← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

أراد شيئا حصل بدون إمهال أو تأجيل كالأمر إذا أمر بشيء وقال له: كن فيكون الشيء قطعا. ومن كان هذا وصفه أيشبه المخلوقات فيكون له ولد ويحتاج إلى شيء حتى يكون له ولد وهل من المخلوقات شيء يماثله حتى يكون إله أو جزء إله. تعالى الله عما يشركون!! وها هو ذا عيسى- ﵇ نفسه يقول: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وكما حكى إنجيل متى عنه في الإصحاح الرابع آية ١٠ قال له يسوع: اذهب يا شيطان لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد، إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ. أما أهل الكتاب فاختلفوا فيما بينهم كما رأيت بين إفراط وتفريط في شأن عيسى وأمه ولم تنجح إلا طائفة آمنت بعيسى على أنه نبي مرسل، وهو بشر خلق من غير أب ليكون آية للناس. أما غيرها فويل وهلاك للكافرين منهم الذين ألهوا المسيح أو ذموه ورموا أمه بالزنى ويل لهم حيث يشهدون يوم القيامة ذلك اليوم العظيم الهول. ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتون، وقد كانوا قبل ذلك لا يسمعون ولكن فات الأوان قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [سورة المؤمنون الآيتان ٩٩ و ١٠٠] . وأنذرهم يا محمد يوم الحسرة وقد قضى الأمر وهم غافلون لا يؤمنون، وأعلمهم أن الله يرث الأرض ومن عليها، وإليه يرجع الأمر كله. قصة إبراهيم مع أبيه [سورة مريم (١٩) : الآيات ٤١ الى ٥٠] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)

стр. 1367

المفردات: صِدِّيقاً مبالغا في الصدق والتصديق سَوِيًّا مستقيما عَصِيًّا كثير العصيان وَلِيًّا ناصرا وقرينا له حَفِيًّا حفى به حفاة فهو حفى به أى: مبالغ في إكرامه وإلطافه والعناية به مَلِيًّا أى: زمنا طويلا لِسانَ صِدْقٍ المراد ثناء حسنا وسيرة عطرة. لقد مضت قصة عيسى التي نفى فيها القرآن أكذوبة الولد، وها هي ذي قصة إبراهيم أبو إسماعيل الذي ينتسب إليه العرب ويدعون أنهم على دينه وأنهم سدنة بيته، وفيها نفى الشرك ودحض عبادة الأوثان.

стр. 1368

المعنى: واذكر يا محمد في الكتاب المنزل عليك إبراهيم الخليل، واتل عليهم نبأه وقت أن جادل أباه آزر، وقال له. يا أبت لم تعبد حجرا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغنى عنك شيئا من الغناء؟!! وانظر إلى أبينا الخليل إبراهيم وهو يخاطب أباه متلطفا بقوله: يا أبت!! ويستفهم منه عن السر في تلك العبادة فإن المعبود لو كان حيا يسمع ويبصر وينفع ويضر في شيء، وهو مع ذلك مخلوق لكانت عبادته دليلا على قصر العقل وسوء الرأى وفساد الطبع.. ولو كان من أشرف الخلق كالأنبياء والملائكة وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وذلك أن العبادة غاية في التعظيم، ومنتهى التقديس ولا يكون ذلك لمخلوق أبدا أيا كان وضعه. فما بالك لو كان المعبود حجرا لا يسمع عبادتك، ولا يبصر قربانك، ولا يغنى عنك شيئا من الغناء؟! وفي الاستفهام عن السبب لفت للنظر عميق يبعث على الشك والبحث. يا أبت إنى قد جاءني من العلم شيء لم يأتك فاتبعنى أهدك الصراط المستقيم، والسبيل الحق، وانظر إلى الخليل- صلوات الله عليه- لم يصف أباه بالجهل، ولا نفسه بالعلم الكامل فإن ذلك ينفر الناس، ويمنع الجليس من الائتناس، بل قال إنى أعطيت شيئا من العلم قليلا، ولم تعطه، ولا ضير عليك في شيء إن اتبعت ابنك حتى يهديك إلى الصراط المستقيم، يا أبت هب أننا سائران في الطريق وأنا على علم به أفلا يكون من الخير أن تتبعني حتى تصل إلى بر السلامة، وأنت أبى على كل حال وأنا ابنك البار.. وهذا جذب لأبيه ليصل إلى الحق بطرق سديدة، يشككه في اعتقاده ثم يلمح له بأن الخير في اتباعه وترك ما هو عليه. وانظر إلى أبى الأنبياء وهو يقول لأبيه: يا أبت لا تعبد الشيطان، إن الشيطان كان للرحمن كثير العصيان. آزر أبو إبراهيم كان يعبد الأصنام، وما كان يعبد الشيطان، إلا أن عبادتها لا يمكن أن تصدر عن عقل أو عاطفة أو غريزة، ولكنها تنشأ عن وسوسة الشيطان وإغوائه فكانت عبادتها عبادة له، وطاعة لإغوائه! والشيطان هو ما تعرفون، عدو أبيكم آدم،

стр. 1369

وعدوكم يا بنى آدم جميعا، لا يريد لكم إلا كل شر، ولا يزين لكم إلا كل إثم وبهتان وهو قد عصى ربكم في السجود لآدم، وعصاه في كل ما أمره به، أمن الخير أن يطاع هذا الشيطان، ويسمع لإغوائه في عبادة الأصنام، وترك عبادة الرحمن؟! وها هو ذا إبراهيم- ﵇ يحذر أباه سوء العاقبة، وينذره بالشر الوبيل فيقول: يا أبت إنى أخاف أن يصيبك عذاب من الرحمن ربك وخالقك فتكون بذلك للشيطان قرينا في النار، وتكون بهذا وليا له وناصرا. وفي ذكر الخوف من العذاب والمس له دون الإصابة به، وتنكير العذاب المفيد للتقليل أدب جم، وتلطف كريم ليس غريبا على إبراهيم خليل الرحمن. أما إجابة الكافر الغليظ القلب الجاف فكانت على صورة بشعة حيث قال: أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم؟ لئن لم تنته عن تعرضك للآلهة لأرجمنك وأشتمنك فاحذرنى واهجرني زمنا طويلا، وابتعد عنى وأنت سالم البدن والعرض. انظر إلى آزر، وقد قابل استعطاف إبراهيم- ﵇ وتلطفه في إرشاده بالفظاظة حيث ناداه باسمه بدل قوله: يا بنى وبدأ الكلام بقوله: أراغب، للإشارة إلى أن الرغبة عن الآلهة أمر يهمه أكثر من غيره. وصدره بهمزة الاستفهام المفيدة للإنكار والتعجب وجعلها مسلطة على الرغبة للإشارة إلى أن نفس الرغبة مما ينبغي أن تكون، وأن الآلهة ما ينبغي أن يرغب عنها عاقل، ثم بعد هذا هدده بالرجم باللسان أو بالحجارة إن لم يكف عن التعرض لذكر الآلهة بالسوء. قال إبراهيم إزاء ذلك: مقالة المؤمن الكامل سلام عليك سلام توديع وترك لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [سورة القصص الآية ٥٥] ومع هذا كله فأنت أبى سأستغفر لك ربي، وأدعو لك بالهداية والتوفيق، إنه كان بي حفيا بارا لطيفا، وهو لن يضيعني في سفري، ولن ينساني أبدا، وقد كان كذلك. استغفار إبراهيم لأبيه: الثابت أن إبراهيم- ﵇ استغفر لأبيه مدة طويلة قيل حتى مات وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [سورة الشعراء آية ٨٦] ، رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ [سورة إبراهيم آية ٤١] .

