطائر تسمية للشيء باسم لازمه وقال أبو عبيدة عن علماء اللغة: الطائر عند العرب: الحظ والمقدر للشخص من عمر ورزق وسعادة وشقاوة كأن طائرا يطير إليه من وكر الأزل، وظلمات عالم الغيب طيرانا لا نهاية له، ولا غاية إلى أن ينتهى إلى ذلك الشخص في وقته المقدر من غير خلاص ولا مناص، وقوله تعالى: في عنقه كناية عن لزوم ذلك له لزوم القلادة للعنق إن كان خيرا أو الغل للعنق إن كان شرا وِزْرَ الوزر الحمل والثقل والمراد الإثم مُتْرَفِيها متنعميها وأترفته النعمة أطغته. وهذا سيل آخر من بيان نعمه وفضله وفيه بيان لهداية القرآن وبشارته.

стр. 1276

المعنى: يقول الحق- ﵎، وجعلنا الليل والنهار آيتين دالتين على قدرتنا وبديع صنعنا وأحكام نظامنا، وذلك لما فيهما من الظلام الدامس والنور الساطع، وما فيهما من تعاقب واختلاف يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وانظر إلى الليل وهدوئه العميق وقمره المنير، ونجمه الذابل وقد سكن الكون فيه وهدأت الطبيعة. ثم انظر إلى النهار وما فيه من حركة وضجيج. وذهاب ومجيء، وإلى الشمس وضحاها والنهار إذا جلاها، والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون. فمحونا آية الليل، والمعنى: محونا آية هي الليل كما نقول دخلت مدينة القاهرة أى مدينة هي القاهرة، ومحوناها أى: جعلناها ممحوة الضوء والحركة لأنها كانت مضيئة ثم محيت (وفي هذا إشارة إلى هدوء الليل وسكونه) وجعلنا آية هي النهار مبصرة أى: يبصر فيها الرائي وينظر إلى ما حوله فيحس به ويتحرك تبعا لذلك، وهكذا تنبعث الحياة والحركة، ويولد النشاط والعمل لتبتغوا بذلك فضلا من ربكم ورزقا، فالرزق تابع للحركة والسعى والعمل والله الموفق. ولتعلموا باختلاف الجديدين وهما الليل والنهار عدد السنين، والحساب، فلو كان الليل والنهار لا يختلفان في شيء أبدا من حركة وسكون ونور وظلام وطول وقصر وبرد ودفء لما تيسر معرفة السنين وحسابها، انظر إلى القطبين وما جاورهما هل يصلحان للحياة؟ كلا!!!. وكل شيء مما تفتقرون إليه في شئون دينكم ودنياكم فصلناه تفصيلا وبيناه تبيينا عن طريق الإجمال أو التفصيل، لئلا يكون للناس على الله حجة، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، وكل إنسان ألزمناه طائره من حظه المقدر وعمله الذي سيعمله في عنقه فلا يمكنه الانفلات منه بل هو أمر محتوم، وقضاء معلوم وكل ميسر لما خلق له، وليس معنى هذا نفى الاختيار الذي هو مناط الثواب والعقاب. ونخرج له يوم القيامة كتابا بين يديه يلقاه منشورا أمامه، كتابا لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وقد وجد الكل ما عمله حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا،

стр. 1277

ويقال له: اقرأ يا هذا كتابك، وكفى بنفسك في هذا اليوم عليك حسيبا وشهيدا أى: محاسبا وشاهدا. وإذا كان الأمر كذلك فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه فقط لأن ثواب عمله له، ومن ضل في عمله فإنما يضل على نفسه فقط، فكل شخص محاسب عن نفسه مجزى بطاعته، معاقب على معصيته، ثم أكد هذا بقوله، ولا تزر وازرة وزر أخرى أى: ولا تحمل نفس حاملة للوزر وزر نفس أخرى حتى تخلصها من وزرها، وتأخذ به الأولى، وقد كانوا يقولون، نحن لا نعذب في شيء وإن كان هناك عقاب فهو على آبائنا، إذ نحن مقلدوهم فقط، فرد الله عليهم أبلغ رد وآكده. وما كنا معذبين أحدا من الناس حتى نبعث رسولا يهديهم، ويدعوهم إلى الخير، ويحذرهم من الشر، وهذه الآيات تحثنا على العمل وتدفعنا إلى الجد وعدم الكسل، وإذا أردنا أن نهلك قرية من القرى- وقد دنا وقت إهلاك أهلها ولم يبق من زمان إمهالها إلا قليل أمرنا مترفيها بالطاعات ففسقوا عن أمر ربهم، وخرجوا من طاعته. والأمر للجميع مترفا كان أو غير مترف، وغنيا كان أو فقيرا، ولكن لما كان الأمراء والأغنياء هم القادة وغيرهم تبع، والعامة شأنها التقليد دائما، قيل: أمرنا المترفين الأغنياء حتى كأن الفقراء غير مأمورين. وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ [سورة إبراهيم آية ٢١] . وقيل إن المعنى: أمرنا مترفيها أى: جعلناهم كثرة يعيثون في الأرض فسادا. وللزمخشري في كشافه رأى في قوله: أمرنا مترفيها خلاصته: أن هذا الأمر مجازى لا حقيقى، ووجهه أنه صب عليهم النعمة صبّا فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات فكأنهم مأمورون بالفسق لتسبب النعمة في ذلك، والنعمة أعطيت للشكر لا الكفر. فلما كفروا وفسقوا حقت عليهم كلمة العذاب فدمرهم تدميرا وفي قراءة أمرنا مترفيها أى: جعلنا أغنياءها حكامها وقادتها، وفي الأمم الضعيفة الجاهلة يكون هؤلاء الأمراء الأغنياء مصدر الشقاء والهلاك للأمة كلها. وكثيرا ما أهلكنا أمما من بعد نوح لما بغوا وعصوا، والله- ﷻ يحصى

