← Тафсир

Тафсир · id 23589

التفسير الواضح

محمد محمود حجازي

Полный текст (2 725 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

المعنى: يقول تعالى لنبيه ﷺ حين طلب منه الكفار وقوع العذاب واستعجلوه به تكذيبا له واستهزاء به لأنهم لا يؤمنون بيوم القيامة، ولا بقدرة الله على إيقاع العذاب. ونسوا ما حصل للأمم السابقة، ولم يعتبروا بما حصل. قل لهم يا محمد: إنما أرسلنى الله إليكم نذيرا بين يدي عذاب شديد، إنما أنا نذير بيّن الإنذار قوى الحجة واضحها، وليس علىّ حسابكم وهدايتكم، بل أمركم إلى ربكم إن شاء عجل العذاب لكم، وإن شاء أخره عنكم ليوم معلوم، لا تستقدمون عنه ساعة ولا تستأخرون، وهو ربكم وإليه أمركم، وهو الفعال لما يريد، لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب. فالذين آمنوا بالله وكتبه ورسله إيمانا صحيحا سليما مصحوبا بالعمل الصالح لهم مغفرة من الله ورزق كريم، وثواب عظيم، وسعادة في الدنيا والآخرة مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [سورة النحل آية ٩٧] . والذين سعوا جاهدين في إبطال آياتنا، وإطفاء نور الإسلام- وما علموا أن الله متم نوره ولو كره الكافرون- أولئك أصحاب الجحيم الملازمون لها، وهي نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، إنها عليهم مؤصدة، في عمد ممددة ... كتاب الله محكم لا ريب فيه [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٢ الى ٥٧] وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)

стр. 1507

المعنى: روى المفسرون أن رسول الله ﷺ قرأ: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى فلما بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى سمع المشركون (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى) فلقيه المشركون والذين في قلوبهم مرض فسلموا عليه وفرحوا فقال النبي: «إن ذلك من الشيطان» ، فأنزل الله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى الآية . وهناك روايات تثبت أن النبي ﷺ وهو المعصوم- هو الذي قرأ وعلى ذلك فيكون معنى الآية: وما أرسلنا يا محمد من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى أى قرأ وتلا ألقى الشيطان في أمنيته أى قراءته وتلاوته، فينسخ الله ما يلقى الشيطان ويزيله، ثم يحكم الله آياته، والله عليم حكيم.

стр. 1508

هذه الرواية، رواية باطلة، وإن تكن رواية بعض المفسرين وكيف تصح؟!! ولو جوزناها لارتفع الأمان عن شرعه، وجوزنا في كل حكم أن يكون فيه زيادة أو نقص من قبل الشيطان على أن هذه الرواية وأمثالها تفتح باب الطعن والشك، وتكون سلاحا في يد أعداء الإسلام، وأعداء الأديان كلها، ولا ينفعنا أن ذلك بشكل واسع في الكتب السابقة. وهل تساعد اللغة تفسير (تمنى) بقرأ؟ أظن لا!! وكيف نجوز هذا والله يقول وهو أصدق القائلين: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ «١» ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ «٢» . وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [سورة النجم الآيات ٣- ٥] وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا [سورة الإسراء ٧٣ و ٧٤] وقد عرفنا تفسيرها ووقفنا على معناها. عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً [سورة الجن الآيات ٢٦- ٢٨] . وقال القاضي عياض في كتاب الشفاء «لقد أجمعت الأمة على أن النبي ﷺ فيما يبلغه عن ربه، معصوم فيه من الإخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا. واعلم- أكرمك الله يا أخى- أنهم خرجوا هذا الحديث المسمى بحديث الغرانيق على أن أصله واه، وقال علماء الحديث: إنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه بسند سليم متصل ثقة، وإنما أولع به وبمثله جماعة من المفسرين والمؤرخين بعضهم بحسن نية، وقال أبو بكر البراز: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بإسناد متصل يجوز ذكره. وإذا سلمنا بالحديث على أنه مروى بعدة روايات وإن تكن كل واحدة ضعيفة إلا أن كثرة طرقها تجعلنا نقبله بتحفظ ونؤوله بما يتفق مع المبادئ العامة الإسلامية، بل

стр. 1509

بما يتفق مع صدر السورة، وعجزها، ووصف الأصنام بعد قوله تعالى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ [سورة النجم الآيات ١٩- ٢٣] وهذا بلا شك وصف للأصنام بأنها لا حقائق لها، وليس لكم فيها حجة، وما تتبعون في عبادتها إلا الظن الذي لا شبهة معه ... وإذا سلمنا بالحديث فتأويله هكذا. أن النبي ﷺ كان يرتل القرآن ترتيلا، ويفصل آياته تفصيلا في قراءته فالجائز أن الشيطان انتظر سكتة من النبي ﷺ ودس ما اختلقه من تلك المفتريات محاكيا صوت النبي ﷺ وقد شاعت تلك الزيادة في وسط أهل مكة وسر بها المشركون. وأما المسلمون فيحفظون السورة كما أنزلها الله- سبحانه-، وكما كان يتلوها النبي قبل ذلك، وكانوا متحققين من ذم النبي للأوثان، وما عرف عنه في ذلك، ومن هنا تظهر الحكمة الإلهية وهي الاختبار بأمثال هذا. فأما الكافرون الظالمون، ومن في قلوبهم مرض فسيقولون هذا من عند الله، والله قد مدح الأصنام التي كان يذمها محمد. وأما المؤمنون فسيعلمون أن القرآن هو الحق من عند الله، وإن هذا إلقاء شيطان لا يعبأ به، والله عليم حكيم وتكون الآية سلوى للنبي ﷺ حيث كان يحصل هذا مع الأنبياء قبله، وهو لحكمة الله يقصدها ويعلمها، وهي الابتلاء والاختبار. ويمكن بعد هذا كله أن نفهم الآية على هذا المعنى الآتي- مع أن اللغة لا تمنع منه- يقول الله- : وما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول له كتاب وشريعة، ولا نبي- ليس له شريعة ولا كتاب بل ألهم أو أوحى إليه أن يتبع شريعة غيره كأنبياء إسرائيل- وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى- من الأمنية التي تهواها النفس، وكل الأنبياء كانت تحب وتهوى أن يؤمن بهم كل الناس- ألقى الشيطان في أمنيته وفي سبيل تحقيقها من العراقيل والعقبات الشيء الكثير فكان يلقى من نفوس الناس ويزين لهم الكفر والفسوق والعصيان، ولا شك أن الناس الذين أرسل إليهم الرسول هم محل الأمنية، التي يتمناها النبي ﷺ .

стр. 1510

فينسخ الله ما يلقى الشيطان، ويزيل الوساوس من بعض قلوب الناس ثم يحكم الله آياته البينات، حتى تكون محكمة سديدة عند من يؤمن بها، والله عليم بخلقه حكيم في صنعه، يعلم خلقه وما هم عليه. ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة وضلالا للذين في قلوبهم مرض، من شك ونفاق وحسد وبغضاء: وانظر إلى عبارة القرآن فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمراد استقر وسكن حتى أصبح طبعا وغريزة، والقاسية قلوبهم، وهم المشركون المكذبون، وإن الظالمين من المنافقين والمشركين لفي شقاق بعيد الغور، كبير الخطر، ولهم عذاب مقيم ... وليعلم الذين أوتوا العلم، وهدوا إلى الصراط المستقيم، وهم المؤمنون القانتون أنه الكتاب المحكم الآيات، البعيد عن الشبهات، هو الحق من ربك، لا شك فيه تنزيل من حكيم حميد، فيؤمنوا به إيمانا صادقا لا شبهة معه، فتخبت له قلوبهم، وتخشع وتسكن مخلصة مطمئنة، وإن الله لهادى الذين آمنوا بهذا القرآن إلى صراط مستقيم، وسيجازيهم على ذلك أحسن الجزاء. ولا يزال الذين كفروا في شك منه مهما أتتهم الأدلة، وتوالت عليهم الحجج، لا يزالون هكذا، في شك وحيرة حتى تأتيهم الساعة بغتة، أو يأتيهم عذاب يوم عقيم لا خير فيه. ولا غرابة في هذا لأن الملك يوم الجزاء والثواب والعقاب لله الواحد القهار. يحكم بينهم، وهو الحكم العدل- جل شأنه-، يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات خالدين فيها، ولهم فيها نعيم مقيم. والذين كفروا، وكذبوا بآياتنا فأولئك أصحاب الجحيم، ولهم عذاب ذو إهانة لهم. جزاء ما عملوا من سيئ الأعمال، وما ارتكبوا من بوائق السيئات ... فضله كبير على الناس جميعا وخاصة المؤمنين [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٥٨ الى ٦٦] وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥) وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦)

