المعنى:
يأمر الله- ﵎ الرسل جميعا بالأكل من الحلال والطيبات من الرزق، وبالعمل الصالح، ثم يحذرهم ويخوفهم من حسابه فإنه عليم خبير.
روى عن أبى هريرة- رضى الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ «أيّها النّاس إنّ الله طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال:
يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ «١» ، ثم ذكر الرسول:
«الرّجل يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السّماء يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّى بالحرام فإنّى يستجاب له» ؟؟
وهذا يدل على أن أكل الحلال عون على عمل الصالح من الأعمال، وعلى ما للأكل من أثر في توجيه النفس ناحية الخير أو ناحية الشر، إذ الأكل غذاء للبدن وقوة له، فإذا كان الغذاء طاهرا نقيا، طيبا حلالا كان وقودا نظيفا يدفع صاحبه إلى العمل الطيب، وبالعكس إذا كان الغذاء حراما خبيثا دفع صاحبه إلى السيئ من الأعمال.
وهذا الأمر للرسل جميعا وبخاصة النبي ﷺ ولأنه المخاطب أولا وبالذات وفي هذا دليل على عظم المأمور به، وأنه أمر عام أمر به جميع الرسل لخطورته.
وقد سوى الله بين الأنبياء جميعا، وبين المؤمنين في وجوب أكل الحلال وتجنب الحرام. ثم شمل الكل بوعيده لما ذكرنا.
واعلموا أيها الناس أن هذا الذي تقدم ذكره في قصص الأنبياء سابقا هو دينكم وملتكم إذ كل الأنبياء أرسلت تدعو إلى الإيمان بالله وحده. وعدم الإشراك به شيئا فالله يقول: اعلموا هذا، ولا تظنوا أن محمدا ﷺ أتى بجديد، والحال أنى أنا ربكم فاتقونى، ولا تخالفوا أمرى.
هكذا كانت الأمم، وبمثل هذا أرسلت الرسل، ولكن بعد ذلك افترقت الأمم فرقا وأحزابا كل حزب بما لديهم فرحون، وصار لكل جماعة كتاب ثم حرفوه وبدلوه، وآمنوا به وكفروا بما سواه.
стр. 1542
وإن الله- يحذر الأمة الإسلامية من هذا الداء الوبيل، ويخاطب قريشا خاصة مهددا لهم بقوله: فذرهم في غمرتهم، والمعنى فذر هؤلاء القرشيين فهم يشبهون من سبقهم في الكفر والعناد، ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم فلكل شيء وقت معلوم، وذرهم في غيهم وضلالهم إلى حين معلوم، وأجل محدود.
أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا كلا! ليس الأمر كما يتوهمون في قولهم: نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين، لقد أخطئوا، وخاب فألهم، وما علموا أنا نفعل معهم ذلك استدراجا وإملاء لهم، ولهذا قال الله: بل لا يشعرون فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [التوبة ٥٥] إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً [آل عمران ١٧٨] .
يا أيها الناس ليس الإنسان بماله وولده، وليست كرامته عند الله بالدنيا التي عنده، ولكن كرامته ومنزلته بالعمل الصالح إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [الحجرات ١٣] .
ومن هذه الآيات نفهم أثر الأكل الحلال في سلوك الإنسان، وأن الرسل جميعا جاءت لعبادة الواحد القهار، وأن اختلاف الأمم بعد أنبيائها أمر طبيعي والفوز لمن تمسك بالحق وسار على هدى الكتب السماوية التي لم تحرف كالقرآن وسنة الرسول ﷺ ، وأن الكرامة والمكانة عند الله ليست بالمال والولد، ولكن بالتقوى والعمل الصالح.
المؤمنون المسارعون في عمل الخير [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٥٧ الى ٦٢]
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١)
وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢)
стр. 1543
وتلك صفات أخرى للمؤمنين تدل على عمق الإيمان وتأصله في نفوسهم.
المعنى:
إن الذين هم من خشية ربهم وخوف عذابه دائمون في طاعته جادون في طلب رضاه، إذ من بلغ في خشية الله حد الإشفاق وهو كمال الخشية كان في نهاية الخوف من سخط الله وعقابه، وهذا الصنف يكون دائما بعيدا عن المعاصي جادا في الطاعة والعمل الصالح.
والذين هم بآيات الله الكونية، يؤمنون ويصدقون على أنها دليل ناطق على وجود الله واتصافه بكل كمال وتنزهه عن كل نقص، وهذا لا يكون إلا بعد النظر السليم والفكر الصحيح في آيات الله الكونية، وآيات الله القرآنية.
والذين هم بربهم لا يشركون شيئا، وهذا دليل على نفى الشرك الخفى، والذين يؤتون ما أتوا، ويفعلون ما يفعلون من صلاة وصيام، وقيام، وزكاة، وصدقة وبر والحال أن قلوبهم وجلة وخائفة من التقصير فليس عندهم غرور ديني، بل هم دائما خائفون غير مخدوعين، ولو كانت إحدى رجليهم في الجنة.
روى أن السيدة عائشة سألت رسول الله ﷺ فقالت: والذين يؤتون ما آتوا، وقلوبهم وجلة، أهو الذي يزنى ويشرب الخمر ويسرق وهو على ذلك يخاف الله- تعالى-، فقال ﷺ : «لا يا ابنة الصدّيق ولكنّ الرّجل يصلّى ويصوم ويتصدّق، وهو على ذلك يخاف الله- تعالى-..» .
وهذه صفات عالية في نهاية الحسن إذ الأولى دلت على الخوف الشديد، والثانية على الإيمان العميق، والثالثة دلت على نفى الشرك الخفى، والرابعة دلت على المبالغة في العمل وعدم الغرور والكذب، وتلك مقامات الصديقين والشهداء والصالحين نسأل الله أن يوفقنا ويجعلنا في عدادهم.
لهذا لا غرابة في أن هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات يسارعون في عمل الخيرات ويتعجلون دائما على فعل الطاعات، وهؤلاء آتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة وهم لها سابقون، ولما وصل القرآن إلى العمل ذكر شيئا يتعلق به، فهؤلاء المتصفون
стр. 1544
بهذه الأوصاف الأربعة والمسارعون في عمل الخيرات، لم يعملوا فوق طاقتهم، واعلموا أيها الناس أن عند الله كتابا تحصى فيه الأعمال ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وهو كتاب الله الذي يظهر به الحق المطابق للواقع، وفي هذا تهديد للعصاة، واطمئنان للمطيعين وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [سورة الكهف آية ٤٩] .
الكفار وأعمالهم وأسبابها [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٦٣ الى ٧٤]
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِراً تَهْجُرُونَ (٦٧)
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)
стр. 1545
المفردات:
غَمْرَةٍ الغمرة في اللغة: ما يغمرك ويعلوك، وفيه معنى الستر، ومنه الغمر للحقد لأنه يغمر القلب أى: يستره، والغمرة للبحر لأنه يستر الأرض والمراد هنا:
الحيرة وعمق التفكير مُتْرَفِيهِمْ أغنياءهم يَجْأَرُونَ يضجون ويستغيثون.
وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرع كما يفعل الثور، ومنه الجؤار كالخوار تَنْكِصُونَ ترجعون وراءكم، والمراد أنهم يعرضون عن الحق سامِراً السامر والسمار الجماعة يتحدثون بالليل وأصله مأخوذ من السمر وهو ظل القمر تَهْجُرُونَ قوله: تهجرون من أهجر إذا نطق بالفحش، وقرئ تهجرون من هجر المريض إذا هذى والمراد يتكلمون بالهوس وسيئ القول في القرآن والنبي جِنَّةٌ جنون خَرْجاً أجرا ورزقا.
قد تكلم القرآن عن المؤمنين وصفاتهم ثم ذكر حكمين يتعلقان بالعمل العام وبعد هذا عاد فوصف المؤمنين بصفات أخرى، ثم تكلم عن الكفار وناقشهم وبين أعمالهم، وسببها، مفندا آراءهم ردا على كل شبهة.
المعنى:
يقول الحق- ﵎: هؤلاء المؤمنون المخلصون الذين وصفوا بتلك الصفات الأربع هم من هذا الوجل والخوف كالمتحيرين المفكرين تفكيرا عميقا في أعمالهم: أهي مقبولة أم مردودة؟ لأنهم يفهمون أن أعمالهم مهما كان فيها من إخلاص فهي دون الواجب عليهم، ولهم أعمال دون ذلك، نعم ولهم- أيضا- من النوافل والصدقات وأعمال البر التي سيعملونها في المستقبل ما هو دون تلك المرتبة.
وأما قوله: حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب فهذا وصف للكفار قطعا و (حتى) هذه ابتدائية أى: يبتدأ بها كلام جديد.
وهذا رأى حسن، وتأويل مستساغ، وقيل: إن هذا الكلام كله في الكفار ولا شك أنهم في غمرة وحيرة وضلال من هذا الذي بيناه في القرآن أو من هذا الذي وصف به المؤمنون المشفقون، ولهؤلاء الكفار أعمال دون ذلك أى: سوى ذلك الكفر
стр. 1546
والجهل، وهم لها عاملون قطعا لأنها مكتوبة عليهم حتى إذا أخذنا مترفيهم وأغنيائهم بالعذاب يوم القيامة إذا هم يجأرون ويستغيثون رافعين صوتهم لشدة ما هم فيه، ويقال لهم- على سبيل التبكيت والتأنيب-: لا تجأروا اليوم، إنكم منا لا تنصرون ويومئذ هم في العذاب محضرون، ولا هم ينصرون، فانظر إليهم وقد وصلت حالتهم إلى ما وصلت إليه من الحسرة والندامة، وهذا كالباعث لهم على ترك الكفر والجهل.
والله- بعد ما بين أنه لا ناصر لهم أتبع ذلك ببيان سبب هذا الجزاء فقال:
(أ) قد كانت آياتي البينات من القرآن الكريم تتلى عليكم فكنتم تنكصون على أدباركم، وتنفرون منها، وتعرضون عنها.