стр. 1278

عليهم أعمالهم وذنوبهم، وهو ناقد بصير، وكفى به بذنوب عباده خبيرا بصيرا. وقد علمنا أن كل شيء في الكون مفصل تفصيلا محكما سواء كان في أمور الدين أو الدنيا، وكل إنسان له عمل مقدر له لا ينفك عنه، وهو ملاق حتما جزاء عمله يوم القيامة. وسيقرأ كتابه الذي سجل فيه عمله وإن كل نفس بما كسبت رهينة، وأن ليس للإنسان إلا سعيه فقط، ولا يعذب ربك أحدا إلا بعد إرسال الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة وأنه لا فرق بين الفرد والجماعة فالأمة التي تأمر بالطاعات ثم تخرج عن حدودها يدمرها ربك تدميرا. كل هذا يدفع العاقل منا إلى العمل الصالح النافع له في الدنيا والآخرة. من أراد العاجلة ومن أراد الباقية [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٨ الى ٢١] مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩) كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١) المفردات: الْعاجِلَةَ المراد الدنيا مَدْحُوراً مطرودا من رحمة الله مَشْكُوراً مثابا عليه نُمِدُّ نعطى هؤلاء وهؤلاء من الفريقين مَحْظُوراً ممنوعا ... وهذا حكم آخر من أحكام الله، وقضاء من أقضيته، بعد ما مضى من أحكام

стр. 1279

المعنى: من كانت الدنيا أكبر همه، واتجه بنفسه إلى العاجلة الفانية، وأرادها بكل جوارحه، وخصها بكل أعماله، من كان هكذا عجل الله فيها ما يشاء ويريد، عجل لمن يريده منهم لا لكل من أحبها، فترى أن القرآن الكريم قيد التعجيل بأمرين: أولا: يعجل الله بما يشاؤه هو لا بما يحبه العبد، والثاني: يعجل الله لمن يشاء لا لكل من أراد الدنيا. ألست ترى كثيرا ممن يحبون الدنيا ويريدون العاجلة- وهم القوم الماديون الذين يحبون المال حبّا جمّا ويأكلون التراث أكلا لما- يتمنون ما يتمنون، ولا يعطون إلا بعضا من أمانيهم، وترى كثيرا منهم يتمنون ذلك البعض. ولا يعطون شيئا أبدا فقد جمعوا بين فقر الدنيا وفقر الآخرة. هؤلاء الماديون المحبون للدنيا بكل جوارحهم تراهم في الدنيا كما وصف القرآن وفي الآخرة لهم جهنم يصلونها مذمومين من الله والملائكة والناس أجمعين، ومطرودين من رحمة الله. أما الصنف الثاني، وهو من لم يجعل الدنيا أكبر همه بل كان قصده المهم الآخرة، أرادها، وسعى لها سعيها المناسب لما لها من فضل وثواب، والحال أنه مؤمن بالله واثق فيه مصدق به وبكتبه ويومه الآخر فأولئك البعيدون في درجات الكمال والجلال كان سعيهم مشكورا. يا أخى انظر إلى هؤلاء الذين يريدون بعملهم الآخرة، ولا يبالون بشيء بعدها فإن أوتوا حظا من الدنيا شكروا ربهم، وإن منعوا منه رضوا وصبروا معتقدين أن ما هم فيه خير وأبقى. غنى النفس ما استغنت غنى ... وفقر النفس ما عمرت شقاء انظر إلى السعى المشكور والعمل المأجور، وقد تقدمه ثلاث إن تحققت فاز صاحبها وشكره ربه. (أ) قصد الآخرة والاتجاه إليه في كل عمل حتى يكون رائده ثواب الآخرة لا متاع الدنيا.

стр. 1280

(ب) العمل لها عملا يناسبها عملا تاما كاملا خاليا من الرياء والسمعة والغرض الحقير. (ج) الإيمان العميق بعد الفهم الدقيق، والإخلاص الوثيق. فتلك سفن التجارة، ومركب السعادة وما عدا هذا فمتاع زائل، وعرض حائل لا غنى فيه ولا خير. كل واحد ممن يريد الدنيا. وكل واحد ممن يريد الآخرة نمد له في الرزق ونعطيه وكل ميسر له عمل الخير وعمل الشر، ولم يبق إلا الاختيار والتوفيق والقدرة الصالحة، وما كان عطاء ربك ممنوعا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض في الرزق ومتاع الدنيا، وللآخرة وما فيها من نعيم مقيم، وعطاء جزيل أكبر درجات وأكبر تفضيلا. روى أن قوما من العرب فيهم الأشراف والعامة وقفوا بباب عمر فأذن لبلال وصهيب فشق على أبى سفيان وأمثاله من أشراف قريش وملوك العرب فقال سهيل: ذلك عمر إنما أوتينا من قبلنا، إنهم دعوا ودعينا يعنى إلى الإسلام فأسرعوا وأبطأنا، وهذا باب عمر!! فكيف التفاوت في الآخرة، ولئن حسدتموهم على باب عمر. فما أعده الله لهم في الجنة أكثر وأعظم. دعائم المجتمع الإسلامى [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٢٢ الى ٤١] لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولاً (٢٢) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً (٢٥) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٣٠) وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلاً (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً (٣٩) أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (٤٠) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً (٤١)

стр. 1281

المفردات: فَتَقْعُدَ يجوز أن تكون على معناها الأصلى، وهي كناية عن عدم القدرة على تحصيل الخيرات، وقيل هي بمعنى: تصير مأخوذ من قولهم: شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة أى: صارت كأنها حربة أُفٍّ لفظ يدل على التضجر والاستثقال وَلا تَنْهَرْهُما النهر الزجر والغلظة يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره جَناحَ الذُّلِّ قالوا: إن خفض الجناح للذل كناية عن حسن الرعاية والعناية مأخوذ من أن الطائر يخفض جناحه على أولاده عند تربيتها والعناية بها، أو هو كناية في التواضع وترك التعالي وذلك أن الطائر يخفض جناحه عند النزول وينشر جناحه عند الطيران وَلا تُبَذِّرْ التبذير تفريق المال كيفما كان كما يفرق البذر كيفما كان من غير تعمد لمواقعه قَوْلًا مَيْسُوراً قولا حسنا ووعيدا جميلا وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ كناية عن البخل وعدم الإنفاق، كما أن بسط اليد بحيث لا يعلق بها شيء كناية عن الإسراف خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أى: خوف الفقر خِطْأً أى خطأ وَلا تَقْفُ لا تتبع مالا تعلم مأخوذ من قولك قفوت فلانا إذا أتبعت أثره مَرَحاً المرح هو شدة الفرح ويلزمه التكبر والخيلاء في المشي، وتجاوز الإنسان قدره غالبا أَفَأَصْفاكُمْ أى: أفاختاركم وخصكم.