стр. 1370

وقد استغفر المسلمون لقرابتهم من المشركين في ابتداء الإسلام اقتداء بإبراهيم- ﵇ حتى أنزل لله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [سورة التوبة الآيتان ١١٣ و ١١٤] قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ [الممتحنة ٤] فامتنع المسلمون بعد نزول هذه الآيات عن الاستغفار للكفار على أن الاستغفار لهم وهم أحياء بمعنى طلب الهداية والتوفيق لهم في حياتهم شيء لا غبار عليه كما مر في تفسير آيات التوبة، والممنوع هو الاستغفار لهم بعد موتهم.. وعلى ذلك فقول بعض الناس: المرحوم فلان وهو ممن نعلم أنه مات على غير الإسلام ليس بسديد. فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله أكمل عليه النعمة، وألبسه ثوب العافية ووهب له إسحاق وأبيه يعقوب، وجعل كل واحد منهما نبيا، ووهبنا لهم بعض رحمتنا وجعلنا لهم ثناء صادقا وسيرة طيبة، فكل الأديان والأنبياء من سلالتهما، وكل الأديان تحترم إبراهيم، وإسحاق ويعقوب وذريتهم. والعرب يدعون أنهم على دين إبراهيم، وهم من سلالته، فذكرت لهم قصته وموقفه من أبيه وقومه ليعتبروا ويتعظوا. ذكر بعض الأنبياء ﵈ [سورة مريم (١٩) : الآيات ٥١ الى ٥٨] وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا (٥٨)

стр. 1371

المفردات: مُخْلَصاً أى: أخلصه الله واختاره لنفسه، وقرئ مخلصا أى: أخلص في العبادة وابتعد عن الشرك والرياء رَسُولًا هو النبي صاحب الشريعة والكتاب. والنبي من ينبئ عن الله وله وحى وليس له كتاب كيوشع مثلا ويحيى وزكريا فكل رسول نبي ولا عكس نَجِيًّا أى: مناجيا ومصاحبا. وهذه سلالة إبراهيم وذريته، فخذوهم مثلا عليا لكم أيها المسلمون. المعنى: واذكر يا محمد في الكتاب، واتل عليهم نبأ موسى- ﵇، إنه كان مخلصا في عبادته بعيدا عن الرياء والسمعة. والشرك بكافة أنواعه، وقد أخلصه الله لنفسه واجتباه وخلص الله نفسه من الدنس وحب الدنيا، وكان رسولا نبيا، وناداه ربه من جانب الجبل المسمى بالطور الجانب ذي اليمن والبركة أو الجانب الواقع في الجهة اليمنى لموسى- ﵇، وقربناه تقريب تشريف حالة كونه مناجيا للحضرة العلية، تراه مثل حاله بحال من قربه الملك لمناجاته واصطفاه لمصاحبته، ولله المثل الأعلى، وقيل قربه تقريب مكان حتى سمع صريف الأقلام، وكلام الكبير المتعال، ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون، وجعلناه نبيا كما طلب من المولى وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي «١» ، قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ «٢» قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى «٣» .

стр. 1372

واذكر في الكتاب إسماعيل بن إبراهيم وأبو النبي الكريم محمد ﷺ إنه كان صادق الوعد نعم الصادق للوعد وفي وعده سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً [سورة الكهف آية ٦٩] وكل الأنبياء متصفون بصدق الوعد إلا أنها صفة بارزة في إسماعيل وصدق الله وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ [سورة الصافات آية ١٦٤] وكان إسماعيل رسولا نبيا، وكان يأمر أهله وقومه بالصلاة والزكاة التي كانت مفروضة عليه عند ربه مرضيا عليه. واذكر في القرآن أو في هذه السورة إدريس إنه كان مبالغا في الصدق وكان نبيا ورفعه الله مكانا عليا، رفعه الله رفع مكانة وتشريف وهو الظاهر، وقيل.. رفع مكان أى في السماء كما نطقت السنة الكريمة والله أعلم. أولئك- يا محمد- الأنبياء الذين مر ذكرهم عليك في هذه السورة وعددهم عشرة أولهم زكريا وآخرهم إدريس ﵈ جميعا. أولئك الذي أنعم الله عليهم واختارهم واجتباهم للنبوة والرسالة وكانوا من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح، ومن ذرية إبراهيم- ﵇، ومن ذرية إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق، وممن هديناهم إلى الخير، واجتبيناهم، فهم خيار من خيار من خيار، وهم شجرة طيبة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، سلالة كريمة، وذرية بعضها من بعض، والله فضلهم خلقا وأصلا ونسبا، هؤلاء إذا تتلى عليهم آيات الرحمن المنزلة عليهم سقطوا ساجدين باكين بقلوبهم وعيونهم، وهكذا من خالط قلبه حب الإيمان وأشرب في قلوبهم حب القرآن.. عن رسول الله ﷺ «اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا» . وعن صالح المري- ﵁ «قرأت القرآن على رسول الله ﷺ في المنام فقال لي هذه القراءة يا صالح فأين البكاء» ؟ ولبعض آيات القرآن إذا قرأتها أو سمعتها سجدة مستحبة تسمى سجدة التلاوة وفي المصحف علامات لها، ويستحب أن تدعو الله وأنت ساجد فيها فتقول في آية السجدة التي في سورة السجدة. اللهم اجعلنى من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك من أن أكون من المستكبرين عن أمرك.. وفي سجدة الإسراء: اللهم اجعلنى من الباكين إليك الخاشعين لك! وفي سجدة سورة مريم أى: في هذه الآيات تقول. اللهم اجعلنى من عبادك المنعم عليهم المهتدين الساجدين لك الباكين عند تلاوة آياتك هذ بعض ما ورد ولا مانع من أن تدعو بما تحب مع الخشوع والخضوع لله منزل القرآن الكريم.

стр. 1373

من آثار بعثة الرسل ﵈ [سورة مريم (١٩) : الآيات ٥٩ الى ٦٣] فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) المفردات: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ جاء عقبهم خَلْفٌ وفي اللغة يقال لعقب الخير خلف ولعقب الشر خلف غَيًّا الغي الشر، والخير هو للرشاد، قال المرقش شاعر عربي قديم. فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغولا يعدم على الغي لائما مَأْتِيًّا مفعولا منجزا لَغْواً اللغو فضول الكلام الذي يلغى ولا طائل تحته. هذه نهاية الناس بعد ما ترسل لهم الرسل مبشرين ومنذرين. المعنى: فخلف من بعد الرسل والأنبياء خلف، وجاء عقبهم جماعة أضاعوا الصلاة ولم يقيموها كاملة تامة الأركان والشروط، بل أضاعوها وتركوها بالمرة، واتبعوا شهوات نفوسهم، وما تشتهيه أبدانهم من المحرمات كالخمر والزنى والربا وفعل المنكر، فهؤلاء

стр. 1374

سوف يلقون جزاء غيهم ولا يلقون إلا شرا لا خير فيه، إلا من تاب، وآمن وعمل صالحا يرضى الله فأولئك يدخلون الجنة، ولا يظلمون شيئا مما عملوه قبل التوبة وبعدها. وهذا حكم عام يدخل فيه الناس جميعا من اليهود والنصارى والمسلمين وغيرهم يدخلون الجنة، جنات عدن وهي نوع من الجنة، وفيها الإقامة والمكث وهي التي وعد الرحمن بها عباده متلبسين بالغيب فآمنوا بها وعملوا لها فاستحقوا نعيمها، إنه كان وعده بالجنة مفعولا وحاصلا حتما، ومن وعد الجنة فإنه يأتيها، لا يسمعون فيها لغوا أبدا، وممن يسمعون اللغو؟ أمن المؤمنين؟ أم من الملائكة؟!! لكن سلام بعضهم لبعض، وسلام الملائكة عليهم موجود، فهم لا يسمعون ما يؤلهم وإنما يسمعون ما يسرهم. ولهم رزقهم حسب ما يطلبون، والمعتدل من الناس إنما يطلب الأكل بكرة وعشيا أما النهم الحيواني فهو يأكل متى شاء، وسكان الجنة قوم معتدلون متوسطون في طلبهم. تلك الجنة التي نورثها لعبادنا الأتقياء ونحفظها عليهم كما يحفظ المال للوارث، فهم أصحاب حق- لما قدموا من العمل- في هذا النعيم كما أن الوارث صاحب حق في مال مورثه، والله أعلم. الأمر كله بيد الله [سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٤ الى ٦٥] وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)

