← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ونحن أعلم بخلقنا فموسى كليم الله، وعيسى كلمته وروح من عنده، وإبراهيم خليله، ومحمد حبيبه وخاتم رسله وصاحب الإسراء والمعراج، ولا تعجبوا من إعطائه القرآن فداود أعطيناه الزبور وفيه أن محمدا خاتم الأنبياء وأن أمته خير الأمم وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [سورة الأنبياء آية ١٠٥] . مناقشة المشركين في عقائدهم [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٥٦ الى ٦٠] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً (٥٧) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً (٥٩) وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبِيراً (٦٠)

стр. 1297

المفردات: تَحْوِيلًا المراد: تحويله من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان الْوَسِيلَةَ القربى بالطاعة والعبادة مَحْذُوراً مخوفا أَحاطَ المراد أنهم في قبضته وتحت قدرته. وهذا رد على من عبد غير الله- من العقلاء كالملائكة وعيسى وعزير ومناقشة لهم في عقائدهم. المعنى: قل لهؤلاء المشركين الذين يعبدون من دون الله شركاء، وزعموا أنهم آلهة من دونه قل لهم: ادعو الذين زعمتم أنهم من دون الله شركاء فهل يجيبونكم؟ إنهم لا يستجيبون فهم لا يملكون كشف الضر عنكم، ولا تحويله من مكان إلى مكان، بل لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، أولئك الذين عبدتموهم من دون الله كعزير والمسيح يدعون ربهم يبتغون الوسيلة إليه والقربى منه بالطاعة، ويخصونه بالعبادات وهم أقرب إلى الله وأولى به لأنهم عباده الأطهار المخلصون من ملائكة وأنبياء وهم يرجون رحمته، ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورا، إذ هو حقيق بأن يحذره العباد من الملائكة والأنبياء وغيرهم فكيف أنتم؟! ثم بين- مآل الدنيا وأهلها فقال: وما من قرية كانت من قرى الكفار إلا نحن مهلكوها بالموت أو معذبوها عذابا شديدا يستأصلهم، وهذا الحكم عام ثابت، كان ذلك في الكتاب مسطورا. كان أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحى عنهم جبال مكة فأتاه جبريل فقال. إن شئت كان ما سأله قومك. ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا، وإن شئت استأنيت بهم فأنزل الله هذه الآية وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ. وما منعنا من إرسال الآيات واستجابة طلباتهم التي سألوها إلا تكذيب الأولين فإننا إن أرسلناها وكذب بها هؤلاء عوجلوا، ولم يمهلوا كما هو سنة الله- سبحانه- مع

стр. 1298

الأمم، والمعنى: ما تركنا إرسالها لشيء من الأشياء إلا لتكذيب الأولين فإنهم إن كذبوا بعدها حل بهم ما حل بغيرهم من الأمم السابقة، وقد أراد الله أن يؤخر عذاب من أرسل لهم محمد إلى يوم القيامة، واذكروا أنا آتينا قوم ثمود الناقة كما طلبوا وكذبوا، بعدها عقروها فأخذتهم الصيحة، وجعلنا آية الناقة مبصرة ذات أبصار يدركها الناس، وإنما خصت بالذكر دون غيرها لأن آثار هلاك ثمود قريبة منهم وفي طريقهم، وما نرسل بالآيات إلا تخويفا للناس وإنذارا لهم، فكأن الآية مقدمة لعذاب الاستئصال، وأما أنت يا محمد فثق بالنصر وأن الله معك وناصرك واذكر وقت أن قلنا لك: إن ربك أحاط بالناس علما وقدرة فهم في قبضته وتحت قدرته، فإلى أين يذهبون! وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس، أما الرؤيا التي رآها النبي ﷺ فقيل إنها: بشر الله له بانتصاره على قريش في بدر وغيرها، وأنه سيهزم الجمع، ويولون الدبر، ولذلك كان يقول النبي وهو في العريش مع أبى بكر قبل بدء المعركة: اللهم إنى أسألك عهدك ووعدك، ولعل الله أراه مصارع القوم في منامه فكان يقول، هذا مصرع فلان، وذاك مصرع فلان تسامعت قريش بذلك وبما رأى في منامه فكانوا يضحكون ويسخرون، ويستعجلون العذاب، وحين يقول الله. إن شجرة الزقوم طعام الأثيم، وأنها في النار قالوا: إن محمدا يزعم أن نار جهنم نار وقودها الناس والحجارة ثم يقول: ينبت فيها الشجر. فهذه الرؤيا بالنصر للنبي، والشجرة الملعونة كانت فتنة للناس بعضهم آمن بهذا وبعضهم كفر. وقيل الرؤيا هي الإسراء وقد كانت فتنة للناس آمن بها البعض وكفر بها البعض وبه تعلق من يقول كان الإسراء في المنام ومن قال إن الإسراء كان في اليقظة، قال هي رؤية بالبصر، وسماها رؤيا بناء على قول المكذبين. ونحن نخوفهم بعذاب الدنيا والآخرة فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا. فكيف يؤمن قوم هذه حالهم بإرسال ما يقترحونه من الآيات.

стр. 1299

أصل الداء [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦١ الى ٦٥] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (٦٤) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً (٦٥) المفردات: أَرَأَيْتَكَ أى: أخبرنى لَأَحْتَنِكَنَّ لأستأصلنهم بالأعوان إلا قليلا يقال: احتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلا بالحنك موفورا اسْتَفْزِزْ كاملا استخف يقال أفزه واستفزه أزعجه واستخفه وَأَجْلِبْ من الحلبة والصياح أى: صح عليهم، والمراد: أجمع عليهم كل ما تقدر عليه من مكايدك غُرُوراً باطلا. المعنى: لما ذكر القرآن الشرك والمشركين وناقشهم وألزمهم الحجة أخذ يبين لهم أصل الداء والسبب الحقيقي لعلهم يتعظون وهو أن إبليس اللعين أخذ على عاتقه إغواءهم والوسوسة

стр. 1300

لهم مع بيان موقفه من آدم أبى البشر، ولقد ذكرت هذه القصة في القرآن سبع مرات بأشكال مختلفة. وصور متباينة تتناسب مع الغرض العام في السورة والغرض الخاص المناسب للسابق واللاحق من الآيات. لهذا سنختصر في سردها. وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجودا رمزيا للامتثال ولإظهار المحبة ومكانة بنى آدم لا سجود عبادة وخضوع فسجدوا جميعا إلا إبليس أبى واستكبر وقال: أأسجد لمن خلقته من طين، وأنا خلقت من نار فأنا خير منه فكيف أسجد له. قال: أخبرنى عن هذا الذي فضلته على! لم فضلته وقد خلقتني من نار وخلقته من طين! تالله لئن أخرتنى إلى يوم القيامة لأستولين عليهم بالإغواء والإضلال جميعا إلا قليلا منهم، وهم عبادك المخلصون. قال الله له: اذهب فامض لشأنك الذي أخذته لنفسك فمن تبعك منهم وأطاعك فإن جهنم مأواكم وجزاؤكم جميعا أنت ومن اتبعك جزاء موفورا. واستفزز من استطعت منهم بصوتك واستخفه وادعه بكل ما تستطيع من قوة وإغراء، وأجمع عليهم خيلك وفرسانك، ورجالك، وهذا تمثيل، والمراد أجمع لهم مكايدك وما تقدر عليه، ولا تدخر وسعا في إغوائهم، وشاركهم في الأموال حتى يتصرفوا بما يخالف وجه الشرع من سرقة وغصب إلى غش وخديعة، أو أخذ بالربا، وشاركهم في الأولاد عن طريق الزنى، وتسميتهم بأسماء غير شرعية، وعدم احترام الحقوق الشرعية في الزواج والطلاق والرضا وغيره وعدهم بكل ما تعد به من زخرف القول وباطله. وما يعدهم الشيطان إلا غرورا باطلا، وتزيينا كاذبا، وإظهارا للباطل في صورة الحق. إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ولا قوة إلا من اتبعك، وكفى بربك وكيلا يتوكلون عليه فهو الذي يدفع عنهم كيد الشيطان ويعصمهم من إغوائه. ومن هنا نعلم أن الناس صنفان: صنف مؤمن تقى إذا مسه الشيطان تذكر نفسه وما حمل من أمانة، وما عليه من حساب، واستعاذ بالله فإذا هو مبصر محاسب نفسه وهؤلاء هم العباد الذين ليس للشيطان عليهم سبيل. والصنف الثاني: هو العاصي الذي يتولاه الشيطان، ويستولى عليه مستعينا بالمال والدنيا والنفس الأمارة بالسوء.