(ب) وقد كنتم مستكبرين بالحرم والبيت العتيق قائلين: لا يظهر علينا أحد لأنا أهل حرم الله، والحال أنكم تعصونه، ولا تقدرونه قدره.
(ج) وقد كنتم تجتمعون حول الكعبة ليلا للسمر، وكان سمركم في القرآن والنبي ﷺ والسب فيه ووصفه بأنه ساحر أو مجنون، ووصف القرآن بأنه أساطير الأولين، وأنه كذب وزور، فكنتم تقولون هجرا من القول وزورا، وكنتم تهزأون وتفحشون!! ثم إنه- لما وصف حالهم رد عليهم بأن إقدامهم على هذه الأمور لسبب من الأسباب الآتية لا يصح أن يكون!! فلذا أنكر عليهم ما يأتى:
١- أعموا فلم يتدبروا القرآن الذي أنزل على محمد؟ وهو معجزته الباقية الخالدة، وقد نزل بلسان عربي مبين وهم أهل اللسان والفصاحة، وقد تحداهم على أن يأتوا بمثله تحديا سافرا ومع هذا فقد عجزوا أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها؟ من سورة محمد. ولو تدبروا لآمنوا، وما فعلوا ما فعلوا.
٢- بل أجاءهم محمد ﷺ بما لم يأت آباءهم الأولين؟. لا، لم يكن محمد بدعا، وما كانت رسالته عديمة النظير، فهم يعرفون بالتواتر أن الأمم ترسل إليهم الرسل فيكونون بين مصدق ومكذب فينجى الله المؤمنين وينصرهم ويهلك الكافرين والمكذبين.. فلم هذا العناد والتكذيب؟!!. أليست هذه الأحوال التي يعرفونها تدعوهم إلى التصديق؟
стр. 1547
٣- بل ألم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون؟!! نعم هم يقرون ويعترفون أن رسولهم محمدا هو الصادق الأمين، ما جربوا عليه كذبا قط، وما خان في يوم مخلوقا! فكيف يخون الله ويكذب عليه؟ وهم أدرى الناس به وبأحواله فكيف يكون إنكاره وتكذيبه بعد الرسالة وكمال العقل والرجولة؟ إن هذا أمر عجيب؟
٤- بل أيقولون: إنه لمجنون، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً [سورة الكهف آية ٥] في اعتقادهم وفي الواقع.
ففي الواقع ونفس الأمر ما حملهم على الرجوع عن الحق، والاستكبار الكاذب والسمر وهجر القول إلا ضلالهم وعدم تدبرهم للقرآن، وقد حالت عصبيتهم الممقوتة وجهالاتهم الموروثة. وحقدهم الكامن دون النظر في القرآن بعين الاعتبار المتجردة من الهوى والهوس.
وما دفعهم إلى عمل السوء كذلك إلا اعتقادهم الفاسد أن محمدا كاذب، وليس رسولا.
تبا لهم!! ألم يعرفوا محمدا ﷺ قبل هذا؟ وأكثر من هذا أن يقولوا: إنه مجنون ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ [سورة القلم آية ٢] .
بل (إضراب عما مضى) بل جاءهم الرسول الصادق الأمين بالحق. وجاء لنصرة الحق، وجاء رسولا من عند الحق- ، ولكن أكثرهم للحق كارهون وللحق وحده مخاصمون، وقليل منهم من ينصر الحق، ويطيع دواعي الحق.
ولو اتبع الحق- ﵎ أهواءهم الفاسدة، ورغباتهم المادية الضالة لفسدت السموات والأرض، ومن فيهن، تنزه الله عن ذلك وتعالى علوا كبيرا.
بل أتينا هؤلاء العرب الذين أعرضوا عن القرآن ونأوا عنه، أتيناهم بذكرهم وشرفهم وعلو مكانتهم بين الأمم بل وخلقهم من جديد، أمة لها كيان ونظام وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ
[سورة الزخرف آية ٤٤] .
ومن العجيب أنهم عن ذكرهم وشرفهم والقرآن الذي نزل عليهم معرضون، عجبا لهم!! وأى عجب؟!! بل أتسألهم رزقا وأجرا على هدايتهم ورفع شأنهم حتى يملوك ويبغضوك؟!! فخراج ربك ورزقه خير لك ولغيرك، وهو صاحب الملك والسلطان،
стр. 1548
وهو خير الرازقين، وإنك يا محمد لتدعوهم إلى صراط مستقيم. صراط الله العزيز الحميد، طريق العزة والكرامة، والخير والسداد، الطريق الوسط، والدواء الناجع لأنه دواء حكيم الحكماء. وإن الحوادث أثبتت أن علاج الإسلام خير علاج لمشاكلنا كلها الدينية والدنيوية، وقد شهد بذلك أعداء الإسلام قبل أصدقائه.
ومع هذا كله فالذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط المستقيم بعيدون، وعنه مائلون إلى الطريق الضالة التي فيها إفراط وتفريط. وما كان أكثرها اليوم.
إصرارهم على الشرك رغم ظهور الأدلة [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٧٥ الى ٩٠]
وَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠)
стр. 1549
المفردات:
- لَلَجُّوا لتمادوا في باطلهم يَعْمَهُونَ يترددون ويتخبطون اسْتَكانُوا الاستكانة الخضوع مُبْلِسُونَ يائسون متحيرون لا يدرون ماذا يصنعون ذَرَأَكُمْ أنشأكم وخلقكم وبثكم أَساطِيرُ جمع أسطورة والمراد: أباطيلهم وترهاتهم مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ملك كل شيء يُجِيرُ يمنع الغير يُجارُ عَلَيْهِ لا يمنع منه: يقال: أجرت فلانا على فلان إذا أغثته ومنعته منه تُسْحَرُونَ تخدعون وتصرفون عن طاعته وتوحيده.
المعنى:
هؤلاء القوم ليس لهم وجه من وجوه الحق في كفرهم بالنبي والقرآن الذي أنزل عليه تشريفا لهم وتكريما، وهداية لهم ونورا.
ومع هذا كله فهم مصرون على الشرك والكفر به، والتمادي في الباطل، ولو رحمناهم، وأزحنا عنهم الضر، وأ فهمناهم القرآن لما انقادوا له، ولا استمروا على كفرهم وطغيانهم وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال ٢٣] وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [سورة الأنعام آية ٢٨] .
ولقد أخذناهم بالعذاب، وابتليناهم بالمصائب الشداد رجاء أن يثوبوا لرشدهم
стр. 1550
ويرجعوا عن غيهم، فما ردهم ذلك عما كانوا فيه، وما استكانوا لربهم، وما كانوا يتضرعون فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ [سورة الأنعام آية ٤٣] .
حتى إذا جاءهم أمر الله، وجاءتهم الساعة بغتة، فأخذهم من عذاب الله ما أخذهم، وفتح عليهم باب ذو عذاب شديد، عند ذلك أبلسوا من كل خير، ويئسوا من كل راحة وانقطع أملهم، ونفد رجاؤهم فأصبحوا حيارى لا يدرون ماذا يفعلون؟!! يا للعجب هذا حالهم!! والله- هو الرحمن الرحيم صاحب النعم على الناس جميعا، فهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة لكي تعلموا ما حولكم، وتنظروا وتفكروا في هذا الكون وما فيه من آيات شاهدة ناطقة بوحدانية الله وأنه الفاعل المختار، ما أقل شكركم على نعمه عليكم، وما تشكرون إلا شكرا قليلا، بل إنكم تكفرون به.
وها هي آيات الله الناطقة بقدرته التامة، فهو الذي خلقكم وأنشأكم في الأرض تعمرونها، على اختلاف أشكالكم وألوانكم ولغاتكم ثم إليه وحده تحشرون وتجمعون ...
وهو الذي يحيى الأحياء، ويميت الموتى، وله وحده اختلاف الليل والنهار وله وحده يرجع الفضل في اختلافهما، وتعاقبهما كل منها يطلب الآخر طلبا حثيثا ينظام دقيق، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [سورة يس آية ٤٠] .
ومع هذا كله فقد أنكروا البعث واستبعدوه لما قالوا: من يحيى العظام وهي رميم؟
قالوا مثل ما قال الأولون السابقون لهم من الأمم قالوا: أإذا متنا، وكنا ترابا، وعظاما بالية، أننا لمبعوثون أحياء؟ وقالوا: لقد وعدنا نحن وآباؤنا مثل هذا من قبل كثيرا، ولم يتحقق شيء منه كأنهم لغباوتهم يفهمون أن الإعادة في الدنيا، وقد قالوا: ما هذا الوعد الذي نسمعه إلا أساطير الأولين، وأحدوثة من أحاديثهم المكذوبة..
ثم يقرر الحق- ﵎ وحدانيته، واستقلاله بالخلق والتصريف ليرشدهم
стр. 1551
إلى أنه الله لا إله إلا هو، ولا معبود بحق سواه، ويجب أن تكون العبادة والتقديس له وحده.
ولهذا أمر الرسول ﷺ أن يقول للمشركين سائلا وملفتا نظرهم إلى أبسط الأمور:
لمن الأرض ومن فيها؟ إن كنتم تعلمون من خلقها وما فيها من الآدميين والحيوانات والنباتات وسائر الأصناف والأنواع؟!! سيقولون هذا كله لله، وهو الخالق البارئ المصور فاطر السموات والأرض تراهم يعترفون بأن ذلك كله لله وحده لا شريك له فإذا كان ذلك قل لهم يا محمد: أفلا تذكرون أن الذي خلق هذا كله هو الذي يجب أن يعبد وحده، وهذا مقتضى الفطرة التي فطر الناس عليها، وما إنكارها إلا ضرب من الغفلة علاجه التذكر.
