← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

المفردات: لَيِّناً سهلا لا خشونة فيه ولا شدة يَفْرُطَ عَلَيْنا أى: يعالجنا بالعقوبة ويعاملنا معاملة المتقدم في الذنب، والمادة تدل على التقدم والإسراف ولذا قيل اليوم السابق فارط، ولمن أسرف فرط وأفرط خَلْقَهُ صورته وشكله فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى فما حالها وما شأنها؟ لا يَضِلُّ لا يخطئ مَهْداً كالفراش في الشكل والمعنى لِأُولِي النُّهى لأولى العقل. موسى وهارون- ﵉ أرسلا إلى قومهما بني إسرائيل قصدا وإلى فرعون وملئه تبعا ليخلصا بني إسرائيل من حكم فرعون وظلمه، ويدخلوهم في شريعة الحق- .

стр. 1402

المعنى: اذهب يا موسى أنت وأخوك إلى فرعون وملئه إنه طغى وجاوز الحد المعقول في الشرك بالله، وتعذيب بني إسرائيل: اذهبا إليه فقولا له قولا لينا لا خشونة فيه، وجادلاه بالتي هي أحسن فهو رجل مغرور كافر معاند لعله يتذكر أو يخشى. قالا: يا ربنا، إننا نخاف أن يفرط علينا، ويبادرنا بالعقوبة ويطغى، والخوف من الظالم الجبار لا ينافي التوكل على الواحد القهار، والأخذ بالأسباب والمسالك، على أن الخوف من طبيعة البشر. قال الله لهما: لا تخافا من شيء إننى معكما أسمع كل شيء يسمع، وأبصر كل شيء يبصر، وأرى كل شيء يرى، نهاهما الله عن الخوف من فرعون لأنه معهما بالمعونة والنصر وهو يعلم بكل ما يحصل لهما، وليس بغافل عنهما. ثم أمرهما بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعد أمرهما بالذهاب إليه فلا تكرار. فقولا له: إنا رسولا ربك أرسلنا إليك، فأتياه وقالا له ذلك، وأمرهما أن يقولا: فأرسل معنا بني إسرائيل، ولا تحجزهم وخل عنهم، ولا تعذبهم، وقد كانوا في عذاب أليم، وتعب شديد كما مضى، وقد جئناك يا فرعون بآية دالة على صدقنا، وقيل إن فرعون قال: ما هي؟ فأدخل موسى يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع مثل شعاع الشمس، فعجب منها، ولم يره العصا إلا يوم الزينة. والسلام من سخط الله وعذابه حاصل لمن اتبع الهدى وليس تحية لأن المقام ليس مقام تحية. ولما فرغ موسى مما قال- وذكر لفرعون أنه يريد إطلاق بني إسرائيل ليعبدوا ربهم في البرية، وفرعون ملك جبار تدين له الأمة المصرية وتذعن لقداسته، وقد رأى من موسى أمرا لا يقره ولا يرضاه حيث قال له: إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل وهو يقول للناس أنا ربكم الأعلى، ويستذل الإسرائيليين ويستعبدهم في أغراضه- أخذ يجادل موسى ويحاجه. ولما علم موسى وهارون عدم إيمانه، وتماديه في الباطل قالا له: إنا قد أوحى إلينا

стр. 1403

من ربنا أن العذاب والنكال، والهلاك والدمار في الدنيا والآخرة واقع لا محال على من كذب وتولى، وكذب بالوحدانية وأعرض عن رسول الله ولم يصدقه. وكان في جداله يقول: فمن ربكما يا موسى؟ قالا: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه وصورته وشكله، الذي يناسب المنفعة المطلوبة منه كاليد للبطش والرجل للسير والعين للنظر، والثدي واختلاف شكله وعدده للرضاع وهكذا. ثم هدى كل نفس لما يطلب منها، وما توفق إليه. قال فرعون: فما بال القرون الأولى؟ التي انقرضت قبلكما ولم يقروا بالوحدانية. أجابا: إنها في علم الغيب، والله وحده يعلم ما عملوا وجزاءهم، وهم في كتاب محفوظ، لا يطلع عليه أحد. والله لا يضل أبدا ولا يخطئ أبدا، ولا ينسى أبدا- ، وهو الذي جعل لكم الأرض مهادا، وسلكها سبلا فجاجا، وجعلها كالفراش المبسوط وهي في الواقع كالكرة المكورة. وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجا وضروبا من نبات مختلفة. كلوا وارعوا أنعامكم، وتمتعوا بخيراتكم إن في ذلك لآيات لأولى النهى. من الأرض خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم مرة أخرى للثواب والعقاب تراه وصف الرب- بما يقطع حجة فرعون، ويرد كيده في نحره، ويملأ قلبه خوفا من عالم الغيب، وفيه تذكير له بأصله وأنه من تراب عائد إليه، فلا يغتر بدنياه وملكه، وليعلم أن وراءه يوما لا ينفع فيه مال ولا بنون، وتلك آيات بينات ولكنها لأولى النهى، إنما يتذكر من يخشى.. ولقد أرينا فرعون آياتنا كلها وبصرناه بها، ولكنه كذب وأبى عنادا واستكبارا وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا «١» لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً «٢» .

стр. 1404

موسى والسحرة الذين جمعهم فرعون [سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٧ الى ٧٦] قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)

стр. 1405

المفردات: سُوىً مستويا ووسطا وعدلا بيننا يَوْمُ الزِّينَةِ المراد يوم يتزينون فيه بأفخر اللباس ويجتمعون فيه كأنه عيد ويظهر أنه يوم وفاء النيل كَيْدَهُ ما يكيد به وَيْلَكُمْ هلاككم فَيُسْحِتَكُمْ فيبيدكم بعذاب فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ تشاوروا وتجاذبوا أطراف الحديث النَّجْوى ما يتناجون به سرا بِطَرِيقَتِكُمُ بمذهبكم وقيل بأشرافكم وسادتكم فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ أحكموا أمركم واعزموا عزما أكيدا صَفًّا مصطفين اسْتَعْلى غلب فَأَوْجَسَ أحس وأضمر تَلْقَفْ تلتهم وتأكل بسرعة لَكَبِيرُكُمُ لأستاذكم ومعلمكم فِي جُذُوعِ النَّخْلِ على جذوعها لَنْ نُؤْثِرَكَ لن نختارك تَزَكَّى تطهر من دنس الشرك والمعاصي.

стр. 1406

المعنى: ولقد أرينا فرعون المعجزات الدالة على صدق موسى في رسالته، وأريناه حجج الله الدالة على توحيده ونفى الشركاء له فكذب وعصى، وأبى ذلك وأعرض قائلا: أجئتنا يا موسى مدعيا الرسالة لربك لتخرجنا من أرضنا بسحرك وحيلتك، جئت يا موسى بآية توهم الناس أنك صادق لتتغلب علينا وتخرجنا من أرضنا وتزيل ملكنا، وتجعله لنفسك، وانظر إلى فرعون وهو يحرض الناس على عصيان موسى ومخالفته، ومن خلال كلامه نفهم أنه كان واثقا أن موسى على الحق، وأن النصر في النهاية له، وقوله بسحرك تعليل مزيف لتغطية الموقف. وإذا كان الأمر للسحر فلنأتينك بسحر مثله، فاجعل بيننا وبينك موعدا تحدده زمانا ومكانا، لا نخلفه نحن ولا أنت، اجعل مكانا مستويا وسطا بيننا وبينك حتى لا يكون عذر في التخلف. قال موسى: موعدكم يوم الزينة يوم الاحتفال بوفاء النيل وكان عيدا من أعيادهم القومية، يجتمع الناس فيه من كل حدب وصوب مع السحرة المهرة في المملكة كلها ولعل اختيار هذا الموعد الذي يجتمع فيه الناس اجتماعا كاملا والوقت ضحى، وفيه اتساع للمساجلة والمناقشة والحكم ليكون علو كلمة الله وإظهار دينه على ملأ من الناس كثير، ويكون الحكم على رؤوس الأشهاد في وسط النهار فلا سبيل للإنكار، وليحدث به كل الناس صغيرهم، وكبيرهم. وقد كان ذلك. فتولى فرعون، وانصرف من ذلك المقام ليهيّئ ما يحتاج إليه، وليشرف بنفسه على الاستعداد لذلك اليوم الخطير، فتولى فرعون فجمع كيده وحيله، وجمع المهرة من السحرة وأتوا مدلين بأنفسهم واثقين من سحرهم طالبين الأجر على ذلك أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ «١» وعدهم فرعون بالجزاء المادي والأدبى ليفرغوا طاقتهم وليعملوا جهدهم في التغلب على موسى. فلما حضروا قال لهم موسى: وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً الهلاك لكم إن اختلقتم على الله كذبا وزورا، إنكم إن فعلتم ذلك فسيسحتكم بعذاب من عنده وسيستأصلكم ويقطع دابركم، وقد خاب وهلك من افترى على الله أو على رسوله كذبا.