стр. 1301

من نعم الله علينا [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٦٦ الى ٧٠] رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعاً (٦٩) وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً (٧٠) المفردات: يُزْجِي يسوق ويدفع والمراد يسير الضُّرُّ أى: الشدة وخوف الغرق يَخْسِفَ الخسف أن تنهار الأرض بالشيء حاصِباً المراد ريح شديدة حاصبة وهي التي ترمى بالحصى الصغيرة قاصِفاً مِنَ الرِّيحِ القاصف هي الريح الشديدة التي تكسر كل ما يصادفها أو هي الريح الشديدة الصوت تَبِيعاً أى: تابعا ثائرا يطالبنا بما فعلنا. وهذا بيان لكمال قدرته، وتذكير ببعض النعم حملا لنا على الإيمان الكامل به.

стр. 1302

المعنى: ربكم الذي يستحق وحده العبادة هو الذي يسير لكم السفن في البحر، ويدفعها بقوة الريح وتيار الماء أو قوة البخار، يسير الفلك تمخر عباب الماء حاملة الناس والتجارة لتبتغوا من فضل الله ورزقه، إنه كان بكم رحيما منعما بدقائق النعم وجليلها. وأنتم أيها الكافرون المشركون أمركم عجيب، إذا مسكم الضر، واضطرب بكم البحر وعدا على سفنكم هوج الرياح فانخلع قلبكم من خوف الغرق المحقق، إذا حصل هذا ضل من تدعونه من الآلهة إلا الله، وذهب عن خاطركم، ولم يدر بخلدكم ذكر واحد منهم فإنكم لا تذكرون سواه، وقيل المعنى: ضل ولم يهتد لإنقاذكم أحد غيره من سائر المدعوين. فلما نجاكم إلى ساحل السلامة واستجاب دعاءكم أعرضتم وكفرتم وصرتم تدعون غيره يا عجبا لكم!! في الشدة تذكرونه وحده، وفي غيرها تدعون معه غيره، ولا غرابة فخلق الإنسان كفورا بربه جحود النعمة، وهذا يتحقق في أكثر الأفراد. ها أنتم أولاء نجوتم الآن وكشف عنكم ربكم الضر الذي أصابكم، ولكن أنجوتم فآمنتم أن يخسف بكم جانب البر فحملكم ذلك الأمان الصادر عن الغرور الكاذب على الإعراض والكفر. نعم أمر المشركين عجيب يتضرعون إلى الله في البحر فإذا نجاهم منه أعرضوا وكفروا، ألم يعلموا بأن الله قادر على أن يخسف بهم البر، ويدك عليهم جانبه فيصبحوا أثرا بعد عين؟. أفأمنتم وقد نجاكم من البحر وصرتم في البر أن يرسل عليكم ريحا حاصبا تصيبكم بالحصباء؟ فأنتم تحت قبضته في كل مكان في البر والبحر، وإن لم يصبكم من أسفل أصابكم إن أراد من فوقكم قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [سورة الأنعام آية ٦٥] لا تجدون لكم وكيلا يدافع عنكم. بل أأنتم وقد نجوتم الآن من البحر أن يعيدكم فيه تارة أخرى؟، بأن يهيئ لكم أسباب ركوبه مرة ثانية فيرسل عليكم وأنتم في السفن من الريح شديد فتكسر كل ما

стр. 1303

يقابلها فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم بسبب هذا تبيعا علينا يطلب الثأر منا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها. وَلا يَخافُ عُقْباها [الشمس ١٤ و ١٥] وهذا تهديد شديد لا يصح إلا ممن رفع السماء فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . ولقد كرمنا بنى آدم بالعقل والتفكير فسخرنا له كل شيء في الكون كالماء والهواء والأثير، وكرمه بأن خلق له كل ما في السموات والأرض وكرمه في خلقه السوى وقامته المرفوعة، وكرمه بالتكليف وإرسال الرسل- عليهم الصلاة والسلام- خاصة محمدا ﷺ . وها هي ذي بعض أنواع التكريم فقد حمله ربه في البر على الدابة والسيارة والدراجة والقطار وفي البحر على السفن، وفي الجو بالطائرة والقلاع الجوية. وإنما لم تذكر لأنه كان يخاطب العرب الذين لا يمكنهم تصور هذا، ورزقناهم من الطيبات في المأكل والملبس، وفضلنا بنى آدم على كثير ممن خلقنا تفضيلا الله أعلم به. وهنا بحث العلماء بحوثا كثيرة في تفضيل بنى آدم على الملائكة واختلفوا اختلافا كثيرا، وليس في الآية دليل لواحد منهم. بعض مشاهد يوم القيامة [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧١ الى ٧٧] يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٧٢) وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً (٧٥) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً (٧٧)

стр. 1304

المفردات: بِإِمامِهِمْ المراد من يتقدمهم وينسبون إليه، وقيل كتاب أعمالهم فَتِيلًا مقدار الخيط الذي في شق النواة الطولى تَرْكَنُ تميل إليهم ضِعْفَ الْحَياةِ المراد ضعف عذاب غيرك في الدنيا خِلافَكَ بعدك. المعنى: اذكروا أيها الناس يوم ندعو كل جماعة بإمامهم وقائدهم فيقال مثلا يا أمة موسى يا أمة عيسى. يا أمة محمد، يا أمة فرعون: يا أمة نمرود، ويا أتباع فلان وفلان من رؤساء الكفر وزعماء الشرك. وقيل المعنى يقال لهم: يا أهل التوراة، ويا أهل الإنجيل، ويا أهل القرآن ماذا عملتم في كتابكم؟! وقيل المراد بإمامهم: كتاب أعمالهم نظرا إلى قوله تعالى وكل شيء أحصيناه في إمام مبين. فإذا نودي الناس يوم القيامة، فمن أوتى كتابه الذي فيه أعماله بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم فرحين مسرورين قائلين لإخوانهم: هلموا اقرءوا كتابنا، وهم لا يظلمون فتيلا ولا يضيع عليهم مثقال ذرة من أعمالهم. وأما الصنف الثاني: وهو من يؤتى كتابه بشماله، فأولئك يصدمون من هول الموقف ويقفون حيارى، وهؤلاء قد عبر عنهم القرآن بقوله: ومن كان في هذه الدنيا

стр. 1305

أعمى القلب والبصيرة، ولم يهتد إلى طريق الحق والنور فهو في الآخرة أعمى لا يهتدى إلى طريق النجاح والفلاح بل هو في الآخرة أضل سبيلا. وروى أن قبيلة ثقيف وكانت تسكن الطائف قالت للنبي ﷺ : لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب فلا يكون علينا زكاة، ولا جهاد، ولا صلاة، وأن كل ربا علينا فهو موضوع، وكل ربا لنا فهو لنا فإن قالت العرب لم فعلت ذلك؟ فقل: إن الله أمرنى.. وطمع القوم أن يعطيهم النبي ما طلبوا فأنزل الله وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ.. الآية. وإن هموا وقاربوا أن يفتنوك عن الذي أوحى إليك. ويستنزلونك عن طريق الحق الذي ارتضاه لك ربك لتفترى عليه غيره، وتبدل فيه، إنك لو فعلت ذلك بأى صورة لاتخذوك خليلا، ولكنك تخرج من ولاية الله، وتطرد من رحمته. ولولا أن ثبتناك وعصمناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إنك لو فعلت ذلك لأذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الموت. وفي قوله- سبحانه-: كدت، شيئا قليلا، ثم مضاعفة العذاب في الدنيا والآخرة دليل على أن جرم العظيم عظيم. وفيها إشارة إلى أن التهاون في شأن الدين وأحكامه خطر وأى خطر!!! وعليه عذاب مضاعف في الدنيا والآخرة، فيا ويلنا مادمنا نتهاون في شأن الدين وحكمه. وعلى المؤمنين جميعا إذا قرءوا هذه الآيات أن يملؤوا قلوبهم خشية وخوفا وتصلبا في دين الله ولقد صدق رسول الله في قوله: «اللهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» . وإن كاد أهل مكة ليزعجونك بعداوتهم، ويستفزونك من أرضها ليخرجوك منها، إنهم إن فعلوا ذلك وأخرجوك كرها لا يبقون بعدك إلا قليلا. وقيل: نزلت في يهود المدينة حينما قالوا للنبي ﷺ حسدا وزورا، يا أبا القاسم إن الأنبياء إنما بعثوا بالشام فلو خرجت إليها لآمنا بك واتبعناك، وهذا مما يؤيد أن هذه الآيات مدنية. واعلموا أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بلادهم فسنة الله أن يهلكهم ولا تجد لسنته تحويلا وخروج النبي ﷺ من مكة كان بأمر الله.