وهذه الآية تشير إلى أنهم يعترفون لله بالربوبية، وأنه لا شريك له فيها، ويشركون معه غيره في الألوهية حتى عبدوا معه غيره مما لا ينفع ولا يضر، قل لهم أيضا: من رب السموات السبع، ورب العرش العظيم؟.
وفي الحديث «ما السّموات السّبع والأرضون السّبع وما بينهنّ وما فيهنّ في الكرسىّ إلّا كحلقة بأرض فلاة، وإنّ الكرسىّ بما فيه بالنّسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة» .
سيقولون في الإجابة: هي لله وحده.. قل لهم: أفلا تتقون؟ أى إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم أفلا تخافون عقابه؟ وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره.
قل لهم: من بيده ملكوت كل شيء؟ من بيده الملك والتصريف؟ ومن إذا قال للشيء كن فيكون؟ وهو يجير ولا يجار عليه أن يغيث من يشاء ممن يشاء، ولا يغيث أحد منه أحدا، فهو العظيم القدير، له الخلق، والأمر، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
وهم سيقولون معترفين هذا لله وحده لا شريك له قل لهم فكيف تسخرون؟ ولأى شيء تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم الصريح له بأنه الخالق المالك.
ورب السموات السبع ورب العرش العظيم، وهو صاحب الملك والتصريف.
بل أتيناهم بالقول الحق والدليل الصدق، وهي تلك الآيات البينات السابقة، وهم مع ذلك كافرون، وفي هذا توعد لهم ووعيد..
стр. 1552
ليس لله ولد وليس له شريك [سورة المؤمنون (٢٣) : آية ٩١]
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)
المفردات:
لَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ لغلب بعضهم بعضا وطلب القوى الضعيف.
المعنى:
لقد وصف الله نفسه فيما مضى بما يوجب له القدرة والكمال، وأن له التصريف الكامل في هذا الكون علويه وسفليه، وهم يقرون بذلك، ثم أراد الله أن ينزه نفسه من اتخاذ الولد والشريك ليرشد الناس إلى الإيمان الصحيح فقال ما معناه:
ما اتخذ الله ولدا، وما كان له أن يتخذ ولدا، وله ما في السموات والأرض وهو الغنى الذي لا يحتاج إلى غيره، والكل محتاج إليه وكيف يكون له ولد؟ واجب الوجود، القديم المعبود. المخالف لجميع الحوادث، الذي لا يشبهه أحد من خلقه، والولد لا بد يشبه والده في شيء.
وما كان معه من إله، وليس له شريك، ولو كان كذلك لذهب كل إله بما خلق وانفرد كل منهما بشيء من الكون، ولو كان هذا لاختل نظام الوجود، ولفسدت السموات وما فيها والأرض وما عليها، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق بل في غاية الدقة والنظام إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ [سورة آل عمران آية ١٩٠] ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ [سورة الملك آية ٣] .
стр. 1553
ولو كان معه آلهة كما يقولون لعلا بعضهم على بعض، ولطلب كل منهما قهر الآخر ليعلو عليه لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [سورة الأنبياء آية ٢٢] .
سبحان الله عما يصفون، وتنزيها له ثم تنزيها عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك، وتعالى ربك علوا كبيرا فهو يعلم الغيب والشهادة، فتعالى وتقدس- عما يقول الكافرون والظالمون.
توجيهات إلهية للحبيب المصطفى [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٢ الى ٩٨]
عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦)
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)
المفردات:
هَمَزاتِ الهمزات جمع همزة والهمزة في اللغة: النخس والدفع.
المعنى:
يقول الله- آمرا المصطفى ﷺ وموجها له أن يدعو بهذا الدعاء، فيقول: يا رب إن تريني ما يوعدون، وإن تجعلني أرى تحقيق وعدك الذي وعدته
стр. 1554
يا رب فلا تجعلني عندئذ في عداد القوم الظالمين، ولا تجعلني واحدا منهم. وكان- ﵇ يعلم أن الله- تعالى- لا يجعله في عداد القوم الظالمين إذا نزل بهم العذاب ومع هذا أمره ربه بهذا الدعاء والسؤال ليعظم أجره، وليكون في كل الأوقات ذاكرا لربه، فما بالنا نحن؟!!.
وعلى أن نريك الوعد ونحققه لقادرون، ثم علمه علاجا آخر للناس، لأن الله يعلم أنه لا بد من أن يصيبه أذى منهم فقال: ادفع يا محمد بالفعلة التي هي أحسن السيئة أى: ادفع السيئة بالحسنة، نحن أعلم بما يصفون وما يفترون على الله، وسنجازيهم على ذلك.
وقل يا محمد: رب إنى أعوذ بك من همزات الشياطين ووسوستها التي هي كالنخس ولقد أمر الله تعالى نبيه، وكذا المؤمنين بهذا، وعلاجا لسورة الغضب التي كانت تصيب المؤمنين عند سماعهم المشركين، وهم يصفون الله بما لا يليق به فتقع المشادة فلذلك وضعت الآيات هنا.
وكلها علاج لهم بعد بيان صفات الله الواجبة والمستحيلة، وفي هذا إشارة إلى أن النبي وصحبه سيلقون بسبب ذلك شدائد من الناس.
والعلاج هو ذكر الله والتوجه إليه أن يبعدنا من العذاب إذا نزل، وأن نحسن للناس إذا أساءوا لنا فالحسنة تجب السيئة ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [سورة فصلت آية ٣٤] وبعد هذا فإذا همز الشيطان ووسوس بالغضب والسورة فادعوا الله واستعيذوا به من الشيطان الرجيم إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ [سورة الأعراف آية ٢٠١] وإنه لعلاج مفيد يجب أن يتنبه له المسلمون.
من مشاهد يوم القيامة [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٩٩ الى ١١٨]
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْماً ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)
إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١) قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣)
قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)
стр. 1555
المفردات:
وَرائِهِمْ، أى أمامهم بَرْزَخٌ أى: سد وحاجز يمنعهم من الرجوع نُفِخَ فِي الصُّورِ الصور بوق ينفخ فيه نفختين النفخة الأولى ليموت الكل والثانية ليحيا الكل وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ وقيل الصور جمع صور والمراد نفخ الروح في الأجساد مَوازِينُهُ موزوناته أى أعماله تَلْفَحُ تحرق واللفح كالنفخ إلا أنه أشد كالِحُونَ عابسون، وقال أهل اللغة الكلوح تكشر في عبوس وتقلص الشفتين عن الأسنان اخْسَؤُا اسكتوا سكوت هوان وذلة وابعدوا في جهنم كما يقال للكلب اخسأ، أى: أبعد شِقْوَتُنا شقاوتنا والمراد: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا فسمى اللذات والأهواء شقوة لأنهما يؤديان إليها سِخْرِيًّا بكسر السين بمعنى الاستهزاء وبضم السين بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل، وهما قراءتان مرويتان عَبَثاً مهملين كالبهائم.
المعنى:
يخبر الله- وخبره الصدق وقوله الحق- عن حالة المحتضر عند الموت من الكافرين والعصاة والمفرطين في حقوق الله حينما يرون ما أعد لهم من العذاب، يقول الواحد منهم: يا رب ارجعنى ارجعنى، ارجعنى لعلى أعمل صالحا فيما تركت، وضيعت من الطاعات، فهو يطلب الرجوع إلى الدنيا متيقنا من نفسه أنه سيعمل الصالح من غير تردد، يرجع إلى رده إلى الدنيا أو إلى التوفيق إلى العمل الصالح.
ونصوص القرآن في مثل هذا الموضوع فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ «١» فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ «٢» .
стр. 1556
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا «١» . رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ «٢» . وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ «٣» تدل على أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون لها عند الاحتضار، وحين يعرضون على النار، وقت العرض على الجبار.
ولذلك جاء الرد: كلا! وهي كلمة ردع لمن طلب شيئا بلا حق، إنها كلمة هو قائلها نعم هو حكم قد حكم به الحكيم الخبير، ولا راد لحكمه، ولا معقب على قضائه وكيف يكون غير هذا؟!!، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه، فقول الظالم: رَبِّ ارْجِعُونِ كلمة هو قائلها، ولا عمل معها البتة، وحتى التي في أول الآية غاية لما قبلها، والمعنى: هم مصرون على ما وصفناهم به سابقا حتى إذا جاء أحدهم الموت وتيقن ضلالته وعذابه وشاهد الملائكة تقبض روحه بوجه عابس فطلب ما طلب، وأمامهم بعد هذا برزخ وحاجز بين الدنيا والآخرة يستحيل عليهم أن يتخطوه، فهم في حياة بين الدنيا والآخرة وهي حياة القبور، وستظل كذلك فيها العذاب إلى يوم يبعثون فإذا نفخ في الصور النفخة الأولى، وهلك جميع الخلق حتى الملك الذي نفخ في الصورة، نفخ في الصور مرة أخرى فإذا الناس جميعا قيام ينظرون ماذا يحل بهم؟
فلا أنساب بينهم يومئذ، ولا يتساءلون ولا يسأل حميم حميما، كل امرئ عن أخيه مشغول يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى
[سورة الحج آية ٢] .
فمن ثقلت موازينه، ومن رجحت حسناته على سيئاته، ولو بالقليل فأولئك هم المفلحون الفائزون، الذين زحزحوا عن النار وأدخلوا الجنة بسلام، ومن خفت موازينه أى: ثقلت سيئاته على حسناته فأولئك هم الذين خسروا أنفسهم، وخابوا وهلكوا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا النعيم المقيم بالزخرف الفاني، والحياة الفانية، وهم في جهنم خالدون، وماكثون مقيمون، تلفح وجوههم النار وتغشاها وقد كانوا يصعرون خدودهم، ويشمخون بأنوفهم في الدنيا كبرا وعجبا لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ «٤» ، وهم فيها كالحون، وعابسون
стр. 1557
مكشرون، وذلك جزاء الظالمين، وهذا تقريع من الله وتوبيخ لهم على ما ارتكبوا من الكفر والإثم والعدوان حيث يقول الله لهم: أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ؟!! وهذا استفهام تقرير وتوبيخ لهم، والمعنى: قروا بهذا واعترفوا فهو أمر ظاهر لا ينكره عاقل.