стр. 1282

المعنى: هذا قبس من نور الذكر الحكيم. يرسل فيملأ القلوب إيمانا واعترافا بأن ذلك القرآن من عند الله لا من عند محمد. نعم ذلك بعض ما أوحى إلى ذلك النبي من الحكمة والموعظة الحسنة. وهذه الآيات تدلنا على أن محمد بن عبد الله ذلك الإنسان الذي نشأ في بيئة جاهلية بكل معاني الكلمة، بيئة، كل همها فتك وقتل وتخريب وإغارة وزنا وخمر، ووأد البنات مخافة الفقر أو العار لا يمكن أن يكون من عنده هذا النور، وهذا السمو في الخلق إذ فاقد الشيء لا يعطيه. أهذه البيئة تخرج مثل ذلك النبي الذي يدعو في هذه الآيات إلى كل خير وبر، وينهى عن كل إثم وشر؟!! ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ولكنها المعجزة الباقية على أن هذا القرآن من عند الله لا من محمد وإلا فمن علمه ذلك؟ ومن عرفه الأسس والدعائم التي تبنى مجتمعا صالحا طيبا، فلو اجتمع فلاسفة الأخلاق في القرن العشرين ليبنوا مجتمعا صالحا أتراهم يوصون بهذه الدعائم؟!! هذه الآيات بدئت بالنهى عن الشرك ثم بالأمر بالإحسان إلى الوالدين إلى آخر ما فيها من معان سامية ثم اختتمت كذلك بإثبات أن ذلك وحى من عند الله بالنهى عن الشرك، وبيان الجور في حكمهم أن لله البنات ولهم البنين، وفي النهاية الكلام على القرآن الكريم. وهذا النسق القرآنى يرشدنا إلى خطر الشرك بالله وأن هذه الأوامر والنواهي مما يتطلبه الدين ويحث عليه، وتبين لنا أن القرآن الكريم قد صرفه الله على أحسن وجه وأكمله ليذكروا، ولكن ما يزيدهم ذلك إلا نفورا واستكبارا. والمناسبة بين هذه الآيات والتي قبلها ظاهرة حيث تكلم القرآن على من أراد الآخرة وسعى لها سعيا وهو مؤمن، ثم أردف ذلك ببيان السعى الموصل للآخرة بالتفصيل، مع الكلام على الشرك المحبط للأعمال، وهاكم الآيات بالتفصيل.

стр. 1283

التوحيد: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا. وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.... والخطاب في الظاهر للنبي ﷺ لبيان أهمية الخبر وخطورته وهو لكل مخاطب لكل أحد، والمعنى: لا تجعل مع الله الذي خلقك ورزقك إلها آخر على أية صورة وبأى شكل فهو وحده الذي يجب أن يعبد، إنك إن اتخذت إلها آخر تكن مذموما من الله والملائكة والناس أجمعين ومخذولا من الله حيث عبدت غيره ومن الشريك لأنه لا يملك نفعا ولا ضررا، وقد قضى ربك، وحكم حكما لا نقض فيه ولا رجوع أن لا تعبدوا إلا الله وحده لا شريك له. إذ هو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير. الإحسان إلى الوالدين: ... وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً. وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً. وقضى ربك بأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانا كاملا في المعاملة، إحسانا ليس بعده إحسان إذ يجتمع فيهما كل أسباب المودة والعطف، فمن قرابة قريبة، إلى صلة وشيجة وجوار كريم، وعطف سابغ، وحنان أبوى سليم، ولا عجب فهما أول من يعطف عليك عطفا غرزيا وأنت في أشد الحاجة إليه، فمن المروءة أن ترد الجميل لا أقول بأحسن منه فليس هناك جميل يوازى عملهما، ولهذا ترى القرآن الكريم يجمع بين الأمر بعبادة الله والأمر بالإحسان إليهما وفي آية أخرى يقول. أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ ولا غرابة فوالداك هما اللذان كونا الظاهر من جسمك، والله الذي خلقك وسواك ونفخ فيك من روحه. اعبده وحده ولا تشرك به شيئا واحسن إلى والديك إحسانا يكافئ ما قدماه لك، وهذا الأمر بالإحسان عام في كل حال، ووضعه هنا دليل على أنه من دعائم الدين وأصوله، وهناك أوضاع خاصة تقتضي التنصيص عليها بخصوصها مثلا:

стр. 1284

إن يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما كلمة ضجر أو تألم، والكبر ملازم للضعف والعجز والحاجة إلى المعين والناصر الذي يتغاضى عن العيب والأذى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً. وليس النهى عن التضجر والتألم خاصا بحالة الكبر بل في كل حال خصوصا التي يتهاون فيها الولد بأبيه لضعفه وعجزه عن الكسب. وقل لهما قولا لينا لطيفا، مع حفظ الكرامة، والأدب والحياء. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة، وهذه كناية عن حسن رعايتهما، وتدبير أمرهما فكأنه قال: واضممها إلى نفسك كما فعلا بك وأنت صغير وتواضع لهما، وألن جانبك معهما، واخفض لهما الجناح الذليل من أجل فرط الشفقة بهما، والعطف عليهما إذ هما في حاجة إلى عطف من كان أفقر خلق الله إلى عطفهما. ولا تكتف بهذا بل قل رب ارحمهما، وتجاوز عن سيئاتهما فإنهما ربياني صغيرا. وأنت ترى أن الله بالغ في التوصية بالوالدين مبالغة تقشعر منها جلود العاقين. وفي السنة الكريمة قول رسول الله ﷺ «الجنّة تحت أقدام الأمّهات» وقوله: «أتانى جبريل فقال: يا محمد، رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليك قل: آمين. فقلت: آمين ثم قال: رغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم خرج فلم يغفر له قل: آمين. فقلت: آمين. ثم قال: رغم أنف رجل أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة قل: آمين. فقلت: آمين» . رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً وهذا تذييل يعلمنا أن العبرة بالقلب، وما فيه، فإن بدرت منه بادرة لم تكن مقصودة منه فالله أعلم به، ولا يعاقبه عليه ما دامت نيته حسنة وهو من الصالحين، وإذا تبتم إلى الله وندمتم على ما فعلتم فاعلموا أن الله غفور للأوابين رحيم بهم. حق ذوى القربى والمساكين وابن السبيل: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ والخطاب في ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلم

стр. 1285

تهييجا وإلهابا لغيره من الأمة والخطاب لكل من هو صالح لذلك، وحق ذوى القرابة هو صلة الرحم التي أمر الله بها مرارا، وهل الأمر للوجوب أو الندب وهل تجب للوالد فقط أولهما ولغيرهما من الأقارب كالأخوات وبنى الأعمام. فعند أبى حنيفة الأمر للوجوب فيجب على الموسر مواساة أقاربه إذا كانوا محارم كالأخ والأخت، والوالد من باب أولى، وعند الشافعى- ﵁ الأمر للندب ولا تجب إلا نفقة الأصول والفروع دون غيرهما من الأقارب. والذي ينبغي الاعتماد عليه وجوب صلتهم بما تبلغ إليه القدرة، والتعاطف أمر قلبي لا يغرسه قانون. أما حق المساكين وابن السبيل فهو من الصدقة الواجبة أو المندوبة. والأقربون أولى بالمعروف. ولما أمر بما أمر به ها هنا نهى عن التبذير حتى نكون وسطا فلا إفراط ولا تفريط. التبذير: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً. الإسلام دين ودولة، وعقيدة وعمل، وفكرة ونظام، واجتماع وعمران ولا أدل على ذلك من نهيه عن التبذير وحثه على الاقتصاد، ولقد كان أسلوب القرآن. ووصفه المبذرين بأنهم إخوان الشياطين أسلوبا لاذعا وتصويرا عمليا أبرز في صورة بشعة حيث كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لنعم ربه كفورا، وهكذا المبذرون كفروا بنعمة ربهم وفرقوا المال في غير موضعه، وأسرفوا فيه إسرافا مذموما لمجاوزتهم الحد المستحسن شرعا، والآية تفيد أن المبذر مماثل للشيطان والشيطان كفور لربه فالمبذر كفور لربه جاحد لنعمته. وإن أعرضت عن ذوى القربى والمساكين وابن السبيل لضيق يد ولفقد مال ترجو أن يفتح الله به عليك فقل لهم قولا ميسورا سهلا لينا كالوعد الجميل، والاعتذار المقبول.

стр. 1286

القصد في الإنفاق: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً. وهذا أمر بالقصد في الإنفاق والتوسط في المعيشة على سبيل التمثيل، وذلك أن البخيل وقد امتنع عن الإنفاق يشبه رجلا يده مغلولة إلى عنقه فلا يقدر على التصرف بحال، والمسرف الذي يضيع ماله شمالا ويمينا بغير حساب يشبه رجلا يبسط يده كل البسط حتى لم يبق في كفه شيء. حقيقة كل فضيلة وسط بين رذيلتين فالتقتير مذموم، والإسراف مذموم، والتوسط بينهما محمود شرعا وعقلا، ولا شك أن البخيل الممسك ملوم من الله والناس، والمسرف المبذر محسور نادم على ما فرط منه منقطع لا شيء معه. يا أخى انظر إلى تعاليم القرآن وهديه وإلى السر في ارتقاء الأمم الغربية أفرادا أو جماعات في الاقتصاد والمال، فهل كان نظام الإسلام يقصر دون أحدث النظم الاقتصادية؟! إن ربك يبسط الرزق ويوسعه لمن يشاء بقطع النظر عن عقله وأصله، ويقدر الرزق ويقتره على من يشاء من خلقه وهو أعلم بهم وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [سورة الشورى آية ٢٧] . ولعل فائدة التذييل بهذه الآية بعد الأمر بالقصد، أننا مأمورون بالقصد لأنه حكمة، وأما الغنى والفقر فأمر مرجعه إلى الله فقط. تحريم وأد البنات: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً. من عادات الجاهلية التي جاء الإسلام يحاربها بأقوى الأسلحة ويصورها للناس بأبشع صورة وأد البنات أى: قتلهم خشية الفقر أو منعا للعار الذي يلحق بهم بسببهم وقد يقتلونهم خشية فقرهم كما هنا ولذلك قال: نحن نرزقهم وإياكم لأنه خاطب الموسرين