стр. 1306

إرشادات ومواعظ [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٧٨ الى ٨٥] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥) المفردات: لِدُلُوكِ الشَّمْسِ المراد: من زوال الشمس عن كبد السماء، وقيل: إنه غروبها إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وغسق الليل: اجتماع الظلمة وسواد الليل فَتَهَجَّدْ الهجود: النوم بالليل، والتهجد: ترك الهجود كالتأثم والتحرج في ترك الإثم والحرج نافِلَةً لَكَ النافلة: الزيادة ومنه النوافل للسنن الزائدة عن الواجب وَزَهَقَ

стр. 1307

الْباطِلُ بطل واضمحل وَنَأى بِجانِبِهِ النأى: البعد. والمراد لوى عنه عطفه، أى: جانبه وولاه ظهره، وهو تأكيد للإعراض شاكِلَتِهِ طريقته. تقدم ذكر المعاد والجزاء وبعض الإلهيات، وهنا ذكر أشرف الطاعات وهي الصلاة وبعض التعليمات الإلهية مع بيان شرف القرآن وسمو الروح، وهذا هو العلاج لثبات المسلم على الطريق الحق. المعنى: يا أيها النبي أقم الصلاة، وأت بها مقومة تامة الأركان مستوفية الشروط والآداب فهي عماد الدين، وصلة العبد بخالقه. والأمر للنبي ﷺ أمر لأمته، وإنما خص به لمكانة المأمور بها وهي الصلاة. أقم الصلاة من دلوك الشمس- وهو زوالها عن كبد السماء- إلى غسق الليل واجتماع الظلمة ولعل السر في التعبير باللام بدل من قوله دلوك: الإشارة إلى أن الوقت سبب في إقامة الصلاة، وشرط فيها. وأقم قرآن الفجر والمراد صلاة الصبح، إن قرآن الفجر كان مشهودا من الملائكة حرس الليل وحرس النهار، ومن يوفق لصلاة الفجر، والتعبد في السحر والتهجد في الليل يدرك السر ويشعر بأنها صلاة مشهودة، ودرجة مرفوعة، وفقنا الله لها. وبعض الليل فتهجد بالقرآن والصلاة نافلة زائدة عن الفرائض المطلوبة، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا. وعسى من الكريم إطماع محقق الوقوع، والمقام المحمود والمكان المرموق والمركز المعلوم المعد للنبي ﷺ مقام الشفاعة التي يتخلى عنها كل نبي ورسول، قائلا للخلق: عنى عنى اذهبوا إلى غيرى. ويقول الرسول ﷺ أنا لها: فيشفع للخلق جميعا حين يضيق بهم الأمر. وتدنو الشمس من الرءوس، ويتمنون الانصراف ولو إلى النار، وقيل المقام المحمود غير ذلك. وقل يا محمد: رب أدخلنى مدخل صدق الذي وعدتني به، وأخرجنى مخرج صدق وإضافة المدخل والمخرج إلى الصدق لأجل المبالغة، والآية تشمل كل مدخل للنبي وكل

стр. 1308

مخرج، كدخوله المدينة، وخروجه من مكة مثلا، واجعل لي في هذا سلطانا وحجة قوية. وقل يا محمد: جاء الحق وزهق الباطل وقد قالها النبي ﷺ حين كسر الأصنام وهو يفتح مكة. والمراد بالحق: الإسلام أو كل ما هو حق. والمراد بالباطل: الشرك أو كل متناف مع الحق، إن الباطل شأنه الزهوق، وعدم الثبات. واعلموا أن القرآن هدى وشفاء لما في الصدور ورحمة وخير للمؤمنين. وهو الوسيلة إلى الله والدواء والعلاج من كل داء فالله يقول: وننزل من القرآن ما هو شفاء من كل داء نفسي ورسمي وشفاء من كل مرض، وعلاج للأمة والفرد ورحمة للمؤمنين وقد كان رحمة وأى رحمة فهو الذي أخرج العرب الجاهلين الحفاة العراة إلى أمة ذات علم وحضارة وعز وسلطان، قهرت الأكاسرة والقياصرة، فهو الرحمة للناس جميعا خاصة المؤمنين وهو السبيل لاكتساب الدين والدنيا. هذا مع المؤمن الذي يتوجه إليه بقلب خال من الكبر والحسد والبغضاء وحب الرياسة أما مع هذه الأمراض فلا يزيد الظالمين أصحابها إلا خسارا وعتوا واستكبارا. وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض عن ذكر الله متكبرا.؟ ونأى بجانبه وولى ظهره، وتلك عادة المتكبرين، وإذا مسه الشر من فقر أو مرض كان شديد اليأس قانطا من رحمة الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. قل كل يعمل على شاكلته وطريقته التي جبل عليها فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا، وأقوم طريقا وهو يجازى كلا على قدر عمله وإخلاصه.. ولقد كانت اليهود تكثر من سؤال النبي ﷺ عن الروح وحقيقتها، الروح التي بها يحيا الجسم ويتحرك. والقرآن يرشدهم إلى ما هو خير لهم وأجدى عليهم فليس هو كتاب علم تحدد فيه الحقائق العلمية الدقيقة، وإنما هو كتاب هداية وإرشاد يبحث الأشياء بحثا يتفق مع المصلحة الدينية العامة، على أن حقيقة الضوء والظلام والكهرباء لم تعرف إلى الآن، وإنما عرفناها بآثارها وشواهدها.

стр. 1309

ولذلك يقول الله آمرا نبيه قل يا محمد: الروح من أمر ربي وشأنه، ومما استأثر الله بعلمه، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا بالنسبة إلى علوم الله. وقيل المعنى: إن الروح من أمره أى: جزء منه- لا يعرف تحديدها إلا هو ألا ترى إلى قوله تعالى: وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [سورة الحجر آية ٢٩] وقوله: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً [سورة الفجر الآيتان ٢٧ و ٢٨] على أن بحث حقيقة الروح لا يفيدنا في شيء أبدا. القرآن هو المعجزة الباقية [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٦ الى ٩٣] وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٨٩) وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣)

стр. 1310

المفردات: ظَهِيراً معينا. فَتُفَجِّرَ تجريها بقوة. يَنْبُوعاً الينبوع العين التي لا تنضب. كِسَفاً جمع كسفة وهي القطعة من الشيء. قَبِيلًا معاينة ومقابلة. مِنْ زُخْرُفٍ من زينة والمراد من ذهب. المعنى: لقد أوتينا من العلم قليلا، ولو شاء ربك لذهب بهذا القليل فعدنا إلى ظلام الجهل، وحماقة الجاهلية فمصدر العلم في كل ناحية هو القرآن الذي أوحى إليك، ولئن شاء ربك لأذهبه، ومحاه من الصدور والمصاحف، فلم يترك له أثرا، وبقيت كما كنت من قبل لا تدرى ما الكتاب ولا الإيمان. ثم لا تجد لك بعد الذهاب به من يتوكل علينا باسترداده وإعادته محفوظا إلا برحمة ربك فيرده عليك، فرحمة ربك مصدر الخير كله، وهذا امتنان من الله ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة العظيمة في تنزيله، إن فضله كان عليك كبيرا. ومن الحقائق المعروفة أن العلوم التي نشأت عند المسلمين، والحضارة العلمية في الشرق كله من نبع القرآن وفيضه، فعلوم اللغة والشريعة وأصول الفقه وعلوم القرآن نشأت للمحافظة على القرآن الكريم، وكان لهذا أثر عميق في الاتجاه العلمي العام. هذا القرآن وهو المعجزة، والحجة الدائمة التي تحدى بها الله العرب كلها فعجزوا على الإتيان بمثله، وهم أهل فصاحة وبلاغة، والنبي واحد منهم وهو أمى لم يقرأ ولم يكتب، وفيهم الشعراء والخطباء، وقادة البلاغة والبيان فحيث عجزوا فغيرهم من باب أولى، تحداهم به بأسلوب لاذع، مع الحكم عليهم بالعجز والقصور ولو اجتمع الإنس والجن، وتعاون الكل وبذلوا النفس والنفيس.