стр. 1511

المفردات: هاجَرُوا تركوا أوطانهم في سبيل الله مُدْخَلًا مكانا يدخلونه ويرضونه وهو الجنة عاقَبَ جازى الظالم بمثل ما ظلمه يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ يدخل

стр. 1512

الليل في النهار بزيادة وقته على حساب النهار مُخْضَرَّةً ذات خضرة سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ ذلل لكم ما في الأرض تنتفعون به وتذللونه. المعنى: - الملك يومئذ لله يحكم بين عباده فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم، والذين كفروا وكذبوا بآياته لهم العذاب المقيم خالدين فيه أبدا. والذين هاجروا في سبيل الله، وتركوا أوطانهم وديارهم في سبيله وكرسوا حياتهم للجهاد مع رسوله، وإنما خص هؤلاء بالذكر لسمو قصدهم وعلو مكانتهم عند ربهم، وهؤلاء الذين هاجروا ثم قتلوا بعد ذلك أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا، وانظر إلى علو مكانتهم عند ربهم إذا قتلوا أو ماتوا. ليرزقهم الله رزقا حسنا من عنده. وهو خير الرازقين إذ يعطى بغير حساب وينفق كما يشاء، وكل عطاء فهو من فضل عطائه، ليدخلنهم مدخلا يرضونه يوم القيامة، وهذا المدخل الكريم ما أعد لهم في الجنة من النعيم المقيم، وهذه الجملة بيان للرزق الحسن إذ لا يعقل أن يكون رزقا في الدنيا بعد الموت أو القتل إلا على التأويل، ولا غرابة في ذلك فالله هو العليم بأسرار النفوس، وطوايا القلوب، حليم بعباده لا يعاجل بالعقوبة بل يعفو ويغفر، ويمهل ولا يهمل. الأمر ما قصصناه عليك من إنجاز ما وعدنا المهاجرين الذين قتلوا أو ماتوا. أى الأمر ذلك. روى أن طوائف من أصحاب رسول الله ﷺ . ورضى عنهم قالوا: يا رسول الله: هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا معك؟ أى فما حالنا لو متنا بلا قتل؟!! فأنزل الله هاتين الآيتين- وهما يفيدان التسوية بين من مات على فراشه ومن قتل في سبيل الله ... وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ [الحج ٦٠] . ووضع هذه الآية هنا يفيد معناها: أن هؤلاء المهاجرين المقاتلين في سبيل الله مع إكرامى لهم في الآخرة بما عرفتم لا أدعهم بل أنصرهم في الدنيا على أعدائهم، وهذا مشروط بنصرهم لله إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [سورة محمد آية ٧] .

стр. 1513

والمعنى من قاتل من قاتله ظلما وبغيا، لينصرنه الله ويؤيده بروح من عنده واعلموا أن الله عفو غفور فلا تلجئوا للحرب والقتال إلا إذا وقفوا ضدكم، وحاربوا دعوتكم، فإن تركوكم وشأنكم، ولم يعتدوا عليكم فمن الخير ألا تبدءوا بالقتال بل عليكم بالعفو فالله كثير العفو والمغفرة والعقوبة إنما تكون بعد فعل وقع. فهي جزاء منه، وسمى الله ابتداء الظلم عقوبة مشاكلة لتسمية الجزاء وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [سورة الشورى آية ٤٠] فسمى عقوبة الجزاء سيئة للمشاكلة، والمراد بالمثلية عدم الزيادة. ذلك أى: المذكور كله بسبب أنه- سبحانه- قادر، ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل بمعنى زيادة أحدهما على حساب الآخر فالقادر على ذلك قادر بلا شك على نصرة المظلوم، وإثابة الطائع ومجازاة العاصي، وذلك بسبب أن الله سميع لكل دعاء، بصير بكل عمل فلا يعزب عنه شيء. ذلك أى ما تقدم من اتصافه- بكمال القدرة، وتمام العلم بسبب أنه هو الحق، الموجود بلا شك، الموصوف بكل كمال المنزه عن كل نقص، وهو صاحب الدين الحق، فعبادته حق، ونصره لأوليائه حق، ووعده حق، وهو الحق لا شك فيه، وأن ما تدعون من دونه هو الباطل الذي لا ثبوت له، ولا وجود، والحال أن الله هو العلى المتعالي على الكل بقدرته، وقدسيته تنزهه عن الأشباه والأنداد والنظائر. ثم أخذ القرآن يلفت نظرنا إلى الأدلة الكونية التي تثبت ذلك. ألم تعلموا أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة؟ بقدرة الله، فالله- سبحانه- هو الذي أنزل من السماء ماء فأصاب الأرض الميتة فأحياها بالخضرة والنبات، أو سلكه ينابيع في الأرض ثم يرفع بالآلات الرافعة فأصبحت به مخضرة ذات خضرة وبهجة. إن الله لطيف بعباده يدبر لهم أمر المعاش ونظام الدنيا خبير بهم، وبحالهم، وبنظام معاشهم ولا غرابة في ذلك كله إذ له ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصريفا، والكل محتاج إليه، وأن الله هو الغنى فلا يحتاج إلى شيء، الحميد المحمود في السموات والأرض. وهذه نعمة أخرى.

стр. 1514

ألم تعلموا أن الله الرحمن الرحيم بكم سخر لكم كل ما في الأرض من حيوان ونبات وأنهار وقوى طبيعية حتى استخدم الإنسان الأثير والذرة وها هي الفلك تجرى في البحر بأمره، وخصها بالذكر لأنها هي الموجودة ساعة نزول القرآن. أما اليوم فالغواصة، والطيارة، والقنابل والتليفزيون وغيره وغيره مما ستتكشف الأيام عنه. والله- سبحانه- يمسك السماء أن تقع على الأرض، وقد رفعها بلا عمد ترونها فلن تقع السماء (أى ما فيها من كواكب وأجرام) إلا بإذنه وإرادته فليست الدنيا خلقت بالطبع ووجدت بالصدفة لا بل هذا الكون لا يمكن أن يسير وحده بلا مدبر قوى قادر حكيم عليم ناقد بصير هو الله- ﷻ ، وتقدست أسماؤه. حقيقة إن الله بالناس لرءوف رحيم. وهو الذي أحياكم من العدم ثم يميتكم عند انقضاء أعماركم، وهذا الموت من أكبر النعم على الإنسان، ألم تر لك قريبا عزيزا عليك مرض مرضا شديدا حتى تمنيت له الموت؟ كلنا ذلك الرجل، ولذلك عد الموت في النعم كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ من سورة الرحمن، أليست الدنيا سجن المؤمن وبالموت ينطلق إلى ساحة الرحمن، ثم يحييكم للبعث والجزاء وإعطاء المحسن جزاءه والمسيء عقابه، إن الإنسان لكفور بنعم الله جحود لفضل الله إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وشكروا الله حق شكره فأولئك جزاؤهم عند ربهم ... لكل أمة شريعة صالحة لها [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٦٧ الى ٧٠] لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)

стр. 1515

المفردات: مَنْسَكاً عبادة وشريعة يعبدون بها ربهم، والفعل نسك ينسك فهو ناسك، ونسك أى: عبد فهو عابد. المعنى: العالم يتطور تطور الإنسان في الحياة فمن الطفولة إلى دور الشباب إلى دور الرجولة الكاملة، وتلك سنة التطور، وقد عالج الله العالم وقت أن كان كالطفل بعلاج التوراة التي أنزلت على موسى تحكم بالشدة وتعنى بالمادة، ثم جاء الإنجيل متمما لحكم التوراة مع علاج الروح وتنمية الغرائز، والعالم كان في شبابه ميالا لناحية الروح، ثم لما كمل العالم، وتمت رجولته، وأصبح قادرا على تحمل رسالة خاتم المرسلين محمد ﷺ أرسل له بتشريع يجمع بين العناية بالمادة والروح، وكان تشريعه وسطا وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [سورة البقرة آية ١٤٣] . نعم لكل أمة من الأمم جعلنا منسكا وشريعة تعبد بها ربها، وهي مناسبة لها فكانت التوراة منسك الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى، والإنجيل منسك الأمة من مبعث عيسى إلى مبعث محمد- عليهم جميعا الصلاة والسلام-، وكان القرآن وما فيه من تشريع وحكم شامل لكل مناحى الحياة الدنيا والأخرى منسك هذه الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولقد أرسل محمدا ﷺ ونزل عليه القرآن هدى للناس جميعا وبينات من الهدى والفرقان، والعالم في أشد الحاجة إليه، فكان رحمة للعالمين، ومنقذا للإنسانية المعذبة الضالة بين المادية القاسية، والوثنية الضالة لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [سورة المائدة آية ٤٨] . وإذا كان الأمر كذلك فلا ينازعنك في الأمر- أى أمر الدين- فهذا هو الدستور الذي نسخ جمع الدساتير السالفة، وهذا نهى لهم عن النزاع، وأنت يا محمد لا تلتف لنزاعهم وجدالهم واثبت في دينك ثباتا لا يطمعون معه أن يخدعوك ليزيلوك عنه، وادع كل الناس إلى سبيل ربك وهو دين الله الحق، وتوحيده الخالص، إنك على الحجة البيضاء ليلها كنهارها، وأنت على الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، فادع الناس جميعا إلى الإسلام وإن أبوا إلا جدالك بعد ظهور الحجة عليهم فكل أمرهم إلى الله وقل لهم:

стр. 1516

الله أعلم بما تعملون وسيجازيكم على عملكم، ويحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون. ألم تعلموا أن الله يعلم ما في السماء، وما في الأرض؟ وهو العالم الذي لا يغيب عنه شيء في الكون، إن ذلك كله في كتاب مكتوب عنده، فكيف يغيب عنه شيء؟ بل إن ذلك كله عليه يسير، وهذا يفيد أن الحكم يوم القيامة بالعدل الذي لا جور فيه. بعض أعمال الكفار والمشركين [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧١ الى ٧٦] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)

стр. 1517

المفردات: ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً المراد بالسلطان الدليل الذي ينزله الله- وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ المراد حجة عقلية الْمُنْكَرَ دلالة الغيظ والغضب يَسْطُونَ يبطشون والسطو شدة البطش ذُباباً الذباب اسما واحدا للذكر والأنثى، وسمى هذا الحيوان به لكثرة حركته لا يَسْتَنْقِذُوهُ الاستنقاذ والإنقاذ التخليص يَصْطَفِي يختار. وهذا بيان لما يقدم عليه الكفار والمشركون بعد بيان نعم الله- على خلقه، وبيان مظاهر قدرته وتمام علمه المحيط بكل شيء. المعنى: - الله المتصف بصفات الألوهية الكاملة، ولا إله إلا هو، خالق السماء والأرض، ومبدعهما لا على مثال سابق، ومولج الليل في النهار، والنهار في الليل، ومنزل الماء من السماء ومنبت الشجر والزرع والنبات في الصحراء وهو صاحب الأمر في السموات والأرض، السميع العليم، القدير الخبير، الذي سخر لكم ما في الأرض وخلقه لكم لتذللوه وتنتفعوا به، ورفع السماء وبسط الأرض وأحياكم، وهو الذي يميتكم ثم يحييكم لتأخذوا جزاءكم ومع هذا كله إن الإنسان لكفور مبين، ومع هذا فهم يعبدون من دون الله أصناما وأوثانا لم يتمسكوا في عبادتهم بحجة سمعية نزلت عليهم من الله، تكون لها سلطان عليهم ولم يتمسكوا في عبادتهم بعلم وحجة عقلية، بل عبدوهم من دون الله عبادة ليس لها أساس اللهم إلا التقليد الأعمى والجهل المطبق والشبه التي هي أو هي من بيت العنكبوت. وما للظالمين أمثالهم من ولى يتولى أمرهم يوم الحساب، ولا نصير ينصرهم ويدافع عنهم، ومع هذا الجهل والضلال إذا نبهوا إلى الخير والطريق الحق، وإذا تليت عليهم آياته البينات من القرآن الكريم ظهر في وجوههم المنكر، وبدت عليها دلائل الغيظ والغضب، وامتلأت قلوبهم فجورا ونشوزا وإنكارا، يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا، ويبسطون إليهم ألسنتهم وأيديهم بالسوء.

стр. 1518

ثم أمر الله رسوله أن يقابلهم بالوعيد الشديد فقال: قل أفأنبئكم بشر من ذلكم؟ أى: بشر من غيظكم الذي ملأ قلوبكم، وكأن سائلا سأل وقال: ما شر من ذلكم؟ فقيل: هو النار!! وعدها الله الذين كفروا، وبئس المصير مصيرهم. ولما بين الله أنهم يعبدون من دون الله مالا حجة لهم فيه أتبع ذلك بيان أن آلهتهم أضعف من الضعف فلا يستحقون العبادة بحال. ومن عادة القرآن الكريم أن يعبر عن الصفات أو القصة الرائعة الغريبة بالمثل لأنها تشبهه في الغرابة والتأثير على السامع والذيوع بين الناس. يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، وتدبروا فيه، وحكموا عقولكم في مغزاه إن الذين تدعونهم من دون الله، وتخصونهم بالقربى والدعاء لن يخلقوا ذبابا أبدا، بل محال منهم ذلك وإنما اختير الذباب لحقارته، وضعفه وقذارته. وكثرته، والحال أنهم مجتمعون متكاتفون متحدون. وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، ولا يمكنهم أن يستخلصوه منه، يا لهذا العجز المشين، ويا له من تصوير فني رائع، وضع الآلهة في موضع مهين ذليل ضعيف جدا للغاية حتى ولو كانوا مجتمعين!! ضعف الطالب من المشركين، والمطلوب من الأصنام، وما أضعفهم!: وكانوا يزعمون أنهم يعرفون الله حقا، ويتخذون الآلهة قربى إلى الله، فرد الله عليهم بأنهم ما قدروا الله حق قدره، حيث جعلوا هؤلاء الأحجار، والخشب المسندة في صفوف الآلهة، وما أجهلهم حيث وضعوا الخالق الخبير البصير القاهر القادر في صف من يعجز عن دفع ضرر الذباب فكيف يتخذون العاجز المغلوب شبيها له. وهذا الآتي رد على دعواهم أن الرسول لا يكون بشرا ببيان أن الرسل نوعان: رسل من الملائكة إلى الأنبياء كجبريل مثلا، ورسل من البشر إلى الناس كالأنبياء والله وحده هو الذي يختار ويصطفى، وهو السميع لكل قول البصير بكل نفس، العليم الذي يعلم السر وأخفى ويعلم أحوال البشر ما مضى منها، وما هو آت فاختياره على أساس سليم ونظر بعيد، اعلموا أنه إليه المرجع والمآب، وإليه وحده ترجع الأمور.

стр. 1519

مجمل التشريع الإسلامى [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٧ الى ٧٨] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) المفردات: اجْتَباكُمْ اختاركم مِنْ حَرَجٍ الحرج الضيق والعسر مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ شريعته. لقد ذكر القرآن الإلهيات مع مناقشة المشركين الحساب، ثم عرج على النبوات واختيار الأنبياء، وختم السورة بالتشريع العام الذي يطلبه. المعنى: يا من اتصفتم بالإيمان، بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، اركعوا واسجدوا والمعنى: صلوا صلاتكم، واعبدوا ربكم بامتثال جميع الأوامر واجتناب جميع النواهي، وافعلوا الخير، من حيث هو خير، لكم وللناس، كصلة الرحم والبر! ومكارم الأخلاق وهذا وصف عام كامل لكل فضيلة حث عليها الدين، وهذا الترتيب في الآية حسن، فالصلاة

стр. 1520

عبادة، والعبادة خير، ثم علل ذلك الأمر بقوله: لعلكم تفلحون، أى: رجاء الفلاح والفوز، ولقد صدق رسول الله حيث يقول: «لن يدخل أحد مّنكم الجنّة بعمله» . وجاهدوا في الله أى: في دين الله أو ذات الله أو لأجل الله حق جهاده أى: جهادا حقا خالصا لوجه الله، ومن نجاهد؟ إنا أمرنا بجهاد أنفسنا، وجهاد عدونا، وجهاد قرناء السوء، والجهاد في مجتمعنا لرده إلى الجادة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» قاله رسول الله وهو راجع من غزوة وها هو ذا القرآن الكريم يذكر المرغبات في الامتثال، وموجبات هذه الأوامر لنعمل راغبين راجين الثواب من الله. هو اجتباكم واختاركم حيث كلفكم وأمركم، ولعل في التكليف مشقة قد تكون شديدة، ولكن الله يتبع ذلك بقوله: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، بل كله سهولة، وقد قال رسول الله: «إنّ الدّين يسر ولن يشادّ الدين أحد إلّا غلبه الدّين» ويقول الله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «١» ويقول الرسول. «إنّ الله يحبّ أن تؤتى رخصه كما يحبّ أن تؤتى عزائمه» . فلم يحتم عليك استعمال الماء، وقال «فإن لم تجدوا ماء فتيمموا» . وجعل التيمم للمريض، وللمسافر، ولمن فقد الماء وما حتم علينا الصيام في السفر ولا في المرض بل أباحه وحث على الفطر، وما حتم علينا القيام في الصلاة بل جعله فرضا على القادر أما غير القادر فقد أباح له الصلاة وهو جالس أو نائم، وقد أثبتت الأيام أنه ليس في نظم الإسلام مشقة ولا حرج أبدا. وعلى العموم: ففي الدين رخص كثيرة وقد استعملها الرسول ﷺ تخفيفا على أمته وتحقيقا لقول الله وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل هذا أى: في الكتب السابقة وفي هذا أى: في القرآن، وحيث كانت ملة إبراهيم- ﵇ هي كملة المصطفى في الأصول العامة فهذا داع من دواعي الامتثال والذي سماكم المسلمين هو أبوكم إبراهيم أو الله- ليظهر التعليل في قوله: ليكون الرسول شهيدا عليكم، وتكونوا شهداء على الناس وأنبيائهم يوم القيامة فقد ورد أن الأنبياء تستشهد

стр. 1521

بالمسلمين على أنهم بلغوا رسالتهم لأممهم فيشهد المسلمون بذلك فتقول الأمم: وممن علمتم؟ فيقولون أخبرنا الصادق الأمين ﷺ . وعلى هذا كله فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وهما عنوان العمل في الإسلام، واعتصموا بالله أى: بدينه وقرآنه وأمره، واسألوه العصمة والمغفرة هو مولاكم وسيدكم والمتصرف في أموركم. فنعم المولى، ونعم النصير.... انظر إلى القرآن أمرنا بأمور ثم رغبنا في الامتثال والعمل ثم أكدها مرة ثانية.