стр. 1375

المفردات: نَتَنَزَّلُ النزول على مهل نَسِيًّا ناسيا سَمِيًّا شريكا له في الاسم أو في المسمى بمعنى ليس له مثيل ولا شبيه. سبب النزول. روى أن جبريل احتبس أربعين يوما، وقيل خمسة عشر يوما، وذلك حين سئل الرسول عن قصة أصحاب الكهف، والروح، وذي القرنين، فلم يدر بما يجيب، ورجا أن يوحى إليه فيه فتأخر الوحى فشق ذلك عليه مشقة شديدة، وقال المشركون. ودعه ربه وقلاه فلما نزل جبريل- ﵇ قال له النبي ﷺ . أبطأت حتى ساء ظني واشتقت إليك! قال إنى كنت أشوق، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست وأنزل- سبحانه- هذه الآية وسورة الضحى. المعنى: يقول الله- حكاية على لسان جبريل حين استبطأه النبي، وما ننزل إلا بأمر ربك فليس نزولنا وقتا بعد وقت عن أمرنا، وإنما هو بأمر ربك على حسب الحكمة! وما يراه صوابا، ثم أكد هذا بقوله: له ما بين أيدينا من الجهات والأماكن، وما خلفنا منها، وما بين ذلك مما نحن فيه، فلا نملك أن ننتقل من جهة إلى أخرى، ومن مكان إلى مكان إلا بأمر المليك ومشيئته- فهو الحافظ العالم المحيط القادر المقتدر الذي لا يجوز عليه الغفلة والنسيان وما ربك ناسيا لشيء أبدا، بل هو المحيط بكل شيء لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، رب السموات والأرض، وما بينهما فكيف نقدم على فعل إلا بعد أمره وإذنه على حسب حكمته، وما كان ربك ناسيا لك، وما ودعك ربك وما قلاك. وقيل: هو حكاية لقول المتقين حين يدخلون الجنة على معنى، وما ننزل الجنة إلا بأمر ربك حيث يمن علينا بالثواب، وهو المالك لرقابنا المتصرف في أمورنا، وما كان ربك ناسيا لأعمالنا التي قدمناها في الدنيا، وكيف يجوز النسيان على رب السموات والأرض وما بينهما؟!! ثم يقول لرسوله: وحين عرفت ربك بهذا الوصف العالي وهو الموصوف بكل جميل

стр. 1376

المنزه عن كل قبيح فاعبده، وأقبل على العمل الصالح يثبك كما أثاب غيرك من المتقين الأبرار، واصطبر للعبادة ففيها الشدائد، ولكن لها ثوابها هل تعلم له سميا سمى باسم الله أو اسم الرحمن، هل تعلم له من يشاركه في مسماه ويشبهه في شيء. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ولما انتفى المشارك لله استحق أن يكون هو المعبود بحق دون سواه، وأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، والاستفهام في الآية للإنكار، والمراد بنفي العلم هنا نفى الشريك على أبلغ وجه. المنكرون للبعث وجزاؤهم [سورة مريم (١٩) : الآيات ٦٦ الى ٧٢] وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) المفردات: جِثِيًّا جمع جاث والمراد أنهم بركوا على ركبهم يقال: جثا يجثو إذا جلس على ركبته شِيعَةٍ فرقة تشيعت لشخص أو لمبدأ عِتِيًّا عصيانا يقال عتا يعتو عتوا أى: صار عاتيا عاصيا صِلِيًّا دخولا يقول صلّى النار يصلى دخلها.

стр. 1377

المعنى: ويقول بعض أفراد الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا: وأبعث للحساب؟!! إن هذا لعجيب!! نعم يقول الكفار منكرين مستبعدين الحياة للبعث والثواب: أحقا أنا سنخرج أحياء بعد أن متنا، وتمكن فينا الموت والهلاك؟! والمراد الخروج من القبر أو حال الفناء، وانظر يا أخى إلى تصوير القرآن لإنكارهم الشديد وأنه منصب على ما بعد الموت، وهو كون الحياة منكرة، ولذا قال: أإذا ما مت لسوف أخرج حيا؟ فهو كقولك أحين تمت عليك نعمة فلان تسيء إليه؟؟ ويقول الله- في الرد على هؤلاء: أيقول الكافر ذلك ولا يتذكر أنا خلقناه من قبل، ولم يك شيئا؟!! أيقول الكافر ذلك ولا يتذكر نشأته الأولى، حتى لا ينكر إعادته للبعث فإن الأولى أعجب وأغرب، وأدل على قدرة الله حيث خلقه، ولم يك شيئا أبدا فقد خلقه من غير مثال يحتذيه ولا نظام سابق يعيده ويحييه، وأما الحياة الثانية فقد تقدمت نظيرتها، وكل ما فيها إعادة تأليف أجزاء تبعثرت، وتركيبها كما كانت فالإعادة أهون بالنسبة للأولى، وإن كان البدء والإعادة سواء عند الله- . فوربك يا محمد لنحشرنهم والشياطين، إنه قسم من الله برب محمد فهو تشريف له وأى تشريف؟ والله أقسم ليحشرنهم جميعا بعد بعثهم من قبورهم، ومعهم الشياطين التي هي سبب إغوائهم وضلالهم ليأخذ الكل جزاءه غير منقوص وليروا بأنفسهم أن الشيطان أضلهم وأعمى أبصارهم وسيتنصل منهم وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ [سورة إبراهيم آية ٢٢] . ثم بعد هذا لنحضرنهم جميعا حول جهنم جاثمين على ركبهم غير قادرين على الوقوف على أرجلهم من شدة الهول وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً [سورة الجاثية آية ٢٨] . وهل الضمير هنا في قوله لَنُحْضِرَنَّهُمْ للعموم أو للكفار فقط؟ وهذا سيظهر عند الكلام على قوله: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها.

стр. 1378

ثم بعد هذا لننزعن من كل شيعة الذي هو أشد على الرحمن عصيانا وفسوقا، والمعنى نختار من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم فأعصاهم فإذا اجتمعوا في غل واحد طرحناهم في الحجيم على الترتيب نقدم أولاهم بالعذاب فالذي بعده وهكذا. ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بجهنم صليا ودخولا، ومن هذه الآية وأشباهها نعلم أن الله- جعل لأئمة الكفر وقادة الضلال عذابا أشد، ودركا أسفل في النار الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ [النحل ٨٨] وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ [العنكبوت ١٣] . وإن منكم من أحد إلا واردها، كان على ربك حتما مقضيا، وفي هذه الآية الحكم بورود جميع الخلق على النار، ومن هنا اختلف المفسرون في معنى الورود. فهل هو الدخول بالفعل؟ أو هو المرور عليها من غير دخول؟ قيل الناس جميعا يدخلونها فأما المؤمنون فتكون عليهم بردا وسلاما، وروى في تلك أن النبي ﷺ سئل عن ذلك فقال. إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار فيقال لهم قد وردتموها وهي جامدة ، وأما قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ «١» فالمراد أنهم مبعدون عن عذابها، ولعل الحكمة في الورود بهذا المعنى ليروا ما أعد للكافرين والعصاة، وما أعد لهم فيزدادوا فرحا وسرورا، وليمتلئ قلب الكافر حسرة وندما على ما فرط منه. ويجوز أن يراد بالورود الجثو حولها فقط من غير دخول فيها، أو الورود بمعنى المرور على الصراط أما المؤمنون فينجون وأما الكافرون فيسقطون، ويرشح هذا أن قول العرب «وردت القافلة البلد» لا يلزم منه دخولها وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ «٢» ولعل الرأى الأول أرجح وهو تفسير الورود بالدخول لقوله تعالى. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا حيث لم يقل وندخل الظالمين، ولتظاهر السنة الشريفة على هذا المعنى. وهذا كله إذا أريد العموم في قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها أى: من الناس جميعا فإن أريد الكافرون فقط فلا خلاف في معنى الورود.

стр. 1379

حجة واهية [سورة مريم (١٩) : الآيات ٧٣ الى ٨٠] وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً وَرِءْياً (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً (٧٥) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالاً وَوَلَداً (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْداً (٨٠) المفردات: نَدِيًّا الندى والنادي مجلس القوم، ومنه دار الندوة قَرْنٍ المراد من أمة وجماعة، وفي الكشاف وكل أهل عصر قرن لمن بعدهم لأنه يتقدم بهم، كقرن البقرة أَثاثاً الأثاث متاع البيت، وقيل، المال مطلقا وفيه معنى الكثرة رئيا منظرا حسنا فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ المراد يمد له الرحمن مدا حتى يطول غروره مَرَدًّا أى: مرجعا وعاقبة. وهذه جناية أخرى من جنايات المشركين المتعددة وبعض أعمالهم المخزية.