стр. 1287

منهم، وقد يقتلونهم من إملاق حاصل فقال لهم كما في سورة الأنعام: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ لأنه خاطب الفقراء. إن قتلهم من الفقر أو العار كان خطئا كبيرا وإثما عظيما. تحريم الزنى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا. الزنى عادة تتنافى مع مبادئ الإنسانية الأولى، لم يقره شرع أبدا ولم يؤيده قانون، فيه هتك الأعراض، واختلاط الأنساب، وقضاء على الحرمات، وتقويض دعائم الاجتماع والعمران، وما شاع الزنى في قوم إلا ابتلاهم الله بالأمراض والأوجاع، وسلط عليهم الفقر والذل والهوان، ولقد صدق الرسول حيث يقول: «بشّر الزّانى بالفقر ولو بعد حين» . «ومن زنى يزنى فيه ولو بجدار بيته» . الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [سورة النور آية ٣] ، ولا غرابة إذ يقول الله فيه إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا. أين دستور الإسلام، الذي حرم الزنى بهذا الوصف، من دساتير الغرب التي تبيحه مادامت الزانية بلغت السن وكانت راضية؟! كأن عرضها ملك لها، وكأن اختلاط الأنساب لا يهم في شيء أبدا،! فسبحان من هذا كلامه! ولعلكم تتعظون يا أيها الناس! تحريم القتل: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً. القتل اعتداء على خلق الله، وانتهاك لحرمة الله- الله يبنى والقاتل الأثيم يهدم ويعتدى، والإنسان ليس ملكا لنفسه وحده إنما هو ملك للمجتمع والدولة، ولذلك حرم الانتحار وحرم قتل النفس إلا بالحق، فمن قتل نفسه فهو آثم بقتله نفسه،

стр. 1288

ومن قتل غيره فهو معتد أثيم، ولا يباح إلا بحق من حقوق ثلاث، فمن قتل مسلما بلا قصاص، ومن زنى وهو محصن، ومن ارتد عن الإسلام، كل أولئك دمهم مهدور، ومن قتل مظلوما أى: لم يكن يستحق القتل، وكانت نفسه محرمة فقد جعلنا لوليه الذي يستحق المطالبة بدمه سلطانا على القاتل في القصاص منه فلا يسرف في القتل، ولا يقتل غير القاتل كعادة الجاهلين الذين كانوا يقتلون الجماعة في الواحد لأنه شرف عظيم في نظرهم، فهذا مهلهل بن أبى ربيعة يقول حين قتل بجير بن الحارث ابن عباد: بؤ بشسع نعل كليب أخى أى: أنت تساوى نعل كليب ولا يكفيني في كليب إلا قتل آل مرة جميعا ... لا تسرف في القتل يا ولى الدم إنك منصور من الله ومن عامة المسلمين حيث أوجب لك القصاص في القتل. تحريم أكل مال اليتيم: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. يربى الإسلام نفوسنا تربية إسلامية عالية، ويغرس فينا المثل العالية، وها هو ذا يحرم علينا أكل مال اليتيم لأنه ضعيف مسكين لا حول له ولا قوة، نهانا عن أن نقترب من مال اليتيم إلا بالطريقة الحسنى تعود على اليتيم بالفائدة فليس الاعتداء على ماله بأى شكل حتى يبلغ أشده، ويكتمل عقله ورشده فينطبق عليه القانون العام الذي يشمل جميع المسلمين. الوفاء بالعهد: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا الوفاء بالعهد فضيلة من الفضائل الإسلامية العليا، وخلف الوعد رذيلة من الرذائل وصفة من صفات المنافقين، وللأسف الشديد نجد الوفاء بالوعد عند الغربيين الذين لم يحثهم دينهم عليها، ونحن فينا خلف الوعد كأنه غريزة من الغرائز، والعهد أمر عام يشمل ما بينك وبين الله والناس ونفسك.

стр. 1289

الوفاء في الكيل والوزن: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا:. هكذا ديننا الحنيف يحارب فينا المادية والأنانية بكل معانيها ويربى فينا السمو والبعد عن الدنية، والعدل في كل شيء لذا أمرنا بالوفاء في الكيل إذا بعنا لأحد أو اشترينا منه، وأمرنا بالعدل والقسطاس المستقيم في كل ما نزنه ذلك خير بلا شك وأحسن عاقبة، إذ بالتجربة أن التاجر الذي يطفف في الكيل أو الوزن هو المبغوض من الناس أجمعين، وبالعكس التاجر الصادق هو الكسوب الرابح وللأسف نرى عند التجار الأجانب صدقا في الوعد وكمالا في الكيل والوزن. تتبّع العورات والقول بالحدس: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا. يرشدنا ديننا الحنيف إلى أننا لا نتبع في سلوكنا الظن والحدس ولا نقفوا ما ليس لنا به علم فلا يصح أن يقول إنسان ما لا يعلم أو يعمل بما لا علم به ولا يليق بك أن تذم أحدا بما لا تعلم وعلى هذا فشهادة الزور وقول الزور والقذف والتكلم في الناس بالظن وتتبع العورات كل هذا محرم شرعا إن السمع والبصر والفؤاد كل واحد من ذلك كان صاحبه عنه مسئولا فيقال له: لم سمعت ما لا يحل لك سماعه؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه؟ ولم نويت وعزمت على ما لا يحل لك العزم عليه؟ واعلم أن تتبع العورات واستعمال الظن داء أصاب الشرقيين خاصة المسلمين وهو يدل على ضعف النفس وانغماسها في المادة وعدم صفائها. النهى عن الكبر والخيلاء: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا. كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً. الكبر والخيلاء مرضان نفسيان ينشآن من مركب النقص الذي يصاب به بعض الناس. فلا يتكبر ولا يختال رجل كبير النفس واسع العقل أبدا، ولهذا نهى الإنسان