стр. 1522

سورة المؤمنون مكية كلها في قول الجميع، وعدد آياتها ثماني عشرة ومائة آية. وهي تدور حول الإيمان والمؤمنين من أولها إلى آخرها فهي إذ تصف المؤمنين، تذكر أسس الإيمان في الإنسان والكون، ثم تتعرض لرسالات بعض الأنبياء وكلها تدعو للإيمان، ثم تعود إلى المؤمنين وخصالهم وإلى الكافرين وأعمالهم مع تعرض لبعض صفات الله ونراها تختتم الكلام بتوجيهات للنبي ﷺ ، ثم بذكر مشهد من مشاهد يوم القيامة للعبرة والعظة. من هم المؤمنون؟ [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)

стр. 1523

المفردات: اللَّغْوِ ما لا خير فيه ابْتَغى طلب العادُونَ المتجاوزون الحدود الْفِرْدَوْسَ أعلى مكان في الجنة. روى عن عمر بن الخطاب أنه قال: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحى يسمع عند وجهه كدوي النحل فلبثنا ساعة فاستقبل القبلة، ورفع يديه وقال: «اللهمّ زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وآثرنا. ولا تؤثر علينا، وارض عنّا وأرضنا، ثم قال: نزل علىّ عشر آيات من أقامهنّ (أى: عمل فيهنّ) دخل الجنّة، ثم قرأ: قد أفلح المؤمنون حتّى ختم العشر» رواه أحمد والترمذي. وروى النسائي قال: قلنا لعائشة أم المؤمنين: كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان خلقه القرآن، فقرأت قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ حتى انتهت إلى وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ قالت: هكذا كان رسول الله ﷺ . المعنى: قد أفلح المؤمنون، وفازوا وسعدوا، أولئك المؤمنون الذين وصفهم الحق- ﵎ بما يأتى: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ قد سكنت جوارحهم، وخشعت قلوبهم، وقال الحسن البصري: كان خشوع الصحابة- رضوان الله عليهم- في قلوبهم، فغضوا بذلك أبصارهم، وخفضوا جناحهم. والخشوع في الصلاة إنما يحصل لمن أفرغ قلبه لها، واشتغل بها عما عداها، وآثرها على غيرها، وحينئذ تكون راحة نفسه، وقرة عينه كما قال الرسول ﷺ «حبّب إلىّ من دنياكم ثلاث: الطّيب، والنّساء، وجعلت قرّة عيني في الصّلاة» ، وكما روى قوله ﷺ يا بلال «أرحنا بالصّلاة» . وأمارة الخشوع أن يتوقى إصلاح الثوب، والالتفات يمينا وشمالا، والتثاؤب وتغطية الفم باليد، والتشبيك، واللعب في اللحى، والنظر إلى الأصابع، وتقليب الحصى،

стр. 1524

وغير ذلك مما يكره فعله في الصلاة باعتبار القانون الشرعي، وفي الواقع هذا مما يضيع الصلاة ويجعلها شيئا لا روح فيه، ولقد صدق رسول الله حيث رأى رجلا يلعب في لحيته وهو يصلى فقال: «لو سكن قلب هذا لسكنت جوارحه» . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ اللغو هو الباطل، وما لا خير فيه ولا فائدة منه والمؤمن حقيقة هو الذي يشعر بثقل الرسالة التي كلف بها، ويشعر بالواجب عليه نحو نفسه ووطنه ودينه، ويشعر تماما بأن في عنقه أمانة هو محاسب عليها، لا يهدأ، ولا يسكن حتى يقوم بها. ومن كان كذلك كان معرضا عن اللهو، والمجون والعبث وضياع الوقت في غير المجدي. وانظر يا أخى إلى أن هذا اللغو دأب أفراد الأمم المتأخرة المتكاسلة، وإلا فالوقت مهما طال فهو أقل بكثير مما عليك من واجب وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ يظهر والله أعلم أن المراد بالزكاة مطلق الإنفاق في سبيل الله، وإلا فالزكاة الشرعية المحددة النصيب لم تفرض إلا في السنة الثانية للهجرة وكانوا في مكة يؤمرون بالإنفاق المطلق، ألا ترى إلى قوله- تعالى- في سورة الأنعام الآية ١٤١ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وفي سورة فصلت وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [الآيتان ٦ و ٧] . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ نعم هم الذين قد حفظوا فروجهم من الحرام فلم يقعوا فيما نهاهم الله عنه من زنا ولواط واستمناء باليد، لا يقربون سوى زوجاتهم التي أحلها الله لهم، أو ما ملكت أيمانهم من السراري التي أخذت في الحروب لا التي شاعت في القرون السابقة، وكانت تباع في الأسواق، فالشرع لم يحلل الرق إلا في صورة واحدة هي في حروب الإسلام مع الكفار فتقسم النساء على المحاربين إكراما. لهم، مع أن الدين حض في كل مناسبة على تحرير الرقاب، ولم يكن الرق واجبا حتميا بل جعله في يد الإمام يفعله متى يشاء وعلى ذلك فلنا أن نحرمه الآن لما يترتب عليه. ومن تعاطى ما أحله الله فلا لوم عليه ولا حرج، فمن ابتغى وراء ذلك أى غير الأزواج والإماء فأولئك هم المعتدون المتجاوزون، وعلى ذلك حرم نكاح المتعة، والاستمناء باليد.

стр. 1525

والإجماع من كل العلماء ما عدا أحمد بن حنبل تحريمه لظاهر الآية ولحديث أنس ابن مالك «سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم، ولا يجمعهم مع العالمين ويدخلهم النّار في أوّل الدّاخلين: النّاكح يده، والفاعل والمفعول به، ومدمن الخمر، والضّارب والديه حتّى يستغيثا، والمؤذى جيرانه حتّى يلعنوه، والنّاكح حليلة جاره» . وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وهم إذا اؤتمنوا لم يخونوا بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عقدوا عقدا قاموا به، ووفوا ما عليهم، وهكذا المسلمون دائما يوفون بالعهد، وعلى عكسهم المنافقون الذين وصفهم الرسول بقوله «آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» . وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ فهم يواظبون عليها ويؤدون جميع الصلوات في أوقاتها، مع المحافظة على الصلاة وشروطها وآدابها وأركانها. وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة فدل على أفضليتها ومكانتها وأنها عمود الدين ولقد قال رسول الإسلام: «استقيموا ولن تحصلوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة» . أولئك البعيدون في درجات الكمال، المتصفون بهذه الصفات التي تثبت الإيمان في قلب المؤمن، والتي تغرس في قلبه حب الدين والخوف من الله، والتي تنتج المؤمن الكامل، المؤمن القوى، والمؤمن العامل في جيش الإسلام فهذه صفات تخلق الفرد وهناك صفات للمؤمنين كجماعة من الجماعات الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ [سورة التوبة آية ٧١] . أولئك هم الأحقاء بأن يأخذوا الجنة، ويستحقوا الفردوس استحقاق الوارث في مال مورثه جزاء ما عملوا، ونتيجة لما قدموا. وهم فيها خالدون وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف ٧٢] .