стр. 1407

فلما سمعوا هذا من موسى أخذوا يتجاذبون أطراف الحديث، ويتشاورون فيما بينهم، وأسروا نجواهم قائلين: إن غلبنا فسنتبعه، وقيل إنهم لما سمعوا من موسى قوله: وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً وأسروا فيما بينهم بأن هذا ليس بساحر أبدا. وقيل كانت نجواهم هي قولهم إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم ومذهبكم الأمثل الحسن، وقيل يذهب بأشراف قومكم ويهلكهم. فأجمعوا كيدكم غدا، وأحكموا أمركم واعزموا عليه ثم ائتوا مصطفين فذلك أدعى إلى تربية المهابة في نفوس النظارة، وقد أفلح اليوم من استعلى وغلب خصمه، وكانت له المكانة إلى الأبد. فلما التقى الصفان، واجتمع الطرفان قالوا. يا موسى إما أن تلقى أوّلا، وإما أن نكون نحن الملقين أوّلا. قال موسى. بل ألقوا أنتم أولا، أشار بهذا ليفرغوا جهدهم أولا، ويلقوا بكل أسلحتهم، فلما ألقوا إذا حبالهم وعصيهم يخيل إلى موسى من سحرهم أنها تسعى، وذلك أنهم وضعوا فيها مادة الزئبق التي إذا أحست بالحرارة تحركت واضطربت. في تلك اللحظة ابتهج فرعون وجنوده وعلية القوم، وأيقنوا أنهم نجحوا، وأن السحرة قد فازوا على خصمهم موسى وهارون، وأنه لا يمكنه أن يأتى بشيء أعظم من سحرهم إذ كل ما في يده عصاه فإذا قلبت حية فهي حية واحدة بين آلاف الحيات. وفي تلك اللحظة الفاصلة هال موسى ما رأى، وأوجس في نفسه خيفة مما حصل، ودار بذهنه فيما عسى أن يكون لو لم يبعث الله له نصر السماء. ولكن الله- العليم الخبير القوى القادر الذي لا يترك عباده المخلصين وحدهم بل هو معهم وقد قال لهما: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى. وفي هذه اللحظة أمره ربه أن يلقى عصاه التي هي بيمينه فإذا هي حية تسعى ولكنها ليست كحيات السحرة بل أخذت تبتلع حياتهم كلها وتلتهمها بسرعة وخفة. والله أكبر ظهر الحق وبطل السحر، وجاء الحق وزهق الباطل ودهش آل فرعون والملأ من قومه بل وكل الناس وعلم السحرة- وهم أدرى الناس بالسحر وطاقته

стр. 1408

- أن السحر لا يفعل هذا أبدا وإنما هي القوة الإلهية صنعت هذه المعجزة، فخروا لله ساجدين، وآمنوا برب العالمين، رب موسى وهارون مفضلين ذلك على الأجر الدنيوي مؤثرين الحق على الباطل، والباقية على الفانية!! ماذا يفعل فرعون؟ إنه لموقف جد خطير قد جمع الناس جميعا وجمع السحرة من كل مكان، وقد أفهم الشعب الذي يقدسه أن نهاية موسى وهارون في ضحى الغد، يوم يجتمع الناس في وفاء النيل. ولم يعد موسى وهارون وحدهما بل صار معهما السحرة والعلماء في قومه!! فلا بد أن يختصم الجميع، ويتهم الكل، وإن كان مخالفا للعقل والمنطق. فقال للسحرة سترا لموقفه: إنه لكبيركم وأستاذكم الذي علمكم السحر ولهو أقوى منكم، وغلب سحره سحركم، وهو يريد بهذا أن يخرج المسألة عن نطاق المعجزة الإلهية إلى دائرة سحر السحرة. قال هذا مع علمه أن موسى رحل إلى مدين صغيرا، وعاد منها قريبا، ولم يتصل بالسحرة مطلقا فضلا عن كونه أستاذهم، ولكنه المقهور المغلوب يلتمس لنفسه العذر وإن كان لا يغنى شيئا. ثم أخذ يتجنى عليهم ويؤنبهم بقوله: آمنتم به قبل أن آذن لكم، فهم أذنبوا حيث لم يستأذنوا، وهو لهذا أقسم ليقطعن أيديهم وأرجلهم من خلاف، وليصلبنهم على جذوع النخل، ولتعلمن أيها السحرة أينا أشد عذابا وأقوى؟ وهو إذ يضع نفسه في كفة وموسى في كفة أخرى إنما يستهزئ ويفتخر. هذا هو فرعون مصر، وذلك بطشه الشديد، وتهديده الكثير، أما الإيمان العميق المبنى على الفهم الدقيق فقد جعل السحرة يقولون: لن نؤثرك يا فرعون ونختارك على ما جاءنا من البينات والهدى لن نفضل نعمتك على ما هدانا الله إليه والذي فطرنا وخلقنا فاقض بما تشاء واحكم بما تريد، إنما تقضى وتحكم في هذه الحياة الدنيا، ولن تنال إلا من جسمنا الفاني تقطع منه أو تقتله أما الإيمان واليقين فذلك شيء لن تنال منه. وذلك إنا آمنا بربنا وصدقنا برسالة نبينا رجاء أن يغفر لنا خطايانا، وما أكرهتنا عليه من السحر، والله- سبحانه- خير وأبقى، والدار الآخرة للذين يتقون، وكيف

стр. 1409

لا يكون ذلك؟ إنه من يأت ربه مذنبا فله جهنم خالدا فيها لا يموت ولا يحيا، ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالح من الأعمال فاؤلئك لهم الدرجات العليا، ولهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك جزاء من تزكى وتطهر من دنس المعاصي والآثام. خروج بني إسرائيل من مصر، ورحيل فرعون لطلبهم [سورة طه (٢٠) : الآيات ٧٧ الى ٨٢] وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) المفردات: يَبَساً لا طين فيه ولا ماء دَرَكاً إدراكا ولحوقا بهم فَأَتْبَعَهُمْ يقال أتبعهم إذا تبعتهم وإذا سبقوك فلحقتهم الْمَنَّ وَالسَّلْوى تقدم تفسيرهما في سورة البقرة جزء أول يَحْلِلْ يجب هَوى سقط في الهاوية. المعنى: أذن الله- لموسى أن يخرج من تحت حكم فرعون، وأن ينقذ

стр. 1410

بنى إسرائيل من عذاب المصريين، فأوحى إليه بأن أسر بعبادي ليلا حتى لا يراك فرعون وجنده، فذهبوا حتى وصلوا شاطئ البحر الأحمر الغربي من جهة (السويس) فأمره الله بأن اضرب بعصاك البحر! فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وأصبح لهم عدة طرق بقدر أسباطهم الاثنى عشر، وسار الطريق وسط الماء يابسا لا طين فيه ولا ماء. فاجعل لهم طريقا في البحر يابسا غير خائفين إدراك فرعون لهم، ولا أنت تخشى لحوقه لكم. أما فرعون فلما علم بخروجهم من مصر وكانوا يسكنون في إقليم الشرقية، أرسل في المدائن يجمع الجند للحاق بهم وإدراكهم قائلا: إن هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون، فلحقهم فرعون ومعه جنده وهم يعبرون البحر، وقد جعل الله لهم طرقا فيه. فلما أبصر فرعون تلك الطرق سار فيها ظنا منه أنها طرق عامة له أن يسير فيها، فلما احتواه البحر ونجا موسى ومعه بنو إسرائيل غشيهم من اليم ما غشيهم، وأصابهم من الهول والخوف والغرق ما أصابهم فكان كالغطاء لهم، حتى إذا أدركه الغرق قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، ولكن هيهات له ذلك، وقد أضل فرعون قومه وما هداهم إلى خير أبدا بل كان هو الداعية للشر كله، وما كان مخلصا في إيمانه هذا، فلما نجا بنو إسرائيل، وغرق فرعون وجنده على مرأى منهم، وكان ذلك من النعم عليهم أخذ يعدد نعمه فقال: يا بنى إسرائيل: قد أنجيناكم من عدوكم، وواعدناكم جانب الطور الأيمن، بمعنى: وأمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه لنكلمه وأنتم حضور فتسمعوا الكلام فالمواعدة كانت بين موسى وربه، وإنما خوطبوا بها لأنها كانت من أجلهم، والأيمن صفة للجانب والمراد يمين الشخص لا يمين الجبل، وأنزلنا عليكم المن والسلوى، وهو طعام شهى من صنع الله لا تعب فيه ولا ألم. وقلنا لكم كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تتجاوزوا الحد بالإسراف أو التقتير أو عدم القيام بالشكر، وإياكم والمعصية فإنها أصل الطغيان. إنكم إن طغيتم يحل عليكم غضبى، وينزل بكم عذابي، ومن يحلل به عذابي، ويوجب عليه لعلمه السوء فقد هوى في الهاوية وهي قعر جهنم. واعلموا أنى غفار