стр. 1290

عنهما نهيا معللا بقوله: إنك لن تخرق الأرض إذا سرت عليها ولن تبلغ بتطاولك الجبال وهذا تهكم بالمتكبر والمختال. كل ذلك المتقدم من قوله: لا تجعل مع الله إلها آخر إلى هنا كان سيئه مكروها عند ربك ومبغوضا عند العقلاء من الناس. ذلك إشارة إلى ما تقدم من قوله: لا تجعل مع الله إلها آخر إلى هنا بعض ما يوحى إليك ربك من الحكمة، حقّا إنه هو الكلام المحكم الذي لا دخل فيه للفساد أبدا. أليس هذا المجتمع الذي يعيش على هذه النظم مجتمعا فاضلا كريما ذا عزة وقوة وفضل ونبل هو المجتمع الإسلامى الذي يدعو إليه الإسلام وأما نحن وأعمالنا فلسنا حجة على الإسلام في شيء. ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما من الله والملائكة والناس جميعا مطرودا من رحمة الله وقد كرر هذا النهى للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه فإن من لا قصد له بطل عمله ومن قصد بفعله غير الله ضاع سعيه وخاب ظنه. ولما أمر بالتوحيد ونهى عن الشرك أتبعه بذكر من أثبت الولد له- تعالى- خصوصا إذا كان الولد أنثى!! أيكرمكم ربكم فيخصكم بالبنين ويتخذ من الملائكة إناثا له؟ أيعقل هذا إنكم لتقولون قولا عظيم إثمه كبير جرمه تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى فإنكم تكرهون البنات وتحبون الذكور فكيف تقسمون الأولاد هكذا الذكور لكم والإناث لله. وبعد هذا البيان الجامع لأسس الخير والفلاح يقول الله ممتنا على عباده: ولقد صرفنا في هذا القرآن. وبينا فيه كل شيء ليذّكّروا ولكن ما يزيدهم ذلك إلا عتوا ونفورا واستكبارا في الأرض ومكرا وما كان جزاؤهم في ذلك إلا سعيرا وحميما. الرد على من يدّعى لله شريكا [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٢ الى ٤٤] قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذاً لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيراً (٤٣) تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً (٤٤)

стр. 1291

لما أثبت الله- خطأهم في ادعائهم أن الملائكة بنات الله. قفّى على ذلك بإبطال التعدد وإثبات الوحدانية لله، والتنزيه له. المعنى: قل لهم يا محمد: لو كان مع الله- ﵎ آلهة وشركاء كما تقولون أيها المشركون إذن لابتغوا إلى صاحب العرش سبيلا ولطلبوا طريقا لمقاتلة الله ولتنازعوا على الألوهية. لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [سورة الأنبياء آية ٢٢] . عن قولهم الإثم واعتقادهم الخطأ علوا كبيرا مناسبا لمقامه إذ فرق بين الغنى المطلق والفقر المطلق فرق شاسع وبون واسع. ثم بين- سبحانه- مظهرا من مظاهر جلال ملكه وعظيم سلطانه وكامل وحدانيته فقال: تسبح له السموات السبع ومن فيها والأرضون السبع ومن فيهن وليس هناك في الوجود شيء إلا يسبح بحمده تسبيحا بلسان الحال ولكنكم أيها المشركون لا تفقهون تسبيحهم كل ما في الكون من إنسان وحيوان وشجر ونبات وجماد وأجرام يدل دلالة قوية على وجود الصانع القادر الواحد المختار فكل شيء يسبح بحمد الله وشكره. وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد ولكن الذين لا يعرفون لغة الكائنات ودلالة الموجودات لا يفقهون ذلك بل لا يفهمون أصلا. ومع ذلك إنه هو الحليم بعباده الغفور الذي يغفر عن السيئات ويقبل التوبة من عباده قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [سورة الأنفال آية ٣٨] .

стр. 1292

السر في كفرهم وعنادهم [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٥ الى ٤٨] وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً مَسْتُوراً (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٤٨) المفردات: حِجاباً حاجزا أَكِنَّةً جمع كنان وهو الغطاء والستر وَقْراً صمما وثقلا في السمع. المعنى: وإذا قرأت يا محمد القرآن كله أو أى آية منه جعلنا بينك وبين هؤلاء المشركين الذين لا يعنون بالآخرة حجابا حاجزا وسترا ساترا بحيث لا يبصرون ببصائرهم نور القرآن وهدايته وجعلنا على قلوبهم أكنة وأغطية تحول دون تفهم معاني القرآن وتدبر آياته وأمثاله وجعلنا في آذانهم صمما حتى لا يسمعوا سماع قبول وتدبر. وهذا تمثيل وتصوير لموقفهم من القرآن وصاحبه وذلك أن حالهم وما نشأوا فيه وبيئتهم وحبهم للرياسة الكاذبة، وتغلغل الحسد في قلوبهم، كل ذلك كان بمثابة غطاء

стр. 1293

وحجاب يمنع القلب والبصيرة من أن ترى أو تسمع أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ؟؟ .. قال الكشاف: ووجه إسناد الفعل إلى ذاته وهو قوله جَعَلْنا للدلالة على أنه أمر ثابت فيهم لا يزول عنهم كأنهم مجبولون عليه. وهم يقولون إن للبدن حواسه التي بها يحس كالأذن والعين وحاسة الشم وحاسة اللمس والذوق، وللروح حواسه كذلك الباطنية وموضعها القلب وهي المعبر عنها بالبصائر فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] . فحين ينفى القرآن عنهم حواس السمع والبصر والفؤاد إنما يقصد الحواس الروحية حواس البصيرة القلبية، وعند ذلك يفهم السر في إعراضهم وكفرهم إذ الحواس معطلة وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده جمحوا ونفروا نفورا ناشئا من أن عقلهم قاصر عن إدراك غير المحسوس المشاهد، وعقولهم غير مستعدة لإدراك السر الإلهى الأعظم مجردا عن المادة. نحن أعلم يا محمد بما يستمعون به، وبهم حين يستمعون إليك، وسنجازيهم على استهزائهم وكفرهم وقت سماع القرآن إن ربك عليم بما في الصدور. وربك أعلم بما يتناجون به في خلواتهم، والشيطان معهم إذ يقول هؤلاء الظالمون الذين ظلموا أنفسهم وغيرهم، إن تتبعون إلا رجلا قد سحر فاختلط عقله، وزال اعتداله وطاش حكمه. انظر يا من يتأتى منك النظر كيف ضربوا لك يا محمد الأمثال؟ فقالوا كاهن، ساحر، وشاعر، ومجنون، فهم قد ضلوا في جميع ذلك عن سواء السبيل فلا يستطيعون طريقا إلى الهدى والحق. شبهتهم في البعث والرد عليهم [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٤٩ الى ٥٥] وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً (٥٠) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً (٥٢) وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً (٥٥)