стр. 1311

ولقد ثبت بما لا يقبل الشك عجزهم فثبت أن القرآن هو المعجزة الباقية وأنه من عند الله. ولقد صرف الله للناس في هذا القرآن، وقلب فيه الأمور كلها على وجوهها بألوان شتى وعبادات مختلفة تارة بالإيجاز وأخرى بالإطناب موفيا الغرض من أمر ونهى، ووعظ وإرشاد وقصص وأخبار، وحكم وتشريع ومع هذا يأبى أكثر الناس إلا كفورا وجحودا. لم يقنعوا بالقرآن معجزة وهم أدرى الناس بحقيقتها لأنها أتت فيما برعوا فيه، وطلبوا معجزة غيرها. ولو جاءت كما طلبوا لقالوا: إنما سحرت أبصارنا وسكرت. وقالوا: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض عيونا تفيض بالماء فإننا في صحراء مجدبة قاحلة، أو تكون لك أنت- إن لم تأت بعيون لنا- جنة من نخيل وأعناب وغيرهما فتجرى فيها الأنهار بقوة حتى يتم زرعها وتؤتى ثمرها كاملا، أو تسقط السماء علينا قطعا كما زعمت إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ [سورة سبأ آية ٩] . أو تأتى بالله والملائكة معاينة لنا ومتقابلين معنا فيحدثونا بأنك رسول من عند الله أو يكون لك بيت من زخرف من ذهب فإنا عرفناك يتيما فقيرا. ألم يكن عند الله إلا يتيم أبى طالب يجعله رسولا! أو تعرج إلى السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا من السماء كتابا نقرؤه يفيد أنك رسول من عند الله. قل لهم متعجبا منزها الله، سبحان ربي!! هل كنت إلا بشرا رسولا فقط، ولست أقدر على إجابة طلبكم، والله- سبحانه- هو القادر وقد أيدنى بمعجزة القرآن، وهي المعجزة الباقية الخالدة. شبهتهم في الرسالة والرد عليها [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٤ الى ١٠٠] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥) قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠)

стр. 1312

المفردات: خَبَتْ سكن لهبها. سَعِيراً نارا ملتهبة شديدة. وَرُفاتاً تقدم شرحها قَتُوراً بخيلا ممسكا. المعنى: من الناس من ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة

стр. 1313

فهم لا يطيقون أبدا الإقرار بأن الله يرسل رسولا من البشر ويقولون إذا كان ولا بد من رسول فليكن من الملائكة، ولقد زاد عنادهم وكفرهم أن الرسول محمدا ﷺ يتيم من فقراء قريش!! لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف ٣١] . نعم ما منعهم من الإيمان بالله ورسوله وقت أن جاءهم الهدى الذي يخرجهم من الظلمات والجهالات إلى نور الحق والعرفان، ما منعهم من ذلك إلا اعتقادهم أن الرسول لا يكون بشرا حيث قالوا منكرين: أبعث الله بشرا رسولا؟ فليس طلبهم الآيات السابقة إلا عنادا وتكذيبا، فلا تظن أن إجابتهم خير أبدا. قل لهم لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين ساكتين يعيشون مع الناس ويتفاهمون معهم ويتلون عليهم آيات الله، وتعرف الناس أخبارهم وأحوالهم قبل النبوة لو كان في طبيعة الملك ذلك لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا، إذ لا يعقل أن يدين الإنسان لمن لا يعرف عنه شيئا، ومن ليس بينه اتصال وألفة حتى يتم التفاهم ولقد صدق الله حيث يقول في سورة الأنعام وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ. وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [سورة الأنعام الآيتان ٨ و ٩] . قل لهم: كفى بالله شهيدا وحكما بيني وبينكم فإن كنت أتقول عليه ما يلبسون وأفترى عليه الكذب فيجازينى على ذلك وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الأنعام ٢١] . وإن كنتم تكفرون بالله الذي خلقكم. ولا تؤمنون برسوله الذي أرسل لكم، ومعه المعجزة الباقية الخالدة التي تقول بلسان الحال: صدق عبدى في كل ما يبلغه عنى: فسيحاسبكم ربكم على ذلك ويجازيكم أشد الجزاء إنه بعباده خبير بصير. وأنت يا محمد فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وأعلم أنه من يهديه الله إلى الخير فهو المهدى الموفق لأن نفسه ميالة إلى ذلك، ومن يضلله الله فلن تجد له أولياء من دون الله يتولون أمره ويدافعون عنه، وهم يوم القيامة محشرون يمشون على وجوههم. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ «١» والذي أقدرهم على المشي على الأرجل يقدرهم على المشي على وجوههم مرغمين، نحشرهم عميا لا يرون ما ينفع وبكما

стр. 1314

لا يتكلمون بما يفيدهم، ولا يسمعون ما يلذ لهم وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا مأواهم جهنم التي وقودها الناس والحجارة كلما أكلت جلودهم ولحومهم وعظامهم وأفنتها وسكن لهيبها بدلوا جلودا ولحما وعظما غيرها فرجعت ملتهبة شديدة الالتهاب، وكانوا يستبعدون إعادة الحياة بعد الممات فكان جزاؤهم النار أن تعاد أجسامهم مرة ثانية ليذوقوا ويعرفوا قدرة الملك الجبار. ذلك جزاءهم بسبب كفرهم، وقولهم: أإذا كنا عظاما نخرة وصار جسمنا رفاتا ترابا تعود إلينا الحياة؟ ونبعث من جديد لنحاسب على أعمالنا إن هذا لعجيب. يا عجبا لهم!! أعموا ولم يروا أن الله خلقهم وخلق السموات وما فيها، والأرضين وما فيها من العجائب قادر على أن يخلق مثلهم أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ [سورة النازعات الآية ٢٧] . وقد جعل لهم أجلا لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون، ومع هذا كله فقد أبى الظالمون إلا كفورا وجحودا، وإنكارا للبعث. قل لهم: لو تملكون خزائن رحمة الله الرحمن الرحيم لبخلتم بها، وأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا بخيلا. ولو سئل الناس التراب لأوشكوا ... إذا قيل هاتوا أن يملوا ويمنعوا فما بالكم تطلبون آيات بعد هذه الآيات! وأنتم لا تقومون بواجب الشكر لله الذي أنعم عليكم بكافة النعم إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [سورة العاديات آية ٦] . تسلية للنبي ﷺ [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٩] وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩)

стр. 1315

المفردات: مَسْحُوراً سحرت فاختل عقلك. بَصائِرَ المراد بينات مكشوفات. مَثْبُوراً هالكا، وقيل مصروفا عن الخير ممنوعا منه. يَسْتَفِزَّهُمْ يستخفهم ويخرجهم. لَفِيفاً مجتمعين مختلطين. فَرَقْناهُ المراد جعلنا نزوله مفرقا منجما. يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يسقطون على وجوههم خضوعا لله. روى ابن عباس- رضى الله عنهما- أن الآيات التسع هي العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والحجر، والبحر، والطور الذي نتقه الله على بنى إسرائيل.

стр. 1316

المعنى: ولقد آتينا موسى حين أرسل إلى فرعون وملئه تسع آيات ناطقات بصدقه، وأنه رسول الله إليهم لينقذ بنى إسرائيل من طغيانهم، مع هذا لم يؤمن فرعون وقال: إنى أظنك يا موسى رجلا مسحورا قد سحر عقله واختلط عليه أمره فهو لا يدرى ما يقول. وإن كنت في شك فسل المؤمنين من بنى إسرائيل عن الآيات وقت أن جاءهم بها موسى فسيخبرونك الخبر الحق، ويكون ذلك أقوى حيث تتظاهر الأدلة. ولما أنكر فرعون رسالة موسى مع وجود الآيات التسع- وفي هذه إشارة إلى أن طلب قريش تلك الآيات السابقة وإجابتهم لها ليس يدفعهم إلى الإيمان فهذا فرعون وما عمل- قال موسى له: لقد علمت يا فرعون ما أنزل هذه الآيات إلا رب السموات والأرض حالة كونها بينات وبصائر تهدى الإنسان النظيف الخالي من عمى القلب تهديه إلى الطريق الحق. ولكنك يا فرعون ما أظنك إلا هالكا ممنوعا من الوصول إلى الخير لأن طبعك يأبى عليك ذلك. وكان ما كان من أمر فرعون وموسى مما ذكر في غير هذه السورة. فأراد فرعون بعد هذا أن يخرجهم من أرض مصر مطرودين مبعدين فأغرقه الله هو وجنده، ونجى موسى ومن معه من بنى إسرائيل، وأورثهم أرضهم وديارهم وقال الله لهم: اسكنوا الأرض التي أراد فرعون أن يخرجكم منها وهذا جزاء كل جبار عنيد فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم مختلطين. ثم نعطى كل إنسان جزاءه إن خيرا فخير وإن شرا فشر. ثم عاد القرآن إلى الكلام عن نفسه فيقول: وما أنزلنا هذا القرآن إلا بالحكمة والمصلحة العامة النافعة في الدين والدنيا، وما نزل إلا متلبسا بالحق والخير في الدنيا والآخرة، وما أرسلناك يا محمد إلا بشيرا ونذيرا وعلى الله الثواب والعقاب. وقرآنا فرقناه أى: جعلنا نزله مفرقا منجما تبعا للحوادث والظروف لتقرأه على الناس على مكث وتؤدة ليحفظ في الصدور، وتعيه النفوس، ويفهم فهما عمليا تطبيقيا إذ