стр. 1411

رحيم بمن تاب وأناب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، وفي التعبير بثم إشارة إلى بعد المرتبتين. اتخاذ بنى إسرائيل إلها يعبدونه [سورة طه (٢٠) : الآيات ٨٣ الى ٩٨] وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١) قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦) قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً (٩٧) إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً (٩٨)

стр. 1412

المفردات: وَما أَعْجَلَكَ ما الذي حملك على العجلة عَلى أَثَرِي المراد هم بالقرب منى فَتَنَّا قَوْمَكَ ابتليناهم واختبرناهم أَسِفاً الأسف الشديد: الغضب الْعَهْدُ الزمان بِمَلْكِنا بملكنا أمورنا والصواب منها أَوْزاراً أحمالا ثقالا خُوارٌ الخوار: صوت البقر يا سامِرِيُّ رجل منافق محتال اسمه السامري قَبْضَةً هي المرة من القبضة التي هي أخذ الشيء بجمع الكف والمراد هنا الشيء المقبوض سَوَّلَتْ زينت لا مِساسَ أى لا أحد يمسني لَنَنْسِفَنَّهُ لنذروه في الرياح والمراد لنلقينه في البحر. المعنى: كان موسى قد وعد بنى إسرائيل إذا هلك فرعون أن الله سيعطيه الألواح وفيها الوصايا التي يأخذ بها بنو إسرائيل أنفسهم وأعقابهم من بعدهم أى فيها دستورهم الذي يعيشون عليه.

стр. 1413

فلما أهلك الله فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره أن يصوم ثلاثين يوما ثم زيدت إلى أربعين يوما وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [سورة الأعراف آية ١٤٢] . وكان لمخالطة بنى إسرائيل للمصريين وهم عبدة الأوثان أثر كبير في نفوسهم فكانوا يقولون لموسى بعد خروجهم من مصر: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [سورة الأعراف آية ١٣٨] ولهذا أمكن لرجل منهم أن يؤثر فيهم فعبدوا العجل بعد مفارقة موسى لهم للميقات. ولما ذهب موسى لميقات ربه، استخلف على القوم أخاه هارون، وكان موسى على رأس سبعين نقيبا ذاهبين معه للميقات (كما مر في سورة الأعراف) . ولكن موسى تعجل من بينهم شوقا لربه فقيل له ما أعجلك عن قومك؟ وما الذي حملك على العجلة حتى تركت النقباء وخرجت من بينهم، فأجاب موسى: هم أولاء على أثرى وفي عقبى، وهم بالقرب ينتظرون عودتى إليهم على أنى عجلت إليك يا رب لترضى بمسارعتى للقائك، وامتثال أمرك. قال الله- : فإنا قد فتنا قومك واختبرناهم من بعدك، وهم الذين تركهم مع هارون- وأضلهم السامري، ودعاهم إلى الضلالة والكفر حيث قال لهم- وقد تأخر موسى عن الميعاد عشر ليالي: إنما تخلف موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه لما معكم من الحلي وهي حرام عليكم. وأمرهم بإلقائها في النار، وكان منها العجل على ما سيأتى: فرجع موسى إلى قومه غضبان شديد الغضب والحزن لما صار إليه حال بعضهم وهو عبادة العجل، وقد قلت إن جهل الإسرائيليين ومخالطتهم لعبدة الأوثان سهل عليهم قبول خداع السامري. قال موسى: يا قوم. ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا؟ حيث قال: وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا، وقد وعدهم بالثواب الجزيل إذا عملوا بما في التوراة التي سينزلها على موسى إذا ذهب للميقات. أوعدكم ذلك فطال عليكم العهد، وضقتم ذرعا بطول الزمن؟!! أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم؟ أى أردتم أن تفعلوا فعلا يكون سببا

стр. 1414

في حلول الغضب عليكم والعذاب من ربكم؟! فأخلفتم موعدي، ولم تقيموا على عهدي قالوا يا موسى: ما أخلفنا موعدك بملكنا الصواب والرأى الحسن بل أخطأنا ولم نملك أنفسنا وكنا مضطرين إلى الخطأ الذي وقعنا فيه. ولكنا حملنا أثقالا من زينة القوم أى المصريين، وذلك أنهم أخذوا حلى بعض المصريين بحجة أن لهم عيدا أو اجتماعا، وقيل، لما غرق فرعون أخذوا زينته فهم حملوا أثقالا من زينة القوم، فقذفناها كما أشار- بذلك السامري- إلى النار. فمثل ذلك القذف قذفها السامري فأخرج لهم بعد أن أذاب الذهب في النار صورة عجل له جسد، وله خوار وصوت كصوت العجل الحي. أكان حقيقة هذا العجل من جسد وروح وله خوار؟ أو هو عجل جسد فقط وله صوت نشأ من وضع خاص في تركيبه إذا مر به الريح صار له صوت يمكن أن يكون هذا وذاك والله أعلم. والشيخ النجار يرى أن السامري أمكنه بالحيلة أن يحضر لهم عجلا حقيقيا لم يروه قبل هذا، وكان أخذ الذهب منهم وإلقاؤه في النار حيلة منه فقد عمل عمل الدجالين. ولما أخرج لهم عجلا له جسد وله صوت قال ومن معه: يا بنى إسرائيل هذا إلهكم وإله موسى الذي ذهب ليطلبه ولكنه نسى مكانه فضل طريقه، أو هو إلهكم ولكن موسى نسى أن يخبركم به. ويقول الله لهم: أفلا يعتبرون ويتفكرون في أن هذا العجل لا يرجع لهم قولا ولا يرد عليهم بكلمة، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا.. فيكف يكون إلها؟!! ولقد قال لهم هارون محذرا إياهم من عبادة العجل، يا قوم إنما فتنتم وابتليتم به، وإن ربكم الرحمن- فاتبعوني ولا تتبعوا طرق الشيطان وكلام السامري، وأطيعوا أمرى فإنى ناصح لكم شفيق بكم قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، ولن نزال مقيمين على عبادته حتى يعود أخوكم موسى. فلما رجع موسى قال وهو في غاية الحسرة والألم: يا هارون ما منعك أن تتبعني في شدة النكير على المخالف والقسوة على العاصي؟ أى هلا قاتلتهم إذ قد علمت أنى لو كنت بينهم لقاتلتهم في ذلك قتالا عنيفا.

стр. 1415

أفعصيت أمرى؟ وكان أمره له اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [سورة الأعراف آية ١٤٢] . ويصح أن يكون المعنى أفعصيت أمرى لك بالقيام لله ومنابذة من خالف دينه، وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلها!! قال معتذرا. يا ابن أمى لا تأخذ بشعر رأسى ولا بلحيتي وقد كان موسى فعل ذلك من شدة الغضب، وإنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل لو قاتلت ولم ترقب وتنتظر قولي، اجتهد هارون فرأى أن طريق المسالمة خير من القتال، وفي موضع آخر اعتذر بقوله. إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي [سورة الأعراف آية ١٥٠] . ثم توجه موسى إلى خطاب السامري فقال. ما خطبك يا سامرى!! ما حالك وما الذي دهاك حتى تعمل هذا؟!! قال بصرت بما لم يبصروا به، وعلمت ما لم يعلموا فقبضت قبضة من أثر الرسول- وهو جبريل- فما وضعتها على شيء إلا دبت فيه الحياة، ولما رأيت بنى إسرائيل يطلبون منك أن تجعل لهم إلها كما لهؤلاء الذين يعكفون على الأصنام آلهة زينت لي نفسي ذلك وعملت لهم إلها عجلا جسدا لها خوار كالذي يعبده المصريون. ويروى الشيخ النجار في كتابه قصص الأنبياء ص ٢٢٤ أما قول السامري فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها فمعناها على ما اخترت أنه قبض قبضة من أثر الرسول أى تعاليمة وأحكام التوحيد التي جاء بها الرسول- وهو موسى- فنبذتها أى ألقيتها وأهملتها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي وهذا رأى لا ضير فيه وفي كتب أهل الكتاب من اليهود والنصارى أن الذي صنع العجل هو هارون أخو موسى، وهو كذب وافتراء يضيفونه إلى سلسلة الأكاذيب التي ينسبون فيها إلى رسل الله أحط الأعمال وأحقرها. قال موسى للسامري. اذهب فإن جزاءك في الدنيا أن حالك تصل إلى أن تقول لغيرك لا مساس فأنت تنفر من الناس وتعيش منبوذا مطرودا وذلك جزاء الظالمين. أما في الآخرة فإن لك موعدا هو يوم القيامة لن تخلفه أنت، ولن تمكن من خلفه والله لا يخلف الميعاد. فهو حاصل قطعا وستأخذ فيه جزاءك الأوفى. وأما هذا الإله الباطل فحكمه الإحراق وأن يذرى في الماء.