قالوا: ربنا غلبت علينا شهواتنا. وقادتنا لذاتنا إلى الشقاء ودخول النار، وكنا قوما ضالين غير فاهمين للأمور على وضعها الصحيح ثم عادوا فكرروا ما طلبوه أولا وقالوا:
ربنا أخرجنا من هذا الموقف إلى الدنيا فإن عدنا إلى أفعالنا تلك فإنا ظالمون نستحق منك العقوبة الصارمة.
فيرد الله عليهم بمنتهى الغلظة والشدة قائلا: اخسئوا فيها، وابعدوا في جهنم، ولا تكلمون أبدا بعد هذا.
وكأن سائلا سأل وقال. لم هذا العذاب والرد الشديد؟ فأجيب بقوله: إنه كان فريق من عبادي يقولون في الدنيا: ربنا آمنا بك وصدقنا رسلك فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فما كان منكم أيها المكذبون الظالمون إلا أنكم اتخذتموهم سخريا تسخرون بهم، وتضحكون عليهم، وتسخرونهم وتعذبونهم.
اتخذتموهم سخريا إلى أن نسيتم ذكرى لشدة انشغالكم بالاستهزاء، وكنتم منهم تضحكون، إنى جزيتهم اليوم بما صبروا على فعل الطاعات، وترك المحرمات، والرضا بقضاء الله وقدره، جزاهم ربهم بهذا جنة قطونها دانية، إنهم هم الفائزون.
يقول الله لهم تبكيتا وتأنيبا بعد أن طلبوا الرجوع فردوا، وقيل لهم: اخسئوا فيها ولا تكلمون: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ وهذا سؤال عن مدة مكثهم في الدنيا.
قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، استقصروا مدة لبثهم لما هم فيه من العذاب فاسأل العادين المتمكنين، فإننا في حالة تذهب العقول وتحير النفوس.
قال: ما لبثتم في الأرض إلا قليلا من الزمن بالنسبة إلى لبثكم في العذاب المقيم.
ألم تعلموا فحسبتم أنا خلقناكم عابثين لاعبين ليس لغرض صحيح؟ أفحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون؟
стр. 1558
فتعالى الله، وتنزه عن الشريك والولد وتعالى عن العبث واللعب هو الملك الحق، لا إله إلا هو، رب العرش الكريم، فكيف لا يكون هذا إلها وربّا للكون كله؟! ومن يدع مع الله إلها آخر. ولا برهان له به، فإنما حسابه عند ربه، وجزاؤه عند خالقه فاطر السموات والأرض حساب عسير. إنه لا يفلح الكافرون.
وقل يا محمد لتقتدى بك أمتك: رب اغفر لي سيئاتي، وارحمني فإنك الرحمن الرحيم.
وهذا دواء لكل ألم، إذ الاستغفار وطلب الرحمة هما المنجيان من المهالك.
روى عن عبد الله بن مسعود. أنه مر بمصاب مبتل فقرأ في أذنه أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً حتى ختم السورة فبرأ فقال رسول الله ﷺ ماذا قرأت في أذنه؟
فأخبره فقال: «والّذى نفسي بيده لو أنّ رجلا موقتا قرأها على جبل لزال»
ولا غرابة فالقرآن علاج حقا، ولكن يتوقف على الطبيب وعلى المريض وقابليته فإذا كان الطبيب ذا نفس مؤمنة، والمحل أى: المريض قابلا للعلاج بالقرآن يبرأ وإلا فلا.
стр. 1559
سورة النور
مدنية بالإجماع- وعدد آياتها ثلاث وستون آية. وفيها إشعاعات النور، والآداب الإسلامية العامة التي تحافظ على الأنساب والأعراض وبيان أن ذلك كله من نور الله.
افتتاح السورة [سورة النور (٢٤) : آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)
المفردات:
سُورَةٌ السورة: جملة من القرآن الكريم لها بدء ونهاية معلومان شرعا بالتوقيف. ولعل الأصل في التسمية أنها كالسور لما فيها من الآيات، أو هي بمعنى المنزلة والمرتبة، ولا شك أن من يقرأها ويفهمها ويعمل بها يصبح ذا منزلة عالية رفيعة أَنْزَلْناها المراد: أوحينا بها إليك يا محمد، ولعل السر في التعبير بالإنزال الذي يشعر بالنزول من العلو هو الإشارة إلى أن هذا القرآن من عند الله، ولا شك أن من دونه نازل عنه في الرتبة والمكانة وَفَرَضْناها أمرنا بها أمرا جازما مؤثرا آياتٍ جمع آية هي العلامة، وقد تطلق على الجملة من القرآن لأنها علامة على النبي ﷺ .
افتتح الله- هذه السورة الكريمة بما هو متحقق في كل سورة فما من سورة في القرآن إلا وقد أنزلها الله على نبيه، وفرضها- جل شأنه- على عباده وألزمهم بالعمل بما فيها من أحكام، وما أنزل فيها من آيات بينات، وحجج واضحات.
ولعل السر في بدء هذه السورة بهذا البدء العجيب هو أن يسترعى انتباه المسلمين لها، فينظروا إلى ما فيها من أحكام ومواعظ، ويعملوا به.
стр. 1560
وهذه السورة حقيقية بهذه العناية فقد عالجت ناحية من أخطر النواحي ناحية الأسرة وما يحفها، وبخاصة العرض وأثره والخوض فيه، ثم ذكرت قصة الإفك وما فيها من آداب وحكم غالية. وإشارات سامية، وما يستتبع ذلك من الأمر بغض النظر، والاستئذان وغير ذلك مما يساعد على العفة، وعلى العموم ففي هذه السورة أسس الحياة المنزلية وآداب الحياة الزوجية الصحيحة، وما يتصل بذلك، وفيها آية النور اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وغير ذلك كثير.
ولا شك أن في هذه السورة من الأحكام المفصلة، والآيات البينة ما لو تذكرها المسلم لنجا من مزالق النفس ومسالك الشيطان والهوى، وهي مدعاة للذكرى وإن الذكرى تنفع المؤمنين.
الزنا وحدّه [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢ الى ٣]
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)
المفردات:
فَاجْلِدُوا الجلد الضرب، وسمى به لأن فيه إصابة الجلد بالسوط أو العصا رَأْفَةٌ الرأفة: الشفقة ورقة القلب.
стр. 1561
المعنى:
جريمة الزنا إحدى الموبقات بل هي أشدها بعد الشرك بالله، ولا تحصل إلا من زان أو مشرك، وكان الواجب ألا تكون من مؤمن ولا مسلم، وهي من الخطورة بمكان. بحيث كانت أول حكم في تلك السورة، وما بعدها من أحكام فوقاية منها، وشرعت من أجلها، وانظر يا أخى إلى حده المخزى الزاجر، ثم إلى النهى عن الرأفة بالزاني والزانية وإن كان من يقيم الحد يؤمن بالله واليوم الآخر، فالغلظة معهما من مقتضيات الإيمان، ثم اشترط التشهير بهما والفضيحة لهما بشهود طائفة من الناس لعذابهما، وما بالك؟ بأن النهى كان عن القرب منه لا عن فعله فقط كغيره من المنكرات، وقد قرنه الله بالشرك وقتل النفس وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً [سورة الفرقان الآيتان ٦٨ و ٦٩] .
ثم انظر إلى ما رتب من أحكام على مجرد الاتهام به، وأنه لا يثبت إلا بالإقرار أو الشهادة من أربع شهود عدول.
مما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني، فإن كان بكرا ببكر فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة على جسمه ما عدا الوجه والفرج.
وهذه عقوبة الزنا في الدنيا، وفي الآخرة أشد وأبقى. وهذا هو حكم الزنا مع غير الإحصان، أما المحصن وهو من سبق له زواج شرعي إن زنى فحكمه الرجم بالحجارة، وقيل البكر يجلد مائة ويغرب عاما، والمحصن يجلد ثم يرجم.
وكأن الزاني والزانية خرجا عن حدود الإنسانية إلى حد البهائم التي لا تردع إلا بالضرب والألم، أما الموعظة الحسنة فلم تعد تؤثر فيه.
ولا شك أن عقوبة الزنا كبيرة وشاقة، ولكنا نهينا عن أن تؤثر فينا الرأفة بهما وتقودنا إلى العطف عليهما في تنفيذ حد الله.
وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ من باب الإلهاب، واستنهاض الهمم، وشحذ العزيمة حيث علق تنفيذ العقوبة وعدم الرأفة بهما على الإيمان بالله واليوم الآخر كما نقول: إن كنت رجلا فافعل هذا.
стр. 1562
وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، وهذا إيلام لنفسيهما بعد إيلام جسميهما وهو معنى التشهير والفضيحة فجعل ضربهما أمام جماعة من الناس ليكون الخزي والعار أبلغ وأكمل، وفي هذا شهادة عامة من الناس جميعا بأن هؤلاء قد تجردوا من الإنسانية ومعانيها السامية، فلا حق لهما في إعادة الاعتبار، ودعوى الافتخار.
وانظر إلى التنفير من تلك الفعلة الشنيعة بقوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
وهذه الآية من المشكلات في القرآن التي تحتاج إلى تؤدة وتأن حتى يمكن فهمها وفي أسباب نزولها روايات. المعقول منها روايتان:
الأولى: أن كثيرا من المهاجرين في المدينة قد أجهدهم الفقر، وأضرّ بهم الاحتياج حيث تركوا أموالهم وديارهم في سبيل الله، وقد رأوا في المدينة البغايا المعلنات عن أنفسهن، وقد كثر عندهن المال والخير فحدثتهم أنفسهم لو تزوجوا من هؤلاء فيكن عونا لهم على الإقامة بالمدينة- فاستأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك على عادتهم في كل صغيرة وكبيرة فنزلت الآية ليمتنعوا عن ذلك فامتنعوا.