стр. 1380

المعنى: وإذا تتلى على هؤلاء الكفار الذين تقدم الكلام عليهم في قوله: وَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا إلى قوله: وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا وإذا تتلى عليهم آياتنا حالة كونها بينات المعنى واضحات الحجة قال الذين كفروا لأجل الذين آمنوا. وفي شأنهم. أى: الفريقين خير مقاما وأحسن نديا؟ ويحتمل أن الكافرين قالوا مخاطبين المؤمنين: أى الفريقين- فريق المؤمنين وفريق الكافرين- خير إقامة وأحسن ناديا ومجلسا!! وذلك أن زعماء الكفر كانوا ينظرون لأنفسهم. وقد جهلوا كل شيء إلا ظاهرا من الحياة الدنيا فيرون أنفسهم في غنى وسعة، والمؤمنون في شظف من العيش وقلة في العدد فيقولون. لو كان هؤلاء على حق ونحن على باطل كما يدعون لكان العكس. ولكانوا هم أكثر مالا وأعز نفرا، وغرضهم من ذلك زعزعة المسلمين في عقائدهم موهمين بعضهم أن من كان كثير المال كان على الحق والصواب، ومن الأسف أن بعض جهلة الأغنياء من المسلمين يفهم هذا، ويقول به. فيرد الله ويقول ما معناه: وكثير من الأمم السابقة كانوا أحسن أثاثا ومنظرا منكم وأكثر عددا وعدة أهلكناهم لما كفروا بالله. قل لهم يا محمد. من كان في الضلالة سادرا، وفي العماية سائرا حيث يقول هذا القول المخزى أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَأَحْسَنُ نَدِيًّا يمده الله ويملى له في العمر مدا حتى يطول اغتراره فيكون ذلك أشد لعقابه. ونظيره قوله- تعالى- إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً «١» وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ «٢» وهذا غاية في التهديد، وقيل هو دعاء من النبي عليهم بذلك حتى إذا رأوا ما يوعدون من العذاب في الدنيا بالقتل والأسر وظهور الدين الحق وهم كارهون أو يظلمهم يوم القيامة بعذابه اللافح وحسابه الشديد عن ذلك يرون من هو شر مكانا وأضعف جندا. وخلاصة الكلام أن الله يمد لمن هو في الضلالة حتى يرى واحدا من اثنين إما عذاب الدنيا وإما عذاب يوم القيامة فإذا رأى ذلك علم من هو شر مكانا ومن هو أضعف

стр. 1381

جندا بمعنى أنهم يرون أنفسهم أنهم شر مكانا لا خير مكانا، وأضعف جندا لا أقوى ولا أحسن من فريق المؤمنين وإيراد فعل التفضيل تهكم بهم. ونظير هذه الآية وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِراً [سورة الكهف آية ٤٣] هذا حالهم. أما حال المؤمنين فيقول الله فيهم: ويزيد الله الذين اهتدوا وآمنوا هدى وتوفيقا إذ الخير يجر بعضه، والباقيات الصالحات من أعمال الخير، وذكر الله وتسبيحه عند ربك خير ثوابا، وخير عاقبة ومآلا. ثم أردف الله- بهذا مقالة أولئك المفتخرين المغرورين بالمال والولد على سبيل التعجب والإنكار لهم. ولهذه قصة خلاصتها كما رواها الأئمة عن خباب- وكان قينا أى: حدادا وصائغا، قال. كان على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه فقال لي: لن أقضيك حتى تكفر بمحمد قال فقلت له. لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث قال. وإنى لمبعوث من بعد الموت؟!! وإذا بعثت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مالي وولدي وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً [سورة الكهف آية ٣٦] فنزلت هذه الآية. أفرأيت الذي كفر بآياتنا كلها أو بعضها وقال. والله لأوتين مالا وولدا، والمعنى أخبرنى بقصة هذا الكافر عقب حديث أولئك المغرورين بمالهم وجاههم. أنظرت فرأيت الذي كفر بآياتنا كلها أو بعضها وقال. والله لأوتين مالا وولدا يوم القيامة عند البعث، انظر إلى مقالته وتألّيه على الله مع كفره وجحوده ثم يجيب الله عنه ويرد عليه. أطلع على الغيب حتى أنه في الجنة؟ أم اتخذ عند الرحمن عهدا بدخول الجنة وأنه سيكون صاحب يسار فيها؟ ولا سبيل إلى العلم إلا بإحدى الوسيلتين إما الاطلاع على الغيب، أو أخذ العهد. وفي قوله: أطلع على الغيب؟! إشارة إلى أن الغيب أمر صعب أعلى من الجبل الأشم وأمنع منه منالا إذ هو غيب رب السماء والأرض الذي لا يطلع على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول.

стр. 1382

كلا كلمة ردع وزجر لم ترد في النصف الأول من القرآن. سنكتب ما يقول ونجازيه عليه، ونمد له من العذاب مدا مكان ما يطلبه من المدد بالمال والولد جزاء عمله. ونرثه جزاء ما يقول ويعمل فهو يستحقه استحقاق الوارث لمال الموروث وسيأتينا فردا خاليا من كل شيء لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ [سورة الأنعام آية ٩٤] . هؤلاء هم المشركون [سورة مريم (١٩) : الآيات ٨١ الى ٨٧] وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً (٨٧) المفردات: عِزًّا أنصارا وأعوانا لهم ضِدًّا أعداء لهم أَزًّا الأز والهز والاستفزاز كلها تفيد التحريك والتهيج والإزعاج وَفْداً جمع وافد كصحب جمع صاحب والوافد من خرج في أمر خطير أو لمقابلة ملك أو أمير وِرْداً الورد القوم يردون الماء وهم عطشى، والمراد أنهم حفاة عطاش كالإبل والورد نفس الماء.

стр. 1383

المعنى: ويقول- عجبا لمن كفر بآيات الله يتمنى عليه الأمانى ويتألى على الله- سبحانه- قد كفروا واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم أنصارا يوم القيامة وأعوانا، يشفعون لهم ويقربونهم زلفى إلى الله. كلا!! سيكفرون بعبادتهم، ويتخلون من كفرهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ «١» وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ [سورة النحل آية ٨٦] . ويجوز أن يكون المعنى كلا سيكفرون بعبادة الآلهة وينكرون ذلك ويقولون كذبا وبهتانا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ «٢» ويكونون عليهم أضداد وأعداء لأنهم حصب جهنم التي فيها يعذب الكفار. لا تعجب يا محمد من أولئك الكفرة العتاة القساة المغرورين بالمال والولد، لا تعجب من فعلهم.. ألم تر أنا أرسلنا الشياطين عليهم؟ وخلينا بينهم وبينهم؟ ولو شاء ربك ما فعلوا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ «٣» إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ «٤» وإذا كان ذلك كذلك فلا تعجل لهم، ولا تستعجل عذابهم فليس بينك وبين عذابهم إلا أيام محصورة، وساعات معدودة، وكل آت قريب. واذكر يوم حشر المتقين وتجمعهم إلى الرحمن وافدين ويساق المجرمون إلى جهنم وردا عطاشا حفاة عراة أفرادا أو جماعات وانظر إلى تكريم المتقين حيث يحشرون وفودا مكرمة مطهرة مشرقة وإلى المجرمين وهم يساقون كالأنعام إلى الماء عطاشا حفاة وهناك يساقون إلى جهنم وبئس القرار. لا يملك أحد الشفاعة من مؤمن وكفار إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، وهم الذين عهد لهم ربهم بهذا، أما الآلهة التي يظنون أنها عزهم، وأنها ستشفع لهم فتلك أمان باطلة، وحجة واهية، وهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا فكيف يكونون مع غيرهم؟!!

стр. 1384

فرية اتخاذ الولد [سورة مريم (١٩) : الآيات ٨٨ الى ٩٥] وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً (٩٥) المفردات: إِدًّا الإد والإداة الداهية والأمر الفظيع والمراد أتيتم منكرا عظيما يَتَفَطَّرْنَ يتشققن تَنْشَقُّ الْأَرْضُ تتصدع تَخِرُّ الْجِبالُ تسقط وتهد هَدًّا أى شديدا له صوت. انظر إلى نهاية السورة وقد عادت إلى نفى الولد هو المقصود الأول. المعنى: وهذه ثالثة الأثافى، وداهية الدواهي وهي قولهم إن شاء الله اتخذ ولدا، لقد جاءوا شيئا إدا، وارتكبوا جرما فظيعا تئود من حمله الجبال الرواسي، وتكاد السموات يتشققن من هوله، وتتصدع الأرض من وقعه، وتسقط الجبال سقوطا شديدا من دعواهم اتخذ الله ولدا، يقول الله. كدت أفعل ذلك بالسموات والأرض والجبال لولا حلمي وعفوي من شدة الغضب، وقيل: هذا تصور وتمثيل لاستعظام الجرم وأثره في الدين وهدمه لأركانه. وما ينبغي للرحمن ولا يصح أن يتخذ ولدا عن طريق الولادة إذ هذا يقتضى