стр. 1416

إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو. ولا معبود بحق سواه، العالم بخلقه، الخبير بشأنهم الذي وسع كل شيء علما.. ترى أن قصة موسى بدئت بالتوحيد الخالص وانتهت به كذلك كانت رسالة كل نبي. المعرضون عن القرآن يوم القيامة [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩٩ الى ١١٤] كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً (١٠٢) يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً (١٠٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً (١١٢) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً (١١٤)

стр. 1417

المفردات: ذِكْراً هو القرآن الكريم وِزْراً إثما عظيما وحملا ثقيلا يُنْفَخُ فِي الصُّورِ الصور: شيء كالبوق ينفخ فيه مرة فيموت الكل ثم ينفخ فيه أخرى فيحيا الكل وتأتى الناس أفواجا ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ زُرْقاً المراد: تسوء خلقتهم بزرقة عيونهم وسواد وجوههم يَتَخافَتُونَ يتسارون يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً المراد: يفتتها كالرمل ثم تذروها الرياح قاعاً صَفْصَفاً القاع المستوي من الأرض المكشوف، والصفصف المستوي الأملس. و المعنى يكاد يكون واحدا عِوَجاً أى: اعوجاجا وتعوجا وَلا أَمْتاً أى: تلالا صغيرة عِوَجَ لَهُ لا معدل لهم عنه خَشَعَتِ ذلت وسكنت هَمْساً صوتا خفيا هَضْماً انتقاصا من حقه. المعنى: مثل القصص ذلك الذي قصصناه عليك من خبر موسى وفرعون. نقص عليك من أنباء ما قد سبقك من أخبار الأمم الماضية ففي القصص عبرة وعظة، ودرس وتسلية، وإحاطة بأخبار الناس وأحوالهم فالزمن يوم مكرر والناس هم الناس وإن اختلفت الأزمان وتغيرت الأحوال. وآتيناك من لدنا قرآنا هو ذكر لك ولقومك وشرف لك وأى شرف؟، وفي القرآن ذكر للرحمن، وذكرى وموعظة للإنسان. من أعرض عن القرآن وذكره، وما فيه فإنه يحمل يوم القيامة حملا ثقيلا من الآثام

стр. 1418

والأوزار خالدين فيه ماكثين في عذابه، وساء لهم يوم القيامة حملا، وبئس الحمل حملهم يوم القيامة. يوم ينفخ في الصور النفخة الثانية بدليل ذكر الحشر بعدها، ونحشر المجرمين الظالمين وهم المشركون زرق العيون سود الوجوه عَلَيْها غَبَرَةٌ تَرْهَقُها قَتَرَةٌ أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس الآيات ٤٠- ٤١- ٤٢] نحشرهم عطاشا خائفين مضطربين، يتسارون بينهم قائلين. ما لبثتم إلا عشرا من الليالي أو من الساعات فهم لشدة ما يرون ولهول ما يصادفون يستقصرون مدة الدنيا أو مدة ما كانوا في القبر، أو مدة ما بين النفختين، نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم وأصدقهم نظرا ما لبثنا إلا يوما واحدا لا عشرا، والأمثلية نسبية فلا يمنع أنه على الباطل مثلهم. ويسألونك عن الجبال ماذا تكون يوم القيامة؟ استعظاما لها سألوا عنها النبي فأمر ﷺ أن يقول لهم: فقل ينسفها ربي نسفا قال بعضهم: يقلعها من أصولها، ثم يصيرها رملا دقيقا، ثم يصير كالصوف المندوف، ثم تكون هباء منثورا.. فيذر أماكنها أرضا مستوية مكشوفة لا نبات فيها ولا بناء وهي صفصف أى: مواضعها أرض ملساء مستوية لا شيء فيها، لا ترى فيها عوجا ولا ميلا، ولا تلالا صغيرة، والمعنى أن الجبال ذهبت وبقيت مواضعها أرضا مستوية مكشوفة معتدلة لا شيء عليها. يومئذ يتبعون الداعي وهو إسرافيل الذي ينفخ في الصور، لا معدل لهم عن ابتاعه! ولا ينحرفون عن طلبه بل يسرعون إليه ولا يحيدون عنه، وخشعت الأصوات وسكنت فلا تسمع إلا صوتا خافتا، ولا تسمع إلا وقع الأقدام فقط إذ كل امرئ له شأن يغنيه عن كلام أخيه، ويومئذ لا تنفع الشفاعة أحدا إلا شفاعة من أذن له الرحمن ورضى له قولا، إذ الله- هو المالك المتصرف في الخلق جميعا العالم ما بين أيديهم من أحوال القيامة، وما خلفهم من أمور الدنيا ولا أحد يحيط به علما.. وعنت الوجوه وذلت الرقاب، وخضعت النفوس للحي القيوم على كل نفس بما كسبت القائم بتدبير الخلق جميعا، الدائم الذي لا يزول ولا يحول ولا يبيد، وقد خاب من حمل ظلما وشركا. ومن يعمل من الصالحات الباقيات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا نقصا لثوابه ولا هضما لحق من حقوقه وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ [سورة الأنبياء آية ٤٧] .

стр. 1419

ومثل ذلك الإنزال أنزلناه أى: القرآن حالة كونه قرآنا بلسان عربي غير ذي عوج لأنه نزل على العرب فكان بلغتهم التي يفهمونها على معجزته كانت من ناحية البلاغة العربية التي أعجزت فحول العرب مجتمعين فلا يبقى عذر لعربي لا يؤمن بالقرآن لأنه بلغته فيمكن الحكم عليه، وأما غير العرب فإذا رأوا عجز العرب عن الإتيان بمثله مع التحدي لهم آمنوا بأنه من عند الله. على أن في القرآن نواحي إعجاز أخرى في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والعلوم. فمن ينظر إلى كلامه في الشجر والنبات يؤمن أنه لا يمكن لمخلوق في القرن السادس الميلادى أن يأتى بهذا، ويقولون: إن ملاحا انجليزيا نظر في كلام القرآن عن البحار والسفن فآمن أنه من عند الله ولا شك، وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا، وصرفنا فيه من الوعيد، وكررناه، وسقناه على أشكال وألوان مختلفة لعلهم يتقون الله ويخافون عقابه، ولا شك أن كثرة الكلام في الثواب والعقاب يحدث هذا، ألا ترى إلى فن الإعلان اليوم، وأنه يعتمد على كثرة العرض والحديث عن الشيء في ألوان مختلفة. لعل الناس يتقون أو يحدث لهم ذكرا ووعظا وخوفا وتقوى. وإذا كان الله صاحب هذا القرآن الكامل المعجز فتعالى الله- الملك الحق. ولا تعجل يا محمد بالقرآن وتلاوته، وكان النبي لشدة حرصه على القرآن يتابع جبريل فيه بسرعة فقيل له. لا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ [سورة القيامة الآيتان ١٦ و ١٧] وقل ربي زدني علما، وإذا كان هذا حال النبي ﷺ فما لنا لا نحرص على القرآن الحرص المناسب لنا؟؟ قصة السجود لآدم [سورة طه (٢٠) : الآيات ١١٥ الى ١٢٧] وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧)

стр. 1420

المفردات: عَهِدْنا العهد من الله للناس كل أمر أو نهى منه، والعهد الذي كان من الله لآدم هو أمره الذي حرم عليه الأكل من الشجرة فَنَسِيَ النسيان له معان: منها هو ضد التذكر، أو هو بمعنى السهو ويظهر أن هذين المعنيين ليسا معنا، وقيل: هو

стр. 1421

بمعنى عدم الاهتمام بالشيء وجعله في زاوية النسيان وعليه قوله: نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ. عَزْماً العزم التصميم على العمل، وانعقاد الضمير عليه فَتَشْقى فتتعب وَلا تَعْرى من العرى ضد اللباس وَلا تَضْحى ولا تظهر للشمس فتجد حرها فَوَسْوَسَ الوسوسة: الصوت الخفى المكرر، والمراد: ما نجده من الخواطر شَجَرَةِ الْخُلْدِ المراد شجرة الحنطة مُلْكٍ لا يَبْلى لا ينفذ سَوْآتُهُما المراد عوراتهما طَفِقا يَخْصِفانِ أخذ يجعلان ورقة فوق ورقة فَغَوى أى: فشد عليه عيشه بنزوله الدنيا ضَنْكاً أى: شديدة متعبة أَسْرَفَ انهمك في اقتراف الشهوات. قصة آدم أبى البشر ذكرت في القرآن عدة مرات، وفي سور مختلفة، وبأساليب متباينة، وكانت جديرة بذلك لما فيها من الأسرار والإشارات، ولما في ذكرها من التذكير والعظات، لو كانوا يعقلون. المعنى: وبالله لقد عهدنا إلى آدم من قبل وجود هؤلاء الناس، عهدنا إليه ووصيناه بألا يقرب هذه الشجرة، وأمرناه ألا يأكل منها فنسي هذا الأمر ولم يهتم به فلم يكن في بؤرة شعوره، وذلك بوسوسة إبليس له، ولم نجد له عزما وتصميما إذ هو ناس لا محالة. إذن يمكن أن نفهم من هذه الآية أن الحق- ﵎ يعرفنا أن النسيان وعدم العزم هما سببا هبوط المرء إلى درجة العصيان أما التذكرة وقوة العزم فهما سبب الصعود إلى الخير والرشد. واذكر إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم تحية وإجلال لا سجود عبادة وتأليه حتى يعرف أبناؤه تكريم الله لهم فيقوموا بواجب الشكر ورد الجميل فسجدوا جميعا إلا إبليس الذي كان معهم وقت الأمر، وإن كان من الجن كما هو ظاهر الآية كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [سورة الكهف آية ٥٠] .