وروى جماعة كأبى داود والترمذي والبيهقي أن صحابيا يقال له مرثد، ذهب إلى مكة مستخفيا ليحمل أسيرا فرأته امرأة اسمها عناق- وكانت بغيا وكان له بها صلة قبل إسلامه- وطلبت منه أن يبيت عندها وتسهل له مأموريته فقال لها مرثد: يا عناق إن الله حرم هذا فصاحت المرأة به وأخبرت قريشا بوجوده، ولكنه بلباقته تمكن من الحصول على طلبته ونقل الأسير إلى المدينة ثم يروى مرثد عن نفسه قائلا: فأتيت الرسول ﷺ فقلت يا رسول الله: أأنكح عناق؟ فأمسك ولم يرد على شيئا حتى نزلت هذه الآية فقال النبي: «يا مرثد! الزّاني لا ينكح إلّا زانية أو مشركة والزّانية لا ينكحها إلّا زان أو مشرك وحرّم ذلك على المؤمنين» فلا تنكحها.
واعلم يا أخى أن هناك حقائق شرعية سلّم بها من الجميع. وهي أن المسلم ولو كان زانيا لا ينكح مشركة، وكذا المسلمة، وأن المسلم الزاني يحل له نكاح العفيفة، والزانية يحل لها نكاح العفيف.
وعلى هذا الأساس فالمعنى الظاهر من الآية- وهو أن الزاني لا يحل له أن ينكح إلا امرأة زانية أو مشركة، وأن الزانية لا يحل لها إلا نكاح الزاني أو المشرك- مخالف
стр. 1563
لما أجمع عليه المسلمون، ولما سار عليه النبي ﷺ والصحابة أجمعون، وهذا يدلنا على أن هذا الحكم المفهوم من الآيات منسوخ، وبهذا قال بعض العلماء.
وخلاصة هذا الرأى. أن الآية واردة لتحريم نكاح الزواني والزناة إلا من بعضهم لبعض أو من بعضهم للمشركين، وأن ذلك نسخ بقوله تعالى وَأَنْكِحُوا الْأَيامى والزانية لم تخرج عن كونها من أيامى المسلمين بالإجماع، ونسخ جواز نكاح المشركين والمشركات ولو زناة المسلمين بقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ [سورة البقرة آية ٢٢١] .
وعلى هذا فأحل النكاح بين الزناة والعفائف، وبين الزاني والأعفاء، وحرم النكاح بين المسلمين- ولو زناة- وبين المشركين.
ولكن النسخ غير مسلم به عند كل العلماء فمن يمنعه قال. إن الآية مسوقة للتنفير من نكاح المسلم العفيف للزانية، وتنفير المسلمة العفيفة من نكاح الزاني، ولو جاء لكل واحد منهما خير كثير. وتكون الآية مطابقة لأسباب النزول، وهي مسوقة لتنفير المسلمين الضعفاء الذين حدثتهم أنفسهم بالتزوج من البغايا رجاء المال وطمعا في الرخاء الذي يعينهم على ما هم فيه من جهد، وعلى تحقيق ما ألقى على عاتقهم من مسئوليات (كمرثد) .
فلما استأذنوا رسول الله في ذلك، نزلت الآية ليبتعد المسلمون عن بيئة الزنى فإنه مدعاة للخروج عن حدود الدين، وينزل بالمسلم إلى درجة قد تؤثر عليه فإن رؤية المنكرات، تميت في المسلم الحمية الدينية والعصبية الإسلامية كما هو موجود عند كثير من المسلمين الذين خالطوا اللادينيين.
وهذا بلا شك مما لا يليق بالمؤمن، وإنما هو من سمات الزناة فهم الذين يميلون أو يقبلون نكاح الزواني أو من هن أفحش كالمشركات وكذلك الزانية هي التي تقبل أو يليق بها أن تميل إلى الزاني ومن هو شر منه كالمشرك، وعلى ذلك فالآية مسوقة للتنفير، وبيان ذلك أن هذا لا يليق بالمؤمن المحافظ على دينه ومما يؤيد هذا المعنى قوله تعالى الآتي: الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ [سورة النور آية ٢٦] .
стр. 1564
وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نعم ومحرم ذلك على المؤمنين الكاملين فنكاح المؤمن الصادق المحمود عند الله زانية خبيثة فاجرة وانخراطه في بيئة الفساق محظور عليه ومحرم، ولو كانت الزانية الفاجرة من أثرياء العالم.
وليس معنى ذلك أن العقد محرم ولا يصح، وإنما التحريم معناه لا ينبغي للمسلم ولا يصح ذلك منه من حيث كونه مؤمنا صادقا وإن عقد فالعقد صحيح من ناحية الحكم الشرعي، وكذلك الشأن عند من تتزوج من زان خبيث،
ولقد صدق رسول الله ﷺ «فاظفر بذات الدّين تربت يمينك»
أما نكاح المؤمن للمشركة وبالعكس فحرام مطلقا وهذا تعليم قرآنى كريم لا يصدر إلا من خبير بصير رءوف بنا رحيم، فقد أثبتت الأيام أن هذه الزيجات التي تعقد على أساس المادة مع التعامي عن الخلق والسيرة الحسنة فاشلة وغير مجدية.
بقي علينا أن نفهم السر في تقديم الزانية على الزاني في أول الآية، وتقديم الزاني على الزانية في عجز الآية!!.
ولعل السر أن الزنى ينشأ غالبا وللمرأة فيه الضلع الأكبر فخروجها سافرة متبرجة متزينة، داعية لنفسها بشتى الوسائل المغرية من أصباغ وعطور وملابس ضيقة تبرز كل أجزاء جسمها فهن العاريات الكاسيات المائلات المميلات، ثم هي تمشى بحركات وسكنات ونظرات كلها إغراء، وإلهاب للشباب وفتنة، وهذه كلها حبائل للشيطان، وليس معنى هذا أن الرجال بريئون، لا. بل عليهم قسط كبير في الجرم وقسط المرأة أكبر ولذا قدمها على الزاني وفي عجز الآية حيث يعالج النكاح بمعنى العقد وللمرأة فيه الخطوة الثانية أما الرجل فله مهما كانت الظروف الخطوة الأولى والكلمة الأولى، ولذا قدمه على المرأة والله أعلم بأسرار كتابه.
القذف بالزنا وحدّه [سورة النور (٢٤) : الآيات ٤ الى ٥]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
стр. 1565
المفردات:
يَرْمُونَ الرمي: الإلقاء والقذف بحجر أو سهم مما يضر أو يؤذى استعير لنفى النسب والقذف بالزنى لما فيه من الأذى والضرر الْمُحْصَناتُ الإحصان هنا معناه العفة شُهَداءُ جمع شهيد وهو الشاهد، وسمى بذلك لأنه يخبر عن شهادة وعلم ويقين وأمانة.
وهذا حكم القذف بالزنى، وفيه دلالة على عظيم جرمه وكبير إثمه حيث كان الرمي به حده ثمانون جلدة، ورد الشهادة، والحكم بالفسق فما بال من يرتكب؟ أليس تخصيص هذا الحد بالزنى دون السرقة والقتل دليلا على ذلك.
المعنى:
والذين يرمون المحصنات العفيفات بالزنى، ويتهمونهم بهذا الجرم الفظيع الذي يثلم العرض، ويؤذى النفس، ويطأطئ الرأس، ثم لم يأتوا بشهداء أربعة يشهدون بصدق قولهم، ولم يحصل إقرار ممن رمى بالزنا فجزاء هؤلاء القاذفين أن يجلدوا ثمانين جلدة، وألا يقبل من لسان فاعل هذا الفعل شهادة أبدا جزاء له على ما ارتكب من جرم، وأولئك هم الفاسقون الخارجون عن حدود الله وحدود شرعه.
إلا الذين تابوا وأنابوا من بعد ذلك الخطأ الشنيع، وأصلحوا ما أفسدوا بأن يقروا بأنهم أخطئوا في رميهم بالزنا فإن الله غفور رحيم، وهل تقبل شهادتهم بعد ذلك، ويخرجون من حكم الفسق أو لا تقبل شهادتهم أبدا، ولو بعد التوبة قولان لأئمة الفقه، ولكل سند يؤيد رأيه.
أما التوبة الصادقة فتقضى من الإنسان أن يعلم علما يقينا قلبيا بجرم ذنبه وخطأ رأيه، فيندم بعد ذلك ندما عميقا شديدا على فعله، ويستتبع ذلك الإقلاع عن الذنب
стр. 1566
في الحال، والعزم عزما أكيدا على عدم الرجوع إليه أبدا بحال من الأحوال مهما كانت الظروف والملابسات، وأن يبعد عن الظروف التي قادته إلى مثل هذا العمل.
والإصلاح: يقتضى إصلاح نفسه، وتفكيره، وبيئته وظروفه، ويرد المظالم إلى أهلها إذا أمكنه ذلك، تلك يا أخى هي أصول التوبة الطاهرة التي تتوفر، على أن التوبة أمر قلبي لا يطلع عليه إلا الله فحذار حذار من التوبة باللسان فقط إذ هي لا تنفع شيئا.
قذف الرجل زوجته [سورة النور (٢٤) : الآيات ٦ الى ١٠]
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)
المفردات:
لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ اللعن: الطرد من الرحمة غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها الغضب هو:
إنزال العذاب مع المقت وَيَدْرَؤُا يدفع.
الحكم الأول للزنا، والثاني للقذف به مع الأجانب، والثالث للقذف به مع الزوجة، وهذا ما يسمى في كتب الفقه باللعان.