стр. 1294

المفردات: رُفاتاً الرفات: ما بولغ في دقه وتفتيته حتى صار كالتراب وهو اسم لأجزاء ذلك الشيء المفتت، وقال بعضهم: الرفات التراب بدليل تكرير ذكره في القرآن مع العظام: ترابا وعظاما فَسَيُنْغِضُونَ سيحركون إليك رءوسهم تعجبا يَنْزَغُ المراد يفسد بينهم بالوسوسة. لقد سبق الكلام في شأن التوحيد والقرآن والسبب في كفرهم، وهنا تكلم عن شبههم الباطلة في البعث، ثم عن البعث مع تحذير المسلمين عاقبة المخالفة لأن الناقد بصير. المعنى: نظر المشركون بعقلهم القاصر، وقلبهم الأعمى إلى نظرية البعث وإعادة الحياة للحساب والثواب والعقاب فقالوا: إذا مات الإنسان جفت عظامه وتناثرت وتفرقت

стр. 1295

أجزاؤه في جوانب العالم، واختلطت عناصر الجسم بغيرها، وهب أن إنسانا ابتلعه حوت في البحر وتحول جسمه إلى غذاء له مثلا فكيف يعقل بعد ذلك كله اجتماع أجزاء الجسم ثم عودة الحياة إليها؟!! وقالوا: أإذا كنا عظاما نخرة ورفاتا مفتتة نبعث؟! ونكون خلقا جديدا له حس وحركة وفيه حياة وإدراك؟!! إن هذا لشيء عجيب! فيرد الله عليهم إن إعادة الحياة إلى الجسم أمر ممكن، بل هو أهون على الله من خلقه أول مرة- وهو أهون بالنسبة إلى إدراكنا وحكمنا وإلا فخلق الجبال والناس جميعا عند الله كخلق ذرة واحدة- ولو فرضتم أيها المشركون أن بدن الميت قد صار أبعد شيء عن الحياة بأن صار حجرا أو حديدا أو خلقا آخر مما يكبر في صدوركم وعقولكم كالسماء والأرض فالله قادر على إحيائه وبعثه من جديد. فسيقولون: من يعيدنا؟ قل لهم: الذي فطركم وخلقكم أول مرة قادر على إعادتكم وإحيائكم للبعث والجزاء فسينغضون إليك رءوسهم، ويحركونها تعجبا، ويقولون: متى هذا؟ وفي أى وقت يكون؟ قل لهم: عسى أن يكون قريبا فكل آت قريب، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً [سورة المعارج الآيتان ٦ و ٧] . اذكروا يوم يدعوكم فتستجيبون حامدين طائعين منقادين، وتظنون عند البعث أنكم ما لبثتم إلا زمنا قليلا لهول ما ترون. وقل لعبادي المؤمنين يقولوا المقالة التي هي أحسن من غيرها عند محاورة المشركين وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لأن الشدة في الخطاب تنفر الناس وتجعلهم يعاندون ويستكبرون خصوصا هؤلاء الذين في قلوبهم مرض، ومعهم الشياطين التي لا تألوا جهدا في إيقاع الفساد والشر فيما بينكم وبين غيركم إن الشيطان ينزغ بينهم ويفسد، إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا ظاهر العداوة بينها. ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم ويوفقكم إلى الخير والإسلام أو إن يشأ يعذبكم ولا يهديكم إلى الهدى والنور، وما أرسلناك يا محمد عليهم وكيلا تحاسب على أعمالهم إن أنت إلا نذير وبشير فقط، وربك أعلم بمن في السموات ومن في الأرض جميعا علم إحاطة وانكشاف أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟ [الملك ١٤] .

стр. 1296

ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ونحن أعلم بخلقنا فموسى كليم الله، وعيسى كلمته وروح من عنده، وإبراهيم خليله، ومحمد حبيبه وخاتم رسله وصاحب الإسراء والمعراج، ولا تعجبوا من إعطائه القرآن فداود أعطيناه الزبور وفيه أن محمدا خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [سورة الأنبياء آية ١٠٥] . مناقشة المشركين في عقائدهم [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٦ الى ٦٠] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (٥٩) وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠)

стр. 1297

المفردات: تَحْوِيلًا المراد: تحويله من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان الْوَسِيلَةَ القربى بالطاعة والعبادة مَحْذُوراً مخوفا أَحاطَ المراد أنهم في قبضته وتحت قدرته. وهذا رد على من عبد غير الله- من العقلاء كالملائكة وعيسى وعزير ومناقشة لهم في عقائدهم. المعنى: قل لهؤلاء المشركين الذين يعبدون من دون الله شركاء، وزعموا أنهم آلهة من دونه قل لهم: ادعو الذين زعمتم أنهم من دون الله شركاء فهل يجيبونكم؟ إنهم لا يستجيبون فهم لا يملكون كشف الضر عنكم، ولا تحويله من مكان إلى مكان، بل لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، أولئك الذين عبدتموهم من دون الله كعزير والمسيح يدعون ربهم يبتغون الوسيلة إليه والقربى منه بالطاعة، ويخصونه بالعبادات وهم أقرب إلى الله وأولى به لأنهم عباده الأطهار المخلصون من ملائكة وأنبياء وهم يرجون رحمته، ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورا، إذ هو حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم فكيف أنتم؟! ثم بين- مآل الدنيا وأهلها فقال: وما من قرية كانت من قرى الكفار إلا نحن مهلكوها بالموت أو معذبوها عذابا شديدا يستأصلهم، وهذا الحكم عام ثابت، كان ذلك في الكتاب مسطورا. كان أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحى عنهم جبال مكة فأتاه جبريل فقال. إن شئت كان ما سأله قومك. ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا، وإن شئت استأنيت بهم فأنزل الله هذه الآية وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ. وما منعنا من إرسال الآيات واستجابة طلباتهم التي سألوها إلا تكذيب الأولين فإننا إن أرسلناها وكذب بها هؤلاء عوجلوا، ولم يمهلوا كما هو سنة الله- سبحانه- مع