стр. 1526

الإيمان بالله القادر الحكيم [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٢ الى ٢٢] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) المفردات: مِنْ سُلالَةٍ من خلاصة استلت من الطين، والسلالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء يقال: سللت الشعر من العجين والسيف من الغمد فانسل قَرارٍ

стр. 1527

مَكِينٍ المراد الرحم طَرائِقَ جمع طريقة والمراد السموات السبع، سميت بذلك لأن بعضها فوق بعض بِقَدَرٍ بمقدار معلوم عندنا طُورِ سَيْناءَ طور سيناء، وَصِبْغٍ كل إدام يؤتدم به فهو صبغ، وأصل الصبغ ما يصبغ به الثوب أى يلون، وشبه الإدام به لأن الخبز يلون به إذا غمس فيه. لقد أمر الحق- ﵎ بالإيمان وبالاتصاف بشعبه المهمة التي تكون المؤمن الصالح ببيان صفات المؤمنين التي هي سبب في فلاحهم وفوزهم. وذلك في الآيات السابقة. وهذا لا يتم إلا بعد معرفة الإله معرفة حقيقة والإيمان به والاستدلال على ذاته الكريمة وصفاته الجليلة كالقدرة والوجدانية، والعلم والحكمة وغيرها. ولذا ترى القرآن الكريم أخذ يسوق الأدلة على ذلك في خلق الإنسان، وفي تكوين السموات وفي نزول الأمطار وخروج النبات، وفي خلقه الحيوان ومنافعه. المعنى: ولقد خلقنا الإنسان، وقلبناه في أدوار الخلقة وأطوار الفطرة. أفلا يكون ذلك دليلا كافيا على وحدانيته تعالى: واتصافه بكل كمال، وتنزهه عن كل نقص؟ هذه الأطوار كل طور فيها لا يمت إلى الآخر بصلة. لقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ومن هو الإنسان؟ أهو آدم أم أولاده أو هو لفظ عام شامل للكل؟ أما آدم فخلق من طين لازب إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [سورة ص الآيتان ٧١ و ٧٢] . وأما أولاده فقد خلقت من منى يمنى، وهذا المنى من الدم، والغذاء سواء كان نباتا أو حيوانا مصدره الأرض، إذا الإنسان مطلقا خلق من طين كما نصت الآية وعلى ذلك نفهم قوله تعالى خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ أى: صلب الرجل وترائب المرأة أى: عظام صدرها، مع قوله: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [السجدة ٧ و ٨] . تلك نظرية القرآن- كلام الله الذي خلق الإنسان من العدم- في وضوحها وهي لا تعارض بنظرية النشوء والارتقاء في تكوين الإنسان إذ أنها بنيت على الحدس والتخمين

стр. 1528

حيث يظن أن أصل الإنسان حيوان ارتقى، والواقع لا يشجعنا على هذا على أن نظرية القرآن تكرم الإنسان على الخلق كلهم إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ نعم هو قرار مكين حقا فالجنين يوضع في كيس (المشيمة) وهذا الكيس فيه ماء قليل حامل للطفل وحافظ له من الحركات العنيفة، وتقلبات الأم الشديدة، وهذا الكيس في الرحم، والرحم مغلق وهو في الحوض، أفلا يكون هذا في قرار مكين؟ ومع هذا كله فالجنين يتغذى ويتنفس بعد مدة من الزمن أما كيف يتنفس؟ فهذا دليل على القدرة التي لا تحد!. ثم خلقنا النطفة التي هي حيوان منوي واحد من ملايين تنزل من الرجل علقة أى: جعلناها علقة فحولنا النطفة من صفاتها إلى صفات العلقة، وهي الدم الجامد. فخلقنا العلقة مضغة: أى جعلناها قطعة لحم قدر ما يمضغ بعد أن كانت جزءا من الدم الجامد. فخلقنا المضغة عظاما، ومن الذي كون العظام من اللحم؟، والعظام لها طابع خاص ومكون من مواد تختلف عن مواد اللحم، إنه الخالق- . فكسونا العظام لحما، نعم قد كسى العظام باللحم والعصب. إنه نظام دقيق جدا يعرفه من مارس صنع الآلات، وحاجتها الشديدة إلى ما يشبه المفاصل في الإنسان إنه تركيب دقيق، وصنعة محكمة! والطب الحديث أثبت أن العظم يتكون أولا ثم يكسى باللحم فمن علم ذلك النبي الأمى؟! إنه الله!! ثم أنشأناه خلقا آخر، نعم ثم بعد هذا أنشأناه خلقا آخر يسمع ويتحرك ويتنفس وكان قبل هذا قطعة لحم بدون حياة كاملة ثم بعد ذلك نزل من بطن أمه للحياة يسعى ويعمل، وصار في وضع لو دخل في بطن أمه لحظة بعد خروجه لمات لساعته، سبحانك يا رب!! وانظر إلى التعبير بثم هنا، وبالفاء قبله!! فالفاء للترتيب مع التعقيب، وثم للترتيب مع التراخي فتبارك الله أحسن الخالقين. نعم تعالى الله خالق هذا الإنسان، فالبركات والخيرات والنعم كلها منه- وهو المستحق للثناء والتعظيم والعبادة لا إله غيره، ولا معبود سواه.

стр. 1529

ثم إنكم بعد ذلك لميتون الموتة الأولى، ثم إنكم يوم القيامة تبعثون والبعث بعد موتكم في قبوركم ليأخذ كل جزاءه وافيا- أليس الموت في الدنيا. والبعث في الآخرة دليلا قويا على القدرة الكاملة؟!! الأدلة الواضحة في خلق السماوات ولقد خلقنا يا بنى آدم فوقكم سبع سموات طباقا، وما كنا عن الخلق غافلين، بل حاسبين عالمين بالغيب والشهادة: والسموات السبع قيل: إن السماء عبارة عن الفلك الذي يدور فيه مجموعة من الكواكب مثل المجموعة الشمسية وهذه المجموعة مكونة من الشمس مثلا وكثير من الكواكب التي تنجذب إليها وتدور حولها في مدارها، وهكذا حتى تتكون سبعة أفلاك وهي السموات السبع التي هي جزء من العالم العلوي. ولكن إذا نظرنا إلى نصوص القرآن المتعددة والمذكورة في كثير من السور مثل قوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً «١» . وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ «٢» . إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ «٣» وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ «٤» . وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ «٥» . وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ «٦» . أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً «٧» . وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً «٨» . أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها «٩» . إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ «١٠» إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ «١١» .. وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ ... «١٢» أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ «١٣» وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ «١٤» هذه النصوص كلها تجعلنا نقول مع القائلين أن السماء مادة فيها الكواكب والله أعلم بهذه المادة، وإنما قيل سبع طرائق وفي آية أخرى طباقا لأنها متطارقة بعضها فوق بعض، أى متطابقة، وقيل لأنها طرائق الملائكة. ويرى بعض العلماء أن المراد بقوله سبع طرائق- والله أعلم- سبع مدارات أو سبعة مجموعات فلكية، أو سبع كتل سديمية:

стр. 1530

الأدلة في نزول المطر وإنبات النبات والله- أنزل من السماء ماء على هيئة المطر، وإن قصته لعجيبة تدل على كمال القدرة فالماء الذي على سطح الأرض (وما أكثره) يتبخر على شكل بخار يصعد إلى أعلى لخفته ثم إذا تجمد تحمله الرياح إلى حيث يراد نزوله، فينزل عذبا فراتا سائغا شرابه، كل هذه الأدوار والأطوار التي مر بها الماء من الذي خلقها؟ إنه الله- . الله ينزل من السّماء ماء على من يشاء من عباده ينزله بقدر معلوم، قدر لا يضر ولا يهلك، بل يقدر المصلحة العامة غالبا. والمطر إذا نزل على الأرض تسرب فيها، وكون في باطنها ما يشبه البحيرات والأنهار، وقد أثبت البحث حديثا أن تحت القطر المصرى نهرا أكثر ماء من نهر النيل، وآية ذلك العيون والآبار التي في الصحراء وغيرها، والآلات الميكانيكية التي ترفع المياه الجوفية فيسقى بها الزرع، وتنشأ بها الجنات والبساتين. نعم أنشأ الله بهذا الماء النازل من السماء جنات من نخيل وأعناب وغيرها من أصناف المزروعات المنتشرة الآن في العالم كله، وإنما خص النخيل والأعناب بالذكر لأنهما المعروفان عند العرب كثيرا، وغيرهما بالقياس. لنا في هذه الزروع ما نتفكه به، وما نأكل منه ونشأ به شجرة تخرج في طور سيناء- وهي الصحراء القاحلة، لولا ما ينزل عليها من الأمطار- هي شجرة الزيتون ومنها الدهن والإدام الذي يؤتدم به، وفيه الشفاء لكثير من الأمراض وهو أصح من السمن في كثير من الحالات والله- قادر على إذهاب المطر ومنعه، وعلى جفاف المياه الجوفية وإزالتها قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ؟! [سورة الملك آية ٣٠] . الأدلة في الأنعام وخلقها أما الأنعام التي خلقها الله لنا، وسخرها لخدمتنا، وذللها لمنافعنا، فهي الإبل والبقر بنوعيه والضأن والماعز، وغيرها كثير: ولنا في لبنه عبرة وعظة، وأية عبرة هذه!! إنه اللبن الذي تفرزه الغدد ويخرج من