стр. 1317

كل آية نزلت في حادثة خاصة يفهم سبب نزولها، ويوقف على سرها، ونزلناه تنزيلا كاملا لا عوج فيه ولا نقص. قل يا محمد: آمنوا به أو لا تؤمنوا، وهذا أمر، بالإعراض عنهم واحتقارهم حتى لا يكترث بهم. وهم إن لم يؤمنوا بالقرآن وهم أهل جاهلية وشرك فإن خيرا منهم وفضل وهم أهل الكتاب والعلماء منهم الذين عرفوا الوحى والنبوة قد آمنوا به وصدقوه فهذا عبد الله بن سلام، وتميم الداري وغيرهم، هؤلاء إذا يتلى عليهم القرآن يخرون سجدا لله تعظيما لأمره ولإنجاز ما وعد في الكتب المنزلة التي بشرت ببعثة النبي ﷺ . ويقولون سبحان ربنا. إن كان وعد ربنا لمفعولا، ويخرون ساجدين على وجوههم في حالة البكاء، ويزيدهم سماع القرآن اطمئنانا في القلب وخشوعا. وهكذا كل مؤمن صادق في إيمانه. بماذا ندعو الله [سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١١٠ الى ١١١] قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١) المعنى: سمع المشركون النبي ﷺ وهو يقول: يا الله يا رحمن، فقالوا: هذا ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهين! فأنزل الله هذه الآيات. قل لهم: ادعوا الله، أو ادعوا الرحمن، أى هذين الاسمين دعوتم وذكرتم فهو حسن، فله الأسماء الحسنى أى: فلله الأسماء الحسنى فإذا حسنت أسماؤه كلها المأثورة حسن هذان الاسمان منها وهما يفيدان التحميد والتقديس والتعظيم.

стр. 1318

ومن الصواب أن نتبع الطريقة المثلى في الدعاء وهي الحد الوسط بين الجهر في الصوت والإسرار والإخفات فيه وخاصة في الصلاة بحيث تصلى فتسمع نفسك ولا تؤذى غيرك، وقيل المعنى: اجهر في صلاة الجهر، واخفت في صلاة الإخفات وهي صلاة الظهر والعصر، وابتغ بين ذلك أى: بين الجهر والسر سبيلا وسطا. وقل: الحمد لله والثناء بالجميل على الفعل الجميل لله- سبحانه- الذي لم يتخذ ولدا فهو ليس محتاجا إليه، واتخاذ الولد من صفات الحوادث وهو منزه عنها، ولم يكن له شريك في الملك لأنه غير محتاج إليه، ولو كان فيهما آلهة غير الله لفسدتا، ولم يكن له ولى من الذل، أى: لم يكن له ناصر من الذل ومانع له منه، ولم يوال أحدا من أجل الذل إذ هو القادر المقتدر الخالق صاحب النعم- ﷻ . وكبره تكبيرا وعظمه تعظيما يتناسب مع جلاله وقدسيته، والله أكبر ولله الحمد.

стр. 1319

سورة الكهف قال القرطبي: وهي مكية في قول جميع المفسرين وقال الكشاف مكية إلا بعض آيات فيها، والرأى الأول هو الصحيح، وعدد آياتها عشر ومائة. وتراها تكلمت عن القرآن الكريم وأثره، ثم ذكرت قصة أصحاب الكهف وما فيها من عبر. وأتبعتها توجيهات نافعة: ثم سبق مثل عملي المغتر بالدنيا والمغرور بها مع تذكير الناس بيوم القيامة وفي خلال ذلك حكم وآيات، وتوجيهات وإنذارات ثم بعد ذلك كانت قصة موسى مع الخضر، وإجابتهم عن الروح وعن ذي القرنين، وما أروع ختام هذه السورة بالكلام على المؤمنين وكلمات الله لا تنفد. [سورة الكهف (١٨) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً (١) قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَداً (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً (٤) ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً (٦) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً (٨)

стр. 1320

المفردات: عِوَجاً العوج والعوج عدم الاستقامة والمراد نفى الاختلاف والتناقض عن ألفاظه ومعانيه. قَيِّماً مستقيما لا ميل فيه أبدا. باخِعٌ نَفْسَكَ البخع: الجهد والإضعاف. أَسَفاً الأسف: شدة الغيظ. صَعِيداً جُرُزاً الصعيد: المستوي من الأرض. والجزر: أرض لا نبات فيها، ومنه قيل سيف جراز، أى: يستأصل المقاتلين. المعنى: الحمد لله والشكر له، والثناء لله- سبحانه- علم الله عباده كيف يحمدونه على نعمه الجليلة، التي تفضل بها عليهم فهو الذي أنزل على عبده وحبيبه سيد الأنبياء وإمامهم وخاتمهم، أنزل عليه القرآن المكتوب في الصحائف، والمسجل في ضمير الزمن، والمحفوظ في القلوب والمنقول إلينا عن طريق التواتر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ولم يجعل له عوجا في لفظه ومعناه، ولم يكن فيه اختلاف في أى ناحية من نواحيه وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً وهو القيم والمستقيم على الحق والعدل، الداعي إلى الخير والهدى، وهو القيم على مصالح العباد في الدنيا والآخرة والقيم على الكتب السابقة والمهيمن عليها. وها هو ذا التفصيل لما أجمل في قوله- تعالى- قَيِّماً لينذر الكفار والعصاة بأسا شديدا وعذابا أليما من لدنه، وليبشر المؤمنين العاملين الصالحات، فكان إيمانهم مصحوبا بالعمل بعيدا عن العجز والكسل يبشرهم بأن لهم أجرا حسنا هو الجنة ماكثين فيها مكثا دائما إلى ما شاء الله، وكرر الإنذار مرة ثانية للتأكيد فقال، ولينذر الذين قالوا: اتخذ الله ولدا كاليهود في عزير، والنصارى في المسيح، وكفار قريش في قولهم: الملائكة بنات الله، ما لهم بالولد واتخاذ الله له علم أصلا ولا لآبائهم كذلك علم به، بل هو محض افتراء واختلاق، على أنه ليس مما يعلم إما للجهل بالطريق الموصل إليه، وإما لأنه في نفسه مجال لا يستقيم تعلق العلم به. كبرت المقالة كلمة تخرج من أفواههم، أى: ما أكبرها كلمة تخرج من أفواههم والمراد بالكلمة قولهم إن الله اتخذ ولدا، وهم ما يقولون إلا كذبا وزورا.

стр. 1321

فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وقد مضى بحث في لعل عند قوله- تعالى- في سورة هود فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ والمعنى: فلعلك قاتلها ومهلكها لأنهم لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا عليهم وحزنا شديدا على شركهم وتوليهم عنك. وفي الكشاف: شبهه وإياهم- حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما تداخله من الوجد، والأسف على توليهم- برجل فارقته أحبته وأعزته فهو يتساقط حسرات على آثارهم ويبخع نفسه وجدا عليهم وتلهفا على فراقهم. إنا جعلنا ما على الأرض من حيوان ونبات وجماد زينة لها والله جعل كل ما عليها زينة لها، ومصلحة لنا هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، وجعل هذا ليبلوكم فيظهر من هو أحسن عملا ممن هو أسوأ عملا، والمراد أن الله يعاملهم معاملة من يختبرهم ليعرف حالهم، والله- سبحانه- بعد هذا جاعل ما عليها من هذه الزينة ترابا لا نبات فيه ولا حياة، إذ هو القادر على كل شيء يحيى الأرض بعد موتها، ويميتها بعد حياتها. قصة أهل الكهف [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٩ الى ٢٦] أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَباً (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣) وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (١٦) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً (١٨) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦)