стр. 1298

الأمم، والمعنى: ما تركنا إرسالها لشيء من الأشياء إلا لتكذيب الأولين فإنهم إن كذبوا بعدها حل بهم ما حل بغيرهم من الأمم السابقة، وقد أراد الله أن يؤخر عذاب من أرسل لهم محمد إلى يوم القيامة، واذكروا أنا آتينا قوم ثمود الناقة كما طلبوا وكذبوا، بعدها عقروها فأخذتهم الصيحة، وجعلنا آية الناقة مبصرة ذات أبصار يدركها الناس، وإنما خصت بالذكر دون غيرها لأن آثار هلاك ثمود قريبة منهم وفي طريقهم، وما نرسل بالآيات إلا تخويفا للناس وإنذارا لهم، فكأن الآية مقدمة لعذاب الاستئصال، وأما أنت يا محمد فثق بالنصر وأن الله معك وناصرك واذكر وقت أن قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس علما وقدرة فهم في قبضته وتحت قدرته، فإلى أين يذهبون! وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، أما الرؤيا التي رآها النبي ﷺ فقيل إنها: بشر الله له بانتصاره على قريش في بدر وغيرها، وأنه سيهزم الجمع، ويولون الدبر، ولذلك كان يقول النبي وهو في العريش مع أبى بكر قبل بدء المعركة: اللهم إنى أسألك عهدك ووعدك، ولعل الله أراه مصارع القوم في منامه فكان يقول، هذا مصرع فلان، وذاك مصرع فلان تسامعت قريش بذلك وبما رأى في منامه فكانوا يضحكون ويسخرون، ويستعجلون العذاب، وحين يقول الله. إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، وأنها في النار قالوا: إن محمدا يزعم أن نار جهنم نار وقودها الناس والحجارة ثم يقول: ينبت فيها الشجر. فهذه الرؤيا بالنصر للنبي، والشجرة الملعونة كانت فتنة للناس بعضهم آمن بهذا وبعضهم كفر. وقيل الرؤيا هي الإسراء وقد كانت فتنة للناس آمن بها البعض وكفر بها البعض وبه تعلق من يقول كان الإسراء في المنام ومن قال إن الإسراء كان في اليقظة، قال هي رؤية بالبصر، وسماها رؤيا بناء على قول المكذبين. ونحن نخوفهم بعذاب الدنيا والآخرة فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا. فكيف يؤمن قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحونه من الآيات.

стр. 1299

أصل الداء [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦١ الى ٦٥] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥) المفردات: أَرَأَيْتَكَ أى: أخبرنى لَأَحْتَنِكَنَّ لأستأصلنهم بالأعوان إلا قليلا يقال: احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا بالحنك موفورا اسْتَفْزِزْ كاملا استخف يقال أفزه واستفزه أزعجه واستخفه وَأَجْلِبْ من الحلبة والصياح أى: صح عليهم، والمراد: أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك غُرُوراً باطلا. المعنى: لما ذكر القرآن الشرك والمشركين وناقشهم وألزمهم الحجة أخذ يبين لهم أصل الداء والسبب الحقيقي لعلهم يتعظون وهو أن إبليس اللعين أخذ على عاتقه إغواءهم والوسوسة

стр. 1300

لهم مع بيان موقفه من آدم أبى البشر، ولقد ذكرت هذه القصة في القرآن سبع مرات بأشكال مختلفة. وصور متباينة تتناسب مع الغرض العام في السورة والغرض الخاص المناسب للسابق واللاحق من الآيات. لهذا سنختصر في سردها. وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجودا رمزيا للامتثال ولإظهار المحبة ومكانة بنى آدم لا سجود عبادة وخضوع فسجدوا جميعا إلا إبليس أبى واستكبر وقال: أأسجد لمن خلقته من طين، وأنا خلقت من نار فأنا خير منه فكيف أسجد له. قال: أخبرنى عن هذا الذي فضلته على! لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين! تالله لئن أخرتنى إلى يوم القيامة لأستولين عليهم بالإغواء والإضلال جميعا إلا قليلا منهم، وهم عبادك المخلصون. قال الله له: اذهب فامض لشأنك الذي أخذته لنفسك فمن تبعك منهم وأطاعك فإن جهنم مأواكم وجزاؤكم جميعا أنت ومن اتبعك جزاء موفورا. واستفزز من استطعت منهم بصوتك واستخفه وادعه بكل ما تستطيع من قوة وإغراء، وأجمع عليهم خيلك وفرسانك، ورجالك، وهذا تمثيل، والمراد أجمع لهم مكايدك وما تقدر عليه، ولا تدخر وسعا في إغوائهم، وشاركهم في الأموال حتى يتصرفوا بما يخالف وجه الشرع من سرقة وغصب إلى غش وخديعة، أو أخذ بالربا، وشاركهم في الأولاد عن طريق الزنى، وتسميتهم بأسماء غير شرعية، وعدم احترام الحقوق الشرعية في الزواج والطلاق والرضا وغيره وعدهم بكل ما تعد به من زخرف القول وباطله. وما يعدهم الشيطان إلا غرورا باطلا، وتزيينا كاذبا، وإظهارا للباطل في صورة الحق. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا قوة إلا من اتبعك، وكفى بربك وكيلا يتوكلون عليه فهو الذي يدفع عنهم كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه. ومن هنا نعلم أن الناس صنفان: صنف مؤمن تقى إذا مسه الشيطان تذكر نفسه وما حمل من أمانة، وما عليه من حساب، واستعاذ بالله فإذا هو مبصر محاسب نفسه وهؤلاء هم العباد الذين ليس للشيطان عليهم سبيل. والصنف الثاني: هو العاصي الذي يتولاه الشيطان، ويستولى عليه مستعينا بالمال والدنيا والنفس الأمارة بالسوء.
следующие страницы →