стр. 1567
المعنى:
والذين يرمون أزواجهم بالزنا، وكأن الكلمة قبل أن تتكلم بها تكون في ملكك فإذا خرجت منك كانت كالسهم إذا انطلق فلا يمكن رده ولعل هذا مما يساعد على تفهم السر في التعبير عن القذف بالرمي على ما فيه- كما قلنا- من الألم والضرر.
ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم، وهذا أمر معقول فربما يدخل الرجل على امرأته في أماكنها الخاصة فيجد معها الأجنبى على هيئة منكرة فماذا يعمل! أيخرج يطلب الشهود! قد لا يتصور هذا أيسكت ويلحق بنفسه من لا يستحق هذا النسب، ويتخذ لأولاده أخا يرثه ويرثهم وهو لا يستحق! إن هذا لأمر خطير.
ولكن الشارع الحكيم قال: إن لم يكن له شهداء يشهدون على مثل الشمس رؤية ويقينا، إذا لم يكن ذلك فليشهد أربع شهادات بالله، فيقول: أشهد بالله العظيم إنى لصادق فيم رميت به زوجتي فلانة من الزنى (أربع مرات) ويقول في المرة الخامسة:
وعلى لعنة الله إن كنت من الكاذبين في دعواي، وحينما رمى زوجته بالزنا وجب عليه الحد كما نصت الآية السابقة فإنها عامة من المحصنات سواء كن زوجات أو أجنبيات.
وليس يرفع الحد إلا البينة بأربعة شهود أو اللعان منه أى أن يشهد أربع شهادات ثم الخامسة كما تقدم ... عند ذلك يجب عليها الحد إن لم تلاعن هي الأخرى، وذلك كله بعد تحذير الحاكم لهما من الكذب وخطره، وبيان أن عذاب الدنيا بالحد أخف بكثير من عذاب الآخرة فإن أصرت الزوجة على تكذيب زوجها لا عنت فشهدت أربع شهادات بالله العظيم إنه لمن الكاذبين، وتقول: أشهد: بالله العظيم إن فلانا هذا زوجي لمن الكاذبين فيما رمانى به من الزنى، وفي الخامسة تقول: وعلى غضب الله إن كان من الصادقين.
وهذا معنى قوله تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ ومن أحكام اللعان أنه متى لا عن الزوج حرمت عليه زوجته، قيل حرمة مؤبدة وقيل كالطلقة البائنة يجوز له أن ينكحها إذا عاد وكذب نفسه وأقيم عليه الحد.
ولولا ما حفكم من فضل الله ومزيد إحسانه الذي منشؤه الرحمة التي هي صفة
стр. 1568
ذاتية لله كتبها على نفسه، وأنه هو التواب الذي يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات لولا ذلك كله لكان ما كان مما لا يطاق، ولا تحيط به العبارة.
حقا إن الله- بما شرع من اللعان قد خلصنا من أزمات جسام! هب أن الرجل الحر فوجئ برجل على سريره يفعل المنكر فإن قتله قتل به أو ناله أذى على فعله شديد، وإن سكت سكت على ما لا يطاق، وإن تكلم ورمى زوجته بالزنى أقيم عليه الحد، وردت شهادته بين المسلمين فماذا يكون إذا؟
تفضل ربكم عليكم بتشريع يرفع هذا الحرج كله رحمة منه وفضلا فأباح للرجل أن يثبت قوله بشهادته أربع مرات على ما سبق بيانه، ولم يهمل شأن المرأة فقد يكون للظن السيئ والغيرة الشديدة أثر كبير في رمى الزوجة بالزنى وهي بريئة، ففتح لها باب الخلاص تدفع عن عرضها وشرفها وشرف قومها، فشرع لها اللعان، ورحمهما معا بالستر على الكاذب منهما في الدنيا، وقد يتوب فتقبل توبته فينجو من عذاب الدنيا والآخرة، فأى حكم أعدل وأرحم وأفضل من هذا؟!!!
وروى في سبب نزولها: أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي ﷺ بشريك ابن سحماء فقال النبي ﷺ : «البيّنة أو حدّ في ظهرك قال: يا رسول الله، إذا رأى أحد رجلا على امرأته يلتمس البينة! فجعل النبي ﷺ يقول: «البيّنة وإلّا حدّ في ظهرك» فقال هلال. والذي بعثك بالحق إنى لصادق، ولينزلن الله في أمرى ما يبرئ ظهري من الحد فنزلت الآية
. وقيل إن القاذف لزوجته عويمر بن زيد لا هلال بن أمية.
وروى أن آية القذف لما نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية وتناول ظاهرها الأزواج وغيرهم قال سعد بن معاذ: يا رسول الله إن وجدت مع امرأتى رجلا أمهله حتى آتى بأربعة! والله لأضربنه بالسيف غير مصفح عنه فقال رسول الله:
«أتعجبون من غيرة سعد لأنا أغير من سعد. والله أغير منّى»
ثم لم يمض يسير من الزمن حتى جاء هلال بن أمية ورمى زوجته بالزنى، ونزلت الآية..
المفردات:
بِالْإِفْكِ الكذب البعيد عن الصدق عُصْبَةٌ جماعة من الأربعة فصاعدا لا تَحْسَبُوهُ لا تظنوه شَرًّا الشر ما زاد ضرره على نفعه والخير ما زاد نفعه على ضرره كِبْرَهُ وفي قراءة كبره- بالضم- وهو معظم الشيء أَفَضْتُمْ الإفاضة الخوض مع الإكثار كأنهم زادوا في حديثهم حتى فاض من جوانبهم كما يفيض الماء من إنائه تَلَقَّوْنَهُ تلقى الشيء استقباله والتهيؤ لأخذه، والتلقف كالتلقى إلا أنه يلاحظ فيه معنى السرعة في الالتقاط هَيِّناً سهلا لا مؤاخذة فيه بُهْتانٌ كذب مختلق لا أساس له يفاجأ به الشخص، ولم يكن يخطر له على بال فإن المرمى به يبهت ويدهش تَشِيعَ الْفاحِشَةُ تفشو وتظهر والفاحشة الفعل القبيح المفرط في القبح وقيل الفاحشة في هذه الآية القول السيئ خُطُواتِ الشَّيْطانِ المراد مسالكه ومذاهبه ووساوسه، وواحد الخطوات خطوة وهو ما بين القدمين السَّعَةِ الغنى والثراء وَلا يَأْتَلِ لا يحلف من الألية وهي اليمين وَلْيَعْفُوا أى: يمحو الذنب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع.
سبب النزول: كان من عادته ﷺ إذا خرج إلى غزوة أقرع بين نسائه، فمن خرجت قرعتها أخذها معه، وفي عزوة بنى المصطلق في السنة السادسة للهجرة خرج ومعه عائشة وفي رجوعه إلى المدينة نزل منزلا مع القوم ثم أمر بالرحيل، فسارت عائشة
стр. 1571
لبعض شأنها بعيدا عن الجيش ثم عادت وتفقدت عقدا لها فلم تجده، فعادت إلى مكانها في الخلا. تبحث عنه، وفي هذه الأثناء رحل القوم، وأتى الرجال إلى هودجها فحملوه، وكانت فتاة صغيرة قليلة اللحم فلم يشعروا بفقدها وعند ما عادت، لم تجد أحدا فنامت في مكانها وكان من عادة الجيش أن رجلا يتخلف ليأخذ ما ترك سهوا وكان هو صفوان بن المعطل السلمى، فلما أدركها عرفها، فأخذ يسترجع بعد أن أناخ راحلته بجوارها. فاستيقظت، وركبت وقاد هو الراحلة، وكانت آية الحجاب نزلت فلم يرها، وأدرك القوم في المنزل الثاني ومر على قوم من الجيش فيهم عبد الله ابن أبى ابن سلول زعيم المنافقين فسأل عنها فقيل: إنها عائشة فقال كلمة الإفك وفتن بكلامه نفر من المؤمنين، وبخاصة حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش.
وكان صفوان هذا من خيار الصحابة، وشهد غزوات الرسول، وقتل شهيدا في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمن عمر- ﵃ جميعا-.
وعقب رجوع الجيش من السفر مرضت عائشة شهرا في منزل الرسول ﷺ ولم تدر ما يقول الأفاكون، وهي تحدث نفسها وتقول: ما رابنى من رسول الله سوى أنى لم أر منه اللطف الذي اعتدته منه إذا كنت أشتكى، فكان يدخل ويسلم، ويقول:
كيف تيكم (وتى إشارة إلى المؤنث) ثم ينصرف، فلما برئت عرفت ما قيل فمرضت ثانية بأشد من المرة الأولى، فلما عادها رسول الله استأذنت منه في الانصراف إلى بيت أبيها فأذن لها، فأتت أمها، فاستيقنتها الخبر فقالت أمها: يا بنيّة هوّنى عليك فقلما كانت امرأة وضيئة ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقالت عائشة: سبحان الله!! ولقد تحدث الناس بهذا!! وملكها البكاء ليلتها لا يرقأ لها دمع، ولا ترى النوم.
ولما شاع الخبر وذاع، قام النبي ﷺ في المسجد خطيبا،
وقال: يا معشر المسلمين! من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟! يريد بذلك عبد الله ابن أبى بن سلول. فو الله ما علمت على أهلى إلا خيرا.
وروى أنه دخل عليها ﷺ فقال. يا عائشة، قد بلغني عنك كذا، وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه!! قالت عائشة: فلما قضى النبي مقالته تقلص دمعي من شدة الحزن والألم، ثم قالت لأبيها:
стр. 1572
أجب عنى رسول الله قال أبو بكر مقالة المؤمن بالله لا يرهقه ولده طغيانا وكفرا قال.