стр. 1322

المفردات: الْكَهْفِ الغار الواسع في الجبل. الرَّقِيمِ هو اسم كلبهم، وقيل: هو اسم الوادي. فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ المراد أنمناهم نوما ثقيلا بحيث لا يسمعون. أَمَداً أى: غاية. نَبَأَهُمْ خبرهم صاحب الشأن والخطر. شَطَطاً القول الشطط: هو الخارج عن حد المعقول المفرط في الظلم. مِرفَقاً المرفق ما يرفق به وينتفع. تَتَزاوَرُ أصله تتزاور أى: تتمايل مأخوذ من الزور أى: الميل وشهادة الزور فيها ميل عن الحق. تَقْرِضُهُمْ أى: تقطعهم ولا تقربهم ومنها القطيعة. فَجْوَةٍ مِنْهُ أى: متسع من الكهف. بِالْوَصِيدِ بالفناء وهو موضع الباب من الكهف. بِوَرِقِكُمْ الورق الفضة مضروبة للنقد أو غير مضروبة أى: معدة للنقد أو غير معدة. فَلا تُمارِ فِيهِمْ أى لا تجادل أهل الكتاب في شأنهم. المعنى: سأل القوم رسول الله ﷺ عن قصة أصحاب الكهف متعجبين ممتحنين، وسألوه عن الروح، وعن ذي القرنين، فقال الله مجيبا عن أصحاب الكهف. أحسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا آية عجبا من بين آياتنا؟! لا تظن ذلك، فآياتنا كلها عجيبة وغريبة، فإن من يقدر على جعل كل ما على الأرض زينة لهم ينتفعون به ثم يجعله ترابا بين عشية أو ضحاها كأن لم تغن بالأمس قادر على كل شيء كالبعث وغيره فلا تستبعد أن يحفظ بقدرته طائفة من الناس زمانا معلوما، وإن كانت قصتهم خارقة للعادة، فإن آيات الله- سبحانه- دائما كذلك. واذكر وقت أن صار الفتية إلى الكهف وجعله مأوى لهم، فقالوا متجهين إلى الله وحده: ربنا آتنا من عندك رحمة واسعة، وانشر علينا من ظلال فضلك ما تغمرنا، وهيئ لنا من أمرنا الذي فارقنا عليه الكفار ما به تكون المصلحة لنا ونكون راشدين غير ضالين. وهكذا حال المؤمنين الموفقين حينما تشتد عليهم الأمور وتتحزب يكون الله هو الملجأ الوحيد يطلبون منه العون والمدد، ويسألونه الهدى والرشد.

стр. 1323

وقد شملهم ربك بالعطف فضرب على آذانهم في الكهف سنين معدودة، والمعنى: أنامهم نوما ثقيلا حتى كأنهم وراء حجاب مضروب لا يسمع منه صوت. ثم بعثهم ربك، وأيقظهم من النوم ليظهر معلومه- سبحانه- عن أى الحزبين أحصى للبثهم أمدا وغاية، وقد جعل علمه أى الحزبين أحصى؟ غاية وعلة للبحث إذ سيظهر عجزهم، ويفضون أمرهم، ويحاولون أن يتعرفوا حالهم فيزدادوا يقينا على يقينهم، وهذا لطف بالمؤمنين في زمانهم، وآية بينة للكافرين. وهذه خلاصة للقصة بالإجمال وهاك التفصيل. نحن نقص عليك خبرهم المهم ذا الشأن والخطر، أما حواشى الأخبار وتوافهها فلا يتجه لها القرآن، نقصه قصصا متلبسا بالحق لا زور فيه ولا بهتان ومن أصدق من الله حديثا؟ إنهم فتية آمنوا بربهم إيمانا صادقا خاليا من ضروب الشرك وآثامه، وزادهم هدى، وربط على قلوبهم، وقواها حتى لم يعد فيها مكان للشك والنفاق إذ قاموا مجاهرين قائلين، ربنا رب السموات والأرض وما فيهن، لن نعبد من دونه إلها إننا إن عبدنا غيره، وقلنا به لقد قلنا قولا ذا شطط، متجاوزين حدود العقل والدين: هؤلاء قومنا البعيدون في درجات الجهل والحماقة اتخذوا آلهة متجاوزين بها الله فاطر السموات والأرض من غير علم ولا دليل. هلا يأتون على ألوهيتهم بسلطان بين، وحجة ظاهرة! لا حجة لهم أبدا ولكنه الشرك والتقليد الأعمى. فلا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا وزورا باتخاذ الشركاء والآلهة. وإذ اعتزلتموهم يا أهل الكهف، وفارقتموهم في الاعتقاد، واعتزلتم عبادتهم وما عبدتم إلا الله الواحد القهار فأووا إلى الكهف، لتعتزلوهم جسميا بعد فراقهم روحيا، إن تأووا إليه ينشر لكم ربكم من رحمته في الدارين، ويهيئ لكم ويصلح من أمركم الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين مرفقا ترتفقون به، وتنتفعون. هذا حالهم قبل دخولهم في الكهف. أما بعد الدخول فيه فيقول الله:

стр. 1324

وترى يا محمد أو كل واحد يصلح للخطاب الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم وليس المراد الإخبار بوقوع الرؤية تحقيقا بل الإخبار بكون الكهف في مكان بحيث لو رأيته ترى الشمس إذا طلعت تتزاور وتنتحى مائلة عن كهفهم جهة اليمين، وإذا غربت تراها عند الغروب تقرضهم وتبتعد عنهم متجهة جهة الشمال، وهم في فجوة ومتسع من الكهف معرض لإصابته من الشمس، لولا أن صرفتها عنهم القدرة، ذلك من آيات الله العجيبة الدالة على كمال العلم والقدرة. ومن يهديه الله إلى الخير فهو المهتدى حقا الموافق إلى الصالح في الدنيا والآخرة، كأمثال الفتية أصحاب الكهف، ومن يضلل ويسلك سبل الشر فلن تجد له وليا مرشدا يهديه إلى الخير وطرق الصلاح في الدنيا والآخرة كأمثال الكفرة المنكرين للبعث.. وهؤلاء الفتية كنت تراهم في الكهف فتحسبهم أيقاظا لم يبل منهم جسد، ولم تظهر لهم رائحة كريهة كأنهم أحياء نائمون في القيلولة، ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وكلبهم الذي كان معهم باسط ذراعيه بموضع الباب من الكهف، لو اطلعت عليهم وهم بهذا الوضع لوليت منهم وهربت من منظرهم هروبا ولملئت منهم رعبا وفزعا. وكما أنمناهم وحفظنا أجسادهم من البلى- وكان ذلك آية على قدرتنا- بعثناهم من نومهم ليسأل بعضهم بعضا فترتب عليه ظهور الحكم الجليلة التي من أجلها أنامهم الله هذه المدة، ولهذا جعل التساؤل علة للبعث. قال قائل منهم: كم لبثتم في نومكم؟ قال بعضهم. لبثنا يوما أو بعض يوم، قيل إنهم دخلوا الكهف من الصباح واستيقظوا في آخر النهار ولذا قالوا: يوما فلما رأوا الشمس لم تغب قالوا: أو بعض يوم. وقال بعض منهم لما رأوا حالتهم العامة متغيرة: ربكم أعلم بما مكثتم! ولكن امضوا إلى المهم فابعثوا أحدكم بقطعة من الفضة إلى المدينة ليحضر طعاما لنا، وإذا كان كذلك فلينظر أى أهلها أزكى طعاما وأحسن سعرا فليأتنا بشيء نقتات به، وليتلطف في الطلب حتى لا يغبن، ولا يشعرن بكم أحد من المدينة فإنهم إن اطلعوا عليكم يقتلوكم شر قتلة بالرجم أو يعيدوكم في ملتهم وطريقهم الجائر، ولن تفلحوا إذا دخلتم معهم أبدا. وكما أنمناهم في الغار، وبعثناهم أعثرنا وأطلعنا الناس عليهم ليعلموا أن وعد الله حق، وسمى الإعلام إعثارا لأن من كان غافلا عن الشيء فعثر به نظر إليه وعرفه فكان الإعثار سببا في العلم، وفي الإعثار ما يفيد.