стр. 1385

أن يكون الوالد للولد هو نفسه ولدا لوالده فكيف يكون هذا مع الله الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها؟ غير المحتاج لغيره المخالف للحوادث في كل شيء. روى البخاري عن أبى هريرة قال. قال رسول الله ﷺ . «يقول الله- ﵎ كذّبنى ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأمّا تكذيبه إيّاى فقوله: ليس يعيدني كما بدأنى، وليس أوّل الخلق بأهون علىّ من إعادته، وأمّا شتمه إيّاى فقوله اتّخذ الله ولدا وأنا الأحد الصّمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد» . وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا كما قالت اليهود: عزير ابن الله، وكما قالت النصارى: المسيح ابن الله، وكما قال المشركون: الملائكة بنات الله!! وكيف يكون ذلك؟ وكل من في السموات من إنسان أو ملك يأتى الرحمن عبدا ذليلا خاضعا لقوته وجبروته وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ «١» أى: صاغرين، وهذا يتنافى مع اتخاذ الولد إذ الولد قطعة من أبيه وهو عبد صار حرا بمجرد الشراء على أن الله ليس في حاجة إلى الولد، وله من في السموات والأرض كلهم ملكا وخلقا وعبيدا، وهو العالم بكل شيء المحيط بكل كائن في الكون، القادر لا تحد قدرته بحد القائل في كتابه لقد أحصاهم جميعا، وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا خالصا مجردا من كل شيء فهل يعقل أن يكون لمثل هذا ولد؟ أو يكون معه ولد فإن الولد شريك أبيه وصنوه، وخليفته من بعده، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. وخير ما يختتم به هذا الموضوع سورة التوحيد والإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وانظر يا أخى إلى التوحيد الخالص البريء في الإسلام، والتوحيد الصريح الذي لم يدع شكا عند أحد سبحان من هذا كلامه!!! ختام السورة [سورة مريم (١٩) : الآيات ٩٦ الى ٩٨] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا (٩٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً (٩٨)

стр. 1386

المفردات: وُدًّا محبة لُدًّا ألداء في الخصومة أشداء في الجدل بالباطل رِكْزاً صوتا خفيا. المعنى: ما مضى من الكفار، ومن أعمالهم السيئة، لا شك أنه يجعلهم مبغوضين مبعدين، أما المؤمنون العاملون الخير الصالح فسيجعل لهم الرحمن المنعم بالنعم كلها ودا ومحبة في القلوب. فإنما يسرنا القرآن بلسانك العربي حتى صار مفهوما يفهمه الخاص والعام فهو كالبحر يغترف منه كل على قدر طاقته وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ «١» يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين فيعرفوا جزاء عملهم، وما أعد لهم، وتنذر به قوما ألداء أشداء في الخصومة والجدل وهم المشركون، وكل عدو للدين، فخذ حذرك واجمع أمرك، وليعلم من يأتى بعدك أن مهمة الوعظ والتبشير بالدين والإنذار به ليست مهمة سهلة هينة إنما أنت تحارب في ميادين مع قوم شهد الله لهم بأنهم ألداء أقوياء لتتذرع بالصبر، ولتتجمل بالخلق الطيب، وكن مثلا عاليا في الأدب وحسن الجدل، واستعد لهذا بتكوين نفسك علميا مع الإحاطة والفهم للبيئة التي تعيش فيها، ودراسة أحوال من تخاطبهم دراسة دقيقة. عند ذلك يمكنك أن تعرض القرآن عرضا حسنا يستفيد منه الكل. وأما القوة المادية التي هي في جانب الكفار فلا يهمك منها شيء أبدا، واعلم أن كثيرا من الأمم السابقة أهلكها ربك وكانوا أكثر من هؤلاء قوة وعددا وأكثر مالا وولدا فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم صوتا؟!!

стр. 1387

وفي قوله- تعالى- سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا حديث شريف عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أحبّ الله عبدا نادى جبريل إنّى قد أحببت فلانا فأحبّه فينادى في السّماء ثم تنزل له المحبّة في الأرض» فذلك قوله تعالى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا وإذا أبغض الله عبدا نادى جبريل إنّى أبغضت فلانا فينادى في السّماء ثم تنزل له البغضاء في الأرض» . والمحبة التي وعدها الله المؤمنين إنما تكون في قلوب الصالحين المتقين وعند الملائكة المقربين، وإلا فالمؤمن من قد يكون مكروها من الفاسق والكافر.

стр. 1388

سورة طه هي مكية وعدد آياتها خمس وثلاثون ومائة آية وهذه السورة تحدد موقف النبي ﷺ ، وأنه رسول فقط، وليس عليه إلا البلاغ، والله معه لن يتركه وتلك سنته مع الأنبياء والمؤمنين فهذا موسى ومن آمن معه مع التذكير بيوم القيامة والتعرض لقصة آدم ليتعظ أبناؤه ويعرفوا موقفهم من الشيطان. القرآن ومن أنزله [سورة طه (٢٠) : الآيات ١ الى ٨] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨) المفردات: طه هو اسم للنبي ﷺ وقيل: اسم من أسمائه تعالى أقسم به، وقيل: أصله طأ الأرض فالهاء ضمير الأرض والهمزة من طأ خففت ألفا، وقال بعضهم في تصرفها الألف حذفت للأمر وهذه الهاء للسكت، والرأى الأول أرجح لموافقته رسم المصحف وسياق المعنى تَذْكِرَةً تذكيرا الْعُلى جمع العليا مؤنث الأرض الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى راجع تفسيرها في ج ٨ ص.

стр. 1389

روى ابن إسحاق في كتب السيرة أن عمر قبل إسلامه كان شديد العداوة للإسلام وقد خرج في يوم متوشحا سيفه يريد النبي ﷺ فلقيه نعيم بن عبد الله فقال أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدا الصابئ، الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسبب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم: والله قد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بنى عبد مناف تاركيك تمشى على الأرض، وقد قتلت محمدا؟! أفلا ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم؟! فقال: وأى أهل بيتي؟ قال: ختنك (زوج أختك) وابن عمك سعيد بن زيد، وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما، قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها أول سورة «طه» يقرئهما إياها، فلما سمعوا صوت عمر تغيب خباب في مخدع لهما، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر قراءة خباب فلما دخل قال: ما هذه الهينمة- الكلام الخفى الذي لا يفهم- التي سمعت؟ قالا له أسمعت شيئا؟! قال: بل والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه. وبطش بختنه سعيد بن زيد فقامت إليه أخته فاطمة لتكفه عن زوجها فضربها فشجها فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله فاصنع ما بدا لك، ولما رأى عمر ما صنع ندم وارعوى وقال لأخته: أعطنى هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرأونها آنفا، أنظر ما هذا الذي جاء به محمد. فقالت له أخته: إنا نخشاك عليها، قال لها: لا تخافي وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت له: يا أخى إنك نجس على شركك وإنه لا يمسها إلا الطاهر فقام عمر، واغتسل فأعطته الصحيفة وفيها «طه» فلما قرأ منها صدرا قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه! فلما سمع خباب خرج إليه فقال له: والله يا عمر والله إنى لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه فإنى سمعته أمس وهو يقول «اللهمّ أيّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطّاب» فالله الله يا عمر فقال له عمر، دلني يا خباب على محمد حتى آتيه، فأسلم ورضى الله عنه. المعنى: يقول الله- ﵎: يا طه، ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى وتتعب، وذلك أن النبي ﷺ كان شديد الحرص على إيمان قريش. وكان يلقى في سبيل هذا ألما وتعبا

стр. 1390

شديدين حتى قال بعض الكفار له، ما أنزل عليك القرآن إلا لتشقى، وقال له النضر ابن الحارث وأبو جهل بن هشام، إنك يا محمد شقي لأنك تركت دين آبائك وأجدادك، وقد كان يقوم بالليل حتى تتورم قدماه فقيل له، يا طه ما أنزل عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم، وتحسرك على أن يؤمنوا فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ أو لتتعب بكثرة العبادة. ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر، ولم يكتب عليك أن تحملهم على الإيمان فالقرآن ما نزل إلا تذكرة وموعظة لمن يخشى ومن هنا تعرف السر في فساد بعض القلوب، وأنها لا تتذكر بالقرآن، السر هو أن عنصر الخشية مفقود عندهم، الخشية من الله ومن حسابه، والخوف من الضمير ومن تأنيبه والمجتمع الإنساني ولومه، فالقرآن تذكرة وشفاء وهدى ونور لمن يخشى الله من الناس، ومن له قلب فيه شيء من الخوف. أما النفوس الميتة، والقلوب التي هي كالحجارة أو أشد قسوة فأصحابها صم بكم لا يعقلون!! هذا هو القرآن الكريم. أما صاحبه والذي أنزله فهذا خبره. ونزلناه تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى، فهو المقتدر الحكيم الخبير والعليم البصير.. هو الرحمن المنعم بجلائل النعم ودقائقها، على العرش استوى والله- ليس بجسم ولا يشبه شيئا من الحوادث فاستواؤه على العرش نؤمن به على أنه بلا كيف ولا انحصار، وهذا رأى السلف وهو قبول ما جاء في تلك من الكتاب والسنة كقوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [سورة الفتح آية ١٠] من غير تكييف ولا تحريف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل. أما الخلف فقالوا هذا كلام ليس على حقيقته بل هو مؤول، المراد بالاستواء الاستيلاء والقهر والتصرف الكامل، والعرش هو الملك، لله ما في السموات والأرض وما بينها وما تحت الثرى مما لا تراه العيون، له كل ذلك مما نعلم، ومما نعلم ملكا وخلقا وتصريفا- ، وهو عالم الغيب والشهادة المحيط بكل شيء الذي يستوي عنده الجهر بالقول والإسرار به، بل هو يعلم السر ما هو أخفى منه مما لم تحدث نفسك به، اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى التي تدل على كمال التقديس وتمام التنزيه.