والله ما أدرى ما أقول، وقالت لأمها كذلك فأجابت بمثل جواب أبيها فقالت عائشة المؤمنة والواثقة في الله الذي يعلم السر وأخفى، وهو الحكم العادل: والله لقد علمت أنكم سمعتم ذلك القول حتى استقر في نفوسكم، ولئن قلت لكم إنى بريئة- والله يعلم أنى بريئة- لا تصدقوني، وإن اعترفت لكم بما يعلم الله أنى بريئة منه لتصدقننى، والله لا أجد لكم ولي مثلا إلا قول العبد الصالح أبى يوسف: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ واضطجعت في فراشها وقالت عائشة: وأنا أعلم أن الله سيبرئنى
. ولكن ما كنت أظن أن سينزل في شأنى وحيا يتلى.
ولقد نزل الوحى على رسول الله، وقلوب الناس تضطرب وبخاصة أبويها خوفا على عائشة ولكن عائشة واثقة من نفسها، ومطمئنة إلى ربها، نزل الوحى مبرئا عائشة مما رميت به
وقال النبي ﷺ أبشرى يا عائشة، أما والله لقد برأك الله فقالت لأمها:
لا أقوم إليه
، ولا أحمد إلا الله الذي برأنى، ونزلت الآيات العشر إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ إلى آخر الآيات.
كان مسطح قريب أبى بكر، كانت أمه بنت خالة أبى بكر، وكان ينفق عليه لفقره، فلما وقع في حديث الإفك حلف ألا ينفق عليه فنزل قوله تعالى: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى - إلى قوله: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
المعنى:
إن الذين جاءوا بالإفك، واختلقوا هذا الكذب البعيد عن الصدق جماعة صغيرة منكم تآمرت عليه، واجتمعت حوله، وأخذت تذيع الأراجيف فيه، فلم يأت به جمهرة المسلمين وجماعتهم، على أنهم فيكم، ومعدودون منكم، وهذا كله يجعلكم تهونون من شأن الحادثة. ولا تثور نفوسكم عليهم ثورة جامحة. فالمرء عادة عرضة لأن يصاب من أقاربه وأهل بيته وفي هذا سلوى للنبي ﷺ وآل بيته الكرام.
لا تحسبوا هذا الحدث شرا لكم بل هو خير لكم، وأى خير؟!
стр. 1573
إذ هو خير لعائشة حيث برئت منه في القرآن الكريم فكانت كمريم البتول وأصبح التصديق ببراءتها جزءا من إيمان كل مؤمن، وكل من شك فيه كفر.
وبعد أن بين أن فيه خيرا لا شرا أتبع ذلك بأن لكل امرئ منهم جزاء ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم وقاد هذه الحملة، وهو عبد الله بن أبى بن سلول، له عذاب عظيم من الله، وفي هذا تطمين لنفوسهم، فقد بان خيرهم، وانتقم لهم ممن آذاهم.
وهذا عتاب للمسلمين، وتربية لهم وتنبيه، حيث كان الواجب عليهم وقت أن سمعوا تلك المقالة الشنيعة أن يقيسوا الأمور بمقياس صحيح على أنفسهم فإذا كان مثل هذا بعيدا على المؤمن الذي عمر الإيمان قلبه من رجل وامرأة، أفلا يكون بعيدا بل مستحيلا على أمثال عائشة وصفوان؟!! فإذا قسنا هذا بقياس الإيمان أنتج هذه النتيجة، وهذا هو سر قوله تعالى: لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ.
وفي هذا بيان لموضع الإيمان من نفوس المؤمنين، وأنه مقياس صحيح، وأن المسلمين جميعا سواء، كان الواجب ألا يكتفوا بالظن الحسن في نفوسهم بل يقولون: هذا إفك وكذب ظاهر بين، فمن المستحيل أن تكون زوجة النبي زانية فإن الزنى أكبر عارا، وأشد حقارة من الكفر، ولقد صدر هذا الإفك من قوم عرفوا بالنفاق والكذب والزور، وكيف يتصور حصول هذا، فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله وعند الناس جميعا كاذبون!! ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة، بأن أمهلكم للتوبة في الدنيا وأرشدكم إلى الطريق، وفي الآخرة حيث قبل منكم التوبة، وأثابكم على امتثال الأمر.
ولولا هذا الفضل وتلك الرحمة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم، وقد أفاضوا في حديث الإفك، وأكثروا من الكلام فيه حتى فاض من جوانبهم كما يفيض الماء من الإناء والخطاب لجميع المسلمين، ومنهم ابن أبى، ولكنه ضيع الفضل والرحمة في الدنيا والآخرة لإصراره على الكلام، ووقوفه عند دعواه الباطلة لذلك مسه العذاب في الدنيا والآخرة.
стр. 1574
ولولا فضل الله عليكم وتوفيقه لكم، ورحمته بكم لمسكم بسبب ما أفضتم فيه من حديث الإفك عذاب عظيم وقت تلقفكم له بألسنتكم، فقد كانوا يتلاقون مع بعض، ويستثير أحدهم الآخر بسؤاله: ما وراءك؟ ليتكلم ويفيض في الإفك، ويتلقى القول منه، ويجتذبه بلسانه، لا أنه مجرد سماع عفوا، ولعل هذا السر في التقييد بقوله:
بِأَلْسِنَتِكُمْ نعم وكانوا يقولون هذا بملء أفواههم غير ملقين له بالا، ولا مقدرين له خطرا ويقولون بأفواههم ما ليس له في قلوبهم حجة ولا برهان، وتحسبونه هينا سهلا لا جرم فيه، وهو عند الله عظيم، وكيف لا يكون كبيرا وعظيما، وفيه رمى بيت النبوة بالزنى، وتدنيس فراش النبي بأقبح القاذورات، ترى أن الله عاتبهم على ثلاثة أمور:
(أ) تلقى ذلك بالسؤال عنه واستثارة المخاطب ليتكلم فيه.
(ب) قالوا بلا علم ولا دليل.
(ج) استهانوا بما صدر منهم، ولم يتبعوه باستغفار ولا استنكار!! ولولا قلتم أيها المسلمون حين سمعتم هذا الخبيث من الكلام: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا، ولا ينبغي أن نخوض في عرض النبي ﷺ بلا علم ولا حجة أبدا.
بل وتقولون: سبحانك يا رب وتنزيها لك وتقديسا أن ترضى لأكرم خلقك وأشرف الناس عندك أن يحل بأقرب الخلق إليه وألصقهم به تلك النقيصة وهذه الفاحشة سبحانك!! يا رب سبحانك!! هذا بهتان عظيم واختلاق أثيم يبهت له الإنسان ويدهش!! وقد روى أن بعض الصحابة قال ذلك حين سمع هذا.
وكل ما مضى من التسلية والتربية والتوجيه ليس الغرض منه التقريع والتوبيخ بل القصد هو أن يعظكم به ويرشدكم حتى لا تعودوا لمثله أبدا، إن كنتم مؤمنين، فهذا العمل وأمثاله يتنافى مع أصل الإيمان وحقيقته، ويبين الله لكم الآيات والله عليم بخلقه وبأحوالهم الخاصة والعامة السرية والجهرية حكيم يضع الأمور في نصابها.
وهذا نوع آخر لبيان جرم الوقوع في الأعراض، وإشاعة أخبار الزنى والفاحشة
стр. 1575
بين الناس، والناس يحسبون هذا هينا لأنه كلام باللسان لا أذى باليد والسنان، وما علموا أن جرح اللسان قد يكون أشد من جرح السيف والسنان.
إن الذين يحبون أن تشيع وتنتشر الفاحشة وأخبارها بين الناس، لهم عذاب مؤلم في الدنيا والآخرة، وإذا كان الهم بالمعصية ثم تركها لا عقوبة عليه، فما بال حب ذكر الفاحشة! عليه هذا العقاب!؟ ولعل في ذكر حب الفاحشة إشارة إلى أن هذا داء قلبي يصاب به من يريد التعالي على الناس وهو يحسدهم على ما آتاهم ربهم فتراه يحب من صميم قلبه أن يجرح كرامتهم وأن يقع في أعراضهم ظنّا منه أن هذا شرف له، وقد كان هذا مع ابن أبى ورسول الله، وهو كذلك مع كل إنسان يتكلم في الأعراض ولا تنس أن الآية تشير إلى أن حب إشاعة الفاحشة كاف في لحوق العذاب فما بال من يشيع بالفعل؟! ولعل المراد أن الذين يحبون أن تشيع أخبار الفاحشة، ولكن الآية تقول: يحبون أن تشيع الفاحشة نفسها لأن إشاعة الخبر يقتضى إشاعة الفاحشة نفسها ألا تراك تمتنع مع ذكر أخبار الفاحشة أمام أولادك لاعتقادك أن في هذا خطرا عليهم، ومن الحقائق المعلومة أن ذكر الفاحشة وأخبارها مما يقرب الشخص إليها حتى يقع فيها.
هؤلاء الذين أذاعوا أخبار الفاحشة في بيت النبوة لهم عذاب أليم في الدنيا بالحد والإهانة من الناس، ألم تعلم أن من يتكلم في أعراض الناس لا بد أن يتكلم الناس في عرضه؟ فمن غربل الناس نخلوه، ومن لا يتق الشتم يشتم، ولهم في الآخرة عذاب شديد.
وانظر إلى التعبير بالفاحشة عن الزنى فإنه أفحش الفواحش لما يلحق صاحبه من المهانة وتنكيس الرأس، والله يعلم هذا وأكثر منه وأنتم لا تعلمون الخطر في أعمالكم فمن الخير لكم أن تمتثلوا أمر الله، وإن الزمن يثبت هذا.
ولولا فضل الله عليكم ورحمته حيث أمركم بالخير، وهداكم إلى الطريق الحق، ونهاكم عما يقطع أوصالكم، ويزرع الضغينة في نفوسكم، وكفى شرّا أنه من دواعي الوقوع في نفس الفاحشة، والتكلم في العرض وبخاصة مثل هذه الحادثة فإنها تتعلق ببيت النبوة الذين هم أئمة يقلدون، حقّا لولا فضل الله ورحمته وأنه رءوف رحيم حيث بين لنا خطر هذا الفعل الشنيع، لولا هذا لوقعتم في المهالك، ولضلت بكم السبل فالحمد لله الذي هدانا لهذا.