стр. 1531

بين فرث ودم فغذاء الحيوان يتحول إلى دم ولبن وفرث، كل ذلك بواسطة شعيرات دقيقة منتشرة في الجسم ومتجاورة، ومع هذا يخرج اللبن صافيا لا كدرة فيه، فسبحان من خلق هذا!! ولكم فيها منافع كثيرة، تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وتحرث الأرض وتأخذون أصوافها وأوبارها فتجعلونه لباسا وأساسا، ومتاعا ومن أولادها ولحومها نتغذى ونأكل، وعليها وعلى السفن التي تسير في البحر نركب وننتقل حسبما نشاء أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ [سورة يس الآيات ٧١- ٧٣] . أفلا يدل هذا على وجود الصانع المختار، الحكيم القادر؟ جل شأنه، وأنه قادر على إعادة الحياة بعد فنائها ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى. أليس من الفلاح والسعادة للبشر أن يؤمنوا بهذا الإله الذي خلق فسوى وأنعم وتفضل؟! العبرة من قصة نوح- ﵇[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٣ الى ٣٠] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)

стр. 1532

المفردات: الْمَلَأُ هم أشراف القوم الذين يملؤون العيون بهجة يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ يسودكم ويشرف ويتعاظم عليكم جِنَّةٌ جنون وضعف في العقل فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ فانتظروا به ريب المنون بِأَعْيُنِنا برعايتنا التَّنُّورُ مكان يصنع على هيئة خاصة توقد فيه النار لطهى الخبز، وهو معروف فَاسْلُكْ أدخل فيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ذكر وأنثى من كل حيوان موجود وقتئذ مُنْزَلًا إنزالا مباركا أى فيه الخير والبركة. اعلم أن الله- لما بين دلائل التوحيد، ووصف نفسه بالقدرة الكاملة والعلم التام بما ذكر من خلق الأشياء السابقة وأطوارها ليدعم مبدأ الإيمان بالله، أردف ذلك بذكر بعض القصص للأنبياء، وفيها آية كمال قدرة الله تعالى، وأنه ينصر أنبياءه ومن آمن معهم، ويهلك أعداءهم، وبدأ بقصة نوح الأب الثاني للبشر وهو من أولى العزم. ومن هنا تدرك السر في سياق القصة هنا، وبهذا الشكل لأنها سيقت لغرض خاص ولون معين، وقد تقدمت في سورة هود مطولة.

стр. 1533

المعنى: ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال: يا قوم اعبدوا الله وحده فهو صاحب الفضل عليكم، ولا يستحق العبادة غيره، لأن غيره لم ينفع أحدا بل قد يضره. وعلى هذا فليس لكم إله غير الله يستحق العبادة، أفلا تتقون؟!! هكذا دعاهم نوح إلى عبادة الله، ولكن أشراف قومه يكرهون ذلك: لخوفهم من الدين الجديد الذي يزيل الفوارق، ويعامل الناس على السواء، كرهوا من نوح أن يدعو إلى عبادة الله، إذ هو سيكون متبوعا، وهم تابعون، وهذا شيء يؤلمهم. فدفعهم الكبر والغرور، والحسد والحقد، إلى أن يتزعموا الخارجين على الدعوة المناوئين لنوح- ﵇ ويقولون: ما هذا- أى نوح- إلا بشر مثلكم من عامة الناس يريد أن يتفضل عليكم، ويستأثر بالتعاظم وحده عليكم حيث يدعى أنه رسول الله إليكم، وهو بشر مثلكم لم يزد عنكم في شيء فكيف تسلمون له بالزعامة والقيادة؟ ولو شاء الله حقيقة- كما يدعى نوح- أن يرسل رسولا لأنزل ملائكة من السماء رسلا عنه فإن هذا أدعى للإيمان، وأدل على الصدق، فهم لقصر عقولهم وسوء تفكيرهم يعتقدون أنه لا يمكن أن تكون الرسالة مع البشر، على أنا ما سمعنا بهذا الذي يدعيه نوح في آبائنا الأولين، فما الذي جرى حتى يأتى نوح ويدعى الرسالة؟! وما نوح إلا رجل مجنون حيث يدعى ذلك فتربصوا به ريب المنون، وانتظروا موته، وهو آت بلا شك وستستريحون منه. وهكذا كانت شبههم، وهي أوهى من بيت العنكبوت، ولذا لم يعن القرآن بالرد عليها، لأن بطلانها ظاهر لا يحتاج إلى بيان. فلما ضاق صدر نوح منهم ومن أعمالهم دعا ربه أنى مغلوب فانتصر، وقال: رب انصرني وأهلكهم بسبب تكذيبهم لي، فأوحينا إليه أن اصنع السفينة بأعيننا وتحت رعايتنا وكلاءتنا، وهذا وحينا جبريل يهديك ويعلمك كيف تصنع السفينة؟ فإذا جاء أمرنا، وشأننا العظيم، وقد فار التنور، وزاد الماء، وبلغ الربى فأدخل في السفينة من كل حيوان زوجين اثنين ذكر وأنثى ليبقى التناسل في الدنيا، واحمل فيها أهلك الذين آمنوا فقط لكن من سبق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون فلا تحملهم

стр. 1534

ولو كان ابنك وزوجتك. ولا تخاطبني في شأن الذين ظلموا أبدا ... لماذا؟ إنهم مغرقون حتما، فإذا استويت يا نوح أنت ومن معك في السفينة فقل أنت وهم: الحمد لله رب العالمين الذي نجانا من القوم الظالمين. وقل عند انحسار الماء عن الأرض أى عند النزول من السفينة. رب أنزلنى إنزالا مباركا فيه البركة والخير، وأنت خير المنزلين. وهكذا يعلمنا الله ما نقوله عند ركوب السفينة أو ما شابهها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف ١٢ و ١٣] . إن في ذلك القصص لآيات تدل على قدرة الله الذي أغرق الظالمين، ونجى المؤمنين وعلى تمام حكمته وعدله حيث لم يترك هؤلاء يعيثون في الأرض الفساد، وهكذا شأن الله مع أحبابه وأعدائه إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [سورة محمد آية ٧] إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [سورة الحج آية ٣٨] . قصة هود- ﵇[سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣١ الى ٤١] ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)

стр. 1535

المفردات: قَرْناً القرن: الجماعة المجتمعة في زمان واحد، سموا بذلك لأنهم يتقدمون على من بعدهم تقدم القرن على الحيوان وَأَتْرَفْناهُمْ أنعمنا عليهم حتى أبطرتهم النعمة هَيْهاتَ اسم فعل بمعنى بعد الصَّيْحَةُ الصوت الشديد غُثاءً المراد هلكى كغثاء السيل. هذه هي قصة هود- ﵇، وقد أرسل إلى قومه عاد، وإن لم يكن ذكر هذا صراحة إلا أنه استفيد من قوله- تعالى- على لسان هود وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وقد ذكرت قصة هود بعد قصة نوح في سورة الأعراف وسورة هود فالأولى أن تكون هذه القصة لهود لا لصالح. المعنى: ثم أنشأنا من بعد قوم نوح قوما آخرين من سلالة من حمل مع نوح من المؤمنين إلا أنهم خلفوا من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وطغوا وبغوا فأرسل الله فيهم رسولا منهم أى: من عشيرتهم ويعرفون مولده ومنشأه ليكون سكونهم إلى قوله أكثر، وتصديقهم له أقرب، وهذا يفيد أن الوثنية والعصيان كالطبيعة في الإنسان والداء الكامن، فإذا أرسل رسولا قضى على الوثنية والفساد حينا من الزمن، ولكن لا تلبث بعده أن تظهر في أجلى صورها، ولولا أن الله حفظ الأمة الإسلامية