стр. 1391

ترى أنه وصف صاحب القرآن ومنزله- على عبده ورسوله محمد ﷺ بأنه خلق الأرض والسموات العلى، وأنه الرحمن صاحب النعم، وأنه استوى على العرش وصاحب التصريف في الكون، وأنه له ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما وما تحت الثرى، وأنه العالم بكل شيء سواء عنده السر والجهر، وأنه الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى- ﵎. فهل يعقل بعد ذلك أن يدعى محمد- وهو المخلوق الضعيف- على الله الموصوف بهذه الصفات هذا القرآن؟!! وهل يعقل بعد هذا ألا ينصر الله رسوله ويؤيده ويعصمه من الناس؟!! أبعد هذا يعقل أن يتخذ إنسان صنما من حجر أو خشب شريكا لهذا الباري الموصوف بهذه الصفات. لذلك كله بادر عمر بن الخطاب لما أراد الله له الخير- إلى الإسلام- وجاهر به، وأصبح الساعد القوى المجاهر بالدعوة، الفاهم لها المستميت في الدفاع عنها- رضى الله عنه- وعن أصحاب رسول الله أجمعين. قصة موسى مع فرعون وبنى إسرائيل قصة من القصص المهمة التي كثر ذكرها في القرآن في عدة سور ومواضع فيه، وهي إلى حد تشبه السيرة النبوية في كثير من مراحلها، لذلك عنى القرآن بها وما ذكر هنا في قصة موسى مناسب لما قبله إذ انتهى السياق أولا إلى التوحيد اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وقد أبانت القصة في أول أمرها التوحيد الكامل حيث خوطب النبي موسى بقوله: إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وهذا يفيد أن التوحيد أمر مستمر فيما بين الأنبياء يتلقونه كابرا عن كابر، وأنت ترى أن رسالة موسى بدأت به وختمت كذلك إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ. ولعلك تدرك بعض السر في اختلاف القصة الواحدة في القرآن لأنها تساق في كل موضع بما يناسبه بدءا ونهاية.

стр. 1392

ويحسن بمن يريد أن يلم بقصة موسى- ﵇ إلماما مرتبا على حسب الطبيعة والواقع أن يقرأ كتاب قصص الأنبياء للشيخ النجار، وغيره من الكتب التي كتبت في سيدنا موسى- ﵇، ونحن هنا مقيدون بشرح القرآن على ترتيبه الإلهى الذي لا يعلم سره إلا الله. والقصة هنا عالجت موضوعات وعناصر أهمها ما يأتى: موسى بالوادي المقدس بعد قضائه الأجل في مدين، بعثته وما طلبه من ربه، بعض الألطاف التي صادفت موسى، دعوة موسى لفرعون، ومحاجته له، موسى والسحرة التي جمعها فرعون، خروج بنى إسرائيل من مصر وطلب فرعون لهم، اتخاذ بنى إسرائيل العجل إلها يعبدونه. موسى بالوادي المقدس [سورة طه (٢٠) : الآيات ٩ الى ١٦] وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦)

стр. 1393

المفردات: امْكُثُوا أقيموا في مكانكم آنَسْتُ ناراً أبصرت نارا والإيناس الإبصار البين الذي لا لبس فيه ومنه إنسان العين لأنه يبصر الأشياء ويتبينها بِقَبَسٍ القبس النار المقتبسة الْمُقَدَّسِ المطهر طُوىً اسم الوادي أُخْفِيها من الأضداد أى أكاد أظهرهما أو أسترهما فهي تدل على معنيين متضادين فَتَرْدى فتهلك. المعنى: فلما قضى موسى الأجل الذي ضربه بينه وبين صهره الشيخ الكبير بمدين قيل: هو شعيب وقيل: غيره والله أعلم. فلما قضى الأجل واستأذن في السفر إلى مصر خرج هو وامرأته وغنمه فلما وافى وادي طوى، وهو بالجانب الغربي من الطور ولد له في ليلة باردة مظلمة شاتية، وقد ضل الطريق، فأراد نارا ليدفئ بها امرأته التي ولدت فقدح زنده فلم يخرج نارا فبينما هو في أشد الحاجة إلى النار أبصر على يسار الطريق من جانب الطور نارا فقال لأهله: امكثوا وأقيموا في مكانكم لا تبرحوه إنى آنست نارا: وأبصرت ما يؤنسنا على سبيل الجزم، وأما إتيان قبس منها أو وجدان هداية للطريق عندها فأمر مشكوك فيه ولذا قال. لعلى آتيكم منها بشعلة من النار المقتبسة منها، أو أجد على النار هاديا يهديني إلى الطريق الحق الموصل إلى ما نريد. فلما أتاها وجدها نارا بيضاء صافية، مشتعلة في شجرة خضراء يانعة، أنكرها وتوجس خيفة منها، فلما أتاها بهذا الشكل نودي من قبل الرب- : إنى أنا ربك. ولعل نداءه عند النار بعيدا عن أهله وماله، وقد ضل الطريق المألوف للناس إشارة إلى ما يجب أن يكون عليه الأنبياء والدعاة إلى الله من تجردهم من الدنيا وأهلها وتنكبهم الطرق المألوفة عندهم. ونودي من قبل الله أن يا موسى فارتاع لهذا النداء وشك في مصدره. فقال الله له على سبيل التوكيد. إنى أنا ربك الذي خلقك وسواك وعدلك، ورباك في بيت

стр. 1394

عدوك ولحظك بعنايته ورعايته إلى هذا الوقت فاخلع نعليك احتراما وتقديسا، وإجلالا وتعظيما إنك بالوادي المقدس المطهر الذي يقال له طوى. وأنا اخترتك يا موسى، واصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فاستمع إلى كل ما يوحى إليك، وخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين. إننى أنا الله لا إله إلا أنا، ولا معبود بحق سواي، فاعبدني مخلصا لوجهي، وأقم الصلاة لتذكرني بها، أو لأذكرك في علين بها، واعلم أن الساعة آتية لا محالة، أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية لفرط إرادتى خفاءها، ولا ما في الإخبار بإتيانها- مع تعميمه وقتها- من المصلحة لما أخبرت به، وهذا معنى جميل، ذكره الزمخشري والقرطبي وغيرهما، ويؤيده أن كل لفظ في الآية أدى معناه الموضوع له. قال اللغويون: «كدت أفعل» معناه عند العرب قاربت الفعل ولم أفعل، «وما كدت أفعل» معناه فعلت بعد إبطاء. وعلى هذا فمعنى الآية إن الساعة آتية لا شك فيها وقاربت أن أخفيها ولكني لم أفعل لقولي سابقا إنها آتية، فهي آتية في وقت الله أعلم به، والله أخفى الساعة أى: القيامة، والساعة التي يموت فيها الإنسان، ليعمل الإنسان بجد ولا يؤخر التوبة لحظة، ودائما يترقب الموت في كل لحظة، ولو عرف الإنسان الساعة لوقفت الحياة وما عمرت الدنيا. وبعضهم يرى أن المعنى: إن الساعة آتية أكاد أظهرها وقوله: لتجزى كل نفس بما عملت متعلق بآتية، ويؤيد هذا قراءة أخفيها واللغة لا تمنع، ذلك وهناك من يرى أن الآية هكذا، إن الساعة آتية أكاد بمعنى أن الساعة آتية أكاد آتى بها ثم يبدأ كلاما جديدا بقوله أخفيها وأكتمها لتجزى كل نفس بما تسعى، وهذا المعنى حسن وليس فيه إلا حذف خبر «أكاد» وله نظير في كلام العرب، قال الضابئ البرجمي: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكى حلائله فالشاعر العربي حذف أى: وكدت أفعل، ولكني لم أفعل، وعثمان هو عثمان بن عفان الخليفة الثالث- رضى الله عنه-. فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها ولا يمنعك من الإيمان بها والتصديق لها من لا يؤمن بها، واتبع هواه، إنك إن فعلت ذلك تهلك، وفي هذه إشارة إلى أن كل داعية