стр. 1576
وهذا تحذير من الشيطان ووسوسته بعد تحذيرنا من النفس الأمارة بالسوء التي تحب دائما إذاعة الفاحشة فإن المعاصي تقع دائما من قائد يأمر بالسوء وهو الشيطان ونفس مدفوعة إلى الشر بطبعها.
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومسالكه فإنه يأمركم بالفحشاء والمنكر ويدعوكم دائما إلى كل ضار في دينكم ودنياكم الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [سورة البقرة آية ٢٦٨] .
والشيطان يوسوس للنفوس الضعيفة، ويزين لها الوقوع في المعاصي، عن طريق التدرج خطوة فخطوة حتى يتم له ما أراد، وإن خطوات الشيطان تكون فيما نحقر من أعمالنا «ولكنها تجرنا إلى المهالك» .
فأعظم حادثة أو أكبر فاحشة لا تقع دفعة واحدة، ولكن لها خطوات يضعها الشيطان حتى يتم له ما أراد. نظرة ... فكلام ... فموعد ... فلقاء.. فوقوع في المهالك ... وهكذا.
يحكى أن عابدا في صومعته كان بجواره رجلان لهما أخت، فسافرا لأمر، وتركا أختهما في حراسة العابد، فكان كل يوم يضع لها الطعام أمام باب الصومعة لتأخذه فوسوس له الشيطان أن يضع الطعام على باب بيتها بحجة أنها لا تتجشم مشقة التعب والحضور إليه، ثم انتقل إلى خطوة أخرى، وهي أن يزيدها إكراما فيطلبها لتأخذ الطعام، ثم انتقل إلى خطوة ثالثة ورأى من وسوسة الشيطان أن المرأة في طول مقامها منفردة تلقى مشقة وتعبا فقد يكون من الخير لها أن تجلس معه ليسرى عنها بالتحدث إليه فترة وجيزة ففعل، وهنا ينطبق
الحديث «ما اجتمع رجل بامرأة إلّا وكان الشّيطان ثالثهما»
، فلما اجتمعا وقعا في التهلكة، لأن العابد مهما كان فهو رجل، والمرأة مهما كانت فهي أنثى، وفيها الغريزة الجنسية! فأنت ترى أن الشيطان جاءهما من طريق مؤثر، وهو في الظاهر خير، فحقّا لا تتبعوا خطوات الشيطان، إنه للإنسان عدو مبين.
أبعد هذا يتوانى المسلمون في فهم الحقائق البشرية، وتطبيق قواعد الدين؟! ومن العجب أن ينادى بعض المسلمين بالاختلاط بين الجنسين، ويجره الشيطان إلى هذا بحجة أن الاختلاط يمنع الوقوع في المعصية، وما علم أن الطبيعة البشرية أقوى، ولا يعدلها
стр. 1577
ويخفف من حدتها، ويوجهها إلى الوجهة العليا إلا الخوف من الله، وتلاوة القرآن ومدارسة الحديث، ومجالسة العلماء، والانضمام إلى الجمعيات الدينية حتى يشغل فراغه ويصرف وقته في النافع، وإن أساس الوقوع في المعصية هو الشباب والفراغ والمال فإذا أمكننا صرف الشباب إلى الوجهة النافعة، وشغل وقتهم وفراغهم بالهوايات الصالحة النافعة كالرياضة البدنية وغيرها توصلنا بهذا إلى التقليل من وقوع الجرائم الجنسية. والنبي ﷺ قد عالج هذا الموضوع
بقوله «يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة- أى:
النكاح- فليتزوّج وإلّا فعليه بالصّوم فإنّه له وجاء»
ولا شك أن في الصوم جنة، ورياضة روحية، وإضعافا للقوة الجسمية.
يا جماعة المسلمين: لولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا وكيف يسير الإنسان على الصراط المستقيم، وهو بين قائد ضال ودافع أضل؟ ولكن الله يزكى من يشاء، ويهدى إليه من ينيب، والله سميع عليم، ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، وهو يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون.
أليس في هذا خير لنا وهداية؟ نسأله التوفيق والسداد.
ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أى: لا يحلف أصحاب الغنى والجاه أن يؤتوا أولى القربى والمساكين مما أعطاهم الله من خيره جزاء ما اشتركوا في إثم الإفك، وهذا نهى لأبى بكر حتى لا يمنع مسطحا من النفقة التي كان يجريها، وهكذا كل مسلم.
وليعفوا عن السيئات، وليصفحوا عن العصاة والمذنبين، ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ وهذا تمثيل أى كما تحبون أن يغفر الله لكم، فاغفروا أنتم لمن دونكم
«من لا يرحم لا يرحم»
والله سبحانه كثير المغفرة والرحمة فاقتدوا به واعملوا بما أمر فهو خير لكم.
نهاية القصة [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٣ الى ٢٦]
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥) الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)
стр. 1578
المفردات:
لُعِنُوا طردوا من الرحمة دِينَهُمُ المراد جزاءهم مُبَرَّؤُنَ منزهون وهذا بعد الكلام الخاص في العفو والصفح عن بعض من خاض في الإفك كالدليل على أن هذا الجرم شديد وجزاؤه عظيم.
المعنى:
إن الذين يرمون المحصنات العفيفات الغافلات البعيدات عن التفكير في المعاصي والفواحش المؤمنات الصادقات هؤلاء لعنوا في الدنيا ولعنوا في الآخرة، ولهم عذاب عظيم هوله شديد وقعه.
ومن المعلوم أن هذا الحكم- مع من يرمى المحصن الغافل المؤمن- كذلك وإنما تخصيصهن بالذكر، لأنه الكثير الغالب، وأن رمى النساء بالإفك أكبر إساءة لهن، وهذا هو الموافق لحديث الإفك.
ولا شك أن القذف بالزنا كالرمى بالحجارة التي تصيب كل من يصادفها بلا تفريق بين أب أو زوج أو أخ أو قريب.
والإحصان والغفلة والإيمان حواجز وموانع كان الواجب أن تمنع القذف وهي كالسبب المقتضى لذلك الجزاء الشديد لمن يقذف المحصنات.
وهؤلاء القذفة وبخاصة من قذف السيدة عائشة ملعونون على لسان الملائكة والمؤمنون إلى يوم القيامة، ومطرودون من رحمة الله في الدنيا حيث استحق الحد والتعذيب،
стр. 1579
ولعن في الآخرة حيث استحق العذاب الشديد وعظم العذاب بقدر عظيم الجرائم، ومن يقذف بالفاحشة بريئا فقد أقض مضاجع، ونال من كرامات وثلم من شرف، وآذى من أبرياء، فهو يستحق هذا العذاب، وإن الله لا يظلم الناس شيئا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون.
نعم هم يستحقون ذلك العذاب يوم تشهد عليهم ألسنتهم.
ولعل هؤلاء الناس يوم القيامة يحاولون الإنكار والتنصل فيمنعهم الله من الإنكار، ثم ينطق ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بما اقترفوا قطعا لعذرهم. وتنكيلا بهم. كل ذلك بسبب ما كانوا يعملون، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعطيهم جزاءهم كاملا عادلا لا يزيد على جريرتهم ولا ينقص.
ويومئذ يرون أن كل ما وعد به الرسل، وما وصفوا به من عذاب العصاة وثواب الطائعين كله حق ولا شك فيه ولا مرية وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ وهل هذه الآية عامة في كل محصنة غافلة مؤمنة؟ وإن كان سبب النزول قصة عائشة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أم هو خاص بعائشة- ﵂ نظرا إلى شدة الوعيد وعدم ذكر التوبة، وقيل إن الآية خاصة بكفار قريش إذ كانوا يرمون المؤمنات المهاجرات بأنهن هاجرن للفجور.
والظاهر والله أعلم أنها عامة في محصنة غافلة مؤمنة، والسيدة عائشة وأمهات المؤمنين داخلات فيها دخولا أوليّا، وعظم الجزاء لعظم الجرم، وعدم ذكر التوبة لا يمنع من قبولها فبابها مفتوح حتى للكفار.
كيف ترمون بيت النبوة بهذا الإفك؟!! أو ما علمتم أن الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، وهذا حكم غالبى فالخبيث يكون للخبيثة، ولا يصح أن يتخلف هذا الحكم في أشرف بيت ومع أكرم خلق الله على الله.
والطيبات من النساء كالسيدة عائشة وغيرها من أمهات المؤمنين للطيبين من الرجال فالله يختار لكل فئة ما يناسبها ويليق بها، فلا يمكن أن يختار أخبث الخبيثات لأطيب الطيبين، وهذا قريب مما سبق في قوله: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وعند بعضهم أن المراد الخبيثات والطيبات من الكلام
стр. 1580
للخبيثين والطيبين من الرجال والنساء، على معنى أن خبيث القول إنما يوجه للخبيث من الناس، والخبيث من الناس هو المستحق للخبيث من الكلام.
أولئك المذكورون من الطيبين والطيبات مبرأون مما يقول الخبيثون والخبيثات. وكلا المعنيين مروى عن ابن عباس.
والرأى الأول هو الظاهر والله أعلم.
الاستئذان وآدابه [سورة النور (٢٤) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَداً فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩)
المفردات:
بُيُوتاً جمع بيت وهو المسكن لأن المرء يأوى عادة إلى مسكنه ليلا تَسْتَأْنِسُوا المراد تستأذنوا لأن من دخل بيتا غير بيته تلازمه الوحشة حتى يؤذن له لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أى لا حرج ولا إثم.
وهذا حكم آخر يتعلق بالأسرة والبيوت، وهو مناسب لأصل الموضوع الأول، ومن دواعي البعد عن الريبة والظن والوقوع في الزنى، وأسس الآداب والمدنية والإنسانية.