стр. 1422

فقلنا: يا آدم أما وقد عصى إبليس ربه ولم يسجد لك حسدا أو غرورا منه فاعلم أنه عدو لك، ولزوجك، وإياك طاعته، واحذر من وسوسته وتزيينه الباطل في صورة الحق. إن هذا عدو لكما فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى وتتعب، إنك يا آدم فيها لا تجوع أبدا، ولا تعرى أبدا، ولا تظمأ من العطش، ولا تظهر في الشمس فتجد حرها ولهيبها- فأنت في الجنة متمتعا بنعم الله التي لا تحصى. ومع هذا التذكير لآدم، والتحذير له من إبليس. وسوس له الشيطان وزين له العصيان، وقال له: يا آدم أقسم ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكون ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين: يا آدم هل أدلك على شجرة إن أكلت منها كنت من الخالدين، وكان لك ملك لا يبلى ولا يفنى، أتى آدم من جهة إثارة غريزتين هما غريزة حب البقاء، وغريزة الملك فأزلهما الشيطان، وضحك عليهما بكذبه وتغريره. فأكلا من الشجرة المحرمة. عند ذلك بدت لهما عوراتهما، وأخذ يستران العورة، ويخيطان عليها من ورق الشجر وعصى آدم ربه ففسد عيشه وتبدل حاله لحكمة الله يعلمها، وقيل إن المراد في بدت لهما عوراتهما: ظهور الغريزة الجنسية عندهما. ثم بعد ذلك اجتباه ربه واصطفاه فتاب عليه لما ندم على ما فرط منه، وهداه إلى سواء السبيل فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ [سورة البقرة آية ٣٧] . خرج آدم وحواء من الجنة لما أكلا من الشجرة، وأمرهما أن يهبطا إلى الأرض فقال: اهبطا أنتم والشيطان الذي أغواكم من الجنة إلى الأرض بعضكم لبعض عدو فاحذروا يا أبناء آدم هذا العدو اللدود لكم. فإما يأتينكم منى هدى على لسان الرسل فمن اهتدى واتبع وسلك سبيل الخير وابتعد عن الهوى فإن الجنة هي المأوى، ولن تراه في الدنيا يضل، ولن تراه يشقى أبدا بل هو في سعادة أبدية إن أعطى المال شكر وإن حرم منه صبر فهو سعيد راض، قنوع، محتسب فائز إن شاء الله.

стр. 1423

ومن أعرض عن ذكرى وسلك سبيل الغواية والشيطان، فإن له معيشة ضنكا، معيشة تعب وألم فهو دائما في تعب ونصب إن أعطى مالا هو مستقله ويطلب المزيد منه مهما كان، وإن حرم منه فهو غير راض عن ربه فهو في الحالين في عيشة تعسة وحياة منغصة. أما يوم القيامة فسيحشره أعمى عن درجات السعادة، وأعمى عن طرق النجاة فسيتردى في جهنم وبئس القرار. قال: ربّ لم حشرتني أعمى؟ وقد كنت بصيرا، قال: ليس العمى الذي أنت فيه الآن عمى البصر، ولم تكن في الدنيا بصير القلب بل كنت أعمى البصيرة أتتك آياتنا على لسان رسلنا فنسيتها، وأهملتها، ولم تر بقلبك فيها نورا ولا هداية، وكذلك اليوم تنسى وتهمل في عذاب النار. ومثل ذلك نجزى من أسرف على نفسه، وانهمك في الشهوات والبعد عن آيات القرآن ولم يؤمن بها الإيمان الصحيح. وأقسم لعذاب الآخرة وأهوالها أشد وأنكى من عذاب الدنيا، لأنه دائم لا ينقطع وهم فيها خالدون. عبر ونصائح [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٢٨ الى ١٣٥] أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)

стр. 1424

المفردات: أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ هدى كاهتدى بمعنى تبين الْقُرُونِ الأمم آناءِ جمع إنى بمعنى وقت وَلا تَمُدَّنَّ المراد: لا تطل نظرهما بطريق الرغبة والميل أَزْواجاً أصنافا زَهْرَةَ الْحَياةِ زينتها وبهجتها بَيِّنَةُ بيان ما في الكتب السابقة نَذِلَّ بعذاب الدنيا، وَنَخْزى بعذاب الآخرة مُتَرَبِّصٌ منتظر ما يؤول إليه الأمر. المعنى: أغفل هؤلاء المكذبون للنبي الكافرون برسالته فلم يتبين لهم خبر من أهلكناهم من الأمم السابقة؟ حالة كونهم يمشون في مساكنهم التي أصبحت خاوية على عروشها وحتى لم يبق من عاد وثمود، وأصحاب الأيكة وقوم لوط أثر ولا عين فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [سورة النمل آية ٥٢] . إن في ذلك لآيات واضحات ولكن لأولى النهى والعقل أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [سورة الحج آية ٤٦] .

стр. 1425

ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير العذاب عنهم، وأجل مضروب ومسمى عند الله لكان إهلاكهم لأجل تكذيبهم لك لازما لهم فورا، ولهذا فاصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك، وصل لربك حامدا له ومستغفرا قبل طلوع الشمس كصلاة الفجر وقبل الغروب كصلاة الظهر والعصر وبعض الليل فسبحه فيه عند صلاة المغرب والعشاء وفي قيام الليل، وعليك بالصلاة خصوصا عند أطراف النهار وعند طلوع الشمس وعند الغروب لعلك أيها المخاطب ترضى بالجزاء الوافر. أما علاج تكذيب المكذبين، وعناد المشركين، وإيلام الكفار للنبي ﷺ وأصحابه بالصبر والسلوان فهذا أمر ظاهر المعنى بين الحكمة وأما العلاج بالتسبيح والاستغفار والصلاة والتكبير فهذا دليل على تأثير الروح في النطاق الجسمى إذ الصلاة والتسبيح غذاء للروح قوى، وإذا قويت الروح كان الإحساس بالتعب الجسمى، وبالألم البدني قليلا بل يكاد ينعدم، ولقد كنا نقرأ حديث النبي ﷺ وهو يقول لفاطمة ابنته: وقد شكت له ما تجد من مشقة (الرحا) حين تديرها لطحن طعامها وطعام بنيها ما معناه: إذا أويت إلى فراشك فقولي: (سبحان الله والحمد لله. والله أكبر ثلاثا وثلاثين) قالت فاطمة: فلم أجد بعد ذلك ما كنت أجد من مشقة أو أذى. فما علاقة التعب الجسماني بالتسبيح والتحميد والتكبير؟!! ولكن ظهر أن هذا للروح والروح إذا قويت لم يشعر الجسم بالتعب، ولقد صدق الله حيث يقول: فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها الآية. وهذا إرشاد آخر، ونصح للنبي ﷺ ونحن أولى به باتباعه، ولا تطيلن النظر إلى ما متعنا به أصنافا من الناس، فتلك زهرة الحياة الدنيا وزينتها وبهجتها، والمعنى: لا تنظر متعجبا طالبا مثله فإنما أعطيناهم لنفتنهم فيه ونبلوهم به، ورحمة ربك في الآخرة خير من هذا كله وأبقى. وليست الآية تأمرنا بالكسل وعدم العمل، ولكنها تنهانا فقط عن أن نتمنى مثل ما في يد الكفار والعصاة من حطام الدنيا الفاني، والواجب أننا لا نجعل الدنيا أكبر همنا، ونترك الآخرة بالمرة بل نعمل للآخرة مؤثرين رضاء الله وطاعته ولا ننسى نصيبنا