стр. 1395

للخير لا بد من وجود من يعوقه ويكفر به وبرسالته، ويعمل على إخفاء نوره ولكن لا يعوقه ذلك، والله متم نوره ولو كره المبطلون. بعثة موسى- ﵇ وما طلبه من ربه [سورة طه (٢٠) : الآيات ١٧ الى ٣٥] وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨) قالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨) وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً (٣٥) المفردات: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها التوكؤ التحامل على شيء، وهو بمعنى الاتكاء والمراد أعتمد عليها وَأَهُشُّ يقال هش الورق يهشه إذا خبطه ليسقط والمراد أسقط بها الورق على غنمي لتأكل مَآرِبُ جميع مأربة وهي الحاجة جَناحِكَ جنبك طَغى جاوز

стр. 1396

الحد عُقْدَةً مِنْ لِسانِي العقدة اللكنة في اللسان وَزِيراً مأخوذ من الوزر لأن الوزير ملجأ الرئيس ومستشاره في الرأى أو من الوزير لأنه يحمل عن الرئيس بعض العبء أو من المآزرة لأنه يعينه في الحكم أَزْرِي أى: قوتي والمراد قوتي به. المعنى: قد أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى وقال إنى أنا ربك إلخ الآية ثم قال له: وما تلك بيمينك يا موسى؟ ما هذه التي بيمينك يا موسى؟ سأله عما في يمينه- وهو العالم بكل شيء- ليلفت نظره إلى العصا وحقيقتها، ليدرك عظمة الله وقوته حيث يقلبها إلى حية تسعى!! وفي هذا تربية لموسى حتى لا يستبعد على الله شيئا بعد ذلك. قال موسى مجيبا لربه مطنبا في كلامه لأن المقام يقتضى من التطويل- ليتلذذ بخطاب الرب- : هي عصاي ثم أخذ يسرد بعض منافعها فقال: أعتمد عليها في سيرى، وأسقط الورق بها على غنمي، ولي بعد ذلك مآرب وحوائج أخرى فيها، وللعصا وفوائدها عقدت فصول في الأدب العربي ممتعة كالذي عقد في البيان والتبيين للجاحظ وغيره. قال الله له: ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى على الأرض، وثعبان يلتهم الحجارة وكل شيء، وكأنها جان من شدة الحركة وسرعة المشي. ولما رأى موسى ذلك الأمر العجيب الهائل ملكه الفزع، وتولاه ما يملك البشر من الخوف والجزع قال له ربه: يا موسى، أقبل عليها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى فأخذها ووضع يده بين فكيها فعادت كما كانت، والله على كل شيء قدير. واضمم يا موسى يدك إلى جنبك. أدخل يدك فيه تخرج بيضاء كالشمس من غير برص بها- وكان- ﵇ رجلا جعدا طوالا- فأدخل موسى يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء كالثلج ثم ردها في جيبه فعادت كما كانت على لونها. فذلك برهانان من ربك لتعلم بهما قدرة الله وتصريفه للأمور، فعلنا هذا لنريك الآية الكبرى حالة كونها من آياتنا. وهل الآية الكبرى هي العصا أو اليد؟ قولان

стр. 1397

والظاهر والله أعلم أنها اليد لأن العصا انقلابها حية كانت تشبه السحر، وحاول السحرة إبطالها، وأما اليد فلم يحاول أحد إبطالها ومعارضتها. بعد هذا اذهب إلى فرعون إنه طغى، وجاوز الحد في الإشراك بالله وتعذيب بنى إسرائيل. قال موسى وقد صدع بالأمر: رب اشرح لي صدري، افتح لي قلبي حتى أكون حليما صبورا حمولا، يستقبل ما عساه يرد عليه من الشدائد بصدر رحب، وقلب ثابت. ويسر لي أمرى الذي أردته لي حتى يكون سهلا، لا صعوبة فيه تعوقنى، ولا شدة فيه تؤودنى. واحلل عقدة من لساني، وقد كان في لسانه رثّة لما روى أنه نتف شعرة من ذقن فرعون وهو صغير فغضب، وتوجس منه شرا فقالت امرأته: إنه صغير لا يدرى شيئا فأتت له بجمرة وبلحة فوضع الجمرة على لسانه فكان فيه رتة ولكنة. ويقول الشيخ النجار، إنه يحتمل أن تكون اللكنة ناشئة من عدم رضاعته وهو صغير مدة أثرت عليه، وتلك عادة معروفة في الأطفال أو أن موسى حينما مكث في مدين عشر سنين تغير لسانه ونسى لهجة المصريين فطلب أن يكون معه هارون ليترجم له ويساعده على التفاهم، وكان لسان هارون مصريا لمخالطته المصريين وعبريا لأنه إسرائيلى فيمكنه التفاهم مع موسى بطلاقة، ومع المصريين كذلك. واجعل لي وزيرا من أهلى هارون أخى، اشدد به أزرى، وأشركه في أمرى ليتحمل معى تلك الأمانة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً. بعض الألطاف التي صادفت موسى [سورة طه (٢٠) : الآيات ٣٦ الى ٤١] قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١)

стр. 1398

المفردات: سُؤْلَكَ مسئولك أى: مطلوبك مَنَنَّا المن: الإحسان والإفضال التَّابُوتِ صندوق من الخشب فَاقْذِفِيهِ فألقيه واطرحيه فِي الْيَمِّ البحر والمراد نهر النيل وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي ولتربى وأنا مراعيك ومراقبك فُتُوناً اختبرناك اختبارا حتى تصلح للنبوة والرسالة عَلى قَدَرٍ على وعد وأمر مقتضى به وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اصطنعتك لوحيي ورسالتي وَلا تَنِيا تضعفا في أمر الرسالة، والونى: الضعف والفتور والكلال والإعياء. مر ببني إسرائيل فترة عصيبة، وهم في مصر تحت حكم فرعون، فأخذ يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم، ويذيقهم العذاب ألوانا. في أثناء تلك العاصفة الهوجاء ولد لرجل من بنى إسرائيل يقال له عمران من زوجته (يوكابد) ولد فلما ولدته خبأته عن عيون من يطلبه من أعوان فرعون وجنوده لقتله فمكث عندها ثلاثة أشهر فلما خافت افتضاح أمرها أعلمها الله وعلمها عن طريق الوحى بنبي، أو ملك، أو إلهام أن تصنع له ما يشبه الصندوق وتطليه بالزفت والقطران، وتلقيه في اليم ففعلت، ووكلت لأخته مريم أن تتبع أثره، وتعلم خبره.

стр. 1399

وكان الله- تعالى- قد أعلمها أنه راده إليها، وجاعله من المرسلين فلم تزل أخته تراقبه حتى علمت أنه التقط وأدخل دار فرعون، وأن عين زوجة فرعون، قد وقعت عليه فألقى الله عليها محبته. فأحبته ليكون قرة عينها وعين فرعون، راجية أن ينفعها أو يتخذاه ولدا، وهذا تدبير من الله لموسى وأمه لأنه سيعود إليها لتكون مرضعته وتتقاضى على ذلك أجرا وهي آمنة مطمئنة. يا سبحان الله ينشأ موسى في بيت فرعون عدوه وعدو ربه!! وكانت عناية الله تلحظه فلم يقبل ثدي امرأة أبدا إلا ثدي أمه. وسيأتى في سورة القصص مزيد بيان لهذا: وإنما ذكرها ها هنا باختصار على أنه من نعم الله على موسى. المعنى: لما سأل موسى ربه أن يشرح له صدره، وييسر له أمره وأجاب سؤله وأتاه طلبته (مطلوبه) ومرغوبه أخذ يسرد ما من به على موسى فقال: ولقد مننا عليك وأحسنا مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك، وألهمناها أمرا لا سبيل إليه إلا بالوحي إذ فيه مصلحة دينية توجب أن يعتنى به فهو أمر عظيم جدير بأن يوحى به من الله. أوحينا إليها أن تصنع صندوقا محكما، وتضع فيه موسى، وأن تقذفه وتلقيه في نهر النيل، ولما كانت إرادة الله حاصلة صار كأن اليم يعقل وقد أمره الله بأن يلقيه إلى الساحل الذي فيه فرعون وامرأته، فبينما هو جالس على رأس بركة بالساحل إذ بالصندوق فأمر به فأخرج ففتح فإذا صبي أصبح الناس وجها، فأحبه عدو الله حبا شديدا لا يتمالك أن يصبر عنه هو وزوجته، وذلك معنى قوله: وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي أى: أحبه الله وحببه إلى خلقه وبالأخص فرعون وزوجته آسية. ولتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يرعى الرجل الشيء العزيز لديه بعينه إذ تمشى أختك في أثرك فتراك قد امتنعت عن المرضعات كلها. فتقول لهم في ثوب الناصح: أفلا أدلكم على مرضع له فيقول لها: هاتها فأحضرت له أمه فأرضعته، وهذا معنى قوله تعالى: فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ.