стр. 1536

بالقرآن، ووعد بحفظه إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ لرأينا الوثنية منتشرة فينا، ومع جهاد العلماء ورجال الدين ففيه كثير من الفرق الشيعية والخوارج وغيرهم ضل بهم السبيل. هؤلاء هم أولاد المؤمنين من قوم نوح، ولكنهم كفروا وأشركوا بالله فقال رسولهم هود: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، فما لكم من إله يستحق العبادة غيره، أفلا تتقون وتخافون منه؟!! وقد وصف الله الذين خرجوا على هود وتزعموا قومهم، وقادوهم إلى الكفر والعصيان بثلاث صفات من أسوأ الصفات: (أ) كفروا بالله وبرسوله. (ب) وكذبوا بلقاء الآخرة، ولم يؤمنوا بالبعث. (ج) أترفوا في الحياة الدنيا، أى أصابهم داء الترف الذي يعمى القلوب، ويجعلها في أكنة من وعاء الخير حتى لا يصل إليها شيء منه. وهؤلاء الذين كفروا، وكذبوا بيوم القيامة، وأترفوا في الحياة الدنيا قالوا، وبئس ما قالوا، ونطقوا بشبه واهية لم تستحق العناية، ولا الرد عليها. أولى الشبهات: هذا الذي يدعى أنه رسول ما هو إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه، ويشرب مما تشربون منه، فلا فضل له عليكم أبدا فكيف يدعى الفضل عليكم ويتعالى بدعوة الرسالة من الله إليكم، وأقسموا لئن أطعتم بشرا مثلكم ليس له فضل ولا مزية. إنكم إذا لخاسرون الشبهة الثانية: كيف يعدكم أنكم تخرجون وتبعثون إذا متم وكنتم ترابا، وعظاما بالية؟! هيهات هيهات لما يعدكم به، وبعيد بعيد ما يدعيه من أن هناك حياة أخرى غير الحياة الدنيا!! ثم أكدوا نفى نظرية البعث: ما هي إلا حياتنا الدنيا، وليس بعدها حياة ثانية أبدا، ولكن هي الدنيا نحيا فيها ونموت، وما يهلكنا إلا الدهر وما نحن بمبعوثين. وأما هذا الرجل الذي يدعى النبوة وإثبات البعث فما هو إلا رجل اختلق على الله الأكاذيب، وادعى أنه رسول الله، وما نحن له بمؤمنين ولا يمكن أن نصدقه جميعا في دعواه. ولما يئس الرسول- ﵇ من قبول الأصاغر والأكابر للدين فزع إلى ربه

стр. 1537

وقال: ربي انصرني وأهلك أعداءك بسبب كذبهم فأجاب الله سؤاله، وقال عما قليل ليصبحن نادمين على ما فرط منهم من العصيان والكفر. وكان الجزاء أن أخذتهم الصيحة، وهي صوت شديد جدا أعقبه الهلاك والفناء وكانوا كالغثاء الذي يعلو سطح الماء من بقية الأعشاب. فبعدا من رحمة الله وهلاكا للقوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وظلموا غيرهم حيث كانوا قدوة لهم في الفساد والشر، وانظر إلى التاريخ يوم مكرر، وإلى أن الشبه واحدة عند الأمم جميعا، والجزاء واحد عند الكل، فكأن القرآن ينادى أن اعتبروا يا أولى الأبصار، وانظروا يا أهل مكة فيمن تقدمكم، إذ كانوا مثلكم، بل أشد، وكانوا يعتقدون كما تعتقدون، وقد حل بهم عذاب الله.. ذكر بعض الأنبياء [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٢ الى ٥٠] ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)

стр. 1538

المفردات: تَتْرا يتبع بعضهم بعضا أَحادِيثَ جمع حديث وهو ما يبقى بعد الإنسان من الذكر، وقيل: جمع أحدوثة كالأعجوبة، وهي ما يتحدث به ويتعجب منه عابِدُونَ أى: هم خدم لنا وحشم رَبْوَةٍ الربوة: المكان المرتفع من الأرض قَرارٍ وَمَعِينٍ استقرار فيها من السكان، والمعين الماء الجاري الظاهر للعيون. يقص القرآن الكريم القصة في أشكال مختلفة تارة بالتطويل، وتارة بالإيجاز والمقام هنا للإيجاز، لأن الغرض التحدث عن الإيمان وجزاء الكفر بالله. المعنى: ثم أنشأنا من بعد عاد أمما آخرين فما خلت الديار من المكلفين أبدا، بل بعد هلاك قوم لكفرهم ينشئ بقدرته من بقاياهم خلقا يعمرون الأرض، وهم خاضعون لأمر ربهم، ما تسبق أمة أبدا أجلها: وما يستأخرون فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [سورة النحل آية ٦١] وتلك سنة الله في الأمم، فلا تستعجلوا العذاب فكل شيء عنده بمقدار. ثم أرسلنا لتلك الأمم رسلنا يتبع بعضهم بعضا بعد مهلة من الزمن أو بغير مهلة على وفق إرادة الله وعلمه. كلما جاء أمة رسولها كذبوه، وكفروا به وهم قد سلكوا مسلك من تقدمهم من الأمم التي أهلكت بالصيحة والريح العاتية وغيرها فأتبعنا بعضهم بعضا بالهلاك لما اشتركوا في التكذيب والكفر، وجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق فلم يبق منهم عين ولا أثر، بل أصبحوا أحاديث في أفواه الناس يتحدثون به ويتعجبون منه، فبعدا وهلاكا لقوم لا يؤمنون، وهذا وعيد لكل كافر وإنذار شديد. وبيان لقدرة الله ونصرته لعباده المؤمنين، وعذابه الشديد للكافرين والعاصين، فاعتبروا أيها الناس، وانظروا في حاضركم ومستقبلكم. ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون لفرعون وملئه يدعوانهما للإيمان بالله الذي خلق فسوى!!، وأرسلناهما مؤيدين بآياتنا المعجزة وهي الآيات التسع: العصا، واليد، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وانفلاق البحر، والسنون، ونقص الثمرات،

стр. 1539

فكان موسى وهارون مؤيدين بالآيات وسلطان مبين وهو أشرف المعجزات وأقواها. وقيل: المراد به العصا إذ تعلقت بها معجزات شتى كانقلابها حية، وابتلاعها ما صنعته السحرة وغير ذلك: وقد حكى الله عن فرعون وملئه أخص صفاتهم وشبههم الواهية التي دعتهم إلى عدم الإيمان، وفي هذا كله عبرة وعظة لأولى الألباب. أما صفاتهم فهم قوم استكبروا وأنفوا من اتباع موسى، وكانوا قوما عالين، أى: على جانب من الحضارة والعز والسلطان والعلم والعرفان، والواقع التاريخى يؤيد ذلك كله. أما شبههم: فقالوا: كيف نؤمن لبشرين مثلنا؟! والرسالة تتنافى مع البشرية، وهكذا شأن القوم الماديين الذين لا يؤمنون بالقوى المعنوية، ويظهر أن هذا كان مرضا شائعا في الأمم السابقة، ولا يزال. الشبهة الثانية: كيف نؤمن بموسى وهارون ونسلم لهما بالزعامة والقيادة، وهم من بنى إسرائيل الذين يقومون بالخدمة لنا وهم من رعايانا النازلين في بلادنا، إن هذا لمكر وحيلة ليخلص موسى وهارون بنى إسرائيل قومهما من حكمنا، ولا يمكن أن يكونا رسولين من عند الله، وترتب على ذلك أنهم كانوا من المهلكين الذين غرقوا في اليم، ونجا موسى ومن معه من بنى إسرائيل المؤمنين فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ [سورة يونس آية ٩] . ولقد آتينا موسى التوراة فيها هدى ونور، وفيها الحكم والدستور لبنى إسرائيل بعد أن أغرق آل فرعون، وأخذهم أخذ عزيز مقتدر وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص ٤٣] . ويقول ابن كثير في تفسيره: لم تهلك أمة هلاكا عاما بعد نزول التوراة، بل أمر المؤمنون بقتال الكفار. وتلك قصة مريم وابنها عيسى بإيجاز كما هو النظام العام في ذكر القصص التي في هذه السورة. وجعلنا عيسى ابن مريم عبد الله رسوله وأمه مريم البتول ابنة عمران التي أحصنت

стр. 1540

فرجها، وكانت من القانتين، جعلناهما آية للناس، وحجة قاطعة على قدرته الكاملة فإنه على ما يشاء قدير، والله- سبحانه- قد خلق عيسى من غير أب وجعل مريم تلد عيسى من غير أب فذلك آية الله على القدرة القادرة. وآويناهما إلى ربوة ذات استقرار للناس إذ هي طيبة الإنبات كثيرة الخيرات فيها الماء المعين الظاهر للعيون الذي لا ينضب أبدا، وأين هذه الربوة؟ إنها في بيت المقدس، والله أعلم. المبادئ العامة في الرسالات [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥١ الى ٥٦] يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) المفردات: زُبُراً جمع زبور والمراد: الكتب التي وضعوها وألفوها، وهذه الكلمة فيها معنى الضم والجمع، ولذا قيل: زبرت الكتاب أى: جمعت حروفه وضممت بعضه إلى بعض، وزبر الحديد قطع الحديد المجتمعة حِزْبٍ أى: جماعة وأمة غَمْرَتِهِمْ المراد: في حيرتهم وضلالهم وغفلتهم. والمادة تدل على الستر، ولهذا قيل الغمر للماء الكثير الذي يغطى ويستر الأرض نُمِدُّهُمْ نعطيهم نُسارِعُ نسرع.