стр. 1325

وكذلك أطلعنا الناس عليهم ليعلموا أن وعد الله بالبعث حق. فقد كان هناك من ينكر البعث فأراهم الله هذه الآية تثبيتا للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وليعلموا أن الساعة لا ريب فيها فإن من شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من البعث. أطلعناهم عليهم وقت أن كانوا يتنازعون أمرهم فيما بينهم بين مثبت للبعث ومؤمن به، وبين منكر له وكافر به. ولما اطلعوا عليهم، وظهر أمرهم وعرف الناس أن في قدرة الله أن يحيى الخلق بعد موتهم أماتهم الله فقال بعضهم: ابنوا عليهم بنيانا يمنع الناس عنهم، ربهم أعلم بشأنهم. وقال الذين غلبوا على أمرهم من المؤمنين لنتخذن عليهم مسجدا للصلاة، والذين غلبوا على أمرهم قيل هم المسلمون، أو هم الملك وأعوانه الله أعلم. وقد اختلف المعاصرون للنبي ﷺ في عددهم. فسيقولون هم ثلاثة رابعهم كلبهم ويقول جماعة أخرى: هم خمسة سادسهم كلبهم، وهم في هذا يقذفون بالغيب على غير هدى ظنا منهم. لا يقين معه. ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم، قل يا محمد لهم، ربي أعلم بعددهم ما يعلمه إلا قليل وأكثرهم علم أهل الكتاب على ظن وتخمين. وفي الكشاف: فما هذه الواو الداخلة على الجملة الثالثة (سبعة وثامنهم كلبهم) ولم دخلت عليهم دون الجملتين الأوليين؟ والجواب هي الواو التي تدخل لتأكيد اتصال ما بعدها بما قبلها وللدلالة على أن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم قالوه عن ثبات وعلم وطمأنينة لم يرجموا بالظن كما فعل غيرهم. وأصحاب هذا الرأى مؤمنون قالوه مستندين إلى الوحى بدليل عدم سبكه في سلك الرجم بالغيب وتغير النظم بزيادة الواو. إذا قد عرفت جهل أصحاب الرأيين الأوليين فلا تمار فيهم ولا تجادلهم إلا جدالا ظاهرا لا عمق فيه، ولا تستفت في شأنهم أحدا منهم. ولا تقولن لأجل شيء تعزم على فعله إنى فاعله غدا، لا تقولن ذلك في حال من

стр. 1326

الأحوال إلا في حال ملابسته بمشيئة الله- تعالى- على الوجه المعتاد على معنى سأفعل ذلك غدا إن شاء الله. روى أن الآية نزلت حين قالت اليهود لقريش سلوه عن الروح، وعن أصحاب الكهف وذي القرنين. فقال: ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحى حتى شق عليه وكذبته قريش. واذكر ربك إذا نسيت، اذكره بقلبك ولسانك ذكرا دائما، وتوجه إليه وقل: عسى أن يهديني ربي لأقرب من نبأ أصحاب الكهف. والمعنى: اذكر ربك وقل لعله يؤتينى من البينات والحجج الدالة على صدق نبوتي ما هو أعظم من ذلك وأقرب رشدا من نبأ أصحاب الكهف، وقد فعل ذلك حيث قص عليه قصص الأنبياء. فإذا نسيت شيئا فاذكر ربك عسى أن يهديك لشيء آخر بدل المنسى أو أقرب منه. ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين، وازدادوا تسعا. قل يا محمد: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا والحق ما أخبرك به لا ما يقولونه إذ له وحده غيب السموات والأرض وهو العالم بكل شيء. أبصر به وأسمع على معنى ما أبصره بخلقه، وما أسمعه لما يدور في صدورهم فأمره في إدراك المسموعات والمبصرات على خلاف ما تعهدون فهو اللطيف الخبير. وما لهم من ولى يتولى أمرهم، ولا يشرك ربك في حكمه وقضائه أحدا. توجيهات إلى النبي ﷺ [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٧ الى ٣١] وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١)

стр. 1327

المفردات: مُلْتَحَداً ملتجأ تلجأ إليه. وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ أى: لا تتجاوز عيناك عنهم. فُرُطاً متجاوزا حدا الاعتدال مأخوذ من قولهم فرس فرط إذ تقدم الخيل وتجاوزها. سُرادِقُها فسطاطها، أو ما يمد في صحن الدار. كَالْمُهْلِ وهو المذاب من عناصر الأرض بواسطة النار كالحديد المذاب مثلا. سُنْدُسٍ ما رقّ من الديباج وَإِسْتَبْرَقٍ الإستبرق الغليظ منه. ... كانوا يقولون للنبي ﷺ : ائت بقرآن غير هذا أو بدله فنزل. وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ.. الآية. وكانوا يقولون: نح عن مجلسك هؤلاء الموالي أمثال صهيب، وعمار، وخباب،

стр. 1328

وياسر وغيرهم حتى نجالسك فنزل: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ الآية ثم ذكر جزاء المؤمن ولو كان فقيرا وجزاء الكافر ولو كان غنيا. المعنى: واتل ما أوحى إليك من كتاب ربك الذي أنزل عليك ولا تسمع لما يهذون به من طلب التغيير والتبديل، إذ لا مبدل لكلمات ربك ولا يقدر أحد على ذلك، وإنما الله وحده القادر على التبديل والنسخ وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ [سورة النحل آية ١٠١] وإنك إن بدلت يا محمد فلن تجد من دون الله ملتجأ تلتجئ إليه. ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى من الفقراء، واصبر نفسك معهم واحبسها على مجالستهم، ولا تسمع لقول الكفار فقديما قيل لنوح: أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ [سورة الشعراء آية ١١١] فهذا غرور الكفر ووسوسة الشيطان. هؤلاء الموالي الذين يدعون ربهم، ويعبدونه في كل وقت، يريدون وجهه ورضاه هم أحباب الله وأولياؤه، ولا تعد عيناك عنهم فتجاوزهم إلى غيرهم من الأغنياء، وإياك أن تنبو عينك عنهم وتعلو، تريد زينة الحياة الدنيا الظاهرة في لباس الأغنياء والأشراف، ولا تطع أبدا من وجدنا قلبه غافلا عن ذكرنا، واتبع هواه وأسلم نفسه لشيطانه. وكان أمره متجاوزا الحق والعدل حيث ترك صراط الله المستقيم وشرعه القويم. وقل لهؤلاء الذين يطلبون منك البعد عن الفقراء لفقرهم: الحق جاء من ربكم واضحا ظاهرا فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، أما من كفر فإنا أعتدنا وهيأنا له نارا أحاط بهم سرادقها، ولقد شبه الله ما يحيط بالظالمين الكافرين من النار بالسرادق المضروب على الشخص، فهل يفلت من السرادق المضروب؟!! وإن يستغيثوا وهم في نار جهنم يغاثوا بماء لشدة العطش ولكن بماء كالمهل، يغاثون بشراب من الحديد والرصاص المذاب من قوة النار، هذا الشراب يشوى الوجوه بئس الشراب شرابهم، وساءت جهنم مرتفقا، ولا ارتفاق فيها ولكنها المشاكلة، أما من تريدون أن يصرف النبي عنهم وجهه فأولئك المؤمنون الذين يقول الله فيهم وفي أمثالهم: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلن يضيع الله أجر من أحسن عملا، أولئك لهم جنات عدن تجرى من تحتهم الأنهار، وهم يحلون في الجنة بأساور من ذهب وقد كانوا

стр. 1329

محرومين منها في الدنيا ويلبسون ثيابا خضرا من الديباج الرقيق والغليظ حالة كونهم متكئين فيها على الأرائك شأن الملوك والعظماء نعم الثواب الذي ذكر لهم هنا وفي غير هذه الآية، وحسنت الجنة مرتفقا لهم وأى مرتفق؟!! مثل للمعتز بالدنيا المغرور بها [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٣٢ الى ٤٤] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً (٣٦) قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً (٤١) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً (٤٤)

стр. 1330

المفردات: جَنَّتَيْنِ بستانين. حَفَفْناهُما بِنَخْلٍ جعلنا النخل محيطة بهما. وَلَمْ تَظْلِمْ لم تنقص من أكلها. وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً أجرينا وشققنا وسطهما. يُحاوِرُهُ يراجعه في الكلام. نَفَراً المراد خدما وأتباعا، وقيل هم الأولاد لأنهم ينفرون مع أبيهم ساعة القتال. مُنْقَلَباً مرجعا وعاقبة. سَوَّاكَ صيرك وعدلك حتى صرت رجلا. حُسْباناً المراد مقدارا قدره الله عليها. ووقع في حسابه. زَلَقاً أى: أرضا جرداء ملساء لا نبات فيها ولا حيوان ولا بناء تزل فيها الأقدام لملاستها. غَوْراً أى: غائر لا تناله يد. الْوَلايَةُ النصرة، وبكسر الواو: السلطان. وهذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن حيث يعصى الأول مع تقلبه في النعم ويطيع الآخر مع مكابدة الفقر والمشقة، والأول غارق في الدنيا معتز بها مغرور بها والثاني يفهمها على حقيقتها فهي طريق وممر للآخرة، والمثل بهذا الوضع متصل بقوله- تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية. المعنى: واضرب للفريقين الكافر والمؤمن مثلا: رجلين مقدرين أو حقيقيين، والعبرة بالعظة المفهومة من المثل، هما من بنى إسرائيل أخوان أو صديقان أو شريكان أحدهما كافر مغرور بدنياه والثاني موحد بالله، وقد آل أمرهما إلى ما حكاه القرآن عنهما لعل الناس يعتبرون ويتعظون، وإنا لنرى كثيرا من المسلمين يقولون مثل مقالة الكفار في الدنيا