стр. 1400

وكان موسى وهو فتى ابن اثنتي عشرة سنة وقد امتلأ قلبه غيظا وحنقا على معاملة المصريين لبني إسرائيل، رأى رجلا مصريا يقتتل مع إسرائيلى فاستغاثه الذي من شيعته على الذي هو من عدوه فوكزه موسى وضربه فقضى عليه وقتله، فلما علم فرعون بذلك أراد قتل موسى في المصرى فأخبره رجل مؤمن من آل فرعون بذلك، ففر هاربا لا يلوى على شيء حتى وصل إلى مدين، وأقام هناك عشر سنين، وهذا معنى قوله تعالى وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ قتلت نفسا فنجاك الله من الغم في الآخرة بالتوبة والندم وفي الدنيا بالفرار إلى مدين فنجوت من الحبس والقتل والتعذيب وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً اختبرناك اختبارات حتى صلحت للقيام بالرسالة ولا غرابة فأنت تصنع وتخلق لهذا، وتربى وتنشأ لتحمل الرسالة لبني إسرائيل. فلبثت سنين في أهل مدين هي عشرة وقيل أكثر. ثم جئت على قدر يا موسى، ثم جئت على وعد وزمن محدد قد قدره الله وقضاه فلم تتقدم لحظة ولم تتأخر، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [سورة الرعد آية ٨] . اصطنعتك لنفسي، واخترتك لوحيي ورسالتي، وعلى هذا اذهب أنت وأخوك بآياتى، ولا تضعفا في ذكرى فإنى معكما أسمع وأرى. دعوة موسى لفرعون، ومحاجته له [سورة طه (٢٠) : الآيات ٤٢ الى ٥٦] اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨) قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤) مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦)

стр. 1401

المفردات: لَيِّناً سهلا لا خشونة فيه ولا شدة يَفْرُطَ عَلَيْنا أى: يعالجنا بالعقوبة ويعاملنا معاملة المتقدم في الذنب، والمادة تدل على التقدم والإسراف ولذا قيل اليوم السابق فارط، ولمن أسرف فرط وأفرط خَلْقَهُ صورته وشكله فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى فما حالها وما شأنها؟ لا يَضِلُّ لا يخطئ مَهْداً كالفراش في الشكل والمعنى لِأُولِي النُّهى لأولى العقل. موسى وهارون- ﵉ أرسلا إلى قومهما بني إسرائيل قصدا وإلى فرعون وملئه تبعا ليخلصا بني إسرائيل من حكم فرعون وظلمه، ويدخلوهم في شريعة الحق- .

стр. 1402

المعنى: اذهب يا موسى أنت وأخوك إلى فرعون وملئه إنه طغى وجاوز الحد المعقول في الشرك بالله، وتعذيب بني إسرائيل: اذهبا إليه فقولا له قولا لينا لا خشونة فيه، وجادلاه بالتي هي أحسن فهو رجل مغرور كافر معاند لعله يتذكر أو يخشى. قالا: يا ربنا، إننا نخاف أن يفرط علينا، ويبادرنا بالعقوبة ويطغى، والخوف من الظالم الجبار لا ينافي التوكل على الواحد القهار، والأخذ بالأسباب والمسالك، على أن الخوف من طبيعة البشر. قال الله لهما: لا تخافا من شيء إننى معكما أسمع كل شيء يسمع، وأبصر كل شيء يبصر، وأرى كل شيء يرى، نهاهما الله عن الخوف من فرعون لأنه معهما بالمعونة والنصر وهو يعلم بكل ما يحصل لهما، وليس بغافل عنهما. ثم أمرهما بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعد أمرهما بالذهاب إليه فلا تكرار. فقولا له: إنا رسولا ربك أرسلنا إليك، فأتياه وقالا له ذلك، وأمرهما أن يقولا: فأرسل معنا بني إسرائيل، ولا تحجزهم وخل عنهم، ولا تعذبهم، وقد كانوا في عذاب أليم، وتعب شديد كما مضى، وقد جئناك يا فرعون بآية دالة على صدقنا، وقيل إن فرعون قال: ما هي؟ فأدخل موسى يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء، لها شعاع مثل شعاع الشمس، فعجب منها، ولم يره العصا إلا يوم الزينة. والسلام من سخط الله وعذابه حاصل لمن اتبع الهدى وليس تحية لأن المقام ليس مقام تحية. ولما فرغ موسى مما قال- وذكر لفرعون أنه يريد إطلاق بني إسرائيل ليعبدوا ربهم في البرية، وفرعون ملك جبار تدين له الأمة المصرية وتذعن لقداسته، وقد رأى من موسى أمرا لا يقره ولا يرضاه حيث قال له: إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل وهو يقول للناس أنا ربكم الأعلى، ويستذل الإسرائيليين ويستعبدهم في أغراضه- أخذ يجادل موسى ويحاجه. ولما علم موسى وهارون عدم إيمانه، وتماديه في الباطل قالا له: إنا قد أوحى إلينا

стр. 1403

من ربنا أن العذاب والنكال، والهلاك والدمار في الدنيا والآخرة واقع لا محال على من كذب وتولى، وكذب بالوحدانية وأعرض عن رسول الله ولم يصدقه. وكان في جداله يقول: فمن ربكما يا موسى؟ قالا: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه وصورته وشكله، الذي يناسب المنفعة المطلوبة منه كاليد للبطش والرجل للسير والعين للنظر، والثدي واختلاف شكله وعدده للرضاع وهكذا. ثم هدى كل نفس لما يطلب منها، وما توفق إليه. قال فرعون: فما بال القرون الأولى؟ التي انقرضت قبلكما ولم يقروا بالوحدانية. أجابا: إنها في علم الغيب، والله وحده يعلم ما عملوا وجزاءهم، وهم في كتاب محفوظ، لا يطلع عليه أحد. والله لا يضل أبدا ولا يخطئ أبدا، ولا ينسى أبدا- ، وهو الذي جعل لكم الأرض مهادا، وسلكها سبلا فجاجا، وجعلها كالفراش المبسوط وهي في الواقع كالكرة المكورة. وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجا وضروبا من نبات مختلفة. كلوا وارعوا أنعامكم، وتمتعوا بخيراتكم إن في ذلك لآيات لأولى النهى. من الأرض خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم مرة أخرى للثواب والعقاب تراه وصف الرب- بما يقطع حجة فرعون، ويرد كيده في نحره، ويملأ قلبه خوفا من عالم الغيب، وفيه تذكير له بأصله وأنه من تراب عائد إليه، فلا يغتر بدنياه وملكه، وليعلم أن وراءه يوما لا ينفع فيه مال ولا بنون، وتلك آيات بينات ولكنها لأولى النهى، إنما يتذكر من يخشى.. ولقد أرينا فرعون آياتنا كلها وبصرناه بها، ولكنه كذب وأبى عنادا واستكبارا وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا «١» لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً «٢» .

стр. 1404

موسى والسحرة الذين جمعهم فرعون [سورة طه (٢٠) : الآيات ٥٧ الى ٧٦] قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤) قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)

стр. 1405

المفردات: سُوىً مستويا ووسطا وعدلا بيننا يَوْمُ الزِّينَةِ المراد يوم يتزينون فيه بأفخر اللباس ويجتمعون فيه كأنه عيد ويظهر أنه يوم وفاء النيل كَيْدَهُ ما يكيد به وَيْلَكُمْ هلاككم فَيُسْحِتَكُمْ فيبيدكم بعذاب فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ تشاوروا وتجاذبوا أطراف الحديث النَّجْوى ما يتناجون به سرا بِطَرِيقَتِكُمُ بمذهبكم وقيل بأشرافكم وسادتكم فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ أحكموا أمركم واعزموا عزما أكيدا صَفًّا مصطفين اسْتَعْلى غلب فَأَوْجَسَ أحس وأضمر تَلْقَفْ تلتهم وتأكل بسرعة لَكَبِيرُكُمُ لأستاذكم ومعلمكم فِي جُذُوعِ النَّخْلِ على جذوعها لَنْ نُؤْثِرَكَ لن نختارك تَزَكَّى تطهر من دنس الشرك والمعاصي.
следующие страницы →