стр. 1426

من الدنيا ولا نحزن على فواتها، ولا نفرح لمجيئها «اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا» . وهاك نصحا آخر: وأمر أهلك من أقاربك وأصحابك وأصدقائك بالصلاة، وحببهم فيها، وعلمهم الصبر عليها، واستعينوا بها على قضاء حوائجكم، وفك أزماتكم «كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر- أى: وقع في شدة- هم إلى الصلاة» حديث شريف. كانوا يكثرون من اقتراح الآيات على النبي ﷺ كأنهم لم يقنعوا بما في يد النبي ﷺ من المعجزات. وخصوصا القرآن الكريم المعجزة الباقية. وقالوا عنادا وكفرا: لولا يأتينا بآية من ربه كالعصا والناقة مثلا!! أعموا ولم يأتهم بيان ما في الكتب السابقة، ولقد جاءهم هذا كله في القرآن المهيمن على الكتب السابقة المصدق لها، وفيها أن الأقوام السابقة طلبوا آيات فأجيبوا بها ولم يؤمنوا لها فأهلكهم ربهم بعذاب من عنده. وكيف يطلبون الآية بعد هذا القرآن الجامع الشامل الذي فصل كل شيء تفصيلا وما فرط في شيء أبدا، بل فيه كل الصحف السابقة وزيادة. ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبل نزوله على يد المصطفى لقالوا: لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونؤمن بها من قبل أن نذل في الدنيا ونعذب في الآخرة: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [سورة النساء آية ١٦٥] . قل لهم كل منا ومنكم متربص ومنتظر ما يؤول إليه الأمر، وعند ذلك فستعلمون من أصحاب الصراط السوى والطريق المستقيم، ومن هو على الهدى ومن هو على الضلال؟!!! ولقد علموا نهاية أمرهم، وعاقبة كفرهم..

стр. 1427

سورة الأنبياء مكية عند الجميع، وهي مائة واثنتا عشرة آية، وسميت بذلك لذكر قصص الأنبياء فيها وهي كغيرها من السور المكية، تهدف إلى إثبات عقيدة الإسلام في نفوس المشركين فتراها تعرض لأقوالهم، وترد عليهم مهددة منذرة، وتلفت الأنظار للكون وما فيه حتى يستدل بذلك على خالقه، ثم تعرض لقصص بعض الأنبياء للعبرة والعظة، وهي في البدء والنهاية تصور بعض مشاهد يوم القيامة بأسلوب قوى مؤثر. المشركون ودعواهم والرد عليهم [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١ الى ١٠] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩) لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)

стр. 1428

المفردات: غَفْلَةٍ غفل عن الشيء من باب دخل، وغفلة أيضا وأغفله عنه غيره وقد تستعمل فيمن تركه إهمالا وإعراضا كما هنا، ومنه قيل أرض غفل أى لا علم بها ورجل غفل لم يجرب الأمور مُعْرِضُونَ من أعرض عنه بمعنى أضرب وولى عنه لاهِيَةً ساهية. معرضة. متشاغلة عن التأمل والتفهم النَّجْوَى التناجي والتسار في القول أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ أتتبعونه أَضْغاثُ أَحْلامٍ هي الرؤيا الكاذبة، التي لا يكون لها تأويل، والأضغاث، جمع ضغث والأصل فيه يطلق على قبضة من حشيش مختلط رطبها بيابسها والرؤيا الكاذبة مختلطة غير منتظمة فلا تأويل لها افْتَراهُ اختلقه من تلقاء نفسه الْمُسْرِفِينَ المبالغين في الكفر والظلم. المعنى: لقد صدق عامر بن ربيعة حين جاءه رجل، كان أكرم مثواه في يوم، وقال له أى لعامر: إنى استقطعت رسول الله ﷺ واديا ما في العرب واد أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك فقال عامر: لا حاجة لي في قطعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ.

стр. 1429

افتتح الله هذه السورة بما يوقف الأطماع، ويحدد الاتجاه، وبما يوقفنا على ما كان عليه المشركون المشار إليهم في الآية، وإن كان لفظ الآية يتناول الناس جميعا. اقترب للناس زمان حسابهم، وقرب الوقت الذي فيه يحاسبون على أعمالهم، والحال أنهم في غفلة، وهم معرضون عن الذكر الحكيم. يا للعجب! يقترب الحساب، والناس عنه غافلون، وله ناسون وتاركون، شغلتهم أموالهم وأهلوهم، وهم معرضون ومضربون عما فيه خيرهم، وبه سعادتهم في الدنيا والآخرة إن هذا لعجيب!! هذا أمر في الناس جميعا، وداء أصاب العالم أجمع، ولكن الأوصاف الآتية تجعلنا نتجه بالكلام ناحية المشركين المعاصرين للنبي خاصة فهم الذين لا يأتيهم ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. نعم ما يأتيهم ذكر وقرآن من ربهم محدث يتلوه جبريل على النبي سورة بعد سورة وآية بعد آية، فالقرآن نزل على النبي ﷺ منجما تبعا للحوادث، والقرآن أى: هذا الصوت الذي يسمع بالأذن، والحروف التي ترى بالعين هو حادث بلا شك، وأما القرآن بمعنى كلام الله- سبحانه- النفسي فهو قديم قدم باقى الصفات القدسية. وقيل: الذكر هو ما يذكرهم به المصطفى ﷺ ويعظهم به، وكونه من ربهم فهو موافق لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [سورة النجم آية ٣] ولا شك أن ذكره ووعظه حادث فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ [سورة الغاشية آية ٢١] . ما يأتيهم من ذكر ربهم محدث في حال من الأحوال إلا في حال استماعهم وهم يلعبون ويلهون. لاهية قلوبهم، ومعرضة عن ذكر الله، متشاغلة بالدنيا وزخرفها الكاذب عن الدين وعن ذكر الله الذي به تطمئن القلوب، وتهدأ النفوس. وأسروا النجوى، وهل النجوى تكون في غير السر؟ إنها لا تكون إلا سرا، والمراد أنهم كتموا التناجي قاصدين، وبالغوا في إخفائه ليبحثوا عما يطفئون به نور الله، ويبطلون به رسالة رسول الله! ولكن هيهات لهم ذلك!

стр. 1430

وأسروا النجوى وقال الظالمون منهم: ما هذا إلا بشر مثلكم فكيف يكون رسولا إليكم؟ وهو لا يتميز في شيء عنكم. أفتأتون السحر؟ ومحمد لم يأت إلا بالسحر فكيف تجيئون إليه وتتبعونه؟ والحال أنكم تبصرون الأمور على حقيقتها، ولستم غفلا. ولكن الله أطلع رسوله على ما تناجوا به، وقالوه في السر العميق، وأمره أن يقول لهم: ربي يعلم القول مطلقا سواء جهرتم به أو أسررتم، وسواء كان في السماء أم في الأرض فإنه يعلم السر وأخفى، وهو السميع لكل ما يسمع العليم بطوايا النفوس وخطرات القلوب. وصفوا رسول الله بأنه ساحر وأن ما يقوله سحر، إذ خفى عليهم سببه، مع أنه يبهر العقول، ويأتى بالأعاجيب.. ثم أضربوا عن ذلك ووصفوه بأنه أضغاث أحلام مفتراة، لا نسق فيها ولا نظام، ولا أساس لها ولا تأويل، ثم نظروا إلى القرآن وإلى ما قالوه فيه فعدلوا عن الحكم الأول والثاني وقالوا: لا: بل قد افتراه واختلقه من عند نفسه، وإنه كاذب في دعواه أنه من عند الله. ثم أضربوا عن ذلك، وقالوا: بل هو شاعر يؤثر ببليغ كلامه فيفرق بين المرء وأخيه، وأمه وأبيه. أليس في هذا الاضطراب والتردد، والتلون وتغيير الحكم دليل على أنهم جاهلون بحقيقة ما جاء به، أو عرفوه ولكنهم في حماقة المغلوب ويأس المهزوم رموه بالسحر تارة. والكذب وغيره تارة أخرى. ثم انتقلوا إلى ناحية أخرى فقالوا: إن لم يكن كذلك فليأتنا بآية غير القرآن كما أرسل موسى بالعصا، وصالح بالناقة، ولقد كان سؤالهم هذا سؤال تعنت، ويعلم الله أنهم لا يؤمنون ولو نزل عليهم ما طلبوا وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا [سورة الأنعام آية ١١١] . اقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال فقال الله مجيبا لهم: ما آمنت قبلهم قرية من القرى بعد إجابتهم إلى ما اقترحوا، وقد أهلكناهم بسبب