стр. 1331

بلسان الحال لا بلسان المقال فاعتبروا يا أولى الأبصار واضرب لهم رجلين مثلا هذا بيانه: جعلنا لأحدهما وهو الكفار بستانين من الكروم المتنوعة، وجعلنا النخل محيطة بهما، وجعلنا وسطها زروعا حتى يجمعا بين القوت والفاكهة وهما بهذا الوضع لهما الشكل الأنيق، والوضع السليم. كلتا الجنتين آتت أكلها كاملا غير منقوص شيئا، وقد فجر الله وسط كل حديقة نهرا على حدة ليسقيها بلا تعب ومشقة، ويزيدهما بهاء وروعة، وكان لهذا الكافر ثمر ومال من غيرهما إذ كان من الأثرياء الكبار. فقال يوما لصاحبه: وهو يحاوره ويجادله شأن كل غنى مغرور مع مؤمن فقير صالح، وقد روى أنهم أخوان ورثا مالا أما الكافر فاستغله في أرض ودار وزوجة وخدم وحشم وأما المؤمن فأنفق نصيبه في سبيل الله. يا أخى: أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا وأكثر خدما وولدا، ودخل مع صاحبه جنته الواسعة العريضة، الجنة ذات الجناحين الجنة التي ليس له غيرها إذ هي متاعه في الدنيا وليس له في الآخرة من نصيب، دخلها وهو ظالم لنفسه معجب بما أوتى، مفتخر به كافر بالنعمة، معرض بذلك نفسه لسخط الله وهو أفحش أنواع الظلم: وماذا قال؟ قال لطول أمله وشدة حرصه، وتمام عقله، وكثرة غروره بها قال: ما أظن أن تبيد وتفنى هذه الجنة أبدا، وما أظن الساعة قائمة فيما سيأتى، وأقسم لئن رجعت إلى ربي على سبيل الفرض، أو كما يزعم صاحبنا المؤمن لأجدن جنة خيرا من هذه الجنة مرجعا وعافية، وأقسم لقد سمعنا من جهلتنا المنتسبين للإسلام مثل هذا القول «غنى الدنيا غنى الآخرة» فهم لسوء فهمهم يظنون أن اليسار والغنى إنما يعطى في الدنيا لاستحقاقه ذلك إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً. وما علم هذا المغرور أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة وإلا ما سقى الكافر منها جرعة ماء، وإن الإنسان قد يعطى استدراجا. وماذا قال له أخوه المؤمن؟ قال وهو يحاوره: يا أيها الإنسان: أكفرت بالذي خلق أباك الأول من تراب ثم خلقك أنت من نطفة ثم سواك فعدلك رجلا سويا؟! أبعد هذا تقول: ما أظن الساعة قائمة يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ الآية من سورة الحج.

стр. 1332

لكن هو الله ربي وحده لا شريك له، له الحكم وإليه ترجعون. يا أخى هلا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، الأمر ما شاء الله لا غير، روى عن النبي ﷺ : من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره. فبدل أن تقول: ما أظن أن تبيد هذه أبدا، وهذه المقالة لا تصدر إلا من شخص مغرور مأفون يظن أن له قوة وحولا، وأن الأمر بيده لا بيد الله، وأنه الزارع الذي أعطى هذا الزرع عن علم وتجربة، وأن سماده ونظامه هما اللذان أنتجا! ألا بئس ما يفهم الناس في دنياهم!! إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا في هذه الدنيا الفانية فعسى ربي أن يؤتينى خيرا من جنتك وأبقى يوم القيامة. وأما جنتك فيرسل عليها عذابا مقدرا في حسابه فتصبح أرضا قاحلة ملساء لا شيء فيها أو يصبح ماؤها غائرا لا تدركه الأيدى بأى شكل ولا تستطيع له طلبا فضلا عن إدراكه، وقد كان فأحيط بثمره وهلك كل ماله فأصبح يقلب كفيه ندما وأسفا على ما ضاع منه، يعض بنان الندم على ما فرط منه. والحال أنها خاوية على عروشها أى: سقطت الكروم على عروشها الممهدة لها. ويقول: نادما ليتني لم أشرك بربي أحدا، ولم تكن له فئة تنصره من دون الله إذ هو القادر وحده على دفع العذاب، وما كان هو في حد ذاته منتصرا بنفسه. هناك: وفي هذه الحال التي يؤمن فيها البر والعاجز النصرة من الله وحده، والسلطان لله وحده، هو الحق ﵎، خير ثوابا وخير عقبى للعباد المتقين. مثل الحياة الدنيا [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٥ الى ٤٦] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلاً (٤٦)

стр. 1333

المفردات: هَشِيماً مهشوما مكسورا. تَذْرُوهُ الرِّياحُ تفرقه وتطيره. وهذا مثل آخر للدنيا وبيان لصفتها العجيبة التي هي كالمثل حتى لا يغتر بها المغترون. المعنى: واذكر لهم صفة الدنيا التي هي كالمثل في الغرابة وهي كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض، فنبت الزرع واخضر واختلط بعضه من كثرته وتكاثفه فأصبح ذلك النبات الغض الوارف صاحب الظل الدائم، والبهجة والمنظر أصبح هشيما تذروه الرياح حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [سورة يونس آية ٢٤] . ولا غرابة في هذا فالله على كل شيء قدير. وأما ما كانوا يفتخرون به من مال وبنين فهذا عرض زائل، ومتاع حائل، وزينة الدنيا الفانية، ولعل تقديم المال على البنين لأنه أدخل في باب الزينة من الأولاد. وليس لأحد أن يفتخر بها حيث كانت لهذا فقط بل الباقيات الصالحات من الأعمال الخيرية خير وأبقى عند ربك إذ ثوابها عائد على صاحبها، وخير أملا حيث ينال بها صاحبها في الآخرة كل ما كان يؤمله.

стр. 1334

من مشاهد يوم القيامة [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٤٧ الى ٤٩] وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) المفردات: وَحَشَرْناهُمْ الحشر: الجمع لأجل الحساب، والبعث: إحياؤهم من القبور للحشر. فًّا مجتمعين غير متفرقين. المعنى: واذكر يوم نسير الجبال وهي كالعهن المنفوش بعد أن كانت ساكنة في نظر العين، وهذه إشارة إلى تبدل الحال، وتغير الوضع في الدنيا، وترى الأرض بارزة ليس فيها ما يسترها من جبال وأنهار وشجر وبنيان، وقد ألقت ما فيها من كنوز ودفائن، وأخرجت أثقالها، وبرز ما في جوفها، وحشرناهم جميعا، وجمعناهم إلى الموقف من كل مكان. فلم نغادر من الخلائق أحدا، وعرضوا على ربك صفا واحدا بلا تفرق واختلاف، وقد شبهوا بالجند حيث يعرضهم القائد، وهم وقوف منتظرون الأمر قلنا

стр. 1335

لهم: لقد جئتمونا فرادى مجيئا كمجيئكم وقت أن خلقناكم أول مرة حفاة عراة وبلا ولى ولا نصير، ولا شفيع معين وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ [سورة الأنعام آية ٩٤] بل، إضراب انتقال من حديث إلى حديث، زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا نجازيكم بأعمالكم فيه، وهذا خطاب لمنكري البعث للتقريع والتوبيخ والتأنيب. ووضع الكتاب، والمراد به: الصحائف التي تكتب فيها أعمال الإنسان من خير وشر، فترى المجرمين الذين ارتكبوا السيئات خائفين وجلين مما فيه ويقولون: يا ويلتنا داعين أنفسهم بالويل والهلاك: ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؟!! ووجدوا ما عملوا حاضرا مكتوبا فيه، ولا يظلم ربك أحدا، إذ مبدأ الثواب والعقاب مما يقتضيه العدل الإلهى، وعدم الظلم حتى يعطى المحسن جزاءه كاملا، ويأخذ المسيء جزاءه غير ناقص. توجيهات إلهيّة [سورة الكهف (١٨) : الآيات ٥٠ الى ٥٣] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠) ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقاً (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفاً (٥٣)
следующие страницы →