стр. 1541

المعنى: يأمر الله- ﵎ الرسل جميعا بالأكل من الحلال والطيبات من الرزق، وبالعمل الصالح، ثم يحذرهم ويخوفهم من حسابه فإنه عليم خبير. روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «أيّها النّاس إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ «١» ، ثم ذكر الرسول: «الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّى بالحرام فإنّى يستجاب له» ؟؟ وهذا يدل على أن أكل الحلال عون على عمل الصالح من الأعمال، وعلى ما للأكل من أثر في توجيه النفس ناحية الخير أو ناحية الشر، إذ الأكل غذاء للبدن وقوة له، فإذا كان الغذاء طاهرا نقيا، طيبا حلالا كان وقودا نظيفا يدفع صاحبه إلى العمل الطيب، وبالعكس إذا كان الغذاء حراما خبيثا دفع صاحبه إلى السيئ من الأعمال. وهذا الأمر للرسل جميعا وبخاصة النبي ﷺ ولأنه المخاطب أولا وبالذات وفي هذا دليل على عظم المأمور به، وأنه أمر عام أمر به جميع الرسل لخطورته. وقد سوى الله بين الأنبياء جميعا، وبين المؤمنين في وجوب أكل الحلال وتجنب الحرام. ثم شمل الكل بوعيده لما ذكرنا. واعلموا أيها الناس أن هذا الذي تقدم ذكره في قصص الأنبياء سابقا هو دينكم وملتكم إذ كل الأنبياء أرسلت تدعو إلى الإيمان بالله وحده. وعدم الإشراك به شيئا فالله يقول: اعلموا هذا، ولا تظنوا أن محمدا ﷺ أتى بجديد، والحال أنى أنا ربكم فاتقونى، ولا تخالفوا أمرى. هكذا كانت الأمم، وبمثل هذا أرسلت الرسل، ولكن بعد ذلك افترقت الأمم فرقا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون، وصار لكل جماعة كتاب ثم حرفوه وبدلوه، وآمنوا به وكفروا بما سواه.

стр. 1542

وإن الله- يحذر الأمة الإسلامية من هذا الداء الوبيل، ويخاطب قريشا خاصة مهددا لهم بقوله: فذرهم في غمرتهم، والمعنى فذر هؤلاء القرشيين فهم يشبهون من سبقهم في الكفر والعناد، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم فلكل شيء وقت معلوم، وذرهم في غيهم وضلالهم إلى حين معلوم، وأجل محدود. أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا كلا! ليس الأمر كما يتوهمون في قولهم: نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين، لقد أخطئوا، وخاب فألهم، وما علموا أنا نفعل معهم ذلك استدراجا وإملاء لهم، ولهذا قال الله: بل لا يشعرون فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [التوبة ٥٥] إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [آل عمران ١٧٨] . يا أيها الناس ليس الإنسان بماله وولده، وليست كرامته عند الله بالدنيا التي عنده، ولكن كرامته ومنزلته بالعمل الصالح إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات ١٣] . ومن هذه الآيات نفهم أثر الأكل الحلال في سلوك الإنسان، وأن الرسل جميعا جاءت لعبادة الواحد القهار، وأن اختلاف الأمم بعد أنبيائها أمر طبيعي والفوز لمن تمسك بالحق وسار على هدى الكتب السماوية التي لم تحرف كالقرآن وسنة الرسول ﷺ ، وأن الكرامة والمكانة عند الله ليست بالمال والولد، ولكن بالتقوى والعمل الصالح. المؤمنون المسارعون في عمل الخير [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٧ الى ٦٢] إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢)

стр. 1543

وتلك صفات أخرى للمؤمنين تدل على عمق الإيمان وتأصله في نفوسهم. المعنى: إن الذين هم من خشية ربهم وخوف عذابه دائمون في طاعته جادون في طلب رضاه، إذ من بلغ في خشية الله حد الإشفاق وهو كمال الخشية كان في نهاية الخوف من سخط الله وعقابه، وهذا الصنف يكون دائما بعيدا عن المعاصي جادا في الطاعة والعمل الصالح. والذين هم بآيات الله الكونية، يؤمنون ويصدقون على أنها دليل ناطق على وجود الله واتصافه بكل كمال وتنزهه عن كل نقص، وهذا لا يكون إلا بعد النظر السليم والفكر الصحيح في آيات الله الكونية، وآيات الله القرآنية. والذين هم بربهم لا يشركون شيئا، وهذا دليل على نفى الشرك الخفى، والذين يؤتون ما أتوا، ويفعلون ما يفعلون من صلاة وصيام، وقيام، وزكاة، وصدقة وبر والحال أن قلوبهم وجلة وخائفة من التقصير فليس عندهم غرور ديني، بل هم دائما خائفون غير مخدوعين، ولو كانت إحدى رجليهم في الجنة. روى أن السيدة عائشة سألت رسول الله ﷺ فقالت: والذين يؤتون ما آتوا، وقلوبهم وجلة، أهو الذي يزنى ويشرب الخمر ويسرق وهو على ذلك يخاف الله- تعالى-، فقال ﷺ : «لا يا ابنة الصدّيق ولكنّ الرّجل يصلّى ويصوم ويتصدّق، وهو على ذلك يخاف الله- تعالى-..» . وهذه صفات عالية في نهاية الحسن إذ الأولى دلت على الخوف الشديد، والثانية على الإيمان العميق، والثالثة دلت على نفى الشرك الخفى، والرابعة دلت على المبالغة في العمل وعدم الغرور والكذب، وتلك مقامات الصديقين والشهداء والصالحين نسأل الله أن يوفقنا ويجعلنا في عدادهم. لهذا لا غرابة في أن هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات يسارعون في عمل الخيرات ويتعجلون دائما على فعل الطاعات، وهؤلاء آتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة وهم لها سابقون، ولما وصل القرآن إلى العمل ذكر شيئا يتعلق به، فهؤلاء المتصفون

стр. 1544

بهذه الأوصاف الأربعة والمسارعون في عمل الخيرات، لم يعملوا فوق طاقتهم، واعلموا أيها الناس أن عند الله كتابا تحصى فيه الأعمال ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو كتاب الله الذي يظهر به الحق المطابق للواقع، وفي هذا تهديد للعصاة، واطمئنان للمطيعين وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [سورة الكهف آية ٤٩] . الكفار وأعمالهم وأسبابها [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٣ الى ٧٤] بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)

стр. 1545

المفردات: غَمْرَةٍ الغمرة في اللغة: ما يغمرك ويعلوك، وفيه معنى الستر، ومنه الغمر للحقد لأنه يغمر القلب أى: يستره، والغمرة للبحر لأنه يستر الأرض والمراد هنا: الحيرة وعمق التفكير مُتْرَفِيهِمْ أغنياءهم يَجْأَرُونَ يضجون ويستغيثون. وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع كما يفعل الثور، ومنه الجؤار كالخوار تَنْكِصُونَ ترجعون وراءكم، والمراد أنهم يعرضون عن الحق سامِراً السامر والسمار الجماعة يتحدثون بالليل وأصله مأخوذ من السمر وهو ظل القمر تَهْجُرُونَ قوله: تهجرون من أهجر إذا نطق بالفحش، وقرئ تهجرون من هجر المريض إذا هذى والمراد يتكلمون بالهوس وسيئ القول في القرآن والنبي جِنَّةٌ جنون خَرْجاً أجرا ورزقا. قد تكلم القرآن عن المؤمنين وصفاتهم ثم ذكر حكمين يتعلقان بالعمل العام وبعد هذا عاد فوصف المؤمنين بصفات أخرى، ثم تكلم عن الكفار وناقشهم وبين أعمالهم، وسببها، مفندا آراءهم ردا على كل شبهة. المعنى: يقول الحق- ﵎: هؤلاء المؤمنون المخلصون الذين وصفوا بتلك الصفات الأربع هم من هذا الوجل والخوف كالمتحيرين المفكرين تفكيرا عميقا في أعمالهم: أهي مقبولة أم مردودة؟ لأنهم يفهمون أن أعمالهم مهما كان فيها من إخلاص فهي دون الواجب عليهم، ولهم أعمال دون ذلك، نعم ولهم- أيضا- من النوافل والصدقات وأعمال البر التي سيعملونها في المستقبل ما هو دون تلك المرتبة. وأما قوله: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب فهذا وصف للكفار قطعا و (حتى) هذه ابتدائية أى: يبتدأ بها كلام جديد. وهذا رأى حسن، وتأويل مستساغ، وقيل: إن هذا الكلام كله في الكفار ولا شك أنهم في غمرة وحيرة وضلال من هذا الذي بيناه في القرآن أو من هذا الذي وصف به المؤمنون المشفقون، ولهؤلاء الكفار أعمال دون ذلك أى: سوى ذلك الكفر
следующие страницы →