стр. 1431

اقتراحهم قبل هؤلاء فكيف نعطيهم ما يطلبون؟! وسنة الله لا تتغير أبدا فكيف يؤمن هؤلاء؟ أهم غير الأمم فهم يؤمنون؟!! وما لهم ينكرون لقصر عقلهم أن الرسول لا يكون بشرا؟ وما أرسلنا قبلك في زمن من الأزمان إلا رجالا من البشر يوحى إليهم قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [سورة الكهف آية ١١٠] . أيها الناس: إن شككتم في أن الرسل بشر فاسألوا أهل الذكر من اليهود والنصارى فهم لا ينكرون ذلك أبدا إن كنتم لا تعلمون، وفي هذا تسجيل عليهم بالجهل وعدم المعرفة. وقد كانوا ينكرون على الرسول عوارض البشرية، وخصائص الإنسانية مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ؟ [سورة الفرقان آية ٧] فيرد الله عليهم بقوله: وما جعلنا الرسل ذوى جسد لا يأكلون الطعام، وما جعلناهم خالدين فالرسول بشر يأكل ويشرب وينام، ويأتى النساء إلا أن الله اصطفاه واختاره لرسالته وأنزل عليه دستوره وكتابه الذي يخرج أمته من الظلمات إلى النور. وكان للرسل مع ربهم وعد صريح بنجاتهم ومن آمن معهم، وهلاك الكفار والعصاة من قومهم واقرأ إن شئت قصص الأنبياء في سورة هود. ثم صدقناهم في الوعد ونجيناهم ومن نشاء من المؤمنين بهم، وأهلكنا المسرفين المكذبين، وتلك عاقبة الظالمين. لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم، وشرفكم وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ «١» وفيه ذكر أمور دنياكم ودينكم وأحكام شرعكم، وجزاء أعمالكم أفلا تعقلون؟!! وتتدبرون أمركم ... إنذار وتهديد [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ١١ الى ٢٠] وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ (١٥) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)

стр. 1432

المفردات: قَصَمْنا القصم: الكسر الشديد، وهو أفظع مع الفصم الذي هو الكسر من غير إبانه يَرْكُضُونَ الركض: ضرب الدابة بالرجل، ومنه قوله: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ وركضت الفرس برجلي استحثثته ليعدو، والمراد أنهم يهربون ويسرعون إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم، المترف المتنعم يقال أترف على فلان أى: وسع عليه في معاشه، وعليه وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أى: وسعنا عليهم حَصِيداً محصودين كما يحصد الزرع بالمنجل خامِدِينَ ميتين نَقْذِفُ نرمي، فَيَدْمَغُهُ المراد: يقهره ويهلكه، وأصل الدمغ: شج الرأس حتى الدماغ، ومنه الدامغة زاهِقٌ، هالك، وتالف يَسْتَحْسِرُونَ، يعيون ويتعبون لا يَفْتُرُونَ: لا يضعفون.

стр. 1433

لما حكى الله- سبحانه- عنهم تلك الاعتراضات الواهية، ورد عليهم أبلغ رد وأكده مبينا أنه أنزل لهم كتابا فيه ذكرهم وشرفهم وسعادتهم، وهو المعجزة الباقية. بالغ في زجرهم وتهديدهم بضرب الأمثال وذكر مظاهر القدرة القادرة. المعنى: وكثيرا من القرى قصمناها وأهلكنا أهلها، لأنها كانت ظالمة لنفسها بالكفر وارتكاب الإثم، وأنشأنا بعدها قوما آخرين. روى أن المراد أهل قرية مخصوصة كانت باليمن تسمى (حضور) ، وكان لهم نبي فقتلوه فانتقم الله منهم، ولما رأوا أمارة العذاب خرجوا هاربين، فقالت لهم الملائكة استهزاء بهم: لا تركضوا وارجعوا فرجعوا وقتلوا. فلما رأوا القتل قالوا يا ويلنا: إنا كنا ظالمين، ولكن هيهات أن ينفع الندم..!! فلما أحسوا بأسنا، ورأوا عذابنا الشديد إذا هم يهربون ويفرون مسرعين يركضون دوابهم ويستحثونها، عندئذ. قيل لهم من الملائكة: لا تركضوا، وارجعوا إلى نعمكم التي أبطرتكم وحملتكم على الظلم والكفر والغرور لعلكم تسألون، من الذي أنزل بكم هذا؟! أو تسألون لماذا كان هذا العذاب؟! لما قالت لهم الملائكة: لا تركضوا، وارجعوا إلى مساكنكم ونعمكم، ونزل بهم العذاب من كل جانب كانوا يسمعون مناديا يقول: يا لثارات الأنبياء!! قالوا حينذاك: يا ولينا ويا هلاكنا. إنا كنا ظالمين! فما زالت تلك دعواهم، وما زالوا يرددون تلك المقالة حتى جعلهم ربك كالزرع المحصود بالمنجل، خامدين ميتين لا حركة بهم، كالنار إذا انطفأ لهيبها وأصبحت خامدة لا حياة فيها. هذا هو الحكم العدل، والقول الفصل، ما يفعل الله بهم هذا إلا بسبب ظلمهم وكفرهم، وها هي ذي آيات عدل الله، ناطقة شاهدة. وما خلق السماء المرفوعة، والأرض الموضوعة، وما بينهما من عجائب الخلق للهو واللعب كما يفعل بعض الخلق في دنياه، ولكنها آيات شاهدة على حكمة الحكيم، وقدرة القادر العليم، وعدل الحق- ، وكانت ميادين للتفكير السليم، والنظر

стр. 1434

الصحيح الذي يوصل إلى العبادة الخالصة لخالقهما، وكانت من نعم الله على خلقه ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [سورة الدخان آية ٣٩] فانظروا لها واعتبروا بها. لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا، ومن جهة قدرتنا، ولكنا لم نرد إلا الحكمة والصواب فيما خلقنا وفعلنا، وما كنا فاعلين اللهو واللعب أبدا. وبعضهم يفسر اللعب بالولد، واتخاذه من لدن الله أى: من الملائكة، وذلك ردا على من اتخذ المسيح أو عزيرا ابنا لله- . بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وبل هنا إضراب عن اتخاذ اللهو واللعب، وتنزيه منه لذاته كأنه قال: سبحاني! لا أتخذ اللهو واللعب من عاداتي، بل من صفاتنا وموجب حكمتنا، وتنزهنا عن القبيح أن نغلب الجد على اللهو واللعب، وندحض الباطل بالحق، استعار القذف والدمغ لضياع الباطل وفنائه، لتصويره بالصورة الحسية المؤثرة، وبيان أثر الحق في محو الباطل ومحقه، فجعل الحق كأنه جرم صلب كالصخرة يقذف به في وجه الباطل، وهو رخو لين، فدمغه وشج رأسه، حتى لم يعد له بقاء في الوجود. إنه لتصوير رائع مؤثر يهز النفوس، ويستولى على المشاعر، ويجعلنا نتصور الباطل كسير الجناح، ذليل النفس، مشوه الوجه فَإِذا هُوَ زاهِقٌ. ولكم أيها الظالمون المشركون الويل والثبور والهلاك والدمار، مما تصفون به ربكم من اتخاذ الولد والشريك- ، وكيف يكون ذلك؟ وله من في السموات والأرض، ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا، فكيف يكون له فيهما شريك؟ ومن خلقه فيهما مجادل ومخاصم؟! ومن عنده من الملائكة لا يستكبرون عن عبادته، والعندية عندية مكانة وتشريف فكيف بكم تستكبرون عن عبادته؟ والملائكة همهم العبادة ليلا ونهارا، لا يستكبرون ولا يعيون، ولا يتعبون، خلقوا هكذا، ليس فيهم داعية من دواعي الشر، وهم لا يفترون ...

стр. 1435

مناقشة المشركين في عقائدهم [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٢١ الى ٢٩] أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) المفردات: يُنْشِرُونَ: النشر: إحياء الموتى من قبورهم، والحشر: سوقهم إلى أرض المحشر لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ لا يتقدمون عليه في قول، بل يقولون بعد قوله، ويصدرون بعد أمره مُشْفِقُونَ خائفون.

стр. 1436

ما تقدم من أول السورة إلى هنا كان في باب النبوات، وما يتصل بها من نقاش وأما هذه الآيات فهي في بيان التوحيد، ونفى الشريك. ويقول الزمخشري- ﵀ وأسكنه فسيح جناته جزاء ما قدمه لخدمة القرآن وبيان أسراره- فيما كتبه في الكشاف عن «أم» التي في هذه الآية: وهذه أم المنقطعة التي هي بمعنى بل (الإضرابية) والهمزة. قد آذنت بالإضراب عما قبلها والإنكار لما بعدها.. المعنى: بل اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون؟!! والمنكر هو اتخاذهم آلهة من الأرض تحيى الموتى للبعث والحساب، نعم إن من أفظع المنكرات أن يحيى الجماد الموتى، عجبا هم ينكرون البعث والحساب ويقولون: أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد؟ من يحيى العظام وهي رميم؟!! ثم بعد ذلك يتخذون آلهة من الأرض هم ينشرون!! نعم في اتخاذهم هذه الأصناف آلهة إلزام لهم بأن ينسبوا لها إحياء الموتى، فإنه لا يقدر على إعادة الحياة إلا الإله الذي بدأ الحياة، وفي هذا من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل لهم ما لا يخفى فإن ما استبعدوه على الله من البعث لا يصح لأنه لازم للألوهية وانظر إلى قوله- تعالى-: آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ!! فإنهم من الأرض! ولا تعبد إلا فيها ... لو كان في السماء والأرض آلهة شتى تدبر أمرها غير الواحد الأحد الفرد الصمد الذي فطر السموات والأرض لفسدتا إذ من المعلوم أن أى عمل يفسد بتدبير رئيسين كل يدعى لنفسه حق الرياسة والتوجيه لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف، ولله در عبد الملك بن مروان إذ قال حين قتل عمرو بن سعيد: كان والله أعز على من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول، ولعلماء التوحيد في بيان الفساد عند وجود الشريكين أدلة منطقية وفروض شتى ليس هذا مكانها، وإن حسن الاطلاع عليها. ولما أقام الله- الأدلة القاطعة على التوحيد قال: فسبحان الله رب العرش عما يصفون: نزه الله نفسه، وأمرنا أن ننزهه عما يصفه المشركون.

стр. 1437

فهو الله لا إله إلا هو فاطر السموات والأرض. رب العرش، وسع كرسيه السموات والأرض تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. بعض من يدعى الشريك لله يرى أن في العالم نورا وظلمة، وخيرا وشرا وغير ذلك مما يشبهه ويقول: لا يمكن أن يصدر هذا من إله واحد. إذ يسأل عن الشر لم فعلته وأنت إله الخير؟ فرد الله عليهم بقوله: إنما هو إله واحد يصدر عنه كل شيء في الوجود، وهو لا يسأل أبدا عن فعله لم فعلت؟! والخلائق هي المسئولة عن أعمالها ومجزية عنها. وإذا كان الرئيس الموثوق فيه لا يسأل عن عمله، مع أنه عرضة للخطأ لأنه مخلوق ضعيف، فكيف بالخالق- ؟! أم اتخذوا من دون الله آلهة؟! قل: هاتوا برهانكم ودليلكم على ذلك إن كنتم صادقين. هاتوا برهانكم من جهة العقل، ولن تجدوا. أما من جهة النقل فلن تجدوا، هذا هو الكتاب المنزل على من معى، وهذا ذكر من قبلي أى الكتاب المنزل على من تقدمني من الأنبياء كموسى وعيسى وداود فعندكم القرآن الذي نزل علىّ، والتوراة التي نزلت على موسى، والإنجيل الذي نزل على عيسى والزبور الذي نزل على داود، هل في هذه الكتب حجة لكم على الشرك بالله. بل أكثرهم لا يعلمون فهم الجهلاء بأنفسهم وبما يدعون. ذلك الكتاب المنزل عليكم هو الحق من عند ربكم فاسمعوا له وأطيعوا، وإلا فأنتم معرضون عنه، ومن أعرض عن ذكر الله فإن له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى. وها هي ذي خلاصة الرسالات السماوية من لدن آدم إلى محمد ﷺ جميعا، أنه لا إله إلا هو فاعبدوه وحده لا تشركوا به شيئا أبدا فهل لكم حجة عقلية أو نقلية في اتخاذ الآلهة من دون الله؟!! ثم بعد ذلك نفى اتخاذ الولد له- سبحانه- فإن الولد يشبه أباه في شيء ويخالفه

стр. 1438

في شيء واتخاذ الولد أمارة الحدوث والحاجة، ودليل مشابهة الحوادث، والله- سبحانه- منزه عن ذلك كله. وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، قيل: نزلت في خزاعة حينما ادعوا أن الملائكة بنات الله وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [سورة الصافات آية ١٥٨] . : نزه الله نفسه عن ذلك، وأمرنا أن ننزهه عن ذلك، ثم أخبر عن الملائكة أنهم عباد والعبودية تتنافى مع الولدية، فهم عباد إلا أنهم مكرمون ومقربون ومفضلون على كثير من الخلق لما هم عليه من العبادة، فهم خلق من خلق الله دأبهم العبادة ليلا ونهارا، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يسبقونه في قول بل يعملون كما يؤمرون لا علم لهم بشيء بل الله يعلم ما بين أيديهم من أحوال القيامة وما خلفهم من أحوال الدنيا، وهم لا يشفعون إلا لمن ارتضاه ربه من عباده المؤمنين ثم مع هذا كله هم من عذاب ربهم مشفقون وخائفون. فكيف تجعلونهم أولادا لله؟!!، وكيف تكفرون أنتم بالله بعد هذا؟!! وبعد أن وصفهم الله بما وصف فاجأهم بالوعيد الشديد، وأنذرهم بالعذاب الأليم ليعتبر الناس وليعلموا جرم الشرك، وفظاعته عند الله، وعظم شأن التوحيد ومكانته عند الله فقال: ومن يقل منهم- على سبيل الفرض- إنى إله من دون الله فسنجزيه جهنم وبئس القرار. مثل ذلك نجزى نحن الظالمين والمشركين فإنه لا يفعل معهم هذا إلا الله الواحد القهار. الأدلة الكونية على وجود الواحد الأحد [سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٠ الى ٣٣] أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلاً لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)

стр. 1439

المفردات: رَتْقاً الرتق السد ضد الفتق يقال رتقت الفتق أرتقه فارتتق أى التأم والمراد كانت ملتزقتين ففصل الله بينهما رَواسِيَ جبال ثوابت أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ خوف أن تتحرك وتضطرب فِجاجاً مسالك وطرقا، والفج: الطريق الواسع بين الجبلين الفلك: مدار الشمس والقمر والنجوم. هذه هي الأدلة المادية على وجود الواحد الصانع القادر المختار بعد الأدلة العقلية والنقلية ومناقشة الكفار السابقة في اتخاذهم شريكا له، وفي هذا لفت لأنظار المشركين إلى جهة الكون وما فيه. المعنى: أعموا ولم يروا أن السموات وما فيها والأرض وما عليها كانت رتقا، وكانت السماء والأرض جزءا واحدا ففتقهما القادر المختار وجعل كل جزء في جهة ويدور في فلك، ويؤدى مهمته على أكمل وجه. يا أخى: اعلم أن القرآن معجز حقا، وليس إعجازه في جمال أسلوبه. وكمال نظامه وترتيبه فقط ولكنه معجز أيضا في دلالته على أمور علمية دقيقة عميقة، لم تظهر لنا إلا بعد أن أثبتها العلم بما لا يقبل الشك، فإذا عدنا إلى القرآن وجدناه ينادى بها من القرن السادس الميلادى، أيام كانت الدنيا تغوص في بحر الجهالة والضلالة، فمن أعلم محمدا بهذا، ومن الذي علمه ذلك!!؟

стр. 1440

ولكنها المعجزة الباقية الخالدة التي تثبت الأيام صدقها في كل شيء سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ «١» والغريب أن القرآن نزل يخاطب العرب الذين لا يعرفون هذه الحقائق وطالبهم بعد ثبوت إعجازه بالإيمان بها غيبيا وأمرهم أن يحملوا تلك الأمانة للناس إلى أن يعرفوا علميا حقائق الكون فإذا بها في القرآن من أربعة عشر قرنا. من هذه نظرية السديم. فقد أثبت العلم أن الشمس والكواكب والأرض كلها كانت قطعة واحدة ثم انفصلت بكثرة الدوران وبقدرة الحكيم الخبير فصارت إلى ما نرى من الدقة والنظام بفعل الجاذبية الذي خلقه الله في الكون. أليس هذا هو عين ما يقوله القرآن الكريم أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما ولقد سبق أن تكلمنا عن نظرية خلق السموات والأرض «نظرية السديم» في الجزء الثاني عشر ص وقد ذكروا رأيا آخر في الآية: أن السموات والأرض كانتا رتقا لا تمطر ولا تنبت ففتقنا السماء بالمطر والأرض بالنبات. وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ وقد جعل الله- كل شيء حي من الماء يغتذى به ويرويه، ولا يمكن أن يصبر عليه وهو حي، على أنه أصله فالحيوان من النطفة التي هي ماء، والنبات لا ينبت أبدا إلا بالماء. فالماء عنصر مهم جدا لحياة الكائن الحي من حيوان ونبات، ألم تر أن الحيوان قد يعيش بدون غذاء حوالى سبعين يوما ما دام يشرب ماء، ولا يعيش بدون الماء أياما قليلة، والنبات يجف ويموت وهو في وسط الأرض التي منها غذاؤه إذا لم يرو بالماء، فالماء والكائن الحي صنوان لا يفترقان فإذا افترقا هلك الحي. وجعلنا في الأرض رواسى شامخات من الجبال خوف أن تميد بالناس وتضطرب، وهي تدور حول نفسها وحول الشمس. وجعلنا فيها طرقا واسعة وأودية مترامية الأطراف بين الجبال ليصلح عليها السير والإنبات لعلكم تهتدون إلى الصانع المختار.
следующие страницы →